2. السيرة النبوية
التاريخ 460لا حكم مسجّل
فَضْلِ الْعَرَبِ وَحُبِّهِمْ لَمَّا كَانَتِ الْعَرَبُ أَصْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَسُنَ ذِكْرُ بَعْضِ فَضَائِلِهِمْ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؓ: لَيْسَ فِي الْعَرَبِ قَبِيلَةٌ إِلَّا وَقَدْ وَلَدَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُضَرِيُّهَا وَرَبِيعِيُّهَا وَيَمَانِيُّهَا. رَوَاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي أُسَامَةَ وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَفِيهِ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ: فِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَخَيَّرَ الْعَرَبَ مِنْ خَلْقِهِ وَتَخَيَّرَهُ ﷺ مِنْهُمْ. عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَاخْتَارَ مِنَ الْخَلْقِ بَنِي آدَمَ، وَاخْتَارَ مِنْ بَنِي آدَمَ الْعَرَبَ، وَاخْتَارَ مِنَ الْعَرَبِ مُضَرَ، وَاخْتَارَ مِنْ مُضَرَ قُرَيْشًا، وَاخْتَارَ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاخْتَارَنِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا خِيَارٌ مِنْ خِيَارٍ إِلَى خِيَارٍ، فَمَنْ أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ. وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ اخْتَارَ الْعَرَبَ، ثُمَّ اخْتَارَ مِنَ الْعَرَبِ قُرَيْشًا، ثُمَّ اخْتَارَتْ مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، ثُمَّ اخْتَارَنِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، فَأَنَا خِيرَةٌ مِنْ خِيرَةٍ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الْخَلْقَ بَعَثَ جِبْرِيلَ فَقَسَمَ النَّاسَ قِسْمَيْنِ، فَقَسَمَ الْعَرَبَ قِسْمًا وَقَسَمَ الْعَجَمَ قِسْمًا، وَكَانَتْ خِيرَةُ اللَّهِ فِي الْعَرَبِ، ثُمَّ قَسَمَ الْعَرَبَ قِسْمَيْنِ، فَقَسَمَ الْيَمَنَ قِسْمًا وَقَسَمَ مُضَرَ قِسْمًا وَقُرَيْشًا قِسْمًا، وَكَانَتْ خِيرَةُ اللَّهِ فِي قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَخْرَجَنِي مِنْ خَيْرِ مَنْ أَنَا مِنْهُ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ إِسْنَادَهُ. وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. حب العرب حب للنبي ﷺ النَّوْعُ الثَّانِي: فِي أَنَّ حُبَّ الْعَرَبِ حُبٌّ لِلنَّبِيِّ ﷺ. عَنْ أَنَسٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ أَحَبَّ الْعَرَبَ فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَقَدْ أَبْغَضَنِي". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ: وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ الْعَرَبَ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ وَمَنْ أَبْغَضَ الْعَرَبَ فَبِبُغْضِي أَبْغَضَهُمْ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ: لِأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ". بغض العرب مفارقة للدين النَّوْعُ الثَّالِثُ: فِي أَنَّ بُغْضَ الْعَرَبِ مُفَارَقَةٌ لِلدِّينِ. عَنْ سَلْمَانَ ؓ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا سَلْمَانُ لَا تُبْغِضْنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُبْغِضُكَ وَبِكَ هَدَانِي اللَّهُ؟ قَالَ: "تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَعَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "لَا يُبْغِضُ الْعَرَبُ إِلَّا مُنَافِقٌ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. النَّوْعُ الرَّابِعُ: فِي فَضْلِ قُرَيْشٍ. عَنْ أَنَسٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حُبُّ قُرَيْشٍ إِيمَانٌ وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ". رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَعَنْ مُعَاوِيَةَ ؓ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ يُرِدْ هَوَانَ قُرَيْشٍ أَهَانَهُ اللَّهُ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لَأَخْبَرْتُهَا بِمَا لَهَا عِنْدَ اللَّهِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَ الْعِرَاقِيُّ إِسْنَادَهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْتَمِسُوا الْأَمَانَةَ فِي قُرَيْشٍ فَإِنَّ الْأَمِينَ فِي قُرَيْشٍ لَهُ فَضْلَانِ عَلَى أَمِينٍ مِنْ سِوَاهُمْ، وَإِنَّ قَوِيَّ قُرَيْشٍ لَهُ فَضْلَانِ عَلَى قَوِيٍّ مِنْ سِوَاهُمْ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى. وَحَسَّنَ الْهَيْثَمِيُّ إِسْنَادَهُ. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الزُّبَيْدِيِّ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "الْعِلْمُ فِي قُرَيْشٍ وَالْأَمَانَةُ فِي الْأَزْدِ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَ الْهَيْثَمِيُّ إِسْنَادَهُ. وَعَنْ رَفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ قُرَيْشًا أَهْلُ أَمَانَةٍ، فَمَنْ بَغَى لَهُمُ الْعَوَاثِرَ أَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى مِنْخَرَيْهِ" قَالَهَا ثَلَاثًا. رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ قَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ؓ أَنَّهُ وَقَعَ بِقُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا قَتَادَةُ لَا تَسُبَّنَّ قُرَيْشًا فَإِنَّهُ لَعَلَّكَ أَنْ تَرَى مِنْهُمْ رِجَالًا تَزْدَرِي عَمَلَكَ مَعَ أَعْمَالِهِمْ وَفِعْلَكَ مَعَ أَفْعَالِهِمْ وَتَغْبِطُهُمْ إِذَا رَأَيْتَهُمْ، لَوْلَا أَنْ تَطْغَى قُرَيْشٌ لَأَخْبَرْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ، وَصَحَّحَ الْعِرَاقِيُّ إِسْنَادَهُ. وَفِي لَفْظٍ: إِنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيَّ السُّلَمِيَّ قَالَ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: هَذَا يَوْمٌ يُذِلُّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا. فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو قَتَادَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: "مَهْلًا يَا أَبَا قَتَادَةَ إِنَّكَ لَوْ وَزَنْتَ حِلْمَكَ مَعَ حُلُومِهِمْ لَتَحَاقَرْتَ حِلْمَكَ مَعَ حُلُومِهِمْ، وَلَوْ وَزَنْتَ رَأْيَكَ مَعَ رَأْيِهِمْ لَتَحَاقَرْتَ رَأْيَكَ مَعَ رَأْيِهِمْ، وَلَوْ وَزَنْتَ فِعَالَكَ مَعَ فِعَالِهِمْ لَتَحَاقَرْتَ فِعْلَكَ مَعَ فِعَالِهِمْ، لَا تُعَلِّمُوا قُرَيْشًا وَتَعَلَّمُوا مِنْهُمْ، فَلَوْلَا أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا لَهُمْ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَقَدَّمُوا قُرَيْشًا فَتَهْلَكُوا وَلَا تَتَخَلَّفُوا عَنْهَا فَتَضِلُّوا وَلَا تُعَلِّمُوهَا وَتَعَلَّمُوا مِنْهَا، فَإِنَّهَا أَعْلَمُ مِنْكُمْ، لَوْلَا أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لَأَخْبَرْتُهُمْ بِالَّذِي لَهَا عِنْدَ اللَّهِ". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ وَحَسَّنَ الْعِرَاقِيُّ إِسْنَادَهُ. وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "فَضَّلَ اللَّهُ قُرَيْشًا بِسَبْعِ خِصَالٍ لَمْ يُعْطِهَا أَحَدًا قَبْلَهُمْ وَلَا يُعْطِيهَا أَحَدًا بَعْدَهُمْ: فَضَّلَ اللَّهُ قُرَيْشًا بِأَنِّي مِنْهُمْ، وَأَنَّ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وَأَنَّ الْحِجَابَةَ فِيهِمْ وَأَنَّ السِّقَايَةَ فِيهِمْ وَنَصَرَهُمْ عَلَى الْفِيلِ، وَعَبَدُوا اللَّهَ عَشْرَ سِنِينَ لَا يَعْبُدُهُ غَيْرُهُمْ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ تَنْزِلْ فِي أَحَدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَ الْعِرَاقِيُّ إِسْنَادَهُ. وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَيَرْحَمُ اللَّهُ تَعَالَى الْعَلَّامَةَ ابْنَ جَابِرٍ حَيْثُ قَالَ فِي بَدِيعِيَّتِهِ: مِنْ أَعْرَبِ الْعُرْبِ إِلَّا أَنَّ نِسْبَتَهُ إِلَى قُرَيْشٍ حُمَاةِ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ لَا عَيْبَ فِيهِمْ سِوَى أَلَّا تَرَى لَهُمْ ضَيْفًا يَجُوعُ وَلَا جَارًا بِمُهْتَضَمِ مَا عَابَ مِنْهُمْ عَدُوٌّ غَيْرَ أَنَّهُمُ لَمْ يَصْرِفُوا السَّيْفَ يَوْمًا عَنْ عَدُوِّهِمُ مَنْ غَضَّ مِنْ مَجْدِهِمْ فَالْمَجْدُ عَنْهُ نَأَى لَكِنَّهُ غُصَّ إِذْ سَادُوا عَلَى الْأُمَمِ لَا خَيْرَ فِي الْمَرْءِ لَمْ يَعْرِفْ حُقُوقَهُمُ لَكِنَّهُ مِنْ ذَوِي الْأَهْوَاءِ وَالتُّهَمِ عِيبَتْ عِدَاهُمْ فَزَانُوهُمْ بِأَنْ تَرَكُوا سُيُوفَهُمْ وَهِيَ تِيجَانٌ لِهَامِهِمْ تَجْرِي دِمَاءُ الْأَعَادِي مِنْ سُيُوفِهِمُ مِثْلَ الْمَوَاهِبِ تَجْرِي مِنْ أَكُفِّهِمِ لَهُمْ أَحَادِيثُ مَجْدٍ كَالرِّيَاضِ إِذَا أَهْدَتْ نَوَاسِمُ حُبِّي بَارِئَ النَّسَمِ تَرَى الْغَنِيَّ لَدَيْهِمْ وَالْفَقِيرَ وَقَدْ عَادُوا سَوَاءً فَلَازِمْ بَابَ قَصْدِهِمِ قُلْ لِلصَّبَاحِ إِذَا مَا لَاحَ نُورُهُمْ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ هَذَا النُّورُ فَابْتَسِمِ إِذَا بَدَا الْبَدْرُ تَحْتَ اللَّيْلِ قُلْتَ لَهُ أَأَنْتَ يَا بَدْرُ أَمْ مَرْأَى وُجُوهِهِمِ كَانُوا عُيُونًا وَلَكِنْ لِلْعُفَاةِ كَمَا كَانُوا لُيُوثًا وَلَكِنْ فِي عِدَاتِهِمِ كَمْ قَائِلٍ قَالَ حَازَ الْمَجْدَ وَارِثُهُ فَقُلْتُ هُمْ وَارِثُوهُ عَنْ جُدُودِهِمِ قَدْ أَوْرَثَ الْمَجْدَ عَبْدَ اللَّهِ شَيْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عَنْ قُصَيِّهِمِ فَجَاءَ فِيهِمْ بِمَنْ جَالَ السَّمَاءُ وَمَنْ سَمَا عَلَى النَّجْمِ فِي سَامِي بُيُوتِهِمِ فَالْعُرْبُ خَيْرُ أُنَاسٍ ثُمَّ خَيْرُهُمُ قُرَيْشُ هُمْ وَهُوَ مِنْهُمْ خَيْرُ خَيْرِهِمِ قَوْمٌ إِذَا قِيلَ مَنْ؟ قَالُوا نَبِيُّكُمْ مِنَّا، فَهَلْ هَذِهِ تُلْفَى لِغَيْرِهِمِ إِنْ تَقْرَأِ "النَّحْلَ" تَنْحَلْ جِسْمَ حَاسِدِهِمْ وَفِي "بَرَاءَةَ" يَبْدُو وَجْهُ جَاهِهِمِ قَوْمُ النَّبِيِّ فَإِنْ تَحْفِلْ بِغَيْرِهِمِ بَيْنَ الْوَرَى فَقَدِ اسْتَسْمَنْتَ ذَا وَرَمِ إِنْ يَجْحَدِ الْعُجْمُ فَضْلَ الْعُرْبِ قُلْ لَهُمُ خَيْرُ الْوَرَى مِنْكُمْ أَمْ مِنْ صَمِيمِهِمِ مَنْ فَضَّلَ الْعُجْمَ فَضَّ اللَّهُ فَاهُ وَلَوْ فَاهُوا لَغَصُّوا وَغَضُّوا مِنْ نَبِيِّهِمِ
التاريخ 461لا حكم مسجّل
الْكَلَامُ عَلَى قُرَيْشٍ نَسَبًا وَاشْتِقَاقًا وَفَضْلًا وَهُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأُمُّ النَّضْرِ بَرَّةُ بِنْتُ مُرِّ بْنِ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ، وَسَائِرُ بَنِيهِ لِامْرَأَةٍ أُخْرَى، وَخَالَفَهُ ابْنُ هِشَامٍ فَجَعَلَ بَرَّةَ بِنْتَ مُرٍّ أُمَّ النَّضْرِ وَمَالِكٍ وَمِلْكَانَ، وَأُمَّ عَبْدِ مَنَاةَ هَالَةَ بِنْتَ سُوَيْدِ بْنِ الْغِطْرِيفِ، مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّضْرُ هُوَ قُرَيْشٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، وَقَالَ: وَيُقَالَ: فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ هُوَ قُرَيْشٌ فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، وَهَذَانَ الْقَوْلَانِ قَدْ حَكَاهُمَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ النَّسَبِ كَالشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ وَمُصْعَبٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ أَنَّهُ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ ; لِحَدِيثِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قُلْتُ: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ ابْنُ الْمُثَنَّى وَهُوَ جَادَّةُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؓ، ثُمَّ اخْتَارَ أَبُو عُمَرَ أَنَّهُ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ الْيَوْمَ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى قُرَيْشٍ إِلَّا وَهُوَ يَرْجِعُ فِي نَسَبِهِ إِلَى فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، ثُمَّ حَكَى اخْتِيَارَ هَذَا الْقَوْلِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ، وَمُصْعَبٍ الزُّبَيْرِيِّ، وَعَلِيِّ بْنِ كَيْسَانَ قَالَ: وَإِلَيْهِمُ الْمَرْجِعُ فِي هَذَا الشَّأْنِ وَقَدْ قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ تفرق نسب قريش من فهر بن مالك وَقَدْ أَجْمَعَ نُسَّابُ قُرَيْشٍ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ قُرَيْشًا إِنَّمَا تَفَرَّقَتْ مِنْ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ وَالَّذِي عَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ نُسَّابِ قُرَيْشٍ أَنَّ وَلَدَ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ قُرَشِيٌّ، وَأَنَّ مَنْ جَاوَزَ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ بِنَسَبِهِ فَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ نَصْرًا عَزِيزًا، وَتَحَامَى لَهُ بِأَنَّهُ وَنَحْوَهُ أَعْلَمُ بِأَنْسَابِ قَوْمِهِمْ، وَأَحْفَظُ لِمَآثِرِهِمْ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ قَالَ: قَلْتُ لِرَبِيبَةِ النَّبِيِّ ﷺ - يَعْنِي زَيْنَبَ فِي حَدِيثٍ ذَكَرَهُ -: أَخْبِرِينِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَكَانَ مِنْ مُضَرَ ؟ قَالَتْ: فَمِمَّنْ كَانَ إِلَّا مِنْ مُضَرَ ؟ مِنْ بَنِي النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَائِلَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْبَجَلِيُّ ثنا الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْجُفْشِيشِ الْكِنْدِيِّ قَالَ: جَاءَ قَوْمٌ مِنْ كِنْدَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: أَنْتَ مِنَّا وَادَّعَوْهُ، فَقَالَ: لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا، نَحْنُ وَلَدُ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: ثنا أَبِي ثنا الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ يُقَالُ لَهُ: الْجُفْشِيشُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزْعُمُ أَنَّ عَبْدَ مَنَافٍ مِنَّا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ عَادَ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا فَقَالَ الْأَشْعَثُ: أَلَا كُنْتَ سَكَتَّ مِنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى فَأَبْطَلَ ذَلِكَ قَوْلَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ ﷺ. وَهَذَا غَرِيبٌ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْكَلْبِيُّ ضَعِيفٌ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا بَهْزٌ وَعَفَّانُ قَالَا: ثنا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: ثني عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَقَالَ عَفَّانُ: عَقِيلُ بْنُ طَلْحَةَ السُّلَمِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْهَيْصَمِ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ قَالَ عَفَّانُ: لَا يَرَوْنِي أَفْضَلَهُمْ قَالَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَزْعُمُ أَنَّكُمْ مِنَّا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لَا نَقْفُو أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا قَالَ: فَقَالَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ: فَوَاللَّهِ لَا أَسْمَعُ أَحَدًا نَفَى قُرَيْشًا مِنَ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ، وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ وَهُوَ فَيْصَلٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا الْتِفَاتَ إِلَى قَوْلِ مَنْ خَالَفَهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ التَّمِيمِيُّ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَمَا الْأُمُّ الَّتِي وَلَدَتْ قُرَيْشًا بِمُقْرِفَةِ النِّجَارِ وَلَا عَقِيمِ وَمَا قَرْمٌ بِأَنْجَبَ مِنْ أَبِيكُمْ وَلَا خَالٌ بِأَكْرَمَ مِنْ تَمِيمِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يَعْنِي أَمَّ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَهِيَ بَرَّةُ بِنْتُ مُرٍّ أُخْتُ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ. اشتقاق قريش وَأَمَّا اشْتِقَاقُ قُرَيْشٍ فَقِيلَ: مِنَ التَّقَرُّشِ وَهُوَ التَّجَمُّعُ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ فَإِنَّهُمْ كَانُوا مُتَفَرِّقِينَ فَجَمَعَهُمْ بِالْحَرَمِ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَقَدْ قَالَ حُذَافَةُ بْنُ غَانِمٍ الْعَدَوِيُّ أَبُوكُمْ قُصَيٌّ كَانَ يُدْعَى مُجَمِّعًا بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ قُصَيٌّ يُقَالَ لَهُ: قُرَيْشٌ، قِيلَ: مِنَ التَّجَمُّعِ. وَالتَّقَرُّشُ: التَّجَمُّعُ كَمَا قَالَ أَبُو خَلْدَةَ الْيَشْكُرِيُّ إِخْوَةٌ قَرَشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنَا فِي حَدِيثٍ مِنْ دَهْرِنَا وَقَدِيمِ وَقِيلَ: سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ مِنَ التَّقَرُّشِ وَهُوَ التَّكَسُّبُ وَالتِّجَارَةُ، حَكَاهُ ابْنُ هِشَامٍ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْقِرْشُ الْكَسْبُ وَالْجَمْعُ، وَقَدْ قَرَشَ يَقْرِشُ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَبِهِ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ وَهِيَ قَبِيلَةٌ، وَأَبُوهُمُ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ دُونَ وَلَدِ كِنَانَةَ فَمَا فَوْقَهُ، وَقِيلَ: مِنَ التَّفْتِيشِ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ تَسَمَّى قُرَيْشًا; لِأَنَّهُ كَانَ يَقْرُشُ عَنْ خَلَّةِ النَّاسِ، وَحَاجَتِهِمْ فَيَسُدُّهَا بِمَالِهِ وَالتَّقَرُّشِ هُوَ التَّفْتِيشُ وَكَانَ بَنُوهُ يَقْرُشُونَ أَهْلَ الْمَوْسِمِ عَنِ الْحَاجَّةِ فَيَرْفِدُونَهُمْ بِمَا يُبَلِّغُهُمْ بِلَادَهُمْ فَسُمُّوا بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ وَقَرْشِهِمْ قُرَيْشًا، وَقَدْ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ فِي بَيَانِ أَنَّ التَّقَرُّشَ التَّفْتِيشُ أَيُّهَا النَّاطِقُ الْمُقَرِّشُ عَنَّا عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إِبْقَاءُ حَكَى ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، وَقِيلَ: قُرَيْشٌ تَصْغِيرُ قِرْشٍ، وَهُوَ دَابَّةٌ فِي الْبَحْرِ. قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ وَقُرَيْشٌ هِي الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرِ بْنُ قَتَادَةَ ثنا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْمَالِينِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنُ الْخَلِيلِ النَّسَوِيُّ أَنَّ أَبَا كُرَيْبٍ حَدَّثَهُمْ حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي رُكَانَةَ الْعَامِرِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: فَلِمَ سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا ؟ فَقَالَ: لِدَابَّةٍ تَكُونُ فِي الْبَحْرِ تَكُونُ أَعْظَمَ دَوَابِّهِ فَيُقَالَ لَهَا: الْقِرْشُ لَا تَمُرُّ بِشَيْءٍ مِنَ الْغَثِّ وَالسَّمِينِ إِلَّا أَكَلَتْهُ. قَالَ: فَأَنْشِدْنِي فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَأَنْشَدَهُ شِعْرَ الْجُمَحِيِّ إِذْ يَقُولُ وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشَا تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تَتْرُكُ لِذِي الْجَنَاحَيْنِ رِيشَا هَكَذَا فِي الْبِلَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَمِيشَا وَلَهُمْ آخِرَ الزَّمَانِ نَبِيٌّ يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا وَقِيلَ: سُمُّوا بِقُرَيْشِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ وَكَانَ دَلِيلَ بَنِي النَّضْرِ، وَصَاحِبِ مِيرَتِهِمْ فَكَانَتِ الْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ جَاءَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ، قَالُوا: وَابْنُ بَدْرِ بْنِ قُرَيْشٍ هُوَ الَّذِي حَفَرَ الْبِئْرَ الْمَنْسُوبَةَ إِلَيْهِ، الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهَا الْوَقْعَةُ الْعُظْمَى يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيُقَالُ فِي النِّسْبَةِ إِلَى قُرَيْشٍ: قُرَشِيُّ وَقُرَيْشِيُّ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَهُوَ الْقِيَاسُ قَالَ الشَّاعِرُ لِكُلِّ قُرَيْشِيٍّ عَلَيْهِ مَهَابَةٌ سَرِيعٌ إِلَى دَاعِي النَّدَا وَالتَّكَرُّمِ قَالَ: فَاذَا أَرَدْتَ بِقُرَيْشٍ الْحَيَّ صَرَفْتَهُ، وَإِنْ أَرَدْتَ الْقَبِيلَةَ مَنَعْتَهُ، قَالَ الشَّاعِرُ فِي تَرْكِ الصَّرْفِ: وَكَفَى قُرَيْشَ الْمُعْضِلَاتِ وَسَادَهَا وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُمَرَ وَالْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي شَدَّادٌ أَبُو عَمَّارٍ حَدَّثَنِي وَاثِلَةُ بْنُ الْأَسْقَعِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمَ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَالَ أَبُو عُمَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: يُقَالَ: بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَصِيلَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبَنُو هَاشِمٍ فَخِذُهُ، وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ بَطْنُهُ، وَقُرَيْشٌ عِمَارَتُهُ، وَبَنُو كِنَانَةَ قَبِيلَتُهُ، وَمُضَرُ شِعْبُهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ مَالِكًا وَيَخْلُدَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالصَّلْتَ، وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا بِنْتُ سَعْدِ بْنِ الظَّرِبِ الْعَدْوَانِيِّ قَالَ كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ أَحَدُ بَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ: أَلَيْسَ أَبِي بِالصَّلْتِ أَمْ لَيْسَ إِخْوَتِي لِكُلِّ هِجَانٍ مِنْ بَنِي النَّضْرِ أَزْهَرَا رَأَيْتُ ثِيَابَ الْعَصْبِ مُخْتَلِطَ السَّدَى بِنَا وَبِهِمْ وَالْحَضْرَمِيَّ الْمُخَصَّرَا فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا مِنْ بَنِي النَّضْرِ فَاتْرُكُوا أَرَاكًا بِأَذْنَابِ الْفَوَائِجِ أَخْضَرَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَنُو مَلِيحِ بْنِ عَمْرٍو يُعْزَوْنَ إِلَى الصَّلْتِ بْنِ النَّضْرِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ، وَأُمُّهُ جَنْدَلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْأَصْغَرُ، وَوَلَدَ فِهْرٌ غَالِبًا وَمُحَارِبًا وَالْحَارِثَ وَأَسَدًا، وَأُمُّهُمْ لَيْلَى بِنْتُ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأُخْتُهُمْ لِأَبَوَيْهِمْ جَنْدَلَةُ بِنْتُ فِهْرٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ غَالِبُ بْنُ فِهْرٍ لُؤَيَّ بْنَ غَالِبٍ وَتَيْمَ بْنَ غَالِبٍ وَهُمُ الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الْأَدْرَمِ، وَأُمُّهُمَا سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَيْسُ بْنُ غَالِبٍ، وَأُمُّهُ سَلْمَى بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ، وَهِيَ أَمُّ لُؤَيٍّ وَتَيَّمٍ ابْنَيْ غَالِبٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ كَعْبًا وَعَامِرًا وَسَامَةَ وَعَوْفًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَالْحَارِثَ وَهُمْ جُشَمُ بْنُ الْحَارِثِ فِي هِزَّانَ مِنْ رَبِيعَةَ، وَسَعْدَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَهُمْ بُنَانَةُ فِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَبُنَانَةُ حَاضِنَةٌ لَهُمْ، وَخُزَيْمَةَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَهُمْ عَائِذَةُ فِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ خَبَرَ سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، وَأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى عَمَّانَ فَكَانَ بِهَا; وَذَلِكَ لِشَنَآنٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ عَامِرَ فَأَخَافُهُ عَامِرٌ فَخَرَجَ عَنْهُ هَارِبًا إِلَى عُمَانَ، وَأَنَّهُ مَاتَ بِهَا غَرِيبًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى نَاقَتَهُ فَعَلِقَتْ حَيَّةٌ بِمِشْفَرِهَا فَوَقَعَتْ لِشِقِّهَا، ثُمَّ نَهَشَتِ الْحَيَّةُ سَامَةَ حَتَّى قَتَلَتْهُ فَيُقَالَ: إِنَّهُ كَتَبَ بِأُصْبُعِهِ عَلَى الْأَرْضِ عَيْنُ فَابْكِي لِسَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ عَلِقَتْ مَا بِسَامَةَ الْعِلَّاقَهْ لَا أَرَى مِثْلَ سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ يَوْمَ حَلُّوا بِهِ قَتِيلًا لِنَاقَهْ بَلِّغَا عَامِرًا وَكَعْبًا رَسُولًا أَنَّ نَفْسِي إِلَيْهِمَا مُشْتَاقَهْ إِنْ تَكُنْ فِي عُمَانَ دَارِي فَإِنِّي غَالِبِيٌّ خَرَجْتُ مِنْ غَيْرِ فَاقَهْ رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يَا ابْنَ لُؤَيٍّ حَذَرَ الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ مُهْرَاقَهْ رُمْتَ دَفْعَ الْحُتُوفِ يَا ابْنَ لُؤَيٍّ مَا لِمَنْ رَامَ ذَاكَ بِالْحَتْفِ طَاقَهْ وَخُرُوسَ السُّرَى تَرَكْتَ رَذِيًّا بَعْدَ جِدٍّ وَجِدَّةٍ وَرَشَاقَهْ وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَمْ يُعْقِبْ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَلَدَ سَامَةُ بْنُ لُؤَيٍّ غَالِبًا وَالنَّبِيتَ وَالْحَارِثَ، قَالُوا: وَكَانَتْ لَهُ ذُرِّيَّةٌ بِالْعِرَاقِ يُبْغِضُونَ عَلِيًّا، وَمِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ كَانَ يَشْتُمُ أَبَاهُ لِكَوْنِهِ سَمَّاهُ عَلِيًّا، وَمِنْ بَنِي سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ بْنِ الْيَزِيدَ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَمَّا عَوْفُ بْنُ لُؤَيٍّ فَإِنَّهُ خَرَجَ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ أُبْطِئَ بِهِ فَانْطَلَقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ فَأَتَاهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ أَخُوهُ فِي نَسَبِ بَنِي ذُبْيَانَ فَحَبَسَهُ وَزَوَّجَهُ وَالْتَاطَهُ وَآخَاهُ فَشَاعَ نَسَبُهُ فِي ذُبْيَانَ وَثَعْلَبَةَ فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُدَّعِيًا حَيًّا مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مُلْحِقَهُمْ بِنَا لَادَّعَيْتُ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ إِنَّا لَنَعْرِفُ فِيهِمُ الْأَشْبَاهَ مَعَ مَا نَعْرِفُ مِنْ مَوْقِعِ ذَلِكَ الرَّجُلِ حَيْثُ وَقَعَ يَعْنِي عَوْفَ بْنَ لُؤَيٍّ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ لِرِجَالٍ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي مُرَّةَ: إِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَرْجِعُوا إِلَى نَسَبِكُمْ فَارْجِعُوا إِلَيْهِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ الْقَوْمُ أَشْرَافًا فِي غَطَفَانَ هُمْ سَادَتُهُمْ، وَقَادَتُهُمْ قَوْمٌ لَهُمْ صِيتٌ فِي غَطَفَانَ وَقَيْسٍ كُلِّهَا فَأَقَامُوا عَلَى نَسَبِهِمْ، قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ إِذَا ذُكِرَ لَهُمْ نَسَبُهُمْ: مَا نُنْكِرُهُ وَمَا نَجْحَدُهُ، وَإِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّسَبِ إِلَيْنَا، ثُمَّ ذَكَرَ أَشْعَارَهُمْ فِي انْتِمَائِهِمْ إِلَى لُؤَيٍّ. أولاد كعب بن لؤي قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ ثَلَاثَةً ; مُرَّةَ وَعَدِيًّا وَهُصَيْصًا، وَوَلَدَ مُرَّةُ ثَلَاثَةً أَيْضًا; كِلَابَ بْنَ مُرَّةَ وَتَيْمَ بْنَ مُرَّةَ وَيَقَظَةَ بْنَ مُرَّةَ، مِنْ أُمَّهَاتٍ ثَلَاثٍ قَالَ: وَوَلَدَ كِلَابٌ رَجُلَيْنِ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ وَزُهْرَةَ بْنَ كِلَابٍ، وَأُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ أَحَدِ الْجَدَرَةِ مِنْ جُعْثُمَةَ الْأَسَدِ مِنَ الْيَمَنِ حُلَفَاءِ بَنِي الدُّئِلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَفِي أَبِيهَا يَقُولُ الشَّاعِرُ مَا نَرَى فِي النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا مَنْ عَلِمْنَاهُ كَسَعْدِ بْنِ سَيَلْ فَارِسًا أَضْبَطَ فِيهِ عُسْرَةٌ وَإِذَا مَا وَاقَفَ الْقِرْنَ نَزَلْ فَارِسًا يَسْتَدْرِجُ الْخَيْلَ كَمَا اسْتَدْرَجَ الْحُرُّ الْقَطَامِيُّ الْحَجَلْ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: سَيَلُ اسْمُهُ خَيْرُ بْنُ حَمَالَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ طُلِيَتْ لَهُ السُّيُوفُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجَدَرَةَ ; لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ جُعْثُمَةَ تَزَوَّجَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَتْ جُرْهُمٌ إِذْ ذَاكَ وُلَاةَ الْبَيْتِ فَبَنَى لِلْكَعْبَةِ جِدَارًا فَسُمِّيَ عَامِرٌ بِذَلِكَ الْجَادِرُ فَقِيلَ لِوَلَدِهِ: الْجَدَرَةُ لِذَلِكَ.
التاريخ 462لا حكم مسجّل
[ أَصْلُ الْعَرَبِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَالْعَرَبُ كُلُّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَقَحْطَانَ. وَبَعْضُ أَهْلِ الْيَمَنِ يَقُولُ: قَحْطَانُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ، وَيَقُولُ: إسْمَاعِيلُ أَبُو الْعَرَبِ كُلِّهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: عَادُ بْنُ عَوْصِ بْنِ إرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وَثَمُودُ وَجُدَيْسٌ ابْنَا عَابِرِ، بْنِ إرَمِ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ، وطَسْمُ وَعِمْلَاقُ وَأُمَيْمُ بَنُو لَاوِذْ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ: عَرَبٌ كُلُّهُمْ. فَوَلَدَ نَابِتُ بْنُ إسْمَاعِيلَ: يَشْجُبَ بْنَ نَابِتٍ، فَوَلَدَ يَشْجُبُ: يَعْرُبَ بْنَ يَشْجُبَ، فَوَلَدَ يَعْرُبُ: تَيْرَحَ بْنَ يَعْرُبَ، فَوَلَدَ تَيْرَحُ: نَاحُورَ بْنَ تَيْرَحَ، فَوَلَدَ نَاحُورُ: مُقَوِّمَ بْنَ نَاحُورٍ، فَوَلَدَ مُقَوِّمُ: أُدَدَ بْنَ مُقَوِّمٍ، فَوَلَدَ أُدَدُ: عَدْنَانَ بْنَ أُدَدَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَدْنَانُ بْنُ أُدٍّ.
التاريخ 463لا حكم مسجّل
[ سِيَاقَةُ النَّسَبِ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ] [ أَوْلَادُ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَنَسَبُ أُمِّهِمْ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ قَالَ: وَلَدَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا: نَابِتًا، وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ، وقَيْذَرُ، وَأَذْبُلَ، وَمُبِشًّا، وَمِسْمَعًا، وَمَاشِي، وَدِمَّا، وَأَذَرُ، وَطَيْمَا، وَيَطُورَ، ونَبِشَ، وقَيْذُما. وَأُمُّهُمْ ( رَعْلَةُ ) بِنْتُ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مِضَاضٌ. وَجُرْهُمُ بْنُ قَحْطَانَ، وَقَحْطَانُ أَبُو الْيَمَنِ كُلِّهَا، وَإِلَيْهِ يَجْتَمِعُ نَسَبُهَا - ابْنُ عَامِرِ بْنِ شالَخِ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: جُرْهُمُ بْنُ يَقْطَنَ بْنِ عَيْبَرِ بْنِ شَالَخٍ. و ( يَقْطَنُ هُوَ ) قَحْطَانُ بْنُ عَيْبَرِ بْنِ شالَخٍ.
التاريخ 464لا حكم مسجّل
[ عُمْرُ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَدْفِنُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عُمْرُ إسْمَاعِيلَ - فِيمَا يَذْكُرُونَ مِئَةَ سَنَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً ثُمَّ مَاتَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وَدُفِنَ فِي الْحِجْرِ مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ، رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى.
التاريخ 465لا حكم مسجّل
[ مَوْطِنُ هَاجَرَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَقُولُ الْعَرَبُ: هَاجَرَ وَآجَرَ فَيُبْدِلُونَ الْأَلِفَ مِنْ الْهَاءِ كَمَا قَالُوا: هَرَاقَ الْمَاءَ، وَأَرَاقَ الْمَاءَ وَغَيْرَهُ. وَهَاجَرُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ.
التاريخ 466لا حكم مسجّل
[ وَصَاةُ الرَّسُولِ ﷺ بِأَهْلِ مِصْرَ وَسَبَبُ ذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: اللَّهَ اللَّهَ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، أَهْلِ الْمَدَرَةِ السَّوْدَاءِ السُّحْمِ الْجِعَادِ، فَإِنَّ لَهُمْ نَسَبًا وَصِهْرًا قَالَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ: نَسَبُهُمْ، أَنَّ أُمَّ إسْمَاعِيلَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ. وَصِهْرُهُمْ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَسَرَّرَ فِيهِمْ. قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: أُمُّ إسْمَاعِيلَ: هَاجَرُ، مِنْ أُمِّ الْعَرَبِ، قَرْيَةٍ كَانَتْ أَمَامَ الْفَرَمَا مِنْ مِصْرَ. وَأُمُّ إبْرَاهِيمَ مَارِيَةُ سُرِّيَّةُ النَّبِيِّ ﷺ، الَّتِي أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ مِنْ حَفْنٍ مِنْ كُورَةِ أنْصِنا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيَّ، ثُمَّ السُّلَمِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إذَا افْتَتَحْتُمْ مِصْرَ فَاسْتَوْصُوا بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا فَقُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ: مَا الرَّحِمُ الَّتِي ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ ؟ فَقَالَ: كَانَتْ هَاجَرُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ.
التاريخ 467لا حكم مسجّل
[ نَسَبُ بَارِقٍ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَارِقٌ: بَنُو عَدِيِّ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَهُمْ فِي شَنُوءَةَ. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ: : وَأَزْدُ شَنُوءَةَ انْدَرَءُوا عَلَيْنَا بِجُمٍّ يَحْسِبُونَ لَهَا قُرُونَا فَمَا قُلْنَا لِبَارِقَ قَدْ أَسَأْتُمْ وَمَا قُلْنَا لِبَارِقَ أَعْتِبُونَا قَالَ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَإِنَّمَا سُمُّوا بِبَارِقَ: لِأَنَّهُمْ تَبِعُوا الْبَرْقَ.
التاريخ 468لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَقَالَتْ الْيَمَنُ وَقُضَاعَةُ: قُضَاعَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ الْجُهَنِيُّ، وَجُهَيْنَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سَوْدِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ: نَحْنُ بَنُو الشَّيْخِ الْهِجَانِ الْأَزْهَرَ قُضَاعَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ حِمْيَرِ النَّسَبِ الْمَعْرُوفِ غَيْرِ الْمُنْكَرِ فِي الْحَجَرِ الْمَنْقُوشِ تَحْتَ الْمِنْبَرِ
التاريخ 469لا حكم مسجّل
[ نَسَبُ جُعْثُمَةَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جُعْثُمَةُ الْأَسْدِ، وَجُعْثُمَةُ الْأَزْدِ، وَهُوَ جُعْثُمَةُ بْنُ يَشْكُرَ بْنِ مُبَشِّرِ بْنِ صَعْبِ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ نَصْرِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَيُقَالُ: جُعْثُمَةُ بْنُ يَشْكُرَ بْنِ مُبَشِّرِ بْنِ صَعْبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ. وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجَدَرَةَ، لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ جُعْثُمَةَ تَزَوَّجَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَتْ جُرْهُمُ أَصْحَابَ الْكَعْبَةِ. فَبَنَى لِلْكَعْبَةِ جِدَارًا، فَسُمِّيَ عَامِرًا بِذَلِكَ الْجَادِرِ، فَقِيلَ لِوَلَدِهِ: الْجَدَرَةُ لِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلِسَعْدِ بْنِ سَيَلٍ يَقُولُ الشَّاعِرُ: : مَا نَرَى فِي النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا مَنْ عَلِمْنَاهُ كَسَعْدِ بْنِ سَيَلْ فَارِسًا أَضْبَطَ فِيهِ عُسْرَةٌ وَإِذَا مَا وَاقَفَ الْقِرْنَ نَزَلْ فَارِسًا يَسْتَدْرِجُ الْخَيْلَ كَمَا اسْتَدْرَجَ الْحُرُّ الْقَطَامِيُّ الْحَجَلْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: كَمَا اسْتَدْرَجَ الْحُرُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ.
التاريخ 470لا حكم مسجّل
[ نَسَبُ خُزَاعَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخُزَاعَةُ تَقُولُ: نَحْنُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، مِنْ الْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتَقُولُ خُزَاعَةُ: نَحْنُ بَنُو عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ؛ وَخِنْدِفُ أُمُّهَا، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَيُقَالُ خُزَاعَةُ: بَنُو حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ خُزَاعَةَ لِأَنَّهُمْ تَخَزَّعُوا مِنْ وَلَدِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، حِينَ أَقْبَلُوا مِنْ الْيَمَنِ يُرِيدُونَ الشَّامَ، فَنَزَلُوا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ فَأَقَامُوا بِهَا. قَالَ عَوْنُ بْنُ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ الْخَزْرَجِ فِي الْإِسْلَامِ: : فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ مُرٍّ تَخَزَّعَتْ خُزَاعَةُ مِنَّا فِي خُيُولٍ كَرَاكِرِ حَمَتْ كُلَّ وَادٍ مِنْ تِهَامَةَ وَاحْتَمَّتْ بِصُمِّ الْقَنَا وَالْمُرْهِفَاتِ الْبَوَاتِرِ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو الْمُطَهَّرِ إسْمَاعِيلُ بْنُ رَافِعٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: فَلَمَّا هَبَطْنَا بَطْنَ مَكَّةَ أَحْمَدَتْ خُزَاعَةُ دَارَ الْآكِلِ الْمُتَحَامِلِ فَحَلَّتْ أَكَارِيسَا وَشَتَّتْ قَنَابِلًا عَلَى كُلِّ حَيٍّ بَيْنَ نَجْدٍ وَسَاحِلِ نَفَوْا جُرْهُمًا عَنْ بَطْنِ مَكَّةَ وَاحْتَبَوْا بِعِزِّ خُزَاعِيٍّ شَدِيدِ الْكَوَاهِلِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَأَنَا إنْ شَاءَ اللَّهُ أَذْكُرُ نَفْيَهَا جُرْهُمًا فِي مَوْضِعِهِ.
التاريخ 473لا حكم مسجّل
[ أول عبادة الأصنام في بني إسماعيل أَوَّلُ عِبَادَةِ الْحِجَارَةِ كَانَتْ فِي بَنِي إسْمَاعِيلَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ أَوَّلَ مَا كَانَتْ عِبَادَةُ الْحِجَارَةِ فِي بَنِي إسْمَاعِيلَ، أَنَّهُ كَانَ لَا يَظْعَنُ مِنْ مَكَّةَ ظَاعِنٌ مِنْهُمْ، حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ، وَالْتَمَسُوا الفَسَحَ فِي الْبِلَادِ، إلَّا حَمَلَ مَعَهُ حَجَرًا مِنْ حِجَارَةِ الْحَرَمِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ، فَحَيْثُمَا نَزَلُوا وَضَعُوهُ فَطَافُوا بِهِ كَطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ، حَتَّى سَلَخَ ذَلِكَ بِهِمْ إلَى أَنْ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا اسْتَحْسَنُوا مِنْ الْحِجَارَةِ، وَأَعْجَبَهُمْ؛ حَتَّى خَلَفَ الْخُلُوفُ، وَنَسُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَاسْتَبْدَلُوا بِدِينِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ غَيْرَهُ، فَعَبَدُوا الْأَوْثَانَ، وَصَارُوا إلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ الْأُمَمُ قَبْلَهُمْ مِنْ الضَّلَالَاتِ؛ وَفِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ بَقَايَا مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ يَتَمَسَّكُونَ بِهَا، مِنْ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ، وَالطَّوَافِ بِهِ، وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى عَرَفَةَ وَالْمُزْدَلِفَةِ، وَهَدْيِ الْبُدْنِ، وَالْإِهْلَالِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، مَعَ إدْخَالِهِمْ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ. فَكَانَتْ كِنَانَةُ وَقُرَيْشٌ إذَا أَهَلُّوا قَالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، إلَّا شَرِيكٌ هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ. فَيُوَحِّدُونَهُ بِالتَّلْبِيَةِ، ثُمَّ يُدْخِلُونَ مَعَهُ أَصْنَامَهُمْ، وَيَجْعَلُونَ مِلْكَهَا بِيَدِهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمُحَمَّدِ ﷺ: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ أَيْ مَا يُوَحِّدُونَنِي لِمَعْرِفَةِ حَقِّي إلَّا جَعَلُوا مَعِي شَرِيكًا مِنْ خَلْقِي.
التاريخ 474لا حكم مسجّل
[ الْأَصْنَامُ عِنْدَ قَوْمِ نُوحٍ ] وَقَدْ كَانَتْ لِقَوْمِ نُوحٍ أَصْنَامٌ قَدْ عَكَفُوا عَلَيْهَا، قَصَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَبَرَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا [ الْقَبَائِلُ وَأَصْنَامُهَا، وَشَيْءٌ عَنْهَا ] فَكَانَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا تَلِكَ الْأَصْنَامَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَغَيْرِهِمْ وَسَمَّوْا بِأَسْمَائِهِمْ حِينَ فَارَقُوا دِينَ إسْمَاعِيلَ: هُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، اتَّخَذُوا سُوَاعًا، فَكَانَ لَهُمْ بُرْهَاطُ. وَكَلْبُ بْنُ وَبْرَةَ مِنْ قُضَاعَةَ، اتَّخَذُوا وَدًّا بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ: : وَنَنْسَى اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَوَدَّا وَنَسْلُبُهَا الْقَلَائِدَ وَالشُّنُوفَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ. [ رَأْيُ ابْنِ هِشَامٍ فِي نَسَبِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَلْبُ بْنُ وَبْرَةَ بْنِ تَغْلِبَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. [ يَغُوثُ وَعَبَدَتُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْعُمُ مِنْ طَيِّئٍ، وَأَهْلُ جُرَشَ مِنْ مَذْحِجَ اتَّخَذُوا يَغُوثَ بِجُرَشَ. [ رَأْيُ ابْنِ هِشَامٍ فِي أَنْعُمَ، وَفِي نَسَبِ طَيِّئٍ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَنْعُمُ. وَطَيِّئُ ابْنُ أُدَدَ بْنِ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ: مَذْحِجُ بْنُ أُدَدَ، وَيُقَالُ: طَيِّئُ بْنُ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. [ يَعُوقُ وَعَبَدَتُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَيْوَانُ بَطْنٌ مِنْ هَمْدَانَ، اتَّخَذُوا يَعُوقَ بِأَرْضِ هَمْدَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ نَمَطٍ الْهَمْدَانِيُّ: : يَرِيشُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَيَبْرِي وَلَا يَبْرِي يَعُوقُ وَلَا يَرِيشُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. [ هَمْدَانُ وَنَسَبُهُ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: اسْمُ هَمْدَانَ: أَوْسَلَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَوْسَلَةَ بْنِ الْخِيَارِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: أَوْسَلَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَوْسَلَةَ بْنِ الْخِيَارِ. وَيُقَالُ: هَمْدَانُ بْنُ أَوْسَلَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْخِيَارِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ. [ نَسْرٌ وَعَبَدَتُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذُو الْكُلَاعِ مِنْ حِمْيَرَ، اتَّخَذُوا نَسْرًا بِأَرْضِ حِمْيَرَ. [ عُمْيَانِسُ وَعَبَدَتُهُ ] وَكَانَ لِخَوْلَانَ صَنَمٌ يُقَالُ لَهُ عُمْيَانِسُ بِأَرْضِ خَوْلَانَ، يَقْسِمُونَ لَهُ مِنْ أَنْعَامِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ قَسْمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ بِزَعَمِهِمْ، فَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ عُمْيَانِسَ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي سَمَّوْهُ لَهُ تَرَكُوهُ لَهُ، وَمَا دَخَلَ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ حَقِّ عُمْيَانِسَ رَدُّوهُ عَلَيْهِ. وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ خَوْلَانَ، يُقَالُ لَهُمْ الْأَدِيمُ، وَفِيهِمْ أَنَزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيمَا يَذْكُرُونَ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [ نَسَبُ خَوْلَانَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ؛ وَيُقَالُ: خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِهْسَعَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالُ: خَوْلَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مَذْحِجَ. [ سَعْدٌ وَعَبَدَتُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ لِبَنِي مِلْكَانَ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ صَنَمٌ، يُقَالُ لَهُ سَعْدٌ، صَخْرَةٌ بِفَلَاةِ مِنْ أَرْضِهِمْ طَوِيلَةٌ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي مِلْكَانَ بِإِبِلِ لَهُ مُؤَبَّلَةٌ لِيَقِفَهَا عَلَيْهِ، الْتِمَاسَ بَرَكَتِهِ، فِيمَا يَزْعُمُ؛ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْإِبِلُ، وَكَانَتْ مَرْعِيَّةً لَا تُرْكَبُ، وَكَانَ يُهْرَاقُ عَلَيْهِ الدِّمَاءُ، نَفَرَتْ مِنْهُ، فَذَهَبَتْ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَغَضِبَ رَبُّهَا الْمِلْكَانِيُّ، فَأَخَذَ حَجَرًا فَرَمَاهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ، نَفَّرْتَ عَلَيَّ إبِلِي، ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِهَا حَتَّى جَمَعَهَا، فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ لَهُ قَالَ: : أَتَيْنَا إلَى سَعْدٍ لِيَجْمَعَ شَمْلَنَا فَشَتَّتَنَا سَعْدٌ فَلَا نَحْنُ مِنْ سَعْدِ وَهَلْ سَعْدُ إلَّا صَخْرَةٌ بِتَنُوفَةٍ مِنْ الْأَرْضِ لَا تَدْعُو لِغَيٍّ وَلَا رُشْدٍ [ صَنَمُ دَوْسٍ ] وَكَانَ فِي دَوْسٍ صَنَمٌ لِعَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدَّوْسِيِّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ. [ نَسَبُ دَوْسٍ ] وَدَوْسُ بْنُ عُدْثَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسَدِ بْنِ الْغَوْثِ. وَيُقَالُ: دَوْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَهْرَانَ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ. [ هُبَلُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اتَّخَذَتْ صَنَمًا عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ لَهُ: هُبَلُ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَذْكُرُ حَدِيثَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي مَوْضِعِهِ. [ إسَافٌ وَنَائِلَةٌ ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْهُمَا ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: اتَّخَذُوا إسَافًا وَنَائِلَةً، عَلَى مَوْضِعِ زَمْزَمَ يَنْحَرُونَ عِنْدَهُمَا، وَكَانَ إسَافٌ وَنَائِلَةٌ رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ - هُوَ إسَافُ بْنُ بَغْيٍ، وَنَائِلَةُ بِنْتُ دِيكٍ - فَوَقَعَ إسَافٌ عَلَى نَائِلَةٍ فِي الْكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْنِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ؓ تَقُولُ: مَا زِلْنَا نَسْمَعُ أَنَّ إسَافًا وَنَائِلَةً كَانَا رَجُلًا وَامْرَأَةً مِنْ جُرْهُمٍ، أَحْدَثَا فِي الْكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى حَجَرَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: : وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ بِمُفْضَى السُّيُولِ مِنْ إسَافٍ وَنَائِلِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
التاريخ 475لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الشَّامِ فِي بَعْضِ أُمُورِهِ فَلَمَّا قَدِمَ مَآبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ، وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ، وَهُمْ وَلَدُ عِمْلَاقٍ وَيُقَالُ وَلَدُ عَمْلِيقِ بْنِ لَاوَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فَقَالَ لَهُمْ مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا لَهُ: هَذِهِ أَصْنَامٌ نَعْبُدُهَا فَنَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا وَنَسْتَنْصِرُهَا فَتَنْصُرُنَا فَقَالَ لَهُمْ: أَلَا تُعْطُونِي مِنْهَا صَنَمًا فَأَسِيرُ بِهِ إِلَى أَرْضِ الْعَرَبِ فَيَعْبُدُوهُ ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالَ لَهُ: هُبَلُ فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَصَبَهُ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ.
التاريخ 476لا حكم مسجّل
قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ وَذِكْرُ أَصْنَامِ الْعَرَبِ [ رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ يَجُرُّ قَصَبَهُ فِي النَّارِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَسَأَلْتُهُ عَمَّنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ النَّاسِ، فَقَالَ: هَلَكُوا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيُّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ السَّمَّانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي هُرَيْرَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ - يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ: يَا أَكْثَمُ، رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ، وَلَا بِكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَكْثَمُ: عَسَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَا، إنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ، إنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ، فَنَصَبَ الْأَوْثَانَ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ، وَوَصَلَ الْوَصِيلَةَ، وَحَمَى الْحَامِي.
التاريخ 477لا حكم مسجّل
[ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْعَرَبُ مَعَ الْأَصْنَامِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاِتَّخَذَ أَهْلُ كُلِّ دَارٍ فِي دَارِهِمْ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ سَفَرًا تَمَسَّحَ بِهِ حِينَ يَرْكَبُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ مَا يَصْنَعُ حِينَ يَتَوَجَّهُ إلَى سَفَرِهِ، وَإِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ تَمَسَّحَ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى أَهْلِهِ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالتَّوْحِيدِ، قَالَتْ قُرَيْشٌ: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَكَانَتْ الْعَرَبُ قَدْ اتَّخَذَتْ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ وَهِيَ بُيُوتٌ تُعَظِّمُهَا كَتَعْظِيمِ الْكَعْبَةِ، لَهَا سَدَنَةٌ وَحُجَّابٌ، وَتُهْدِي لَهَا كَمَا تُهْدِي لِلْكَعْبَةِ، وَتَطُوفُ بِهِ كَطَوَافِهَا بِهَا، وَتَنْحَرُ عِنْدَهَا. وَهَى تَعْرِفُ فَضْلَ الْكَعْبَةِ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا كَانَتْ قَدْ عَرَفَتْ أَنَّهَا بَيْتُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَمَسْجِدُهُ. [ الْعُزَّى وَسَدَنَتُهَا ] فَكَانَتْ لِقُرَيْشِ وَبَنِيَّ كِنَانَةَ الْعُزَّى بِنَخْلَةٍ، وَكَانَ سَدَنَتَهَا وَحُجَّابَهَا بَنُو شَيْبَانَ، مِنْ سُلَيْمٍ، حُلَفَاءِ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُلَفَاءُ ( بَنِي ) أَبِي طَالِبٍ خَاصَّةً؛ وَسُلَيْمٌ: سُلَيْمُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ: لَقَدْ أُنْكِحَتْ أَسْمَاءُ رَأْسَ بُقَيْرَةٍ مِنْ الْأُدْمِ أَهْدَاهَا امْرُؤٌ مِنْ بَنِي غَنْمِ رَأَى قَدَعَا فِي عَيْنِهَا إذْ يَسُوقُهَا إلَى غَبْغَبِ الْعُزَّى فَوَسَّعَ فِي الْقَسْمِ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَصْنَعُونَ إذَا نَحَرُوا هَدْيًا قَسَّمُوهُ فِي مَنْ حَضَرَهُمْ. وَالْغَبْغَبُ: الْمَنْحَرُ وَمِهْرَاقُ الدِّمَاءِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِأَبِي خِرَاشٍ: الْهُذَلِيِّ، وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ مُرَّةَ، فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. [ مَعْنَى السَّدَنَةِ ] وَالسَّدَنَةُ: الَّذِينَ يَقُومُونَ بِأَمْرِ الْكَعْبَةِ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: : فَلَا وَرَبِّ الْآمِنَاتِ الْقُطَّنِ بِمَحْبَسِ الْهَدْى وَبَيْتِ الْمَسْدَنِ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ. [ اللَّاتُ وَسَدَنَتُهَا ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ اللَّاتُ لِثَقِيفِ بِالطَّائِفِ، وَكَانَ سَدَنَتَهَا وَحُجَّابَهَا بَنُو مُعَتِّبٍ مِنْ ثَقِيفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَأَذْكُرُ حَدِيثَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْضِعِهِ. [ مَنَاةُ وَسَدَنَتُهَا وَهَدْمُهَا ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ مَنَاةُ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ، عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْمُشَلَّلِ بِقُدَيْدٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ أَحَدُ بَنِي أَسْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ: : وَقَدْ آلَتْ قَبَائِلُ لَا تُوَلَّى مَنَاةَ ظُهُورَهَا مُتَحَرَّفِينَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ فَهَدَمَهَا. وَيُقَالُ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [ ذُو الْخَلَصَةِ وَسَدَنَتُهُ وَهَدْمُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ذُو الْخَلَصَةِ لِدَوْسٍ وَخَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ، وَمَنْ كَانَ بِبِلَادِهِمْ مِنْ الْعَرَبِ بِتَبَالَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ذُو الْخُلُصَةِ. قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ: : لَوْ كُنْتَ يَا ذَا الْخُلُصِ الْمَوْتُورَا مِثْلِي وَكَانَ شَيْخُكَ الْمَقْبُورَا لَمْ تَنْهَ عَنْ قَتْلِ الْعُدَاةِ زُورَا قَالَ: وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ، فَأَرَادَ الطَّلَبَ بِثَأْرِهِ، فَأَتَى ذَا الْخَلَصَةِ، فَاسْتَقْسَمَ عِنْدَهُ بِالْأَزْلَامِ، فَخَرَجَ السَّهْمُ بِنَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ. وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُنْحِلُهَا امْرَأَ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ الْكِنْدِيَّ. فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ فَهَدَمَهُ. [ فِلْسٌ وَسَدَنَتُهُ وَهَدْمُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ فِلْسُ لِطَيِّئٍ وَمَنْ يَلِيهَا بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، يَعْنِي سَلْمَى وَأَجَأَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ إلَيْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَهَدَمَهَا، فَوَجَدَ فِيهَا سَيْفَيْنِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الرَّسُوبُ، وَلِلْآخِرِ: الْمِخْذَمُ. فَأَتَى بِهِمَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَهَبَهُمَا لَهُ، فَهُمَا سَيْفَا عَلِيٍّ ؓ. [ رِئَامٌ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ لِحِمْيَرَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ بَيْتٌ بِصَنْعَاءَ يُقَالُ لَهُ: رِئَامٌ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَدْ ذَكَرْتُ حَدِيثَهُ فِيمَا مَضَى. [ رُضَاءٌ وَسَدَنَتُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ رُضَاءٌ بَيْتًا لِبَنِي رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَلَهَا يَقُولُ المُسْتَوْغِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ حِينَ هَدَمَهَا فِي الْإِسْلَامِ: : وَلَقَدْ شَدَدْتُ عَلَى رُضَاءٍ شَدَّةً فَتَرَكْتُهَا قَفْرًا بِقَاعِ أَسْحَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: فَتَرَكْتهَا قَفْرًا بِقَاعِ أَسْحَمَا عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سَعْدٍ. [ ذُو الْكَعَبَاتِ وَسَدَنَتُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ذُو الْكَعَبَاتِ لِبَكْرِ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ وَإِيَادٍ بِسَنْدَادٍ وَلَهُ يَقُولُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: : بَيْنَ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ وَالْبَيْتِ ذِي الْكَعَبَاتِ مِنْ سَنْدَادِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ لِلْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ النَّهْشَلِيِّ. نَهْشَلُ بْنُ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَأَنْشَدَنِيهِ أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفٌ الْأَحْمَرُ: : أَهْلُ الْخَوَرْنَقِ وَالسَّدِيرِ وَبَارِقٍ وَالْبَيْتِ ذِي الشُّرُفَاتِ مِنْ سِنْدَادِ
التاريخ 478لا حكم مسجّل
أَمْرُ الْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي [ رَأْيُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِيهَا ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا الْبَحِيرَةُ فَهِيَ بِنْتُ السَّائِبَةِ، وَالسَّائِبَةُ: النَّاقَةُ إذَا تَابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إنَاثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، سُيِّبَتْ فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهَا، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهَا وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ؛ فَمَا نُتِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شُقَّتْ أُذُنُهَا، ثُمَّ خُلِّيَ سَبِيلُهَا مَعَ أُمِّهَا فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهَا، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهَا، وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ كَمَا فُعِلَ بِأُمِّهَا، فَهِيَ الْبَحِيرَةُ بِنْتُ السَّائِبَةِ. وَالْوَصِيلَةُ: الشَّاةُ إذَا أَتْأَمَتْ عَشْرَ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَبْطُنٍ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، جُعِلَتْ وَصِيلَةً. قَالُوا: قَدْ وَصَلَتْ، فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُونَ إنَاثِهِمْ، إلَّا أَنْ يَمُوتَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَشْتَرِكُوا فِي أَكْلِهِ، ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ. [ رَأْيُ ابْنِ هِشَامٍ فِيهَا ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيَرْوِي: فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِذُكُورِ بَنِيهِمْ دُونَ بَنَاتِهِمْ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْحَامِي: الْفَحْلُ إذَا نُتِجَ لَهُ عَشْرُ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، حُمِيَ ظَهْرُهُ فَلَمْ يُرْكَبْ، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهُ، وَخُلِّيَ فِي إبِلِهِ يَضْرِبُ فِيهَا، لَا يُنْتَفَعُ مِنْهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا ( كُلُّهُ ) عِنْدَ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِ هَذَا إلَّا الْحَامِي، فَإِنَّهُ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ. فَالْبَحِيرَةُ عِنْدَهُمْ: النَّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُهَا فَلَا يُرْكَبُ ظَهْرُهَا، وَلَا يُجَزَّ وَبَرُهَا، وَلَا يَشْرَبُ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ. أَوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ، وَتُهْمَلُ لِآلِهَتِهِمْ. وَالسَّائِبَةُ: الَّتِي يَنْذِرُ الرَّجُلُ أَنْ يُسَيِّبَهَا إنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ، أَوْ إنْ أَصَابَ أَمْرًا يَطْلُبُهُ. فَإِذَا كَانَ أَسَابَ نَاقَةً مِنْ إبِلِهِ أَوْ جَمَلًا لِبَعْضِ آلِهَتهمْ، فَسَابَتْ فَرَعَتْ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا. وَالْوَصِيلَةُ: الَّتِي تَلِدُ أُمُّهَا اثْنَيْنِ فِي كُلِّ بَطْنٍ، فَيَجْعَلُ صَاحِبُهَا لِآلِهَتِهِ الْإِنَاثَ ( مِنْهَا ) وَلِنَفْسِهِ الذُّكُورُ مِنْهَا، فَتَلِدُهَا أُمُّهَا وَمَعَهَا ذَكَرٌ فِي بَطْنٍ، فَيَقُولُونَ: وَصَلَتْ أَخَاهَا. فَيُسَيَّبُ أَخُوهَا مَعَهَا فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ النَّحْوِيُّ وَغَيْرُهُ، رَوَى بَعْضٌ مَا لَمْ يَرْوِ بَعْضٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنَزَلَ عَلَيْهِ: مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ: مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ. [ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامِي لُغَةً ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ الشَّاعِرُ: : حَوْلُ الْوَصَائِلِ فِي شُرَيْفٍ حِقَّةٌ وَالْحَامِيَاتُ ظُهُورَهَا وَالسُّيَّبُ وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ أُبَيِّ ( بْنِ ) مُقْبِلٍ أَحَدِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ: فِيهِ مِنْ الْأَخْرَجِ الْمِرْبَاعِ قَرْقَرَةٌ هَدْرَ الدِّيَافِي وَسْطَ الْهَجْمَةِ الْبُحُرِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُ بَحِيرَةٍ: بَحَائِرُ وَبُحُرٌ. وَجَمْعُ وَصِيلَةٍ: وَصَائِلُ وَوُصَلٌ. وَجَمْعُ سَائِبَةٍ ( الْأَكْثَرُ ): سَوَائِبُ وَسُيَّبُ. وَجَمْعُ حَامٍ ( الْأَكْثَرُ ): حُوَّمٌ.
التاريخ 489لا حكم مسجّل
مِنْ أَخْبَارِ الْعَرَبِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ وَكَانَ مِنْ أَخْبَارِ الْعَرَبِ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ ﷺ مَا قَصَّهُ الْقُرْآنُ إِجْمَالًا وَذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَالتَّارِيخِ وَالسِّيَرِ عَلَى التَّفْصِيلِ وَمِنْهَا قِصَّةُ سَدِّ مَأْرِبٍ وَمَا وَقَعَ فِيهِ، وَكَيْفَ انْتَقَلَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ مِنَ الْيَمَنِ بَعْدَمَا رَأَى جُرَذًا يَحْفِرُ فِي السَّدِّ فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلسَّدِّ فَكَادَ لِقَوْمِهِ حَتَّى بَاعَ مَالَهُ وَخَرَجَ بِكُلِّ أَهْلِهِ وَتَبِعَهُ الْأَزْدُ حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى عَكٍّ فَحَارَبَتْهُمْ وَكَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ سِجَالٌ ثُمَّ تَفَرَّقُوا فِي الْبِلَادِ فَسَكَنَ بَعْضُهُمُ الشَّامَ وَنَزَلَتْ أَزْدٌ السَّرَاةَ وَأَزْدُ عُمَانَ عُمَانَ وَنَزَلَتْ خُزَاعَةُ مُرًّا وَسَكَنَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَثْرِبَ، ثُمَّ هُدِمَ سَدُّ مَأْرَبٍ كَمَا تَوَقَّعَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ. وَمَا كَانَ مِنْ تُبَّانَ أَسْعَدَ أَبُو كَرِبَ مِنْ قَتْلِ وَلَدِهِ غِيلَةً فِي الْمَدِينَةِ وَخُرُوجِهِ إِلَيْهِمْ لِيَسْتَأْصِلَهُمْ وَيَنْتَقِمَ مِنْهُمْ وَكَيْفَ أَنَّهُمْ حَارَبُوهُ، ثُمَّ مَا كَانَ مِنَ الْحَبْرَيْنِ الْيَهُودِيَّيْنِ الَّلذَيْنِ أَخْبَرَا بِأَنَّ الْمَدِينَةَ مَمْنُوعَةٌ مِنْهُ مَهْمَا أَرَادَهَا وَأَهْلَهَا بِسُوءٍ حَيْثُ إِنَّمَا مَهْجَرُ نَبِيٍّ آخِرِ الزَّمَانِ، وَإِخْبَارِهِمْ إِيَّاهُ بِفَضْلِ الْكَعْبَةِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَكِسَوْتِهِ الْكَعْبَةَ وَإِعْظَامِهِ لَهَا وَخُرُوجِهِ بِالْحَبْرَيْنِ إِلَى الْيَمَنِ وَدُخُولِهِ فِي دِينِ الْيَهُودِيَّةِ فَكَانَ هَذَا أَصْلُ الْيَهُودِ وَالْيَهُودِيَّةِ بِالْيَمَنِ. وَكَيْفَ كَانَ قَتْلُ عَمْرِو بْنِ تُبَّانَ أَسْعَدَ أَخَاهُ حَسَّانَ ثُمَّ مَوْتُهُ بَعْدَهُ ثُمَّ انْقَضَى مُلْكُ آلِ تُبَّانَ حَتَّى أَعَادَهُ زُرْعَةُ ذُو نُوَاسِ بْنُ تُبَّانَ أَسْعَدَ بَعْدَ قَتْلِهِ لَخِيعَةَ الْفَاسِقَ الَّذِي تَمَلَّكَ وَقَتَلَ أَبْنَاءَ الْمُلُوكِ وَأَذَلَّهُمْ. وَمَا كَانَ مِنْ أَخْبَارِ الْيَمَنِ مِمَّا وَقَعَ لِرَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ مِنَ الرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا وَسُؤَالِهِ سَطِيحًا عَنْهَا وَإِخْبَارِهِ أَنَّ الْحَبَشَ سَيَهْبِطُونَ أَرْضَهُ وَإِخْبَارِهِ بِتَمَلُّكِ إِرَمَ ذِي يَزَنْ وَإِخْرَاجِ الْحَبَشِ مِنْهَا ثُمَّ انْتِهَاءِ مُلْكِ ذِي يَزَنْ بِنَبِيٍّ ذَكِيٍّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيِّ. وَقَدْ جَاءَ فِي أَخْبَارِ الْعَرَبِ كَيْفَ تَمَلَّكَ الْحَبَشَةُ أَرْضَ الْيَمَنِ بَعْدَ هَزِيمَةِ ذِي نُوَاسٍ وَذَلِكَ بَعْدَ اسْتِنْصَارِ دَوْسٍ ذِي ثُعْلَبَانِ بِمَلِكِ الرُّومِ وَكِتَابَةُ مَلِكِ الرُّومِ لِلنَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ لِتَخْلِيصِ الْيَمَنِ مِنْ ذِي نُوَاسٍ، ثُمَّ مَقْتَلُ أَرْيَاطَ بَعْدَمَا مَلَكَ الْيَمَنَ سِنِينَ وَتَغَلَّبَ أَبَرْهَةُ عَلَيْهَا وَبَنَى بِهَا كَنِيسَةَ الْقُلَّيْسِ وَالَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الْعَرَبَ لِيَحُجُّوا إِلَيْهَا، فَأَحْدَثَ فِيهَا أَحَدُ النَّسَأَةِ فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ عَزَمَ عَلَى قَصْدِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَهَدْمِهِ فَدَافَعَهُ ذُو نَفَرٍ فِي بَعْضِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَهُزِمَ وَكَذَا نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ، ثُمَّ أَتَى الطَّائِفَ فَسَارَ مَعَهُ أَبُو رِغَالٍ لِيَدُلَّهُ عَلَى الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ فِي الطَّرِيقِ. وَأَرْسَلَ أَبَرْهَةُ أَحَدَ جُنُودِهِ فَهَجَمَ عَلَى مَكَّةَ وَسَاقَ مِنْهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَجَاءَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَحَادَثَهُ بِرَدِّ الْإِبِلِ عَلَيْهِ فَهُوَ رَبُّهَا وَلِلْبَيْتِ رَبٌّ يَحْمِيهِ، فَكَانَ مَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ وَهَلَاكِ جُنْدِهِمْ وَهَلَاكِ أَبَرْهَةَ، وَزَادَ اللَّهُ بِهَذِهِ الْحَادِثَةِ قُرَيْشًا عِزًّا فِي الْعَرَبِ وَبَيْتَهُ مَهَابَةً وَإِعْظَامًا. وَمَلَكَ بَعْدَ أَبَرْهَةَ ابْنُهُ يَكْسُومُ ثُمَّ ابْنُهُ مَسْرُوقٌ ثُمَّ مَلَكَهَا بَعْدَهُمْ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنْ. وَقَدْ كَانَ لِلْعَرَبِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ أَيَّامٌ قَاتَلَ فِيهَا بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَطَالَتْ بَعْضُ مَعَارِكِهِمْ فَبَلَغَتْ سِنِينًا وَمِنْهَا يَوْمُ الْبَرَدَانِ، وَيَوْمُ عَيْنِ أُبَاغَ، وَأَيَّامُ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ، وَحَرْبِ الْفُجَّارِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَيَّامِهِمُ الَّتِي حُفِظَتْ وَرُوِيَتْ وَطَالَ ذِكْرُهَا. كَمَا وَقَعَتْ أَيَّامٌ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حُفِظَ مِنْهَا حَرْبُ سُمَيْرٍ وَيَوْمُ السَّرَارَةِ وَيَوْمُ بُعَاثٍ وَغَيْرُهَا مِنَ الْحُرُوبِ وَالْأَيَّامِ الَّتِي مَحَا أَثَرَهَا الْإِسْلَامُ وَأَلَّفَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ. كَمَا كَانَ مِنَ الْعَرَبِ أَعْلَامٌ وَنُبَلَاءُ انْتَشَرَ ذِكْرُهُمْ وَعُرِفَ فَضْلُهُمْ، مِنْهُمْ: خَالِدُ بْنُ سِنَانَ الْعَبْسِيُّ، وَحَاتِمٌ الطَّائِيُّ أَجْوَدُ الْعَرَبِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَقُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ، وَزَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَنُبَلَائِهِمْ. كَمَا كَانَ مِنْ أَخْبَارِ أَهْلِ نَجْرَانَ وَابْتِدَاءِ النَّصْرَانِيَّةِ فِيهِمْ عَنْ طَرِيقِ فِيمْيُونْ، وَصَالِحٍ عَلَى شَرِيعَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا بَعْدَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ حَصَلَ لَهُمْ مَا حَصَلَ لِسَائِرِ النَّاسِ مِنْ تَبَدُّلِ الشَّرِيعَةِ وَالدِّينِ. وَقَدْ كَانَ أَوَّلُ مَا عُبِدَتِ الْأَصْنَامُ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَمَا طَلَبُوا الْفَسَحَ فِي الْبِلَادِ فَكَانَ يَحْمِلُ الرَّجُلَ حَجَرًا مِنْ أَحْجَارِ الْبَيْتِ تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ فَأَيْنَمَا نَزَلُوا وَضَعُوهُ وَطَافُوا بِهِ كَطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ، حَتَّى سَلَخَ ذَلِكَ بِهِ إِلَى أَنْ أَصْبَحُوا يَعْبُدُونَ مَا اسْتَحْسَنُوا مِنَ الْحِجَارَةِ. ثُمَّ كَانَ مَا وَقَعَ مِنْ عِبَادَةِ وَدٍّ وَسُوَاعٍ وَيَغُوثَ وَنَسْرٍ وَاتِّخَاذِ كُلِّ قَبِيلَةٍ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، قَدْ جَاءَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ بِهُبَلَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ وَجَعَلَهُ بِمَكَّةَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِتَعْظِيمِهِ وَعِبَادَتِهِ. وَفَشَا ذَلِكَ فِي الْعَرَبِ حَتَّى اتَّخَذَ كُلُّ أَهْلِ دَارٍ صَنَمًا يَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدِ اتَّخَذَتْ قُرَيْشٌ مَعَ الْكَعْبَةِ طَوَاغِيتَ مَبْنِيَّةً جَعَلُوا لَهَا سَدَنَةً وَحِجَابًا وَيَهْدُونَ إِلَيْهَا كَمَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ مِنْهَا الْعُزَّى وَاللَّاتُ وَمَنَاةُ وَذُو الْخَلَصَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بُيُوتِ طَوَاغِيتِهِمْ.
التاريخ 490لا حكم مسجّل
أَمْرُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ فِي خُرُوجِهِ مِنْ الْيَمَنِ [ وَقِصَّةُ سَدِّ مَأْرِبٍ ] وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ مِنْ الْيَمَنِ - فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ - أَنَّهُ رَأَى جُرَذًا يَحْفِرُ فِي سَدِّ مَأْرِبٍ، الَّذِي كَانَ يَحْبِسُ عَلَيْهِمْ الْمَاءَ - فَيُصَرِّفُونَهُ حَيْثُ شَاءُوا مِنْ أَرْضِهِمْ، فَعَلِمَ أَنَّهُ لَا بَقَاءَ لِلسَّدِّ عَلَى ذَلِكَ، فَاعْتَزَمَ عَلَى النُّقْلَةِ مِنْ الْيَمَنِ، فَكَادَ قَوْمَهُ، فَأَمَرَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ إذَا أَغْلَظَ لَهُ وَلَطَمَهُ أَنْ يَقُومَ إلَيْهِ فَيَلْطِمَهُ، فَفَعَلَ ابْنُهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَا أُقِيمُ بِبَلَدِ لَطَمَ وَجْهِي فِيهِ أَصْغَرُ وَلَدِي، وَعَرَضَ أَمْوَالَهُ. فَقَالَ أَشْرَافٌ مِنْ أَشْرَافِ الْيَمَنِ: اغْتَنِمُوا غَضْبَةَ عَمْرٍو، فَاشْتَرَوْا مِنْهُ أَمْوَالَهُ. وَانْتَقَلَ فِي وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ. وَقَالَتْ الْأَزْدُ: لَا نَتَخَلَّفُ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، فَبَاعُوا أَمْوَالَهُمْ، وَخَرَجُوا مَعَهُ، فَسَارُوا حَتَّى نَزَلُوا بِلَادَ عَكٍّ مُجْتَازِينَ يَرْتَادُونَ الْبُلْدَانَ، فَحَارَبَتْهُمْ عَكٌّ، فَكَانَتْ حَرْبُهُمْ سِجَالًا. فَفِي ذَلِكَ قَالَ عَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ الْبَيْتَ الَّذِي كَتَبْنَا. ثُمَّ ارْتَحَلُوا عَنْهُمْ فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ، فَنَزَلَ آلُ جَفْنَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الشَّامَ، وَنَزَلَتْ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ يَثْرِبَ، وَنَزَلَتْ خُزَاعَةُ مَرَّا، وَنَزَلَتْ أَزْدُ السَّرَاةَ، وَنَزَلَتْ أَزْدُ عَمَّانَ عُمَانَ. ثُمَّ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى السَّدِّ السَّيْلَ فَهَدَمَهُ، فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ. وَالْعَرِمُ: السَّدُّ، وَاحِدَتُهُ: عَرِمَةٌ، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ الْأَعْشَى: أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ، وَاسْمُ الْأَعْشَى، مَيْمُونُ بْنُ قَيْسِ بْنِ جَنْدَلِ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: وَفِي ذَاكَ لِلْمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ومارِبُ عَفَّى عَلَيْهَا العَرِمْ رُخَامٌ بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيرٌ إذَا جَاءَ مَوَّارُهُ لَمْ يَرِمْ فَأَرْوَى الزُّرُوعَ وَأَعْنَابَهَا عَلَى سَعَةٍ مَاؤُهُمْ إذْ قُسِمْ فَصَارُوا أَيَادَى مَا يَقْدِرُو نَ مِنْهُ عَلَى شُرْبِ طِفْلٍ فُطِمْ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ - وَاسْمُ ثَقِيفٍ قَسِيُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ بْنِ عَدْنَانَ: مِنْ سَبَأِ الْحَاضِرِينَ مَأْرِبَ إذْ يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيْلِهِ الْعَرِمَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَتُرْوَى لِلنَّابِغَةِ الْجَعْدِيِّ، وَاسْمُهُ قَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ بَنِي جَعْدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ مَا ذَكَرْتُ مِنْ الِاخْتِصَارِ
التاريخ 491لا حكم مسجّل
قِصَّةُ ربيعة بن نصر رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ اللَّخْمِيُّ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَنُسَابُّ الْيَمَنِ تَقُولُ: نَصْرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نُمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ: رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ شَعْوَذِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَجْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُمَارَةَ بْنِ لَخْمٍ، وَلَخْمٌ أَخُو جُذَامٍ، وَسُمِّي لَخْمًا ; لِأَنَّهُ لَخَمَ أَخَاهُ أَيْ: لَطَمَهُ فَعَضَّهُ الْآخَرُ فِي يَدِهِ فَجَذَمَهَا فَسُمِّيَ جُذَامًا وَكَانَ رَبِيعَةُ أَحَدَ مُلُوكِ حِمْيَرَ التَّبَابِعَةِ، وَخَبَرُهُ مَعَ شِقٍّ وَسَطِيحٍ الْكَاهِنَيْنِ، وَإِنْذَارُهُمَا بِوُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمَّا سَطِيحٌ فَاسْمُهُ رَبِيعُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ مَازِنِ بْنِ ذِئْبِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَازِنِ بْنِ غَسَّانَ، وَأَمَّا شِقٌّ فَهُوَ ابْنُ صَعْبِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ رُهْمِ بْنِ أَفْرَكَ بْنِ قَسْرِ بْنِ عَبْقَرَ بْنِ أَنْمَارِ بْنِ نِزَارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَنْمَارُ بْنُ أَرَاشِ بْنِ لَحْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ، وَيُقَالَ: إِنَّ سَطِيحًا كَانَ لَا أَعْضَاءَ لَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مِثْلَ السَّطِيحَةِ، وَوَجْهُهُ فِي صَدْرِهِ وَكَانَ إِذَا غَضِبَ انْتَفَخَ وَجَلَسَ وَكَانَ شِقٌّ نِصْفُ إِنْسَانٍ، وَيُقَالَ: إِنَّ خَالِدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَسْرِيِّ كَانَ سُلَالَتَهُ، وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُمَا وُلِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ مَاتَتْ طَرِيفَةُ بِنْتُ الْخَيْرِ الْحِمْيَرِيَّةُ، وَيُقَالَ: إِنَّهَا تَفَلَتْ فِي فَمِ كُلٍّ مِنْهُمَا فَوَرِثَ الْكِهَانَةَ عَنْهَا، وَهِيَ امْرَأَةُ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. رؤي ربيعة بن نصر قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ نَصْرٍ مَلِكَ الْيَمَنِ بَيْنَ أَضْعَافِ مُلُوكِ التَّبَابِعَةِ فَرَأَى رُؤْيَا هَالَتْهُ وَفَظِعَ بِهَا فَلَمْ يَدَعْ كَاهِنًا وَلَا سَاحِرًا وَلَا عَائِفًا وَلَا مُنَجِّمًا مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ إِلَّا جَمَعَهُ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي، وَفَظِعْتُ بِهَا فَأَخْبَرُونِي بِهَا، وَبِتَأْوِيلِهَا فَقَالُوا: اقْصُصْهَا عَلَيْنَا نُخْبِرْكَ بِتَأْوِيلِهَا فَقَالَ: إِنِّي إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ بِهَا لَمْ أَطْمَئِنَّ إِلَى خَبَرِكُمْ بِتَأْوِيلِهَا; لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ تَأْوِيلَهَا إِلَّا مَنْ عَرَفَهَا قَبْلَ أَنْ أُخْبِرَهُ بِهَا فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: فَإِنَّ كَانَ الْمَلِكُ يُرِيدُ هَذَا فَلْيَبْعَثْ إِلَى شِقٍّ وَسَطِيحٍ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُمَا فَهُمَا يُخْبِرَانِهِ بِمَا سَأَلَ عَنْهُ فَبَعَثَ إِلَيْهِمَا فَقَدِمَ إِلَيْهِ سَطِيحٌ قَبْلَ شِقٍّ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا هَالَتْنِي وَفَظِعْتُ بِهَا فَأَخْبِرْنِي بِهَا فَإِنَّكَ إِنْ أَصَبْتَهَا أَصَبْتَ تَأْوِيلَهَا فَقَالَ: أَفْعَلُ. رَأَيْتَ حُمَمَةً خَرَجَتْ مِنْ ظُلْمَةٍ فَوَقَعَتْ بِأَرْضٍ تَهَمَةٍ فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ جُمْجُمَةٍ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا أَخْطَأْتَ مِنْهَا شَيْئًا يَا سَطِيحُ فَمَا عِنْدَكَ فِي تَأْوِيلِهَا ؟ قَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ حَنَشٍ لَتَهْبِطَنَّ أَرْضَكُمُ الْحَبَشُ فَلْيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إِلَى جُرَشَ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَأَبِيكَ يَا سَطِيحُ إِنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ ؟ أَفِي زَمَانِي أَمْ بَعْدَهُ ؟ فَقَالَ: لَا بَلْ بَعْدَهُ بِحِينٍ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ أَوْ سَبْعَيْنَ يَمْضِينَ مِنَ السِّنِينَ قَالَ: أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِمْ أَمْ يَنْقَطِعُ ؟ قَالَ: بَلْ يَنْقَطِعُ لِبِضْعٍ وَسَبْعِينَ مِنَ السِّنِينَ، ثُمَّ يُقْتَلُونَ وَيَخْرُجُونَ مِنْهَا هَارِبِينَ قَالَ: وَمَنْ يَلِي ذَلِكَ مِنْ قَتْلِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ. قَالَ: يَلِيَهُمْ إِرَمُ ذِي يَزَنَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنٍ فَلَا يَتْرُكُ مِنْهُمْ أَحَدًا بِالْيَمَنِ قَالَ: أَفَيَدُومُ ذَلِكَ مِنْ سُلْطَانِهِ أَمْ يَنْقَطِعُ ؟ قَالَ: بَلْ يَنْقَطِعُ قَالَ: وَمَنْ يَقْطَعُهُ قَالَ: نَبِيٌّ زَكِيٌّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيِّ قَالَ: وَمِمَّنْ هَذَا النَّبِيُّ ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ قَالَ: وَهَلْ لِلدَّهْرِ مِنْ آخِرٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَوْمَ يُجْمَعُ فِيهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، يَسْعَدُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، وَيَشْقَى فِيهِ الْمُسِيئُونَ. قَالَ: أَحَقٌّ مَا تُخْبِرُنِي ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالشَّفَقِ وَالْغَسَقِ وَالْفَلَقِ إِذَا اتَّسَقَ إِنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ لَحَقٌّ. قَالَ: ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ شِقٌّ فَقَالَ لَهُ كَقَوْلِهِ لِسَطِيحٍ، وَكَتَمَهُ مَا قَالَ سَطِيحٌ ; لِيَنْظُرَ أَيَتَّفِقَانِ أَمْ يَخْتَلِفَانِ، قَالَ: نَعَمْ رَأَيْتَ حُمَمَةً خَرَجَتْ مِنْ ظُلْمَةٍ فَوَقَعَتْ بَيْنَ رَوْضَةٍ وَأَكَمَةٍ فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ نَسَمَةٍ فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُمَا قَدِ اتَّفَقَا، وَأَنَّ قَوْلَهُمَا وَاحِدٌ إِلَّا أَنَّ سَطِيحًا قَالَ وَقَعَتْ بِأَرْضٍ تَهَمَةٍ فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ جُمْجُمَةٍ، وَقَالَ شِقٌّ: وَقَعَتْ بَيْنَ رَوْضَةٍ وَأَكَمَةٍ فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ ذَاتِ نَسَمَةٍ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: مَا أَخْطَأْتَ يَا شِقُّ مِنْهَا شَيْئًا فَمَا عِنْدَكَ فِي تَأْوِيلِهَا ؟ فَقَالَ: أَحْلِفُ بِمَا بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ مِنْ إِنْسَانٍ، لَيَنْزِلَنَّ أَرْضِكُمُ السُّودَانُ فَلْيَغْلِبُنَّ عَلَى كُلِّ طَفْلَةِ الْبَنَانِ، وَلِيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إِلَى نَجْرَانَ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: وَأَبِيكَ يَا شِقُّ إِنَّ هَذَا لَنَا لَغَائِظٌ مُوجِعٌ فَمَتَى هُوَ كَائِنٌ أَفِي زَمَانِي أَمْ بَعْدَهُ ؟ قَالَ: لَا بَلْ بَعْدَهُ بِزَمَانٍ، ثُمَّ يَسْتَنْقِذُكُمْ مِنْهُمْ عَظِيمٌ ذُو شَانٍ، وَيُذِيقُهُمْ أَشَدَّ الْهَوَانِ قَالَ: وَمَنْ هَذَا الْعَظِيمُ الشَّانِ ؟ قَالَ: غُلَامٌ لَيْسَ بِدَنِيٍّ وَلَا مُدَنٍّ، يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَنَ قَالَ: أَفَيَدُومُ سُلْطَانُهُ أَمْ يَنْقَطِعُ ؟ قَالَ: بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولٍ مُرْسَلٍ يَأْتِي بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إِلَى يَوْمِ الْفَصْلِ قَالَ: وَمَا يَوْمُ الْفَصْلِ ؟ قَالَ: يَوْمَ تُجْزَى فِيهِ الْوُلَاةُ يُدْعَى فِيهِ مِنَ السَّمَاءِ بِدَعَوَاتٍ، يَسْمَعُ مِنْهَا الْأَحْيَاءُ وَالْأَمْوَاتُ، وَيُجْمَعُ النَّاسُ فِيهِ لِلْمِيقَاتِ، يَكُونُ فِيهِ لِمَنِ اتَّقَى الْفَوْزُ وَالْخَيْرَاتُ قَالَ: أَحَقٌّ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ رَفْعٍ وَخَفْضٍ، إِنَّ مَا أَنْبَأْتُكَ بِهِ لَحَقٌّ مَا فِيهِ أَمْضٌ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ مَا قَالَا فَجَهَّزَ بَنِيهِ وَأَهْلَ بَيْتِهِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَتَبَ لَهُمْ إِلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ فَارِسَ يُقَالُ لَهُ: سَابُورُ بْنُ خُرَّزَاذَ فَأَسْكَنَهُمُ الْحِيرَةَ
التاريخ 492لا حكم مسجّل
قالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَتُبَّانُ أَسْعَدَ أَبُو كَرِبٍ هُوَ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَسَاقَ الْحَبْرَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْيَمَنِ، وَعَمَّرَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَكَسَاهُ وَكَانَ مُلْكُهُ قَبْلَ مُلْكِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ وَكَانَ قَدْ جَعَلَ طَرِيقُهُ حِينَ رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ بِلَادِ الْمَشْرِقِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ قَدْ مَرَّ بِهَا فِي بُدَأَتِهِ فَلَمْ يُهِجْ أَهْلَهَا، وَخَلَّفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمُ ابْنًا لَهُ فَقُتِلَ غِيلَةً فَقَدِمَهَا وَهُوَ مُجْمِعٌ لِإِخْرَابِهَا، وَاسْتِئْصَالِ أَهْلِهَا، وَقَطْعِ نَخْلِهَا فَجَمَعَ لَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَرَئِيسُهُمْ عَمْرُو بْنُ طَلَّةَ أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ، وَاسْمُ مَبْذُولٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَاسْمُ النَّجَّارِ تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ عَمْرُو بْنُ طَلْحَةَ هُوَ عَمْرُو بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَطَلَّةُ أُمُّهُ وَهِيَ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ الْخَزْرَجِيَّةُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ يُقَالَ لَهُ: أَحْمَرُ عَدَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ تُبَّعٍ وَجَدَهُ يَجُدُّ عَذْقًا لَهُ فَضَرَبَهُ بِمِنْجَلِهِ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا التَّمْرُ لِمَنْ أَبَّرَهُ فَزَادَ ذَلِكَ تُبَّعًا حَنَقًا عَلَيْهِمْ فَاقْتَتَلُوا فَتَزْعُمُ الْأَنْصَارُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَاتِلُونَهُ بِالنَّهَارِ وَيُقْرُونَهُ بِاللَّيْلِ فَيُعْجِبُهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَيَقُولُ: وَاللَّهِ إِنَّ قَوْمَنَا لِكِرَامٌ، وَحَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الْأَنْصَارِ أَنَّ تُبَّعًا إِنَّمَا كَانَ حَنَقُهُ عَلَى الْيَهُودِ أَنَّهُمْ مَنَعُوهُمْ مِنْهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَيُقَالُ إِنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ لِنُصْرَةِ الْأَنْصَارِ - أَبْنَاءِ عَمِّهِ - عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ نَزَلُوا عِنْدَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ عَلَى شُرُوطٍ فَلَمْ يَفُوا بِهَا، وَاسْتَطَالُوا عَلَيْهِمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 493لا حكم مسجّل
[ انْصِرَافُ تُبَّانَ عَنْ إهْلَاكِ الْمَدِينَةِ، وَشِعْرُ خَالِدٍ فِي ذَلِكَ ] فَبَيْنَا تُبَّعٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قِتَالِهِمْ، إذْ جَاءَهُ حَبْرَانِ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ - وَقُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَالنَّجَّامُ وَعَمْرٌو، وَهُوَ هَدَلُ، بَنُو الْخَزْرَجِ بْنِ الصَّرِيحِ بْنِ التَّوْءَمَانِ بْنِ السِّبْطِ بْنِ الْيَسَعَ بْنِ سَعْدِ بْنِ لَاوِيِّ بْنِ خَيْرِ بْنِ النَّجَّامِ بْنِ تَنْحُومَ بْنِ عَازَرِ بْنِ عُزْرَى بْنِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ يَصْهَرَ بْنِ قَاهِثِ ابْنِ لَاوَى بْنِ يَعْقُوبَ، وَهُوَ إسْرَائِيلُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ - عَالِمَانِ رَاسِخَانِ فِي الْعِلْمِ حِينَ سَمِعَا بِمَا يُرِيدُ مِنْ إهْلَاكِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِهَا. فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَفْعَلْ فَإِنَّكَ إنْ أَبَيْتَ إلَّا مَا تُرِيدُ حِيلَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا وَلَمْ نَأْمَنْ عَلَيْكَ عَاجِلَ الْعُقُوبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: وَلِمَ ذَلِكَ ؟ فَقَالَا: هِيَ مُهَاجَرُ نَبِيٍّ يَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَرَمِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، تَكُونُ دَارَهُ وَقَرَارَهُ، فَتَنَاهَى عَنْ ذَلِكَ. وَرَأَى أَنَّ لَهُمَا عِلْمًا، وَأَعْجَبَهُ مَا سَمِعَ مِنْهُمَا، فَانْصَرَفَ عَنْ الْمَدِينَةِ - وَاتَّبَعَهُمَا عَلَى دِينِهِمَا. فَقَالَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ غَزِيَّةَ بْنِ عَمْرِو ( ابْنِ عَبْدِ ) بْنِ عَوْفِ بْنِ غُنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ يَفْخَرُ بِعَمْرِو بْنِ طَلَّةَ: أَصَحَّا أَمْ قَدْ نَهَى ذُكَرَهْ أَمْ قَضَى مِنْ لَذَّةٍ وَطَرَهْ أَمْ تَذَكَّرْتَ الشَّبَابَ وَمَا ذِكْرُكَ الشَّبَابَ أَوْ عُصُرَهْ إنَّهَا حَرْبٌ رَبَاعِيَةٌ مِثْلُهَا أَتَى الْفَتَى عِبَرَهْ فَاسْأَلَا عِمْرَانَ أَوْ أَسَدًا إذْ أَتَتْ عَدْوًا مَعَ الزُّهَرَهْ فَيْلَقٌ فِيهَا أَبُو كَرِبٍ سُبَّغٌ أَبْدَانُهَا ذَفِرَهْ ثُمَّ قَالُوا: مَنْ نَؤُمُّ بِهَا أَبَنِي عَوْفٍ أَمْ النَّجَرَهْ بَلْ بَنِي النَّجَّارِ إنَّ لَنَا فِيهِمْ قَتْلَى وَإِنَّ تِرَهْ فَتَلَقَّتْهُمْ مُسَايِفَةٌ مُدُّهَا كَالغَبْيَةِ النَّثِرَهْ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ طَلَّةَ مَلَّى الْإِلَهُ قَوْمَهُ عُمُرَهْ سَيْدٌ سَامِي الْمُلُوكِ وَمَنْ رَامَ عَمْرًا لَا يَكُنْ قَدَرَهْ وَهَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ حَنَقُ تُبَّعٍ عَلَى هَذَا الْحَيِّ مِنْ يَهُودَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَرَادَ هَلَاكَهُمْ فَمَنَعُوهُمْ مِنْهُ، حَتَّى انْصَرَفَ عَنْهُمْ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي شِعْرِهِ: حَنَقًا عَلَى سَبْطَيْنِ حَلَّا يَثْرِبَا أَوْلَى لَهُمْ بِعِقَابِ يَوْمٍ مُفْسِدِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الشِّعْرُ الَّذِي فِي هَذَا الْبَيْتِ مَصْنُوعٌ، فَذَلِكَ الَّذِي مَنَعَنَا مِنْ إثْبَاتِهِ.
التاريخ 494لا حكم مسجّل
[ اعْتِنَاقُ تُبَّانَ النصرانيَّةَ وَكِسْوَتُهُ الْبَيْتَ وَتَعْظِيمَهُ وَشِعْرُ سُبَيعَةَ فِي ذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ تُبَّعٌ وَقَوْمُهُ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، فَتَوَجَّهَ إلَى مَكَّةَ، وَهِيَ طَرِيقُهُ إلَى الْيَمَنِ، حَتَّى إذَا كَانَ بَيْنَ عُسْفانَ، وَأَمَجٍ، أَتَاهُ نَفَرٌ مِنْ هُذَيلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ، فَقَالُوا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، أَلَا نَدُلُّكَ عَلَى بَيْتِ مَالٍ دَاثِرٍ أَغَفَلَتْهُ الْمُلُوكُ قَبْلَكَ، فِيهِ اللُّؤْلُؤُ وَالزَّبَرْجَدُ وَالْيَاقُوتُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ قَالَ: بَلَى، قَالُوا: بَيْتٌ بِمَكَّةَ يَعْبُدُهُ أَهْلُهُ، وَيُصَلُّونَ عِنْدَهُ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْهُذَلِيُّونَ هَلَاكَهُ بِذَلِكَ لِمَا عَرَفُوا مِنْ هَلَاكِ مَنْ أَرَادَهُ مِنْ الْمُلُوكِ وَبَغَى عِنْدَهُ. فَلَمَّا أَجْمَعَ لِمَا قَالُوا أَرْسَلَ إلَى الْحَبْرَيْنِ، فَسَأَلَهُمَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَا لَهُ: مَا أَرَادَ الْقَوْمُ إلَّا هَلَاكَكَ وَهَلَاكَ جُنْدِكَ، مَا نَعْلَمُ بَيْتًا لِلَّهِ اتَّخَذَهُ فِي الْأَرْضِ لِنَفْسِهِ غَيْرَهُ وَلَئِنْ فَعَلْتَ مَا دَعَوْكَ إلَيْهِ لَتَهْلَكَنَّ وَلَيَهْلَكَنَّ مَنْ مَعَكَ جَمِيعًا - قَالَ: فَمَاذَا تَأْمُرَانِنِي أَنْ أَصْنَعَ إذَا أَنَا قَدِمْتُ عَلَيْهِ، قَالَا: تَصْنَعُ عِنْدَهُ مَا يَصْنَعُ أَهْلُهُ: تَطُوفُ بِهِ وَتُعَظِّمُهُ وَتُكْرِمُهُ وَتَحْلِقُ رَأْسَكَ عِنْدَهُ، وَتَذِلُّ لَهُ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْتُمَا مِنْ ذَلِكَ قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَبَيْتُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ. وَإِنَّهُ لَكَمَا أَخْبَرْنَاكَ وَلَكِنَّ أَهْلَهُ حَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ بِالْأَوْثَانِ الَّتِي نَصَبُوهَا حَوْلَهُ وَبِالدِّمَاءِ الَّتِي يُهْرِقُونَ عِنْدَهُ، وَهُمْ نَجَسٌ أَهْلُ شِرْكٍ - أَوْ كَمَا قَالَا لَهُ - فَعَرَفَ نُصْحَهُمَا وَصِدْقَ حَدِيثِهِمَا فَقَرَّبَ النَّفَرَ مِنْ هُذَيْلٍ، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ. فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَنَحَرَ عِنْدَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَيَّامٍ - فِيمَا يَذْكُرُونَ - يَنْحَرُ بِهَا لِلنَّاسِ، وَيُطْعِمُ أَهْلَهَا وَيَسْقِيهِمْ الْعَسَلَ، وَأُرَى فِي الْمَنَامِ أَنْ يَكْسُوَ الْبَيْتَ، فَكَسَاهُ الْخَصَفَ، ثُمَّ أُرَى أَنْ يَكْسُوَهُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَسَاهُ الْمَعَافِرَ، ثُمَّ أُرَى أَنْ يَكْسُوَهُ أَحْسَنَ مِنْ ذَلِكَ، فَكَسَاهُ الْمُلَاءَ وَالْوَصَائِلَ، فَكَانَ تُبَّعٌ - فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّلَ مَنْ كَسَا الْبَيْتَ، وَأَوْصَى بِهِ وُلَاتَهُ مِنْ جُرْهُمٍ، وَأَمَرَهُمْ بِتَطْهِيرِهِ وَأَلَّا يُقَرِّبُوهُ دَمًا وَلَا مِيتَةً وَلَا مِئْلَاةً، وَهِيَ الْمَحَايِضُ، وَجَعَلَ لَهُ بَابًا وَمِفْتَاحًا وَقَالَتْ سُبَيعَةُ بِنْتُ الْأَحَبِّ بْنِ زَبِينةَ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَكَانَتْ عِنْدَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، لِابْنِ لَهَا مِنْهُ يُقَالُ لَهُ خَالِدٌ، تُعَظِّمُ عَلَيْهِ حُرْمَةَ مَكَّةَ، وَتَنْهَاهُ عَنْ الْبَغْيِ فِيهَا، وَتَذْكُرُ تُبَّعًا وَتَذَلُّلَهُ لَهَا، وَمَا صَنَعَ بِهَا: أَبُنَيَّ لَا تَظْلِمْ بِمَكَّةَ لَا الصَّغِيرَ وَلَا الْكَبِيرْ وَاحْفَظْ مَحَارِمَهَا بُنَ يَّ وَلَا يَغُرَّنكَ الغَرورْ أَبُنَيَّ مَنْ يَظْلِمْ بِمَكَّةَ يَلْقَ أَطْرَافَ الشُّرورْ أَبُنَيَّ يُضْرَبْ وَجْهُهُ وَيَلُحْ بِخَدَّيْهِ السَّعيرْ أَبُنَيَّ قَدْ جَرَّبْتهَا فَوَجَدْتُ ظَالِمهَا يَبُورْ اللَّهُ أَمَّنَهَا وَمَا بُنِيَتْ بِعَرْصَتِهَا قُصورْ وَاَللَّهُ أَمَّنَ طَيْرَهَا وَالْعُصْمُ تَأْمَنُ فِي ثَبيرْ وَلَقَدْ غَزَاهَا تُبَّعٌ فَكَسَا بَنِيَّتَهَا الْحَبِيرْ وَأَذَلَّ رَبِّي مُلْكَهُ فِيهَا فَأَوْفَى بالنُّذُورْ يَمْشِي إلَيْهَا حَافِيًا بِفِنَائِهَا أَلْفَا بَعِيرْ وَيَظَلُّ يُطْعِمُ أَهْلَهَا لَحْمَ الْمَهَارَى والجَزورْ يَسْقِيهِمْ الْعَسَلَ الْمُصَفَّى وَالرَّحِيضَ مِنْ الشعيرْ وَالْفِيلُ أُهْلِكَ جَيْشُهُ يُرْمَوْنَ فِيهَا بِالصُّخُورْ وَالْمُلْكَ فِي أَقْصَى الْبِلَا دِ وَفِي الْأَعَاجِمِ وَالْخَزِيرْ فَاسْمَعْ إذَا حُدِّثْتَ وَافْهَمْ كَيْفَ عَاقِبَةُ الأمورْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. يُوقَفُ عَلَى قَوَافِيهَا لَا تُعْرَبُ.
التاريخ 495لا حكم مسجّل
[ دَعْوَةُ تُبَّانَ قَوْمَهُ إلَى النصرانيَّة، وَتَحْكِيمُهُمْ النَّارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ] ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا مُتَوَجِّهًا إلَى الْيَمَنِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ جُنُودِهِ وَبِالْحَبْرَيْنِ، حَتَّى إذَا دَخَلَ الْيَمَنَ دَعَا قَوْمَهُ إلَى الدُّخُولِ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، حَتَّى يُحَاكِمُوهُ إلَى النَّارِ الَّتِي كَانَتْ بِالْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكِ القُرَظيُّ، قَالَ سَمِعْتُ إبْرَاهِيمَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يُحَدِّثُ: أَنَّ تُبَّعًا لَمَّا دَنَا مِنْ الْيَمَنِ لِيَدْخُلَهَا حَالَتْ حِمْيَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ: وَقَالُوا: لَا تَدْخُلُهَا عَلَيْنَا، وَقَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا، فَدَعَاهُمْ إلَى دِينِهِ وَقَالَ: إنَّهُ خَيْرٌ مِنْ دِينِكُمْ، فَقَالُوا: فَحَاكِمْنَا إلَى النَّارِ؛ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَكَانَتْ بِالْيَمَنِ - فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْيَمَنِ - نَارٌ تَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، تَأْكُلُ الظَّالِمَ وَلَا تَضُرُّ الْمَظْلُومَ، فَخَرَجَ قَوْمُهُ بِأَوْثَانِهِمْ وَمَا يَتَقَرَّبُونَ بِهِ فِي دِينِهِمْ وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا مُتَقَلِّدَيْهَا، حَتَّى قَعَدُوا لِلنَّارِ عِنْدَ مَخْرَجِهَا الَّذِي تَخْرُجُ مِنْهُ، فَخَرَجَتْ النَّارُ إلَيْهِمْ، فَلَمَّا أَقْبَلَتْ نَحْوَهُمْ حَادُوا عَنْهَا وَهَابُوهَا، فَذَمَرَهُمْ مَنْ حَضَرَهُمْ مِنْ النَّاسِ، وَأَمَرُوهُمْ بِالصَّبْرِ لَهَا، فَصَبَرُوا حَتَّى غَشِيَتْهُمْ، فَأَكَلَتْ الْأَوْثَانَ وَمَا قَرَّبُوا مَعَهَا، وَمَنْ حَمَلَ ذَلِكَ مِنْ رِجَالِ حِمْيَرَ، وَخَرَجَ الْحَبْرَانِ بِمَصَاحِفِهِمَا فِي أَعْنَاقِهِمَا تَعْرَقُ جِبَاهُهُمَا لَمْ تَضُرَّهُمَا، فَأُصْفِقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِ، فَمِنْ هُنَالِكَ وَعَنْ ذَلِكَ كَانَ أَصْلُ الْيَهُودِيَّةِ بِالْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ أَنَّ الْحَبْرَيْنِ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْ حِمْيَرَ، إنَّمَا اتَّبَعُوا النَّارَ لِيَرُدُّوهَا، وَقَالُوا: مَنْ رَدَّهَا فَهُوَ أَوْلَى بِالْحَقِّ، فَدَنَا مِنْهَا رِجَالٌ مِنْ حِمْيَرَ بِأَوْثَانِهِمْ لِيَرُدُّوهَا فَدَنَتْ مِنْهُمْ لِتَأْكُلَهُمْ، فَحَادُوا عَنْهَا وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا رَدَّهَا وَدَنَا مِنْهَا الْحَبْرَانِ بَعْدَ ذَلِكَ وَجَعَلَا يَتْلُوَانِ التَّوْرَاةَ وَتَنْكُصُ عَنْهُمَا، حَتَّى رَدَّاهَا إلَى مَخْرَجِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ، فَأُصْفِقَتْ عِنْدَ ذَلِكَ حِمْيَرُ عَلَى دِينِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
التاريخ 496لا حكم مسجّل
[ رئَامٌ وَمَا صَارَ إلَيْهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِئَامٌ بَيْتًا لَهُمْ يُعَظِّمُونَهُ، وَيَنْحَرُونَ عِنْدَهُ، وَيَكَلَّمُونَ ( مِنْهُ ) إذْ كَانُوا عَلَى شِرْكِهِمْ ؟ فَقَالَ الْحَبْرَانِ لِتُبَّعِ: إنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ يَفْتِنُهُمْ بِذَلِكَ فَخَلِّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، قَالَ: فَشَأْنُكُمَا بِهِ، فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ - فِيمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْيَمَنِ - كَلْبًا أَسْوَدَ فَذَبَحَاهُ، ثُمَّ هَدَمَا ذَلِكَ الْبَيْتَ فَبَقَايَاهُ الْيَوْمَ - كَمَا ذُكِرَ لِي - بِهَا آثَارُ الدِّمَاءِ الَّتِي كَانَتْ تُهْرَاقُ عَلَيْهِ.
التاريخ 497لا حكم مسجّل
ثُمَّ صَارَ الْمُلْكُ فِيمَا بَعْدُ إِلَى حَسَّانَ بْنِ تُبَّانِ أَسْعَدَ ; وَهُوَ أَخُو الْيَمَامَةِ الزَّرْقَاءِ الَّتِي صُلِبَتْ عَلَى بَابِ مَدِينَةِ جَوٍّ فَسُمِّيَتْ مِنْ يَوْمِئِذٍ الْيَمَامَةَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا مَلَكَ ابْنُهُ حَسَّانُ بْنُ أَبِي كَرِبٍ تُبَّانُ أَسْعَدَ سَارَ بِأَهْلِ الْيَمَنِ يُرِيدُ أَنْ يَطَأَ بِهِمْ أَرْضَ الْعَرَبِ وَأَرْضَ الْأَعَاجِمِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ أَرْضِ الْعِرَاقِ كَرِهَتْ حِمْيَرُ، وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ السَّيْرَ مَعَهُ، وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ فَكَلَّمُوا أَخًا لَهُ يُقَالَ لَهُ: عَمْرٌو - وَكَانَ مَعَهُ فِي جَيْشِهِ - فَقَالُوا لَهُ: اقْتُلْ أَخَاكَ حَسَّانَ، وَنُمَلِّكُكَ عَلَيْنَا وَتَرْجِعُ بِنَا إِلَى بِلَادِنَا فَأَجَابَهُمْ فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ إِلَّا ذَا رُعَيْنٍ الْحِمْيَرِيُّ فَإِنَّهُ نَهَى عَمْرًا عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ فَكَتَبَ ذُو رُعَيْنٍ رُقْعَةً فِيهَا هَذَانَ الْبَيْتَانِ أَلَا مَنْ يَشْتَرِي سَهَرًا بِنَوْمٍ سَعِيدٌ مَنْ يَبِيتُ قَرِيرَ عَيْنِ فَأَمَّا حِمْيَرٌ غَدَرَتْ وَخَانَتْ فَمَعْذِرَةُ الْإِلَهِ لِذِي رُعَيْنِ ثُمَّ اسْتَوْدَعَهَا عَمْرًا فَلَمَّا قَتَلَ عَمْرٌو أَخَاهُ حَسَّانَ، وَرَجَعَ إِلَى الْيَمَنِ مُنِعَ مِنْهُ النَّوْمُ، وَسُلِّطَ عَلَيْهِ السَّهَرُ فَسَأَلَ الْأَطِبَّاءَ وَالْحُزَاةَ مِنَ الْكُهَّانِ وَالْعَرَّافِينَ عَمَّا بِهِ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا قَتَلَ رَجُلٌ أَخَاهُ قَطُّ أَوْ ذَا رَحِمَهُ بَغْيًا إِلَّا ذَهَبَ نَوْمُهُ، وَسُلِّطَ عَلَيْهِ السَّهَرُ فَعِنْدَ ذَلِكَ جَعَلَ يَقْتُلُ كُلَّ مَنْ أَمَرَهُ بِقَتْلِ أَخِيهِ فَلَمَّا خَلُصَ إِلَى ذِي رُعَيْنٍ قَالَ لَهُ: إِنَّ لِي عِنْدَكَ بَرَاءَةً قَالَ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: الْكِتَابُ الَّذِي دَفَعْتُهُ الَيْكَ فَأَخْرَجَهُ فَاذَا فِيهِ الْبَيْتَانِ فَتَرَكَهُ، وَرَأَى أَنَّهُ قَدْ نَصَحَهُ، وَهَلَكَ عَمْرٌو فَمَرَجَ أَمْرُ حِمْيَرَ عِنْدَ ذَلِكَ، وَتَفَرَّقُوا.
التاريخ 498لا حكم مسجّل
وُثُوبُ لَخْنِيعَةَ ذِي شَنَاتِرَ عَلَى مُلْكِ الْيَمَنِ وَقَدْ مَلَكَهَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَثَبَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بُيُوتِ الْمُلْكِ يُقَالَ لَهُ: لَخْنِيعَةُ يَنُوفُ ذُو شَنَاتِرَ فَقَتَلَ خِيَارَهُمْ، وَعَبَثَ بِبُيُوتِ أَهْلِ الْمَمْلَكَةِ مِنْهُمْ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ امْرَأً فَاسِقًا يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَكَانَ يُرْسِلُ إِلَى الْغُلَامِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ فَيَقَعُ عَلَيْهِ فِي مَشْرَبَةٍ لَهُ قَدْ صَنَعَهَا لِذَلِكَ لِئَلَّا يَمْلِكَ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَطَّلِعُ مِنْ مَشْرَبَتِهِ تِلْكَ إِلَى حَرَسِهِ، وَمَنْ حَضَرَ مِنْ جُنْدِهِ قَدْ أَخَذَ مِسْوَاكًا فَجَعَلَهُ فِي فِيهِ أَيْ: لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّهُ قَدْ فَرَغَ مِنْهُ حَتَّى بَعَثَ إِلَى زُرْعَةَ ذِي نُوَاسِ بْنِ تُبَّانِ أَسْعَدَ أَخِي حَسَّانَ وَكَانَ صَبِيًّا صَغِيرًا حِينَ قُتِلَ أَخُوهُ حَسَّانُ، ثُمَّ شَبَّ غُلَامًا جَمِيلًا وَسِيمًا ذَا هَيْئَةٍ وَعَقْلٍ، فَلَمَّا أَتَاهُ رَسُولُهُ عَرَفَ مَا يُرِيدُ مِنْهُ فَأَخَذَ سِكِّينًا حَدِيدًا لَطِيفًا فَخَبَّأَهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَنَعْلِهِ، ثُمَّ أَتَاهُ فَلَمَّا خَلَا مَعَهُ وَثَبَ إِلَيْهِ فَوَاثَبَهُ ذُو نُوَاسٍ فَوَجَأَهُ حَتَّى قَتَلَهُ، ثُمَّ حَزَّ رَأْسَهُ فَوَضَعَهُ فِي الْكُوَّةِ الَّتِي كَانَ يُشْرِفُ مِنْهَا، وَوَضَعَ مِسْوَاكَهُ فِي فِيهِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ. فَقَالُوا لَهُ: ذَا نُوَاسٍ أَرَطْبٍ أَمْ يَبَاسٌ ؟ فَقَالَ: سَلْ نَخْمَاسَ اسْتُرْطُبَانَ ذُو نُوَاسٍ اسْتُرْطُبَانَ لَا بَاسَ فَنَظَرُوا إِلَى الْكُوَّةِ فَاذَا رَأْسُ لَخْنِيعَةَ مَقْطُوعٌ فَخَرَجُوا فِي أَثَرِ ذِي نُوَاسٍ حَتَّى أَدْرَكُوهُ، فَقَالُوا: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَمْلِكَنَا غَيْرُكَ إِذْ أَرَحْتَنَا مِنْ هَذَا الْخَبِيثِ فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ حِمْيَرُ وَقَبَائِلُ الْيَمَنِ فَكَانَ آخِرَ مُلُوكِ حِمْيَرَ، وَتَسَمَّى يُوسُفَ فَأَقَامَ فِي مُلْكِهِ زَمَانًا.
التاريخ 499لا حكم مسجّل
[ النَّصْرَانِيَّةُ بِنَجْرَانَ ] وَبِنَجْرَانَ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الْإِنْجِيلِ، أَهْلِ فَضْلٍ، وَاسْتِقَامَةٍ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ، لَهُمْ رَأْسٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ، وَكَانَ مَوْقِعُ أَصْلِ ذَلِكَ الدِّينِ بِنَجْرَانَ، وَهِيَ بِأَوْسَطِ أَرْضِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَأَهْلُهَا وَسَائِرُ الْعَرَبِ كُلِّهَا أَهْلُ أَوْثَانٍ يَعْبُدُونَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا أَهْلِ ذَلِكَ الدِّينِ يُقَالُ لَهُ فَيْمِيُونُ - وَقَعَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَحَمَلَهُمْ عَلَيْهِ، فَدَانُوا بِهِ.
التاريخ 500لا حكم مسجّل
ابتداء وقوع النصرانية بنجران ابْتِدَاءُ وُقُوعِ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ [ فَيْمِيُونُ وَصَالِحٌ وَنَشْرُ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ أَبِي لَبِيَدٍ مَوْلَى الْأَخْنَسِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ مَوْقِعَ ذَلِكَ الدِّينِ بِنَجْرَانَ كَانَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَقَايَا أَهْلِ دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ يُقَالُ لَهُ فَيْمِيُونُ، وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا مُجْتَهِدًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا، مُجَابَ الدَّعْوَةِ، وَكَانَ سَائِحًا يَنْزِلُ بَيْنَ الْقُرَى، لَا يُعْرَفُ بِقَرْيَةِ إلَّا خَرَجَ مِنْهَا إلَى قَرْيَةٍ لَا يُعْرَفُ بِهَا، وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إلَّا مِنْ كَسْبِ يَدَيْهِ، وَكَانَ بَنَّاءً يَعْمَلُ الطِّينَ وَكَانَ يُعَظِّمُ الْأَحَدَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ لَمْ يَعْمَلْ فِيهِ شَيْئًا، وَخَرَجَ إلَى فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ يُصَلِّي بِهَا حَتَّى يُمْسِيَ. قَالَ: وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الشَّامِ يَعْمَلُ عَمَلَهُ ذَلِكَ مُسْتَخْفِيًا، فَفَطِنَ لِشَأْنِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِهَا يُقَالُ لَهُ صَالِحٌ، فَأَحَبَّهُ صَالِحٌ حُبًّا لَمْ يُحِبَّهُ شَيْئًا كَانَ قَبْلَهُ، فَكَانَ يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ، وَلَا يَفْطِنُ لَهُ فَيْمِيُونُ: حَتَّى خَرَجَ مَرَّةً فِي يَوْمِ الْأَحَدِ إلَى فَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ، وَقَدْ اتَّبَعَهُ صَالِحٌ وفَيْمِيونُ لَا يَدْرِي فَجَلَسَ صَالِحٌ مِنْهُ مَنْظَرَ الْعَيْنِ مُسْتَخْفِيًا مِنْهُ، لَا يُحِبُّ أَنْ يَعْلَمَ بِمَكَانِهِ. وَقَامَ فَيْمِيُونُ يُصَلِّي، فَبَيْنَمَا هُوَ يُصَلِّي إذْ أَقْبَلَ نَحْوَهُ التِّنِّينُ - الْحَيَّةُ ذَاتُ الرُّءُوسِ السَّبْعَةِ - فَلَمَّا رَآهَا فَيْمِيُونُ دَعَا عَلَيْهَا فَمَاتَتْ، وَرَآهَا صَالِحٌ وَلَمْ يَدْرِ، مَا أَصَابَهَا فَخَافَهَا عَلَيْهِ، فَعِيلَ عَوْلُهُ، فَصَرَخَ: يَا فَيْمِيُونُ، التِّنِّينُ قَدْ أَقْبَلَ نَحْوَكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، وَأَقْبَلَ عَلَى صَلَاتِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، وَأَمْسَى فَانْصَرَفَ. وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ، وَعَرَفَ صَالِحٌ أَنَّهُ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ، فَقَالَ ( لَهُ: يَا ) فَيْمِيُونُ، تَعْلَمُ وَاَللَّهِ أَنِّي مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ حُبَّكَ، وَقَدْ أَرَدْتُ صُحْبَتَكَ، وَالْكَيْنُونَةَ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ، فَقَالَ: مَا شِئْتَ أَمْرِي كَمَا تَرَى، فَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّكَ تَقْوَى عَلَيْهِ فَنَعَمْ ؟ فَلَزِمَهُ صَالِحٌ. وَقَدْ كَادَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ يَفْطِنُونَ لِشَأْنِهِ، وَكَانَ إذَا فَاجَأَهُ الْعَبْدُ بِهِ الضُّرُّ دَعَا لَهُ فَشُفِيَ، وَإِذَا دُعِي إلَى أَحَدٍ بِهِ ضُرٌّ لَمْ يَأْتِهِ، وَكَانَ لِرَجُلِ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ ابْنٌ ضَرِيرٌ، فَسَأَلَ عَنْ شَأْنِ فَيْمِيُونَ فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَأْتِي أَحَدًا دَعَاهُ وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ يَعْمَلُ لِلنَّاسِ الْبُنْيَانَ بِالْأَجْرِ. فَعَمَدَ الرَّجُلُ إلَى ابْنِهِ ذَلِكَ فَوَضَعَهُ فِي حُجْرَتِهِ وَأَلْقَى عَلَيْهِ ثَوْبًا، تَمَّ جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ: يَا فَيْمِيُونُ، إنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْمَلَ فِي بَيْتِي عَمَلًا، فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ حَتَّى تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَأُشَارِطُكَ عَلَيْهِ. فَانْطَلَقَ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ حُجْرَتَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا تُرِيدُ أَنْ تَعْمَلَ فِي بَيْتِكَ هَذَا ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ انْتَشَطَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ عَنْ الصَّبِيِّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: يَا فَيْمِيُونُ، عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ أَصَابَهُ مَا تَرَى، فَادْعُ اللَّهَ لَهُ. فَدَعَا لَهُ فَيْمِيُونُ، فَقَامَ الصَّبِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ. وَعَرَفَ فَيْمِيُونُ أَنَّهُ قَدْ عُرِفَ، فَخَرَجَ مِنْ الْقَرْيَةِ وَاتَّبَعَهُ صَالِحٌ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِي فِي بَعْضِ الشَّامِ إذْ مَرَّ بِشَجَرَةِ عَظِيمَةٍ. فَنَادَاهُ مِنْهَا رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا فَيْمِيُونُ؛ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَا زِلْتُ أَنْظُرُكَ وَأَقُولُ مَتَى هُوَ جَاءٍ، حَتَّى سَمِعْتُ صَوْتَكَ، فَعَرَفْتُ أَنَّكَ هُوَ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى تَقُومَ عَلَيَّ، فَإِنِّي مَيِّتٌ الْآنَ، قَالَ: فَمَاتَ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى وَارَاهُ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَتَبِعَهُ صَالِحٌ، حَتَّى وَطِئَا بَعْضَ أَرْضِ الْعَرَبِ. فَعَدَوْا عَلَيْهِمَا. فَاخْتَطَفَتْهُمَا سَيَّارَةٌ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ، فَخَرَجُوا بِهِمَا حَتَّى بَاعُوهُمَا بِنَجْرَانَ وَأَهْلُ نَجْرَانَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ الْعَرَبِ، يَعْبُدُونَ نَخْلَةً طَوِيلَةً بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَهَا عِيدٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ، إذَا كَانَ ذَلِكَ الْعِيدُ عَلَّقُوا عَلَيْهَا كُلَّ ثَوْبٍ حَسَنٍ وَجَدُوهُ، وَحُلِيَّ النِّسَاءِ، ثُمَّ خَرَجُوا إلَيْهَا فَعَكَفُوا عَلَيْهَا يَوْمًا. فَابْتَاعَ فَيْمِيُونُ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَابْتَاعَ صَالِحًا آخَرُ. فَكَانَ فَيْمِيُونُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ فِي بَيْتٍ لَهُ - أَسْكَنَهُ إيَّاهُ سَيِّدُهُ - يُصَلِّي، اُسْتُسْرِجَ لَهُ الْبَيْتُ نُورًا حَتَّى يُصْبِحَ مِنْ غَيْرِ مِصْبَاحٍ، فَرَأَى ذَلِكَ سَيِّدُهُ، فَأَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْهُ، فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِ، فَأَخْبَرَهُ بِهِ، وَقَالَ لَهُ فَيْمِيُونُ: إنَّمَا أَنْتُمْ فِي بَاطِلٍ، إنَّ هَذِهِ النَّخْلَةَ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْ دَعَوْتُ عَلَيْهَا إلَهِي الَّذِي أَعْبُدُهُ لَأَهْلَكَهَا، وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ سَيِّدُهُ: فَافْعَلْ، فَإِنَّكَ إنْ فَعَلْتَ دَخَلْنَا فِي دِينِكَ، وَتَرَكْنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَقَامَ فَيْمِيُونُ، فَتَطَهَّرَ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَلَيْهَا، فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا رِيحًا فَجَعَفَتْهَا مِنْ أَصْلِهَا فَأَلْقَتْهَا، فَاتَّبَعَهُ عِنْدَ ذَلِكَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِهِ، فَحَمَلَهُمْ عَلَى الشَّرِيعَةِ مِنْ دِينِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ الْأَحْدَاثُ الَّتِي دَخَلَتْ عَلَى أَهْلِ دِينِهِمْ بِكُلِّ أَرْضٍ، فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَتْ النَّصْرَانِيَّةُ بِنَجْرَانَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا حَدِيثُ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَهْلِ نَجْرَانَ.
التاريخ 501لا حكم مسجّل
قِصَّةُ أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهِ عَلَى كُلِ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ [ الْبُرُوجِ: 10 ] قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُمْ كَانُوا بَعْدَ مَبْعَثِ الْمَسِيحِ، وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَزَعَمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَهُ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا الصَّنِيعَ مُكَرَّرٌ فِي الْعَالَمِ مِرَارًا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْجَبَّارِينَ الْكَافِرِينَ، وَلَكِنْ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورُونَ فِي الْقُرْآنِ قَدْ وَرَدَ فِيهِمْ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، وَأَثَرٌ أَوْرَدَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَهُمَا مُتَعَارِضَانِ، وَهَا نَحْنُ نُورِدُهُمَا لِتَقِفَ عَلَيْهِمَا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ صُهَيْبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ فَلَمَّا كَبُرَ السَّاحِرُ، قَالَ لِلْمَلِكِ إِنِّي قَدْ كَبِرَتْ سِنِّي وَحَضَرَ أَجَلِي فَادْفَعْ إِلَيَّ غُلَامًا فَلْأُعَلِّمْهُ السِّحْرَ. فَدَفَعَ إِلَيْهِ غُلَامًا فَكَانَ يُعَلِّمُهُ السِّحْرَ وَكَانَ بَيْنَ الْمَلِكِ وَبَيْنَ السَّاحِرِ رَاهِبٌ فَأَتَى الْغُلَامُ عَلَى الرَّاهِبِ فَسَمِعَ مِنْ كَلَامِهِ فَأَعْجَبَهُ نَحْوُهُ وَكَلَامُهُ، وَكَانَ إِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ وَقَالَ: مَا حَبَسَكَ، وَإِذَا أَتَى أَهْلَهُ ضَرَبُوهُ وَقَالُوا: مَا حَبَسَكَ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ فَقَالَ: إِذَا أَرَادَ السَّاحِرُ أَنْ يَضْرِبَكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أَهْلِي، وَإِذَا أَرَادَ أَهْلُكَ أَنْ يَضْرِبُوكَ فَقُلْ: حَبَسَنِي السَّاحِرُ. قَالَ: فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ فَظِيعَةٍ عَظِيمَةٍ قَدْ حَبَسَتِ النَّاسَ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَجُوزُوا فَقَالَ: الْيَوْمَ أَعْلَمُ أَمْرَ السَّاحِرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ أَمْ أَمْرَ الرَّاهِبِ قَالَ: فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ أَمْرُ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيْكَ وَأَرْضَى مِنْ أَمْرِ السَّاحِرِ فَاقْتُلْ هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَجُوزَ النَّاسُ، وَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا، وَمَضَى فَأَخْبَرَ الرَّاهِبَ بِذَلِكَ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَنْتَ أَفْضَلُ مِنِّي، وَإِنَّكَ سَتُبْتَلَى فَإِنِ ابْتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ. فَكَانَ الْغُلَامُ يُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَسَائِرَ الْأَدْوَاءِ وَيَشْفِيهِمْ. وَكَانَ جَلِيسٌ لِلْمَلِكِ فَعَمِيَ فَسَمِعَ بِهِ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: اشْفِنِي وَلَكَ مَا هَاهُنَا أَجْمَعُ. فَقَالَ: مَا أَنَا أَشْفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَإِنْ آمَنْتَ بِهِ، وَدَعَوْتُ اللَّهَ شَفَاكَ، فَآمَنَ فَدَعَا اللَّهَ فَشَفَاهُ، ثُمَّ أَتَى الْمَلِكَ فَجَلَسَ مِنْهُ نَحْوَ مَا كَانَ يَجْلِسُ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ: يَا فُلَانُ مَنْ رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ ؟ فَقَالَ: رَبِّي قَالَ: أَنَا قَالَ: لَا. رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. قَالَ: وَلَكَ رَبُّ غَيْرِي ؟ قَالَ: نَعَمْ رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ. فَلَمْ يَزَلْ يُعَذِّبْهُ، حَتَّى دَلَّ عَلَى الْغُلَامِ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ بَلَغَ مِنْ سِحْرِكَ أَنْ تُبْرِئَ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَهَذِهِ الْأَدْوَاءَ، قَالَ: مَا أَشْفِي أَنَا أَحَدًا إِنَّمَا يَشْفِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: أَنَا ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: أَوَلَكَ رَبٌّ غَيْرِي ؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ قَالَ: فَأَخَذَهُ أَيْضًا بِالْعَذَابِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ فَأُتِيَ بِالرَّاهِبِ فَقَالَ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، وَقَالَ لِلْأَعْمَى: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَوَضَعَ الْمِنْشَارَ فِي مَفْرِقِ رَأْسِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ. وَقَالَ لِلْغُلَامِ: ارْجِعْ عَنْ دِينِكَ فَأَبَى، فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: إِذَا بَلَغْتُمْ ذُرْوَتَهُ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَدَهْدِهُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَلَمَّا عَلَوُا الْجَبَلَ قَالَ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَرَجَفَ بِهِمُ الْجَبَلُ فَدُهْدِهُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ الْغُلَامُ يَتَلَمَّسُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ فَبَعَثَ بِهِ مَعَ نَفَرٍ فِي قُرْقُورٍ فَقَالَ: إِذَا لَجَجْتُمُ الْبَحْرَ فَإِنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ وَإِلَّا فَأَغْرِقُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَلَجَّجُوا بِهِ الْبَحْرَ فَقَالَ الْغُلَامُ: اللَّهُمَّ اكْفِنِيهِمْ بِمَا شِئْتَ فَغَرِقُوا أَجْمَعُونَ، وَجَاءَ الْغُلَامُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى الْمَلِكِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ أَصْحَابُكَ فَقَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ. ثُمَّ قَالَ لِلْمَلِكِ: إِنَّكَ لَسْتَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفْعَلَ مَا آمُرَكَ بِهِ فَإِنْ أَنْتَ فَعَلْتَ مَا آمُرُكَ بِهِ قَتَلْتَنِي، وَإِلَّا فَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ قَتْلِي. قَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: تَجْمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ تَصْلُبُنِي عَلَى جِذْعٍ، وَتَأْخُذُ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِي، ثُمَّ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ قَتَلْتَنِي. فَفَعَلَ وَوَضَعَ السَّهْمَ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ، ثُمَّ رَمَاهُ وَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ رَبِّ الْغُلَامِ فَوَقَعَ السَّهْمُ فِي صُدْغِهِ فَوَضَعَ الْغُلَامُ يَدَهُ عَلَى مَوْضِعِ السَّهْمِ وَمَاتَ فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الْغُلَامِ فَقِيلَ لِلْمَلِكِ: أَرَأَيْتَ مَا كُنْتَ تَحْذَرُ فَقَدْ وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ قَدْ آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فَأَمَرَ بِأَفْوَاهِ السِّكَكِ فَحَفَرَ فِيهَا الْأَخَادِيدَ، وَأُضْرِمَتْ فِيهَا النِّيرَانُ، وَقَالَ: مَنْ رَجَعَ عَنْ دِينِهِ فَدَعُوهُ، وَإِلَّا فَأَقْحِمُوهُ فِيهَا. وَقَالَ: فَكَانُوا يَتَعَادَوْنَ فِيهَا، وَيَتَدَافَعُونَ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا تُرْضِعُهُ فَكَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَعَ فِي النَّارِ فَقَالَ الصَّبِيُّ: اصْبِرِي يَا أُمَّاهُ فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ كَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ زَادَ النَّسَائِيُّ: وَحَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ ثَابِتٍ بِهِ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ثَابِتٍ بِإِسْنَادِهِ، نَحْوَهُ، وَحَرَّرَ إِيرَادَهُ، كَمَا بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ وجه آخر للقصة وَقَدْ أَوْرَدَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ الْقِصَّةَ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَحَدَّثَنِي أَيْضًا بَعْضُ أَهْلِ نَجْرَانَ عَنْ أَهْلِهَا أَنَّ أَهْلَ نَجْرَانَ كَانُوا أَهْلَ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ وَكَانَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ قُرَاهَا قَرِيبًا مِنْ نَجْرَانَ - وَنَجْرَانُ هِيَ الْقَرْيَةُ الْعُظْمَى الَّتِي إِلَيْهَا جِمَاعُ أَهْلِ تِلْكَ الْبِلَادِ - سَاحِرٌ يُعَلِّمُ غِلْمَانَ أَهْلِ نَجْرَانَ السِّحْرَ فَلَمَّا نَزَلَهَا فَيْمَيُونُ - وَلَمْ يُسَمُّوهُ لِي بِالِاسْمِ الَّذِي سَمَّاهُ ابْنُ مُنَبِّهٍ قَالُوا: رَجُلُ نَزَلَهَا - فَابْتَنَى خَيْمَةً بَيْنَ نَجْرَانَ وَبَيْنَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي فِيهَا السَّاحِرُ، وَجَعَلَ أَهْلُ نَجْرَانَ يُرْسِلُونَ غِلْمَانَهُمْ إِلَى ذَلِكَ السَّاحِرِ يُعَلِّمُهُمُ السِّحْرَ فَبَعَثَ الثَّامِرُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الثَّامِرِ مَعَ غِلْمَانِ أَهْلِ نَجْرَانَ فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِصَاحِبِ الْخَيْمَةِ أَعْجَبَهُ مَا يَرَى مِنْ عِبَادَتِهِ وَصَلَاتِهِ فَجَعَلَ يَجْلِسُ إِلَيْهِ، وَيَسْمَعُ مِنْهُ حَتَّى أَسْلَمَ فَوَحَّدَ اللَّهَ وَعَبَدَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ حَتَّى إِذَا فَقُهَ فِيهِ، جَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنِ الِاسْمِ الْأَعْظَمِ وَكَانَ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ إِيَّاهُ. وَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي إِنَّكَ لَنْ تَحْمِلَهُ أَخْشَى ضَعْفَكَ عَنْهُ. وَالثَّامِرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لَا يَظُنُّ إِلَّا أَنَّ ابْنَهُ يَخْتَلِفُ إِلَى السَّاحِرِ كَمَا يَخْتَلِفُ الْغِلْمَانُ، فَلَمَّا رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ ضَنَّ بِهِ عَنْهُ، وَتَخَوَّفَ ضَعْفَهُ فِيهِ، عَمَدَ إِلَى قِدَاحٍ فَجَمَعَهَا، ثُمَّ لَمْ يَبْقَ لِلَّهِ اسْمًا يَعْلَمُهُ إِلَّا كَتَبَهُ فِي قَدَحٍ، لِكُلِّ اسْمٍ قَدَحٌ حَتَّى إِذَا أَحْصَاهَا أَوْقَدَ نَارًا، ثُمَّ جَعَلَ يَقْذِفُهَا قَدَحًا قَدَحًا حَتَّى إِذَا مَرَّ بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ، قَذَفَ فِيهَا بِقَدَحِهِ فَوَثَبَ الْقَدَحُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا لَمْ تَضُرَّهُ شَيْئًا فَأَخَذَهُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ صَاحِبَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي قَدْ كَتَمَهُ فَقَالَ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا قَالَ: وَكَيْفَ عَلِمْتَهُ ؟ فَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ قَالَ: أَيِ ابْنَ أَخِي قَدْ أَصَبْتَهُ فَأَمْسِكْ عَلَى نَفْسِكَ وَمَا أَظُنُّ أَنْ تَفْعَلَ. فَجَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ إِذَا دَخَلَ نَجْرَانَ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا بِهِ ضُرٌّ إِلَّا قَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتُوَحِّدَ اللَّهَ، وَتَدْخُلَ فِي دِينِي، وَأَدْعُو اللَّهَ لَكَ فَيُعَافِيَكَ عَمًّا أَنْتَ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ فَيُوَحِّدُ اللَّهَ وَيُسْلِمُ وَيَدْعُو لَهُ فَيُشْفَى. حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِنَجْرَانَ أَحَدٌ بِهِ ضُرٌّ إِلَّا أَتَاهُ فَاتَّبَعَهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَدَعَا لَهُ فَعُوفِيَ حَتَّى رُفِعَ شَأْنُهُ إِلَى مَلِكِ نَجْرَانَ فَدَعَاهُ فَقَالَ: أَفْسَدْتَ عَلَيَّ أَهْلَ قَرْيَتِي، وَخَالَفْتَ دِينِي وَدِينَ آبَائِي لَأُمَثِّلَنَّ بِكَ قَالَ: لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ، فَجَعَلَ يُرْسِلُ بِهِ إِلَى الْجَبَلِ الطَّوِيلِ فَيُطْرَحُ عَلَى رَأْسِهِ فَيَقَعُ إِلَى الْأَرْضِ مَا بِهِ بَأْسٌ، وَجَعَلَ يُبْعَثُ بِهِ إِلَى مِيَاهٍ بِنَجْرَانَ بُحُورٍ لَا يُلْقَى فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَلَكَ، فَيُلْقَى بِهِ فِيهَا فَيَخْرُجُ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، فَلَمَّا غَلَبَهُ قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ: إِنَّكَ وَاللَّهِ لَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِي حَتَّى تُوَحِّدَ اللَّهَ فَتُؤْمِنَ بِمَا آمَنْتَ بِهِ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ سُلِّطْتَ عَلَيَّ فَقَتَلْتَنِي، قَالَ: فَوَحَّدَ اللَّهَ ذَلِكَ الْمَلِكُ، وَشَهِدَ شَهَادَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِعَصًا فِي يَدِهِ فَشَجَّهُ شَجَّةً غَيْرَ كَبِيرَةٍ فَقَتَلَهُ، وَهَلَكَ الْمَلِكُ مَكَانَهُ، وَاسْتَجْمَعَ أَهْلُ نَجْرَانَ عَلَى دِينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ وَكَانَ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مِنَ الْإِنْجِيلِ وَحِكَمِهِ، ثُمَّ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ أَهْلُ دِينِهِمْ مِنَ الْأَحْدَاثِ فَمِنْ هُنَالِكَ كَانَ أَصْلُ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ بِنَجْرَانَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَهَذَا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وَبَعْضِ أَهْلِ نَجْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الثَّامِرِ فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. قَالَ: فَسَارَ إِلَيْهِمْ ذُو نُوَاسٍ بِجُنْدِهِ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ أَوِ الْقَتْلِ فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ فَخَدُّوا الْأُخْدُودَ، وَحَرَّقَ بِالنَّارِ، وَقَتَّلَ بِالسَّيْفِ، وَمَثَّلَ بِهِمْ فَقَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا فَفِي ذِي نُوَاسٍ، وَجُنْدِهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ الْآيَاتِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ مَا وَقَعَ فِي سِيَاقِ مُسْلِمٍ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأُخْدُودَ وَقَعَ فِي الْعَالَمِ كَثِيرًا كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَنْبَأَنَا صَفْوَانُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَتِ الْأُخْدُودُ فِي الْيَمَنِ زَمَانَ تُبَّعٍ، وَفِي الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ زَمَانَ قُسْطَنْطِينَ حِينَ صَرَفَ النَّصَارَى قِبْلَتَهُمْ عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَالتَّوْحِيدِ، وَاتَّخَذَ أَتُّونًا، وَأَلْقَى فِيهِ النَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا عَلَى دِينِ الْمَسِيحِ وَالتَّوْحِيدِ، وَفِي الْعِرَاقِ فِي أَرْضِ بَابِلَ فِي زَمَانِ بُخْتُنَصَّرَ حِينَ صَنَعَ الصَّنَمَ، وَأَمَرَ النَّاسَ فَسَجَدُوا لَهُ فَامْتَنَعَ دَانْيَالُ، وَصَاحِبَاهُ عَزْرِيَا وَمَشَايِلُ فَأَوْقَدَ لَهُمْ أَتُّونًا وَأَلْقَى فِيهَا الْحَطَبَ وَالنَّارَ، ثُمَّ أَلْقَاهُمْ فِيهِ فَجَعَلَهَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَأَنْقَذَهُمْ مِنْهَا، وَأَلْقَى فِيهَا الَّذِينَ بَغَوْا عَلَيْهِ، وَهُمْ تِسْعَةُ رَهْطٍ فَأَكَلَتْهُمُ النَّارُ. وَقَالَ أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ قَالَ: كَانَ الْأُخْدُودُ ثَلَاثَةً، خَدٌّ بِالشَّامِ، وَخَدٌّ بِالْعِرَاقِ، وَخَدٌّ بِالْيَمَنِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.
التاريخ 502لا حكم مسجّل
[ ذُو نُوَاسٍ وَخَدُّ الْأُخْدُودِ ] فَسَارَ إلَيْهِمْ ذُو نُوَاسٍ بِجُنُودِهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى الْيَهُودِيَّةِ، وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ ذَلِكَ وَالْقَتْلِ، فَاخْتَارُوا الْقَتْلَ، فَخَدَّ لَهُمْ الْأُخْدُودَ، فَحَرَقَ مَنْ حَرَقَ بِالنَّارِ، وَقَتَلَ بِالسَّيْفِ وَمَثَّلَ بِهِ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَفِي ذِي نُوَاسٍ وَجُنْدِهِ تِلْكَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ: قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ. [ الْأُخْدُودُ لُغَةً ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأُخْدُودُ: الْحَفْرُ الْمُسْتَطِيلُ فِي الْأَرْضِ، كَالْخَنْدَقِ وَالْجَدْوَلِ وَنَحْوِهِ، وَجَمْعُهُ أَخَادِيدُ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ، وَاسْمُهُ غَيْلَانُ بْنُ عُقْبَةَ، أَحَدُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أُدِّ بْنِ طَانِجَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ: مِنْ الْعِرَاقِيَّةِ اللَّاتِي يُحِيلُ لَهَا بَيْنَ الْفَلَاةِ وَبَيْنَ النَّخْلِ أُخْدُودُ يَعْنِي جَدْوَلًا. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ: وَيُقَالُ لِأَثَرِ السَّيْفِ وَالسِّكِّينِ فِي الْجِلْدِ وَأَثَرِ السَّوْطِ وَنَحْوِهِ: أُخْدُودٌ، وَجَمْعُهُ أَخَادِيدُ.
التاريخ 503لا حكم مسجّل
[ مَقْتَلُ ابْنِ الثَّامِرِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُقَالُ: كَانَ فِيمَنْ قَتَلَ ذُو نُوَاسٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الثَّامِرِ، رَأْسُهُمْ وَإِمَامُهُمْ. [ مَا يُرْوَى عَنْ ابْنِ الثَّامِرِ فِي قَبْرِهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ كَانَ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ حَفَرَ خَرِبَةً مِنْ خَرِبِ نَجْرَانَ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، فَوَجَدُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الثَّامِرِ تَحْتَ دَفْنٍ مِنْهَا قَاعِدًا، وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى ضَرْبَةٍ فِي رَأْسِهِ مُمْسِكًا بِيَدِهِ عَلَيْهَا فَإِذَا أُخِّرَتْ يَدُهُ عَنْهَا تَنْبَعِثُ دَمًا، وَإِذَا أُرْسِلَتْ يَدُهُ رَدَّهَا عَلَيْهَا، فَأَمْسَكَتْ دَمُهَا، وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ مَكْتُوبٌ فِيهِ: رَبِّي اللَّهُ فَكُتِبَ فِيهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يُخْبَرُ بِأَمْرِهِ فَكَتَبَ إلَيْهِمْ عُمَرُ ؓ: أَنْ أَقِرُّوهُ عَلَى حَالِهِ، وَرُدُّوا عَلَيْهِ الدَّفْنَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا.
التاريخ 504لا حكم مسجّل
أَمْرُ دَوْسِ ذِي ثَعْلَبَانَ، وَابْتِدَاءُ مُلْكِ الْحَبَشَةِ [ وَذِكْرُ أَرْيَاطَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْيَمَنِ ] [ فِرَارُ دَوْسٍ وَاسْتِنْصَارُهُ بِقَيْصَرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَفْلَتَ مِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ سَبَأٍ، يُقَالُ لَهُ: دَوْسُ ذُو ثَعْلَبَانَ، عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَسَلَكَ الرَّمْلَ فَأَعْجَزَهُمْ؛ فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ، حَتَّى أَتَى قَيْصَرَ مَلِكَ الرُّومِ، فَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى ذِي نُوَاسٍ وَجُنُودِهِ، وَأَخْبَرَهُ بِمَا بَلَغَ مِنْهُمْ فَقَالَ لَهُ. بَعُدَتْ بِلَادُكَ مِنَّا، وَلَكِنِّي سَأَكْتُبُ لَكَ إلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّهُ عَلَى هَذَا الدِّينِ، وَهُوَ أَقْرَبُ إلَى بِلَادِكَ، وَكَتَبَ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِنَصْرِهِ وَالطَّلَبِ بِثَأْرِهِ.
التاريخ 505لا حكم مسجّل
[ انْتِصَارُ أَرْيَاطَ وَهَزِيمَةُ ذِي نُوَاسٍ وَمَوْتُهُ ] فَقَدِمَ دَوْسٌ عَلَى النَّجَاشِيِّ بِكِتَابِ قَيْصَرَ، فَبَعَثَ مَعَهُ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ الْحَبَشَةِ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أَرْيَاطُ، وَمَعَهُ فِي جُنْدِهِ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ، فَرَكِبَ أَرْيَاطُ الْبَحْرَ حَتَّى نَزَلَ بِسَاحِلِ الْيَمَنِ، وَمَعَهُ دَوْسٌ ذُو ثَعْلَبَانَ، وَسَارَ إلَيْهِ ذُو نُوَاسٍ فِي حِمْيَرَ، وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا الْتَقَوْا انْهَزَمَ ذُو نُوَاسٍ وَأَصْحَابُهُ. فَلَمَّا رَأَى ذُو نُوَاسٍ مَا نَزَلَ بِهِ وَبِقَوْمِهِ وَجَّهَ فَرَسَهُ فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ فَدَخَلَ بِهِ، فَخَاضَ بِهِ ضَحْضَاحَ الْبَحْرِ، حَتَّى أَفْضَى بِهِ إلَى غَمْرِهِ، فَأَدْخَلَهُ فِيهِ، وَكَانَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ. وَدَخَلَ أَرْيَاطُ الْيَمَنَ، فَمَلَكَهَا.
التاريخ 506لا حكم مسجّل
[ شِعْرٌ فِي دَوْسٍ وَمَا كَانَ مِنْهُ ] فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ - وَهُوَ يَذْكُرُ مَا سَاقَ إلَيْهِمْ دَوْسٌ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ: لَا كَدَوْسٍ وَلَا كَأَعْلَاقِ رَحْلِهِ فَهِيَ مَثَلٌ بِالْيَمَنِ إلَى هَذَا الْيَوْمِ، وَقَالَ ذُو جَدَنٍ الْحِمْيَرِيُّ: هَوْنكِ لَيْسَ يَرُدُّ الدَّمْعُ مَا فَاتَا لَا تَهْلِكِي أَسَفًا فِي إثْرِ مَنْ مَاتَا أَبَعْدَ بَيْنُونَ لَا عَيْنٌ وَلَا أَثَرٌ وَبَعْدَ سِلْحِينَ يَبْنِي النَّاسُ أَبْيَاتَا بَيْنُونُ وَسِلْحِينُ وَغُمْدَانُ: مِنْ حُصُونِ الْيَمَنِ الَّتِي هَدَمَهَا أَرْيَاطُ. وَلَمْ يَكُنْ فِي النَّاسِ مِثْلُهَا. وَقَالَ ذُو جَدَنٍ أَيْضًا: دَعِينِي لَا أَبَا لَكَ لَنْ تُطِيقِي لِحَاكِ اللَّهِ قَدْ أَنْزَفْتِ رِيقِي لَدَيَّ عَزْفُ الْقِيَانِ إذْ انْتَشَيْنَا وَإِذْ نُسْقَى مِنْ الْخَمْرِ الرَّحِيقِ وَشُرْبُ الْخَمْرِ لَيْسَ عَلَيَّ عَارًا إذَا لَمْ يَشْكُنِي فِيهَا رَفِيقِي فَإِنَّ الْمَوْتَ لَا يَنْهَاهُ نَاهٍ وَلَوْ شَرِبَ الشِّفَاءَ مَعَ النُّشُوقِ وَلَا مُتَرَهِّبٍ فِي أُسْطُوَانٍ يُنَاطِحُ جُدْرَهُ بَيْضُ الْأَنُوقِ وغُمْدَانُ الَّذِي حُدِّثْتِ عَنْهُ بَنَوْهُ مُسَمَّكا فِي رَأْسِ نِيقِ بِمَنْهَمَةِ وَأَسْفَلُهُ جُرُونٌ وَحُرُّ الْمَوْحَلِ اللَّثَقِ الزَّلِيقِ مَصَابِيحُ السَّلِيطِ تَلُوحُ فِيهِ إذَا يُمْسِي كَتَوْمَاضِ الْبُرُوقِ وَنَخْلَتُهُ الَّتِي غُرِسَتْ إلَيْهِ يَكَادُ الْيُسْرُ يَهْصِرُ بِالْعُذُوقِ فَأَصْبَحَ بَعْدَ جِدَّتِهِ رَمَادًا وَغَيَّرَ حُسْنَهُ لَهَبُ الْحَرِيقِ وَأَسْلَمَ ذُو نُوَاسٍ مُسْتَكِينًا وَحَذَّرَ قَوْمَهُ ضَنْكَ الْمَضِيقِ وَقَالَ ابْنُ الذِّئْبَةِ الثَّقَفِيُّ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الذِّئْبَةُ أُمُّهُ، وَاسْمُهُ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ يَالَيْلُ بْنِ سَالِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُطَيْطِ بْنِ جُشَمَ بْنِ قَسِيِّ: لَعَمْرُكَ مَا لِلْفَتَى مِنْ مَفَرٍّ مَعَ الْمَوْتِ يَلْحَقُهُ والكِبَرْ لَعُمْرُكَ مَا لِلْفَتَى صُحْرَةٌ لَعُمْرُكَ مَا إنْ لَهُ مِنْ وَزَرْ أَبَعْدَ قَبَائِلَ مِنْ حِمْيَرَ أُبِيدُوا صَبَاحًا بِذَاتِ الْعَبَرْ بِأَلْفِ أُلُوفٍ وحُرَّابَةٌ كَمِثْلِ السَّمَاءِ قُبَيْلَ الْمَطَرْ يُصِمُّ صِيَاحُهُمْ الْمُقْرَبَاتِ وَيَنْفُونَ مَنْ قَاتَلُوا بِالذَّفَرْ سَعَالِيَ مِثْلُ عَدِيدِ التُّرَا بِ تَيْبَسُ مِنْهُمْ رِطَابُ الشَّجَرْ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِيكَرِبٍ الزُّبَيْدِيُّ فِي شَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَيْسِ بْنِ مَكْشوُحٍ الْمُرَادِيَّ، فَبَلَغَهُ أَنَّهُ يَتَوَعَّدُهُ، فَقَالَ يَذْكُرُ حِمْيَرَ وَعِزَّهَا، وَمَا زَالَ مِنْ مُلْكِهَا عَنْهَا: أَتُوعِدُنِي كَأَنَّكَ ذُو رُعَيْنٍ بِأَفْضَلِ عِيشَةٍ، أَوْ ذُو نُوَاسِ وكائنْ كَانَ قَبْلَكَ مِنْ نَعِيمٍ وَمُلْكٍ ثَابِتٍ فِي النَّاسِ رَاسِي قَدِيمٍ عَهْدُهُ مِنْ عَهْدِ عَادٍ عَظِيمٍ قَاهِرِ الْجَبَرُوتِ قَاسِي فَأَمْسَى أَهْلُهُ بَادُوا وَأَمْسَى يُحَوَّلُ مِنْ أُنَاسٍ فِي أُنَاسِ [ نَسَبُ زُبَيْدٍ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُبَيْدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ صَعْبِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ بْنِ مَذْحِجَ، وَيُقَالُ زُبَيْدُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ صَعْبِ بْنِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ وَيُقَالُ زُبَيْدُ بْنِ صَعْبٍ. وَمُرَادُ: يُحَابِرُ بْنُ مَذْحِجَ. [ سَبَبُ قَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعِدِي كَرِبٍ هَذَا الشِّعْرَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ إلَى سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ وَبَاهِلَةَ بْنِ يَعْصُرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَهُوَ بِأَرْمِينِيَّةِ يَأْمُرُهُ أَنْ يُفَضِّلَ أَصْحَابَ الْخَيْلِ الْعِرَابِ عَلَى أَصْحَابِ الْخَيْلِ الْمَقَارِفِ فِي الْعَطَاءِ، فَعَرَضَ الْخَيْلَ، فَمَرَّ بِهِ فَرَسُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبٍ، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: فَرَسُكَ هَذَا مُقْرِفٌ، فَغَضِبَ عَمْرٌو، وَقَالَ: هَجِينٌ عَرَفَ هَجِينًا مِثْلَهُ، فَوَثَبَ إلَيْهِ قَيْسٌ فَتَوَعَّدَهُ، فَقَالَ عَمْرُو هَذِهِ الْأَبْيَاتِ.
التاريخ 507لا حكم مسجّل
[ صِدْقُ كَهَانَةِ سَطِيحٍ وَشِقٍّ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَهَذَا الَّذِي عَنَى سَطِيحٌ الْكَاهِنُ بِقَوْلِهِ: لَيَهْبِطَنَّ أَرْضَكُمْ الْحَبَشُ، فَلَيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إلَى جُرَشَ. وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ الْكَاهِنُ بِقَوْلِهِ: لَيَنْزِلَنَّ أَرْضَكُمْ السُّودَانُ، فَلَيَغْلِبُنَّ عَلَى كُلِّ طِفْلَةٍ الْبَنَانَ، وَلَيَمْلِكُنَّ مَا بَيْنَ أَبْيَنَ إلَى نَجْرَانَ.
التاريخ 508لا حكم مسجّل
غَلَبَ أَبْرَهَةُ الْأَشْرَمُ عَلَى أَمْرِ الْيَمَنِ، وَقَتَلَ أَرْيَاطَ [ مَا كَانَ بَيْنَ أَرْيَاطَ وَأَبْرَهَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ أَرْيَاطُ بِأَرْضِ الْيَمَنِ سِنِينَ فِي سُلْطَانِهِ ذَلِكَ، ثُمَّ نَازَعَهُ فِي أَمْرِ الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ أَبْرَهَةُ الْحَبَشِيُّ - ( وَكَانَ فِي جُنْدِهِ ) حَتَّى تَفَرَّقَتْ الْحَبَشَةُ عَلَيْهِمَا فَانْحَازَ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا طَائِفَةٌ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَارَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ، فَلَمَّا تَقَارَبَ النَّاسُ أَرْسَلَ أَبْرَهَةُ إلَى أَرْيَاطَ: إنَّكَ لَا تَصْنَعُ بِأَنْ تَلْقَى الْحَبَشَةُ بَعْضُهَا بِبَعْضِ حَتَّى تَفِنِيهَا شَيْئًا فَابْرُزْ إلَيَّ وَأَبْرُزُ إلَيْكَ، فَأَيُّنَا أَصَابَ صَاحِبَهُ انْصَرَفَ إلَيْهِ جُنْدُهُ. فَأَرْسَلَ إلَيْهِ أَرْيَاطُ: أَنْصَفْتَ فَخَرَجَ إلَيْهِ أَبْرَهَةُ، وَكَانَ رَجُلًا قَصِيرًا ( لَحِيمًا حَادِرًا ) وَكَانَ ذَا دِينٍ فِي النَّصْرَانِيَّةِ وَخَرَجَ إلَيْهِ أَرْيَاطُ، وَكَانَ رَجُلًا جَمِيلًا عَظِيمًا طَوِيلًا، وَفِي يَدِهِ حَرْبَةٌ لَهُ. وَخَلَفَ أَبْرَهَةَ غُلَامٌ لَهُ، يُقَالُ لَهُ عَتَوْدَةُ يَمْنَعُ ظَهْرَهُ. فَرَفَعَ أَرْيَاطُ الْحَرْبَةَ فَضَرَبَ أَبْرَهَةَ، يُرِيدُ يَافُوخَهُ، فَوَقَعَتْ الْحَرْبَةُ عَلَى جَبْهَةِ أَبْرَهَةَ فَشَرَمَتْ حَاجِبَهُ وَأَنْفَهُ وَعَيْنَهُ وَشَفَتَهُ فَبِذَلِكَ سُمِّيَ أَبْرَهَةَ الْأَشْرَمَ وَحَمَلَ عَتَوْدَةُ عَلَى أَرْيَاطَ مِنْ خَلْفِ أَبْرَهَةَ فَقَتَلَهُ. وَانْصَرَفَ جُنْدُ أَرْيَاطَ إلَى أَبْرَهَةَ، فَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْحَبَشَةُ بِالْيَمَنِ وَوَدَى أَبْرَهَةُ أَرْيَاطَ.
التاريخ 509لا حكم مسجّل
[ غَضَبُ النَّجَاشِيِّ عَلَى أَبْرَهَةَ لِقَتْلِهِ أَرْيَاطَ ثُمَّ رِضَاؤُهُ عَنْهُ ] فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّجَاشِيَّ غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: عَدَا عَلَى أَمِيرِي فَقَتَلَهُ بِغَيْرِ أَمْرِي. تَمَّ حَلَفَ لَا يَدَعُ أَبْرَهَةَ حَتَّى يَطَأَ بِلَادَهُ، وَيَجُزَّ نَاصِيَتَهُ. فَحَلَقَ أَبْرَهَةُ رَأْسَهُ وَمَلَأَ جِرَابًا مِنْ تُرَابِ الْيَمَنِ. ثُمَّ بَعَثَ بِهِ إلَى النَّجَاشِيِّ، ثُمَّ كَتَبَ إلَيْهِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ: إنَّمَا كَانَ أَرْيَاطُ عَبْدَكَ، وَأَنَا عَبْدُكَ، فَاخْتَلَفْنَا فِي أَمْرِكَ، وَكُلٌّ طَاعَتُهُ لَكَ، إلَّا أَنِّي كُنْتُ أَقْوَى عَلَى أَمْرِ الْحَبَشَةِ وَأَضْبَطَ لَهَا وَأَسْوَسَ مِنْهُ، وَقَدْ حَلَقْتُ رَأْسِي كُلَّهُ حِينَ بَلَغَنِي قَسَمُ الْمَلِكِ، وَبَعَثْتُ إلَيْهِ بِجِرَابِ تُرَابٍ مِنْ أَرْضِي، لِيَضَعَهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ فَيَبَرُّ قَسَمُهُ فِيَّ. فَلَمَّا انْتَهَى ذَلِكَ إلَى النَّجَاشِيِّ رَضِيَ عَنْهُ، وَكَتَبَ إلَيْهِ: أَنْ اُثْبُتْ بِأَرْضِ الْيَمَنِ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي. فَأَقَامَ أَبْرَهَةُ بِالْيَمَنِ.
التاريخ 510لا حكم مسجّل
أَمْرُ الْفِيلِ وَقِصَّةُ النَّسَأَةِ [ بِنَاءُ الْقُلَّيْسِ ] ثُمَّ إنَّ أَبْرَهَةَ بَنَى الْقُلَّيْسَ بِصَنْعَاءَ، فَبَنَى كَنِيسَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا فِي زَمَانِهَا بِشَيْءِ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ كَتَبَ إلَى النَّجَاشِيِّ: إنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكِ كَانَ قَبْلَكَ، وَلَسْتُ بِمُنْتَهٍ حَتَّى أَصْرِفَ إلَيْهَا حَجَّ الْعَرَبِ، فَلَمَّا تَحَدَّثَتْ الْعَرَبُ بِكِتَابِ أَبْرَهَةَ ذَلِكَ إلَى النَّجَاشِيِّ غَضِبَ رَجُلٌ مِنْ النَّسَأَةِ. أَحَدُ بَنِي فُقَيْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ مِنْ مُضَرَ. [ مَعْنَى النَّسَأَةِ ] وَالنَّسَأَةُ: الَّذِينَ كَانُوا يَنْسَئُونَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيُحِلُّونَ الشَّهْرَ مِنْ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَيُحَرِّمُونَ مَكَانَهُ الشَّهْرَ مِنْ أَشْهُرِ الْحِلِّ، وَيُؤَخِّرُونَ ذَلِكَ الشَّهْرَ فَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ [ الْمُوَاطَأَةُ لُغَةً ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: لِيُوَاطِئُوا: لِيُوَافِقُوا؛ وَالْمُوَاطَأَةُ: الْمُوَافَقَةُ تَقُولُ الْعَرَبُ: وَاطَأْتُكَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ، أَيْ وَافَقْتُكَ عَلَيْهِ. وَالْإِيطَاءُ فِي الشِّعْرِ الْمُوَافَقَةُ، وَهُوَ اتِّفَاقُ الْقَافِيَتَيْنِ مِنْ لَفْظٍ وَاحِدٍ، وَجِنْسٍ وَاحِدٍ نَحْوَ قَوْلِ الْعَجَّاجِ - وَاسْمُ الْعَجَّاجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رُؤْبَةَ أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدَّ بْنِ طَانِجَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ. فِي أُثْعبُانَ المَنْجَنُونِ الْمُرْسَلِ ثُمَّ قَالَ: مُدُّ الْخَلِيجِ فِي الْخَلِيجِ الْمُرْسَلِ وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ.
التاريخ 511لا حكم مسجّل
[ تَارِيخُ النَّسْءِ عِنْدَ الْعَرَبِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ نَسَأَ الشُّهُورَ عَلَى الْعَرَبِ فَأَحَلَّتْ مِنْهَا مَا أُحِلَّ، وَحَرَّمَتْ مِنْهَا مَا حَرَّمَ القَلَمَّسُ، وَهُوَ حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ بْنِ فُقَيْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. ثُمَّ قَامَ بَعْدَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُهُ ( عَبَّادُ ) بْنُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ عَبَّادٍ: قَلَعُ بْنُ عَبَّادٍ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ قَلَعٍ: أُمَيَّةُ بْنُ قَلَعٍ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ أُمَيَّةَ: عَوْفُ بْنُ أُمَيَّةَ، ثُمَّ قَامَ بَعْدَ عَوْفٍ أَبُو ثُمَامَةَ جُنَادَةُ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ آخِرَهُمْ، وَعَلَيْهِ قَامَ الْإِسْلَامُ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ إذَا فَرَغَتْ مِنْ حَجِّهَا اجْتَمَعَتْ إلَيْهِ، فَحَرَّمَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ الْأَرْبَعَةَ: رَجَبًا، وَذَا الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمَ. فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُحِلَّ مِنْهَا شَيْئًا أَحَلَّ الْمُحَرَّمَ فَأَحَلُّوهُ، وَحَرَّمَ مَكَانَهُ صَفَرَ فَحَرَّمُوهُ، لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَإِذَا أَرَادُوا الصَّدَرَ قَامَ فِيهِمْ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ أَحْلَلْتُ لَكَ أَحَدَ الصَّفَرَيْنِ، الصَّفَرَ الْأَوَّلَ، وَنَسَّأَتْ الْآخَرَ لِلْعَامِ الْمُقْبِلِ فَقَالَ فِي ذَلِكَ عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ ( جِذْلُ الطَّعَّانِ ) أَحَدُ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غُنْمِ ( بْنِ ثَعْلَبَةَ ) بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ، يَفْخَرُ بِالنَّسَأَةِ عَلَى الْعَرَبِ: : لَقَدْ عَلِمَتْ مَعَدُّ أَنَّ قَوْمِي كِرَامُ النَّاسِ أَنَّ لَهُمْ كِرَامَا فَأَيُّ النَّاسِ فَاتُونَا بِوِتْرٍ وَأَيُّ النَّاسِ لَمْ نُعْلِكْ لِجَامَا أَلَسْنَا النَّاسِئِينَ عَلَى مَعَدٍّ شُهُورَ الْحِلِّ نَجْعَلُهَا حَرَامَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوَّلُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الْمُحَرَّمُ.
التاريخ 512لا حكم مسجّل
[ إحْدَاثُ الْكِنَانِيِّ فِي الْقُلَّيْسِ، وَحَمْلَةُ أَبْرَهَةَ عَلَى الْكَعْبَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ الْكِنَانِيُّ حَتَّى أَتَى الْقُلَّيْسَ فَقَعَدَ فِيهَا - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ يَعْنِي أَحْدَثَ فِيهَا - قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِأَرْضِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ أَبْرَهَةُ فَقَالَ: مَنْ صَنَعَ هَذَا ؟ فَقِيلَ لَهُ: صَنَعَ هَذَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي تَحُجُّ الْعَرَبُ إلَيْهِ بِمَكَّةَ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَكَ: أَصْرِفُ إلَيْهَا حَجَّ الْعَرَبِ غَضِبَ فَجَاءَ فَقَعَدَ فِيهَا، أَيْ أَنَّهَا لَيْسَتْ لِذَلِكَ بِأَهْلِ. فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ أَبْرَهَةُ وَحَلَفَ لَيَسِيرَنَّ إلَى الْبَيْتِ حَتَّى يَهْدِمَهُ، ثُمَّ أَمَرَ الْحَبَشَةَ فَتَهَيَّأَتْ وَتَجَهَّزَتْ، ثُمَّ سَارَ وَخَرَجَ مَعَهُ بِالْفِيلِ، وَسَمِعَتْ بِذَلِكَ الْعَرَبُ، فَأَعْظَمُوهُ وَفَظِعُوا بِهِ، وَرَأَوْا جِهَادَهُ حَقًّا عَلَيْهِمْ، حِينَ سَمِعُوا بِأَنَّهُ يُرِيدُ هَدْمَ الْكَعْبَةِ، بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ.
التاريخ 513لا حكم مسجّل
[ هَزِيمَةُ ذِي نَفْرٍ أَمَامَ أَبْرَهَةَ ] فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ أَهْلِ الْيَمَنِ وَمُلُوكِهِمْ يُقَالُ لَهُ: ذُو نَفْرٍ، فَدَعَا قَوْمَهُ، وَمَنْ أَجَابَهُ مِنْ سَائِرِ الْعَرَبِ إلَى حَرْبِ أَبْرَهَةَ، وَجِهَادِهِ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَمَا يُرِيدُ مِنْ هَدْمِهِ وَإِخْرَابِهِ؛ فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ مَنْ أَجَابَهُ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ فَقَاتَلَهُ، فَهُزِمَ ذُو نَفْرٍ وَأَصْحَابُهُ، وَأُخِذَ لَهُ ذُو نَفْرٍ فَأُتِيَ بِهِ أَسِيرًا، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ قَالَ لَهُ ذُو نَفْرٍ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ يَكُونَ بَقَائِي مَعَكَ خَيْرًا لَكَ مِنْ قَتْلِي، فَتَرَكَهُ مِنْ الْقَتْلِ وَحَبَسَهُ عِنْدَهُ فِي وَثَاقٍ، وَكَانَ أَبْرَهَةُ رَجُلًا حَلِيمًا.
التاريخ 514لا حكم مسجّل
[ مَا وَقَعَ بَيْنَ نُفَيْلٍ وَأَبْرَهَةَ ] ثُمَّ مَضَى أَبْرَهَةُ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ يُرِيدُ مَا خَرَجَ لَهُ، حَتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ خَثْعَمَ عَرَضَ لَهُ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ الْخَثْعَمِيُّ فِي قَبيلَيْ خَثْعَمَ: شَهْرَانِ وَنَاهِسُ: وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَقَاتَلَهُ فَهَزَمَهُ أَبْرَهَةُ، وَأُخِذَ لَهُ نُفَيْلٌ أَسِيرًا فَأُتِيَ بِهِ فَلَمَّا هَمَّ بِقَتْلِهِ قَالَ لَهُ نُفَيْلٌ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، لَا تَقْتُلْنِي فَإِنِّي دَلِيلُكَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ، وَهَاتَانِ يَدَايَ لَكَ عَلَى قبيلَيْ خَثْعَمَ: شَهْرَانِ وَنَاهِسُ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ.
التاريخ 515لا حكم مسجّل
[ ابْنُ مُعَتِّبٍ وَأَبْرَهَةُ ] وَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ يَدُلُّهُ، حَتَّى إذَا مَرَّ بِالطَّائِفِ خَرَجَ إلَيْهِ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَرْوِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ فِي رِجَالِ ثَقِيفٍ.
التاريخ 516لا حكم مسجّل
[ نَسَبُ ثَقِيفٍ وَشِعْرُ ابْنِ أَبِي الصَّلْتِ فِي ذَلِكَ ] وَاسْمُ ثَقِيفٍ: قَسِيُّ بْنُ النَّبِيتِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يَقْدُمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمّى بْنِ إيَادِ ( بْنِ نِزَارِ ) بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. قَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ: : قَوْمِي إيَادٌ لَوْ أَنَّهُمْ أُمَمُ أَوْ لَوْ أَقَامُوا فَتُهْزَلَ النِّعَمُ قَوْمٌ لَهُمْ سَاحَةُ الْعِرَاقِ إذَا سَارُوا جَمِيعًا وَالْقِطُّ وَالْقَلَمُ وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَيْضًا: : فَإِمَّا تَسْأَلِي عَنِّي لُبَيْنَى وَعَنْ نَسَبِي أُخَبِّرْكَ اليَقينَا فَإِنَّا للنَّبيتِ أَبِي قَسِيٍّ لَمَنْصُورُ بْنُ يَقْدُمَ الْأَقْدَمِينَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثَقِيفٌ قَسِىُّ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. وَالْبَيْتَانِ الْأَوَّلَانِ وَالْآخِرَانِ فِي قَصِيدَتَيْنِ لِأُمَيَّةِ.
التاريخ 517لا حكم مسجّل
[ مَعُونَةُ أَبِي رِغَالٍ لِأَبْرَهَةَ وَمَوْتُهُ وَقَبْرُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَعَثُوا مَعَهُ أَبَا رِغَالٍ يَدُلُّهُ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ أَبْرَهَةُ وَمَعَهُ أَبُو رِغَالٍ حَتَّى أَنْزَلَهُ الْمُغَمِّسَ؛ فَلَمَّا أَنْزَلَهُ بِهِ مَاتَ أَبُو رِغَالٍ هُنَالِكَ، فَرَجَمَتْ قَبْرَهُ الْعَرَبُ، فَهُوَ الْقَبْرُ الَّذِي يَرْجُمُ النَّاسُ بِالْمُغَمِّسِ.
التاريخ 518لا حكم مسجّل
[ الْأَسْوَدُ وَاعْتِدَاؤُهُ عَلَى مَكَّةَ ] فَلَمَّا نَزَلَ أَبْرَهَةُ الْمُغَمِّسَ. بَعَثَ رَجُلًا مِنْ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهُ: الْأَسْوَدُ بْنُ مَقْصُودٍ عَلَى خَيْلٍ لَهُ، حَتَّى انْتَهَى إلَى مَكَّةَ، فَسَاقَ إلَيْهِ أَمْوَالَ ( أَهْلِ ) تِهَامَةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ، وَأَصَابَ فِيهَا مِائَتَيْ بَعِيرٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا فَهَمَّتْ قُرَيْشٌ وَكِنَانَةُ وَهُذَيْلٌ. وَمَنْ كَانَ بِذَلِكَ الْحَرَمِ ( مِنْ سَائِرِ النَّاسِ ) بِقِتَالِهِ. ثُمَّ عَرَفُوا أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ، فَتَرَكُوا ذَلِكَ.
التاريخ 519لا حكم مسجّل
[ حُنَاطَةُ وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ ] وَبَعَثَ أَبْرَهَةُ - حُنَاطَةَ الْحِمْيَرِيَّ إلَى مَكَّةَ، وَقَالَ لَهُ: سَلْ عَنْ سَيِّدِ أَهْلِ هَذَا الْبَلَدِ وَشَرِيفِهَا ثُمَّ قُلْ ( لَهُ ): إنَّ الْمَلِكَ يَقُولُ لَكَ: إنِّي لَمْ آتِ لِحَرْبِكُمْ، إنَّمَا جِئْتُ لِهَدْمِ هَذَا الْبَيْتِ، فَإِنْ لَمْ تَعْرِضُوا دُونَهُ بِحَرْبِ، فَلَا حَاجَةَ لِي بِدِمَائِكُمْ، فَإِنْ هُوَ لَمْ يُرِدْ حَرْبِي فَأْتِنِي بِهِ. فَلَمَّا دَخَلَ حُنَاطَةُ مَكَّةَ سَأَلَ عَنْ سَيِّدِ قُرَيْشٍ وَشَرِيفِهَا فَقِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ ( بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ ) فَجَاءَهُ فَقَالَ لَهُ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَبْرَهَةُ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: وَاَللَّهِ مَا نُرِيدُ حَرْبَهُ، وَمَا لَنَا بِذَلِكَ مِنْ طَاقَةٍ هَذَا بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامُ وَبَيْتُ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَوْ كَمَا قَالَ - فَإِنْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ فَهُوَ بَيْتُهُ وَحَرَمُهُ. وَإِنْ يُخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَوَاَللَّهِ مَا عِنْدَنَا دَفْعٌ عَنْهُ فَقَالَ ( لَهُ ) حُنَاطَةُ: فَانْطَلِقْ مَعِي إلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِكَ.
التاريخ 520لا حكم مسجّل
[ ذُو نَفْرٍ وَأُنَيْسٌ وَتَوَسُّطُهُمَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَدَى أَبْرَهَةَ ] فَانْطَلَقَ مَعَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَمَعَهُ بَعْضُ بَنِيهِ حَتَّى أَتَى الْعَسْكَرَ، فَسَأَلَ عَنْ ذِي نَفْرٍ، وَكَانَ لَهُ صَدِيقًا، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَحْبِسِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا ذَا نَفْرٍ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ غَنَاءٍ فِيمَا نَزَلَ بِنَا ؟ فَقَالَ لَهُ ذُو نَفْرٍ: وَمَا غَنَاءُ رَجُلٍ أَسِيرٍ بِيَدَيْ مَلِكٍ يَنْتَظِرُ أَنْ يَقْتُلَهُ غُدُوًّا أَوْ عَشِيًّا مَا عِنْدَنَا غَنَاءٌ فِي شَيْءٍ مِمَّا نَزَلَ بِكَ إلَّا أَنَّ أُنَيْسًا سَائِسَ الْفِيلِ صَدِيقٌ لِي، وَسَأُرْسِلُ إلَيْهِ فَأُوصِيهِ بِكَ، وَأُعْظِمُ عَلَيْهِ حَقَّكَ، وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَأْذِنَ لَكَ عَلَى الْمَلِكِ، فَتُكَلِّمُهُ بِمَا بَدَا لَكَ. وَيَشْفَعُ لَكَ عِنْدَهُ بِخَيْرِ إنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: حَسْبِي فَبَعَثَ ذُو نَفْرٍ إلَى أُنَيْسٍ، فَقَالَ لَهُ: إنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، وَصَاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ، يُطْعِمُ النَّاسَ بِالسَّهْلِ وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَقَدْ أَصَابَ لَهُ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ، فَاسْتَأْذِنْ لَهُ عَلَيْهِ. وَانْفَعْهُ عِنْدَهُ بِمَا اسْتَطَعْتَ؛ فَقَالَ: أَفْعَلُ. فَكَلَّمَ أُنَيْسٌ أَبْرَهَةَ، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ بِبَابِكَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ، وَهُوَ صَاحِبُ عِيرِ مَكَّةَ، وَهُوَ يُطْعِمُ النَّاسَ فِي السَّهْلِ وَالْوُحُوشَ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، فَأْذَنْ لَهُ عَلَيْكَ، فَيُكَلِّمْكَ فِي حَاجَتِهِ، ( وَأَحْسِنْ إلَيْهِ ) قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ أَبْرَهَةُ.
التاريخ 521لا حكم مسجّل
[ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَحُنَاطَةُ وَخُوَيْلِدُ بَيْنَ يَدَيْ أَبْرَهَةَ ] قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَوْسَمَ النَّاسِ وَأَجْمَلَهُمْ وَأَعْظَمَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ أَبْرَهَةُ أَجَلَّهُ وَأَعْظَمَهُ وَأَكْرَمَهُ عَنْ أَنْ يُجْلِسَهُ تَحْتَهُ، وَكَرِهَ أَنْ تَرَاهُ الْحَبَشَةُ يَجْلِسُ مَعَهُ عَلَى سَرِيرِ مُلْكِهِ، فَنَزَلَ أَبْرَهَةُ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَى بِسَاطِهِ، وَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ إلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: حَاجَتُكَ ؟ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ التُّرْجُمَانُ: فَقَالَ: حَاجَتِي أَنْ يَرُدَّ عَلَيَّ الْمَلِكُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَابَهَا لِي، فَلَمَّا قَالَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ أَبْرَهَةُ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: قَدْ كُنْتَ أَعْجَبْتَنِي حِينَ رَأَيْتُكَ، ثُمَّ قَدْ زَهِدْتُ فِيكَ حِينَ كَلَّمْتنِي، أَتُكَلِّمُنِي فِي مِائَتَيْ بَعِيرٍ أَصَبْتُهَا لَكَ، وَتَتْرُكُ بَيْتًا هُوَ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ قَدْ جِئْتُ أَهْدِمُهُ، لَا تُكَلِّمْنِي فِيهِ قَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إنِّي أَنَا رَبُّ الْإِبِلِ، وَإِنَّ لِلْبَيْتِ رَبًّا سَيَمْنَعُهُ، قَالَ: مَا كَانَ لِيَمْتَنِعَ مِنِّي، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ. وَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَدْ ذَهَبَ مَعَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَى أَبْرَهَةَ، حِينَ بَعَثَ إلَيْهِ حُنَاطَةَ، يَعْمُرُ بْنُ نُفَاثَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الدُّئْلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي بَكْرٍ، وَخُوَيْلِدُ بْنُ وَاثِلَةَ الْهُذَلِيُّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ هُذَيْلٍ؛ فَعَرَضُوا عَلَى أَبْرَهَةَ ثُلُثَ أَمْوَالِ تِهَامَةَ، عَلَى أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ وَلَا يَهْدِمَ الْبَيْتَ فَأَبَى عَلَيْهِمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَكَانَ ذَلِكَ أَمْ لَا. فَرَدَّ أَبْرَهَةُ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْإِبِلَ الَّتِي أَصَابَ لَهُ.
التاريخ 522لا حكم مسجّل
[ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي الْكَعْبَةَ يَسْتَنْصِرُ بِاَللَّهِ عَلَى رَدِّ أَبْرَهَةَ ] فَلَمَّا انْصَرَفُوا عَنْهُ، انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ، وَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، وَالتَّحَرُّزِ فِي شَعَفِ الْجِبَالِ وَالشِّعَابِ: تَخَوُّفًا عَلَيْهِمْ مِنْ مَعَرَّةِ الْجَيْشِ، ثُمَّ قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَأَخَذَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَقَامَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَدْعُونَ اللَّهَ، وَيَسْتَنْصِرُونَهُ عَلَى أَبْرَهَةَ وَجُنْدِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ بَابِ الْكَعْبَةِ: : لَا هُمَّ إنَّ الْعَبْدَ يَمْنَعُ رَحْلَهُ فَامْنَعْ حِلَالَكْ لَا يَغْلِبَنَّ صَلِيبُهُمْ وَمِحَالُهُمْ غَدْوًا مِحَالَكْ [ زَادَ الْوَاقِدِيُّ ] إنْ كُنْتَ تَارِكَهُمْ وَقِبْلَتَنَا فَأَمْرٌ مَا بَدَا لَكْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا.
التاريخ 523لا حكم مسجّل
[ شِعْرٌ لِعِكْرِمَةَ فِي الدُّعَاءِ عَلَى الْأَسْوَدِ بْنِ مَقْصُودٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: لَا هُمَّ أَخْزِ الْأَسْوَدَ بْنَ مَقْصُودِ الْآخِذَ الْهَجْمَةَ فِيهَا التَّقليدْ بَيْنَ حِرَاءَ وثَبِيرٍ فَالْبِيدْ يَحْبِسُهَا وَهِيَ أُولَاتُ التَّطْرِيدْ فَضَمَّهَا إلَى طَمَاطِمٍ سُودْ أَخْفِرْهُ يَا رَبِّ وَأَنْتَ مَحْمُودْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هذا ما صَحَّ لَهُ مِنْهَا، وَالطَّمَاطِمُ: الْأَعْلَاجُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ ثُمَّ أَرْسَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَلْقَةَ بَابِ الْكَعْبَةِ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى شَعَفِ الْجِبَالِ فَتَحَرَّزُوا فِيهَا يَنْتَظِرُونَ مَا أَبْرَهَةُ فَاعِلٌ بِمَكَّةَ إذَا دَخَلَهَا.
التاريخ 524لا حكم مسجّل
[ دُخُولُ أَبْرَهَةَ مَكَّةَ، وَمَا وَقَعَ لَهُ وَلِفِيلِهِ، وَشِعْرُ نُفَيْلٍ فِي ذَلِكَ ] فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبْرَهَةُ تَهَيَّأَ لِدُخُولِ مَكَّةَ، وَهَيَّأَ فِيلَهُ وَعَبَّى جَيْشَهُ، وَكَانَ اسْمُ الْفِيلِ مَحْمُودًا وَأَبْرَهَةُ مُجْمِعٌ لِهَدْمِ الْبَيْتِ، ثُمَّ الِانْصِرَافِ إلَى الْيَمَنِ فَلَمَّا وَجَّهُوا الْفِيلَ إلَى مَكَّةَ، أَقْبَلَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ ( الْخَثْعَمِيُّ ) حَتَّى قَامَ إلَى جَنْبِ الْفِيلِ، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِهِ. فَقَالَ: اُبْرُكْ مَحْمُودُ، أَوْ ارْجِعْ رَاشِدًا مِنْ حَيْثُ جِئْتَ، فَإِنَّكَ فِي بَلَدِ اللَّهِ الْحَرَامِ ثُمَّ أَرْسَلَ أُذُنَهُ فَبَرَكَ الْفِيلُ، وَخَرَجَ نُفَيْلُ بْنُ حَبِيبٍ يَشْتَدُّ حَتَّى أَصْعَدَ فِي الْجَبَلِ، وَضَرَبُوا الْفِيلَ لِيَقُومَ فَأَبَى، فَضَرَبُوا ( فِي ) رَأْسِهِ بالطَّبَرْزِينَ لِيَقُومَ فَأَبَى فَأَدْخَلُوا مَحَاجِنَ لَهُمْ فِي مَرَاقِّهِ فَبَزَغُوهُ بِهَا لِيَقُومَ فَأَبَى، فَوَجَّهُوهُ رَاجِعًا إلَى الْيَمَنِ، فَقَامَ يُهَرْوِلُ، وَوَجَّهُوهُ إلَى الشَّامِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَوَجَّهُوهُ إلَى الْمَشْرِقِ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَوَجَّهُوهُ إلَى مَكَّةَ فَبَرَكَ فَأَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ طَيْرًا مِنْ الْبَحْرِ أَمْثَالَ الْخَطَاطِيفِ وَالْبَلَسَانِ، مَعَ كُلِّ طَائِرٍ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَحْجَارٍ يَحْمِلُهَا: حَجَرٌ فِي مِنْقَارِهِ، وَحَجَرَانِ فِي رِجْلَيْهِ، أَمْثَالُ الْحِمَّصِ وَالْعَدَسِ، لَا تُصِيبُ مِنْهُمْ أَحَدًا إلَّا هَلَكَ، وَلَيْسَ كُلُّهُمْ أَصَابَتْ. وَخَرَجُوا هَارِبِينَ يَبْتَدِرُونَ الطَّرِيقَ الَّذِي مِنْهُ جَاءُوا، وَيَسْأَلُونَ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ حَبِيبٍ لِيَدُلّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ إلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ نُفَيْلٌ حِينَ رَأَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ نِقْمَتِهِ: أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: لَيْسَ الْغَالِبُ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ نُفَيْلٌ أَيْضًا: أَلَا حُيِّيتَ عَنَّا يَا رُدَيْنَا نَعِمْنَاكُمْ مَعَ الْإِصْبَاحِ عَيْنَا ( أَتَانَا قَابِسٌ مِنْكُمْ عِشَاءً فَلَمْ يُقْدَرْ لِقَابِسِكُمْ لَدَيْنَا ) رُدَيْنَةُ لَوْ رَأَيْتِ - وَلَا تَرَيْهِ لَدَى جَنْبِ الْمُحَصَّبِ مَا رَأَيْنَا إذًا لَعَذَرْتِنِي وَحَمِدْتِ أَمْرِي وَلَمْ تَأْسَيْ عَلَى مَا فَاتَ بَيْنَا حَمِدْتُ اللَّهَ إذْ أَبْصَرْتُ طَيْرًا وَخِفْتُ حِجَارَةً تُلْقَى عَلَيْنَا وَكُلُّ الْقَوْمِ يَسْأَلُ عَنْ نُفَيْلٍ كَأَنَّ عَلَيَّ لِلْحُبْشَانِ دَيْنَا فَخَرَجُوا يَتَسَاقَطُونَ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَيَهْلِكُونَ بِكُلِّ مَهْلِكٍ عَلَى كُلِّ مَنْهَلٍ، وَأُصِيبَ أَبْرَهَةُ فِي جَسَدِهِ، وَخَرَجُوا بِهِ مَعَهُمْ تَسْقُطُ ( أَنَامِلُهُ ) أُنْمُلَةً أُنْمُلَةً، كُلَّمَا سَقَطَتْ أُنْمُلَةٌ أَتْبَعَتْهَا مِنْهُ مِدَّةٌ تَمُثُّ قَيْحًا وَدَمًا، حَتَّى قَدِمُوا بِهِ صَنْعَاءَ وَهُوَ مِثْلُ فَرْخِ الطَّائِرِ، فَمَا مَاتَ حَتَّى انْصَدَعَ صَدْرُهُ عَنْ قَلْبِهِ، فِيمَا يَزْعُمُونَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ أَوَّلَ مَا رُئِيَتْ الْحَصْبَةُ وَالْجُدَرِيُّ بِأَرْضِ الْعَرَبِ ذَلِكَ الْعَامَ، وَأَنَّهُ أَوَّلُ مَا رُئِيَ بِهَا مَرَائِرُ الشَّجَرِ الْحَرْمَلِ وَالْحَنْظَلِ وَالْعُشَرِ ذَلِكَ الْعَامَ.
التاريخ 525لا حكم مسجّل
[ مَا ذُكِرَ فِي الْقُرْآنِ عَنْ قِصَّةِ الْفِيلِ ، وَشَرْحُ ابْنِ هِشَامٍ لِمُفْرَدَاتِهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ كَانَ مِمَّا يَعُدُّ اللَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَفَضْلِهِ، مَا رَدَّ عَنْهُمْ مِنْ أَمْرِ الْحَبَشَةِ لِبَقَاءِ أَمْرِهِمْ وَمُدَّتِهِمْ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ وَقَالَ: لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أَيْ لِئَلَّا يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنْ حَالِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، لِمَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ الْخَيْرِ لَوْ قَبِلُوهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَبَابِيلُ: الْجَمَاعَاتُ، وَلَمْ تَتَكَلَّمْ لَهَا الْعَرَبُ بِوَاحِدِ عَلِمْنَاهُ. وَأَمَّا السِّجِّيلُ، فَأَخْبَرَنِي يُونُسُ النَّحْوِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَنَّهُ عِنْدَ الْعَرَبِ: الشَّدِيدُ الصُّلْبُ قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: : وَمَسَّهُمْ مَا مَسَّ أَصْحَابَ الْفِيلْ تَرْمِيهِمْ حِجَارَةٌ مِنْ سِجِّيلْ وَلَعِبَتْ طَيْرٌ بِهِمْ أَبَابِيلْ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. ذَكَرَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمَا كَلِمَتَانِ بِالْفَارِسِيَّةِ، جَعَلَتْهُمَا الْعَرَبُ كَلِمَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا هُوَ سَنْجٌ وَجَلٌّ يَعْنِي بِالسَّنْجِ: الْحَجَرَ، وَالْجَلُّ: الطِّينَ. يَعْنِي: الْحِجَارَةُ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ: الْحَجَرِ وَالطِّينِ. وَالْعَصْفُ: وَرَقُ الزَّرْعِ الَّذِي لَمْ يُقَصَّبْ، وَوَاحِدَتُهُ عَصْفَةٌ. قَالَ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: الْعُصَافَةُ وَالْعَصِيفَةُ. وَأَنْشَدَنِي لِعَلْقَمَةَ بْنِ عَبَدَةَ أَحَدِ بَنِي رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ: : تَسْقَى مَذَانِبَ قَدْ مَالَتْ عَصِيفَتُهَا حَدُورُهَا مَنْ أَتَّى الْمَاءَ مَطْمُومُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ الرَّاجِزُ: فَصُيِّرُوا مِثْلَ كَعَصْفِ مَأْكُولِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلِهَذَا الْبَيْتِ تَفْسِيرٌ فِي النَّحْوِ. وَإِيلَافُ قُرَيْشٍ: إيلَافُهُمْ الْخُرُوجَ إلَى الشَّامِ فِي تِجَارَتِهِمْ، وَكَانَتْ لَهُمْ خَرْجَتَانِ: خَرْجَةٌ فِي الشِّتَاءِ وَخَرْجَةٌ فِي الصَّيْفِ. أَخْبَرَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ، أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: أَلِفْتُ الشَّيْءَ إلْفًا، وَآلَفْتُهُ إيلَافًا، فِي مَعْنًى وَاحِدٍ وَأَنْشَدَنِي لِذِي الرُّمَّةِ: مِنْ الْمُؤْلِفَاتِ الرُّمْلَ أَدْمَاءُ حُرَّةٌ شُعَاعُ الضُّ حَى فِي لَوْنِهَا يَتَوَضَّحُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيُّ: الْمُنْعِمِينَ إذَا النُّجُومُ تَغَيَّرَتْ وَالظَّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ يَكُونَ لِلْإِنْسَانِ أَلْفٌ مِنْ الْإِبِلِ، أَوْ الْبَقَرِ، أَوْ الْغَنَمِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. يُقَالُ: آلَفَ فُلَانٌ إيلَافًا. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ، أَحَدُ بَنِي أَسْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ: : بِعَامٍ يَقُولُ لَهُ الْمُؤْلِفُونَ هَذَا الْمُعِيمُ لَنَا الْمُرْجِلُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ يَصِيرَ الْقَوْمُ أَلْفًا، يُقَالُ آلَفَ الْقَوْمُ إيلَافًا قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ: : وَآلُ مُزَيقياء غَدَاةَ لَاقَوْا بَنِي سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ مُؤْلِفِينَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ تُؤَلِّفَ الشَّيْءَ إلَى الشَّيْءِ فَيَأْلَفُهُ وَيَلْزَمُهُ، يُقَالُ: آلَفْتُهُ إيَّاهُ إيلَافًا. وَالْإِيلَافُ أَيْضًا: أَنْ تَصِيرَ مَا دُونَ الْأَلْفِ أَلْفًا، يُقَالُ: آلَفْتُهُ إيلَافًا.
التاريخ 526لا حكم مسجّل
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ قَائِدَ الْفِيلِ، وَسَائِسَهُ بِمَكَّةَ أَعْمَيَيْنِ مُقْعَدَيْنِ يَسْتَطْعِمَانِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ سَائِسَ الْفِيلِ كَانَ اسْمُهُ أُنَيْسًا فَأَمَّا قَائِدُهُ فَلَمْ يُسَمَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ النَّقَّاشُ فِي " تَفْسِيرِهِ " أَنَّ السَّيْلَ احْتَمَلَ جُثَثَهُمْ فَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْرِ.
التاريخ 527لا حكم مسجّل
[ إعْظَامُ الْعَرَبِ قُرَيْشًا بَعْدَ حَادِثَةِ الْفِيلِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ الْحَبَشَةَ عَنْ مَكَّةَ، وَأَصَابَهُمْ بِمَا أَصَابَهُمْ بِهِ مِنْ النِّقْمَةِ، أَعْظَمَتْ الْعَرَبُ قُرَيْشًا، وَقَالُوا: هُمْ أَهْلُ اللَّهِ، قَاتَلَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَفَاهُمْ مَئُونَةَ عَدُوِّهِمْ. فَقَالُوا فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا يَذْكُرُونَ فِيهَا مَا صَنَعَ اللَّهُ بِالْحَبَشَةِ، وَمَا رَدَّ عَنْ قُرَيْشٍ مِنْ كَيْدِهِمْ.
التاريخ 528لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ ابْنِ الزِّبَعْرَى فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ ] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى بْنِ عَدِيِّ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: : تَنَّكَّلُوا عَنْ بَطْنِ مَكَّةَ إنَّهَا كَانَتْ قَدِيمًا لَا يُرَامُ حَرِيمُهَا لَمْ تَخْلُقْ الشِّعْرَى لَيَالِيَ حُرِّمَتْ إذْ لَا عَزِيزَ مِنْ الْأَنَامِ يَرُومُهَا سَائِلْ أَمِيرَ الْجَيْشِ عَنْهَا مَا رَأَى وَلَسَوْفَ يُنْبِي الْجَاهِلِينَ عَلِيمُهَا سِتُّونَ أَلْفًا لَمْ يَئُوبُوا أَرْضَهُمْ وَلَمْ يَعِشْ بَعْدَ الْإِيَابِ سَقِيمُهَا كَانَتْ بِهَا عَادٌ وَجُرْهُمُ قَبْلَهُمْ وَاَللَّهُ مِنْ فَوْقِ الْعِبَادِ يُقِيمُهَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: يَعْنِي ابْنُ الزِّبَعْرَى بِقَوْلِهِ:... بَعْدَ الْإِيَابِ سَقِيمُهَا أَبْرَهَةَ، إذْ حَمَلُوهُ مَعَهُمْ حِينَ أَصَابَهُ مَا أَصَابَهُ، حَتَّى مَاتَ بِصَنْعَاءَ. [ شِعْرُ ابْنِ الْأَسْلَتِ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ ] وَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ الْخَطْمِيُّ، وَاسْمُهُ صَيْفِيٌّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ أَبُو قَيْسٍ: صَيْفِيُّ بْنُ الْأَسْلَتِ بْنِ جُشَمَ بْنِ وَائِلِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: : وَمِنْ صُنْعِهِ يَوْمَ فِيلِ الْحُوشِ إذْ كُلَّمَا بَعَثُوهُ رَزَمْ مَحَاجِنُهُمْ تَحْتَ أَقْرَابِهِ وَقَدْ شَرَّمُوا أَنْفَهُ فَانْخَرَمْ وَقَدْ جَعَلُوا سَوْطَهُ مِغْوَلًا إذَا يَمَّمُوهُ قَفَاهُ كُلِمْ فَوَلَّى وَأَدْبَرَ أَدْرَاجَهُ وَقَدْ بَاءَ بِالظُّلْمِ مَنْ كَانَ ثَمَّ فَأَرْسَلَ مِنْ فَوْقِهِمْ حَاصِبًا فَلَفَّهُمْ مِثْلَ لَفِّ الْقُزُمْ تَحُضُّ عَلَى الصَّبْرِ أَحْبَارُهُمْ وَقَدْ ثَأَجُوا كَثُؤَاجِ الغَنَمْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالْقَصِيدَةُ أَيْضًا تُرْوَى لِأُمَيَّةِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ: : فَقُومُوا فَصَلُّوا رَبَّكُمْ وَتَمَسَّحُوا بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ فَعِنْدَكُمْ مِنْهُ بَلَاءٌ مُصَدَّقٌ غَدَاةَ أَبِي يَكسومَ هَادِي الْكَتَائِبِ كَتِيبَتُهُ بِالسَّهْلِ تُمْسِي وَرَجْلُهُ عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ فَلَمَّا أَتَاكُمْ نَصْرُ ذِي الْعَرْشِ رَدَّهُمْ جُنُودُ الْمَلِيكِ بَيْنَ سَافٍ وَحَاصِبِ فَوَلَّوْا سِرَاعًا هَارِبِينَ وَلَمْ يَؤُبْ إلَى أَهْلِهِ مِلْحَبْشِ غَيْرُ عَصَائِبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ قَوْلَهُ: عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَبِي قَيْسٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَوْلُهُ: غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ -: يَعْنِي أَبْرَهَةَ، كَانَ يُكَنَّى أَبَا يَكْسُومَ. [ شِعْرُ طَالِبٍ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ طَالِبُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: : أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ وَجَيْشِ أَبِي يَكْسُومَ إذْ مَلَئُوا الشِّعْبَا فَلَوْلَا دِفَاعُ اللَّهِ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ لَأَصْبَحْتُمْ لَا تَمْنَعُونَ لَكُمْ سِرْبَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ فِي يَوْمِ بَدْرٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ شِعْرُ أَبِي الصَّلْتِ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَبُو الصَّلْتِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الثَّقَفِيُّ فِي شَأْنِ الْفِيلِ، وَيَذْكُرُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تُرْوَى لِأُمَيَّةِ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الثَّقَفِيِّ: : إنَّ آيَاتِ رَبِّنَا ثَاقِبَاتُ لَا يُمَارِي فِيهِنَّ إلَّا الْكَفُورُ خُلِقَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَكُلٌّ مُسْتَبِينٌ حِسَابُهُ مَقْدُورُ ثُمَّ يَجْلُو النَّهَارَ رَبٌّ رَحِيمٌ بِمَهَاةِ شَعَاعُهَا مَبْشُورُ حُبِسَ الْفِيلُ بِالْمُغَمِّسِ حَتَّى ظَلَّ يَحْبُو كَأَنَّهُ مَعْقُورُ لَازِمًا حَلْقَةَ الْجِرَانِ كَمَا قُطِّرَ مِنْ صَخْرٍ كَبْكَبٍ مَحْدُورُ حَوْلَهُ مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ أَبْطَالٌ مَلَاوِيثُ فِي الْحُرُوبِ صُقُورُ خَلَّفُوهُ ثُمَّ ابذعَرُّوا جَمِيعًا كُلُّهُمْ عَظْمُ سَاقُهُ مَكسْورُ كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ إلَّا دِينَ الْحَنِيفَةِ بُورُ [ شِعْرُ الْفَرَزْدَقِ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ - وَاسْمُهُ هَمَّامُ بْنُ غَالِبٍ أَحَدُ بَنِي مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ - يَمْدَحُ سُلَيْمَانَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَيَهْجُو الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ، وَيَذْكُرُ الْفِيلَ وَجَيْشَهُ: : فَلَمَّا طَغَى الْحَجَّاجُ حِينَ طَغَى بِهِ غِنَى قَالَ إنِّي مُرْتَقٍ فِي السَّلَالِمِ فَكَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ نُوحٍ سَأَرْتَقِي إلَى جَبَلٍ مِنْ خَشْيَةِ الْمَاءِ عَاصِمِ رَمَى اللَّهُ فِي جُثْمَانِهِ مِثْلَ مَا رَمَى عَنْ الْقِبْلَةِ الْبَيْضَاءِ ذَاتِ الْمَحَارِمِ جُنُودًا تَسُوقُ الْفِيلَ حَتَّى أَعَادَهُمْ هَبَاءً وَكَانُوا مُطْرَخِمي الطَّرَاخِمِ نُصِرْتَ كَنَصْرِ الْبَيْتِ إذْ سَاقَ فِيلَهُ إلَيْهِ عَظِيمُ الْمُشْرِكِينَ الْأَعَاجِمِ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. [ شِعْرُ ابْنِ الرُّقَيَّاتِ فِي وَقْعَةِ الْفِيلِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيَّاتُ: أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَذْكُرُ أَبْرَهَةَ - وَهُوَ الْأَشْرَمُ - وَالْفِيلَ: : كَادَهُ الْأَشْرَمُ الَّذِي جَاءَ بِالْفِيلِ فَوَلَّى وَجَيْشُهُ مَهْزُومُ وَاسْتَهَلَّتْ عَلَيْهِمْ الطَّيْرُ بِالْجَنْدَلِ حَتَّى كَأَنَّهُ مَهْزُومُ ذَاكَ مَنْ يَغْزُهُ مِنْ النَّاسِ يَرْجِعْ وَهُوَ فَلٌّ مِنْ الْجُيُوشِ ذَمِيمُ وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
التاريخ 529لا حكم مسجّل
[ مُلْكُ يَكْسُومَ ثُمَّ مَسْرُوقٍ عَلَى الْيَمَنِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ أَبْرَهَةُ، مَلَّكَ الْحَبَشَةَ ابْنَهُ يَكْسُومَ بْنَ أَبْرَهَةَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، فَلَمَّا هَلَكَ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، مَلَكَ الْيَمَنَ فِي الْحَبَشَةِ أَخُوهُ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ.
التاريخ 530لا حكم مسجّل
خُرُوجُ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ وَمُلْكُ وَهْرِزَ عَلَى الْيَمَنِ [ ابْنُ ذِي يَزَنَ عِنْدَ قَيْصَرَ ] فَلَمَّا طَالَ الْبَلَاءُ عَلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، خَرَجَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيُّ وَكَانَ يُكَنَّى بِأَبِي مُرَّةَ، حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، فَشَكَا إلَيْهِ مَا هُمْ فِيهِ، وَسَأَلَهُ أَنْ يُخْرِجَهُمْ عَنْهُ وَيَلِيَهُمْ هُوَ، وَيَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَنْ شَاءَ مِنْ الرُّومِ، فَيَكُونُ لَهُ مُلْكُ الْيَمَنِ فَلَمْ يُشْكِهِ ( وَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا مِمَّا يُرِيدُ ).
التاريخ 531لا حكم مسجّل
[ هَزِيمَةُ الْأَحْبَاشِ، وَنُبُوءَةُ سَطِيحٍ وَشِقٍّ ] وَهَذَا الَّذِي عَنَى سَطِيحٌ بِقَوْلِهِ: يَلِيهِ إرَمُ ذِي يَزَنَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ عَدَنَ فَلَا يَتْرُكُ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْيَمَنِ وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ بِقَوْلِهِ: : غُلَامٌ لَيْسَ بِدَنِيِّ وَلَا مُدَنٍّ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْتِ ذِي يَزَنَ
التاريخ 532لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَا انْتَهَى إلَيْهِ أَمْرُ الْفُرْسِ بِالْيَمَنِ [ مُلْكُ الْحَبَشَةِ فِي الْيَمَنِ وَمُلُوكُهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ وَهْرِزُ وَالْفُرْسُ بِالْيَمَنِ، فَمِنْ بَقِيَّةِ ذَلِكَ الْجَيْشِ مِنْ الْفُرْسِ الْأَبْنَاءُ الَّذِينَ بِالْيَمَنِ الْيَوْمَ. وَكَانَ مُلْكُ الْحَبَشَةِ بِالْيَمَنِ، فِيمَا بَيْنَ أَنْ دَخَلَهَا أَرْيَاطُ إلَى أَنْ قَتَلَتْ الْفُرْسُ مَسْرُوقَ بْنَ أَبْرَهَةَ وَأُخْرِجَتْ الْحَبَشَةُ، اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً، تَوَارَثَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ: أَرْيَاطُ، ثُمَّ أَبْرَهَةُ، ثُمَّ يَكْسُومُ بْنُ أَبْرَهَةَ، ثُمَّ مَسْرُوقُ بْنُ أَبْرَهَةَ.
التاريخ 533لا حكم مسجّل
[ مُلُوكُ الْفُرْسِ عَلَى الْيَمَنِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ مَاتَ وَهْرِزُ، فَأَمَّرَ كِسْرَى ابْنَهُ الْمَرْزُبَانَ بْنِ وَهْرِزَ عَلَى الْيَمَنِ ثُمَّ مَاتَ الْمَرْزُبَانُ فَأَمَّرَ كِسْرَى ابْنَهُ التَّيْنُجَانَ بْنَ الْمَرْزُبَانِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ مَاتَ التَّيْنُجَانُ فَأَمَّرَ كِسْرَى ابْنَ التَّيْنُجَانِ عَلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ عَزَلَهُ وَأَمَّرَ بَاذَانَ، فَلَمْ يَزَلْ بَاذَانُ عَلَيْهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ( النَّبِيَّ ) ﷺ.
التاريخ 534لا حكم مسجّل
[ كِسْرَى وَبَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ ] فَبَلَغَنِي عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: كَتَبَ كِسْرَى إلَى بَاذَانَ: أَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ خَرَجَ بِمَكَّةَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَسِرْ إلَيْهِ فَاسْتَتِبْهُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا فَابْعَثْ إلَيَّ بِرَأْسِهِ. فَبَعَثَ بَاذَانُ بِكِتَابِ كِسْرَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي أَنْ يُقْتَلَ كِسْرَى فِي يَوْمِ كَذَا مِنْ شَهْرِ كَذَا فَلَمَّا أَتَى بَاذَانَ الْكِتَابُ تَوَقَّفَ لِيَنْظُرَ، وَقَالَ: إنْ كَانَ نَبِيًّا فَسَيَكُونُ مَا قَالَ. فَقَتَلَ اللَّهُ كِسْرَى فِي الْيَوْمِ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قُتِلَ عَلَى يَدَيْ ابْنِهِ شِيرَوَيْهِ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ حِقٍّ الشَّيْبَانِيُّ: : وَكِسْرَى إذْ تَقَسَّمْهُ بَنُوهُ بِأَسْيَافٍ كَمَا اُقْتُسِمَ اللَّحَّامُ تَمَخَّضَتْ الْمَنُونُ لَهُ بِيَوْمٍ أَنَّى وَلِكُلِّ حَامِلَةٍ تِمَامُ
التاريخ 535لا حكم مسجّل
[ بَعْثَةُ النَّبِيِّ، وَنُبُوءَةُ سَطِيحٍ وَشِقٍّ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَهُوَ الَّذِي عَنَى سَطِيحٌ بِقَوْلِهِ: نَبِيٌّ زَكِيٌّ، يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ قِبَلِ الْعَلِيِّ. وَاَلَّذِي عَنَى شِقٌّ بِقَوْلِهِ: بَلْ يَنْقَطِعُ بِرَسُولِ مُرْسَلٍ، يَأْتِي بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالْفَضْلِ، يَكُونُ الْمُلْكُ فِي قَوْمِهِ إلَى يَوْمِ الْفَصْلِ.
التاريخ 536لا حكم مسجّل
قِصَّةُ السَّاطِرُونَ صَاحِبِ الْحَضْرِ وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُ هَاهُنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ لِأَجْلِ مَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ النَّسَبِ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي وُرُودِ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ عَلَيْهِ، وَسُؤَالِهِ فِي مُسَاعَدَتِهِ فِي رَدِّ مُلْكِ الْيَمَنِ إِلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ السَّاطِرُونَ صَاحِبِ الْحَضْرِ وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ مِنْ ذُرِّيَّةِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ، وَأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ مِنْ أَشْلَاءِ قُنُصِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي نَسَبِهِ. فَاسْتَطْرَدَ ابْنُ هِشَامٍ فِي ذِكْرِ صَاحِبِ الْحَضْرِ، وَالْحَضْرُ حِصْنٌ عَظِيمٌ بَنَاهُ هَذَا الْمَلِكُ وَهُوَ السَّاطِرُونَ عَلَى حَافَّةِ الْفُرَاتِ وَهُوَ مُنِيفٌ مُرْتَفِعُ الْبِنَاءِ، وَاسِعُ الرَّحْبَةِ وَالْفِنَاءِ دَوْرُهُ بِقَدْرِ مَدِينَةٍ عَظِيمَةٍ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْإِحْكَامِ وَالْبَهَاءِ وَالْحُسْنِ وَالسَّنَاءِ، وَإِلَيْهِ يُجْبَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْأَقْطَارِ وَالْأَرْجَاءِ، وَاسْمُ السَّاطِرُونَ: الضَّيْزَنُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ أَجْرَمَ مِنْ بَنِي سَلِيحِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. كَذَا نَسَبَهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ مِنَ الْجَرَامِقَةِ وَكَانَ أَحَدَ مُلُوكِ الطَّوَائِفِ وَكَانَ يَقْدُمُهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا لِحَرْبِ عَدُوٍّ مِنْ غَيْرِهِمْ وَكَانَ حِصْنُهُ بَيْنَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ كِسْرَى سَابُورَ ذُو الْأَكْتَافِ غَزَا السَّاطِرُونَ مَلِكَ الْحَضْرِ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ هِشَامٍ: إِنَّمَا الَّذِي غَزَا صَاحِبَ الْحَضْرِ ; سَابُورُ بْنُ أَزْدَشَيْرِ بْنِ بَابِكَ أَوَّلُ مُلُوكِ بَنِي سَاسَانَ أَذَلَّ مُلُوكَ الطَّوَائِفِ وَرَدَّ الْمُلْكَ إِلَى الْأَكَاسِرَةِ، وَأَمَّا سَابُورُ ذُو الْأَكْتَافِ بْنُ هُرْمُزَ فَبَعْدَ ذَلِكَ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَصَرَهُ سَنَتَيْنِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْبَعَ سِنِينَ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَغَارَ عَلَى بِلَادِ سَابُورَ فِي غَيْبَتِهِ بِأَرْضِ الْعِرَاقِ فَأَشْرَفَتْ بِنْتُ السَّاطِرُونَ - وَكَانَ اسْمُهَا: النَّضِيرَةَ - فَنَظَرَتْ إِلَى سَابُورَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ دِيبَاجٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ ذَهَبٍ مُكَلَّلٌ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ وَكَانَ جَمِيلًا فَدَسَّتْ إِلَيْهِ: أَتَتَزَوَّجُنِي إِنْ فَتَحْتُ لَكَ بَابَ الْحَضْرِ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ فَلَمَّا أَمْسَى سَاطِرُونَ شَرِبَ حَتَّى سَكِرَ وَكَانَ لَا يَبِيتُ إِلَّا سَكْرَانَ فَأَخَذَتْ مَفَاتِيحَ بَابِ الْحَضْرِ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ، وَبَعَثَتْ بِهَا مَعَ مَوْلًى لَهَا فَفَتَحَ الْبَابَ، وَيُقَالَ: بَلْ دَلَّتْهُمْ عَلَى نَهْرٍ يَدْخُلُ مِنْهُ الْمَاءُ مُتَّسِعٍ فَوَلَجُوا مِنْهُ إِلَى الْحَضْرِ، وَيُقَالَ: بَلْ دَلَّتْهُمْ عَلَى طِلَّسْمٍ كَانَ فِي الْحَضْرِ وَكَانَ فِي عِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يُفْتَحُ حَتَّى تُؤْخَذَ حَمَامَةٌ وَرْقَاءُ، وَتُخَضَّبُ رِجْلَاهَا بِحَيْضِ جَارِيَةٍ بِكْرٍ زَرْقَاءَ، ثُمَّ تُرْسَلُ فَاذَا وَقَعَتْ عَلَى سُورِ الْحَضْرِ سَقَطَ ذَلِكَ الطِّلَّسْمُ فَيُفْتَحُ الْبَابُ فَفَعَلَ ذَلِكَ فَانْفَتَحَ الْبَابُ فَدَخَلَ سَابُورُ فَقَتَلَ سَاطِرُونَ، وَاسْتَبَاحَ الْحَضْرَ، وَخَرَّبَهُ، وَسَارَ بِهَا مَعَهُ فَتَزَوَّجَهَا فَبَيْنَا هِيَ نَائِمَةٌ عَلَى فِرَاشِهَا لَيْلًا إِذْ جَعَلَتْ تَمَلْمَلُ لَا تَنَامُ فَدَعَا لَهَا بِالشَّمْعِ فَفَتَّشَ فِرَاشَهَا فَوَجَدَ عَلَيْهِ وَرَقَةَ آسٍ فَقَالَ لَهَا سَابُورُ: أَهَذَا الَّذِي أَسْهَرَكِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قَالَ: فَمَا كَانَ أَبُوكِ يَصْنَعُ بِكِ ؟ قَالَتْ: كَانَ يَفْرِشُ لِي الدِّيبَاجَ، وَيُلْبِسُنِي الْحَرِيرَ، وَيُطْعِمُنِي الْمُخَّ، وَيَسْقِينِي الْخَمْرَ قَالَ: أَفَكَانَ جَزَاءُ أَبِيكِ مَا صَنَعْتِ بِهِ ؟ ! أَنْتِ إِلَيَّ بِذَلِكَ أَسْرَعُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُبِطَتْ قُرُونُ رَأْسِهَا بِذَنَبِ فَرَسٍ، ثُمَّ رَكَضَ الْفَرَسُ حَتَّى قَتَلَهَا فَفِيهِ يَقُولُ أَعْشَى بْنُ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ أَلَمْ تَرَ لِلْحَضْرِ إِذْ أَهْلُهُ بِنُعْمَى وَهَلْ خَالِدٌ مَنْ نَعِمْ أَقَامَ بِهِ شَاهْبُورُ الْجُنُو دِ حَوْلَيْنِ تَضْرِبُ فِيهِ الْقُدُمْ فَلَمَّا دَعَا رَبَّهُ دَعْوَةً أَنَابَ إِلَيْهِ فَلَمْ يَنْتَقِمْ فَهَلْ زَادَهُ رَبُّهُ قُوَّةً وَمِثْلُ مُجَاوِرِهِ لَمْ يُقِمْ وَكَانَ دَعَا قَوْمَهُ دَعْوَةً هَلُمُّوا إِلَى أَمْرِكُمْ قَدْ صُرِمْ فَمُوتُوا كِرَامًا بِأَسْيَافِكُمْ أَرَى الْمَوْتَ يَجْشَمُهُ مَنْ جَشِمْ وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ وَالْحَضْرُ صَابَتْ عَلَيْهِ دَاهِيَةٌ مِنْ فَوْقِهِ أَيِّدٌ مَنَاكِبُهَا رَبِيَّةٌ لَمْ تُوَقِّ وَالِدَهَا لِحِينِهِا إِذْ أَضَاعَ رَاقِبُهَا إِذْ غَبَقَتْهُ صَهْبَاءَ صَافِيَةً وَالْخَمْرُ وَهْلٌ يَهِيمُ شَارِبُهَا فَأَسْلَمَتْ أَهْلَهَا بِلَيْلَتِهَا تَظُنُّ أَنَّ الرَّئِيسَ خَاطِبُهَا فَكَانَ حَظُّ الْعَرُوسِ إِذْ جَشَرَ الصُّبْحُ دِمَاءً تَجْرِي سَبَائِبُهَا وَخُرِّبَ الْحَضْرُ وَاسْتُبِيحَ وَقَدِ أُحْرِقَ فِي خِدْرِهَا مَشَاجِبُهَا وَقَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ أَيْضًا أَيُّهَا الشَّامِتُ الْمُعَيِّرُ بِالدَّهْرِ أَأَنْتَ الْمُبَرَّأُ الْمَوْفُورُ أَمْ لَدَيْكَ الْعَهْدُ الْوَثِيقُ مِنَ الْأَيَّا مِ بَلْ أَنْتَ جَاهِلٌ مَغْرُورُ مَنْ رَأَيْتَ الْمَنُونَ خَلَّدْنَ أَمْ مَنْ ذَا عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يُضَامَ خَفِيرُ أَيْنَ كِسْرَى كِسْرَى الْمُلُوكِ أَنُوشِرْ وَانَ أَمْ أَيْنَ قَبْلَهُ سَابُورُ وَبَنُو الْأَصْفَرِ الْكِرَامِ مُلُوكِ الرُّومِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمُ مَذْكُورُ وَأَخُو الْحَضْرِ إِذْ بَنَاهُ وَإِذْ دِجْ لَةُ تُجْبَى إِلَيْهِ وَالْخَابُورُ شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْ سًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُ لَمْ يَهَبْهُ رَيْبُ الْمَنُونِ فَبَانَ الْمُلْكُ عَنْهُ فَبَابُهُ مَهْجُورُ وَتَذَكَّرْ رَبَّ الْخَوَرْنَقِ إِذْ أَشْ رَفَ يَوْمًا وَلِلْهُدَى تَفْكِيرُ سَرَّهُ مَالُهُ وَكَثْرَةُ مَا يَمْ لِكُ وَالْبَحْرُ مُعْرِضًا وَالسَّدِيرُ فَارْعَوَى قَلْبُهُ وَقَالَ وَمَا غِبْ طَةُ حَيٍّ إِلَى الْمَمَاتِ يَصِيرُ ثُمَّ أَضْحَوْا كَأَنَّهُمْ وَرَقٌ جَ فَّ فَأَلْوَتْ بِهِ الصَّبَا وَالدَّبُورُ قُلْتُ: وَرَبُّ الْخَوَرْنَقِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي شِعْرِهِ، رَجُلٌ مِنَ الْمُلُوكِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَعَظَهُ بَعْضُ عُلَمَاءِ زَمَانِهِ فِي أَمْرِهِ الَّذِي كَانَ قَدْ أَسْرَفَ فِيهِ وَعَتَا، وَتَمَرَّدَ فِيهِ، وَأَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَلَمْ يُرَاقِبْ فِيهَا مَوْلَاهَا فَوَعَظَهُ بِمَنْ سَلَفَ قَبْلَهُ مِنَ الْمُلُوكِ وَالدُّوَلِ، وَكَيْفَ بَادُوا وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَأَنَّهُ مَا صَارَ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ إِلَّا وَهُوَ مُنْتَقِلٌ عَنْهُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ فَأَخَذَتْهُ مَوْعِظَتُهُ، وَبَلَغَتْ مِنْهُ كُلَّ مَبْلَغٍ فَارْعَوَى لِنَفْسِهِ، وَفَكَّرَ فِي يَوْمِهِ وَأَمْسِهِ، وَخَافَ مِنْ ضِيقِ رَمْسِهِ فَتَابَ وَأَنَابَ وَنَزَعَ عَمَّا كَانَ فِيهِ، وَتَرَكَ الْمُلْكَ وَلَبِسَ زِيَّ الْفُقَرَاءِ وَسَاحَ فِي الْفَلَوَاتِ وَحَظِيَ بِالْخَلَوَاتِ، وَخَرَجَ عَمَّا كَانَ النَّاسُ فِيهِ مِنِ اتِّبَاعِ الشَّهَوَاتِ وَعِصْيَانِ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَقَدْ ذَكَرَ قِصَّتَهُ مَبْسُوطَةً الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ ابْنُ قُدَامَةَ الْمَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ " التَّوَّابِينَ "، وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهَا بِإِسْنَادٍ مَتِينٍ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ فِي كِتَابِ " الرَّوْضُ الْأَنِفُ " الْمُرَتَّبُ أَحْسَنَ تَرْتِيبٍ، وَأَوْضَحَ تَبْيِينٍ.
التاريخ 537لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ إسْمَاعِيلَ وَجُرْهُمٍ بِمَكَّةَ ] ثُمَّ نَشَرَ اللَّهُ وَلَدَ إسْمَاعِيلَ بِمَكَّةَ، وَأَخْوَالُهُمْ مِنْ جُرْهُمٍ، وُلَاةُ الْبَيْتِ وَالْحُكَّامُ بِمَكَّةَ، لَا يُنَازِعُهُمْ وَلَدُ إسْمَاعِيلَ فِي ذَلِكَ لِخُئُولَتِهِمْ وَقَرَابَتِهِمْ، وَإِعْظَامًا لِلْحُرْمَةِ أَنْ يَكُونَ بِهَا بَغْيٌ أَوْ قِتَالٌ. فَلَمَّا ضَاقَتْ مَكَّةُ عَلَى وَلَدِ إسْمَاعِيلَ انْتَشَرُوا فِي الْبِلَادِ، فَلَا يُنَاوِئُونَ قَوْمًا إلَّا أَظْهَرَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِدِينِهِمْ فَوَطِئُوهُمْ.
التاريخ 538لا حكم مسجّل
استيلاء قوم كنانة وخزاعة على البيت ونفي جرهم اسْتِيلَاءُ قَوْمِ كِنَانَةَ وَخُزَاعَةَ عَلَى الْبَيْتِ ونَفي جُرْهُمٍ [ بَغْيُ جُرْهُمٍ بِمَكَّةَ وَطَرْدُ بَنِي بَكْرٍ لَهُمْ ] ثُمَّ إنَّ جُرْهُمًا بَغَوْا بِمَكَّةَ، وَاسْتَحَلُّوا خِلَالًا مِنْ الْحُرْمَةِ، فَظَلَمُوا مَنْ دَخَلَهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا، وَأَكَلُوا مَالَ الْكَعْبَةِ الَّذِي يُهْدَى لَهَا، فَرَقَّ أَمْرَهُمْ. فَلَمَّا رَأَتْ بَنُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَغُبْشَانُ مِنْ خُزَاعَةَ ذَلِكَ، أَجَمَعُوا لِحَرْبِهِمْ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ مَكَّةَ. فَآذَنُوهُمْ بِالْحَرْبِ فَاقْتَتَلُوا، فَغَلَبَتْهُمْ بَنُو بَكْرٍ وَغُبْشَانُ فَنَفَوْهُمْ مِنْ مَكَّةَ. وَكَانَتْ مَكَّةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا تُقِرُّ فِيهَا ظُلْمًا وَلَا بَغْيًا، وَلَا يَبْغِي فِيهَا أَحَدٌ إلَّا أَخَرَجَتْهُ، فَكَانَتْ تُسَمَّى النَّاسَّةَ، وَلَا يُرِيدُهَا مَلِكٌ يَسْتَحِلُّ حُرْمَتَهَا إلَّا هَلَكَ مَكَانَهُ، فَيُقَالُ: إنَّهَا مَا سُمِّيَتْ بِبَكَّةِ إلَّا أَنَّهَا كَانَتْ تَبُكُّ أَعْنَاقَ الْجَبَابِرَةِ إذَا أَحْدَثُوا فِيهَا شَيْئًا.
التاريخ 539لا حكم مسجّل
[ بَكَّةُ لُغَةً ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ بَكَّةَ اسْمٌ لِبَطْنِ مَكَّةَ، لِأَنَّهُمْ يَتَبَاكَوْنَ فِيهَا، أَيْ يَزْدَحِمُونَ. وَأَنْشَدَنِي: : إذَا الشَّرِيبُ أَخَذَتْهُ أَكَّهُ فَخَلِّهِ حَتَّى يَبُكَّ بَكَّهُ أَيْ فَدَعْهُ حَتَّى يَبُكَّ إبِلَهُ: أَيْ يُخَلِّيهَا إلَى الْمَاءِ فَتَزْدَحِمُ عَلَيْهِ. وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ لِعَامَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيُّ بِغَزَالِيِّ الْكَعْبَةِ وَبِحَجَرِ الرُّكْنِ، فَدَفَنَهَا فِي زَمْزَمَ، وَانْطَلَقَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ جُرْهُمٍ إلَى الْيَمَنِ، فَحَزِنُوا عَلَى مَا فَارَقُوا مِنْ أَمْرِ مَكَّةَ وَمُلْكِهَا حُزْنًا شَدِيدًا. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ ( بْنِ عَمْرِو ) بْنِ مُضَاضٍ فِي ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِمُضَاضٍ الْأَكْبَرِ: : وَقَائِلَةٍ وَالدَّمْعُ سَكْبٌ مُبَادِرُ وَقَدْ شَرِقَتْ بِالدَّمْعِ مِنْهَا الْمَحَاجِرُ كَأَنَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ فَقُلْتُ لَهَا وَالْقَلْبُ مِنِّي كَأَنَّمَا يُلَجْلِجُهُ بَيْنَ الْجَنَاحَيْنِ طَائِرُ بَلَى نَحْنُ كُنَّا أَهْلَهَا، فَأَزَالَنَا صُرُوفُ اللَّيَالِي وَالْجُدُودِ الْعَوَاثِرِ وَكُنَّا وُلَاةَ الْبَيْتِ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ نَطُوفُ بِذَاكَ الْبَيْتِ وَالْخَيْرُ ظَاهِرُ وَنَحْنُ وَلِينَا الْبَيْتَ مِنْ بَعْدِ نَابِتٍ بِعَزٍّ فَمَا يَحْظَى لَدَيْنَا الْمُكَاثِرُ مَلَكْنَا فَعَزَّزْنَا فَأَعْظِمْ بِمُلْكِنَا فَلَيْسَ لِحَيِّ غَيْرِنَا ثَمَّ فَاخِرُ أَلَمْ تُنْكِحُوا مِنْ خَيْرِ شَخْصٍ عَلِمْتُهُ فَأَبْنَاؤُهُ مِنَّا وَنَحْنُ الْأَصَاهِرُ فَإِنْ تَنْثَنِ الدُّنْيَا عَلَيْنَا بِحَالِهَا فَإِنَّ لَهَا حَالًا وَفِيهَا التَّشَاجُرُ فَأَخْرَجَنَا مِنْهَا الْمَلِيكُ بِقُدْرَةٍ كَذَلِكَ يَا لِلنَّاسِ تَجْرِي الْمَقَادِرُ أَقُولُ إذَا نَامَ الْخَلِيُّ وَلَمْ أَنَمْ أَذَا الْعَرْشِ: لَا يَبْعُدُ سُهَيْلٌ وَعَامِرٌ وَبُدِّلْتُ مِنْهَا أَوْجُهًا لَا أُحِبُّهَا قَبَائِلُ مِنْهَا حِمْيَرُ وَيُحَابِرُ وَصِرْنَا أَحَادِيثَا وَكُنَّا بِغِبْطَةٍ بِذَلِكَ عَضَّتْنَا السِّنُونَ الْغَوَابِرُ فَسَحَّتَ دُمُوعُ الْعَيْنِ تَبْكِي لِبَلْدَةٍ بِهَا حَرَمٌ أَمْنٌ وَفِيهَا الْمَشَاعِرُ وَتَبْكِي لِبَيْتٍ لَيْسَ يُوذَى حَمَامُهُ يَظَلُّ بِهِ أَمْنًا وَفِيهِ الْعَصَافِرُ وَفِيهِ وُحُوشٌ لَا تُرَامُ أَنِيسَةٌ إذَا خَرَجَتْ مِنْهُ فَلَيْسَتْ تُغَادِرُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ فَأَبْنَاؤُهُ منا، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا يَذْكُرُ بَكْرًا وَغُبْشَانُ، وَسَاكِنِي مَكَّةَ الَّذِينَ خَلَفُوا فِيهَا بَعْدَهُمْ: : يَا أَيُّهَا النَّاسُ سِيرُوا إنَّ قَصْرَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا ذَاتَ يَوْمٍ لَا تَسِيرُونَا حُثُّوا الْمَطِيَّ وَأَرْخُوا مِنْ أَزِمَّتِهَا قَبْلَ الْمَمَاتِ وَقَضُّوا مَا تُقِضُّونَا كُنَّا أُنَاسًا كَمَا كُنْتُمْ فَغَيَّرَنَا دَهْرٌ فَأَنْتُمْ كَمَا كُنَّا تَكُونُونَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لَهُ مِنْهَا. وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ: أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْعَرَبِ، وَأَنَّهَا وُجِدَتْ مَكْتُوبَةً فِي حَجَرٍ بِالْيَمَنِ، وَلَمْ يُسَمِّ لِي قَائِلَهَا.
التاريخ 540لا حكم مسجّل
اسْتِبْدَادُ قَوْمٍ مِنْ خُزَاعَةَ بِوِلَايَةِ الْبَيْتِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ غُبْشَانَ مِنْ خُزَاعَةَ وَلِيَتْ الْبَيْتَ دُونَ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ، وَكَانَ الَّذِي يَلِيهِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْغُبْشَانِيُّ، وَقُرَيْشٌ إذْ ذَاكَ حُلُولٌ وَصِرَمٌ، وَبُيُوتَاتٌ مُتَفَرِّقُونَ فِي قَوْمِهِمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ، فَوَلِيَتْ خُزَاعَةُ الْبَيْتَ يَتَوَارَثُونَ ذَلِكَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، حَتَّى كَانَ آخِرُهُمْ حُلَيْلُ بْنُ حَبَشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيَّ.
التاريخ 541لا حكم مسجّل
[ تَوَلِّي قُصَيٍّ أَمْرَ الْبَيْتِ وَنُصْرَةَ رُزَاحٍ لَهُ ] فَرَأَى قُصَيٌّ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَبِأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ، وَأَنَّ قُرَيْشًا قُرْعَةُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَصَرِيحُ وَلَدِهِ. فَكَلَّمَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَبَنِيَّ كِنَانَةَ، وَدَعَاهُمْ إلَى إخْرَاجِ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، فَأَجَابُوهُ. وَكَانَ رَبِيعَةُ بْنُ حَرَامٍ مِنْ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ قَدْ قَدِمَ مَكَّةَ بَعْدَ هُلْكِ كِلَابٍ، فَتَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ، وَزُهْرَةَ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ، وَقُصَيٌّ فَطِيمٌ، فَاحْتَمَلَهَا إلَى بِلَادِهِ، فَحَمَلَتْ قُصَيًّا مَعَهَا، وَأَقَامَ زُهْرَةَ، فَوَلَدَتْ لِرَبِيعَةَ رِزَاحًا. فَلَمَّا بَلَغَ قُصَيٌّ وَصَارَ رَجُلًا أَتَى مَكَّةَ، فَأَقَامَ بِهَا، فَلَمَّا أَجَابَهُ قَوْمُهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، كَتَبَ إلَى أَخِيهِ مِنْ أُمِّهِ، رِزَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ، يَدْعُوهُ إلَى نُصْرَتِهِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ. فَخَرَجَ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَعَهُ إخْوَتُهُ: حُنُّ بْنُ رَبِيعَةَ، وَمَحْمُودُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَجُلْهُمَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَهُمْ لِغَيْرِ فَاطِمَةَ، فِيمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ فِي حَاجِّ الْعَرَبِ، وَهُمْ مُجْمِعُونَ لِنُصْرَةِ قُصَيٍّ. وَخُزَاعَةُ تَزْعُمُ أَنَّ حُلَيْلَ بْنَ حُبْشِيَّةَ أَوْصَى بِذَلِكَ، قُصَيًّا وَأَمَرَهُ بِهِ حِينَ انْتَشَرَ لَهُ مِنْ ابْنَتِهِ مِنْ الْوَلَدِ مَا انْتَشَرَ. وَقَالَ: أَنْتِ أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ، وَبِالْقِيَامِ عَلَيْهَا، وَبِأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ طَلَبَ قُصَيٌّ مَا طَلَبَ. وَلَمْ نَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
التاريخ 542لا حكم مسجّل
[ صُوفَةُ وَرَمْيُ الْجِمَارِ ] كَانَتْ صُوفَةُ تَدْفَعُ بِالنَّاسِ مِنْ عَرَفَةَ، وَتُجِيزُ بِهِمْ إذَا نَفَرُوا مِنْ مِنًى، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ النَّفْرِ أَتَوْا لِرَمْيِ الْجِمَارِ، وَرَجُلٌ مِنْ صُوفَةَ يَرْمِي لِلنَّاسِ، لَا يَرْمُونَ حَتَّى يَرْمِي. فَكَانَ ذَوُو الْحَاجَاتِ الْمُتَعَجِّلُونَ يَأْتُونَهُ، فَيَقُولُونَ لَهُ: قُمْ فَارْمِ حَتَّى نَرْمِيَ مَعَكَ؛ فَيَقُولُ: لَا وَاَللَّهِ، حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ. فَيَظَلُّ ذَوُو الْحَاجَاتِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ التَّعَجُّلَ يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ، وَيَسْتَعْجِلُونَهُ بِذَلِكَ، وَيَقُولُونَ لَهُ: وَيْلَكَ قُمْ فَارْمِ؛ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ. حَتَّى إذَا مَالَتْ الشَّمْسُ قَامَ فَرَمَى وَرَمَى النَّاسُ مَعَهُ.
التاريخ 543لا حكم مسجّل
[ تَوَلِّي بَنِي سَعْدٍ أَمْرَ الْبَيْتِ بَعْدَ صُوفَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَإِذَا فَرَغُوا مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ وَأَرَادُوا النَّفْرَ مِنْ مِنًى، أَخَذَتْ صُوفَةُ بِجَانِبَيْ الْعَقَبَةِ، فَحَبَسُوا النَّاسَ وَقَالُوا: أَجِيزِى صُوفَةَ، فَلَمْ يَجُزْ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَمُرُّوا، فَإِذَا نَفَرَتْ صُوفَةُ وَمَضَتْ خُلِّيَ سَبِيلُ النَّاسِ فَانْطَلَقُوا بَعْدَهُمْ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى انْقَرَضُوا، فَوَرِثَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِمْ بِالْقُعْدُدِ بَنُو سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَكَانَتْ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فِي آلِ صَفْوَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ. [ نَسَبُ صَفْوَانَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَفْوَانُ بْنُ جُنَابِ بْنِ شِجْنَةَ بْنِ عُطَارِدَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ. [ صَفْوَانُ وَكَرِبٌ وَالْإِجَازَةُ فِي الْحَجِّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ صَفْوَانُ هُوَ الَّذِي يُجِيزُ لِلنَّاسِ بِالْحَجِّ مِنْ عَرَفَةَ، ثُمَّ بَنَوْهُ مِنْ بَعْدِهِ، حَتَّى كَانَ آخِرَهُمْ الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، كَرِبُ بْنُ صَفْوَانَ، وَقَالَ أَوْسُ بْنُ تَمِيمِ بْنِ مَغْرَاءَ السَّعْدِيُّ: : لَا يَبْرَحُ النَّاسُ مَا حَجُّوا مُعَرَّفَهُمْ حَتَّى يُقَالَ أَجِيزُوا آلَ صَفْوَانَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِأَوْسِ بْنِ مَغْرَاءَ.
التاريخ 544لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ ذِي الْإِصْبَعِ فِي إفَاضَتِهِمْ بِالنَّاسِ ] وَأَمَّا قَوْلُ ذِي الْإِصْبَعِ الْعَدْوَانِيِّ، وَاسْمُهُ حُرْثَانُ ( مِنْ عَدْوَانَ ) بْنِ عَمْرٍو؛ وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْإِصْبَعِ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ إصْبَعٌ فَقَطَعَهَا: : عَذِيرَ الْحَيِّ مِنْ عَدْوَانَ كَانُوا حَيَّةَ الْأَرْضِ بَغَى بَعْضُهُمْ ظُلْمًا فَلَمْ يُرْعِ عَلَى بَعْضِ وَمِنْهُمْ كَانَتْ السَّادَا تُ وَالْمُوفُونَ بِالْقَرْضِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيزُ النَّا سَ بِالسُّنَّةِ وَالْفَرْضِ وَمِنْهُمْ حَكَمٌ يَقْضِي فَلَا يُنْقَضُ مَا يَقْضِي
التاريخ 545لا حكم مسجّل
كَانَتِ الْإِجَازَةُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي عَدْوَانَ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ عَلَى آخِرِهِمْ وَهُوَ أَبُو سَيَّارَةَ عُمَيْلَةُ بْنُ الْأَعْزَلِ، وَقِيلَ اسْمُهُ الْعَاصُ بْنُ خَالِدٍ وَكَانَ يُجِيزُ بِالنَّاسِ عَلَى أَتَانٍ لَهُ عَوْرَاءَ مَكَثَ يَدْفَعُ عَلَيْهَا فِي الْمَوْقِفِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَعَلَ الدِّيَةَ مِائَةً، وَأَوَّلُ مَنْ كَانَ يَقُولُ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ كَيْمَا نُغِيرُ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ
التاريخ 546لا حكم مسجّل
أَمْرُ عَامِرِ بْنِ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ [ قَضَاؤُهُ فِي خُنْثَى وَمَشْوَرَةُ جَارِيَتِهِ سُخَيْلَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَوْلُهُ حَكَمٌ يَقْضِي، يَعْنِي عَامِرَ بْنَ ظَرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِيَاذِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ عَدْوَانَ الْعَدْوَانِيَّ. وَكَانَتْ الْعَرَبُ لَا يَكُونُ بَيْنَهَا نَائِرَةٌ وَلَا عُضْلَةٌ فِي قَضَاءٍ إلَّا أَسْنَدُوا ذَلِكَ إلَيْهِ ثُمَّ رَضُوا بِمَا قَضَى فِيهِ. فَاخْتُصِمَ إلَيْهِ فِي بَعْضِ مَا كَانُوا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فِي رَجُلٍ خُنْثَى، لَهُ مَا لِلرَّجُلِ وَلَهُ مَا لِلْمَرْأَةِ، فَقَالُوا: أَتَجْعَلُهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ؟ وَلَمْ يَأْتُوهُ بِأَمْرِ كَانَ أَعْضَلَ مِنْهُ. فَقَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِكُمْ، فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَ بِي مِثْلُ هَذِهِ مِنْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ فَاسْتَأْخَرُوا عَنْهُ. فَبَاتَ لَيْلَتَهُ سَاهِرًا، يُقَلِّبُ أَمْرَهُ، وَيَنْظُرُ فِي شَأْنِهِ، لَا يَتَوَجَّهُ لَهُ مِنْهُ وَجْهٌ. وَكَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ يُقَالُ لَهَا سُخَيْلَةُ تَرْعَى عَلَيْهِ غَنَمَهُ، وَكَانَ يُعَاتِبُهَا إذَا سَرَحَتْ فَيَقُولُ: صَبَّحْتِ وَاَللَّهِ يَا سُخَيْلُ وَإِذَا أَرَاحَتْ عَلَيْهِ قَالَ: مَسَّيْتِ وَاَللَّهِ يَا سُخَيْلُ وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَخِّرُ السَّرْحَ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْضُ النَّاسِ، وَتُؤَخِّرُ الْإِرَاحَةَ حَتَّى يَسْبِقَهَا بَعْضٌ. فَلَمَّا رَأَتْ سَهَرَهُ وَقِلَّةَ قَرَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ قَالَتْ: مَا لَكَ لَا أَبَا لَكَ مَا عَرَاكَ فِي لَيْلَتِكَ هَذِهِ ؟ قَالَ: وَيْلَكَ دَعِينِي، أَمْرٌ لَيْسَ مِنْ شَأْنِكَ، ثُمَّ عَادَتْ لَهُ بِمِثْلِ قَوْلِهَا. فَقَالَ فِي نَفْسِهِ: عَسَى أَنْ تَأْتِيَ مِمَّا أَنَا فِيهِ بِفَرَجٍ؛ فَقَالَ: وَيْحَكَ اُخْتُصِمَ إلَيَّ فِي مِيرَاثِ خُنْثَى، أَأَجْعَلُهُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً ؟ فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ، وَمَا يَتَوَجَّهُ لِي فِيهِ وَجْهٌ. قَالَ: فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَا أَبَا لَكَ أَتْبِعْ الْقَضَاءَ الْمَبَالَ، أَقْعِدْهُ، فَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ يَبُولُ الرَّجُلُ فَهُوَ رَجُلٌ، وَإِنْ بَالَ مِنْ حَيْثُ تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَهِيَ امْرَأَةٌ. قَالَ: مَسِّي سُخَيْلُ بَعْدَهَا أَوْ صَبِّحِي، فَرَّجْتِهَا وَاَللَّهِ. ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ حِينَ أَصْبَحَ، فَقَضَى بِاَلَّذِي أَشَارَتْ عَلَيْهِ بِهِ.
التاريخ 547لا حكم مسجّل
[ قُصَيٌّ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ وَسَبَبُ تَسْمِيَتِهِ مُجَمِّعًا ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ قُصَيٌّ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، وَجَمَعَ قَوْمَهُ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إلَى مَكَّةَ، وَتَمَلَّكَ عَلَى قَوْمِهِ وَأَهْلِ مَكَّةَ فَمَلَّكُوهُ. إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ لِلْعَرَبِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ دِينًا فِي نَفْسِهِ لَا يَنْبَغِي تَغْيِيرُهُ. فَأَقَرَّ آلَ صَفْوَانَ وَعَدْوَانَ وَالنِّسْأَةَ وَمُرَّةَ بْنَ عَوْفٍ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ فَهَدَمَ اللَّهُ بِهِ ذَلِكَ كُلَّهُ. فَكَانَ قُصَيٌّ أَوَّلَ بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَصَابَ مُلْكًا أَطَاعَ لَهُ بِهِ قَوْمُهُ، فَكَانَتْ إلَيْهِ الْحِجَابَةُ، وَالسِّقَايَةُ، وَالرِّفَادَةُ، وَالنَّدْوَةُ، وَاللِّوَاءُ، فَحَازَ شَرَفَ مَكَّةَ كُلَّهُ. وَقَطَعَ مَكَّةَ رِبَاعًا بَيْنَ قَوْمِهِ، فَأَنْزَلَ كُلَّ قَوْمٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَنَازِلَهُمْ مِنْ مَكَّةَ الَّتِي أَصْبَحُوا عَلَيْهَا، وَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ قُرَيْشًا هَابُوا قَطْعَ شَجَرِ الْحَرَمِ فِي مَنَازِلِهِمْ فَقَطَعَهَا قُصَيٌّ بِيَدِهِ وَأَعْوَانِهِ، فَسَمَّتْهُ قُرَيْشٌ مُجَمِّعًا لِمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِهَا، وَتَيَمَّنَتْ بِأَمْرِهِ، فَمَا تُنْكَحُ امْرَأَةٌ، وَلَا يَتَزَوَّجُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَمَا يَتَشَاوَرُونَ فِي أَمْرٍ نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا يَعْقِدُونَ لِوَاءً لِحَرْبِ قَوْمٍ مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا فِي دَارِهِ، يَعْقِدُهُ لَهُمْ بَعْضُ وَلَدِهِ، وَمَا تَدَّرِعُ جَارِيَةٌ إذَا بَلَغَتْ أَنْ تَدَّرِعَ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا فِي دَارِهِ، يَشُقُّ عَلَيْهَا فِيهَا دِرْعَهَا ثُمَّ تَدَّرِعُهُ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ بِهَا إلَى أَهْلِهَا. فَكَانَ أَمْرُهُ فِي قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي حَيَاتِهِ، وَمِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ، كَالدِّينِ الْمُتَّبِعِ لَا يُعْمَلُ بِغَيْرِهِ. وَاِتَّخَذَ لِنَفْسِهِ دَارَ النَّدْوَةِ وَجَعَلَ بَابَهَا إلَى مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ، فَفِيهَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَقْضِي أُمُورَهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ: : قُصَيٌّ لَعَمْرِي كَانَ يُدَعَّى مُجَمِّعًا بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ مِنْ فِهْرِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ رَاشِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ خَبَّابٍ صَاحِبَ الْمَقْصُورَةِ يُحَدِّثُ، أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُحَدِّثُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ، حَدِيثَ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَمَا جَمَعَ مِنْ أَمْرِ قَوْمِهِ، وَإِخْرَاجِهِ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ مِنْ مَكَّةَ، وَوِلَايَتِهِ الْبَيْتَ وَأَمْرَ مَكَّةَ، فَلَمْ يَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ.
التاريخ 548لا حكم مسجّل
[ هَزِيمَةُ صُوفَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ فَعَلَتْ صُوفَةُ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ، وَقَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهَا الْعَرَبُ، وَهُوَ دِينٌ فِي أَنْفُسِهِمْ فِي عَهْدِ جُرْهُمٍ وَخُزَاعَةَ وَوِلَايَتِهِمْ فَأَتَاهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، فَقَالَ: لَنَحْنُ أَوْلَى بِهَذَا مِنْكُمْ، فَقَاتِلُوهُ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَتْ صُوفَةُ، وَغَلَبَهُمْ قُصَيٌّ عَلَى مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ.
التاريخ 549لا حكم مسجّل
[ مُحَارَبَةُ قُصَيٍّ لِخُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ وَتَحْكِيمُ يَعْمُرَ بْنِ عَوْفٍ ] وَانْحَازَتْ عِنْدَ ذَلِكَ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ عَنْ قُصَيٍّ، وَعَرَفُوا أَنَّهُ سَيَمْنَعُهُمْ كَمَا مَنَعَ صُوفَةَ، وَأَنَّهُ سَيَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ. فَلَمَّا انْحَازُوا عَنْهُ بَادَاهُمْ وَأَجْمَعَ لِحَرْبِهِمْ وَثَبَتَ مَعَهُ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ قُضَاعَةَ. وَخَرَجَتْ لَهُ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ فَالْتَقَوْا، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا بِالْأَبْطَحِ، حَتَّى كَثُرَتْ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ إنَّهُمْ تَدَاعَوْا إلَى الصُّلْحِ وَإِلَى أَنْ يُحَكِّمُوا بَيْنَهُمْ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ، فَحَكَّمُوا يَعْمُرَ بْنَ عَوْفِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِأَنَّ قُصَيًّا أَوْلَى بِالْكَعْبَةِ وَأَمْرِ مَكَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأَنَّ كُلَّ دَمٍ أَصَابَهُ قُصَيٌّ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَنِيَّ بَكْرٍ، مَوْضُوعٌ يَشْدَخُهُ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَأَنَّ مَا أَصَابَتْ خُزَاعَةُ وَبَنُو بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكِنَانَةَ وَقُضَاعَةَ فَفِيهِ الدِّيَةُ مُؤَدَّاةٌ، وَأَنْ يُخَلَّى بَيْنَ قُصَيٍّ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ وَمَكَّةَ. [ سَبَبُ تَسْمِيَةِ يَعْمُرَ بِالشَّدَّاخِ ] فَسُمِّيَ يَعْمُرُ بْنُ عَوْفٍ يَوْمَئِذٍ: الشَّدَّاخَ، لِمَا شَدَخَ مِنْ الدِّمَاءِ وَوَضَعَ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الشُّدَاخُ.
التاريخ 550لا حكم مسجّل
ذِكْرُ يَوْمِ الْبَرَدَانِ فَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ زِيَادَ بْنَ الْهَبُولَةِ مَلَكَ الشَّامَ،، وَكَانَ مِنْ سَلِيحِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. فَأَغَارَ عَلَى حُجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ، مَلِكِ عَرَبٍ بِنَجْدٍ وَنَوَاحِي الْعِرَاقِ وَهُوَ يُلَقَّبُ آكِلَ الْمُرَارِ، وَكَانَ حُجْرٌ قَدْ أَغَارَ فِي كِنْدَةَ وَرَبِيعَةَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، فَبَلَغَ زِيَادًا خَبَرُهُمْ فَسَارَ إِلَى أَهْلِ حُجْرٍ وَرَبِيعَةَ وَأَمْوَالِهِمْ، وَهُمْ خُلُوفٌ وَرِجَالُهُمْ فِي غَزَاتِهِمُ الْمَذْكُورَةِ، فَأَخَذَ الْحَرِيمَ وَالْأَمْوَالَ، وَسَبَى فِيهِمْ هِنْدًا بِنْتَ ظَالِمِ بْنِ وَهْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَسَمِعَ حُجْرٌ وَكِنْدَةُ وَرَبِيعَةُ بِغَارَةِ زِيَادٍ، فَعَادُوا عَنْ غَزْوِهِمْ فِي طَلَبِ ابْنِ الْهَبُولَةِ، وَمَعَ حُجْرٍ أَشْرَافُ رَبِيعَةَ عَوْفُ بْنُ مُحَلَّمِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ. وَعَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَغَيْرُهُمَا، فَأَدْرَكُوا عَمْرًا بِالْبَرَدَانِ دُونَ عَيْنِ أُبَاغٍ وَقَدْ أَمِنَ الطَّلَبَ، فَنَزَلَ حُجْرٌ فِي سَفْحِ جَبَلٍ، وَنَزَلَتْ بَكْرٌ وَتَغْلِبُ وَكِنْدَةُ مَعَ حُجْرٍ دُونَ الْجَبَلِ بِالصَّحْصَحَانِ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ حَفِيرٌ. فَتَعَجَّلَ عَوْفُ بْنُ مُحَلَّمٍ وَعَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَقَالَا لِحُجْرٍ: إِنَّا مُتَعَجِّلَانِ إِلَى زِيَادٍ لَعَلَّنَا نَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَ مَا أَصَابَ مِنَّا. فَسَارَا إِلَيْهِ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَوْفٍ إِخَاءٌ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ: يَا خَيْرَ الْفِتْيَانِ ارْدُدْ عَلَيَّ امْرَأَتِي أُمَامَةُ. فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَوَلَدَتْ لَهُ بِنْتًا أَرَادَ عَوْفٌ أَنْ يَئِدَهَا فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَقَالَ: لَعَلَّهَا تَلِدُ أُنَاسًا، فَسُمِّيَتْ أُمَّ أُنَاسٍ، فَتَزَوَّجَهَا الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ آكِلُ الْمُرَارِ، فَوَلَدَتْ عَمْرًا، وَيُعْرَفُ بِابْنِ أُمِّ أُنَاسٍ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ لِزِيَادٍ: يَا خَيْرَ الْفِتْيَانِ ارْدُدْ عَلَيَّ مَا أَخَذْتَ مِنْ إِبِلِي. فَرَدَّهَا عَلَيْهِ وَفِيهَا فَحْلُهَا، فَنَازَعَهُ الْفَحْلُ إِلَى الْإِبِلِ، فَصَرَعَهُ عَمْرٌو فَقَالَ لَهُ زِيَادٌ: يَا عَمْرُو لَوْ صَرَعْتُمْ يَا بَنِي شَيْبَانَ الرِّجَالَ كَمَا تَصْرَعُونَ الْإِبِلَ لَكُنْتُمْ أَنْتُمْ أَنْتُمْ ! فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: لَقَدْ أُعْطِيتَ قَلِيلًا، وَسَمَّيْتَ جَلِيلًا، وَجَرَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ وَيْلًا طَوِيلًا ! وَلَتَجِدَنَّ مِنْهُ، وَلَا وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى أَرْوِيَ سِنَانِي مِنْ دَمِكَ ! ثُمَّ رَكَضَ فَرَسُهُ حَتَّى صَارَ إِلَى حُجْرٍ، فَلَمْ يُوَضِّحْ لَهُ الْخَبَرَ، فَأَرْسَلَ سَدُوسَ بْنَ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلٍ وَصُلَيْعَ بْنَ عَبْدِ غَنْمٍ يَتَجَسَّسَانِ لَهُ الْخَبَرَ وَيَعْلَمَانِ عِلْمَ الْعَسْكَرِ، فَخَرَجَا حَتَّى هَجَمَا عَلَى عَسْكَرِهِ لَيْلًا وَقَدْ قَسَّمَ الْغَنِيمَةَ وَجِيءَ بِالشَّمْعِ فَأَطْعَمَ النَّاسَ تَمْرًا وَسَمْنًا، فَلَمَّا أَكَلَ النَّاسُ نَادَى: مَنْ جَاءَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ فَلَهُ قِدْرَةُ تَمْرٍ. فَجَاءَ سَدُوسٌ وَصُلَيْعٌ بِحَطَبٍ وَأَخَذَا قِدْرَتَيْنِ مِنْ تَمْرٍ وَجَلَسَا قَرِيبًا مِنْ قُبَّتِهِ. ثُمَّ انْصَرَفَ صُلَيْعٌ إِلَى حُجْرٍ فَأَخْبَرَهُ بِعَسْكَرِ زِيَادٍ وَأَرَاهُ التَّمْرَ. وَأَمَّا سَدُوسٌ فَقَالَ: لَا أَبْرَحُ حَتَّى آتِيَهُ بِأَمْرٍ جَلِيٍّ. وَجَلَسَ مَعَ الْقَوْمِ يَتَسَمَّعُ مَا يَقُولُونَ، وَهِنْدٌ امْرَأَةُ حُجْرٍ خَلْفَ زِيَادٍ، فَقَالَتْ لِزِيَادٍ: إِنَّ هَذَا التَّمْرَ أُهْدِيَ إِلَى حُجْرٍ مِنْ هَجَرَ، وَالسَّمْنَ مِنْ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ. ثُمَّ تَفَرَّقَ أَصْحَابُ زِيَادٍ عَنْهُ، فَضَرَبَ سَدُوسٌ يَدَهُ إِلَى جَلِيسٍ لَهُ وَقَالَ لَهُ: مَنْ أَنْتَ ؟ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَنْكِرَهُ الرَّجُلُ. فَقَالَ: أَنَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ. وَدَنَا سَدُوسٌ مِنْ قُبَّةِ زِيَادٍ بِحَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ، وَدَنَا زِيَادٌ مِنَ امْرَأَةِ حُجْرٍ فَقَبَّلَهَا وَدَاعَبَهَا وَقَالَ لَهَا: مَا ظَنُّكِ الْآنَ بِحُجْرٍ ؟ فَقَالَتْ: مَا هُوَ ظَنٌّ وَلَكِنَّهُ يَقِينٌ، إِنَّهُ وَاللَّهِ لَنْ يَدَعَ طَلَبَكَ حَتَّى تُعَايِنَ الْقُصُورَ الْحُمْرَ، يَعْنِي قُصُورَ الشَّامِ، وَكَأَنِّي بِهِ فِي فَوَارِسَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ يُذَمِّرُهُمْ وَيُذَمِّرُونَهُ، وَهُوَ شَدِيدُ الْكَلَبِ تُزْبِدُ شَفَتَاهُ كَأَنَّهُ بَعِيرٌ أَكَلَ مُرَارًا، فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ ! فَإِنَّ وَرَاءَكَ طَالِبًا حَثِيثًا، وَجَمْعًا كَثِيفًا، وَكَيْدًا مَتِينًا، وَرَأْيًا صَلِيبًا فَرَفَعَ يَدَهُ فَلَطَمَهَا ثُمَّ قَالَ لَهَا: مَا قُلْتِ هَذَا إِلَّا مِنْ عُجْبِكِ بِهِ وَحُبِّكِ لَهُ ! فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ أَحَدًا بُغْضِي لَهُ وَلَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَحْزَمَ مِنْهُ نَائِمًا وَمُسْتَيْقِظًا، إِنْ كَانَ لَتَنَامُ عَيْنَاهُ فَبَعْضُ أَعْضَائِهِ مُسْتَيْقِظٌ ! وَكَانَ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ أَمَرَنِي أَنْ أَجْعَلَ عِنْدَهُ عُسًّا مِنْ لَبَنٍ، فَبَيْنَا هُوَ ذَاتَ لَيْلَةِ نَائِمٌ وَأَنَا قَرِيبٌ مِنْهُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ، إِذْ أَقْبَلَ أَسْوَدُ سَالِخٍ إِلَى رَأْسِهِ فَنَحَّى رَأْسَهُ، فَمَالَ إِلَى يَدِهِ فَقَبَضَهَا، فَمَالَ إِلَى رِجْلِهِ فَقَبَضَهَا، فَمَالَ إِلَى الْعُسِّ فَشَرِبَهُ ثُمَّ مَجَّهُ. فَقُلْتُ: يَسْتَيْقِظُ فَيَشْرَبُهُ فَيَمُوتُ فَأَسْتَرِيحُ مِنْهُ فَانْتَبَهَ مِنْ نَوْمِهِ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْإِنَاءِ، فَنَاوَلْتُهُ فَشَمَّهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ فَهُرِيقَ. فَقَالَ: أَيْنَ ذَهَبَ الْأَسْوَدُ ؟ فَقُلْتُ: مَا رَأَيْتُهُ. فَقَالَ: كَذَبْتِ وَاللَّهِ ! وَذَلِكَ كُلُّهُ يَسْمَعُهُ سَدُوسٌ، فَسَارَ حَتَّى أَتَى حُجْرًا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَتَاكَ الْمُرْجِفُونَ بِأَمْرِ غَيْبٍ عَلَى دَهْشٍ وَجِئْتُكَ بِالْيَقِينِ فَمَنْ يَكُ قَدْ أَتَاكَ بِأَمْرِ لَبْسٍ فَقَدْ آتِي بِأَمْرٍ مُسْتَبِينِ ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِ مَا سَمِعَ، فَجَعَلَ حُجْرٌ يَعْبَثُ بِالْمُرَارِ وَيَأْكُلُ مِنْهُ غَضَبًا وَأَسَفًا، وَلَا يَشْعُرُ أَنَّهُ يَأْكُلُهُ مِنْ شِدَّةِ الْغَضَبِ، فَلَمَّا فَرَغَ سَدُوسٌ مِنْ حَدِيثِهِ وَجَدَ حُجْرٌ الْمُرَارَ فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ آكِلَ الْمُرَارِ، وَالْمُرَارُ نَبْتٌ شَدِيدُ الْمَرَارَةِ لَا تَأْكُلُهُ دَابَّةٌ إِلَّا قَتَلَهَا. ثُمَّ أَمَرَ حُجْرٌ فَنُودِيَ فِي النَّاسِ، وَرَكِبَ وَسَارَ إِلَى زِيَادٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَ زِيَادٌ وَأَهْلُ الشَّامِ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَاسْتَنْقَذَتْ بَكْرٌ وَكِنْدَةُ مَا كَانَ بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْغَنَائِمِ وَالسَّبْيِ، وَعَرَفَ سَدُوسٌ زِيَادًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ وَصَرَعَهُ وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، فَلَمَّا رَآهُ عَمْرُو بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ حَسَدَهُ فَطَعَنَ زِيَادًا فَقَتَلَهُ. فَغَضِبَ سَدُوسٌ وَقَالَ: قَتَلْتَ أَسِيرِي وَدِيَتُهُ دِيَةُ مَلِكٍ، فَتَحَاكَمَا إِلَى حُجْرٍ، فَحَكَمَ عَلَى عَمْرٍو وَقَوْمِهِ لِسَدُوسٍ بِدِيَةِ مَلِكٍ وَأَعَانَهُمْ مِنْ مَالِهِ. وَأَخَذَ حُجْرٌ زَوْجَتَهُ هِنْدًا فَرَبَطَهَا فِي فَرَسَيْنِ ثُمَّ رَكَضَهَا حَتَّى قَطَّعَاهَا، وَيُقَالُ: بَلْ أَحْرَقَهَا، وَقَالَ فِيهَا: إِنَّ مَنْ غَرَّهُ النِّسَاءُ بِشَيْءٍ بَعْدَ هِنْدٍ لَجَاهِلٌ مَغْرُورُ حُلْوَةُ الْعَيْنِ وَالْحَدِيثِ وَمُرُّ كُلِّ شَيْءٍ أَجَنَّ مِنْهَا الضَّمِيرُ كُلُّ أُنْثَى وَإِنْ بَدَا لَكَ مِنْهَا آيَةُ الْحُبِّ حُبُّهَا خَيْتَعُورُ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْحِيرَةِ. قُلْتُ: هَكَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ زِيَادَ بْنَ هَبُولَةَ السَّلِيحِيَّ مَلِكَ الشَّامِ غَزَا حُجْرًا، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ لِأَنَّ مُلُوكَ سَلِيحٍ كَانُوا بِأَطْرَافِ الشَّامِ مِمَّا يَلِي الْبَرَّ مِنْ فَلَسْطِينَ إِلَى قَنْسَرِينَ وَالْبِلَادُ لِلرُّومِ، وَمِنْهُمْ أَخَذَتْ غَسَّانُ هَذِهِ الْبِلَادَ، وَكُلُّهُمْ كَانُوا عُمَّالًا لِمُلُوكِ الرُّومِ كَمَا كَانَ مُلُوكُ الْحِيرَةِ عُمَّالًا لِمُلُوكِ الْفُرْسِ عَلَى الْبَرِّ وَالْعَرَبِ، وَلَمْ يَكُنْ سَلِيحُ وَلَا غَسَّانُ مُسْتَقِلِّينَ بِمُلْكِ الشَّامِ وَلَا بِشِبْرٍ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ التَّفَرُّدِ وَالِاسْتِقْلَالِ. وَقَوْلُهُمْ: مَلِكُ الشَّامِ، غَيْرُ صَحِيحٍ، وَزِيَادُ بْنُ هَبُولَةَ السَّلِيحِيُّ مَلِكُ مَشَارِفِ الشَّامِ أَقْدَمُ مِنْ حُجْرٍ الَّذِي مَلَكَ الْحِيرَةَ وَالْعَرَبَ بِالْعِرَاقِ أَيَّامَ قُبَاذَ أَبِي أَنُوشِرْوَانَ. وَبَيْنَ مُلْكِ قُبَاذَ وَالْهِجْرَةِ نَحْوَ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقَدْ مَلَكَتْ غَسَّانُ أَطْرَافَ الشَّامِ بَعْدَ سَلِيحٍ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وَقِيلَ: خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ، وَأَقَلُّ مَا سَمِعْتُ فِيهِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانُوا بَعْدَ سَلِيحٍ وَلَمْ يَكُنْ زِيَادٌ آخِرَ مُلُوكِ سَلِيحٍ، فَتَزِيدُ الْمُدَّةُ زِيَادَةً أُخْرَى، وَهَذَا تَفَاوُتٌ كَثِيرٌ فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ هَبُولَةَ الْمَلِكَ أَيَّامَ حُجْرٍ حَتَّى يُغِيرَ عَلَيْهِ ؟ ! وَحَيْثُ أَطْبَقَتْ رُوَاةُ الْعَرَبِ عَلَى هَذِهِ الْغَزَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْجِيهِهَا، وَأَصْلَحُ مَا قِيلَ فِيهِ: إِنَّ زِيَادَ بْنَ هَبُولَةَ الْمُعَاصِرَ لِحُجْرٍ كَانَ رَئِيسًا عَلَى قَوْمٍ أَوْ مُتَغَلِّبًا عَلَى بَعْضِ أَطْرَافِ الشَّامِ حَتَّى يَسْتَقِيمَ هَذَا الْقَوْلُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُمْ أَيْضًا: إِنَّ حُجْرًا عَادَ إِلَى الْحِيرَةِ، لَا يَسْتَقِيمُ أَيْضًا لِأَنَّ مُلُوكَ الْحِيرَةِ مِنْ وَلَدِ عَدِيِّ بْنِ نَصْرٍ اللَّخْمِيِّ لَمْ يَنْقَطِعْ مُلْكُهُمْ لَهَا إِلَّا أَيَّامَ قُبَاذَ، فَإِنَّهُ اسْتَعْمَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ آكِلَ الْمُرَارِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ. فَلَمَّا وَلِيَ أَنُوشِرْوَانُ عَزَلَ الْحَارِثَ وَأَعَادَ اللَّخْمِيِّينَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْكِنْدِيِّينَ قَدْ ذَكَرَ هَذَا تَعَصُّبًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ ذَكَرَ هَذَا الْيَوْمَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّ ابْنَ هَبُولَةَ مِنْ سَلِيحٍ بَلْ قَالَ: هُوَ غَالِبُ بْنُ هَبُولَةَ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ عَوْدَهُ إِلَى الْحِيرَةِ، فَزَالَ هَذَا الْوَهْمُ. وَسَلِيحٌ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ اللَّامِ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ.
التاريخ 551لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَقْتَلِ حُجْرٍ أَبِي امْرِئِ الْقَيْسِ وَالْحُرُوبِ الْحَادِثَةِ بِمَقْتَلِهِ إِلَى أَنْ مَاتَ امْرُؤُ الْقَيْسِ نَذْكُرُ أَوَّلًا سَبَبَ مُلْكِهِمُ الْعَرَبَ بِنَجْدٍ وَنَسُوقُ الْحَادِثَةَ إِلَى قَتْلِهِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ فَنَقُولُ: كَانَ سُفَهَاءُ بَكْرٍ قَدْ غَلَبُوا عَلَى عُقَلَائِهَا وَغَلَبُوهُمْ عَلَى الْأَمْرِ وَأَكَلَ الْقَوِيُّ الضَّعِيفَ، فَنَظَرَ الْعُقَلَاءُ فِي أَمْرِهِمْ فَرَأَوْا أَنْ يُمَلِّكُوا عَلَيْهِمْ مَلِكًا يَأْخُذُ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ. فَنَهَاهُمُ الْعَرَبُ وَعَرَفُوا أَنَّ هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ بِأَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ يُطِيعُهُ قَوْمٌ وَيُخَالِفُهُ آخَرُونَ، فَسَارُوا إِلَى بَعْضِ تَبَابِعَةِ الْيَمَنِ، وَكَانُوا لِلْعَرَبِ بِمَنْزِلَةِ الْخُلَفَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَطَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُمَلِّكَ عَلَيْهِمْ مَلِكًا، فَمَلَّكَ عَلَيْهِمْ حُجْرَ بْنَ عَمْرٍو آكِلَ الْمُرَارِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ وَنَزَلَ بِبَطْنِ عَاقِلٍ وَأَغَارَ بِبَكْرٍ فَانْتَزَعَ عَامَّةَ مَا كَانَ بِأَيْدِي اللَّخْمِيِّينَ مِنْ أَرْضِ بَكْرٍ وَبَقِيَ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ فَدُفِنَ بِبَطْنِ عَاقِلٍ. فَلَمَّا مَاتَ صَارَ عَمْرُو بْنُ حُجْرٍ آكِلُ الْمُرَارِ، وَهُوَ الْمَقْصُورُ، مَلِكًا بَعْدَ أَبِيهِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ الْمَقْصُورُ لِأَنَّهُ قَصَرَ عَلَى مُلْكِ أَبِيهِ، وَكَانَ أَخُوهُ مُعَاوِيَةُ، وَهُوَ الْجَوْنُ، عَلَى الْيَمَامَةِ. فَلَمَّا مَاتَ عَمْرٌو مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَكَانَ شَدِيدَ الْمُلْكِ بَعِيدَ الصَّوْتِ، فَلَمَّا مَلَكَ قُبَاذُ بْنُ فَيْرُوزَ الْفُرْسَ خَرَجَ فِي أَيَّامِهِ مَزْدَكُ فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الزَّنْدَقَةِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَجَابَهُ قُبَاذُ إِلَى ذَلِكَ، وَكَانَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ عَامِلًا لِلْأَكَاسِرَةِ عَلَى الْحِيرَةِ وَنَوَاحِيهَا، فَدَعَاهُ قُبَاذُ إِلَى الدُّخُولِ مَعَهُ، فَامْتَنَعَ، فَدَعَا الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو إِلَى ذَلِكَ فَأَجَابَهُ، فَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْحِيرَةِ وَطَرَدَ الْمُنْذِرَ عَنْ مَمْلَكَتِهِ. وَقِيلَ فِي تَمَلُّكِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَيَّامَ قُبَاذَ. فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَلَكَ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانُ بْنُ قُبَاذَ بَعْدَ أَبِيهِ فَقَتَلَ مَزْدَكَ وَأَصْحَابَهُ وَأَعَادَ الْمُنْذِرَ بْنَ مَاءِ السَّمَاءِ إِلَى وِلَايَةِ الْحِيرَةِ وَطَلَبَ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانَ بِالْأَنْبَارِ، وَبِهَا مَنْزِلُهُ، فَهَرَبَ بِأَوْلَادِهِ وَمَالِهِ وَهَجَائِنِهِ، وَتَبِعَهُ الْمُنْذِرُ بِالْخَيْلِ مِنْ تَغْلِبَ وَإِيَادٍ وَبَهْرَاءَ فَلَحِقَ بِأَرْضِ كَلْبٍ فَنَجَا، وَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَهَجَائِنَهُ، وَأَخَذَتْ تَغْلِبُ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ نَفْسًا مِنْ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ، فِيهِمْ عَمْرٌو وَمَالِكٌ ابْنَا الْحَارِثِ، فَقَدِمُوا بِهِمْ عَلَى الْمُنْذِرِ، فَقَتَلَهُمْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا، وَفِيهِمْ يَقُولُ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: فَآبُوا بِالنِّهَابِ وَبِالسَّبَايَا وَأُبْنَا بِالْمُلُوكِ مُصَفَّدِينَا وَفِيهِمْ يَقُولُ امْرُؤُ الْقَيْسَ: مُلُوكٌ مِنْ بَنِي حُجْرِ بْنِ عَمْرٍو يُسَاقُونَ الْعَشِيَّةَ يُقْتَلُونَا فَلَوْ فِي يَوْمِ مَعْرَكَةٍ أُصِيبُوا وَلَكِنْ فِي دِيَارِ بَنِي مَرِينَا وَلَمْ تُغْسَلْ جَمَاجِمُهُمْ بِغُسْلٍ وَلَكِنْ فِي الدِّمَاءِ مُرَمَّلِينَا تَظَلُّ الطَّيْرُ عَاكِفَةً عَلَيْهِمْ وَتَنْتَزِعُ الْحَوَاجِبَ وَالْعَيُونَا وَأَقَامَ الْحَارِثُ بِدِيَارِ كَلْبٍ، فَتَزْعُمُ كَلْبٌ أَنَّهُمْ قَتَلُوهُ، وَعُلَمَاءُ كِنْدَةَ تَزْعُمُ أَنَّهُ خَرَجَ يَتَصَيَّدُ، فَتَبِعَ تَيْسًا مِنَ الظِّبَاءِ فَأَعْجَزَهُ، فَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا إِلَّا مِنْ كَبِدِهِ، فَطَلَبَتْهُ الْخَيْلُ، فَأُتِيَ بِهِ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ، وَقَدْ كَادَ يَهْلِكُ جُوعًا، فَشُوِيَ لَهُ بَطْنُهُ فَأَكَلَ فِلْذَةً مِنْ كَبِدِهِ حَارَةً فَمَاتَ. وَلَمَّا كَانَ الْحَارِثُ بِالْحِيرَةِ أَتَاهُ أَشْرَافُ عِدَّةِ قَبَائِلَ مِنْ نِزَارٍ فَقَالُوا: إِنَّا فِي طَاعَتِكَ وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَنَا مِنَ الشَّرِّ بِالْقَتْلِ مَا تَعْلَمُ وَنَخَافُ الْفَنَاءَ فَوَجِّهْ مَعَنَا بَنِيكَ يَنْزِلُونَ فِينَا فَيَكُفُّونَ بَعْضَنَا عَنْ بَعْضٍ. فَفَرَّقَ أَوْلَادَهُ فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَمَلَّكَ ابْنَهُ حُجْرًا عَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَغَطَفَانَ، وَمَلَّكَ ابْنَهُ شُرَحْبِيلَ، وَهُوَ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ الْكُلَابِ، عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِأَسْرِهَا وَعَلَى غَيْرِهَا، وَمَلَّكَ ابْنَهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ غَلْفَاءُ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ غَلْفَاءُ لِأَنَّهُ كَانَ يُغَلِّفُ رَأْسَهُ بِالطِّيبِ، عَلَى قَيْسِ عَيْلَانَ وَطَوَائِفَ غَيْرِهِمْ، وَمَلَّكَ ابْنَهُ سَلَمَةَ عَلَى تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَبَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ مِنْ تَمِيمٍ. فَبَقِيَ حُجْرٌ فِي بَنِي أَسَدٍ وَلَهُ عَلَيْهِمْ جَائِزَةٌ وَإِتَاوَةٌ كُلَّ سَنَةٍ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، فَبَقِيَ كَذَلِكَ دَهْرًا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَجْبِي ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَكَانُوا بِتِهَامَةَ، وَطَرَدُوا رُسُلَهُ وَضَرَبُوهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ حُجْرًا، فَسَارَ إِلَيْهِمْ بِجُنْدٍ مِنْ رَبِيعَةَ، وَجُنْدٍ مِنْ جُنْدِ أَخِيهِ مِنْ قَيْسٍ وَكِنَانَةَ، فَأَتَاهُمْ فَأَخَذَ سَرَوَاتِهِمْ وَخِيَارَهُمْ، وَجَعَلَ يَقْتُلُهُمْ بِالْعَصَا وَأَبَاحَ الْأَمْوَالَ، وَسَيَّرَهُمْ إِلَى تِهَامَةَ، وَحَبَسَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ عُبَيْدُ بْنُ الْأَبْرَصِ الشَّاعِرُ، فَقَالَ شِعْرًا يَسْتَعْطِفُهُ لَهُمْ، فَرَقَّ لَهُمْ وَأَرْسَلَ مَنْ يَرُدُّهُمْ، فَلَمَّا صَارُوا عَلَى يَوْمٍ مِنْهُ تَكَهَّنَ كَاهِنُهُمْ، وَهُوَ عَوْفُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ، فَقَالَ لَهُمْ: مَنِ الْمَلِكُ الصَّلْهَبْ، الْغَلَّابُ غَيْرُ الْمُغَلَّبْ، فِي الْإِبِلِ كَأَنَّهَا الرَّبْرَبْ، هَذَا دَمُهُ يَتَثَعَّبْ، وَهُوَ غَدًا أَوَّلُ مَنْ يُسْتَلَبْ ؟ قَالُوا: وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ: لَوْلَا تَجِيشُ نَفْسٌ خَاشِيَهْ، لَأَخْبَرْتُكُمْ أَنَّهُ حُجْرُ ضَاحِيَهْ، فَرَكِبُوا كُلَّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ حَتَّى بَلَغُوا إِلَى عَسْكَرِ حُجْرٍ فَهَجَمُوا عَلَيْهِ فِي قُبَّتِهِ فَقَتَلُوهُ، طَعَنَهُ عِلْبَاءُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَاهِلِيُّ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ حُجْرٌ قَتَلَ أَبَاهُ، فَلَمَّا قُتِلَ قَالَتْ بَنُو أَسَدٍ: يَا مَعْشَرَ كِنَانَةَ وَقَيْسٍ أَنْتُمْ إِخْوَانُنَا وَبَنُو عَمِّنَا، وَالرَّجُلُ بَعِيدُ النَّسَبِ مِنَّا وَمِنْكُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُمْ سِيرَتَهُ وَمَا كَانَ يَصْنَعُ بِكُمْ هُوَ وَقَوْمُهُ فَانْتَهِبُوهُمْ. فَشَدُّوا عَلَى هَجَائِنِهِ فَانْتَهَبُوهَا، وَلَفُّوهُ فِي رَيْطَةٍ بَيْضَاءَ وَأَلْقُوهُ عَلَى الطَّرِيقِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَيْسٌ وَكِنَانَةُ انْتَهَبُوا أَسْلَابَهُ وَأَجَارَ عَمْرُو بْنُ مَسْعُودٍ عِيَالَهُ. وَقِيلَ: إِنَّ حُجْرًا لَمَّا رَأَى اجْتِمَاعَ بَنِي أَسَدٍ عَلَيْهِ خَافَهُمْ فَاسْتَجَارَ عُوَيْمِرُ بْنُ شُجْنَةَ أَحَدَ بَنِي عُطَارِدَ بْنِ كَعْبِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ لِبِنْتِهِ هِنْدٍ بِنْتِ حُجْرٍ وَعِيَالِهِ، وَقَالَ لِبَنِي أَسَدٍ: إِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَكُمْ فَإِنِّي مُرْتَحِلٌ عَنْكُمْ وَمُخَلِّيكُمْ وَشَأْنَكُمْ. فَوَادَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَسَارَ عَنْهُمْ وَأَقَامَ فِي قَوْمِهِ مُدَّةً، ثُمَّ جَمَعَ لَهُمْ جَمْعًا عَظِيمًا وَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ مُدِلًّا بِمَنْ مَعَهُ، فَتَآمَرَ بَنُو أَسَدٍ وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ قَهَرَكُمْ لِيَحْكُمَنَّ عَلَيْكُمْ حُكْمَ الصَّبِيِّ، فَمَا خَيْرُ الْعَيْشِ حِينَئِذٍ فَمُوتُوا كِرَامًا. فَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا إِلَى حُجْرٍ فَلَقَوْهُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ صَاحِبُ أَمْرِهِمْ عِلْبَاءَ بْنَ الْحَارِثِ، فَحَمَلَ عَلَى حُجْرٍ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَتْ كِنْدَةُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَأَسَرَ بَنُو أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ حُجْرٍ وَغَنِمُوا حَتَّى مَلَأُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَأَخَذُوا جَوَارِيَهُ وَنِسَاءَهُ وَمَا مَعَهُمْ فَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ. وَقِيلَ: إِنَّ حُجْرًا أَخَذَ أَمِيرًا فِي الْمَعْرَكَةِ وَجَعَلَ فِي قُبَّةٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ ابْنُ أُخْتِ عِلْبَاءَ فَضَرَبَهُ بِحَدِيدَةٍ كَانَتْ مَعَهُ لِأَنَّ حُجْرًا كَانَ قَتَلَ أَبَاهُ، فَلَمَّا جَرَحَهُ لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ، فَأَوْصَى حُجْرٌ وَدَفَعَ كِتَابَهُ إِلَى رَجُلٍ وَقَالَ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى ابْنِي نَافِعٍ، وَكَانَ أَكْبَرَ أَوْلَادِهِ، فَإِنْ بَكَى وَجَزِعَ فَاتْرُكْهُ وَاسْتَقْرِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا حَتَّى تَأْتِيَ امْرَأَ الْقَيْسِ، وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ، فَأَيُّهُمْ لَمْ يَجْزَعْ فَادْفَعْ إِلَيْهِ خَيْلِي وَسِلَاحِي وَوَصِيَّتِي. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ وَصِيَّتِهِ مِنْ قَتْلِهِ وَكَيْفَ كَانَ خَبَرُهُ. فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ بِوَصِيَّتِهِ إِلَى ابْنِهِ نَافِعٍ فَوَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ أَتَاهُمْ كُلَّهُمْ، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ حَتَّى أَتَى امْرَأَ الْقَيْسِ فَوَجَدَهُ مَعَ نَدِيمٍ لَهُ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَلْعَبُ مَعَهُ بِالنَّرْدِ، فَقَالَ: قُتِلَ حُجْرٌ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى قَوْلِهِ، وَأَمْسَكَ نَدِيمُهُ، فَقَالَ لَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ: اضْرِبْ، فَضَرَبَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُفْسِدَ دُسْتَكَ، ثُمَّ سَأَلَ الرَّسُولَ عَنْ أَمْرِ أَبِيهِ كُلِّهِ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: الْخَمْرُ وَالنِّسَاءُ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى أَقْتُلَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِائَةً وَأُطْلِقُ مِائَةً. وَكَانَ حُجْرٌ قَدْ طَرَدَ امْرَأَ الْقَيْسِ لِقَوْلِهِ الشِّعْرَ، وَكَانَ يَأْنَفُ مِنْهُ، وَكَانَتْ أُمُّ امْرِئِ الْقَيْسِ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ أُخْتَ كُلَيْبِ بْنِ وَائِلٍ، وَكَانَ يَسِيرُ فِي أَحْيَاءِ الْعَرَبِ يَشْرَبُ الْخَمْرَ عَلَى الْغُدْرَانِ وَيَتَصَيَّدُ، فَأَتَاهُ خَبَرُ قَتْلِ أَبِيهِ وَهُوَ بِدَمُّونَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْخَبَرَ قَالَ: تَطَاوَلَ اللَّيْلُ عَلَيْنَا دَمُّونْ دَمُّونُ إِنَّا مَعْشَرٌ يَمَانُونْ إِنَّنَا لِقَوْمِنَا مُحِبُّونْ ثُمَّ قَالَ ضَيَّعَنِي صَغِيرًا وَحَمَّلَنِي دَمَهُ كَبِيرًا، لَا صَحْوَ الْيَوْمَ وَلَا سُكْرَ غَدًا، " الْيَوْمَ خَمْرٌ وَغَدًا أَمْرٌ ". فَذَهَبَتْ مَثَلًا. ثُمَّ ارْتَحَلَ حَتَّى نَزَلَ بِبَكْرٍ وَتَغْلِبَ، فَسَأَلَهُمُ النَّصْرَ عَلَى بَنِي أَسَدٍ، فَأَجَابُوهُ. فَبَعَثَ الْعُيُونَ إِلَى بَنِي أَسَدٍ، فَنُذِرُوا بِهِ، فَلَجَأُوا إِلَى بَنِي كِنَانَةَ، وَعُيُونُ امْرِئِ الْقَيْسِ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ عِلْبَاءُ بْنُ الْحَارِثِ: اعْلَمُوا أَنَّ عُيُونَ امْرِئِ الْقَيْسِ قَدْ عَادُوا إِلَيْهِ بِخَبَرِكُمْ وَأَنَّكُمْ عِنْدَ بَنِي كِنَانَةَ، فَارْحَلُوا بِلَيْلٍ وَلَا تُعْلِمُوا بَنِي كِنَانَةَ. فَارْتَحَلُوا. وَأَقْبَلَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَنِي كِنَانَةَ، وَهُوَ يَظُنُّهُمْ بَنِي أَسَدٍ فَوَضَعَ السِّلَاحَ فِيهِمْ وَقَالَ: يَا لِثَارَاتِ الْهُمَامِ ! فَقِيلَ لَهُ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ ! لَسْنَا لَكَ بِثَأْرٍ، نَحْنُ بَنُو كِنَانَةَ فَدُونَكَ ثَأْرَكَ فَاطْلُبْهُمْ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ سَارُوا بِالْأَمْسِ. فَتَبِعَ بَنِي أَسَدٍ، فَفَاتُوهُ لَيْلَتَهُمْ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: أَلَا يَا لَهْفَ هِنْدٍ إِثْرَ قَوْمٍ هُمُ كَانُوا الشِّفَاءَ فَلَمْ يُصَابُوا وَقَاهُمْ جَدُّهُمْ بِبَنِي أَبِيهِمْ وَبِالْأَشْقَيْنِ مَا كَانَ الْعِقَابُ وَأَفْلَتَهُنَّ عِلْبَاءُ جَرِيضًا وَلَوْ أَدْرَكْنَهُ صَفِرَ الْوِطَابُ يَعْنِي بِبَنِي أَبِيهِمْ كِنَانَةَ، فَإِنَّ أَسَدًا وَكِنَانَةَ ابْنَيْ خُزَيْمَةَ هُمَا أَخَوَانِ. وَقَوْلُهُ: وَلَوْ أَدْرَكْنَهُ صَفِرَ الْوِطَابُ، قِيلَ: كَانُوا قَتَلُوهُ وَاسْتَاقُوا إِبِلَهُ فَصَفِرَتْ وِطَابُهُ مِنَ اللَّبَنِ، أَيْ خَلَتْ، وَقِيلَ: كَانُوا قَتَلُوهُ فَخَلَا جِلْدُهُ، وَهُوَ وِطَابُهُ، مِنْ دَمِهِ بِقَتْلِهِ. فَسَارَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي آثَارِ بَنِي أَسَدٍ فَأَدْرَكَهُمْ ظُهْرًا، وَقَدْ تَقَطَّعَتْ خَيْلُهُ وَهَلَكُوا عَطَشًا، وَبَنُو أَسَدٍ نَازِلُونَ عَلَى الْمَاءِ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى بَيْنَهُمْ وَهَرَبَتْ بَنُو أَسَدٍ. فَلَمَّا أَصْبَحَتْ بَكْرٌ وَتَغْلِبُ أَبَوْا أَنْ يَتْبَعُوهُمْ وَقَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ ثَأْرَكَ. فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ. فَقَالُوا: بَلَى وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ مَشْؤُومٌ وَكَرِهُوا قَتْلَهُمْ بَنِي كِنَانَةَ فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، وَمَضَى إِلَى أَزِدْ شَنُوءَةَ يَسْتَنْصِرُهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يَنْصُرُوهُ وَقَالُوا: إِخْوَانُنَا وَجِيرَانُنَا. فَسَارَ عَنْهُمْ وَنَزَلَ بِقَيْلٍ يُدْعَى مَرْثَدَ الْخَيْرِ بْنَ ذِي جَدَنٍ الْحِمْيَرِيَّ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ. فَاسْتَنْصَرَهُ عَلَى بَنِي أَسَدٍ، فَأَمَدَّهُ بِخَمْسِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ حِمْيَرَ، وَمَاتَ مَرْثَدٌ قَبْلَ رَحِيلِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ يُقَالُ لَهُ قَرْمَلُ، فَزَوَّدَ امْرَأَ الْقَيْسِ ثُمَّ سَيَّرَ مَعَهُ ذَلِكَ الْجَيْشَ، وَتَبِعَهُ شُذَّاذٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَاسْتَأْجَرَ غَيْرَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ، فَسَارَ بِهِمْ إِلَى بَنِي أَسَدٍ وَظَفِرَ بِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ الْمُنْذِرَ طَلَبَ امْرَأَ الْقَيْسِ وَلَجَّ فِي طَلَبِهِ وَوَجَّهَ الْجُيُوشَ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِامْرِئِ الْقَيْسِ بِهِمْ طَاقَةٌ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ حِمْيَرَ وَغَيْرِهِمْ، فَنَجَا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِهِ وَنَزَلَ بِالْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ الْيَرْبُوعِيِّ، وَهُوَ أَبُو عُتَيْبَةَ بْنُ الْحَارِثِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمُنْذِرُ يَتَوَعَّدُهُ بِالْقِتَالِ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُمْ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَهُمْ، وَنَجَا امْرُؤُ الْقَيْسِ وَمَعَهُ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنَتُهُ هِنْدٌ ابْنَةُ امْرِئِ الْقَيْسِ وَأَدْرَاعُهُ وَسِلَاحُهُ وَمَالُهُ، فَخَرَجَ وَنَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الضَّبَابِ الْإِيَادِيِّ سَيِّدِ قَوْمِهِ، فَأَجَارَهُ، وَمَدَحَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ عَنْهُ وَنَزَلَ عَلَى الْمُعَلَّى بْنِ تَيْمٍ الطَّائِيِّ فَأَقَامَ عِنْدَهُ وَاتَّخَذَ إِبِلًا هُنَاكَ، فَعَدَا قَوْمٌ مِنْ جَدِيلَةَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو زَيْدٍ عَلَيْهَا فَأَخَذُوهَا، فَأَعْطَاهُ بَنُو نَبْهَانَ مِعْزَى يَحْلِبُهَا فَقَالَ: إِذَا مَا لَمْ يَكُنْ إِبِلٌ فَمِعْزَى كَأَنَّ قُرُونَ جِلَّتِهَا الْعِصِيُّ الْأَبْيَاتَ. ثُمَّ رَحَلَ عَنْهُمْ وَنَزَلَ بِعَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ، فَأَرَادَ أَنْ يَغْلِبَ امْرَأَ الْقَيْسِ عَلَى مَالِهِ وَأَهْلِهِ، فَعَلِمَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بِذَلِكَ فَانْتَقَلَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي ثُعْلٍ يُقَالُ لَهُ حَارِثَةُ بْنُ مُرٍّ فَاسْتَجَارَهُ، فَأَجَارَهُ. فَوَقَعَتْ بَيْنَ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ وَالثُّعْلِيِّ حَرْبٌ، وَكَانَتْ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، فَلَمَّا رَأَى امْرُؤُ الْقَيْسِ أَنَّ الْحَرْبَ قَدْ وَقَعَتْ بَيْنَ طَيِّءٍ بِسَبَبِهِ، خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَقَصَدَ السَّمَوْأَلَ بْنَ عَادِيَاءَ الْيَهُودِيَّ، فَأَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ امْرُؤُ الْقَيْسِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ إِلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيِّ لِيُوصِلَهُ إِلَى قَيْصَرَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَى الْحَارِثِ وَأَوْدَعَ أَهْلَهُ وَأَدْرَاعَهُ عِنْدَ السَّمَوْأَلِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قَيْصَرَ أَكْرَمَهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي أَسَدٍ فَأَرْسَلُوا رَجُلًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ الطِّمَّاحُ، كَانَ امْرُؤُ الْقَيْسِ قَتَلَ أَخًا لَهُ، فَوَصَلَ الْأَسَدِيُّ، وَقَدْ سَيَّرَ قَيْصَرُ مَعَ امْرِئِ الْقَيْسِ جَيْشًا كَثِيفًا فِيهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ. فَلَمَّا سَارَ امْرُؤُ الْقَيْسِ، قَالَ الطِّمَّاحُ لِقَيْصَرَ: إِنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ غَوِيٌّ عَاهِرٌ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ كَانَ يُرَاسِلُ ابْنَتَكَ وَيُوَاصِلُهَا، وَقَالَ فِيهَا أَشْعَارًا أَشْهَرَهَا فِي الْعَرَبِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ قَيْصَرُ بِحُلَّةِ وَشْيٍ مَنْسُوجَةٍ بِالذَّهَبِ، مَسْمُومَةٍ، وَكَتَبَ إِلَيْهِ: إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ بِحُلَّتِي الَّتِي كُنْتُ أَلْبَسُهَا تَكْرِمَةً لَكَ، فَالْبَسْهَا وَاكْتُبْ إِلَيَّ بِخَبَرِكَ مِنْ مَنْزِلٍ مَنْزِلٍ. فَلَبِسَهَا امْرُؤُ الْقَيْسِ وَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَسْرَعَ فِيهِ السُّمُّ وَسَقَطَ جِلْدُهُ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذَا الْقُرُوحِ، فَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ فِي ذَلِكَ: لَقَدْ طَمِحَ الطِّمَّاحُ مِنْ نَحْوِ أَرْضِهِ لِيُلْبِسَنِي مِمَّا يُلَبِّسُ أَبْؤُسَا فَلَوْ أَنَّهَا نَفْسٌ تَمُوتُ سَوِيَّةً وَلَكِنَّهَا نَفْسٌ تَسَاقَطُ أَنْفُسَا فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى مَوْضِعٍ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ يُقَالُ لَهُ أَنْقِرَةُ احْتُضِرَ بِهَا، فَقَالَ: رُبَّ خُطْبَةٍ مُسْحَنْفِرَهْ، وَطَعْنَةٍ مُثْعَنْجِرَهْ ، وَجَفْنَةٍ مُتَحَيِّرَهْ، حَلَّتْ بِأَرْضِ أَنْقِرَهْ . وَرَأَى قَبْرَ امْرَأَةٍ مِنْ بَنَاتِ مُلُوكِ الرُّومِ وَقَدْ دُفِنَتْ بِجَنْبِ عَسِيبٍ، وَهُوَ جَبَلٌ، فَقَالَ: أَجَارَتَنَا إِنَّ الْخُطُوبَ تَنُوبُ وَإِنِّي مُقِيمٌ مَا أَقَامَ عَسِيبُ أَجَارَتَنَا إِنَّا غَرِيبَانِ هَاهُنَا وَكُلُّ غَرِيبٍ لِلْغَرِيبِ نَسِيبُ ثُمَّ مَاتَ فَدُفِنَ إِلَى جَنْبِ الْمَرْأَةِ، فَقَبْرُهُ هُنَاكَ. وَلَمَّا مَاتَ امْرُؤُ الْقَيْسِ سَارَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيُّ إِلَى السَّمَوْأَلِ بْنِ عَادِيَاءَ وَطَالَبَهُ بِأَدْرَاعِ امْرِئِ الْقَيْسِ، وَكَانَتْ مِائَةَ دِرْعٍ، وَبِمَا لَهُ عِنْدَهُ، فَلَمْ يُعْطِهِ، فَأَخَذَ الْحَارِثُ ابْنًا لِلسَّمَوْأَلِ، فَقَالَ: إِمَّا أَنْ تُسْلِمَ الْأَدْرَاعَ وَإِمَّا قَتَلْتُ ابْنَكَ. فَأَبَى السَّمَوْأَلُ أَنْ يُسَلِّمَ إِلَيْهِ شَيْئًا، فَقَتَلَ ابْنَهُ، فَقَالَ السَّمَوْأَلُ فِي ذَلِكَ: وَفَيْتُ بِأَدْرُعِ الْكِنْدِيِّ إِنِّي إِذَا مَا ذُمَّ أَقْوَامٌ وَفَيْتُ وَأَوْصَى عَادِيًّا يَوْمًا بِأَنْ لَا تُهَدِّمَ يَا سَمَوْأَلُ مَا بَنَيْتُ بَنَى لِي عَادِيًا حِصْنًا حَصِينًا وَمَاءً كُلَّمَا شِئْتُ اسْتَقَيْتُ وَقَدْ ذَكَرَ الْأَعْشَى هَذِهِ الْحَادِثَةَ، فَقَالَ: كُنْ كَالسَّمَوْأَلِ إِذْ طَافَ الْهُمَامُ بِهِ فِي جَحْفَلٍ كَسَوَادِ اللَّيْلِ جَرَّارِ إِذْ سَامَهُ خُطَّتَيْ خَسْفٍ فَقَالَ لَهُ قُلْ مَا تَشَاءُ فَإِنِّي سَامِعٌ حَارِ فَقَالَ: غَدْرٌ وَثُكْلٌ أَنْتَ بَيْنَهُمَا فَاخْتَرْ فَمَا فِيهِمَا حَظٌّ لِمُخْتَارِ فَشَكَّ غَيْرَ طَوِيلٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْتُلْ أَسِيرَكَ إِنِّي مَانِعٌ جَارِي وَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا.
التاريخ 552لا حكم مسجّل
يَوْمُ خَزَازٍ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ كَانَ فِي يَدَيْهِ أُسَارَى مِنْ مُضَرَ وَرَبِيعَةَ وَقُضَاعَةَ، فَوَفَدَ عَلَيْهِ وَفْدٌ مِنْ وُجُوهِ بَنِي مَعَدٍّ، مِنْهُمْ: سَدُوسُ بْنُ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَعَوْفُ بْنُ مُحَلَّمِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَعَوْفُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جُشَمَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَنَاةَ بْنِ عَامِرٍ الضِّحْيَانِ، وَجُشَمُ بْنُ ذُهْلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَامِرٍ الضِّحْيَانِ، فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنْ بَهْرَاءَ يُقَالُ لَهُ عُبَيْدُ بْنُ قُرَادٍ، وَكَانَ فِي الْأُسَارَى، وَكَانَ شَاعِرًا، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوهُ فِي عِدَّةِ مَنْ يَسْأَلُونَ فِيهِ، فَكَلَّمُوا الْمَلِكَ فِيهِ وَفِي الْأُسَارَى، فَوَهَبَهُمْ لَهُمْ، فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ قُرَادٍ الْبَهْرَاوِيُّ: نَفْسِي الْفِدَاءُ لِعَوْفِ الْفِعَالِ وَعَوْفِ وَلِابْنِ هِلَالٍ جُشَمْ تَدَارَكَنِي بَعْدَمَا قَدْ هَوَيْ تُ مُسْتَمْسِكًا بِعَرَاقَيِ الْوَذَمْ وَلَوْلَا سَدُوسٌ وَقَدْ شَمَّرَتْ بِيَ الْحَرْبُ زَلَّتْ بِنَعْلِيَ الْقَدَمْ وَنَادَيْتُ بَهْرَاءَ كَيْ يَسْمَعُوا وَلَيْسَ بِآذَانِهِمْ مِنْ صَمَمْ وَمِنْ قَبْلِهَا عَصَمَتْ قَاسِطٌ مَعَدًّا إِذَا مَا عَزِيزٌ أَزَمْ فَاحْتَبَسَ الْمَلِكُ عِنْدَهُ بَعْضَ الْوَفْدِ رَهِينَةً وَقَالَ لِلْبَاقِينَ: إِيتُونِي بِرُؤَسَاءِ قَوْمِكُمْ لِآخُذَ عَلَيْهِمُ الْمَوَاثِيقَ بِالطَّاعَةِ لِي وَإِلَّا قَتَلْتُ أَصْحَابَكُمْ. فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ فَأَخْبَرُوهُمُ الْخَبَرَ، فَبَعَثَ كُلَيْبُ وَائِلٍ إِلَى رَبِيعَةَ فَجَمَعَهُمْ، وَاجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ مَعَدٌّ، وَهُوَ أَحَدُ النَّفَرِ الَّذِينَ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِمْ مَعَدٌّ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ فِي مَقْتَلِ كُلَيْبٍ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ سَارَ بِهِمْ وَجَعَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ السَّفَّاحَ التَّغْلِبِيَّ، وَهُوَ سَلَمَةُ بْنُ خَالِدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ تَيْمِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ بَكْرِ بْنِ حُبَيْبِ بْنِ تَغْلِبَ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُوقِدُوا عَلَى خَزَازٍ نَارًا لِيَهْتَدُوا بِهَا، وَخَزَازٌ جَبَلٌ بِطَخْفَةَ مَا بَيْنَ الْبَصْرَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ سَالِعٍ، وَهُوَ جَبَلٌ أَيْضًا، وَقَالَ لَهُ: إِنْ غَشِيَتْكَ الْعَدُوُّ فَأَوْقِدْ نَارَيْنِ. فَبَلَغَ مَذْحِجًا اجْتِمَاعُ رَبِيعَةَ وَمَسِيرُهَا فَأَقْبَلُوا بِجُمُوعِهِمْ، وَاسْتَنْفَرُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ وَسَارُوا إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ تِهَامَةَ بِمَسِيرِ مَذْحِجٍ انْضَمُّوا إِلَى رَبِيعَةَ، وَوَصَلَتْ مَذْحِجٌ إِلَى خَزَازٍ لَيْلًا، فَرَفَعَ السَّفَّاحُ نَارَيْنِ. فَلَمَّا رَأَى كُلَيْبٌ النَّارَيْنِ أَقْبَلَ إِلَيْهِمْ بِالْجُمُوعِ فَصَحِبَهُمْ، فَالْتَقَوْا بِخَزَازٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَكْثَرُوا فِيهِ الْقَتْلَ، فَانْهَزَمَتْ مَذْحِجٌ وَانْفَضَّتْ جُمُوعُهَا، فَقَالَ السَّفَّاحُ فِي ذَلِكَ: وَلَيْلَةَ بِتُّ أُوقِدُ فِي خَزَازٍ هَدَيْتُ كَتَائِبًا مُتَحَيِّرَاتِ ضَلَلْنَ مِنَ السُّهَادِ وَكُنَّ لَوْلَا سُهَادُ الْقَوْمِ أَحْسَبُ هَادِيَاتِ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يُخَاطِبُ جَرِيرًا وَيَهْجُوهُ: لَوْلَا فَوَارِسُ تَغْلِبَ ابْنَةِ وَائِلٍ دَخَلَ الْعَدُوُّ عَلَيْكَ كُلَّ مَكَانِ ضَرَبُوا الصَّنَائِعَ وَالْمُلُوكَ وَأَوْقَدُوا نَارَيْنِ أَشْرَفَتَا عَلَى النِّيرَانِ وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ مَنْ كَانَ الرَّئِيسَ يَوْمَ خَزَازٍ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ كُلْثُومٍ، وَهُوَ ابْنُ ابْنَةِ كُلَيْبٍ، يَقُولُ: وَنَحْنُ غَدَاةَ أُوقِدَ فِي خَزَازٍ رَفَدْنَا فَوْقَ رِفْدِ الرَّافِدِينَا فَلَوْ كَانَ جَدُّهُ الرَّئِيسَ لَذَكَرَهُ وَلَمْ يَفْتَخِرْ بِأَنَّهُ رِفْدٌ، ثُمَّ جَعَلَ مَنْ شَهِدَ خَزَازًا مُتَسَانِدِينَ فَقَالَ: فَكُنَّا الْأَيْمَنَيْنِ إِذَا الْتَقَيْنَا وَكَانَ الْأَيْسَرَيْنِ بَنُو أَبِينَا فَصَالُوا صَوْلَةً فِيمَنْ يَلِيهِمْ وَصُلْنَا صَوْلَةً فِيمَنْ يَلِينَا فَقَالَ لَهُ: اسْتَأْثَرْتَ عَلَى إِخْوَتِكَ، يَعْنِي مُضَرَ، وَلَمَّا ذَكَرَ جَدَّهُ فِي الْقَصِيدَةِ قَالَ: وَمِنَّا قَبْلَهُ السَّاعِي كُلَيْبٌ فَأَيُّ الْمَجْدِ إِلَّا قَدْ وَلِينَا فَلَمْ يَدَّعِ لَهُ الرِّيَاسَةَ يَوْمَ خَزَازٍ، وَهِيَ أَشْرَفُ مَا كَانَ يَفْتَخِرُ لَهُ بِهِ. حُبَيْبٌ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَسُكُونِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ أُخْرَى مُوَحَّدَةٌ.
التاريخ 553لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَقْتَلِ كُلَيْبٍ وَالْأَيَّامِ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ الْحَرْبِ الَّتِي وَقَعَتْ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بِسَبَبِ قَتْلِ كُلَيْبٍ، وَاسْمُهُ وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُشَمَ بْنِ بَكْرِ بْنِ حُبَيْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ تَغْلِبَ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ كُلَيْبًا لِأَنَّهُ كَانَ إِذَا سَارَ أَخَذَ مَعَهُ جَرْوَ كَلْبٍ، فَإِذَا مَرَّ بِرَوْضَةٍ أَوْ مَوْضِعٍ يُعْجِبُهُ ضَرَبَهُ، ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ وَهُوَ يَصِيحُ وَيَعْوِي، فَلَا يَسْمَعُ عُوَاءَهُ أَحَدٌ إِلَّا تَجَنَّبَهُ وَلَمْ يَقْرَبْهُ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ كُلَيْبُ وَائِلٍ، ثُمَّ اخْتَصَرُوا فَقَالُوا كُلَيْبٌ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ. وَكَانَ لِوَاءُ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ لِلْأَكْبَرِ فَالْأَكْبَرِ مِنْ وَلَدِهِ، فَكَانَ اللِّوَاءُ فِي عَنَزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ سُنَّتَهُمْ أَنَّهُمْ يُصَفِّرُونَ لِحَاهُمْ وَيَقُصُّونَ شَوَارِبَهُمْ، فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ رَبِيعَةَ إِلَّا مَنْ يُخَالِفُهُمْ وَيُرِيدُ حَرْبَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ فِي عَبْدِ قَيْسِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُمْ إِذَا شُتِمُوا لَطَمُوا مَنْ شَتَمَهُمْ، وَإِذَا لُطِمُوا قَتَلُوا مَنْ لَطَمَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ فِي النَّمِرِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبٍ، وَكَانَ لَهُمْ غَيْرُ سُنَّةِ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ. ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَسَاءُوا غَيْرَهُمْ فِي فَرْخِ طَائِرٍ، وَكَانُوا يُوثِقُونَ الْفَرْخَ بِقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَإِذَا عُلِمَ بِمَكَانِهِ لَمْ يَسْلُكْ أَحَدٌ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، وَيَسْلُكُ مَنْ يُرِيدُ الذَّهَابَ وَالْمَجِيءَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ. ثُمَّ تَحَوَّلَ اللِّوَاءُ إِلَى تَغْلِبَ، فَوَلِيَهُ وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ سُنَّتُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ جَرْوِ الْكَلْبِ. وَلَمْ تَجْتَمِعْ مَعَدٌّ إِلَّا عَلَى ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَهُمْ: عَامِرُ بْنُ الظَّرِبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ بَكْرِ بْنِ يَشْكُرَ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ عَدْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَهُوَ النَّاسُ بْنُ مُضَرَ - بِالنُّونِ - وَهُوَ أَخُو إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ حِينَ تَمَذْحَجَتْ مَذْحِجٌ وَسَارَتْ إِلَى تِهَامَةَ، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَ تِهَامَةَ وَالْيَمَنِ. وَالثَّانِي: رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ جُشَمَ بْنِ بَكْرِ بْنِ حُبَيْبِ بْنِ كَلْبٍ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ يَوْمَ السُّلَّانِ بَيْنَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ وَالْيَمَنِ. وَالثَّالِثُ: وَائِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ قَائِدَ مَعَدٍّ يَوْمَ خَزَازٍ، فَفَضَّ جُمُوعَ الْيَمَنِ فَهَزَمَهُمْ، وَجَعَلَتْ لَهُ مَعَدٌّ قَسَمَ الْمُلْكِ وَتَاجَهُ وَطَاعَتَهُ، وَبَقِيَ زَمَانًا مِنَ الدَّهْرِ، ثُمَّ دَخَلَهُ زَهْوٌ شَدِيدٌ، وَبَغَى عَلَى قَوْمِهِ حَتَّى بَلَغَ مِنْ بَغْيِهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِي مَوَاقِعَ السَّحَابِ فَلَا يُرْعَى حِمَاهُ، وَكَانَ يَقُولُ: وَحْشُ أَرْضِ كَذَا فِي جِوَارِي، فَلَا يُصَادُ، وَلَا يُورِدُ أَحَدٌ مَعَ إِبِلِهِ وَلَا يُوقِدُ نَارًا مَعَ نَارِهِ، وَلَا يَمُرُّ أَحَدٌ بَيْنَ بُيُوتِهِ وَلَا يُحْتَبَى فِي مَجْلِسِهِ. وَكَانَتْ بَنُو جُشَمَ وَبَنُو شَيْبَانَ أَخْلَاطًا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ إِرَادَةَ الْجَمَاعَةِ وَمَخَافَةَ الْفُرْقَةِ، وَتَزَوَّجَ كُلَيْبٌ جَلِيلَةَ بِنْتَ مُرَّةَ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَهِيَ أُخْتُ جَسَّاسِ بْنِ مُرَّةَ، وَحَمَى كُلَيْبٌ أَرْضًا مِنَ الْعَالِيَةِ فِي أَوَّلِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ لَا يَقْرَبُهَا إِلَّا مُحَارِبٌ، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ سَعْدُ بْنُ شُمَيْسِ بْنِ طَوْقٍ الْجَرْمِيُّ نَزَلَ بِالْبَسُوسِ بِنْتِ مُنْقِذٍ التَّمِيمِيَّةِ خَالَةِ جَسَّاسِ بْنِ مُرَّةَ. وَكَانَ لِلْجَرْمِيِّ نَاقَةٌ اسْمُهَا سَرَابُ تَرْعَى مَعَ نُوقِ جَسَّاسٍ، وَهِيَ الَّتِي ضَرَبَتِ الْعَرَبُ بِهَا الْمَثَلَ فَقَالُوا: " أَشْأَمُ مِنْ سَرَابٍ "، " وَأَشْأَمُ مِنَ الْبَسُوسِ ". فَخَرَجَ كُلَيْبٌ يَوْمًا يَتَعَهَّدُ الْإِبِلَ وَمَرَاعِيَهَا فَأَتَاهَا وَتَرَدَّدَ فِيهَا، وَكَانَتْ إِبِلُهُ وَإِبِلُ جَسَّاسٍ مُخْتَلِطَةً، فَنَظَرَ كُلَيْبٌ إِلَى سَرَابٍ فَأَنْكَرَهَا، فَقَالَ لَهُ جَسَّاسٌ، وَهُوَ مَعَهُ: هَذِهِ نَاقَةُ جَارِنَا الْجَرْمِيِّ. فَقَالَ: لَا تَعُدْ هَذِهِ النَّاقَةُ إِلَى هَذَا الْحِمَى. فَقَالَ جَسَّاسٌ: لَا تَرْعَى إِبِلِي مَرْعًى إِلَّا وَهَذِهِ مَعَهَا، فَقَالَ كُلَيْبٌ: لَئِنْ عَادَتْ لَأَضَعَنَّ سَهْمِي فِي ضَرْعِهَا، فَقَالَ جَسَّاسٌ: لَئِنْ وَضَعْتَ سَهْمَكَ فِي ضَرْعِهَا لَأَضَعَنَّ سِنَانَ رُمْحِي فِي لَبَّتِكَ ! ثُمَّ تَفَرَّقَا، وَقَالَ كُلَيْبٌ لِامْرَأَتِهِ: أَتَرَيْنَ أَنَّ فِي الْعَرَبِ رَجُلًا مَانِعًا مِنِّي جَارَهُ ؟ قَالَتْ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا جَسَّاسًا، فَحَدَّثَهَا الْحَدِيثَ. وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْحِمَى مَنَعَتْهُ وَنَاشَدَتْهُ اللَّهَ أَنْ لَا يَقْطَعَ رَحِمَهُ، وَكَانَتْ تَنْهَى أَخَاهَا جَسَّاسًا أَنْ يُسَرِّحَ إِبِلَهُ. ثُمَّ إِنَّ كُلَيْبًا خَرَجَ إِلَى الْحِمَى، وَجَعَلَ يَتَصَفَّحُ الْإِبِلَ، فَرَأَى نَاقَةَ الْجَرْمِيِّ فَرَمَى ضَرْعَهَا فَأَنْفَذَهُ، فَوَلَّتْ وَلَهَا عَجِيجٌ حَتَّى بَرَكَتْ بِفَنَاءِ صَاحِبِهَا. فَلَمَّا رَأَى مَا بِهَا صَرَخَ بِالذُّلِّ، وَسَمِعَتِ الْبَسُوسُ صُرَاخَ جَارِهَا، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ فَلَمَّا رَأَتْ مَا بِنَاقَتِهِ وَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى رَأْسِهَا ثُمَّ صَاحَتْ: وَاذُلَّاهُ ! وَجَسَّاسٌ يَرَاهَا وَيَسْمَعُ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا فَقَالَ لَهَا: اسْكُتِي وَلَا تُرَاعِي، وَسَكَّنَ الْجَرْمِيَّ، وَقَالَ لَهُمَا: إِنِّي سَأَقْتُلُ جَمَلًا أَعْظَمَ مِنْ هَذِهِ النَّاقَةِ، سَأَقْتُلُ غِلَالًا، وَكَانَ غِلَالٌ فَحْلُ إِبِلِ كُلَيْبٍ لَمْ يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثْلَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ جَسَّاسٌ بِمَقَالَتِهِ كُلَيْبًا. وَكَانَ لِكُلَيْبٍ عَيْنٌ يَسْمَعُ مَا يَقُولُونَ، فَأَعَادَ الْكَلَامَ عَلَى كُلَيْبٍ، فَقَالَ: لَقَدِ اقْتَصَرَ مِنْ يَمِينِهِ عَلَى غِلَالٍ. وَلَمْ يَزَلْ جَسَّاسٌ يَطْلُبُ غِرَّةَ كُلَيْبٍ، فَخَرَجَ كُلَيْبٌ يَوْمًا آمِنًا، فَلَمَّا بَعُدَ عَنِ الْبُيُوتِ رَكِبَ جَسَّاسٌ فَرَسَهُ وَأَخَذَ رُمْحَهُ وَأَدْرَكَ كُلَيْبًا، فَوَقَفَ كُلَيْبٌ. فَقَالَ لَهُ جَسَّاسٌ: يَا كُلَيْبُ الرُّمْحُ وَرَاءَكَ ! فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَقْبِلْ إِلَيَّ مِنْ أَمَامِي، وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَطَعَنَهُ فَأَرْدَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، فَقَالَ: يَا جَسَّاسُ أَغِثْنِي بِشَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَلَمْ يَأْتِهِ بِشَيْءٍ، وَقَضَى كُلَيْبٌ نَحْبَهُ. فَأَمَرَ جَسَّاسٌ رَجُلًا كَانَ مَعَهُ اسْمُهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ فَجَعَلَ عَلَيْهِ أَحْجَارًا لِئَلَّا تَأْكُلَهُ السِّبَاعُ. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ مُهَلْهِلُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَخُو كُلَيْبٍ: قَتِيلٌ مَا قَتِيلُ الْمَرْءِ عَمْرٌو وَجَسَّاسُ بْنُ مُرَّةَ ذِي صَرِيمِ أَصَابَ فُؤَادَهُ بِأَصَمَّ لَدْنٍ فَلَمْ يَعْطِفْ هُنَاكَ عَلَى حَمِيمِ فَإِنَّ غَدًا وَبَعْدَ غَدٍ لَرَهْنٌ لِأَمْرٍ مَا يُقَامُ لَهُ عَظِيمِ جَسِيمًا مَا بَكَيْتُ بِهِ كُلَيْبًا إِذَا ذُكِرَ الْفِعَالُ مِنَ الْجَسِيمِ سَأَشْرَبُ كَأْسَهَا صِرْفًا وَأَسْقِي بِكَأْسٍ غَيْرِ مِنْطَقَةٍ مُلِيمِ وَلَمَّا قَتَلَ جَسَّاسٌ كُلَيْبًا انْصَرَفَ عَلَى فَرَسِهِ يُرْكِضُهُ وَقَدْ بَدَتْ رُكْبَتَاهُ، فَلَمَّا نَظَرَ أَبُوهُ مَرَّةً إِلَى ذَلِكَ قَالَ: لَقَدْ أَتَاكُمْ جَسَّاسٌ بِدَاهِيَةٍ، مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ بَادِيَ الرُّكْبَتَيْنِ إِلَى الْيَوْمِ ! فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى أَبِيهِ قَالَ: مَا لَكَ يَا جَسَّاسُ ؟ قَالَ: طَعَنْتُ طَعْنَةً يَجْتَمِعُ بَنُو وَائِلٍ غَدًا لَهَا رَقْصًا. قَالَ: وَمَنْ طَعَنْتَ ؟ لِأُمِّكِ الثُّكْلُ ! قَالَ: قَتَلْتُ كُلَيْبًا. قَالَ: أَفَعَلْتَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: بِئْسَ وَاللَّهِ مَا جِئْتَ بِهِ قَوْمَكَ ! فَقَالَ جَسَّاسٌ: تَأَهَّبْ عَنْكَ أُهْبَةَ ذِي امْتِنَاعٍ فَإِنَّ الْأَمْرَ جَلَّ عَنِ التَّلَاحِي فَإِنِّي قَدْ جَنَيْتُ عَلَيْكَ حَرْبًا تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهُ قَوْلَهُ خَافَ خِذْلَانَ قَوْمِهِ لِمَا كَانَ مِنْ لَائِمَتِهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ يُجِيبُهُ: فَإِنْ تَكُ قَدْ جَنَيْتَ عَلَيَّ حَرْبًا تُغِصُّ الشَّيْخَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ جَمَعَتْ بِهَا يَدَيْكَ عَلَى كُلَيْبٍ فَلَا وَكْلٌ وَلَا رَثُّ السِّلَاحِ سَأَلْبَسُ ثَوْبَهَا وَأَذُودُ عَنِّي بِهَا عَارَ الْمَذَلَّةِ وَالْفَضَاحِ ثُمَّ إِنَّ مُرَّةَ دَعَا قَوْمَهُ إِلَى نُصْرَتِهِ، فَأَجَابُوهُ وَجَلُوا الْأَسِنَّةَ وَشَحَذُوا السُّيُوفَ وَقَوَّمُوا الرِّمَاحَ وَتَهَيَّأُوا لِلرِّحْلَةِ إِلَى جَمَاعَةِ قَوْمِهِمْ. وَكَانَ هَمَّامُ بْنُ مُرَّةَ أَخُو جَسَّاسٍ، وَمُهَلْهِلٌ أَخُو كُلَيْبٍ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَشْرَبَانِ، فَبَعَثَ جَسَّاسٌ إِلَى هَمَّامٍ جَارِيَةً لَهُمْ تُخْبِرُهُ الْخَبَرَ، فَانْتَهَتْ إِلَيْهِمَا وَأَشَارَتْ إِلَى هَمَّامٍ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَأَخْبَرَتْهُ، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: مَا قَالَتْ لَكَ الْجَارِيَةُ ؟ وَكَانَ بَيْنَهُمَا عَهْدٌ أَلَّا يَكْتُمَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ شَيْئًا، فَذَكَرَ لَهُ مَا قَالَتِ الْجَارِيَةُ، وَأَحَبَّ أَنْ يُعْلِمَهُ ذَلِكَ فِي مُدَاعَبَةٍ وَهَزْلٍ، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: اسْتُ أَخِيكَ أَضْيَقُ مِنْ ذَلِكَ ! فَأَقْبَلَا عَلَى شُرْبِهِمَا، فَقَالَ لَهُ مُهَلْهِلٌ: اشْرَبْ، فَالْيَوْمَ خَمْرٌ وَغَدًا أَمْرٌ. فَشَرِبَ هَمَّامٌ وَهُوَ حَذِرٌ خَائِفٌ، فَلَمَّا سَكِرَ مُهَلْهِلٌ عَادَ هَمَّامٌ إِلَى أَهْلِهِ، فَسَارُوا مِنْ سَاعَتِهِمْ إِلَى جَمَاعَةِ قَوْمِهِمْ، وَظَهَرَ أَمْرُ كُلَيْبٍ، فَذَهَبُوا إِلَيْهِ فَدَفَنُوهُ، فَلَمَّا دُفِنَ شُقَّتِ الْجُيُوبُ وَخُمِشَتِ الْوُجُوهُ وَخَرَجَ الْأَبْكَارُ وَذَوَاتُ الْخُدُودِ الْعَوَائِقُ إِلَيْهِ وَقُمْنَ لِلْمَأْتَمِ، فَقَالَ النِّسَاءُ لِأُخْتِ كُلَيْبٍ: أَخْرِجِي جَلِيلَةَ أُخْتَ جَسَّاسٍ عَنَّا، فَإِنَّ قِيَامَهَا فِيهِ شَمَاتَةٌ وَعَارٌ عَلَيْنَا، وَكَانَتِ امْرَأَةَ كُلَيْبٍ، كَمَا ذَكَرْنَا، فَقَالَتْ لَهَا أُخْتُ كُلَيْبٍ: اخْرُجِي عَنْ مَأْتَمِنَا، فَأَنْتِ أُخْتُ قَاتِلِنَا، وَشَقِيقَةُ وَاتِرِنَا، فَخَرَجَتْ تَجُرُّ عِطَافَهَا، فَلَقِيَهَا أَبُوهَا مُرَّةُ فَقَالَ لَهَا: مَا وَرَاءَكِ يَا جَلِيلَةُ ؟ فَقَالَتْ: ثُكْلُ الْعَدَدِ، وَحُزْنُ الْأَبَدِ، وَفَقْدُ خَلِيلٍ، وَقَتْلُ أَخٍ عَنْ قَلِيلٍ، وَبَيْنَ هَذَيْنِ غَرْسُ الْأَحْقَادِ، وَتَفَتُّتُ الْأَكْبَادِ. فَقَالَ لَهَا: أَوَيَكُفُّ ذَلِكَ كَرَمُ الصَّفْحِ وَإِغْلَاءُ الدِّيَاتِ ؟ فَقَالَتْ: أُمْنِيَةُ مَخْدُوعٍ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ! أَلِبُدْنٍ تَدَعُ لَكَ تَغْلِبُ دَمَ رَبِّهَا ! وَلَمَّا رَحَلَتْ جَلِيلَةُ قَالَتْ أُخْتُ كُلَيْبٍ: رِحْلَةُ الْمُعْتَدِي وَفِرَاقُ الشَّامِتِ، وَيْلٌ غَدًا لِآلِ مُرَّةَ مِنَ الْكَرَّةِ بَعْدَ الْكَرَّةِ. فَبَلَغَ قَوْلُهَا جَلِيلَةَ، فَقَالَتْ: وَكَيْفَ تَشْمَتُ الْحُرَّةُ بِهَتْكِ سِتْرِهَا وَتَرَقُّبِ وَتْرِهَا ! أَسْعَدَ اللَّهُ أُخْتِي أَلَا قَالَتْ: نَفْرَةُ الْحَيَاءِ وَخَوْفُ الْأَعْدَاءِ ! ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: يَا ابْنَةَ الْأَقْوَامِ إِنْ شِئْتِ فَلَا تَعْجَلِي بِاللَّوْمِ حَتَّى تَسْأَلِي فَإِذَا أَنْتِ تَبَيَّنْتِ الَّذِي يُوجِبُ اللَّوْمَ فَلُومِي وَاعْذُلِي إِنْ تَكُنْ أُخْتُ امْرِئٍ لِيمَتْ عَلَى شَفَقٍ مِنْهَا عَلَيْهِ فَافْعَلِي جَلَّ عِنْدِي فِعْلُ جَسَّاسٍ فَيَا حَسْرَتَا عَمَّا انْجَلَى أَوْ يَنْجَلِي فِعْلُ جَسَّاسٍ عَلَى وَجْدِي بِهِ قَاطِعٌ ظَهْرِي وَمُدْنٍ أَجَلِي لَوْ بِعَيْنٍ فُقِئَتْ عَيْنٌ سِوَى أُخْتِهَا فَانْفَقَأَتْ لَمْ أَحْفِلِ تَحْمِلُ الْعَيْنُ قَذَى الْعَيْنِ كَمَا تَحْمِلُ الْأُمُّ أَذَى مَا تَفْتَلِي يَا قَتِيلًا قَوَّضَ الدَّهْرُ بِهِ سَقْفَ بَيْتَيَّ جَمِيعًا مِنْ عَلِ هَدَمَ الْبَيْتَ الَّذِي اسْتَحْدَثْتُهُ وَانْثَنَى فِي هَدْمِ بَيْتِي الْأَوَّلِ وَرَمَانِي قَتْلُهُ مِنْ كَثَبٍ رَمْيَةَ الْمُصْمِي بِهِ الْمُسْتَأْصِلِ يَا نِسَائِي دُونَكُنَّ الْيَوْمَ قَدْ خَصَّنِي الدَّهْرُ بِرُزْءٍ مُعْضِلِ خَصَّنِي قَتْلُ كُلَيْبٍ بِلَظًى مِنْ وَرَائِي وَلَظًى مُسْتَقْبِلِ لَيْسَ مَنْ يَبْكِي لِيَوْمَيْهِ كَمَنْ إِنَّمَا يَبْكِي لِيَوْمٍ مُقْبِلِ يَشْتَفِي الْمُدْرِكُ بِالثَّأْرِ وَفِي دَرْكِيَ ثَأْرِيَ ثُكْلُ الْمُثْكِلِ لَيْتَهُ كَانَ دَمًا فَاحْتَلَبُوا دِرَرًا مِنْهُ دَمِي مِنْ أَكْحَلِي إِنَّنِي قَاتِلَةٌ مَقْتُولَةٌ وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَرْتَاحَ لِي وَأَمَّا مُهَلْهِلٌ، وَاسْمُهُ عَدِيٌّ، وَقِيلَ: امْرُؤُ الْقَيْسِ، وَهُوَ خَالُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ الْكِنْدِيِّ وَإِنَّمَا لُقِّبَ مُهَلْهِلًا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَلْهَلَ الشِّعْرَ وَقَصَّدَ الْقَصَائِدَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَذَبَ فِي شِعْرِهِ، فَإِنَّهُ لَمَّا صَحَا لَمْ يَرُعْهُ إِلَّا النِّسَاءُ يَصْرُخْنَ: أَلَا إِنَّ كُلَيْبًا قُتِلَ، فَقَالَ، وَهُوَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ: كُنَّا نَغَارُ عَلَى الْعَوَاتِقِ أَنْ تُرَى بِالْأَمْسِ خَارِجَةً عَنِ الْأَوْطَانِ فَخَرَجْنَ حَيْثُ ثَوَى كُلَيْبٌ حُسَّرًا مُسْتَيْقِنَاتٍ بَعْدَهُ بِهَوَانِ فَتَرَى الْكَوَاعِبَ كَالظِّبَاءِ عَوَاطِلًا إِذْ حَانَ مَصْرَعُهُ مِنَ الْأَكْفَانِ يَخْمِشْنَ مِنْ أَدَمِ الْوُجُوهِ حَوَاسِرًا مِنْ بَعْدِهِ وَيَعِدْنَ بِالْأَزْمَانِ مُتَسَلِّبَاتٍ نَكْدَهُنَّ وَقَدْ رَوَى أَجْوَافَهُنَّ بِحُرْقَةٍ وَوَرَانِي وَيَقُلْنَ مَنْ لِلْمُسْتَضِيفِ إِذَا دَعَا أَمْ مَنْ لَخَضْبِ عَوَالِيَ الْمُرَّانِ أَمْ لِاتِّسَارٍ بِالْجَزُورِ إِذَا غَدَا رِيحٌ يُقَطِّعُ مَعْقِدَ الْأَشْطَانِ أَمَّنْ لِإِسْبَاقِ الدِّيَاتِ وَجَمْعِهَا وَلِفَادِحَاتِ نَوَائِبِ الْحَدَثَانِ كَانَ الذَّخِيرَةَ لِلزَّمَانِ فَقَدْ أَتَى فُقْدَانُهُ وَأَخَلَّ رُكْنَ مَكَانِي يَا لَهْفَ نَفْسِي مِنْ زَمَانٍ فَاجِعٍ أَلْقَى عَلَيَّ بِكَلْكَلٍ وَجِرَانِ بِمُصِيبَةٍ لَا تُسْتَقَالُ جَلِيلَةٍ غَلَبَتْ عَزَاءَ الْقَوْمِ وَالنِّسْوَانِ هَدَّتْ حُصُونًا كُنَّ قَبْلُ مَلَاوِذًا لِذَوِي الْكُهُولِ مَعًا وَلِلشُّبَّانِ أَضْحَتْ وَأَضْحَى سُورُهَا مِنْ بَعْدِهِ مُتَهَدِّمَ الْأَرْكَانِ وَالْبُنْيَانِ فَابْكِينَ سَيِّدَ قَوْمِهِ وَانْدُبْنَهُ شُدَّتْ عَلَيْهِ قَبَاطِيَ الْأَكْفَانِ وَابْكِينَ لِلْأَيْتَامِ لَمَّا أَقْحَطُوا وَابْكِينَ عِنْدَ تَخَاذُلِ الْجِيرَانِ وَابْكِينَ مَصْرَعَ جِيدِهِ مُتَزَمِّلًا بِدِمَائِهِ فَلَذَاكَ مَا أَبْكَانِي فَلْأَتْرُكَنَّ بِهِ قَبَائِلَ تَغْلِبٍ قَتْلَى بِكُلِّ قَرَارَةٍ وَمَكَانِ قَتْلَى تُعَاوِرُهَا النُّسُورُ أَكُفَّهَا يَنْهَشْنَهَا وَحَوَاجِلُ الْغِرْبَانِ ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ كُلَيْبٌ فَرَأَى دَمَهُ، وَأَتَى قَبْرَهُ فَوَقَفَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: إِنَّ تَحْتَ التُّرَابِ حَزْمًا وَعَزْمًا وَخَصِيمًا أَلَدَّ ذَا مِعْلَاقِ حَيَّةً فِي الْوِجَارِ أَرْبُدَ لَا يَنْ فَعُ مِنْهُ السَّلِيمَ نَفْثُ الرَّاقِي ثُمَّ جَزَّ شَعْرَهُ، وَقَصَّرَ ثَوْبَهُ، وَهَجَرَ النِّسَاءَ، وَتَرَكَ الْغَزَلَ، وَحَرَّمَ الْقِمَارَ وَالشَّرَابَ، وَجَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمَهُ وَأَرْسَلَ رِجَالًا مِنْهُمْ إِلَى بَنِي شَيْبَانَ، فَأَتَوْا مُرَّةَ بْنَ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَهُوَ فِي نَادِي قَوْمِهِ فَقَالُوا لَهُ: إِنَّكُمْ أَتَيْتُمْ عَظِيمًا بِقَتْلِكُمْ كُلَيْبًا بِنَاقَةٍ وَقَطَّعْتُمُ الرَّحِمَ، وَانْتَهَكْتُمُ الْحُرْمَةَ، وَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خِلَالًا أَرْبَعًا، لَكُمْ فِيهَا مَخْرَجٌ، وَلَنَا فِيهَا مَقْنَعٌ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَ لَنَا كُلَيْبًا، أَوْ تَدْفَعَ إِلَيْنَا قَاتِلَهُ جَسَّاسًا فَنَقْتُلَهُ بِهِ، أَوْ هَمَّامًا فَإِنَّهُ كُفُؤٌ لَهُ، أَوْ تُمَكِّنُنَا مِنْ نَفْسِكَ، فَإِنَّ فِيكَ وَفَاءً لِدَمِهِ. فَقَالَ لَهُمْ: أَمَّا إِحْيَائِي كُلَيْبًا فَلَسْتُ قَادِرًا عَلَيْهِ، وَأَمَّا دَفْعِي جَسَّاسًا إِلَيْكُمْ فَإِنَّهُ غُلَامٌ طَعَنَ طَعْنَةً عَلَى عَجَلٍ، وَرَكِبَ فَرَسَهُ، فَلَا أَدْرِي أَيَّ بِلَادٍ قَصَدَ، وَأَمَّا هَمَّامٌ فَإِنَّهُ أَبُو عَشَرَةٍ وَأَخُو عَشَرَةٍ وَعَمُّ عَشَرَةٍ كُلُّهُمْ فُرْسَانُ قَوْمِهِمْ فَلَنْ يُسْلِمُوهُ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ، وَأَمَّا أَنَا فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَجُولَ الْخَيْلُ جَوْلَةً فَأَكُونَ أَوَّلَ قَتِيلٍ فَمَا أَتَعَجَّلُ الْمَوْتَ، وَلَكِنْ لَكُمْ عِنْدِي خَصْلَتَانِ: أَمَّا إِحْدَاهُمَا فَهَؤُلَاءِ أَبْنَائِي الْبَاقُونَ فَخُذُوا أَيَّهُمْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ بِصَاحِبِكُمْ وَأَمَّا الْأُخْرَى فَإِنِّي أَدْفَعُ إِلَيْكُمْ أَلْفَ نَاقَةٍ سُودِ الْحَدَقِ حُمْرِ الْوَبَرِ. فَغَضِبَ الْقَوْمُ وَقَالُوا: قَدْ أَسَأْتَ بِبَذْلِ هَؤُلَاءِ وَتَسُومُنَا اللَّبَنَ مِنْ دَمِ كُلَيْبٍ ؟ وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَلَحِقَتْ جَلِيلَةُ زَوْجَةُ كُلَيْبٍ بِأَبِيهَا وَقَوْمِهَا، وَاعْتَزَلَتْ قَبَائِلُ بَكْرٍ الْحَرْبَ وَكَرِهُوا مُسَاعَدَةَ بَنِي شَيْبَانَ عَلَى الْقِتَالِ وَأَعْظَمُوا قَتْلَ كُلَيْبٍ، فَتَحَوَّلَتْ لُجَيْمٌ وَيَشْكُرُ، وَكَفَّ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ عَنْ نَصْرِهِمْ وَمَعَهُ أَهْلُ بَيْتِهِ، وَقَالَ مُهَلْهِلٌ عِدَّةَ قَصَائِدَ يَرْثِي كُلَيْبًا مِنْهَا: كُلَيْبٌ لَا خَيْرَ فِي الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا إِذْ أَنْتَ خَلَّيْتَهَا فِيمَنْ يُخَلِّيهَا كُلَيْبٌ أَيُّ فَتَى عِزٍّ وَمَكْرُمَةٍ تَحْتَ السَّقَائِفِ إِذْ يَعْلُوكَ سَافِيهَا نَعَى النُّعَاةُ كُلَيْبًا لِي فَقُلْتُ لَهُمْ: مَالَتْ بِنَا الْأَرْضُ أَوْ زَالَتْ رَوَاسِيهَا الْحَزْمُ وَالْعَزْمُ كَانَا مِنْ صَنِيعَتِهِ مَا كُلُّ آلَائِهِ يَا قَوْمِ أُحْصِيهَا الْقَائِدُ الْخَيْلَ تَرْدِي فِي أَعِنَّتِهَا رَهْوًا إِذَا الْخَيْلُ لَجَّتْ فِي تَعَادِيهَا مِنْ خَيْلِ تَغْلِبَ مَا تُلْقَى أَسِنَّتُهَا إِلَّا وَقَدْ خَضَّبُوهَا مِنْ أَعَادِيهَا يُهَزْهِزُونَ مِنَ الْخَطِّيِّ مُدْمَجَةً صُمًّا أَنَابِيبُهَا زُرْقًا عَوَالِيهَا لَيْتَ السَّمَاءَ عَلَى مَنْ تَحْتَهَا وَقَعَتْ وَانْشَقَّتِ الْأَرْضُ فَانْجَابَتْ بِمَنْ فِيهَا لَا أَصْلَحَ اللَّهُ مِنَّا مَنْ يُصَالِحُكُمْ مَا لَاحَتِ الشَّمْسُ فِي أَعْلَى مَجَارِيهَا فَالْتَقَوْا فِي أَوَّلِ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَهُمْ - فِي قَوْلٍ - يَوْمَ عُنَيْزَةَ، وَهِيَ عِنْدَ فُلْجَةٍ، وَكَانَا عَلَى السَّوَاءِ، فَقَالَ مُهَلْهِلٌ: كَأَنَّا غُدْوَةً وَبَنِي أَبِينَا بِجَنْبِ عُنَيْزَةٍ رَحَيَا مُدِيرِ وَلَوْلَا الرِّيحُ أُسْمِعَ أَهْلُ حُجْرٍ صَلِيلَ الْبِيضِ تُقْرَعُ بِالذُّكُورِ فَتَفَرَّقُوا ثُمَّ بَقُوا زَمَانًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ الْتَقَوْا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ النِّهْيُ، كَانَتْ بَنُو شَيْبَانَ نَازِلَةً عَلَيْهِ، وَيُرْوَى أَنَّهَا أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ رَئِيسَ تَغْلِبَ مُهَلْهِلٌ، وَرَئِيسَ شَيْبَانَ الْحَارِثُ بْنُ مُرَّةَ، وَكَانَتِ الدَّائِرَةُ لِبَنِي تَغْلِبَ، وَكَانَتِ الشَّوْكَةُ فِي بَنِي شَيْبَانَ، وَاسْتَحَرَّ الْقِتَالُ فِيهِمْ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ ذَلِكَ الْيَوْمَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي مُرَّةَ. ثُمَّ الْتَقَوْا بِالذَّنَائِبِ، وَهِيَ أَعْظَمُ وَقْعَةٍ كَانَتْ لَهُمْ، فَظَفِرَتْ بَنُو تَغْلِبَ وَقَتَلَتْ بَكْرًا مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَقُتِلَ فِيهَا شَرَاحِيلُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ هَمَّامِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَهُوَ جَدُّ الْحَوْفَزَانِ وَجَدُّ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، وَقُتِلَ الْحَارِثُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ عَمْرُو بْنُ سَدُوسِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رُؤَسَاءِ بَكْرٍ. ثُمَّ الْتَقَوْا يَوْمَ وَارِدَاتٍ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَظَفِرَتْ تَغْلِبُ أَيْضًا، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي بَكْرٍ، فَقُتِلَ هَمَّامُ بْنُ مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ أَخُو جَسَّاسٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَمَرَّ مُهَلْهِلٌ، فَلَمَّا رَآهُ قَتِيلًا قَالَ: وَاللَّهِ مَا قُتِلَ بَعْدَ كُلَيْبٍ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْكَ، وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بَكْرٌ بَعْدَكُمَا عَلَى خَيْرٍ أَبَدًا. وَقِيلَ: إِنَّمَا قُتِلَ يَوْمَ الْقُصَيْبَاتِ، قَبْلَ يَوْمِ قِضَةَ، قَتَلَهُ نَاشِرَةُ، وَكَانَ هَمَّامٌ قَدِ الْتَقَطَهُ وَرَبَّاهُ وَسَمَّاهُ نَاشِرَةَ، وَكَانَ عِنْدَهُ. فَلَمَّا شَبَّ عَلِمَ أَنَّهُ تَغْلَبِيٌّ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ جَعَلَ هَمَّامٌ يُقَاتِلُ فَإِذَا عَطِشَ جَاءَ إِلَى قَرْيَةٍ لَهُ يَشْرَبُ مِنْهَا، فَتَغَفَّلَهُ نَاشِرَةُ فَقَتَلَهُ وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ تَغْلِبَ، وَكَادَ جَسَّاسٌ يُؤْخَذُ فَسَلِمَ، فَقَالَ مُهَلْهِلٌ: لَوْ أَنَّ خَيْلِيَ أَدْرَكَتْكَ وَجَدْتَهُمْ مِثْلَ اللُّيُوثِ بِسَتْرِ غُبِّ عَرِينِ وَيَقُولُ فِيهَا: وَلَأُورِدَنَّ الْخَيْلَ بَطْنَ أَرَاكَةٍ وَلَأَقْضِيَنَّ بِفِعْلِ ذَاكَ دُيُونِي وَلَأَقْتُلَنَّ جَحَاجِحًا مِنْ بِكْرِكُمْ وَلَأُبْكِيَنَّ بِهَا جُفُونَ عُيُونِ حَتَّى تَظَلَّ الْحَامِلَاتُ مَخَافَةً مِنْ وَقَعِنَا يَقْذِفْنَ كُلَّ جَنِينِ وَقِيلَ فِي تَرْتِيبِ الْأَيَّامِ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَكَانَ أَبُو نُوَيْرَةَ التَّغْلِبِيُّ وَغَيْرُهُ طَلَائِعَ قَوْمِهِ، وَكَانَ جَسَّاسٌ وَغَيْرُهُ طَلَائِعَ قَوْمِهِمْ، وَالْتَقَى بَعْضَ اللَّيَالِي جَسَّاسٌ وَأَبُو نُوَيْرَةَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو نُوَيْرَةَ: اخْتَرْ إِمَّا الصِّرَاعَ أَوِ الطِّعَانَ أَوِ الْمُسَايَفَةَ. فَاخْتَارَ جَسَّاسٌ الصِّرَاعَ، فَاصْطَرَعَا وَأَبْطَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى أَصْحَابِ حَيِّهِ، وَطَلَبُوهُمَا فَأَصَابُوهُمَا وَهُمَا يَصْطَرِعَانِ، وَقَدْ كَادَ جَسَّاسٌ يَصْرَعُهُ، فَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا. وَجَعَلَتْ تِغْلِبُ تَطْلُبُ جَسَّاسًا أَشَدَّ الطَّلَبِ، فَقَالَ لَهُ مُرَّةُ: الْحَقْ بِأَخْوَالِكَ بِالشَّامِ، فَامْتَنَعَ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ أَبُوهُ فَسَيَّرَهُ سِرًّا فِي خَمْسَةِ نَفَرٍ: وَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ، فَنَدَبَ أَبَا نُوَيْرَةَ وَمَعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ فَسَارُوا مُجِدِّينَ، فَأَدْرَكُوا جَسَّاسًا، فَقَاتَلَهُمْ فَقُتِلَ أَبُو نُوَيْرَةَ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ، وَجُرِحَ جَسَّاسٌ جُرْحًا شَدِيدًا مَاتَ مِنْهُ، وَقُتِلَ أَصْحَابُهُ فَلَمْ يَسْلَمْ غَيْرُ رَجُلَيْنِ أَيْضًا، فَعَادَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ السَّالِمَيْنِ إِلَى أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ مُرَّةُ قَتْلَ ابْنِهِ جَسَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا يُحْزِنُنِي أَنْ كَانَ لَمْ يَقْتُلْ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ قَتَلَ بِيَدِهِ أَبَا نُوَيْرَةَ رَئِيسَ الْقَوْمِ، وَقَتَلَ مَعَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، مَا شَرَكَهُ مِنَّا أَحَدٌ فِي قَتْلِهِمْ وَقَتَلْنَا نَحْنُ الْبَاقِينَ، فَقَالَ: ذَلِكَ مِمَّا يُسْكِنُ قَلْبِي عَنْ جَسَّاسٍ. وَقِيلَ: إِنَّ جَسَّاسًا آخِرُ مَنْ قُتِلَ فِي حَرْبِ بَكْرٍ وَتَغْلِبَ، وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّ أُخْتَهُ جَلِيلَةَ كَانَتْ تَحْتَ كُلَيْبِ وَائِلٍ. فَلَمَّا قُتِلَ كُلَيْبٌ عَادَتْ إِلَى أَبِيهَا وَهِيَ حَامِلٌ وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ، وَكَانَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ مَا كَانَ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمُوَادَعَةِ بَعْدَمَا كَادَتِ الْفِئَتَانِ تَتَفَانَيَانِ، فَوَلَدَتْ أُخْتُ جَسَّاسٍ غُلَامًا فَسَمَّتْهُ هِجْرِسًا، وَرَبَّاهُ جَسَّاسٌ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ أَبًا غَيْرَهُ، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ فَوَقَعَ بَيْنَ هِجْرِسَ وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ بَكْرٍ كَلَامٌ، فَقَالَ لَهُ الْبَكْرِيُّ: مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ حَتَّى نُلْحِقَكَ بِأَبِيكَ. فَأَمْسَكَ عَنْهُ وَدَخَلَ إِلَى أُمِّهِ كَئِيبًا حَزِينًا فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. فَلَمَّا نَامَ إِلَى جَنْبِ امْرَأَتِهِ رَأَتْ مِنْ هَمِّهِ وَفِكْرِهِ مَا أَنْكَرَتْهُ، فَقَصَّتْ عَلَى أَبِيهَا جَسَّاسٍ قِصَّتَهُ، فَقَالَ: ثَائِرٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ! وَبَاتَ عَلَى مِثْلِ الرَّضْفِ حَتَّى أَصْبَحَ، فَأَحْضَرَ الْهِجْرِسَ فَقَالَ لَهُ: إِنَّمَا أَنْتَ وَلَدِي وَأَنْتَ مِنِّي بِالْمَكَانِ الَّذِي تَعَلَمُ، وَزَوَّجْتُكَ ابْنَتِي، وَقَدْ كَانَتِ الْحَرْبُ فِي أَبِيكَ زَمَانًا طَوِيلًا، وَقَدِ اصْطَلَحْنَا وَتَحَاجَزْنَا، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ تَدْخُلَ فِي مَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الصُّلْحِ، وَأَنْ تَنْطَلِقَ مَعِي حَتَّى نَأْخُذَ عَلَيْكَ مِثْلَ مَا أُخِذَ عَلَيْنَا. فَقَالَ الْهِجْرِسُ: أَنَا فَاعِلٌ. فَحَمَلَهُ جَسَّاسٌ عَلَى فَرَسٍ فَرَكِبَهُ وَلَبِسَ لَأْمَتَهُ وَقَالَ: مِثْلِي لَا يَأْتِي أَهْلَهُ بِغَيْرِ سِلَاحِهِ، فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا جَمَاعَةً مِنْ قَوْمِهِمَا، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ جَسَّاسٌ الْقِصَّةَ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْهِجْرِسَ يَدْخُلُ فِي الَّذِي دَخَلَ فِيهِ جَمَاعَتُهُمْ وَقَدْ حَضَرَ لِيَعْقِدَ مَا عَقَدْتُمْ. فَلَمَّا قَرَّبُوا الدَّمَ وَقَامُوا إِلَى الْعَقْدِ أَخَذَ الْهِجْرِسُ بِوَسَطِ رُمْحِهِ ثُمَّ قَالَ: وَفَرَسِي وَأُذُنَيْهِ، وَرُمْحِي وَنَصْلَيْهِ، وَسَيْفِي وَغِرَارَيْهِ لَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ قَاتِلَ أَبِيهِ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، ثُمَّ طَعَنَ جَسَّاسًا فَقَتَلَهُ وَلَحِقَ بِقَوْمِهِ، وَكَانَ آخِرَ قَتِيلٍ فِي بَكْرٍ. وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ. وَنَرْجِعُ إِلَى سِيَاقَةِ الْحَدِيثِ. فَلَمَّا قُتِلَ جَسَّاسٌ أَرْسَلَ أَبُوهُ مُرَّةُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ: إِنَّكَ قَدْ تَرَكْتَ ثَأْرَكَ وَقَتَلْتَ جَسَّاسًا، فَاكْفُفْ عَنِ الْحَرْبِ وَدَعِ اللَّجَاجَ وَالْإِسْرَافَ وَأَصْلِحْ ذَاتَ الْبَيْنِ فَهُوَ أَصْلَحُ لِلْحَيَّيْنِ وَأَنْكَأُ لِعَدُوِّهِمْ، فَلَمْ يُجَبْ إِلَى ذَلِكَ. وَكَانَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ قَدِ اعْتَزَلَ الْحَرْبَ، فَلَمْ يَشْهَدْهَا، فَلَمَّا قُتِلَ جَسَّاسٌ وَهَمَّامٌ ابْنَا مُرَّةَ حَمَلَ ابْنَهُ بُجَيْرًا، وَهُوَ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عُبَادٍ أَخِي الْحَارِثِ بْنِ عُبَادٍ، فَلَمَّا حَمَلَهُ عَلَى النَّاقَةِ كَتَبَ مَعَهُ إِلَى الْمُهَلْهِلِ: إِنَّكَ قَدْ أَسْرَفْتَ فِي الْقَتْلِ وَأَدْرَكْتَ ثَأْرَكَ سِوَى مَا قَتَلْتَ مِنْ بَكْرٍ، وَقَدْ أَرْسَلْتُ ابْنِي إِلَيْكَ فَإِمَّا قَتَلْتَهُ بِأَخِيكَ وَأَصْلَحْتَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ وَإِمَّا أَطْلَقْتَهُ وَأَصْلَحْتَ ذَاتَ الْبَيْنِ، فَقَدْ مَضَى مِنَ الْحَيَّيْنِ فِي هَذِهِ الْحُرُوبِ مَنْ كَانَ بَقَاؤُهُ خَيْرًا لَنَا وَلَكُمْ. فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى كِتَابِهِ أَخَذَ بُجَيْرًا فَقَتَلَهُ وَقَالَ: بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُوهُ بِقَتْلِهِ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَهُ بِأَخِيهِ لِيُصْلِحَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ، فَقَالَ: نِعْمَ الْقَتِيلُ قَتِيلًا أَصْلَحَ بَيْنَ ابْنَيْ وَائِلٍ ! فَقِيلَ: إِنَّهُ قَالَ: ( بُؤْ بِشِسْعِ نَعْلِ كُلَيْبٍ )، فَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ وَقَالَ: قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي لَقِحَتْ حَرْبُ وَائِلٍ عَنْ حِيَالِ قَرِّبَا مَرْبَطَ النَّعَامَةِ مِنِّي شَابَ رَأْسِي وَأَنْكَرَتْنِي رِجَالِي لَمْ أَكُنْ مِنْ جُنَاتِهَا عَلِمَ اللَّ هُ وَإِنِّي بِحَرِّهَا الْيَوْمَ صَالِي فَأَتَوْهُ بِفَرَسِهِ النَّعَامَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهَا مِثْلُهَا، فَرَكِبَهَا وَوَلِيَ أَمْرَ بَكْرٍ وَشَهِدَ حَرْبَهُمْ، وَكَانَ أَوَّلَ يَوْمٍ شَهِدَهُ يَوْمُ قِضَةَ، وَهُوَ يَوْمُ تَحْلَاقِ اللِّمَمِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ تَحْلَاقُ اللِّمَمِ لِأَنَّ بَكْرًا حَلَقُوا رُءُوسَهُمْ لِيَعْرِفَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا جَحْدَرَ بْنَ ضُبَيْعَةَ بْنِ قَيْسٍ أَبُو الْمَسَامِعَةِ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا قَصِيرٌ فَلَا تَشِينُونِي، وَأَنَا أَشْتَرِي لَمَّتِي مِنْكُمْ بِأَوَّلِ فَارِسٍ يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ. فَطَلَعَ ابْنُ عَنَّاقٍ فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ يَرْتَجِزُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَقُولُ: رُدُّوا عَلَيَّ الْخَيْلَ إِنْ أَلَمَّتِ إِنْ لَمْ أُقَاتِلْهُمْ فَجُزُّوا لِمَّتِي وَقَاتَلَ يَوْمَئِذٍ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ فِي تَغْلِبَ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَفِيهِ يَقُولُ طَرَفَةُ: سَائِلُوا عَنَّا الَّذِي يَعْرِفُنَا بِقُوَانَا يَوْمَ تَحْلَاقِ اللِّمَمِ يَوْمَ تُبْدِي الْبِيضُ عَنْ أَسْؤُقِهَا وَتَلُفُّ الْخَيْلُ أَفْوَاجَ النَّعَمْ وَفِي هَذَا الْيَوْمِ أَسَرَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ مُهَلْهِلًا، وَاسْمُهُ عَدِيٌّ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهُ: دُلَّنِي عَلَى عَدِيٍّ وَأَنَا أُخَلِّي عَنْكَ. فَقَالَ لَهُ الْمُهَلْهِلُ: عَلَيْكَ عَهْدُ اللَّهِ بِذَلِكَ إِنْ دَلَلْتُكَ عَلَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنَا عَدِيٌّ، فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَتَرَكَهُ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ: لَهْفُ نَفْسِي عَلَى عَدِيٍّ وَلَمْ أَعْ رِفْ عَدِيًّا إِذْ أَمْكَنَتْنِي الْيَدَانِ وَكَانَتِ الْأَيَّامُ الَّتِي اشْتَدَّتْ فِيهَا الْحَرْبُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ خَمْسَةَ أَيَّامٍ: يَوْمُ عُنَيْزَةَ تَكَافَأُوا فِيهِ وَتَنَاصَفُوا. ثُمَّ الْيَوْمُ الثَّانِي يَوْمُ وَارِدَاتٍ، كَانَ لِتَغْلِبَ عَلَى بَكْرٍ. ثُمَّ الْيَوْمُ الثَّالِثُ الْحِنْوُ، كَانَ لِبَكْرٍ عَلَى تَغْلِبَ. ثُمَّ الْيَوْمُ الرَّابِعُ يَوْمُ الْقُصَيْبَاتِ، أُصِيبَ بَكْرٌ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يَسْتَقِيلُوا. ثُمَّ الْيَوْمُ الْخَامِسُ يَوْمُ قِضَةَ، وَهُوَ يَوْمُ التَّحَالُقِ، وَشَهِدَهُ الْحَارِثُ بْنُ عُبَادٍ. ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامٌ دُونَ هَذِهِ، مِنْهَا: يَوْمُ النَّقِيَّةِ، وَيَوْمُ الْفَصِيلِ لِبَكْرٍ عَلَى تَغْلِبَ. ثُمَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُزَاحَفَةٌ إِنَّمَا كَانَ مُغَاوَرَاتٌ، وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ سَنَةً. ثُمَّ إِنَّ مُهَلْهِلًا قَالَ لِقَوْمِهِ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ تُقْبِلُوا عَلَى قَوْمِكُمْ فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ صَلَاحَكُمْ، وَقَدْ أَتَتْ عَلَى حَرْبِكُمْ أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَمَا لُمْتُكُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْ طَلَبِكُمْ بِوَتْرِكُمْ، فَلَوْ مَرَّتْ هَذِهِ السُّنُونَ فِي رَفَاهِيَةِ عَيْشٍ لَكَانَتْ تُمَلُّ مِنْ طُولِهَا، فَكَيْفَ وَقَدْ فَنِيَ الْحَيَّانِ وَثَكِلَتِ الْأُمَّهَاتُ وَيُتِّمَ الْأَوْلَادُ وَنَائِحَةٌ لَا تَزَالُ تَصْرُخُ فِي النَّوَاحِي، وَدُمُوعٌ لَا تُرْقَأُ، وَأَجْسَادٌ لَا تُدْفَنُ، وَسُيُوفٌ مَشْهُورَةٌ، وَرِمَاحٌ مُشْرَعَةٌ ! وَإِنَّ الْقَوْمَ سَيَرْجِعُونَ إِلَيْكُمْ غَدًا بِمَوَدَّتِهِمْ وَمُوَاصَلَتِهِمْ وَتَتَعَطَّفُ الْأَرْحَامُ حَتَّى تَتَوَاسَوْا فِي قُبَالِ النَّعْلِ، فَكَانَ كَمَا قَالَ. ثُمَّ قَالَ مُهَلْهِلٌ: أَمَّا أَنَا فَمَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ أُقِيمَ فِيكُمْ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إِلَى قَاتِلِ كُلَيْبٍ، وَأَخَافُ أَنْ أَحْمِلَكُمْ عَلَى الِاسْتِئْصَالِ وَأَنَا سَائِرٌ إِلَى الْيَمَنِ، وَفَارَقَهُمْ وَسَارَ إِلَى الْيَمَنِ وَنَزَلَ فِي جَنْبٍ، وَهِيَ حَيٌّ مِنْ مَذْحِجٍ، فَخَطَبُوا إِلَيْهِ ابْنَتَهُ، فَمَنَعَهُمْ، فَأَجْبَرُوهُ عَلَى تَزْوِيجِهَا وَسَاقُوا إِلَيْهِ صَدَاقَهَا جُلُودًا مَنْ أُدُمٍ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: أَعْزِرْ عَلَى تَغْلِبَ بِمَا لَقِيَتْ أُخْتُ بَنِي الْأَكْرَمِينَ مِنْ جُشَمِ أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أُدُمِ لَوْ بِأَبَانَيْنِ جَاءَ يَخْطُبُهَا ضُرَّجَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمٍ الْأَرَاقِمُ بَطْنٌ مِنْ جُشَمَ بْنِ تَغْلِبَ، يَعْنِي حَيْثُ فَقَدَتِ الْأَرَاقِمَ، وَهُمْ عَشِيرَتُهَا، تَزَوَّجَهَا رَجُلٌ مِنْ جَنْبٍ بِأُدُمٍ. ثُمَّ إِنَّ مُهَلْهِلًا عَادَ إِلَى دِيَارِ قَوْمِهِ، فَأَخَذَهُ عَمْرُو بْنُ مَالِكِ بْنِ ضُبَيْعَةَ الْبَكْرِيُّ أَسِيرًا بِنَوَاحِي هَجَرَ فَأَحْسَنَ إِسَارَهُ، فَمَرَّ عَلَيْهِ تَاجِرٌ يَبِيعُ الْخَمْرَ قَدِمَ بِهَا مِنْ هَجَرَ، وَكَانَ صَدِيقًا لِمُهَلْهِلٍ، فَأَهْدَى إِلَيْهِ وَهُوَ أَسِيرٌ زِقًّا مِنْ خَمْرٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَنُو مَالِكٍ فَنَحَرُوا عِنْدَهُ بِكْرًا وَشَرِبُوا عِنْدَ مُهَلْهِلٍ فِي بَيْتِهِ الَّذِي أَفْرَدَ لَهُ عَمْرٌو. فَلَمَّا أَخَذَ فِيهِمُ الشَّرَابُ تَغَنَّى مُهَلْهِلٌ بِمَا كَانَ يَقُولُهُ مِنَ الشِّعْرِ وَيَنُوحُ بِهِ عَلَى أَخِيهِ كُلَيْبٍ، فَسَمِعَ مِنْهُ عَمْرٌو ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَرَيَّانٌ، وَاللَّهِ لَا يَشْرَبُ عِنْدِي مَاءً حَتَّى يَرِدَ زَبِيبٌ، وَهُوَ فَحْلٌ كَانَ لَهُ لَا يَرِدُ إِلَّا خَمْسًا فِي حَمَارَةِ الْقَيْظِ، فَطَلَبَ بَنُو مَالِكٍ زَبِيبًا وَهُمْ حُرَّاصٌ عَلَى أَنْ يَهْلِكَ مُهَلْهِلٌ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ مُهَلْهِلٌ عَطَشًا. وَقِيلَ: إِنَّ ابْنَةَ خَالِ الْمُهَلْهِلِ، وَهِيَ ابْنَةُ الْمُجَلَّلِ التَغْلِبِيِّ، كَانَتِ امْرَأَةَ عَمْرٍو، وَأَرَادَتْ أَنْ تَأْتِيَ مُهَلْهِلًا وَهُوَ أَسِيرٌ، فَقَالَ يَذْكُرُهَا: طِفْلَةٌ مَا ابْنَةُ الْمُجَلَّلِ بَيْضَا ءُ لَعُوبٌ لَذِيذَةٌ فِي الْعِنَاقِ فَاذْهَبِي مَا إِلَيْكِ غَيْرَ بَعِيدٍ لَا يُؤَاتِي الْعِنَاقَ مَنْ فِي الْوَثَاقِ ضَرَبَتْ نَحْرَهَا إِلَيَّ وَقَالَتْ يَا عَدِيٌّ لَقَدْ وَقَتْكَ الْأَوَاقِي وَهِيَ أَبْيَاتٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ، فَنُقِلَ شِعْرُهُ إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ، فَحَلَفَ عَمْرٌو أَنْ لَا يَسْقِيَهُ الْمَاءَ حَتَّى يَرِدَ زَبِيبٌ، فَسَأَلَهُ النَّاسُ أَنْ يُورِدَ زَبِيبًا قَبْلَ وُرُودِهِ، فَفَعَلَ وَأَوْرَدَهُ وَسَقَاهُ حَتَّى يَتَحَلَّلَ مِنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ سَقَى مُهَلْهِلًا مِنْ مَاءٍ هُنَاكَ هُوَ أَوْخَمُ الْمِيَاهِ، فَمَاتَ مُهَلْهِلٌ. ( عُبَادٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِهَا ).
التاريخ 554لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ وَبَنِي تَغْلِبَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: إِنَّ بَكْرًا وَتَغْلِبَ ابْنَيْ وَائِلٍ اجْتَمَعَتْ لِلْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ، وَذَلِكَ بَعْدَ حَرْبِهِمْ، وَكَانَ الَّذِي أَصْلَحَ بَيْنَهُمْ قَيْسُ بْنُ شَرَاحِيلَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ هَمَّامٍ، فَغَزَا بِهِمُ الْمُنْذِرُ بَنِي آكِلِ الْمُرَارِ، وَجَعَلَ عَلَى بَنِي بَكْرٍ وَتَغْلِبَ ابْنَهُ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ، وَقَالَ: أُغْزُ أَخْوَالَكَ. فَغَزَاهُمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ بَنُو آكِلِ الْمُرَارِ وَأُسِرُوا، وَجَاءُوا بِهِمْ إِلَى الْمُنْذِرِ فَقَتَلَهُمْ. ثُمَّ انْتَقَضَتْ تَغْلِبُ عَلَى الْمُنْذِرِ وَلَحِقَتْ بِالشَّامِ، ( وَنَحْنُ نَذْكُرُ سَبَبَ ذَلِكَ فِي أَخْبَارِ شَيْبَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ) وَعَادَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَكْرٍ، فَخَرَجَ مَلِكُ غَسَّانَ بِالشَّامِ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ الْغَسَّانِيُّ، فَمَرَّ بِأَفَارِيقَ مِنْ تَغْلِبَ، فَلَمْ يَسْتَقْبِلُوهُ. وَرَكِبَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ التَغْلِبِيُّ فَلَقِيَهُ، فَقَالَ لَهُ: مَا مَنْعَ قَوْمَكَ أَنْ يَتَلَقَّوْنِي ؟ فَقَالَ: لَمْ يَعْلَمُوا بِمُرُورِكَ، فَقَالَ: لَئِنْ رَجَعْتُ لَأَغْزُوَنَّهُمْ غَزْوَةً تَتْرُكُهُمْ أَيْقَاظًا لِقُدُومِي، فَقَالَ عَمْرٌو: مَا اسْتَيْقَظَ قَوْمٌ قَطُّ إِلَّا نَبُلَ رَأْيُهُمْ وَعَزَّتْ جَمَاعَتُهُمْ، فَلَا تُوقِظَنَّ نَائِمَهُمْ. فَقَالَ: كَأَنَّكَ تَتَوَعَّدُنِي بِهِمْ، أَمَّا وَاللَّهِ لِتَعْلَمُنَّ إِذَا أَجَالَتْ غَطَارِيفُ غَسَّانَ الْخَيْلَ فِي دِيَارِكُمْ أَنَّ أَيْقَاظَ قَوْمِكَ سَيَنَامُونَ نَوْمَةً لَا حُلْمَ فِيهَا، تُجْتَثُّ أُصُولُهُمْ، وَيُنْفَى فَلُّهُمْ إِلَى الْيَابِسِ الْجَرِدِ وَالنَّازِحِ الثَّمِدِ. ثُمَّ رَجَعَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ عَنْهُ، وَجَمَعَ قَوْمَهُ وَقَالَ: أَلَا فَاعْلَمْ أَبَيْتَ اللَّعْنَ أَنَّا أَبَيْتَ اللَّعْنَ نَأْبَى مَا تُرِيدُ تَعَلَّمْ أَنَّ مَحْمَلَنَا ثَقِيلٌ وَأَنَّ دِبَارَ كَبَّتِنَا شَدِيدُ وَأَنَّا لَيْسَ حَيٌّ مِنْ مَعَدٍّ يُقَاوِمُنَا إِذَا لُبِسَ الْحَدِيدُ فَلَمَّا عَادَ الْحَارِثُ الْأَعْرَجُ غَزَا بَنِي تَغْلِبَ، فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ انْهَزَمَ الْحَارِثُ وَبَنُو غَسَّانَ وَقُتِلَ أَخُو الْحَارِثِ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ: هَلَّا عَطَفْتَ عَلَى أَخِيكَ إِذَا دَعَا بِالثُّكْلِ وَيْلَ أَبِيكَ يَا ابْنَ أَبِي شِمْرِ فَذُقِ الَّذِي جَشَمْتَ نَفْسَكَ وَاعْتَرِفْ فِيهَا أَخَاكَ وَعَامِرَ بْنَ أَبِي حُجْرِ
التاريخ 555لا حكم مسجّل
يَوْمُ عَيْنِ أُبَاغٍ وَهُوَ بَيْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ وَبَيْنَ الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ جَبَلَةَ، وَقِيلَ: أَبُو شِمْرٍ عَمْرُو بْنُ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حُجْرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَيْهَمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَارِيَةَ الْغَسَّانِيُّ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَقِيلَ: هُوَ أَزْدِيٌّ تَغَلَّبَ عَلَى غَسَّانَ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ، وَهُوَ الَّذِي طَلَبَ أَدْرَاعَ امْرِئِ الْقَيْسِ مِنَ السَّمَوْأَلِ بْنِ عَادِيَاءَ وَقَتَلَ ابْنَهُ، وَقِيلَ غَيْرُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُنْذِرَ بْنَ مَاءِ السَّمَاءِ مَلِكَ الْعَرَبِ سَارَ مِنَ الْحِيرَةِ فِي مَعَدٍّ كُلِّهَا حَتَّى نَزَلَ بِعَيْنِ أُبَاغٍ بِذَاتِ الْخِيَارِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْحَارِثِ الْأَعْرَجَ بْنَ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جَفْنَةَ بْنِ عَمْرٍو مُزَيْقِيَاءَ بْنَ عَامِرٍ الْغَسَّانِيَّ مَلِكَ الْعَرَبِ بِالشَّامِ: إِمَّا أَنْ تُعْطِيَنِي الْفِدْيَةَ فَأَنْصَرِفَ عَنْكَ بِجُنُودِي، وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنَ بِحَرْبٍ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ: أَنْظِرْنَا نَنْظُرُ فِي أَمْرِنَا. فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ نَحْوَ الْمُنْذِرِ وَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: إِنَّا شَيْخَانِ فَلَا نُهْلِكُ جُنُودِي وَجُنُودَكَ، وَلَكِنْ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي وَيَخْرُجُ مِنْ وَلَدِكَ، فَمَنْ قُتِلَ خَرَجَ عِوَضَهُ آخَرُ، وَإِذَا فَنِيَ أَوْلَادُنَا خَرَجْتُ أَنَا إِلَيْكَ فَمَنْ قَتَلَ صَاحِبَهُ ذَهَبَ بِالْمُلْكِ. فَتَعَاهَدَا عَلَى ذَلِكَ، فَعَمِدَ الْمُنْذِرُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَقِفَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَيُظْهِرَ أَنَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، فَلَمَّا خَرَجَ أَخْرَجَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ ابْنَهُ أَبَا كَرِبٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِابْنِ الْمُنْذِرِ إِنَّمَا هُوَ عَبْدُهُ أَوْ بَعْضُ شُجْعَانِ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ أَجَزِعْتَ مِنَ الْمَوْتِ ؟ مَا كَانَ الشَّيْخُ لِيَغْدِرَ. فَعَادَ إِلَيْهِ وَقَاتَلَهُ فَقَتَلَهُ الْفَارِسُ وَأَلْقَى رَأْسَهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُنْذِرِ، وَعَادَ فَأَمَرَ الْحَارِثُ ابْنًا لَهُ آخَرَ بِقِتَالِهِ وَالطَّلَبِ بِثَأْرِ أَخِيهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا وَاقَفَهُ رَجَعَ إِلَى أَبِيهِ وَقَالَ: يَا أَبَتِ هَذَا وَاللَّهِ عَبْدُ الْمُنْذِرِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّ مَا كَانَ الشَّيْخُ لِيَغْدِرَ. فَعَادَ إِلَيْهِ فَشَدَّ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ شِمْرُ بْنُ عَمْرٍو الْحَنَفِيُّ، وَكَانَتْ أَمُّهُ غَسَّانِيَّةٌ، وَهُوَ مَعَ الْمُنْذِرِ، قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ الْغَدْرَ لَيْسَ مِنْ شِيَمِ الْمُلُوكِ وَلَا الْكِرَامِ، وَقَدْ غَدَرْتَ بِابْنِ عَمِّكَ دُفْعَتَيْنِ، فَغَضِبَ الْمُنْذِرُ وَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ، فَلَحِقَ بِعَسْكَرِ الْحَارِثِ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ لَهُ: سَلْ حَاجَتَكَ. فَقَالَ لَهُ: حُلَّتُكُ وَخَلَّتُكَ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَبَّى الْحَارِثُ أَصْحَابَهُ وَحَرَّضَهُمْ، وَكَانَ فِي أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقُتِلَ الْمُنْذِرُ وَهُزِمَتْ جُيُوشُهُ، فَأَمَرَ الْحَارِثُ بِابْنَيْهِ الْقَتِيلَيْنِ فَحُمِلَا عَلَى بَعِيرٍ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلَيْنِ، وَجَعَلَ الْمُنْذِرَ فَوْقَهُمَا فَوَدَا وَقَالَ: " يَا لَعِلَاوَةٍ دُونَ الْعِدْلَيْنِ " ! فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَسَارَ إِلَى الْحِيرَةِ فَأَنْهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا وَدَفَنَ ابْنَيْهِ بِهَا وَبَنَى الْغَرِيِّينِ عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَفِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَقُولُ ابْنُ أَبِي الرَّعْلَاءِ الضُّبْيَانِيُّ: كَمَا تَرَكْنَا بِالْعَيْنِ عَيْنِ أُبَاغٍ مِنْ مُلُوكٍ وَسُوقَةٍ أَكْفَاءِ أَمْطَرَتْهُمْ سَحَائِبُ الْمَوْتِ تَتْرَى إِنَّ فِي الْمَوْتِ رَاحَةَ الْأَشْقِيَاءِ لَيْسَ مَنْ مَاتَ فَاسْتَرَاحَ بِمَيْتٍ إِنَّمَا الْمَيِّتُ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ
التاريخ 556لا حكم مسجّل
يَوْمُ مَرْجِ حَلِيمَةَ وَقَتْلِ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ لَمَّا قُتِلَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ، مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمُنْذِرُ وَتَلَقَّبَ الْأَسْوَدَ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ وَثَبَّتَ قَدَمَهُ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى الْحَارِثِ الْأَعْرَجِ طَالِبًا بِثَأْرِ أَبِيهِ عِنْدَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ: إِنَّنِي قَدْ أَعْدَدْتُ لَكَ الْكُهُولَ عَلَى الْفُحُولِ، فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ: قَدْ أَعْدَدْتُ لَكَ الْمُرْدَ عَلَى الْجُرْدِ. فَسَارَ الْمُنْذِرُ حَتَّى نَزَلَ بِمَرْجِ حَلِيمَةَ، فَتَرَكَهُ مَنْ بِهِ مِنْ غَسَّانَ لِلْأَسْوَدِ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ مَرْجَ حَلِيمَةَ بِحَلِيمَةَ ابْنَةِ الْحَارِثِ الْغَسَّانِيِّ، وَسَنَذْكُرُ خَبَرَهَا عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ. ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ سَارَ فَنَزَلَ بِالْمَرْجِ أَيْضًا، فَأَمَرَ أَهْلَ الْقُرَى الَّتِي فِي الْمَرْجِ أَنْ يَصْنَعُوا الطَّعَامَ لِعَسْكَرِهِ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَحَمَلُوهُ فِي الْجِفَانِ وَتَرَكُوهُ فِي الْعَسْكَرِ، فَكَانَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ فَإِذَا أَرَادَ الطَّعَامَ جَاءَ إِلَى تِلْكَ الْجِفَانِ فَأَكَلَ مِنْهَا. فَأَقَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَسْوَدِ وَالْحَارِثِ أَيَّامًا لَمْ يَنْتَصِفْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. فَلَمَّا رَأَى الْحَارِثُ ذَلِكَ قَعَدَ فِي قَصْرِهِ وَدَعَا ابْنَتَهُ هِنْدًا وَأَمْرَهَا فَاتَّخَذَتْ طِيبًا كَثِيرًا فِي الْجِفَانِ وَطَيَّبَتْ بِهِ أَصْحَابَهُ، ثُمَّ نَادَى: يَا فِتْيَانَ غَسَّانَ مَنْ قَتَلَ مَلِكَ الْحِيرَةِ زَوَّجْتُهُ ابْنَتِي هِنْدًا. فَقَالَ لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسَّانِيُّ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ أَنَا قَاتِلُ مَلِكِ الْحِيرَةِ أَوْ مَقْتُولٌ دُونَهُ لَا مَحَالَةَ، وَلَسْتُ أَرْضَى فَرَسِي فَأَعْطِنِي فَرَسَكَ الزَّيْتِيَّةَ. فَأَعْطَاهُ فَرَسَهُ. فَلَمَّا زَحَفَ النَّاسُ وَاقْتَتَلُوا سَاعَةً، شَدَّ لَبِيدٌ عَلَى الْأَسْوَدِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَنَزَلَ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى الْحَارِثِ، وَهُوَ عَلَى قَصْرِهِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَأَلْقَى الرَّأْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ. فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ: شَأْنَكَ بِابْنَةِ عَمِّكِ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا. فَقَالَ: بَلْ أَنْصَرِفُ فَأُوَاسِي أَصْحَابِي بِنَفْسِي فَإِذَا انْصَرَفَ النَّاسُ انْصَرَفْتُ. فَرَجَعَ فَصَادَفَ أَخَاهُ الْأَسْوَدَ قَدْ رَجَعَ إِلَيْهِ النَّاسُ وَهُوَ يُقَاتِلُ وَقَدِ اشْتَدَّتْ نِكَايَتُهُ، فَتَقَدَّمَ لَبِيدٌ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ، وَلَمْ يُقْتَلْ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ بَعْدَ تِلْكَ الْهَزِيمَةِ غَيْرُهُ، وَانْهَزَمَتْ لَخْمٌ هَزِيمَةً ثَانِيَةً وَقُتِلُوا فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَانْصَرَفَتْ غَسَّانُ بِأَحْسَنِ ظَفَرٍ. وَذُكِرَ أَنَّ الْغُبَارَ فِي هَذَا الْيَوْمِ اشْتَدَّ وَكَثُرَ حَتَّى سَتَرَ الشَّمْسَ، وَحَتَّى ظَهَرَتِ الْكَوَاكِبُ الْمُتَبَاعِدَةُ عَنْ مَطَالِعِ الشَّمْسِ لِكَثْرَةِ الْعَسَاكِرِ، لِأَنَّ الْأَسْوَدَ سَارَ بِعَرَبِ الْعِرَاقِ أَجْمَعَ، وَسَارَ الْحَارِثُ بِعَرَبِ الشَّامِ أَجْمَعَ، وَهَذَا الْيَوْمُ مِنْ أَشْهَرِ أَيَّامِ الْعَرَبِ، وَقَدْ فَخَرَ بِهِ بَعْضُ شُعَرَاءِ غَسَّانَ فَقَالَ: يَوْمَ وَادِي حَلِيمَةَ وَازْدَلَفْنَا بِالْعَنَاجِيجِ وَالرِّمَاحِ الظِّمَاءِ إِذْ شَحَنَّا أَكُفَّنَا مِنْ رِقَاقٍ رَقَّ مِنْ وَقْعِهَا سَنَا السَّحْنَاءِ وَأَتَتْ هِنْدٌ بِالْخَلُوقِ إِلَى مَنْ كَانَ ذَا نَجْدَةٍ وَفَضْلِ غَنَاءِ وَنَصَبْنَا الْجِفَانَ فِي سَاحَةِ الْمَرْ جِ فَمِلْنَا إِلَى جِفَانٍ مِلَاءِ وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُهُ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي شِمْرٍ جَبَلَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْأَعْرَجَ الْغَسَّانِيَّ خَطَبَ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيِّ ابْنَتَهُ وَقَصَدَ انْقِطَاعَ الْحَرْبِ بَيْنَ لَخْمٍ وَغَسَّانَ، فَزَوَّجَهُ الْمُنْذِرُ ابْنَتَهُ هِنْدًا، وَكَانَتْ لَا تُرِيدُ الرِّجَالَ، فَصَنَعَتْ بِجِلْدِهَا شَبِيهًا بِالْبَرَصِ وَقَالَتْ لِأَبِيهَا: أَنَا عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَتُهْدِينِي لِمَلِكِ غَسَّانَ ؟ فَنَدِمَ عَلَى تَزْوِيجِهَا فَأَمْسَكَهَا. ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ أَرْسَلَ يَطْلُبُهَا فَمَنَعَهَا أَبُوهَا وَاعْتَلَّ عَلَيْهِ. ثُمَّ إِنَّ الْمُنْذِرَ خَرَجَ غَازِيًا، فَبَعَثَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ جَيْشًا إِلَى الْحِيرَةِ فَانْتَهَبَهَا وَأَحْرَقَهَا. فَانْصَرَفَ الْمُنْذِرُ مِنْ غَزَاتِهِ لَمَّا بَلَغَهُ مِنَ الْخَبَرِ، فَسَارَ يُرِيدُ غَسَّانَ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْحَارِثَ فَجَمَعَ أَصْحَابَهُ وَقَوْمَهُ فَسَارَ بِهِمْ، فَتَوَافَقُوا بِعَيْنِ أُبَاغٍ فَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ فَاقْتَتَلُوا وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، فَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ الْمُنْذِرِ عَلَى مَيْسَرَةِ الْحَارِثِ، وَفِيهَا ابْنُهُ فَقَتَلُوهُ، وَانْهَزَمَتِ الْمَيْسَرَةُ، وَحَمَلَتْ مَيْمَنَةُ الْحَارِثِ عَلَى مَيْسَرَةِ الْمُنْذِرِ فَانْهَزَمَ مَنْ بِهَا وَقُتِلَ مُقَدِّمُهَا فَرْوَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ، وَحَمَلَتْ غَسَّانُ مِنَ الْقَلْبِ عَلَى الْمُنْذِرِ فَقَتَلُوهُ وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ فِي كُلِّ وَجْهٍ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ بَشَرٌ كَثِيرٌ وَأُسِرَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، مِنْهُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ ثُمَّ مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ مِائَةُ أَسِيرٍ، مِنْهُمْ شَأْسُ بْنُ عَبَدَةَ، فَوَفَدَ أَخُوهُ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ الشَّاعِرُ عَلَى الْحَارِثِ يَطْلُبُ إِلَيْهِ أَنْ يُطْلِقَ أَخَاهُ، وَمَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا: طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ بُعَيْدَ الشَّبَابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبُ تُكَلِّفُنِي لَيْلَى وَقَدْ شَطَّ أَهْلُهَا وَعَادَتْ عَوَادٍ بَيْنَنَا وَخُطُوبُ يَقُولُ فِيهَا: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي بَصِيرٌ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ إِذَا شَابَ رَأْسُ الْمَرْءِ أَوْ قَلَّ مَالُهُ فَلَيْسَ لَهُ فِي وُدِّهِنَّ نَصِيبُ يُرِدْنَ ثَرَاءَ الْمَالِ حَيْثُ وَجَدْنَهُ وَشَرْخُ الشَّبَابِ عِنْدَهُنَّ عَجِيبُ وَقَاتَلَ مِنْ غَسَّانَ أَهْلُ حِفَاظِهَا وَهِنْبٌ وَقَاسٌ جَالَدَتْ وَشَبِيبُ تُخَشْخِشُ أَبْدَانُ الْحَدِيدِ عَلَيْهِمُ كَمَا خَشْخَشَتْ يَبْسَ الْحَصَادِ جَنُوبُ فَلَمْ تَنْجُ إِلَّا شَطْبَةٌ بِلِجَامِهَا وَإِلَّا طِمِرٌّ كَالْقَنَاةِ نَجِيبُ وَإِلَّا كَمِيٌّ ذُو حِفَاظٍ كَأَنَّهُ بِمَا ابْتَلَّ مِنْ حَدِّ الظُّبَاتِ خَضِيبُ وَفِي كُلِّ حَيٍّ قَدْ خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذُنُوبُ فَلَا تَحْرِمَنِّي نَائِلًا عَنْ جَنَابَةٍ فَإِنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ الْقِبَابِ غَرِيبُ فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ: فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذُنُوبُ، قَالَ الْمَلِكُ: إِي وَاللَّهِ وَأَذْنِبَةٌ، ثُمَّ أَطْلَقَ شَأْسًا وَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ الْحِبَاءَ وَإِنْ شِئْتَ أُسَرَاءَ قَوْمِكَ ؟ وَقَالَ لِجُلَسَائِهِ: إِنِ اخْتَارَ الْحِبَاءَ عَلَى قَوْمِهِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ. فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ مَا كُنْتُ لِأَخْتَارَ عَلَى قَوْمِي شَيْئًا. فَأَطْلَقَ لَهُ الْأَسْرَى مِنْ تَمِيمٍ وَكَسَاهُ وَحَبَاهُ، وَفَعَلَ ذَلِكَ بِالْأَسْرَى جَمِيعَهُمْ وَزَوَّدَهُمْ زَادًا كَثِيرًا. فَلَمَّا بَلَغُوا بِلَادَهُمْ أَعْطَوْا جَمِيعَ ذَلِكَ لِشَأْسٍ وَقَالُوا: أَنْتَ كُنْتَ السَّبَبَ فِي إِطْلَاقِنَا فَاسْتَعِنْ بِهَذَا عَلَى دَهْرِكَ، فَحَصَلَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ مِنْ إِبِلٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. ( عَبَدَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ). وَقِيلَ فِي قَتْلِهِ: إِنَّهُ جَمَعَ عَسْكَرًا ضَخْمًا وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ الشَّامَ، وَسَارَ مَلِكُ الشَّامِ، وَهُوَ عِنْدَ الْأَكْثَرِ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ، فَنَزَلَ مَرْجَ حَلِيمَةَ، وَهُوَ يُنْسَبُ إِلَى حَلِيمَةَ بِنْتِ الْمَلِكِ، وَنَزَلَ الْمَلِكُ اللَّخْمِيُّ فِي مَرْجِ الصُّفَّرِ، فَسَيَّرَ الْحَارِثُ فَارِسَيْنِ طَلِيعَةً، أَحَدُهُمَا فَارِسُ خَصَافٍ، وَكَانَتْ فَرَسُهُ تَجْرِي عَلَى ثَلَاثٍ فَلَا تُلْحَقُ، فَسَارَا حَتَّى خَالَطَا الْقَوْمَ وَقَرُبَا مِنَ الْمَلِكِ وَأَمَامَهُ شَمْعَةٌ فَقَتَلَا حَامِلَهَا. فَفَزِعَ الْقَوْمُ فَاضْطَرَبُوا بِأَسْيَافِهِمْ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى أَصْبَحُوا، وَأَتَاهُمْ رُسُلُ الْحَارِثِ مَلِكِ غَسَّانَ يَبْذُلُ الصُّلْحَ وَالْإِتَاوَةَ وَقَالَ: إِنِّي بَاعِثٌ رُءُوسَ الْقَبَائِلِ لِتَقْرِيرِ الْحَالِ، وَنَدَبَ أَصْحَابَهُ، فَانْتُدِبَ لَهُ مِائَةُ غُلَامٍ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ غُلَامًا، فَأَلْبَسَهُمُ السِّلَاحَ وَأَمَرَ ابْنَتَهُ حَلِيمَةَ أَنْ تُطَيِّبَهُمْ وَتُلْبِسَهُمْ، فَفَعَلَتْ. فَلَمَّا مَرَّ بِهَا لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو فَارِسُ الزَّيْتِيَّةِ قَبَّلَهَا، فَأَتَتْ أَبَاهَا بَاكِيَةً، فَقَالَ: هُوَ أَسَدُ الْقَوْمِ وَلَئِنْ سَلِمَ لَأُنْكِحَنَّهُ إِيَّاكِ، وَأَمَّرَهُ عَلَى الْقَوْمِ وَسَارُوا، فَلَمَّا قَارَبُوا الْعَسْكَرَ الْعِرَاقِيَّ جَمَعَ الْمَلِكُ رُءُوسَ أَصْحَابِهِ. وَجَاءَ الْغَسَّانِيُّونَ وَعَلَيْهِمُ السِّلَاحُ، قَدْ لَبِسُوا فَوْقَهَا الثِّيَابَ وَالْبَرَانِسَ، فَلَمَّا تَتَامُّوا عِنْدَ الْمَلِكِ أَبْدَوُا السِّلَاحَ فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا، وَقُتِلَ لَبِيدُ بْنُ عَمْرٍو مَلِكُ الْعِرَاقِيِّينَ وَأُحِيطَ بِالْغَسَّانِيِّينَ فَقُتِلُوا إِلَّا لَبِيدَ بْنَ عَمْرٍو، فَإِنَّ فَرَسَهُ لَمْ تَبْرَحْ، فَاسْتَوَى عَلَيْهَا، وَعَادَ فَأَخْبَرَ الْمَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: قَدْ أَنَكَحْتُكَ ابْنَتِي حَلِيمَةَ. فَقَالَ: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنِّي فَلُّ مِائَةٍ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقَوْمِ فَقَاتَلَ فَقُتِلَ. وَتَفَقَّدَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَشْرَافَهُمْ وَإِذَا بِهِمْ قَدْ قُتِلُوا فَضَعُفَتْ نُفُوسُهُمْ لِذَلِكَ وَزَحَفَتْ إِلَيْهِمْ غَسَّانُ فَانْهَزَمُوا. قُلْتُ: قَدِ اخْتَلَفَ النَّسَّابُونَ وَأَهْلُ السِّيَرِ فِي مُدَّةِ الْأَيَّامِ وَتَقْدِيمِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمَقْتُولِ فِيهَا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ يَوْمَ حَلِيمَةَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ، وَيَوْمَ أُبَاغٍ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الْمُنْذِرُ بْنُ الْمُنْذِرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِضِدِّ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُ الْيَوْمَيْنِ وَاحِدًا فَيَقُولُ: لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ. وَأَمَّا ابْنُهُ الْمُنْذِرُ فَمَاتَ بِالْحِيرَةِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْتُولَ مِنْ مُلُوكِ الْحِيرَةِ غَيْرُهُمَا، فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمَقْتُولَ هُوَ الْمُنْذِرُ بْنُ مَاءِ السَّمَاءِ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَمَّا ابْنُهُ فَفِيهِ خِلَافٌ كَثِيرٌ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَمَنْ أَثْبَتَ قَتْلَهُ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِهِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ اخْتِلَافَهُمْ وَالْحَادِثَةُ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْهَا قَدْ ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، فَمَتَى تَرَكْنَا أَحَدَهُمَا ظَنَّ مَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْرِفَةٌ أَنَّ كُلَّ سَبَبٍ مِنْهَا حَادِثٌ مُسْتَقِلٌّ. وَقَدْ أَهْمَلْنَاهُ، فَأَتَيْنَا بِهِمَا جَمِيعًا لِذَلِكَ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ.
التاريخ 557لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ مُضَرِّطِ الْحِجَارَةِ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ مَاءِ السَّمَاءِ اللَّخْمِيُّ صَاحِبُ الْحِيرَةِ، وَكَانَ يُلَقَّبُ مُضَرِّطَ الْحِجَارَةِ لِشِدَّةِ مُلْكِهِ وَقُوَّةِ سِيَاسَتِهِ، وَأُمُّهُ هِنْدٌ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو الْمَقْصُورِ بْنِ آكِلِ الْمُرَارِ، وَهِيَ عَمَّةُ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرِ بْنِ الْحَارِثِ. وَكَانَ سَبَبَ قَتْلِهِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا لِجُلَسَائِهِ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ مَمْلَكَتِي يَأْنَفُ أَنْ تَخْدِمَ أُمُّهُ أُمِّي ؟ قَالُوا: مَا نَعْرِفُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَمْرَو بْنَ كُلْثُومٍ التَغْلِبِيَّ، فَإِنَّ أُمَّهُ لَيْلَى بِنْتُ مُهَلْهِلِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَمُّهَا كُلَيْبُ وَائِلٍ، وَزَوْجُهَا كُلْثُومٌ، وَابْنُهَا عَمْرٌو. فَسَكَتَ مُضَرِّطُ الْحِجَارَةِ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، وَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ يَسْتَزِيرُهُ، وَيَأْمُرُ أَنْ تَزُورَ أُمُّهُ لَيْلَى أُمَّ نَفْسِهِ هِنْدًا بِنْتَ الْحَارِثِ. فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ فِي فُرْسَانٍ مِنْ بَنِي تَغْلِبَ وَمَعَهُ أُمُّهُ لَيْلَى، فَنَزَلَ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، وَبَلَغَ عَمْرَو بْنَ هِنْدٍ قُدُومُهُ، فَأَمَرَ فَضُرِبَتْ خِيَامُهُ بَيْنَ الْحِيرَةِ وَالْفُرَاتِ، وَأَرْسَلَ إِلَى وُجُوهِ أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ عَلَى بَابِ السُّرَادِقِ، وَجَلَسَ هُوَ وَعَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ وَخَوَاصُّ أَصْحَابِهِ فِي السُّرَادِقِ، وَلِأُمِّهِ هِنْدٍ قُبَّةٌ فِي جَانِبِ السُّرَادِقِ، وَلَيْلَى أُمُّ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ مَعَهَا فِي الْقُبَّةِ، وَقَدْ قَالَ مُضَرِّطُ الْحِجَارَةِ لِأُمِّهِ: إِذَا فَرَغَ النَّاسُ مِنَ الطَّعَامِ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الطُّرَفُ فَنَحِّي خَدَمَكِ عَنْكِ، فَإِذَا دَنَا الطُّرَفُ فَاسْتَخْدِمِي لَيْلَى وَمُرِيهَا فَلْتُنَاوِلْكِ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ. فَفَعَلَتْ هِنْدٌ مَا أَمَرَهَا بِهِ ابْنُهَا، فَلَمَّا اسْتُدْعِيَ الطُّرَفُ قَالَتْ هِنْدٌ لِلَيْلَى: نَاوِلِينِي هَذَا الطَّبَقَ. فَقَالَتْ: لِتَقُمْ صَاحِبَةُ الْحَاجَةِ إِلَى حَاجَتِهَا. فَأَلَحَّتْ عَلَيْهَا. فَقَالَتْ لَيْلَى: وَاذُلَّاهُ يَا آلَ تَغْلِبَ ! فَسَمِعَهَا وَلَدُهَا عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ، فَثَارَ الدَّمُ فِي وَجْهِهِ وَالْقَوْمُ يَشْرَبُونَ، فَعَرَفَ عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، وَثَارَ ابْنُ كُلْثُومٍ إِلَى سَيْفِ ابْنِ هِنْدٍ وَهُوَ مُعَلَّقٌ فِي السُّرَادِقِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ سَيْفٌ غَيْرَهُ، فَأَخَذَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ رَأْسَ مُضَرِّطِ الْحِجَارَةِ فَقَتَلَهُ، وَخَرَجَ فَنَادَى: يَا آلَ تَغْلِبَ ! فَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَخَيْلَهُ وَسَبَوُا النِّسَاءَ وَسَارُوا فَلَحِقُوا بِالْحِيرَةِ، فَقَالَ أَفْنُونُ التَغْلِبِيُّ: لَعَمْرُكَ مَا عَمْرُو بْنُ هِنْدٍ وَقَدْ دَعَا لِتَخْدِمَ لَيْلَى أُمَّهُ بِمُوَفَّقِ فَقَامَ ابْنُ كُلْثُومٍ إِلَى السَّيْفِ مُصْلَتًا وَأَمْسَكَ مِنْ نُدْمَانِهِ بِالْمُخَنَّقِ
التاريخ 558لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْكُلَابِ الْأَوَّلُ قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: أَوَّلُ مَنِ اشْتَدَّ مُلْكُهُ مِنْ كِنْدَةَ حُجْرٌ آكِلُ الْمُرَارِ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ الْكِنْدِيِّ، فَلَمَّا هَلَكَ مَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ عَمْرٌو مِثْلَ مُلْكِ أَبِيهِ فَسُمِّيَ الْمَقْصُورَ لِأَنَّهُ قَصَرَ عَلَى مُلْكِ أَبِيهِ، فَتَزَوَّجَ عَمْرٌو أُمَّ أُنَاسٍ بِنْتَ عَوْفِ بْنِ مُحَلَّمٍ الشَّيْبَانِيِّ، فَوَلَدَتْ لَهُ الْحَارِثَ، فَمَلَكَ بَعْدَ أَبِيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: سِتِّينَ سَنَةً، فَخَرَجَ يَتَصَيَّدُ فَرَأَى عَانَةً وَهِيَ حُمُرُ الْوَحْشِ، فَشَدَّ عَلَيْهَا، فَانْفَرَدَ مِنْهَا حِمَارٌ، فَتَتَبَّعَهُ وَأَقْسَمَ أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا قَبْلَ كَبِدِهِ وَهُوَ بِمُسْحُلَانَ، فَطَلَبَتْهُ الْخَيْلُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى أَدْرَكَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ وَقَدْ كَادَ يَمُوتُ مِنَ الْجُوعِ، فَشُوِيَ عَلَى النَّارِ وَأُطْعِمَ مِنْ كَبِدِهِ وَهِيَ حَارَّةٌ فَمَاتَ. وَكَانَ الْحَارِثُ فَرَّقَ بَنِيهِ فِي قَبَائِلِ مَعَدٍّ، فَجَعَلَ حُجْرًا فِي بَنِي أَسَدٍ وَكِنَانَةَ وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ، وَجَعَلَ شُرَحْبِيلَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَبَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ وَبَنِي أُسَيِّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ وَالرِّبَابِ، وَجَعَلَ سَلَمَةَ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ، فِي بَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ وَبَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَجَعَلَ ابْنَهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَيُعْرَفُ بِغَلْفَاءَ، فِي قَيْسِ عَيْلَانَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي قَتْلِ حُجْرٍ أَبِي امْرِئِ الْقَيْسِ، وَإِنَّمَا أَعَدْنَاهُ هَاهُنَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهِ. فَلَمَّا هَلَكَ الْحَارِثُ تَشَتَّتَ أَمْرُ أَوْلَادِهِ وَتَفَرَّقَتْ كَلِمَتُهُمْ وَمَشَى بَيْنَهُمُ الرِّجَالُ، وَكَانَتِ الْمُغَاوَرَةُ بَيْنَ الْأَحْيَاءِ الَّذِينَ مَعَهُمْ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ حَتَّى جَمَعَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِصَاحِبِهِ الْجُمُوعَ وَزَحَفَ إِلَيْهِ بِالْجُيُوشِ. فَسَارَ شُرَحْبِيلُ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ فَنَزَلَ الْكُلَابَ، وَهُوَ مَاءٌ بَيْنَ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ. وَأَقْبَلَ سَلَمَةُ فِيمَنْ مَعَهُ وَفِي الصَّنَائِعِ أَيْضًا، وَهُمْ قَوْمٌ كَانُوا مَعَ الْمُلُوكِ مِنْ شُذَّاذِ الْعَرَبِ، فَأَقْبَلُوا إِلَى الْكُلَابِ، وَعَلَى تَغْلِبَ السَّفَّاحُ بْنُ خَالِدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَثَبَتَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ. فَلَمَّا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ خَذَلَتْ بَنُو حَنْظَلَةَ وَعَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ وَالرِّبَابُ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَانْهَزَمُوا، وَثَبَتَتْ بَكْرٌ وَانْصَرَفَتْ بَنُو سَعْدٍ وَمَنْ مَعَهَا عَنْ تَغْلِبَ وَصَبَرَتْ تَغْلِبُ، وَنَادَى مُنَادِي شُرَحْبِيلَ: مَنْ أَتَانِي بِرَأْسِ سَلَمَةَ فَلَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَنَادَى مُنَادِي سَلَمَةَ: مَنْ أَتَانِي بِرَأْسِ شُرَحْبِيلَ فَلَهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ. فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ حِينَئِذٍ كُلٌّ يَطْلُبُ أَنْ يَظْفَرَ لَعَلَّهُ يَصِلُ إِلَى قَتْلِ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ لِيَأْخُذَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَكَانَتِ الْغَلَبَةُ آخِرَ النَّهَارِ لِتَغْلِبَ وَسَلَمَةَ، وَمَضَى شُرَحْبِيلُ مُنْهَزِمًا، فَتَبِعَهُ ذُو السُّنَيْنَةِ التَغْلِبِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ شُرَحْبِيلُ فَضَرَبَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ فَأَطَنَّ رِجْلَهُ. وَكَانَ ذُو السُّنَيْنَةِ أَخَا أَبِي حَنَشٍ لِأُمِّهِ، فَقَالَ لِأَخِيهِ: قَتَلَنِي الرَّجُلُ ! وَهَلَكَ ذُو السُّنَيْنَةِ ! فَقَالَ أَبُو حَنَشٍ لِشُرَحْبِيلَ: قَتَلَنِي اللَّهُ إِنْ لَمْ أَقْتُلْكَ ! وَحَمَلَ عَلَيْهِ فَأَدْرَكَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَنَشٍ اللَّبَنَ اللَّبَنَ ! يَعْنِي الدِّيَةَ. فَقَالَ: قَدْ هَرَقْتَ لَبَنًا كَثِيرًا ! فَقَالَ: يَا أَبَا حَنَشٍ أَمَلِكًا بِسُوقَةٍ ؟ فَقَالَ: إِنَّ أَخِي مَلِكِي. فَطَعَنَهُ فَأَلْقَاهُ عَنْ فَرَسِهِ، وَنَزَلَ إِلَيْهِ فَأَخَذَ رَأْسَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى سَلَمَةَ مَعَ ابْنِ عَمٍّ لَهُ، فَأَتَاهُ بِهِ وَأَلْقَاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ سَلَمَةُ: لَوْ كُنْتَ أَلْقَيْتَهُ أَرْفَقَ مِنْ هَذَا ! وَعُرِفَتِ النَّدَامَةُ فِي وَجْهِ سَلَمَةَ وَالْجَزَعُ عَلَيْهِ. فَهَرَبَ أَبُو حَنَشٍ مِنْهُ، فَقَالَ سَلَمَةُ: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا حَنَشٍ رَسُولًا فَمَا لَكَ لَا تَجِيءُ إِلَى الثَّوَابِ لِتَعْلَمَ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ طُرًّا قَتِيلٌ بَيْنَ أَحْجَارِ الْكُلَابِ تَدَاعَتْ حَوْلَهُ جُشَمُ بْنُ بَكْرٍ وَأَسْلَمَهُ جَعَاسِيسُ الرِّبَابِ فَأَجَابَهُ أَبُو حَنَشٍ فَقَالَ: أُحَاذِرُ أَنْ أَجِيئَكَ ثُمَّ تَحْبُو حِبَاءَ أَبِيكَ يَوْمَ صُنَيْبِعَاتِ وَكَانَتْ غَدْرَةٌ شَنْعَاءُ تَهْفُو تَقَلَّدَهَا أَبُوكَ إِلَى الْمَمَاتِ وَكَانَ سَبَبَ صُنَيْبِعَاتٍ أَنَّ ابْنًا لِلْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي تَمِيمٍ وَبَكْرٍ وَلَدَغَتْهُ حَيَّةٌ فَمَاتَ، فَأَخَذَ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ تَمِيمٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ بَكْرٍ فَقَتَلَهُمْ بِهِ. وَلَمَّا قُتِلَ شُرَحْبِيلُ قَامَ بَنُو زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ دُونَ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ، فَمَنَعُوهُمْ وَحَالُوا بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُمْ، حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِقَوْمِهِمْ وَمَأْمَنِهِمْ، وَلَمَّا بَلَغَ خَبَرُ قَتْلِهِ أَخَاهُ مَعْدِي كَرِبَ، وَهُوَ غَلْفَاءُ، قَالَ يَرْثِيهِ: إِنْ جَنْبِي عَنِ الْفِرَاشِ لَنَابِي كَتَجَافِي الْأَسَرِّ فَوْقَ الظِّرَابِ مِنْ حَدِيثٍ نَمَى إِلَيَّ فَمَا تَرْ قَأُ عَيْنِي وَلَا أُسِيغُ شَرَابِي مُرَّةً كَالذُّعَافِ أَكْتُمُهَا النَّا سَ عَلَى حَرِّ مَلَّةٍ كَالشِّهَابِ مِنْ شُرَحْبِيلَ إِذَا تَعَاوَرَهُ الْأَرْ مَاحُ مِنْ بَعْدِ لَذَّةٍ وَشَبَابِ يَا ابْنَ أُمِّي وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ عُو تَمِيمًا وَأَنْتَ غَيْرُ مُجَابِ ثَمَّ طَاعَنْتُ مِنْ وَرَائِكَ حَتَّى يُبْلَغَ الرَّحْبُ أَوْ تُبَزَّ ثِيَابِي أَحْسَنَتْ وَائِلٌ وَعَادَتُهَا الْإِحْ سَانُ بِالْحِنْوِ يَوْمَ ضَرْبِ الرِّقَابِ يَوْمَ فَرَّتْ بَنُو تَمِيمٍ وَوَلَّتْ خَيْلُهُمْ يَكْتَسِعْنَ بِالْأَذْنَابِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. ثُمَّ إِنَّ تَغْلِبَ أَخْرَجُوا سَلَمَةَ مِنْ بَيْنِهِمْ فَلَجَأَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَانْضَمَّ إِلَيْهِمْ، وَلَحِقَتْ تَغْلِبُ بِالْمُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ اللَّخْمِيِّ. ( الْكُلَابُ: بِضَمِّ الْكَافِ. أُسَيِّدُ بْنُ عَمْرٍو: بِضَمِّ الْهَمْزَةِ، وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ. وَذُو السُّنَيْنَةِ: بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، تَصْغِيرُ سِنٍّ. وَالرِّبَابُ: بِكَسْرِ الرَّاءِ، وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْأُولَى الْمُوَحَّدَةِ.
التاريخ 559لا حكم مسجّل
يَوْمُ أُوَارَةَ الْأَوَّلُ وَهُوَ يَوْمٌ كَانَ بَيْنَ الْمُنْذِرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ وَبَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ تَغْلِبَ لَمَّا أَخْرَجَتْ سَلَمَةَ بْنَ الْحَارِثِ عَنْهَا، الْتَجَأَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا، فَلَمَّا صَارَ عِنْدَ بَكْرٍ أَذْعَنَتْ لَهُ وَحَشَدَتْ عَلَيْهِ وَقَالُوا: لَا يَمْلِكُنَا غَيْرُكَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمُ الْمُنْذِرُ يَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَتِهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ، فَحَلَفَ الْمُنْذِرُ لَيَسِيرَنَّ إِلَيْهِمْ فَإِنْ ظَفِرَ بِهِمْ فَلَيَذْبَحَنَّهُمْ عَلَى قُلَّةِ جَبَلِ أُوَارَةَ حَتَّى يَبْلُغَ الدَّمُ الْحَضِيضَ. وَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي جُمُوعِهِ، فَالْتَقَوْا بِأُوَارَةَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَأَجْلَتِ الْوَاقِعَةُ عَنْ هَزِيمَةِ بَكْرٍ وَأَسْرِ يَزِيدَ بْنِ شُرَحْبِيلَ الْكِنْدِيِّ، فَأَمَرَ الْمُنْذِرُ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَأَسَرَ الْمُنْذِرُ مِنْ بَكْرٍ أَسْرَى كَثِيرَةً فَأَمَرَ بِهِمْ فَذُبِحُوا عَلَى جَبَلِ أُوَارَةَ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَجْمُدُ. فَقِيلَ لَهُ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ لَوْ ذَبَحْتَ كُلَّ بَكْرِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ تَبْلُغْ دِمَاؤُهُمُ الْحَضِيضَ ! وَلَكِنْ لَوْ صَبَبْتَ عَلَيْهِ الْمَاءَ ! فَفَعَلَ فَسَالَ الدَّمُ إِلَى الْحَضِيضِ، وَأَمَرَ النِّسَاءَ أَنْ يُحْرَقْنَ بِالنَّارِ. وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ مُنْقَطِعًا إِلَى الْمُنْذِرِ، فَكَلَّمَهُ فِي سَبْيِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَأَطْلَقَهُنَّ الْمُنْذِرُ، فَقَالَ الْأَعْشَى يَفْتَخِرُ بِشَفَاعَةِ الْقَيْسِيِّ إِلَى الْمُنْذِرِ فِي بَكْرٍ: وَمِنَّا الَّذِي أَعْطَاهُ بِالْجَمْعِ رَبُّهُ عَلَى فَاقَةٍ وَلِلْمُلُوكِ هِبَاتُهَا سَبَايَا بَنِي شَيْبَانَ يَوْمَ أُوَارَةَ عَلَى النَّارِ إِذْ تُجْلَى لَهُ فَتَيَاتُهَا
التاريخ 560لا حكم مسجّل
يَوْمُ أُوَارَةَ الثَّانِي كَانَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ اللَّخْمِيُّ قَدْ تَرَكَ ابْنًا لَهُ اسْمُهُ أَسْعَدُ عِنْدَ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسٍ التَّمِيمِيِّ، فَلَمَّا تَرَعْرَعَ مَرَّتْ بِهِ نَاقَةٌ سَمِينَةٌ فَعَبَثَ بِهَا فَرَمَى ضَرْعَهَا، فَشَدَّ عَلَيْهِ رَبُّهَا سُوَيْدٌ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ التَّمِيمِيُّ فَقَتَلَهُ. وَهَرَبَ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ فَحَالَفَ قُرَيْشًا. وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْمُنْذِرِ غَزَا قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعَهُ زُرَارَةُ فَأَخْفَقَ، فَلَمَّا كَانَ حِيَالَ جَبَلَيْ طَيِّءٍ قَالَ لَهُ زُرَارَةُ: أَيُّ مَلِكٍ إِذَا غَزَا لَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يُصَبْ، فَمِلْ عَلَى طَيِّءٍ فَإِنَّكَ بِحِيَالِهَا، فَمَالَ إِلَيْهِمْ فَأَسَرَ وَقَتَلَ وَغَنِمَ، فَكَانَتْ فِي صُدُورِ طَيِّءٍ عَلَى زُرَارَةَ، فَلَمَّا قَتَلَ سُوَيْدٌ أَسْعَدَ، وَزُرَارَةُ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ عَمْرٍو، قَالَ لَهُ عَمْرُو بْنُ مِلْقَطٍ الطَّائِيُّ يُحَرِّضُ عَمْرًا عَلَى زُرَارَةَ: مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا بِأَنَّ الْ مَرْءَ لَمْ يُخْلَقْ صُبَارَهْ هَا إِنَّ عَجْزَةَ أُمِّهِ بِالسَّفْحِ أَسْفَلُ مِنْ أُوَارَهْ فَاقْتُلْ زُرَارَةَ لَا أَرَى فِي الْقَوْمِ أَوْفَى مِنْ زُرَارَهْ فَقَالَ عَمْرٌو يَا زُرَارَةُ مَا تَقُولُ ؟ قَالَ كُذِبْتَ، قَدْ عَلِمْتَ عَدَاوَتَهُمْ فِيكَ. قَالَ: صَدَقْتَ. فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ سَارَ زُرَارَةُ مُجِدًّا إِلَى قَوْمِهِ وَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَرِضَ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لِابْنِهِ: يَا حَاجِبُ ضُمَّ إِلَيْكَ غِلْمَتِي فِي بَنِي نَهْشَلٍ. وَقَالَ لِابْنِ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ عَمْرٍو: عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ مِلْقَطٍ فَإِنَّهُ حَرَّضَ عَلَيَّ الْمَلِكَ. فَقَالَ لَهُ: يَا عَمَّاهُ لَقَدْ أَسْنَدْتَ إِلَيَّ أَبْعَدَهُمَا شُقَّةً وَأَشَدَّهُمَا شَوْكَةً. فَلَمَّا مَاتَ زُرَارَةُ تَهَيَّأَ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو فِي جَمْعٍ وَغَزَا طَيِّئًا فَأَصَابَ الطَّرِيفَيْنِ: طَرِيفَ بْنَ مَالِكٍ، وَطَرِيفَ بْنَ عَمْرٍو، وَقَتَلَ الْمَلَاقِطَ، فَقَالَ عَلْقَمَةُ بْنُ عَبَدَةَ فِي ذَلِكَ: وَنَحْنُ جَلَبْنَا مِنْ ضَرِيَّةِ خَيْلِنَا نُجَنِّبُهَا حَدَّ الْإِكَامِ قِطَاطَا أَصَبْنَا الطَّرِيفَ وَالطَّرِيفَ بْنَ مَالِكٍ وَكَانَ شِفَاءَ الْوَاصِبِينَ الْمُلَاقِطَا فَلَمَّا بَلَغَ عَمْرَو بْنَ الْمُنْذِرِ وَفَاةُ زُرَارَةَ غَزَا بَنِي دَارِمٍ، وَقَدْ كَانَ حَلَفَ لَيَقْتُلَنَّ مِنْهُمْ مِائَةً، فَسَارَ يَطْلُبُهُمْ حَتَّى بَلَغَ أُوَارَةَ، وَقَدْ نَذَرُوا بِهِ فَتَفَرَّقُوا. فَأَقَامَ مَكَانَهُ وَبَثَّ سَرَايَاهُ فِيهِمْ، فَأَتَوْهُ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ رَجُلًا سِوَى مَنْ قَتَلُوهُ فِي غَارَاتِهِمْ فَقَتَلَهُمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْبَرَاجِمِ شَاعِرٌ لِيَمْدَحَهُ فَأَخَذَهُ لِيَقْتُلَهُ لِيُتِمَّ مِائَةً، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ " ! فَذَهَبَتْ مَثَلًا. وَقِيلَ: إِنَّهُ نَذَرَ أَنْ يُحْرِقَهُمْ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ مُحْرِقًا، فَأَحْرَقَ مِنْهُمْ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ رَجُلًا، وَاجْتَازَ رَجُلٌ مِنَ الْبَرَاجِمِ فَشَمَّ قُتَارَ اللَّحْمِ فَظَنَّ أَنَّ الْمَلِكَ يَتَّخِذُ طَعَامًا فَقَصَدَهُ. فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ أَنَا وَافِدُ الْبَرَاجِمِ. فَقَالَ: إِنَّ الشَّقِيَّ وَافِدُ الْبَرَاجِمِ، ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَقُذِفَ فِي النَّارِ، فَقَالَ جَرِيرٌ لِلْفَرَزْدَقِ: أَيْنَ الَّذِينَ بِنَارِ عَمْرٍو أُحْرِقُوا أَمْ أَيْنَ أَسْعَدُ فِيكُمُ الْمُسْتَرْضِعُ وَصَارَتْ تَمِيمٌ بَعْدَ ذَلِكَ يُعَيَّرُونَ بِحُبِّ الْأَكْلِ لِطَمَعِ الْبُرْجُمِيِّ فِي الْأَكْلِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا مَا مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ تَمِيمٍ فَسَرَّكَ أَنْ يَعِيشَ فَجِئْ بِزَادِ بِخُبْزٍ أَوْ بِلَحْمٍ أَوْ بِتَمْرٍ أَوِ الشَّيْءِ الْمُلَفَّقِ فِي الْبِجَادِ تَرَاهُ يُنَقِّبُ الْبَطْحَاءَ حَوْلًا لِيَأْكُلَ رَأْسَ لُقْمَانَ بْنِ عَادِ قِيلَ: دَخَلَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا الشَّيْءُ الْمُلَفَّقُ فِي الْبِجَادِ يَا أَبَا بَحْرٍ ؟ قَالَ: السَّخِينَةُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَالسَّخِينَةُ: طَعَامٌ تُعَيَّرُ بِهِ قُرَيْشٌ كَمَا كَانَتْ تُعَيَّرُ تَمِيمٌ بِالْمُلَفَّقِ فِي الْبِجَادِ. قَالَ: فَلَمْ يُرَ مُتَمَازِحَانِ أَوْقَرَ مِنْهُمَا.
التاريخ 561لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قَتْلِ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ وَخَالِدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ وَالْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ الْمُرِّيِّ وَذِكْرُ يَوْمِ الرَّحْرَحَانِ كَانَ زُهَيْرُ بْنُ جَذِي?َةَ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ قَطِيعَةَ بْنِ عَبْسٍ الْعَبْسِيُّ، وَهُوَ وَالِدُ قَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ صَاحِبِ حَرْبِ دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ، سَيِّدُ قَيْسِ عَيْلَانَ، فَتَزَوَّجَ إِلَيْهِ مَلِكُ الْحِيرَةِ، وَهُوَ النُّعْمَانُ بْنُ امْرِئِ الْقَيْسِ جَدُّ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ لِشَرَفِهِ وَسُؤْدُدِهِ، فَأَرْسَلَ النُّعْمَانُ إِلَى زُهَيْرٍ يَسْتَزِيرُهُ بَعْضَ أَوْلَادِهِ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ شَأْسًا فَكَانَ أَصْغَرَ وَلَدِهِ، فَأَكْرَمَهُ وَحَبَاهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى أَبِيهِ كَسَاهُ حُلَلًا وَأَعْطَاهُ مَالًا طَيِّبًا. فَخَرَجَ شَأْسٌ يُرِيدُ قَوْمَهُ فَبَلَغَ مَاءً مِنْ مِيَاهِ غَنِيِّ بْنِ أَعْصَرَ فَقَتَلَهُ رَبَاحُ بْنُ الْأَشَلِّ الْغَنَوِيُّ، وَأَخَذَ مَا كَانَ مَعَهُ وَهُوَ يَعْرِفُهُ. وَقِيلَ لِزُهَيْرٍ: إِنَّ شَأْسًا أَقْبَلَ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ وَكَانَ آخِرُ الْعَهْدِ بِهِ بِمَاءٍ مِنْ مِيَاهِ غَنِيٍّ. فَسَارَ زُهَيْرٌ إِلَى دِيَارِ غَنِيٍّ، وَهُمْ حُلَفَاءُ فِي بَنِي عَامِرِ ابْنِ صَعْصَعَةَ، فَاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ ابْنِهِ، فَحَلَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا خَبَرَهُ، قَالَ: لَكِنِّي أَعْلَمُهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو عَامِرٍ: فَمَا الَّذِي يُرْضِيكَ مِنَّا ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثٍ: إِمَّا تُحْيُونَ وَلَدِي، وَإِمَّا تُسْلِمُونَ إِلَيَّ غَنِيًّا حَتَّى أَقْتُلَهُمْ بِوَلَدِي، وَإِمَّا الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مَا بَقِينَا وَبَقِيتُمْ. فَقَالُوا: مَا جَعَلْتَ لَنَا فِي هَذِهِ مَخْرَجًا، أَمَّا إِحْيَاءُ وَلَدِكَ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ، وَأَمَّا تَسْلِيمُ غَنِيٍّ إِلَيْكَ فَهُمْ يَمْتَنِعُونَ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ الْأَحْرَارُ، وَأَمَّا الْحَرْبُ بَيْنَنَا فَوَاللَّهِ إِنَّنَا لَنُحِبُّ رِضَاكَ وَنَكْرَهُ سُخْطَكَ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ الدِّيَةَ، وَإِنْ شِئْتَ تَطْلُبُ قَاتِلَ ابْنِكَ فَنُسَلِّمُهُ إِلَيْكَ، أَوْ تَهَبُ دَمَهُ فَإِنَّهُ لَا يَضِيعُ فِي الْقَرَابَةِ وَالْجِوَارِ. فَقَالَ: لَا أَفْعَلُ إِلَّا مَا ذَكَرْتُ. فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ تَعَدِّيَ زُهَيْرٍ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ غَنِيٍّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا كَالْيَوْمِ تَعَدِّيَ رَجُلٍ عَلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُ زُهَيْرٌ: فَهَلْ لَكَ أَنْ تَكُونَ طِلْبَتِي عِنْدَكَ وَأَتْرُكُ غَنِيًّا ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَانْصَرَفَ زُهَيْرٌ وَهُوَ يَقُولُ: فَلَوْلَا كُلَابٌ قَدْ أَخَذْتُ قَرِينَتِي بِرَدٍّ غَنِيٍّ أَعْبُدًا وَمَوَالِيَا وَلَكِنْ حَمَتْهُمْ عُصْبَةٌ عَامِرِيَّةٌ يَهُزُّونَ فِي الْأَرْضِ الْقِصَارَ الْعَوَالِيَا مَسَاعِيرُ فِي الْهَيْجَا مَصَالِيتُ فِي الْوَغَى أَخُوهُمْ عَزِيزٌ لَا يَخَافُ الْأَعَادِيَا يُقِيمُونَ فِي دَارِ الْحِفَاظِ تَكَرُّمًا إِذَا مَا فَنِيَ الْقَوْمُ أَضْحَتْ خَوَالِيَا ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ امْرَأَةً وَأَمَرَهَا أَنْ تَكْتُمَ نَسَبَهَا وَأَعْطَاهَا لَحْمَ جَزُورٍ سَمِينَةٍ وَسَيَّرَهَا إِلَى غَنِيٍّ لِتَبِيعَ اللَّحْمَ بِطِيبٍ وَتَسْأَلَ عَنْ حَالِ وَلَدِهِ. فَانْطَلَقَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى غَنِيٍّ وَفَعَلَتْ مَا أَمَرَهَا، فَانْتَهَتْ إِلَى امْرَأَةِ رَبَاحِ بْنِ الْأَشَلِّ وَقَالَتْ لَهَا: قَدْ زَوَّجْتُ بِنْتًا لِي وَأَبْغِي الطِّيبَ بِهَذَا اللَّحْمِ، فَأَعْطَتْهَا طِيبًا وَحَدَّثَتْهَا بِقَتْلِ زَوْجِهَا شَأْسًا. فَعَادَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى زُهَيْرٍ وَأَخْبَرَتْهُ، فَجَمَعَ خَيْلَهُ وَجَعَلَ يُغِيرُ عَلَى غَنِيٍّ حَتَّى قَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ بَنِي عَبْسٍ وَبَنِي عَامِرٍ وَعَظُمَ الشَّرُّ. ثُمَّ إِنَّ زُهَيْرًا خَرَجَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ إِلَى عُكَاظٍ، فَالْتَقَى هُوَ وَخَالِدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ، فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: لَقَدْ طَالَ شَرُّنَا مِنْكَ يَا زُهَيْرُ ! فَقَالَ زُهَيْرٌ: أَمَا وَاللَّهِ مَا دَامَتْ لِي قُوَّةٌ أُدْرِكُ بِهَا ثَأْرًا فَلَا انْصِرَامَ لَهُ. وَكَانَتْ هَوَازِنُ تُؤْتِي زُهَيْرَ بْنَ جَذِيمَةَ الْإِتَاوَةَ كُلَّ سَنَةٍ بِعُكَاظٍ، وَهُوَ يَسُومُهَا الْخَسْفَ، وَفِي أَنْفُسِهَا مِنْهُ غَيْظٌ وَحِقْدٌ، ثُمَّ عَادَ خَالِدٌ وَزُهَيْرٌ إِلَى قَوْمِهِمَا، فَسَبَقَ خَالِدٌ إِلَى بِلَادِ هَوَازِنَ فَجَمَعَ إِلَيْهِ قَوْمَهُ وَنَدَبَهُمْ إِلَى قِتَالِ زُهَيْرٍ، فَأَجَابُوهُ وَتَأَهَّبُوا لِلْحَرْبِ وَخَرَجُوا يُرِيدُونَ زُهَيْرًا وَهُمْ عَلَى طَرِيقِهِ، وَسَارَ زُهَيْرٌ حَتَّى نَزَلَ عَلَى أَطْرَافِ بِلَادِ هَوَازِنَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ قَيْسٌ: انْجُ بِنَا مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَإِنَّا قَرِيبٌ مِنْ عَدُوِّنَا. فَقَالَ لَهُ: يَا عَاجِزٌ وَمَا الَّذِي تُخَوِّفُنِي بِهِ مِنْ هَوَازِنَ وَتَتَّقِي شَرَّهَا ؟ فَأَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا. فَقَالَ ابْنُهُ: دَعْ عَنْكَ اللَّجَاجَ وَأَطِعْنِي وَسِرْ بِنَا، فَإِنِّي خَائِفٌ عَادِيَتَهُمْ. وَكَانَتْ تُمَاضِرُ بِنْتُ الشَّرِيدِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ عُصَيَّةَ السُّلَمِيَّةُ أُمَّ وَلَدِ زُهَيْرٍ، وَقَدْ أَصَابَ بَعْضُ إِخْوَتِهَا دَمًا فَلَحِقَ بِبَنِي عَامِرٍ، وَكَانَ فِيهِمْ، فَأَرْسَلَهُ خَالِدٌ عَيْنًا لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِ زُهَيْرٍ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَاهُمْ فِي مَنْزِلِهِمْ، فَعَلِمَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ حَالَهُ، وَأَرَادَ هُوَ وَأَبُوهُ أَنْ يُوثِقُوهُ وَيَأْخُذُوهُ مَعَهُمْ إِلَى أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ أَرْضِ هَوَازِنَ، فَمَنَعَتْ أُخْتُهُ، فَأَخَذُوا عَلَيْهِ الْعُهُودَ أَلَّا يُخْبِرَ بِهِمْ وَأَطْلَقُوهُ، فَسَارَ إِلَى خَالِدٍ وَوَقَفَ إِلَى شَجَرَةٍ يُخْبِرُهَا الْخَبَرَ، فَرَكِبَ خَالِدٌ وَمَنْ مَعَهُ إِلَى زُهَيْرٍ، وَهُوَ غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَالْتَقَى خَالِدٌ وَزُهَيْرٌ فَاقْتَتَلَا طَوِيلًا ثُمَّ تَعَانَقَا فَسَقَطَا عَلَى الْأَرْضِ، وَشَدَّ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ عَلَى خَالِدٍ وَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا لِأَنَّهُ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ، وَحَمَلَ جُنْدُحُ بْنُ الْبَكَّاءِ، وَهُوَ ابْنُ امْرَأَةِ خَالِدٍ، عَلَى زُهَيْرٍ فَقَتَلَهُ، وَهُوَ وَخَالِدٌ يَعْتَرِكَانِ، فَثَارَ خَالِدٌ عَنْهُ وَعَادَتْ هَوَازِنُ إِلَى مَنَازِلِهَا، وَحَمَلَ بَنُو زُهَيْرٍ أَبَاهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَقَالَ وَرْقَاءُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي ذَلِكَ: رَأَيْتُ زُهَيْرًا تَحْتَ كَلْكَلِ خَالِدٍ فَأَقْبَلْتُ أَسْعَى كَالْعَجُولِ أُبَادِرُ إِلَى بَطَلَيْنِ يَعْتِرَانِ كِلَاهُمَا يُرِيدُ رِيَاشَ السَّيْفِ وَالسَّيْفُ نَادِرُ فَشُلَّتْ يَمِينِي يَوْمَ أَضْرِبُ خَالِدًا وَيَمْنَعُهُ مِنِّي الْحَدِيدُ الْمُظَاهِرُ فَيَا لَيْتَ أَنِّي قَبْلَ أَيَّامِ خَالِدٍ وَقَبْلَ زُهَيْرٍ لَمْ تَلِدْنِي تُمَاضِرُ لَعَمْرِي لَقَدْ بُشِّرْتِ بِي إِذْ وَلَدْتِنِي فَمَاذَا الَّذِي رَدَّتْ عَلَيْكِ الْبَشَائِرُ ؟ فَلَا يَدْعُنِي قَوْمِي صَرِيحًا بِحُرَّةٍ لَئِنْ كُنْتُ مَقْتُولًا وَيَسْلَمُ عَامِرُ فَطِرْ خَالِدٌ إِنْ كُنْتَ تَسْتَطِيعُ طَيْرَةً وَلَا تَقَعَنْ إِلَّا وَقَلْبُكَ حَاذِرُ أَتَتْكَ الْمَنَايَا إِنْ بَقِيتَ بِضَرْبَةٍ تُفَارِقُ مِنْهَا الْعَيْشَ وَالْمَوْتُ حَاضِرُ وَقَالَ خَالِدٌ يَمُنُّ عَلَى هَوَازِنَ بِقَتْلِهِ زُهَيْرًا: أَبْلِغْ هَوَازِنَ كَيْفَ تَكْفُرُ بَعْدَمَا أَعْتَقْتُهُمْ فَتَوَالَدُوا أَحْرَارَا وَقَتَلْتُ رَبَّهُمُ زُهَيْرًا بَعْدَمَا جَدَعَ الْأُنُوفَ وَأَكْثَرَ الْأَوْتَارَا وَجَعَلْتُ مَهْرَ نِسَائِهِمْ وَدِيَاتِهِمْ عَقْلَ الْمُلُوكِ هَجَائِنًا وَبِكَارَا وَكَانَ زُهَيْرٌ سَيِّدَ غَطَفَانَ، فَعَلِمَ خَالِدٌ أَنَّ غَطَفَانَ سَتَطْلُبُهُ بِسَيِّدِهَا، فَسَارَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بِالْحِيرَةِ فَاسْتَجَارَهُ، فَأَجَارَهُ. فَضَرَبَ لَهُ قُبَّةً، وَجَمَعَ بَنُو زُهَيْرٍ لِهَوَازِنَ، فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ الْمُرِّيُّ: اكْفُونِي حَرْبَ هَوَازِنَ فَأَنَا أَكْفِيكُمْ خَالِدَ بْنَ جَعْفَرٍ. وَسَارَ الْحَارِثُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النُّعْمَانِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَعِنْدَهُ خَالِدٌ، وَهُمَا يَأْكُلَانِ تَمْرًا، فَأَقْبَلَ النُّعْمَانُ يُسَائِلُهُ، فَحَسَدَهُ خَالِدٌ، فَقَالَ لِلنُّعْمَانِ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ ! هَذَا رَجُلٌ لِي عِنْدَهُ يَدٌ عَظِيمَةٌ، قَتَلْتُ زُهَيْرًا وَهُوَ سَيِّدُ غَطَفَانَ فَصَارَ هُوَ سَيِّدَهَا. فَقَالَ الْحَارِثُ: سَأَجْزِيكَ عَلَى يَدِكَ عِنْدِي، وَجَعَلَ الْحَارِثُ يَتَنَاوَلُ التَّمْرَ لِيَأْكُلَهُ فَيَقَعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ مِنَ الْغَضَبِ، فَقَالَ عُرْوَةُ لِأَخِيهِ خَالِدٍ: مَا أَرَدْتَ بِكَلَامِهِ وَقَدْ عَرَفْتَهُ فَتَّاكًا ؟ فَقَالَ خَالِدٌ: وَمَا يُخَوِّفُنِي مِنْهُ ؟ فَوَاللَّهِ لَوْ رَآنِي نَائِمًا مَا أَيْقَظَنِي. ثُمَّ خَرَجَ خَالِدٌ وَأَخُوهُ إِلَى قُبَّتِهِمَا فَشَرَجَاهَا عَلَيْهِمَا، وَنَامَ خَالِدٌ وَعُرْوَةُ عِنْدَ رَأْسِهِ يَحْرُسُهُ، فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ انْطَلَقَ الْحَارِثُ إِلَى خَالِدٍ فَقَطَعَ شَرَجَ الْقُبَّةِ وَدَخَلَهَا وَقَالَ لِعُرْوَةَ: لَئِنْ تَكَلَّمْتَ قَتَلْتُكَ ! ثُمَّ أَيْقَظَ خَالِدًا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ قَالَ: أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ: أَنْتَ الْحَارِثُ. قَالَ: خُذْ جَزَاءَ يَدِكَ عِنْدِي ! وَضَرَبَهُ بِسَيْفِهِ الْمَعْلُوبِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْقُبَّةِ وَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَسَارَ. وَخَرَجَ عُرْوَةُ مِنَ الْقُبَّةِ يَسْتَغِيثُ وَأَتَى بَابَ النُّعْمَانِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَثَّ الرِّجَالَ فِي طَلَبِ الْحَارِثِ. قَالَ الْحَارِثُ: فَلَمَّا سِرْتُ قَلِيلًا خِفْتُ أَنْ أَكُونَ لَمْ أَقْتُلْهُ فَعُدْتُ مُتَنَكِّرًا وَاخْتَلَطْتُ بِالنَّاسِ وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ حَتَّى تَيَقَّنْتُ أَنَّهُ مَقْتُولٌ وَعُدْتُ فَلَحِقْتُ بِقَوْمِي، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ الْكُلَابِيُّ: يَا حَارِ لَوْ نَبَّهْتَهُ لَوَجَدْتَهُ لَا طَائِشًا رَعِشًا وَلَا مِعْزَالَا شَقَّتْ عَلَيْهِ الْجَعْفَرِيَّةُ جَيْبَهَا جَزَعًا وَمَا تَبْكِي هُنَاكَ ضَلَالَا فَانْعُوا أَبَا بَحْرٍ بِكُلِّ مُجَرَّبٍ حَرَّانَ يُحْسَبُ فِي الْقَنَاةِ هِلَالَا فَلَيُقْتَلَنَّ بِخَالِدٍ سَرَوَاتِكُمْ وَلَيُجْعَلَنَّ لِظَالِمٍ تِمْثَالَا فَأَجَابَهُ الْحَارِثُ: تَاللَّهِ قَدْ نَبَّهْتُهُ فَوَجَدْتُهُ رَخْوَ الْيَدَيْنِ مُوَاكِلًا عِسْقَالَا فَعَلَوْتُهُ بِالسَّيْفِ أَضْرِبُ رَأْسَهُ حَتَّى أَضَلَّ بِسَلْحِهِ السِّرْبَالَا فَجَعَلَ النُّعْمَانُ يَطْلُبُهُ لِيَقْتُلَهُ بِجَارِهِ، وَهَوَازِنُ تَطْلُبُهُ لِتَقْتُلَهُ بِسَيِّدِهَا خَالِدٍ، فَلَحِقَ بِتَمِيمٍ فَاسْتَجَارَ بِضَمْرَةَ بْنِ ضَمْرَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ قَطَنِ بْنِ نَهْشَلِ بْنِ دَارِمٍ، فَأَجَارَهُ عَلَى النُّعْمَانِ وَهَوَازِنَ، فَلَمَّا عَلِمَ النُّعْمَانُ ذَلِكَ جَهَّزَ جَيْشًا إِلَى بَنِي دَارِمٍ عَلَيْهِمُ ابْنُ الْخِمْسِ التَغْلِبِيُّ، وَكَانَ يَطْلُبُ الْحَارِثَ بِدَمِ أَبِيهِ لِأَنَّهُ كَانَ قَتَلَهُ. ثُمَّ إِنَّ الْأَحْوَصَ بْنَ جَعْفَرٍ أَخَا خَالِدٍ جَمَعَ بَنِي عَامِرٍ وَسَارَ بِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا هُمْ وَعَسْكَرُ النُّعْمَانِ عَلَى بَنِي دَارِمٍ وَسَارُوا، فَلَمَّا صَارُوا بِأَدْنَى مِيَاهِ بَنِي دَارِمٍ رَأَوُا امْرَأَةً تَجْنِي الْكَمْأَةَ وَمَعَهَا جَمَلٌ لَهَا، فَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْ غَنِيٍّ وَتَرَكَهَا عِنْدَهُ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ نَامَ فَقَامَتْ إِلَى جَمَلِهَا فَرَكِبَتْهُ، وَسَارَتْ حَتَّى صَبَّحَتْ بَنِي دَارِمٍ، وَقَصَدَتْ سَيِّدَهُمْ زُرَارَةَ بْنَ عُدَسٍ فَأَخْبَرَتْهُ الْخَبَرَ وَقَالَتْ: أَخَذَنِي أَمْسِ قَوْمٌ لَا يُرِيدُونَ غَيْرَكَ وَلَا أَعْرِفُهُمْ. قَالَ: فَصِفِيهِمْ لِي. قَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ فَهُوَ يَرْفَعُهُمَا بِخِرْقَةٍ، صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، وَعَنْ أَمْرِهِ يَصْدُرُونَ. قَالَ: ذَاكَ الْأَحْوَصُ وَهُوَ سَيِّدُ الْقَوْمِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا قَلِيلَ الْمَنْطِقِ إِذَا تَكَلَّمَ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ كَمَا تَجْتَمِعُ الْإِبِلُ لِفَحْلِهَا، أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ يُلَازِمَانِهِ. قَالَ: ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنَاهُ عَامِرٌ وَطُفَيْلٌ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا جَسِيمًا كَأَنَّ لِحْيَتَهُ مُحَمَّرَةٌ مُعَصْفَرَةٌ. قَالَ: ذَاكَ عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا هِلْقَامًا جَسِيمًا. قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ كُلَابٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا أَسْوَدَ أَخْنَسَ قَصِيرًا. قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ قُرْطِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا أَقْرَنَ الْحَاجِبَيْنِ، كَثِيرَ شَعْرِ السَّبْلَةِ، يَسِيلُ لُعَابُهُ عَلَى لِحْيَتِهِ إِذَا تَكَلَّمَ. قَالَ: ذَاكَ جُنْدُحُ بْنُ الْبَكَّاءِ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا صَغِيرَ الْعَيْنَيْنِ، ضَيِّقَ الْجَبْهَةِ، يَقُودُ فَرَسًا لَهُ، مَعَهُ جَفِيرٌ لَا يُفَارِقُ يَدَهُ. قَالَ: ذَاكَ رَبِيعَةُ بْنُ عُقَيْلِ بْنِ كَعْبٍ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا مَعَهُ ابْنَانِ أَصْهَبَانِ، إِذَا أَقْبَلَا رَمَاهُمَا النَّاسُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَإِذَا أَدْبَرَا كَانَا كَذَلِكَ. قَالَ: ذَاكَ الصَّعْقُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَابْنَاهُ يَزِيدُ وَزُرْعَةُ. قَالَتْ: وَرَأَيْتُ رَجُلًا لَا يَقُولُ كَلِمَةً إِلَّا وَهِيَ أَحَدُّ مِنْ شَفْرَةٍ. قَالَ: ذَاكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ كَعْبٍ. وَأَمَرَهَا زُرَارَةُ فَدَخَلَتْ بَيْتَهَا، وَأَرْسَلَ زُرَارَةُ إِلَى الرِّعَاءِ يَأْمُرُهُمْ بِإِحْضَارِ الْإِبِلِ، فَفَعَلُوا. وَأَمَرَهُمْ فَحَمَلُوا الْأَهْلَ وَالْأَثْقَالَ وَسَارُوا نَحْوَ بِلَادِ بَغِيضٍ، وَفَرَّقَ الرُّسُلَ فِي بَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ فَأَتَوْهُ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ وَأَمَرَهُمْ، فَوَجَّهُوا أَثْقَالَهُمْ إِلَى بِلَادِ بَغِيضٍ، فَفَعَلُوا وَبَاتُوا مُعَدِّينَ. وَأَصْبَحَ بَنُو عَامِرٍ وَأَخْبَرَهُمُ الْغَنَوِيُّ حَالَ الظَّعِينَةِ وَهَرَبَهَا فَسُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ، وَاجْتَمَعُوا يُدِيرُونَ الرَّأْيَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَأَنِّي بِالظَّعِينَةِ قَدْ أَتَتْ قَوْمَهَا فَأَخْبَرَتْهُمُ الْخَبَرَ، فَحَذِرُوا وَأَرْسَلُوا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَى بِلَادِ بَغِيضٍ، وَبَاتُوا مُعَدِّينَ لَكُمْ فِي السِّلَاحِ، فَارْكَبُوا بِنَا فِي طَلَبِ نَعَمِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَشْعُرُونَ حَتَّى نُصِيبَ حَاجَتَنَا وَنَنْصَرِفَ. فَرَكِبُوا يَطْلُبُونَ ظُعْنَ بَنِي دَارِمٍ، فَلَمَّا أَبْطَأَ الْقَوْمُ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ تَوَجَّهُوا إِلَى ظُعُنِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ فَسِيرُوا إِلَيْهِمْ. فَسَارُوا مُجِدِّينَ فَلَحِقُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى الظُّعُنِ وَالنَّعَمِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَتْ بَنُو مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ ابْنِ الْخِمْسِ التَغْلِبِيِّ رَئِيسَ جَيْشِ النُّعْمَانِ، وَأَسَرَتْ بَنُو عَامِرٍ مَعْبَدَ بْنَ زُرَارَةَ، وَصَبَرَ بَنُو دَارِمٍ حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَأَقْبَلَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَانْهَزَمَتْ بَنُو عَامِرٍ وَجَيْشُ النُّعْمَانِ وَعَادُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَمَعْبَدٌ أَسِيرٌ مَعَ بَنِي عَامِرٍ، فَبَقِيَ مَعَهُمْ حَتَّى مَاتَ. وَفِي تِلْكَ الْأَيَّامِ أَيْضًا مَاتَ زُرَارَةُ بْنُ عُدَسٍ. وَقِيلَ فِي اسْتِجَارَةِ الْحَارِثِ بِبَنِي تَمِيمٍ غَيْرُ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ النُّعْمَانَ طَلَبَ شَيْئًا يَغِيظُ بِهِ الْحَارِثَ بَعْدَ قَتْلِ خَالِدٍ وَهَرَبِهِ، فَقِيلَ لَهُ: كَانَ قَصَدَ الْحِيرَةَ وَنَزَلَ عَلَى عِيَاضِ بْنِ دَيْهَثٍ التَّمِيمِيِّ وَهُوَ صَدِيقٌ لَهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ النُّعْمَانُ فَأَخَذَ إِبِلًا لَهُ، فَرَكِبَ الْحَارِثُ وَأَتَى الْحِيرَةَ مُتَخَفِّيًا وَاسْتَنْقَذَ مَالَهُ مِنَ الرِّعَاءِ وَرَدَّهُ عَلَيْهِ وَطَلَبَ شَيْئًا يَغِيظُ بِهِ النُّعْمَانَ، فَرَأَى ابْنَهُ غَضْبَانَ فَضَرَبَ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ، وَبَلَغَ النُّعْمَانَ الْخَبَرُ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِ فَلَمْ يُدْرَكْ، فَقَالَ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ: أَخُصْيَيْ حِمَارٍ بَاتَ يَكْدُمُ نَجْمَةً أَتُؤْكَلُ جَارَاتِي وَجَارُكَ سَالِمُ فَإِنْ تَكُ أَذْوَادًا أَصَبْتَ وَنِسْوَةً فَهَذَا ابْنُ سَلْمَى رَأْسُهُ مُتَفَاقِمُ عَلَوْتُ بِذِي الْحَيَّاتِ مَفْرِقَ رَأْسِهِ وَلَا يَرْكَبُ الْمَكْرُوهَ إِلَّا الْأَكَارِمُ فَتَكْتُ بِهِ كَمَا فَتَكْتُ بِخَالِدٍ وَكَانَ سِلَاحِي تَحْتَوِيهِ الْجَمَاجِمُ بَدَأْتُ بِتِلْكَ وَانْثَنَيْتُ بِهَذِهِ وَثَالِثَةٌ تَبْيَضُّ مِنْهَا الْمَقَادِمُ حَسِبْتَ أَبَا قَابُوسَ أَنَّكَ مُخْفِرِي وَلَمَّا تَذُقْ ثُكْلًا وَأَنْفُكَ رَاغِمُ كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمَقْتُولَ كَانَ شُرَحْبِيلَ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ تَرَكَ ابْنَهُ شُرَحْبِيلَ عِنْدَ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ تُرْضِعُهُ زَوْجَتُهُ. فَمِنْ هُنَاكَ كَانَ لِسِنَانٍ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ ابْنُهُ هَرِمٌ يُعْطَى مِنْهُ، فَجَاءَ الْحَارِثُ مُتَخَفِّيًا فَاسْتَعَارَ سَرْجَ سِنَانٍ وَلَا يَعْلَمُ سِنَانٌ، ثُمَّ أَتَى امْرَأَةَ سِنَانٍ فَقَالَ: يَقُولُ بَعْلُكِ ابْعَثِي بِشُرَحْبِيلَ بْنِ الْمَلِكِ مَعَ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ حَتَّى يَسْتَأْمِنَ بِهِ وَيَتَخَفَّرَ بِهِ، وَهَذَا سَرْجُهُ عَلَامَةٌ. فَزَيَّنَتْهُ وَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَقَتَلَهُ وَهَرَبَ. فَغَزَا الْأَسْوَدُ بَنِي ذُبْيَانَ وَبَنِي أَسَدٍ بِشَطِّ أَرْبَكَ، فَقَتَلَ فِيهِمْ قَتْلًا ذَرِيعًا وَسَبَى وَاسْتَأْصَلَ الْأَمْوَالَ وَأَقْسَمَ لَيَقْتُلَنَّ الْحَارِثَ، فَسَارَ الْحَارِثُ مُتَخَفِّيًا إِلَى الْحِيرَةِ لِيَفْتِكَ بِالْأَسْوَدِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَنْزِلِهِ إِذْ سَمِعَ صَارِخَةً تَقُولُ: أَنَا فِي جِوَارِ الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ، وَعَرَفَ حَالَهَا، وَكَانَ الْأَسْوَدُ قَدْ أَخَذَ لَهَا صِرْمَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالَ لَهَا: انْطَلِقِي غَدًا إِلَى مَكَانِ كَذَا، وَأَتَاهُ الْحَارِثُ. فَلَمَّا وَرَدَتْ إِبِلُ النُّعْمَانِ أَخَذَ مَالَهَا فَسَلَّمَهُ إِلَيْهَا وَفِيهَا نَاقَةٌ تُسَمَّى اللَّقَاعَ، فَقَالَ الْحَارِثُ فِي ذَلِكَ: إِذَا سَمِعْتِ حَنَّةَ اللَّقَاعِ فَادْعِي أَبَا لَيْلَى فَنِعْمَ الدَّاعِي يَمْشِي بِغَضَبٍ صَارِمٍ قَطَّاعِ يَفْرِي بِهِ مَجَامِعَ الصُّدَّاعِ ثُمَّ أَقْبَلَ يَطْلُبُ مُجِيرًا، فَلَمْ يُجِرْهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَقَالُوا: يُجِيرُكَ عَلَى هَوَازِنَ وَالنُّعْمَانِ وَقَدْ قَتَلْتَ وَلَدَهُ ؟ فَأَتَى زُرَارَةَ بْنَ عُدَسٍ وَضَمْرَةَ بْنَ ضَمْرَةَ فَأَجَارَاهُ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ. ثُمَّ إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْإِطْنَابَةِ الْخَزْرَجِيَّ لَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ وَجَدَهُ يَقْظَانَ مَا أَقْدَمَ عَلَيْهِ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتُهُ. وَبَلَغَ الْحَارِثَ قَوْلُهُ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ فِي رَحْلٍ وَلَا أَلْقَاهُ إِلَّا وَمَعَهُ سِلَاحُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ الْإِطْنَابَةِ فَقَالَ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: أَبْلِغِ الْحَارِثَ بْنَ ظَالِمٍ الْمَوْ عِدَ وَالنَّاذِرَ النُّذُورَ عَلَيَّا إِنَّمَا تَقْتُلُ النِّيَامَ وَلَا تَقْ تُلُ يَقْظَانَ ذَا سِلَاحٍ كَمِيَّا فَبَلَغَ الْحَارِثَ شِعْرُهُ فَسَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَسَأَلَ عَنْ مَنْزِلِ ابْنِ الْإِطْنَابَةِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ نَادَى: يَا ابْنَ الْإِطْنَابَةِ أَغِثْنِي ! فَأَتَاهُ عَمْرٌو فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي فُلَانٍ خَرَجْتُ أُرِيدُ بَنِي فُلَانٍ، فَعَرَضَ لِي قَوْمٌ قَرِيبًا مِنْكَ، فَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعِي فَارْكَبْ مَعِي حَتَّى نَسْتَنْقِذَهُ. فَرَكِبَ مَعَهُ وَلَبِسَ سِلَاحَهُ وَمَضَى مَعَهُ، فَلَمَّا أَبْعَدَ عَنْ مَنْزِلِهِ عَطَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: أَنَائِمٌ أَنْتَ أَمْ يَقْظَانُ ؟ فَقَالَ: يَقِظَانٌ. فَقَالَ: أَنَا أَبُو لَيْلَى وَسَيْفِيَ الْمَعْلُوبُ، فَأَلْقَى ابْنُ الْإِطْنَابَةِ سَيْفَهُ، وَقِيلَ: رُمْحَهُ، وَقَالَ: قَدْ أَعْجَلْتَنِي فَأَمْهِلْنِي حَتَّى آخُذَ سَيْفِي. فَقَالَ: خُذْهُ. قَالَ: أَخَافُ أَنْ تَعْجِلَنِي عَنْ أَخْذِهِ. قَالَ: لَكَ ذِمَّةُ ظَالِمٍ لَا أُعْجِلُكَ عَنْ أَخْذِهِ. قَالَ: فَوَذِمَّةِ الْإِطْنَابَةِ لَا آخُذُهُ ! فَانْصَرَفَ الْحَارِثُ وَهُوَ يَقُولُ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: بَلَغَتْنَا مَقَالَةُ الْمَرْءِ عَمْرٍو فَالْتَقَيْنَا وَكَانَ ذَاكَ بَدِيًّا فَهَمَمْنَا بِقَتْلِهِ إِذْ بَرَزْنَا وَوَجَدْنَاهُ ذَا سِلَاحٍ كَمِيَّا غَيْرَ مَا نَائِمٍ يُرَوَّعُ بِالْفَتْ كِ وَلَكِنْ مُقَلَّدًا مَشْرَفِيَّا فَمَنَنَّا عَلَيْهِ بَعْدَ عُلُوٍّ بِوَفَاءٍ وَكُنْتُ قِدْمًا وَفِيَّا ثُمَّ إِنَّ الْحَارِثَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ النُّعْمَانَ قَدْ جَدَّ فِي طَلَبِهِ، وَهَوَازِنَ لَا تَقْعُدُ عَنِ الطَّلَبِ بِثَأْرِ خَالِدٍ، خَرَجَ مُتَنَكِّرًا إِلَى الشَّامِ وَاسْتَجَارَ بِيَزِيدَ بْنِ عَمْرٍو، فَأَكْرَمَهُ وَأَجَارَهُ. وَكَانَ لِيَزِيدَ نَاقَةٌ مُحْمَاةٌ، فِي عُنُقِهَا مُدْيَةٌ وَزِنَادٌ وَمُلَحٌ لِيَمْتَحِنَ بِذَلِكَ رَعِيَّتَهُ، فَوَحِمَتْ زَوْجَةُ الْحَارِثِ وَاشْتَهَتْ شَحْمًا وَلَحْمًا، فَأَخَذَ الْحَارِثُ النَّاقَةَ فَأَدْخَلَهَا شِعْبًا فَذَبَحَهَا، وَحَمَلَ إِلَى امْرَأَتِهِ مِنْ شَحْمِهَا وَلَحْمِهَا وَرَفَعَ مِنْهُ. وَفُقِدَتِ النَّاقَةُ فَطُلِبَتْ فَوُجِدَتْ عَقِيرَةً بِالْوَادِي، فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ إِلَى كَاهِنٍ فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ الْحَارِثَ نَحَرَهَا، فَأَرْسَلَ امْرَأَةً بِطِيبٍ تَشْتَرِي مِنْ لَحْمِهَا مِنَ امْرَأَةِ الْحَارِثِ، فَأَدْرَكَهَا الْحَارِثُ وَقَدِ اشْتَرَتِ اللَّحْمَ فَقَتَلَهَا وَدَفَنَهَا فِي الْبَيْتِ. فَسَأَلَ الْمَلِكُ الْكَاهِنَ عَنِ الْمَرْأَةِ، فَقَالَ: قَتَلَهَا مَنْ نَحَرَ النَّاقَةَ، وَإِذَا كَرِهْتَ أَنْ تُفَتِّشَ بَيْتَهُ فَتَأْمُرُ الرَّجُلَ بِالرَّحِيلِ، فَإِذَا رَحَلَ فَتَّشْتُ بَيْتَهُ. فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَحَلَ الْحَارِثُ فَتَّشَ الْكَاهِنُ بَيْتَهُ فَوَجَدَ الْمَرْأَةَ، وَأَحَسَّ الْحَارِثُ بِالشَّرِّ فَعَادَ إِلَى الْكَاهِنِ فَقَتَلَهُ، فَأُخِذَ الْحَارِثُ وَأُحْضِرَ عِنْدَ الْمَلِكِ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّكَ قَدْ أَجَرْتَنِي فَلَا تَغْدِرْ بِي. فَقَالَ: إِنْ غَدَرْتُ بِكَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَدْ غَدَرْتَ بِي مِرَارًا. فَقَتَلَهُ.
التاريخ 562لا حكم مسجّل
أيام داحس والغبراء أَيَّامُ دَاحِسَ وَالْغَبْرَاءِ، وَهِيَ بَيْنَ عَبْسٍ وَذُبْيَانَ وَكَانَ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ قَيْسَ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ جَذِيمَةَ الْعَبْسِيَّ سَارَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُجَهِّزَ لِقِتَالِ عَامِرٍ وَالْأَخْذِ بِثَأْرِ أَبِيهِ، فَأَتَى أُحَيْحَةَ بْنَ الْجُلَاحِ يَشْتَرِي مِنْهُ دِرْعًا مَوْصُوفَةً. فَقَالَ لَهُ: لَا أَبِيعُهَا وَلَوْلَا أَنْ تَذُمَّنِي بَنُو عَامِرٍ لَوَهَبْتُهَا مِنْكَ وَلَكِنِ اشْتَرِهَا بِابْنِ لَبُونٍ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَأَخَذَ الدِّرْعَ، وَتُسَمَّى ذَاتِ الْحَوَاشِي، وَوَهَبَهُ أُحَيْحَةُ أَيْضًا أَدْرَاعًا، وَعَادَ إِلَى قَوْمِهِ وَقَدْ فَرَغَ مِنْ جِهَازِهِ. فَاجْتَازَ بِالرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ الْعَبْسِيِّ فَدَعَاهُ إِلَى مُسَاعَدَتِهِ عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِهِ فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا أَرَادَ فِرَاقَهُ نَظَرَ الرَّبِيعُ إِلَى عَيْبَتِهِ فَقَالَ: مَا فِي حَقِيبَتِكَ ؟ قَالَ: مَتَاعٌ عَجِيبٌ لَوْ أَبْصَرْتَهُ لَرَاعَكَ، وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، فَأَخْرَجَ الدِّرْعَ مِنَ الْحَقِيبَةِ، فَأَبْصَرَهَا الرَّبِيعُ فَأَعْجَبَتْهُ وَلَبِسَهَا، فَكَانَتْ فِي طُولِهِ. فَمَنَعَهَا مِنْ قَيْسٍ وَلَمْ يُعْطِهِ إِيَّاهَا، وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، وَلَجَّ قَيْسٌ فِي طَلَبِهَا، وَلَجَّ الرَّبِيعُ فِي مَنْعِهَا. فَلَمَّا طَالَتِ الْأَيَّامُ عَلَى ذَلِكَ سَيَّرَ قَيْسٌ أَهْلَهُ إِلَى مَكَّةَ وَأَقَامَ يَنْتَظِرُ غِرَّةَ الرَّبِيعِ. ثُمَّ إِنَّ الرَّبِيعَ سَيَّرَ إِبِلَهُ وَأَمْوَالَهُ إِلَى مَرْعًى كَثِيرِ الْكَلَإِ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ فَظَعَنُوا، وَرَكِبَ فَرَسَهُ وَسَارَ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ قَيْسًا فَسَارَ فِي أَهْلِهِ وَإِخْوَتِهِ، فَعَارَضَ ظَعَائِنَ الرَّبِيعِ، وَأَخَذَ زِمَامَ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخُرْشُبِ وَزِمَامَ زَوْجَتِهِ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ أُمُّ الرَّبِيعِ: مَا تُرِيدُ يَا قَيْسُ ؟ قَالَ: أَذْهَبُ بِكُنَّ إِلَى مَكَّةَ فَأَبِيعُكُنَّ بِهَا بِسَبَبِ دِرْعِي. قَالَتْ: وَهِيَ فِي ضَمَانِي وَخَلِّ عَنَّا، فَفَعَلَ. فَلَمَّا جَاءَتْ إِلَى ابْنِهَا قَالَتْ لَهُ فِي مَعْنَى الدِّرْعِ، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ الدِّرْعَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى قَيْسٍ أَعْلَمَتْهُ بِمَا قَالَ الرَّبِيعُ، فَأَغَارَ عَلَى نَعَمِ الرَّبِيعِ فَاسْتَاقَ مِنْهَا أَرْبَعَمِائَةِ بَعِيرٍ وَسَارَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ فَبَاعَهَا وَاشْتَرَى بِهَا خَيْلًا، وَتَبِعَهُ الرَّبِيعُ فَلَمْ يَلْحَقْهُ، فَكَانَ فِيمَا اشْتَرَى مِنَ الْخَيْلِ دَاحِسٌ وَالْغَبْرَاءُ. وَقِيلَ: إِنَّ دَاحِسًا كَانَ مِنْ خَيْلِ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَإِنَّ أَبَاهُ كَانَ أَخَذَ فَرَسًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَبَّةَ يُقَالُ لَهُ أُنَيْفُ بْنُ جَبَلَةَ، وَكَانَ الْفَرَسُ يُسَمَّى السِّبْطَ، وَكَانَتْ أُمُّ دَاحِسٍ لِلْيَرْبُوعِيِّ، فَطَلَبَ الْيَرْبُوعِيُّ مِنَ الضَّبِّيِّ أَنْ يُنْزِيَ فَرَسَهُ عَلَى حِجْرِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ عَمَدَ الْيَرْبُوعِيُّ إِلَى فَرَسِ الضَّبِّيِّ فَأَخَذَهُ فَأَنْزَاهُ عَلَى فَرَسِهِ، فَاسْتَيْقَظَ الضَّبِّيُّ فَلَمْ يُرَ فَرَسُهُ فَنَادَى فِي قَوْمِهِ، فَأَجَابُوهُ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِالْيَرْبُوعِيِّ، فَأَخْبَرَهُمُ الْخَبَرَ، فَغَضِبَ ضَبَّةُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَعْجَلُوا، دُونَكُمْ نُطْفَةُ فَرَسِكُمْ فَخُذُوهَا. فَقَالَ الْقَوْمُ: قَدْ أَنْصَفَ. فَسَطَا عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَدَسَّ يَدَهُ فِي رَحِمِهَا فَأَخَذَ مَا فِيهَا، فَلَمْ تَزِدِ الْفَرَسُ إِلَّا لِقَاحًا فَنَتَجَتْ مُهْرًا فَسُمِّيَ دَاحِسًا بِهَذَا السَّبَبِ. فَكَانَ عِنْدَ الْيَرْبُوعِيِّ ابْنَانِ لَهُ، وَأَغَارَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ فَنَهَبَ وَسَبَى، وَرَأَى الْغُلَامَيْنِ أَحَدَهُمَا عَلَى دَاحِسٍ وَالْآخِرَ عَلَى الْغَبْرَاءِ فَطَلَبَهُمَا فَلَمْ يَلْحَقْهُمَا، فَرَجَعَ وَفِي السَّبْيِ أُمُّ الْغُلَامَيْنِ وَأُخْتَانِ لَهُمَا وَقَدْ وَقَعَ دَاحِسٌ وَالْغَبْرَاءُ فِي قَلْبِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِيعِ مَا وَقَعَ. ثُمَّ جَاءَ وَفْدُ بَنِي يَرْبُوعٍ فِي فِدَاءِ الْأَسْرَى وَالسَّبْيِ، فَأَطْلَقَ الْجَمِيعَ إِلَّا أُمَّ الْغُلَامَيْنِ وَأُخْتَيْهِمَا وَقَالَ: إِنْ أَتَانِي الْغُلَامَانِ بِالْمُهْرِ وَالْفَرَسِ الْغَبْرَاءِ وَإِلَّا فَلَا. فَامْتَنَعَ الْغُلَامَانِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ كَانَ أَسِيرًا عِنْدَ قَيْسٍ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى الْغُلَامَيْنِ، وَهِيَ: إِنَّ مُهْرًا فَدَى الرِّبَابَ وَجُمْلًا وَسُعَادًا لَخَيْرُ مُهْرِ أُنَاسِ ادْفَعُوا دَاحِسًا بِهِنَّ سِرَاعًا إِنَّهَا مِنْ فِعَالِهَا الْأَكْيَاسِ دُونَهَا وَالَّذِي يَحُجُّ لَهُ النَّا سُ سَبَايَا يُبَعْنَ بِالْأَفْرَاسِ إِنَّ قَيْسًا يَرَى الْجَوَادَ مِنَ الْخَيْ لِ حَيَاةً فِي مُتْلِفِ الْأَنْفَاسِ يَشْتَرِي الطِّرْفَ بِالْجَرَاجِرَةِ الْجِ لَّةِ يُعْطِي عَفْوًا بِغَيْرِ مِكَاسِ فَلَمَّا انْتَهَتِ الْأَبْيَاتُ إِلَى بَنِي يَرْبُوعٍ قَادُوا الْفَرَسَيْنِ إِلَى قَيْسٍ وَأَخَذُوا النِّسَاءَ. وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسًا أَنْزَى دَاحِسًا عَلَى فَرَسٍ لَهُ فَجَاءَتْ بِمُهْرَةٍ فَسَمَّاهَا الْغَبْرَاءَ. ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا أَقَامَ بِمَكَّةَ فَكَانَ أَهْلُهَا يُفَاخِرُونَهُ، وَكَانَ فَخُورًا، فَقَالَ لَهُمْ: نَحُّوا كَعْبَتَكُمْ عَنَّا وَحَرَمَكُمْ وَهَاتُوا مَا شِئْتُمْ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ: إِذَا لَمْ نُفَاخِرْكَ بِالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَبِالْحَرَمِ الْآمِنِ فَبِمَ نُفَاخِرُكَ ؟ فَمَلَّ قَيْسٌ مُفَاخَرَتَهُمْ وَعَزَمَ عَلَى الرِّحْلَةِ عَنْهُمْ، وَسَرَّ ذَلِكَ قُرَيْشًا لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا كَرِهُوا مُفَاخَرَتَهُ، فَقَالَ لِإِخْوَتِهِ: ارْحَلُوا بِنَا مِنْ عِنْدِهِمْ أَوَّلًا وَإِلَّا تَفَاقَمَ الشَّرُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، وَالْحَقُوا بِبَنِي بَدْرٍ فَإِنَّهُمْ أَكْفَاؤُنَا فِي الْحَسَبِ، وَبَنُو عَمِّنَا فِي النَّسَبِ، وَأَشْرَافُ قَوْمِنَا فِي الْكَرَمِ، وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الرَّبِيعُ أَنْ يَتَنَاوَلَنَا مَعَهُمْ. فَلَحِقَ قَيْسٌ وَإِخْوَتُهُ بِبَنِي بَدْرٍ، وَقَالَ فِي مَسِيرِهِ إِلَيْهِمْ: أَسِيرُ إِلَى بَنِي بَدْرٍ بِأَمْرٍ هُمُ فِيهِ عَلَيْنَا بِالْخِيَارِ فَإِنْ قَبِلُوا الْجِوَارَ فَخَيْرُ قَوْمٍ وَإِنْ كَرِهُوا الْجِوَارَ فَغَيْرُ عَارِ أَتَيْنَا الْحَارِثَ الْخَيْرَ بْنَ كَعْبٍ بِنَجْرَانَ وَأَيُّ لَجًا بِجَارِ فَجَاوَرْنَا الَّذِينَ إِذَا أَتَاهُمْ غَرِيبٌ حَلَّ فِي سَعَةِ الْقَرَارِ فَيَأْمَنُ فِيهِمُ وَيَكُونُ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ الشِّعَارِ مِنَ الدِّثَارِ وَإِنْ نُفْرَدْ بِحَرْبِ بَنِي أَبِينَا بِلَا جَارٍ فَإِنَّ اللَّهَ جَارِي ثُمَّ نَزَلَ بِبَنِي بَدْرٍ فَنَزَلَ بِحُذَيْفَةَ، فَأَجَارَهُ هُوَ وَأَخُوهُ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ، وَأَقَامَ فِيهِمْ، وَكَانَ مَعَهُ أَفْرَاسٌ لَهُ وَلِإِخْوَتِهِ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَرَبِ مِثْلُهَا، وَكَانَ حُذَيْفَةُ يَغْدُو وَيَرُوحُ إِلَى قَيْسٍ فَيَنْظُرُ إِلَى خَيْلِهِ فَيَحْسُدُهُ عَلَيْهَا وَيَكْتُمُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ، وَأَقَامَ قَيْسٌ فِيهِمْ زَمَانًا يُكْرِمُونَهُ وَإِخْوَتَهُ، فَغَضِبَ الرَّبِيعُ وَنَقِمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: أَلَا أَبْلِغْ بَنِي بَدْرٍ رَسُولًا عَلَى مَا كَانَ مِنْ شَنَإٍ وَوَتْرِ بِأَنِّي لَمْ أَزَلْ لَكُمُ صَدِيقًا أُدَافِعُ عَنْ فَزَارَةَ كُلَّ أَمْرِ أُسَالِمُ سِلْمَكُمْ وَأَرُدُّ عَنْكُمْ فَوَارِسَ أَهْلِ نَجْرَانَ وَحَجْرِ وَكَانَ أَبِي ابْنُ عَمِّكُمُ زِيَادٌ صَفِيَّ أَبِيكُمُ بَدْرِ بْنِ عَمْرِو فَأَلْجَأْتُمُ أَخَا الْغَدَرَاتِ قَيْسًا فَقَدْ أَفْعَمْتُمُ إِيغَارَ صَدْرِي فَحَسْبِي مِنْ حُذَيْفَةَ ضَمُّ قَيْسٍ وَكَانَ الْبَدْءُ مِنْ حَمَلِ بْنِ بَدْرِ فَإِمَّا تَرْجِعُوا أَرْجِعْ إِلَيْكُمْ وَإِنْ تَأْبَوْا فَقَدْ أَوْسَعْتُ عُذْرِي فَلَمْ يَتَغَيَّرُوا عَنْ جِوَارِ قَيْسٍ. فَغَضِبَ الرَّبِيعُ وَغَضِبَتْ عَبْسٌ لِغَضَبِهِ، ثُمَّ إِنَّ حُذَيْفَةَ كَرِهَ قَيْسًا وَأَرَادَ إِخْرَاجَهُ عَنْهُمْ فَلَمْ يَجِدْ حُجَّةً، وَعَزَمَ قَيْسٌ عَلَى الْعُمْرَةِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنِّي قَدْ عَزَمْتُ عَلَى الْعُمْرَةِ فَإِيَّاكُمْ أَنْ تُلَابِسُوا حُذَيْفَةَ بِشَيْءٍ، وَاحْتَمِلُوا عَلَى مَا يَكُونُ مِنْهُ حَتَّى أَرْجِعَ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ، وَلَيْسَ يَقْدِرُ عَلَى حَاجَتِهِ مِنْكُمْ إِلَّا أَنْ تُرَاهِنُوهُ عَلَى الْخَيْلِ. وَكَانَ ذَا رَأْيٍ لَا يُخْطِئُ فِي مَا يُرِيدُهُ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ. ثُمَّ إِنَّ فَتًى مِنْ عَبْسٍ يُقَالُ لَهُ وَرْدُ بْنُ مَالِكٍ أَتَى حُذَيْفَةَ فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ وَرْدٌ: لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ فَحْلًا يَكُونُ أَصْلًا لِخَيْلِكَ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: خَيْلِي خَيْرٌ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ، وَلَجَا فِي ذَلِكَ إِلَى أَنْ تَرَاهَنَا عَلَى فَرَسَيْنِ مِنْ خَيْلِ قَيْسٍ وَفَرَسَيْنِ مِنْ خَيْلِ حُذَيْفَةَ، وَالرَّهْنُ عَشْرَةُ أَذْوَادٍ. وَسَارَ وَرْدٌ فَقَدِمَ عَلَى قَيْسٍ بِمَكَّةَ فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَقَالَ لَهُ: أَرَاكَ قَدْ أَوْقَعْتَنِي فِي بَنِي بَدْرٍ وَوَقَعْتَ مَعِي، وَحُذَيْفَةُ ظَلُومٌ لَا تَطِيبُ نَفْسُهُ بِحَقٍّ، وَنَحْنُ لَا نُقِرُّ لَهُ بِضَيْمٍ. وَرَجَعَ قَيْسٌ مِنَ الْعُمْرَةِ، فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَرَكِبَ إِلَى حُذَيْفَةَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَفُكَّ الرَّهْنَ، فَلَمْ يَفْعَلْ. فَسَأَلَهُ جَمَاعَةُ فَزَارَةَ وَعَبْسٍ فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ أَقَرَّ قَيْسٌ أَنَّ السَّبْقَ لِي وَإِلَّا فَلَا، فَقَالَ أَبُو جَعْدَةَ الْفَزَارِيُّ: آلَ بَدْرٍ دَعُوا الرِّهَانَ فَإِنَّا قَدْ مَلِلْنَا اللَّجَاجَ عِنْدَ الرِّهَانِ وَدَعُوا الْمَرْءَ فِي فَزَارَةَ جَارًا إِنَّ مَا غَابَ عَنْكُمُ كَالْعِيَانِ لَيْتَ شِعْرِي عَنْ هَاشِمٍ وَحُصَيْنٍ وَابْنِ عَوْفٍ وَحَارِثٍ وَسِنَانِ حِينَ يَأْتِيهِمُ لَجَاجُكَ قَيْسًا رَأْيَ صَاحٍ أَتَيْتَ أَمْ نَشْوَانِ وَسَأَلَ حُذَيْفَةُ إِخْوَتَهُ وَسَادَاتِ أَصْحَابِهِ فِي تَرْكِ الرِّهَانِ وَلَجَّ فِيهِ، وَقَالَ قَيْسٌ: عَلَامَ تُرَاهِنُنِي ؟ قَالَ: عَلَى فَرَسَيْكَ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ وَفَرَسِي الْخَطَّارِ وَالْحَنْفَاءِ، وَقِيلَ: كَانَ الرَّهْنُ عَلَى فَرَسَيْ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ. قَالَ قَيْسٌ: دَاحِسٌ أَسْرَعُ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: الْغَبْرَاءُ أَسْرَعُ، وَقَالَ لِقَيْسٍ: أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّمَكَ أَنَّ بَصَرِي بِالْخَيْلِ أَثْقَبُ مِنْ بَصَرِكَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. فَقَالَ لَهُ قَيْسٌ: نَفِّسْ فِي الْغَايَةِ وَارْفَعْ فِي السَّبْقِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: الْغَايَةُ مِنْ أُبْلَى إِلَى ذَاتِ الْإِصَادِ، وَهُوَ قَدْرُ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ غَلْوَةً، وَالسَّبْقُ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَضَمَّرُوا الْخَيْلَ. فَلَمَّا فَرَغُوا قَادُوا الْخَيْلَ إِلَى الْغَايَةِ وَحَشَدُوا وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَتَرَكُوا السَّبْقَ عَلَى يَدِ عِقَالِ ابْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ الْقَيْسِيِّ، وَأَعَدُّوا الْأُمَنَاءَ عَلَى إِرْسَالِ الْخَيْلِ. وَأَقَامَ حُذَيْفَةُ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ فِي الطَّرِيقِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْقَى دَاحِسًا فِي وَادِي ذَاتِ الْإِصَادِ إِنْ مَرَّ بِهِ سَابِقًا فَيَرْمِي بِهِ إِلَى أَسْفَلِ الْوَادِي. فَلَمَّا أُرْسِلَتِ الْخَيْلُ سَبَقَهَا دَاحِسٌ سَبْقًا بَيِّنًا، وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَقَيْسٌ وَحُذَيْفَةُ عَلَى رَأْسِ الْغَايَةِ فِي جَمِيعِ قَوْمِهِمَا. فَلَمَّا هَبَطَ دَاحِسٌ فِي الْوَادِي عَارَضَهُ الْأَسَدِيُّ فَلَطَمَ وَجْهَهُ فَأَلْقَاهُ فِي الْمَاءِ، فَكَادَ يَغْرَقُ هُوَ وَرَاكِبُهُ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا وَقَدْ فَاتَتْهُ الْخَيْلُ. وَأَمَّا رَاكِبُ الْغَبْرَاءِ فَإِنَّهُ خَالَفَ طَرِيقَ دَاحِسٍ لَمَّا رَآهُ قَدْ أَبْطَأَ وَعَادَ إِلَى الطَّرِيقِ وَاجْتَمَعَ مَعَ فَرَسَيْ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ سَقَطَتِ الْحَنْفَاءُ وَبَقِيَ الْغَبْرَاءُ وَالْخَطَّارُ، فَكَانَا إِذَا أَحْزَنَا سَبَقَ الْخَطَّارُ وَإِذَا أَسْهَلَا سَبَقَتِ الْغَبْرَاءُ. فَلَمَّا قَرُبَا مِنَ النَّاسِ وَهُمَا فِي وَعْثٍ مِنَ الْأَرْضِ تَقَدَّمَ الْخَطَّارُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَبَقَكَ يَا قَيْسُ. " فَقَالَ رُوَيْدَكَ يَعْلُونَ الْجُدُدَ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِمَا الْأَرْضُ قَالَ حُذَيْفَةُ: خَدَعَ وَاللَّهِ صَاحِبُنَا. فَقَالَ قَيْسٌ: " تَرَكَ الْخِدَاعَ مَنْ أَجْرَى مِنْ مِائَةٍ وَعِشْرِينَ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. ثُمَّ إِنَّ الْغَبْرَاءَ جَاءَتْ سَابِقَةً وَتَبِعَهَا الْخَطَّارُ فَرَسُ حُذَيْفَةَ، ثُمَّ الْحَنْفَاءُ لَهُ أَيْضًا، ثُمَّ جَاءَ دَاحِسٌ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْغُلَامُ يَسِيرُ بِهِ عَلَى رِسْلِهِ، فَأَخْبَرَ الْغُلَامُ قَيْسًا بِمَا صُنِعَ بِفَرَسِهِ، فَأَنْكَرَ حُذَيْفَةُ ذَلِكَ وَادَّعَى السَّبْقَ ظَالِمًا، وَقَالَ: جَاءَ فَرَسَايَ مُتَتَابِعَيْنِ، وَمَضَى قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى نَظَرُوا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ حَبَسُوا دَاحِسًا وَاخْتَلَفُوا. وَبَلَغَ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ خَبَرُهُمْ فَسَّرَهُ ذَلِكَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَلَكَ وَاللَّهِ قَيْسٌ، وَكَأَنِّي بِهِ إِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ حُذَيْفَةُ وَقَدْ أَتَاكُمْ يَطْلُبُ مِنْكُمُ الْجِوَارَ، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلَ مَا لَنَا مِنْ ضَمِّهِ مِنْ بُدٍّ. ثُمَّ إِنَّ الْأَسَدِيَّ نَدِمَ عَلَى حَبْسِ دَاحِسٍ فَجَاءَ إِلَى قَيْسٍ وَاعْتَرَفَ بِمَا صَنَعَ فَسَبَّهُ حُذَيْفَةُ. ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَدْرٍ قَصَرُوا بِقَيْسٍ وَإِخْوَتِهِ وَآذُوهُمْ بِالْكَلَامِ، فَعَاتَبَهُمْ قَيْسٌ، فَلَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا بَغْيًا عَلَيْهِ وَإِيذَاءً لَهُ. ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا وَحُذَيْفَةَ تَنَاكَرَا فِي السَّبْقِ حَتَّى هَمَّا بِالْمُؤَاخَذَةِ، فَمَنَعَهُمَا النَّاسُ، وَظَهَرَ لَهُمْ بَغْيُ حُذَيْفَةَ وَظُلْمُهُ، وَلَجَّ فِي طَلَبِ السَّبْقِ، فَأَرْسَلَ ابْنَهُ نُدْبَةَ إِلَى قَيْسٍ يُطَالِبُهُ بِهِ، فَلَمَّا أَبْلَغَهُ الرِّسَالَةَ طَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَعَادَتْ فَرَسُهُ إِلَى أَبِيهِ، وَنَادَى قَيْسٌ: يَا بَنِي عَبْسٍ الرَّحِيلَ ! فَرَحَلُوا كُلُّهُمْ، وَلَمَّا أَتَتِ الْفَرَسُ حُذَيْفَةَ عَلِمَ أَنَّ وَلَدَهُ قُتِلَ، فَصَاحَ فِي النَّاسِ وَرَكِبَ فِي مَنْ مَعَهُ وَأَتَى مَنَازِلَ بَنِي عَبْسٍ فَرَآهَا خَالِيَةً وَرَأَى ابْنَهُ قَتِيلًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَدَفَنُوهُ. وَكَانَ مَالِكُ بْنُ زُهَيْرٍ أَخُو قَيْسٍ مُتَزَوِّجًا فِي فَزَارَةَ وَهُوَ نَازِلٌ فِيهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ: أَنِّي قَدْ قَتَلْتُ نُدْبَةَ بْنَ حُذَيْفَةَ وَرَحَلْتُ فَالْحَقْ بِنَا وَإِلَّا قُتِلْتَ. فَقَالَ: إِنَّمَا ذَنْبُ قَيْسٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرْحَلْ فَأَرْسَلَ قَيْسٌ إِلَى الرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ يَطْلُبُ مِنْهُ الْعَوْدَ إِلَيْهِ وَالْمُقَامَ مَعَهُ إِذْ هُمْ عَشِيرَةٌ وَأَهْلٌ، فَلَمْ يُجِبْهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ، وَكَانَ مُفَكِّرًا فِي ذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ بَنِي بَدْرٍ قَتَلُوا مَالِكَ بْنَ زُهَيْرٍ أَخَا قَيْسٍ، وَكَانَ نَازِلًا فِيهِمْ، فَبَلَغَ مَقْتَلُهُ بَنِي عَبْسٍ وَالرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَرْسَلَ الرَّبِيعُ إِلَى قَيْسٍ عَيْنًا يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِ، فَسَمِعَهُ يَقُولُ: أَيَنْجُوا بَنُو بَدْرٍ بِمَقْتَلِ مَالِكٍ وَيَخْذُلُنَا فِي النَّائِبَاتِ رَبِيعُ وَكَانَ زِيَادٌ قَبْلَهُ يُتَّقَى بِهِ مِنَ الدَّهْرِ إِنْ يَوْمٌ أَلَمَّ فَظِيعُ فَقُلْ لِرَبِيعٍ يَحْتَذِي فِعْلَ شَيْخِهِ وَمَا النَّاسُ إِلَّا حَافِظٌ وَمُضِيعُ وَإِلَّا فَمَا لِي فِي الْبِلَادِ إِقَامَةٌ وَأَمْرُ بَنِي بَدْرٍ عَلَيَّ جَمِيعُ فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّبِيعِ فَأَخْبَرَهُ، فَبَكَى الرَّبِيعُ عَلَى مَالِكٍ وَقَالَ: مَنَعَ الرُّقَادَ فَمَا أُغَمِّضُ سَاعَةً جَزَعًا مِنَ الْخَبَرِ الْعَظِيمِ السَّارِي أَفَبَعْدَ مَقْتَلِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ يَرْجُو النِّسَاءُ عَوَاقِبَ الْأَطْهَارِ مَنْ كَانَ مَسْرُورًا بِمَقْتَلِ مَالِكٍ فَلْيَأْتِ نِسْوَتَنَا بِوَجْهِ نَهَارِ يَجِدِ النِّسَاءَ حَوَاسِرًا يَنْدُبْنَهُ وَيَقُمْنَ قَبْلَ تَبَلُّجِ الْأَسْحَارِ يَضْرِبْنَ حُرَّ وُجُوهِهِنَّ عَلَى فَتًى ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ غَيْرِ مَا خَوَّارِ قَدْ كُنَّ يُكْنِنَّ الْوُجُوهَ تَسَتُّرًا فَالْيَوْمَ حِينَ بَرَزْنَ لِلنُّظَّارِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. فَسَمِعَهَا قَيْسٌ فَرَكِبَ هُوَ وَأَهْلُهُ وَقَصَدُوا الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ وَهُوَ يُصْلِحُ سِلَاحَهُ، فَنَزَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ وَقَامَ الرَّبِيعُ فَاعْتَنَقَا وَبَكَيَا، وَأَظْهَرَا الْجَزَعَ لِمُصَابِ مَالِكٍ، وَلَقِيَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَنَزَلُوا. فَقَالَ قَيْسٌ لِلرَّبِيعِ: إِنَّهُ لَمْ يَهْرُبْ مِنْكَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْكَ، وَلَمْ يَسْتَغْنِ عَنْكَ مَنِ اسْتَعَانَ بِكَ، وَقَدْ كَانَ لَكَ شَرُّ يَوْمَيَّ فَلْيَكُنْ لِي خَيْرُ يَوْمَيْكَ، وَإِنَّمَا أَنَا بِقَوْمِي وَقَوْمِي بِكَ، وَقَدْ أَصَابَ الْقَوْمُ مَالِكًا، وَلَسْتُ أَهِمُّ بِسُوءٍ لِأَنِّي إِنْ حَارَبْتُ بَنِي بَدْرٍ نَصَرَتْهُمْ بَنُو ذُبْيَانَ، وَإِنْ حَارَبَتْنِي خَذَلَنِي بَنُو عَبْسٍ إِلَّا أَنَّ تَجَمُّعَهُمْ عَلَيَّ، وَأَنَا وَالْقَوْمُ فِي الدِّمَاءِ سَوَاءٌ، قَتَلْتُ ابْنَهُمْ وَقَتَلُوا أَخِي، فَإِنْ نَصَرْتَنِي طَمِعْتُ فِيهِمْ، وَإِنْ خَذَلْتَنِي طَمِعُوا فِيَّ. فَقَالَ الرَّبِيعُ: يَا قَيْسُ إِنَّهُ لَا يَنْفَعُنِي أَنْ أَرَى لَكَ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَا أَرَاهُ لِي، وَلَا يَنْفَعُكَ أَنْ تَرَى لِي مَا لَا أَرَاهُ لَكَ، وَقَدْ مَالَ عَلَيَّ مَالِكٌ وَأَنْتَ ظَالِمٌ وَمَظْلُومٌ، ظَلَمُوكَ فِي جَوَادِكَ وَظَلَمْتَهُمْ فِي دِمَائِهِمْ، وَقَتَلُوا أَخَاكَ بِابْنِهِمْ، فَإِنْ يَبُؤِ الدَّمُ بِالدَّمِ فَعَسَى أَنْ تَلْقَحَ الْحَرْبُ أُقِمْ مَعَكَ، وَأَحَبُّ الْأَمْرَيْنِ إِلَيَّ مُسَالَمَتُهُمْ وَنَخْلُو بِحَرْبِ هَوَازِنَ. وَبَعَثَ قَيْسٌ إِلَى أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ، فَجَاءُوا وَنَزَلُوا مَعَ الرَّبِيعِ، وَأَنْشَدَهُمْ عَنْتَرَةُ بْنُ شَدَّادٍ مَرْثِيَّتَهُ فِي مَالِكٍ: فَلِلَّهِ عَيْنًا مَنْ رَأَى مِثْلَ مَالِكٍ عَقِيرَةَ قَوْمٍ أَنْ جَرَى فَرَسَانِ فَلَيْتَهُمَا لَمْ يَطْعَمَا الدَّهْرَ بَعْدَهَا وَلَيْتَهُمَا لَمْ يُجْمَعَا لِرِهَانِ وَلَيْتَهُمَا مَاتَا جَمِيعًا بِبَلْدَةٍ وَأَخْطَاهُمَا قَيْسٌ فَلَا يُرَيَانِ لَقَدْ جَلَبَا جَلْبًا لِمَصْرَعِ مَالِكٍ وَكَانَ كَرِيمًا مَاجِدًا لِهِجَانِ وَكَانَ إِذَا مَا كَانَ يَوْمُ كَرِيهَةٍ فَقَدْ عَلِمُوا أَنِّي وَهُوَ فَتَيَانِ وَكُنَّا لَدَى الْهَيْجَاءِ نَحْمِي نِسَاءَنَا وَنَضْرِبُ عِنْدَ الْكَرْبِ كُلَّ بَنَانِ فَسَوْفَ تَرَى إِنْ كُنْتُ بَعْدَكَ بَاقِيًا وَأَمْكَنَنِي دَهْرِي وَطُولُ زَمَانِي فَأُقْسِمُ حَقًّا لَوْ بَقِيتَ لِنَظْرَةٍ لَقَرَّتْ بِهَا عَيْنَاكَ حِينَ تَرَانِي وَبَلَغَ حُذَيْفَةَ أَنَّ الرَّبِيعَ وَقَيْسًا اتَّفَقَا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَاسْتَعَدَّ لِلْبَلَاءِ، وَقِيلَ: إِنَّ بِلَادَ عَبْسٍ كَانَتْ قَدْ أَجْدَبَتْ فَانْتَجَعَ أَهْلُهَا بِلَادَ فَزَارَةَ، وَأَخَذَ الرَّبِيعُ جِوَارًا مِنْ حُذَيْفَةَ وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ. فَلَمَّا بَلَغَهُ مَقْتَلُ مَالِكٍ قَالَ لِحُذَيْفَةَ: لِي ذِمَّتِي ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: ذَلِكَ لَكَ. فَانْتَقَلَ الرَّبِيعُ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ. فَبَلَغَ ذَلِكَ حَمَلَ بْنَ بَدْرٍ فَقَالَ لِحُذَيْفَةَ أَخِيهِ: بِئْسَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ قَتَلْتَ مَالِكًا وَخَلَّيْتَ سَبِيلَ الرَّبِيعِ ! وَاللَّهِ لَيُضْرِمُنَّهَا عَلَيْكَ نَارًا ! فَرَكِبَا فِي طَلَبِ الرَّبِيعِ، فَفَاتَهُمَا، فَعَلِمَا أَنَّهُ قَدْ أَضْمَرَ الشَّرَّ. وَاتَّفَقَ الرَّبِيعُ وَقَيْسٌ، وَجَمَعَ حُذَيْفَةُ قَوْمَهُ وَتَعَاقَدُوا عَلَى عَبْسٍ، وَجَمَعَ الرَّبِيعُ وَقَيْسٌ قَوْمَهُمَا وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ، فَأَغَارَتْ فَزَارَةُ عَلَى بَنِي عَبْسٍ فَأَصَابُوا نَعَمًا وَرِجَالًا، فَحَمِيَتْ عَبْسٌ وَاجْتَمَعَتْ لِلْغَارَةِ، فَنُذِرَتْ بِهِمْ فَزَارَةُ. فَخَرَجُوا إِلَيْهِمْ فَالْتَقَوْا عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْعَذْقُ، وَهِيَ أَوَّلُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَقُتِلَ عَوْفُ بْنُ يَزِيدَ، قَتَلَهُ جُنْدُبُ بْنُ خَلَفٍ الْعَبْسِيُّ. وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَقُتِّلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَأَسَرَ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ حُذَيْفَةَ بْنَ بَدْرٍ، وَكَانَ حُرُّ بْنُ الْحَارِثِ الْعَبْسِيُّ قَدْ نَذَرَ إِنْ قَدَرَ عَلَى حُذَيْفَةَ أَنْ يَضْرِبَهُ بِالسَّيْفِ، وَلَهُ سَيْفٌ قَاطِعٌ يُسَمَّى الْأَصْرَمَ، فَأَرَادَ ضَرْبَهُ بِالسَّيْفِ لَمَّا أُسِرَ وَفَاءً بِنَذْرِهِ، فَأَرْسَلَ الرَّبِيعُ إِلَى امْرَأَتِهِ فَغَيَّبَتْ سَيْفَهُ وَنَهَوْهُ عَنْ قَتْلِهِ وَحَذَّرُوهُ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، فَأَبَى إِلَّا ضَرْبَهُ، فَوَضَعُوا عَلَيْهِ الرِّجَالَ، فَضَرَبَهُ، فَلَمْ يَصْنَعِ السَّيْفُ شَيْئًا وَبَقِيَ حُذَيْفَةُ أَسِيرًا. فَاجْتَمَعَتْ غَطَفَانُ وَسَعَوْا فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يُهْدِرُوا دَمَ بَدْرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بِدَمِ مَالِكِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَيَعْقِلُوا عَوْفَ بْنَ بَدْرٍ، وَيُعْطُوا حُذَيْفَةَ عَنْ ضَرْبَتِهِ الَّتِي ضَرَبَهُ حُرٌّ مِائَتَيْنِ مِنَ الْإِبِلِ، وَأَنْ يَجْعَلُوهَا عُشَارًا كُلَّهَا، وَأَرْبَعَةَ أَعْبُدٍ، وَأَهْدَرَ حُذَيْفَةُ دِمَاءَ مَنْ قُتِلَ مِنْ فَزَارَةَ فِي الْوَقْعَةِ وَأُطْلِقَ مِنَ الْأَسْرِ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ نَدِمَ عَلَى ذَلِكَ وَسَاءَتْ مَقَالَتُهُ فِي بَنِي عَبْسٍ، وَرَكِبَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ وَعُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ فَمَضَيَا إِلَى حُذَيْفَةَ وَتَحَدَّثَا مَعَهُ. فَأَجَابَهُمَا إِلَى الِاتِّفَاقِ وَأَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمَا الْإِبِلَ الَّتِي أَخَذَ مِنْهُمَا، وَكَانَتْ تَوَالَدَتْ عِنْدَهُ. فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ إِذْ جَاءَهُمْ سِنَانُ بْنُ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ فَقَبَّحَ رَأْيَ حُذَيْفَةَ فِي الصُّلْحِ وَقَالَ: إِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَأَعْطِهِمْ إِبِلًا عِجَافًا مَكَانَ إِبِلِهِمْ وَاحْبِسْ أَوْلَادَهَا. فَوَافَقَ ذَلِكَ رَأْيَ حُذَيْفَةَ، فَأَبَى قَيْسٌ وَعِمَارَةُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ الْإِبِلَ الَّتِي طَلَبُوهَا مِنْهُ هِيَ إِبِلٌ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا سَبْقًا مِنْ قَيْسٍ. وَقِيلَ أَيْضًا: إِنَّ مَالِكَ بْنَ زُهَيْرٍ قُتِلَ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ الْمَذْكُورَةِ، قَالَ حُمَيْدُ بْنُ بَدْرٍ فِي ذَلِكَ: قَتَلْنَا بِعَوْفٍ مَالِكًا وَهْوَ ثَأْرُنَا وَمَنْ يَبْتَدِعْ شَيْئًا سِوَى الْحَقِّ يَظْلِمِ وَجَعَلَ سِنَانٌ يَحُثُّ حُذَيْفَةَ عَلَى الْحَرْبِ، فَتَيَسَّرُوا لَهَا. ثُمَّ إِنَّ الْأَنْصَارَ بَلَغَهُمْ مَا عَزَمُوا عَلَيْهِ، فَاتَّفَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، وَهُمْ عَمْرُو بْنُ الْإِطْنَابَةِ، وَمَالِكُ بْنُ عَجْلَانَ، وَأُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ، وَقَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ، وَغَيْرُهُمْ، وَسَارُوا لِيُصْلِحُوا بَيْنَهُمْ، فَوَصَلُوا إِلَيْهِمْ وَتَرَدَّدُوا فِي الِاتِّفَاقِ، فَلَمْ يُجِبْ حُذَيْفَةُ إِلَى ذَلِكَ وَظَهَرَ لَهُمْ بَغْيُهُ، فَحَذَّرُوهُ عَاقِبَتَهُ وَعَادُوا عَنْهُ. وَأَغَارَ حُذَيْفَةُ عَلَى عَبْسٍ، وَأَغَارَتْ عَبْسٌ عَلَى فَزَارَةَ، وَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، وَأَرْسَلَ حُذَيْفَةُ أَخَاهُ حَمَلًا فَأَغَارَ وَأَسَرَ رَيَّانَ بْنَ الْأَسْلَعِ بْنِ سُفْيَانَ وَشَدَّهُ وَثَاقًا وَحَمَلَهُ إِلَى حُذَيْفَةَ فَأَطْلَقَهُ لِيَرْهَنَهُ ابْنَيْهِ وَجُبَيْرَ بْنَ أَخِيهِ عَمْرِو بْنِ الْأَسْلَعِ، فَفَعَلَ رَيَّانُ ذَلِكَ، ثُمَّ سَارَ قَيْسٌ إِلَى فَزَارَةَ فَلَقِيَ مِنْهُمْ جَمْعًا فِيهِمْ مَالِكُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَتَلَهُ وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ، فَأَخَذَ حِينَئِذٍ حُذَيْفَةُ وَلَدَيْ رَيَّانَ فَقَتَلَهُمَا وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ: يَا أَبَتَاهُ ! حَتَّى مَاتَا، وَأَمَّا ابْنُ أَخِيهِ فَمَنَعَهُ أَخْوَالُهُ. وَلَمَّا قُتِلَ مَالِكٌ وَالْغُلَامَانِ اشْتَدَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ وَأَكْثَرُهَا فِي فَزَارَةَ وَمَنْ مَعَهَا. فَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ الْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَدَامَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، وَأَبْصَرَ رَيَّانُ بْنُ الْأَسْلَعِ زَيْدَ بْنَ حُذَيْفَةَ فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَذُبْيَانُ، وَأُدْرِكَ الْحَارِثُ بْنُ بَدْرٍ فَقُتِلَ، وَرَجَعَتْ عَبْسٌ سَالِمَةً لَمْ يُصَبْ مِنْهَا أَحَدٌ. فَلَمَّا قُتِلَ زَيْدٌ وَالْحَارِثُ جَمَعَ حُذَيْفَةُ جَمِيعَ بَنِي ذُبْيَانَ وَبَعَثَ إِلَى أَشْجَعَ وَأَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ فَجَمَعَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي عَبْسٍ فَضَمُّوا أَطْرَافَهُمْ، وَأَشَارَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ بِالسَّبْقِ إِلَى مَاءِ الْعَقِيقَةِ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَ حُذَيْفَةُ فِي جُمُوعِهِ إِلَى عَبْسٍ، وَمَشَى السُّفَرَاءُ بَيْنَهُمْ، فَحَلَفَ حُذَيْفَةُ: أَنَّهُ لَا يَصْلُحُ حَتَّى يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْعَقِيقَةِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ قَيْسٌ مِنْهُ فِي سِقَاءٍ وَقَالَ: لَا أَتْرُكُ حُذَيْفَةَ يَخْدَعُنِي. وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ تُعْطِيَ بَنُو عَبْسٍ حُذَيْفَةَ دِيَاتِ مَنْ قُتِلَ لَهُ، وَوَضَعُوا الرَّهَائِنَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ يَجْمَعُوا الدِّيَاتِ، وَهِيَ عَشْرٌ، وَكَانَتِ الرَّهَائِنُ ابْنًا لِقَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ، وَابْنًا لِلرَّبِيعِ بْنِ زِيَادٍ، فَوَضَعُوا أَحَدَهُمَا عِنْدَ قُطْبَةَ بْنِ سِنَانٍ وَالْآخَرَ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أَعْمَى. فَعَيَّرَ بَعْضُ النَّاسِ حُذَيْفَةَ بِقَبُولِ الدِّيَةِ، فَحَضَرَ هُوَ وَأَخُوهُ حَمَلٌ عِنْدَ قُطْبَةَ بْنِ سِنَانٍ وَالْبِكْرِيِّ وَقَالَا: ادْفَعَا إِلَيْنَا الْغُلَامَيْنِ لِنَكْسُوَهُمَا وَنُسَرِّحَهُمَا إِلَى أَهْلِهِمَا. فَأَمَّا قُطْبَةُ فَدَفَعَ إِلَيْهِمَا الْغُلَامَ الَّذِي عِنْدَهُ، وَهُوَ ابْنُ قَيْسٍ، وَأَمَّا الْبَكْرِيُّ فَامْتَنَعَ مِنْ تَسْلِيمِ مَنْ عِنْدَهُ، فَلَمَّا أَخَذَا ابْنَ قَيْسٍ عَادَا فَلَقِيَا فِي الطَّرِيقِ ابْنًا لِعُمَارَةَ بْنِ زِيَادٍ الْعَبْسِيِّ وَابْنَ عَمٍّ لَهُ، فَأَخَذَاهُمَا وَقَتَلَاهُمَا مَعَ ابْنِ قَيْسٍ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ بَنِي عَبْسٍ أَخَذُوا مَا كَانُوا جَمَعُوا مِنَ الدِّيَاتِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِ الرِّجَالَ وَاشْتَرَوُا السِّلَاحَ. ثُمَّ خَرَجَ قَيْسٌ فِي الْجَمَاعَةِ فَلَقُوا ابْنًا لِحُذَيْفَةَ وَمَعَهُ فَوَارِسُ مِنْ ذُبْيَانَ فَقَتَلُوهُمْ. فَجَمَعَ حُذَيْفَةُ وَسَارَ إِلَى عَبْسٍ، وَهُوَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ عَرَاعِرُ، فَاقْتَتَلُوا، فَكَانَ الظَّفَرُ لِفَزَارَةَ وَرَجَعَتْ سَالِمَةً. وَجَدَّ حُذَيْفَةُ فِي الْحَرْبِ وَكَرِهَهَا أَخُوهُ حَمَلٌ وَنَدِمَ عَلَى مَا كَانَ، وَقَالَ لِأَخِيهِ فِي الصُّلْحِ فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَجَمَعَ الْجُمُوعَ مِنْ أَسَدٍ وَذُبْيَانَ وَسَائِرِ بُطُونِ غَطَفَانَ وَسَارَ نَحْوَ بَنِي عَبْسٍ، فَاجْتَمَعَتْ عَبْسٌ وَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: إِنَّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ وَلَيْسَ لِبَنِي بَدْرٍ إِلَّا دِمَاؤُكُمْ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْكُمْ، وَأَمَّا مَنْ سِوَاهُمْ فَلَا يُرِيدُونَ غَيْرَ الْأَمْوَالِ وَالْغَنِيمَةِ، وَالرَّأْيُ أَنَّنَا نَتْرُكُ الْأَمْوَالَ بِمَكَانِهَا وَنَتْرُكُ مَعَهَا فَارِسَيْنِ عَلَى دَاحِسٍ وَعَلَى فَرَسٍ آخَرَ جَوَادٍ وَنَرْحَلُ نَحْنُ وَنَكُونُ عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنَ الْمَالِ، فَإِذَا جَاءَ الْقَوْمُ إِلَى الْأَمْوَالِ سَارَ إِلَيْنَا الْفَارِسَانِ فَأَعْلَمَانَا وُصُولَهُمْ، فَإِنَّ الْقَوْمَ يَشْتَغِلُونَ بِالنَّهْبِ وَحِيَازَةِ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ نَهَاهُمْ ذَوُو الرَّأْيِ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ الْعَامَّةَ تُخَالِفُهُمْ وَتَنْتَقِضُ تَعْبِيَتُهُمْ، وَيَشْتَغِلُ كُلُّ إِنْسَانٍ بِحِفْظِ مَا غَنِمَ وَيُعَلِّقُونَ أَسْلِحَتَهُمْ عَلَى ظُهُورِ الْإِبِلِ وَيَأْمَنُونَ. فَنَعُودُ نَحْنُ إِلَيْهِمْ عِنْدَ وُصُولِ الْفَارِسَيْنِ فَنُدْرِكُهُمْ وَهُمْ عَلَى حَالِ تَفَرُّقٍ وَتَشَتُّتٍ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمْ هِمَّةٌ إِلَّا نَفْسَهُ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَجَاءَ حُذَيْفَةُ وَمَنْ مَعَهُ فَاشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ، فَنَهَاهُمْ حُذَيْفَةُ وَغَيْرُهُ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَكَانُوا عَلَى الْحَالِ الَّذِي وَصَفَ قَيْسٌ. وَعَادَتْ بَنُو عَبْسٍ وَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَسَدٌ وَغَيْرُهُمْ، وَبَقِيَ بَنُو فَزَارَةَ فِي آخِرِ النَّاسِ، فَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ مِنْ جَوَانِبِهِمْ فَقُتِلَ مَالِكُ بْنُ سَبِيعٍ التَّغْلِبِيُّ سَيِّدُ غَطَفَانَ، وَانْهَزَمَتْ فَزَارَةُ وَحُذَيْفَةُ مَعَهُمْ وَانْفَرَدَ فِي خَمْسَةِ فَوَارِسَ وَجَدَّ فِي الْهَرَبِ. وَبَلَغَ خَبَرُهُ بَنِي عَبْسٍ، فَتَبِعَهُ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ، وَقِرْوَاشُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْأَسْلَعِ، وَرَيَّانُ بْنُ الْأَسْلَعِ الَّذِي قَتَلَ حُذَيْفَةُ ابْنَيْهِ، وَتَبِعُوا أَثَرَهُمْ فِي اللَّيْلِ وَقَالَ قَيْسٌ: كَأَنِّي بِالْقَوْمِ وَقَدْ وَرَدُوا جَفْرَ الْهَبَاءَةِ وَنَزَلُوا فِيهِ، فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ كُلَّهَا حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ مَعَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فِي جَفْرِ الْهَبَاءَةِ فِي الْمَاءِ، وَقَدْ أَرْسَلُوا خُيُولَهُمْ فَأَخَذُوا بِجَمْعِهَا، فَحَالَ قَيْسٌ وَأَصْحَابُهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهَا، وَكَانَ مَعَ حُذَيْفَةَ فِي الْجَفْرِ أَخُوهُ حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ وَابْنُهُ حِصْنُ بْنُ حُذَيْفَةَ وَغَيْرُهُمْ. فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ قَيْسٌ وَالرَّبِيعُ وَمَنْ مَعَهُمَا وَهُمْ يُنَادُونَ: لَبَّيْكُمُ لَبَّيْكُمُ ! يَعْنِي أَنَّهُمْ يُجِيبُونَ نِدَاءَ الصَّبِيَّانِ لَمَّا قُتِلُوا يُنَادُونَ: يَا أَبَتَاهُ ! فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: يَا بَنِي بَكْرٍ كَيْفَ رَأَيْتُمْ عَاقِبَةَ الْبَغْيِ ؟ فَنَاشَدُوهُمُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ. وَدَارَ قِرْوَاشُ بْنُ عَمْرٍو حَتَّى وَقَفَ خَلْفَ حُذَيْفَةَ فَضَرَبَهُ فَدَقَّ صُلْبَهُ، وَكَانَ قِرْوَاشُ قَدْ رَبَّاهُ حُذَيْفَةُ حَتَّى كَبِرَ عِنْدَهُ فِي بَيْتِهِ، وَقَتَلُوا حَمَلًا أَخَاهُ وَقَطَعُوا رَأْسَيْهِمَا وَاسْتَبْقُوا حِصْنَ بْنَ حُذَيْفَةَ لِصِبَاهُ. وَكَانَ عَدَدُ مَنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ مِنْ فَزَارَةَ وَأَسَدٍ وَغَطَفَانَ مَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ قَتِيلٍ، وَقُتِلَ مِنْ عَبْسٍ مَا يَزِيدُ عَلَى عِشْرِينَ قَتِيلًا، وَكَانَتْ فَزَارَةُ تُسَمِّي هَذِهِ الْوَقْعَةَ الْبَوَارَ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ زُهَيْرٍ: أَقَامَ عَلَى الْهَبَاءَةِ خَيْرُ مَيْتٍ وَأَكْرَمُهُ حُذَيْفَةُ لَا يَرِيمُ لَقَدْ فُجِعَتْ بِهِ قَيْسٌ جَمِيعًا مَوَالِي الْقَوْمِ وَالْقَوْمُ الصَّمِيمُ وَعُمَّ بِهِ لِمَقْتَلِهِ بَعِيدٌ وَخَصَّ بِهِ لِمَقْتَلِهِ حَمِيمُ وَهِيَ طَوِيلَةٌ، وَقَالَ أَيْضًا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَمْسَى عَلَى جَفْرِ الْهَبَاءَةِ لَا يَرِيمُ فَلَوْلَا ظُلْمُهُ مَا زِلْتُ أَبْكِي عَلَيْهِ الدَّهْرَ مَا طَلَعَ النُّجُومُ وَلَكِنَّ الْفَتَى حَمَلُ بْنُ بَدْرٍ بَغَى وَالْبَغْيُ مَرْتَعُهُ وَخِيمُ وَأَكْثَرُوا الْقَوْلَ فِي يَوْمِ الْهَبَاءَةِ. ثُمَّ إِنَّ عَبْسًا نَدِمَتْ عَلَى مَا فَعَلَتْ يَوْمَ الْهَبَاءَةِ، وَلَامَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاجْتَمَعَتْ فَزَارَةُ إِلَى سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا نَزَلْ بِهِمْ، فَأَعْظَمَهُ وَذَمَّ عَبْسًا، وَعَزَمَ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ الْعَرَبَ وَيَأْخُذَ بِثَأْرِ بَنِي بَدْرٍ وَفَزَارَةَ وَبَثَّ رُسُلَهُ. فَاجْتَمَعَ مِنَ الْعَرَبِ خَلْقٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصُونَ، وَنَهَى أَصْحَابَهُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْأَمْوَالِ وَالْغَنِيمَةِ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّبْرِ، وَسَارُوا إِلَى بَنِي عَبْسٍ. فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَسِيرُهُمْ إِلَيْهِمْ قَالَ قَيْسٌ: الرَّأْيُ أَنَّنَا لَا نَلْقَاهُمْ، فَإِنَّنَا قَدْ وَتَرْنَاهُمْ فَهُمْ يُطَالِبُونَنَا بِالذُّحُولِ وَالطَّوَائِلِ، وَقَدْ رَأَوْا مَا نَالَهُمْ بِالْأَمْسِ بِاشْتِغَالِهِمْ بِالنَّهْبِ وَالْمَالِ فَهُمْ لَا يَتَعَرَّضُونَ إِلَيْهِ الْآنَ، وَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَفْعَلُهُ أَنَّنَا نُرْسِلُ الظَّعَائِنَ وَالْأَمْوَالَ إِلَى بَنِي عَامِرٍ، فَإِنَّ الدَّمَ لَنَا قَبْلَهُمْ فَهُمْ لَا يَتَعَرَّضُونَ لَكُمْ، وَيَبْقَى أُولُو الْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ عَلَى ظُهُورِ الْخَيْلِ وَنُمَاطِلُهُمُ الْقِتَالَ، فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الْقِتَالَ كُنَّا قَدْ أَحْرَزْنَا أَهْلِينَا وَأَمْوَالَنَا وَقَاتَلْنَاهُمْ وَصَبَرْنَا لَهُمْ، فَإِنْ ظَفِرْنَا فَهُوَ الَّذِي نُرِيدُ، وَإِنْ كَانَتِ الْأُخْرَى كُنَّا قَدِ احْتَرَزْنَا وَلَحِقْنَا بِأَمْوَالِنَا وَنَحْنُ عَلَى حَامِيَةٍ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَارَتْ ذُبْيَانُ وَمَنْ مَعَهَا فَلَحِقُوا بَنِي عَبْسٍ عَلَى ذَاتِ الْجُرَاجِرِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ وَافْتَرَقُوا. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ عَادُوا إِلَى اللِّقَاءِ فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، وَظَهَرَتْ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ شَجَاعَةُ عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ. فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ شِدَّةَ الْقِتَالِ وَكَثْرَةَ الْقَتْلَى لَامُوا سِنَانَ بْنَ أَبِي حَارِثَةَ عَلَى مَنْعِهِ حُذَيْفَةَ عَنِ الصُّلْحِ، وَتَطَيَّرُوا مِنْهُ وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَمُرَاجَعَةِ السِّلْمِ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَأَرَادَ مُرَاجَعَةَ الْحَرْبِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ. فَلَمَّا رَأَى فُتُورَ أَصْحَابِهِ وَرُكُونَهُمْ إِلَى السِّلْمِ رَحَلَ عَائِدًا. فَلَمَّا عَادَ عَنْهُمْ رَحَلَ قَيْسٌ وَبَنُو عَبْسٍ إِلَى بَنِي شَيْبَانَ بْنِ بَكْرٍ وَجَاوَرُوهُمْ وَبَقَوْا مَعَهُمْ مُدَّةً، فَرَأَى قَيْسٌ مِنْ غِلْمَانِ شَيْبَانَ مَا يَكْرَهُهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِأَخْذِ أَمْوَالِهِمْ فَرَحَلَا عَنْهُمْ، فَتَبِعَهُمْ جَمْعٌ مِنْ شَيْبَانَ، فَلَقِيَتْهُمْ بَنُو عَبْسٍ وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتْ شَيْبَانُ وَسَارَتْ عَبْسٌ إِلَى هَجَرَ لِيُحَالِفُوا مَلِكَهُمْ، وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْحَارِثِ الْكِنْدِيُّ، فَعَزَمَ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْغَارَةِ عَلَيْهِمْ لَيْلًا، فَبَلَغَهُمُ الْخَبَرُ فَسَارُوا عَنْهُ مُجِدِّينَ، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ مُجِدًّا فِي أَثَرِهِمْ، فَتَاهَ بِهِمُ الدَّلِيلُ عَلَى عَمْدٍ لِئَلَّا يُدْرِكُوا عَبْسًا إِلَّا وَهُمْ قَدْ لَحِقَهُمْ وَدَوَابَّهُمُ النَّصَبُ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِالْفُرُوقِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَانْهَزَمَ مُعَاوِيَةُ وَأَهْلُ هَجَرَ، وَتَبِعَتْهُمْ عَبْسٌ فَأَخَذَتْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَا أَرَادُوا، وَرَجَعُوا سَائِرِينَ فَنَزَلُوا بِمَاءٍ يُقَالُ لَهُ عَرَاعِرُ عَلَيْهِ حَيٌّ مِنْ كَلْبٍ، فَرَكِبُوا لِيُقَاتِلُوا بَنِي عَبْسٍ، فَبَرَزَ الرَّبِيعُ وَطَلَبَ رَئِيسَهُمْ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ، وَاسْمُهُ مَسْعُودُ بْنُ مَصَادٍ. فَاقْتَتَلَا حَتَّى سَقَطَا إِلَى الْأَرْضِ، وَأَرَادَ مَسْعُودٌ قَتْلَ الرَّبِيعِ، فَانْحَسَرَتِ الْبَيْضَةُ عَنْ رَقَبَتِهِ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْسٍ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، فَثَارَ بِهِ الرَّبِيعُ فَقَطَعَ رَأْسَهُ، وَحَمَلَتْ عَبْسٌ عَلَى كَلْبٍ وَالرَّأْسُ عَلَى رُمْحٍ، فَانْهَزَمَتْ كَلْبٌ وَغَنِمَتْ عَبْسٌ أَمْوَالَهُمْ وَذَرَارِيَهُمْ، فَسَارُوا إِلَى الْيَمَامَةِ فَحَالَفُوا أَهْلَهَا مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ وَأَقَامُوا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمْ يُحْسِنُوا جِوَارَهُمْ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ فَسَارُوا عَنْهُمْ، وَقَدْ تَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَهَلَكَتْ دَوَابُّهُمْ وَوَتَرَهُمُ الْعَرَبُ، فَرَاسَلَتْهُمْ بَنُو ضَبَّةَ وَعَرَضُوا عَلَيْهِمُ الْمُقَامَ عِنْدَهُمْ لِيَسْتَعِينُوا بِهِمْ عَلَى حَرْبِ تَمِيمٍ، فَفَعَلُوا وَجَاوَرُوهُمْ. فَلَمَّا انْقَضَى الْأَمْرُ بَيْنَ ضَبَّةَ وَتَمِيمٍ تَغَيَّرَتْ ضَبَّةُ لَعَبْسٍ وَأَرَادُوا اقْتِطَاعَهُمْ، فَحَارَبَتْهُمْ عَبْسٌ فَظَفِرَتْ وَغَنِمَتْ مِنْ أَمْوَالِ ضَبَّةَ، وَسَارَتْ إِلَى بَنِي عَامِرٍ وَحَالَفُوا الْأَحْوَصَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، فَسُرَّ بِهِمْ لِيَقْوَى بِهِمْ عَلَى حَرْبِ بَنِي تَمِيمٍ لِأَنَّهُ كَانَ بَلَغَهُ أَنَّ لَقِيطَ بْنَ زُرَارَةَ يُرِيدُ غَزْوَ بَنِي عَامِرٍ وَالْأَخْذَ بِثَأْرِ أَخِيهِ مَعْبَدٍ، فَأَقَامَتْ عَبْسٌ عِنْدَ بَنِي عَامِرٍ، فَقَصَدَتْهُمْ تَمِيمٌ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ شِعْبِ جَبَلَةَ، وَسَنَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ إِنَّ ذُبْيَانَ غَزَوْا بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَفِيهِمْ بَنُو عَبْسٍ فَاقْتَتَلُوا، فَهُزِمَتْ عَامِرٌ وَأُسِرَ قِرْوَاشُ بْنُ هُنِيٍّ الْعَبْسِيُّ وَلَمْ يُعْرَفْ، فَلَمَّا قَدِمُوا بِهِ الْحَيَّ عَرَفَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ، فَلَمَّا عَرَفُوهُ سَلَّمُوهُ إِلَى حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ رَحَلَتْ عَبْسٌ عَنْ عَامِرٍ وَنَزَلَتْ بِتَيْمِ الرِّبَابِ، فَبَغَتْ تَيْمٌ عَلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَتَكَاثَرَتْ عَلَيْهِمْ تَيْمٌ فَقَتَلُوا مَنْ عَبْسٍ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً. وَرَحَلَتْ عَبْسٌ وَقَدْ مَلَّتِ الْحَرْبَ وَقَلَّتِ الرِّجَالُ وَالْأَمْوَالُ وَهَلَكَتِ الْمَوَاشِي، فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: مَا تَرَوْنَ ؟ قَالُوا: نَرْجِعُ إِلَى أَخْوَالِنَا مِنْ ذُبْيَانَ فَالْمَوْتُ مَعَهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْبَقَاءِ مَعَ غَيْرِهِمْ. فَسَارُوا حَتَّى قَدِمُوا عَلَى الْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيِّ، وَقِيلَ: عَلَى هَرِمِ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ لَيْلًا، وَكَانَ عِنْدَ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ. فَلَمَّا عَادَ وَرَآهُمْ رَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: مَنِ الْقَوْمُ ؟ قَالُوا: إِخْوَانُكَ بَنُو عَبْسٍ، وَذَكَرُوا حَاجَتَهُمْ. فَقَالَ: نَعَمْ وَكَرَامَةٌ أُعْلِمُ حِصْنَ بْنَ حُذَيْفَةَ. فَعَادَ إِلَيْهِ وَقَالَ: طُرِقْتَ فِي حَاجَةٍ، قَالَ: أَعْطَيْتُهَا. قَالَ: بَنُو عَبْسٍ وَجَدْتُ وُفُودَهُمْ فِي مَنْزِلِي. قَالَ حِصْنٌ: صَالِحُوا قَوْمَكُمْ، وَأَمَّا أَنَا فَلَا أَدِي وَلَا أَتَّدِي، قَدْ قَتَلَ آبَائِي وَعُمُومَتِي عِشْرِينَ مِنْ عَبْسٍ، فَعَادَ إِلَى عَبْسٍ وَأَخْبَرَهُمْ بِقَوْلِ حِصْنٍ وَأَخَذَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ قَيْسٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ: نَحْنُ رُكْبَانُ الْمَوْتِ. قَالَ: بَلْ رُكْبَانُ السِّلْمِ، إِنْ تَكُونُوا اخْتَلَلْتُمْ إِلَى قَوْمِكُمْ فَقَدِ اخْتَلَّ قَوْمُكُمْ إِلَيْكُمْ. ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُمْ حَتَّى أَتَوْا سِنَانًا فَقَالَ لَهُ: قُمْ بِأَمْرِ عَشِيرَتِكَ وَأَصْلِحْ بَيْنَهُمْ فَإِنِّي سَأُعِينُكَ. فَفَعَلَ ذَلِكَ وَتَمَّ الصُّلْحُ بَيْنَهُمْ وَعَادَتْ عَبْسٌ. وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسَ بْنَ زُهَيْرٍ لَمْ يَسِرْ مَعَ عَبْسٍ إِلَى ذُبْيَانَ وَقَالَ: لَا تَرَانِي غَطَفَانِيَّةٌ أَبَدًا وَقَدْ قَتَلْتُ أَخَاهَا أَوْ زَوْجَهَا أَوْ وَلَدَهَا أَوِ ابْنَ عَمِّهَا، وَلَكِنِّي سَأَتُوبُ إِلَى رَبِّي، فَتَنَصَّرَ وَسَاحَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى عُمَانَ فَتَرَهَّبَ بِهَا زَمَانًا، فَلَقِيَهُ حَوْجُ بْنُ مَالِكٍ الْعَبْدِيُّ فَعَرَفَهُ فَقَتَلَهُ، وَقَالَ لَا رَحِمَنِي اللَّهُ إِنْ رَحِمْتُكَ. وَقِيلَ: إِنَّ قَيْسًا تَزَوَّجَ فِي النُّمَيْرِ بْنِ قَاسِطٍ لَمَّا عَادَتْ عَبْسٌ إِلَى ذُبْيَانَ، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ اسْمُهُ فَضَالَةُ، فَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَقَدَ لَهُ عَلَى مَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانُوا تِسْعَةً وَهُوَ عَاشِرُهُمْ. انْقَضَى حَرْبُ دَاحِسٍ وَالْغَبْرَاءِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
التاريخ 563لا حكم مسجّل
يَوْمَ شِعْبِ جَبَلَةَ كَانَ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ قَدْ عَزَمَ عَلَى غَزْوِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ أَخِيهِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مَوْتَهُ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا. فَبَيْنَمَا هُوَ يَتَجَهَّزُ أَتَاهُ الْخَبَرُ بِحِلْفِ بَنِي عَبْسٍ وَبَنِي عَامِرٍ، فَلَمْ يَطْمَعْ فِي الْقَوْمِ وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْسٍ ذَحْلٌ يَسْأَلُهُ الْحِلْفَ وَالتَّظَافُرَ عَلَى غَزْوِ عَبْسٍ وَعَامِرٍ. فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ أَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَعَمْرُو بْنُ الْجَوْنِ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ وَاسْتَوْثَقُوا وَاسْتَكْثَرُوا وَسَارُوا، فَعَقَدَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ الْأَلْوِيَةَ، فَكَانَ بَنُو أَسَدٍ وَبَنُو فَزَارَةَ بِلِوَاءٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْجَوْنِ، وَعَقَدَ لِعَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ مَعَ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ وَعَقَدَ لِلرِّبَابِ مَعَ حَسَّانَ بْنِ هَمَّامٍ، وَعَقَدَ لِجَمَاعَةٍ مِنْ بُطُونِ تَمِيمٍ مَعَ عَمْرِو بْنِ عُدَسٍ، وَعَقَدَ لِحَنْظَلَةَ بِأَسْرِهَا مَعَ لَقِيطِ بْنِ زُرَارَةَ، وَكَانَ مَعَ لَقِيطٍ ابْنَتُهُ دَخْتَنُوسُ، وَكَانَ يَغْزُو بِهَا مَعَهُ وَيَرْجِعُ إِلَى رَأْيِهَا. وَسَارُوا فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ لَا يَشُكُّونَ فِي قَتْلِ عَبْسٍ وَعَامِرٍ وَإِدْرَاكِ ثَأْرِهِمْ. فَلَقِيَ لَقِيطٌ فِي طَرِيقِهِ كَرِبَ بْنَ صَفْوَانَ بْنِ الْحُبَابِ السَّعْدِيَّ، وَكَانَ شَرِيفًا، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسِيرَ مَعَنَا فِي غَزَاتِنَا ؟ قَالَ: أَنَا مَشْغُولٌ فِي طَلَبِ إِبِلٍ لِي. قَالَ: لَا بَلْ تُرِيدُ أَنْ تُنْذِرَ بِنَا الْقَوْمَ، وَلَا أَتْرُكُكَ حَتَّى تَحْلِفَ أَنَّكَ لَا تُخْبِرُهُمْ، فَحَلَفَ لَهُ، ثُمَّ سَارَ عَنْهُ وَهُوَ مُغْضَبٌ. فَلَمَّا دَنَا مِنْ عَامِرٍ أَخَذَ خِرْقَةً فَصَرَّ بِهَا حَنْظَلَةً وَشَوْكًا وَتُرَابًا وَخِرْقَتَيْنِ يَمَانِيَّتَيْنِ وَخِرْقَةً حَمْرَاءَ وَعَشَرَةَ أَحْجَارٍ سُودٍ ثُمَّ رَمَى بِهَا حَيْثُ يَسْقُونَ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ. فَأَخَذَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ قُشَيْرٍ، فَأَتَى بِهَا حَيْثُ الْأَحْوَصُ بْنُ جَعْفَرٍ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا أَلْقَاهَا وَهُمْ يَسْقُونَ. فَقَالَ الْأَحْوَصُ لِقَيْسِ بْنِ زُهَيْرٍ الْعَبْسِيِّ: مَا تَرَى فِي هَذَا الْأَمْرِ ؟ قَالَ: هَذَا مِنْ صُنْعِ اللَّهِ لَنَا، هَذَا رَجُلٌ قَدْ أُخِذَ عَلَيْهِ عَهْدٌ أَنْ لَا يُكَلِّمَكُمْ فَأَخْبَرَكُمْ أَنَّ أَعْدَاءَكُمْ قَدْ غَزَوْكُمْ عَدَدَ التُّرَابِ، وَأَنَّ شَوْكَتَهُمْ شَدِيدَةٌ، وَأَمَّا الْحَنْظَلَةُ فَهِيَ رُؤَسَاءُ الْقَوْمِ، وَأَمَّا الْخِرْقَتَانِ الْيَمَانِيَّتَانِ فَهُمَا حَيَّانِ مِنَ الْيَمَنِ مَعَهُمْ، وَأَمَّا الْخِرْقَةُ الْحَمْرَاءُ فَهِيَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ، وَأَمَّا الْأَحْجَارُ فَهِيَ عَشْرُ لَيَالٍ يَأْتِيكُمُ الْقَوْمُ إِلَيْهَا، قَدْ أَنْذَرْتُكُمْ فَكُونُوا أَحْرَارًا فَاصْبِرُوا كَمَا يَصْبِرُ الْأَحْرَارُ الْكِرَامُ. قَالَ الْأَحْوَصُ: فَإِنَّا فَاعِلُونَ وَآخِذُونَ بِرَأْيِكَ، فَإِنَّهُ لَمْ تَنْزِلْ بِكَ شِدَّةٌ إِلَّا رَأَيْتَ الْمَخْرَجَ مِنْهَا. قَالَ: فَإِذْ قَدْ رَجَعْتُمْ إِلَى رَأْيِي فَأَدْخِلُوا نَعَمَكُمْ شِعْبَ جَبَلَةَ ثُمَّ أَظْمِئُوهَا هَذِهِ الْأَيَّامَ وَلَا تُورِدُوهَا الْمَاءَ، فَإِذَا جَاءَ الْقَوْمُ أَخْرِجُوا عَلَيْهِمُ الْإِبِلَ وَانْخَسُوهَا بِالسُّيُوفِ وَالرِّمَاحِ فَتَخْرُجَ مَذَاعِيرَ عِطَاشًا فَتَشْغَلَهُمْ وَتُفَرِّقَ جَمْعَهُمْ وَاخْرُجُوا أَنْتُمْ فِي آثَارِهَا وَاشْفُوا نُفُوسَكُمْ. فَفَعَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ. وَعَادَ كَرِبُ بْنُ صَفْوَانَ فَلَقِيَ لَقِيطًا فَقَالَ لَهُ: أَنْذَرْتَ الْقَوْمَ ؟ فَأَعَادَ الْحَلِفَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ، فَخَلَّى عَنْهُ. فَقَالَتْ دَخْتَنُوسُ ابْنَةُ لَقِيطٍ لِأَبِيهَا: رُدَّنِي إِلَى أَهْلِي، وَلَا تُعَرِّضْنِي لَعَبْسٍ وَعَامِرٍ فَقَدْ أَنْذَرَهُمْ لَا مَحَالَةَ، فَاسْتَحْمَقَهَا وَسَاءَهُ كَلَامُهَا وَرَدَّهَا. وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ بِعَسَاكِرَ جَرَّارَةٍ كَثِيرَةِ الصَّوَاهِلِ وَلَيْسَ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا الْمَاءَ، فَقَصَدُوهُ. فَقَالَ لَهُمْ قَيْسٌ: أَخْرِجُوا عَلَيْهِمُ الْآنَ الْإِبِلَ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، فَخَرَجَتِ الْإِبِلُ مَذَاعِيرَ عِطَاشًا وَهُمْ فِي أَعْرَاضِهَا وَأَدْبَارِهَا، فَخَبَطَتْ تَمِيمًا وَمَنْ مَعَهَا وَقَطَّعَتْهُمْ، وَكَانُوا فِي الشِّعْبِ، وَأَبْرَزَتْهُمْ إِلَى الصَّحْرَاءِ عَلَى غَيْرِ تَعْبِيَةٍ. وَشُغِلُوا عَنْ الِاجْتِمَاعِ إِلَى أَلْوِيَتِهِمْ، وَحَمَلَتْ عَلَيْهِمْ عَبْسٌ وَعَامِرٌ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَكَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي تَمِيمٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عَمْرُو بْنُ الْجَوْنِ، وَأُسِرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ الْجَوْنِ وَعَمْرُو بْنُ عَمْرِو بْنِ عُدَسٍ زَوْجُ تَخْتَنُوسْ بِنْتِ لَقِيطٍ، وَأُسِرَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ، وَانْحَازَ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ، فَدَعَا قَوْمَهُ وَقَدْ تَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَفَرٌ يَسِيرٌ، فَتَحَرَّزَ بِرَايَتِهِ فَوْقَ جُرْفٍ ثُمَّ حَمَلَ فَقَتَلَ فِيهِمْ وَرَجَعَ وَصَاحَ: أَنَا لَقِيطٌ، وَحَمَلَ ثَانِيَةً فَقَتَلَ وَجَرَحَ وَعَادَ، فَكَثُرَ جَمْعُهُ، فَانْحَطَّ الْجُرْفُ بِفَرَسِهِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ عَنْتَرَةُ فَطَعَنَهُ طَعْنَةً قَصَمَ بِهَا صُلْبَهُ، وَضَرَبَهُ قَيْسٌ بِالسَّيْفِ فَأَلْقَاهُ مُتَشَحِّطًا فِي دَمِهِ، فَذَكَرَ ابْنَتَهُ دَخْتَنُوسَ فَقَالَ: يَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْكِ دَخْتَنُوسُ إِذَا أَتَاهَا الْخَبَرُ الْمَرْمُوسُ أَتَحْلِقُ الْقُرُونَ أَمْ تَمِيسُ لَا بَلْ تَمِيسُ إِنَّهَا عَرُوسُ ثُمَّ مَاتَ وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى تَمِيمٍ وَغَطَفَانَ، ثُمَّ فَدَوْا حَاجِبًا بِخَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَادَ مَنْ سَلِمَ إِلَى أَهْلِهِ. وَقَالَتْ دَخْتَنُوسُ تَرْثِي أَبَاهَا قَصَائِدَ، مِنْهَا: عَثَرَ الْأَغَرُّ بِخَيْرِ خِنْ دِفَ كَهْلِهَا وَشَبَابِهَا وَأَضَرِّهَا لِعَدُوِّهَا وَأَفَكِّهَا لِرِقَابِهَا وَقَرِيعِهَا وَنَجِيبِهَا فِي الْمُطْبِقَاتِ وَنَابِهَا وَرَئِيسِهَا عِنْدَ الْمُلُو كِ وَزَيْنِ يَوْمِ خِطَابِهَا وَأَتَمِّهَا نَسَبًا إِذَا رَجَعَتْ إِلَى أَنْسَابِهَا فَرَعَى عَمُودًا لِلْعَشِي رَةِ رَافِعًا لِنِصَابِهَا وَيَعُولُهَا وَيَحُوطُهَا وَيَذُبُّ عَنْ أَحْسَابِهَا وَيَطَا مَوَاطِنَ لِلْعَدُ وِّ فَكَانَ لَا يَمْشِي بِهَا فِعْلَ الْمُدِلِّ مِنَ الْأُسُو دِ لِحَيْنِهَا وَتَبَابِهَا كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِي سَمَاءَ لَا يَخْفَى بِهَا عَبَثَ الْأَغَرُّ بِهِ وَكُ لُّ مَنِيَّةٍ لِكِتَابِهَا فَرَّتْ بَنُو أَسَدٍ فِرَا رَ الطَّيْرِ عَنْ أَرْبَابِهَا وَهَوَازِنٌ أَصْحَابُهُمْ كَالْفَأْرِ فِي أَذْنَابِهَا وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي يَوْمِ جَبَلَةَ غَيْرَ مَا ذَكَرْنَا، قَالَ: كَانَ سَبَبَهُ أَنَّ بَنِي خِنْدِفٍ كَانَ لَهُمْ عَلَى قَيْسٍ أَكْلٌ تَأْكُلُهُ الْقُعْدُدُ مِنْ خِنْدِفٍ، فَكَانَ يَنْتَقِلُ فِيهِمْ حَتَّى انْتَهَى إِلَى تَمِيمٍ، ثُمَّ مِنْ تَمِيمٍ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَهُمْ أَقَلُّ بَطْنٍ مِنْهُمْ وَأَذَلُّهُ، فَأَبَتْ قَيْسٌ أَنْ تُعْطِيَ الْأَكْلَ وَامْتَنَعَتْ مِنْهُ، فَجَمَعَتْ تَمِيمٌ وَحَالَفَتْ غَيْرَهَا مِنَ الْعَرَبِ وَسَارُوا إِلَى قَيْسٍ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَخَالَفَ فِي الْبَعْضِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهِ. وَفِي هَذَا الْيَوْمِ وُلِدَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْعَامِرِيُّ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الْمَجُوسِيَّةَ كَانَ يَدِينُ بِهَا بَعْضُ الْعَرَبِ بِالْبَحْرَيْنِ، وَكَانَ زُرَارَةُ بْنُ عُدَسٍ وَابْنَاهُ حَاجِبٌ وَلَقِيطٌ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَغَيْرُهُمْ مَجُوسًا، وَإِنَّ لَقِيطًا تَزَوَّجَ ابْنَتَهُ دَخْتَنُوسَ وَسَمَّاهَا بِهَذَا الِاسْمِ الْفَارِسِيِّ، وَإِنَّهُ قُتِلَ وَهِيَ تَحْتُهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: يَا لَيْتَ شِعْرِي عَنْكِ دَخْتَنُوسُ الْأَبْيَاتَ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 564لا حكم مسجّل
يَوْمُ ذَاتِ نَكِيفٍ كَانَ بَنُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مُبْغِضِينَ لِقُرَيْشٍ مُضْطَغِنِينَ عَلَيْهِمْ مَا كَانَ مِنْ قُصَيٍّ حِينَ أَخْرَجَهُمْ مِنْ مَكَّةَ مَعَ مَنْ أَخْرَجَ مِنْ خُزَاعَةَ حِينَ قَسَّمَهَا رِبَاعًا وَخُطَطًا بَيْنَ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا كَانُوا عَلَى عَهْدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هَمُّوا بِإِخْرَاجِ قُرَيْشٍ مِنَ الْحَرَمِ، وَأَنْ يُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يَغْلِبُوهُمْ عَلَيْهِ. وَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى نَعَمٍ لِبَنِي الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ فَاطَّرَدُوهَا، ثُمَّ جَمَعُوا جُمُوعَهُمْ وَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ جُمُوعَهُمْ وَاسْتَعَدَّتْ، وَعَقَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْحِلْفَ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَحَابِيشِ، وَهُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ وَبَنُو الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ، فَلَقُوا بَنِي بَكْرٍ وَمَنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمْ، وَعَلَى النَّاسِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَاقْتَتَلُوا بِذَاتِ نَكِيفٍ، فَانْهَزَمَ بَنُو بَكْرٍ وَقُتِلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا فَلَمْ يَعُودُوا لِحَرْبِ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ شُعْلَةَ الْفِهْرِيُّ: فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ عِصَابَةٍ غَوَتْ غَيَّ بَكْرٍ يَوْمَ ذَاتِ نَكِيفِ أَنَاخُوا إِلَى أَبْيَاتِنَا وَنِسَائِنَا فَكَانُوا لَنَا ضَيْفًا بِشَرِّ مَضِيفِ فَقَتَلَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ بْنُ السَّفَّاحِ الْقَارِيُّ مِنَ الْقَارَةِ قَتَادَةَ بْنَ قَيْسٍ أَخَا بَلْعَاءَ بْنِ قَيْسٍ، وَاسْمُ بَلْعَاءَ مُسَاحِقٌ. وَيَوْمَئِذٍ قِيلَ: قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَةَ مَنْ رَامَاهَا، وَالْقَارَةُ مِنْ وَلَدِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ عَضَلَ بْنِ الدِّيشِ، قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: دَعُونَا قَارَةً لَا تُنْفِرُونَا فَنُجْفِلَ مِثْلَ إِجْفَالِ الظَّلِيمِ وَقِيلَ بِهَذَا الْبَيْتِ سُمُّوا قَارَةً، وَكَانَ يُقَالُ لِلْقَارَةِ رُمَاةُ الْحَدَقِ.
التاريخ 565لا حكم مسجّل
ذِكْرُ حرب الفجار الْفِجَارِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي أَمَّا الْفِجَارُ الْأَوَّلُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ كَثِيرُ أَمْرٍ لِيُذْكَرَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ لِئَلَّا يُرَى ذِكْرُ الْفِجَارِ الثَّانِي وَمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ فَيُظَنُّ أَنَّ الْأَوَّلَ مِثْلُهُ وَقَدْ أَهْمَلْنَاهُ، فَلِهَذَا ذَكَرْنَاهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ الْفِجَارُ الْأَوَّلُ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ كِنَانَةَ كُلِّهَا وَبَيْنَ قَيْسِ عَيْلَانَ. وَسَبَبُهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِنَانَةَ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، فَأُعْدِمَ الْكِنَانِيُّ، فَوَافَى النَّصْرِيُّ سُوقَ عُكَاظَ بِقِرْدٍ وَقَالَ: مَنْ يَبِيعُنِي مِثْلَ هَذَا بِمَا لِي عَلَى فُلَانٍ الْكِنَانِيِّ ؟ فَعَلَ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِلْكِنَانِيِّ وَقَوْمِهِ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ كِنَانَةَ فَضَرَبَ الْقِرْدَ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ أَنَفَةً مِمَّا قَالَ النَّصْرِيُّ، فَصَرَخَ النَّصْرِيُّ فِي قَيْسٍ، وَصَرَخَ الْكِنَانِيُّ فِي كِنَانَةَ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَتَحَاوَرُوا حَتَّى كَادَ يَكُونُ بَيْنَهُمُ الْقِتَالُ ثُمَّ اصْطَلَحُوا. وَقِيلَ: كَانَ سَبَبُهُ أَنَّ فِتْيَةً مِنْ قُرَيْشٍ قَعَدُوا إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَهِيَ وَضِيئَةٌ عَلَيْهَا بُرْقُعٌ، فَقَالُوا لَهَا: اسْفِرِي لِنَنْظُرَ إِلَى وَجْهِكِ، فَلَمْ تَفْعَلْ. فَقَامَ غُلَامٌ مِنْهُمْ فَشَكَّ ذَيْلَ دِرْعِهَا إِلَى ظَهْرِهَا وَلَمْ تَشْعُرْ، فَلَمَّا قَامَتِ انْكَشَفَتْ دُبُرُهَا، فَضَحِكُوا وَقَالُوا: مَنَعْتِنَا النَّظَرَ إِلَى وَجْهِكِ فَقَدْ نَظَرْنَا إِلَى دُبُرِكِ. فَصَاحَتِ الْمَرْأَةُ: يَا بَنِي عَامِرٍ فُضِحْتُ ! فَأَتَاهَا النَّاسُ وَاشْتَجَرُوا حَتَّى كَادَ يَكُونُ قِتَالٌ، ثُمَّ رَأَوْا أَنَّ الْأَمْرَ يَسِيرٌ فَاصْطَلَحُوا. وَقِيلَ: بَلْ قَعَدَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو مَعْشَرِ بْنُ مِكْرِزٍ، وَكَانَ عَازِمًا مَنِيعًا فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ بِسُوقِ عُكَاظَ، فَمَدَّ رِجْلَهُ ثُمَّ قَالَ: نَحْنُ بَنُو مُدْرِكَةَ بْنِ خِنْدِفْ مَنْ يَطْعَنُوا فِي عَيْنِهِ لَا يَطْرِفْ وَمَنْ يَكُونُوا قَوْمَهُ يُغَطْرَفْ كَأَنَّهُ لُجَّةُ بَحْرٍ مُسْدِفْ أَنَا وَاللَّهِ أَعَزُّ الْعَرَبِ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ أَعَزُّ مِنِّي فَلْيَضْرِبْهَا بِالسَّيْفِ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ يُقَالُ لَهُ أَحْمَرُ بْنُ مَازِنٍ فَضَرَبَهَا بِالسَّيْفِ فَخَرَشَهَا خَرْشًا غَيْرَ كَثِيرٍ، فَاخْتَصَمَ النَّاسُ ثُمَّ اصْطَلَحُوا. - بَنُو نَصْرٍ بِالنُّونِ -. وَأَمَّا الْفِجَارُ الثَّانِي، وَكَانَ بَعْدَ الْفِيلِ بِعِشْرِينَ سَنَةً، وَبَعْدَ مَوْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلَمْ يَكُنْ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ أَشْهَرُ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ، فَإِنَّمَا سُمِّيَ الْفِجَارَ لِمَا اسْتَحَلَّ الْحَيَّانِ كِنَانَةُ وَقَيْسٌ فِيهِ مِنَ الْمَحَارِمِ، وَكَانَ قَبْلَهُ يَوْمُ جَبَلَةَ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي أَيَّامِ الْعَرَبِ، وَالْفِجَارُ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ الْبَرَّاضَ بْنَ قَيْسِ بْنِ رَافِعٍ الْكِنَانِيَّ ثُمَّ الضَّمْرِيَّ كَانَ رَجُلًا فَاتِكًا خَلِيعًا قَدْ خَلَعَهُ قَوْمُهُ لِكَثْرَةِ شَرِّهِ، وَكَانَ يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِفَتْكِهِ فَيُقَالُ: أَفْتَكُ مِنَ الْبَرَّاضِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْفَتَى مَنْ تَعَرَّفَتْهُ اللَّيَالِي فَهْوَ فِيهَا كَالْحَيَّةِ النَّضْنَاضِ كُلَّ يَوْمٍ لَهُ بِصِرْفِ اللَّيَالِي فَتْكَةٌ مِثْلُ فَتْكَةِ الْبَرَّاضِ فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَكَانَ النُّعْمَانُ يَبْعَثُ كُلَّ عَامٍ بِلَطِيمَةٍ لِلتِّجَارَةِ إِلَى عُكَاظَ تُبَاعُ لَهُ هُنَاكَ، وَكَانَ عُكَاظُ وَذُو الْمَجَازِ وَمَجَنَّةُ أَسْوَاقًا تَجْتَمِعُ بِهَا الْعَرَبُ كُلَّ عَامٍ إِذَا حَضَرَ الْمَوْسِمُ، فَيَأْمَنُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا حَتَّى تَنْقَضِيَ أَيَّامُهَا، وَكَانَتْ مَجَنَّةُ بِالظَّهْرَانِ، وَكَانَتْ عُكَاظُ بَيْنَ نَخْلَةَ وَالطَّائِفِ، وَكَانَ ذُو الْمَجَازِ بِالْجَانِبِ الْأَيْسَرِ إِذَا وَقَفْتَ عَلَى الْمَوْقِفِ، فَقَالَ النُّعْمَانُ، وَعِنْدَهُ الْبَرَّاضُ وَعُرْوَةُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ الْمَعْرُوفُ بِالرَّحَّالِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِكَثْرَةِ رِحْلَتِهِ إِلَى الْمُلُوكِ -: مَنْ يُجِيزُ لِي لَطِيمَتِي هَذِهِ حَتَّى يُبْلِغَهَا عُكَاظَ ؟ فَقَالَ الْبَرَّاضُ: أَنَا أُجِيزُهَا، أَبَيْتَ اللَّعْنَ، عَلَى كِنَانَةَ. فَقَالَ النُّعْمَانُ: إِنَّمَا أُرِيدُ مَنْ يُجِيزُهَا عَلَى كِنَانَةَ وَقَيْسٍ ! فَقَالَ عُرْوَةُ: أَكَلْبٌ خَلِيعٌ يُجِيزُهَا لَكَ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ ! أَنَا أُجِيزُهَا عَلَى أَهْلِ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ وَأَهْلِ نَجْدٍ. فَقَالَ الْبَرَّاضُ، وَغَضِبَ: وَعَلَى كِنَانَةَ تُجِيزُهَا يَا عُرْوَةُ ؟ قَالَ عُرْوَةُ: وَعَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ. فَدَفَعَ النُّعْمَانُ اللَّطِيمَةَ إِلَى عُرْوَةَ الرَّحَّالِ وَأَمَرَهُ بِالْمَسِيرِ بِهَا، وَخَرَجَ الْبَرَّاضُ يَتْبَعُ أَثَرَهُ، وَعُرْوَةُ يَرَى مَكَانَهُ وَلَا يَخْشَى مِنْهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ عُرْوَةُ بَيْنَ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ تَيْمَنُ بِنَوَاحِي فَدَكَ أَدْرَكَهُ الْبَرَّاضُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخْرَجَ قِدَاحَهُ يَسْتَقْسِمُ بِهَا فِي قَتْلِ عُرْوَةَ، فَمَرَّ بِهِ عُرْوَةُ فَقَالَ: مَا تَصْنَعُ يَا بَرَّاضُ ؟ فَقَالَ: أَسْتَقْسِمُ فِي قَتْلِكَ أَيُؤْذَنُ لِي أَمْ لَا. فَقَالَ عُرْوَةُ: اسْتُكَ أَضْيَقُ مِنْ ذَلِكَ ! فَوَثَبَ إِلَيْهِ الْبَرَّاضُ بِالسَّيْفِ فَقَتَلَهُ. فَلَمَّا رَآهُ الَّذِينَ يَقُومُونَ عَلَى الْعِيرِ وَالْأَحْمَالِ قَتِيلًا انْهَزَمُوا، فَاسْتَاقَ الْبَرَّاضُ الْعِيرَ وَسَارَ عَلَى وَجْهِهِ إِلَى خَيْبَرَ، وَتَبِعَهُ رَجُلَانِ مِنْ قَيْسٍ لِيَأْخُذَاهُ، أَحَدُهُمَا غَنَوِيٌّ وَالْآخَرُ غَطْفَانِيٌّ، وَاسْمُ الْغَنَوِيِّ أَسَدُ بْنُ جُوَيْنٍ، وَاسْمُ الْغَطَفَانِيِّ مُسَاوِرُ بْنُ مَالِكٍ، فَلَقِيَهُمَا الْبَرَّاضُ بِخَيْبَرَ أَوَّلَ النَّاسِ فَقَالَ لَهُمَا: مَنِ الرَّجُلَانِ ؟ قَالَا: مِنْ قَيْسٍ قَدِمْنَا لِنَقْتُلَ الْبَرَّاضَ. فَأَنْزَلَهُمَا وَعَقَلَ رَاحِلَتَيْهِمَا، ثُمَّ قَالَ أَيُّكُمَا أَجْرَأُ عَلَيْهِ وَأَجْوَدُ سَيْفًا ؟ قَالَ الْغَطَفَانِيُّ: أَنَا. فَأَخَذَهُ وَمَشَى مَعَهُ لِيَدُلَّهُ بِزَعْمِهِ عَلَى الْبَرَّاضِ، فَقَالَ لِلْغَنَوِيِّ: احْفَظْ رَاحِلَتَيْكُمَا، فَفَعَلَ، وَانْطَلَقَ الْبَرَّاضُ بِالْغَطَفَانِيِّ حَتَّى أَخْرَجَهُ إِلَى خَرِبَةٍ فِي جَانِبِ خَيْبَرَ خَارِجًا مِنَ الْبُيُوتِ، فَقَالَ لِلْغَطَفَانِيِّ: هُوَ فِي هَذِهِ الْخَرِبَةِ إِلَيْهَا يَأْوِي فَأَمْهِلْنِي حَتَّى أَنْظُرَ أَهُوَ فِيهَا. فَوَقَفَ وَدَخَلَ الْبَرَّاضُ ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: هُوَ فِيهَا وَهُوَ نَائِمٌ، فَأَرِنِي سَيْفَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ أَضَارِبٌ هُوَ أَمْ لَا، فَأَعْطَاهُ سَيْفَهُ، فَضَرَبَهُ بِهِ حَتَّى قَتَلَهُ ثُمَّ أَخْفَى السَّيْفَ، وَعَادَ إِلَى الْغَنَوِيِّ فَقَالَ لَهُ: لَمْ أَرَ رَجُلًا أَجْبَنَ مِنْ صَاحِبِكَ، تَرَكْتُهُ فِي الْبَيْتِ الَّذِي فِيهِ الْبَرَّاضُ وَهُوَ نَائِمٌ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ. فَقَالَ: انْظُرْ لِي مَنْ يَحْفَظُ الرَّاحِلَتَيْنِ حَتَّى أَمْضِيَ إِلَيْهِ فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ: دَعْهُمَا وَهُمَا عَلَيَّ، ثُمَّ انْطَلَقَا إِلَى الْخَرِبَةِ، فَقَتَلَهُ وَسَارَ بِالْعِيرِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَقَالَ لَهُ الْبَرَّاضُ: هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ أَجْعَلَ لَكَ جَعْلًا عَلَى أَنْ تَنْطَلِقَ إِلَى حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ وَقَوْمِي فَإِنَّهُمْ قَوْمِي وَقَوْمُكَ، لِأَنَّ أَسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ مِنْ خِنْدِفٍ أَيْضًا، فَتُخْبِرَهُمْ أَنَّ الْبَرَّاضَ بْنَ قَيْسٍ قَتَلَ عُرْوَةَ الرَّحَّالَ، فَلْيَحْذَرُوا قَيْسًا ! وَجَعَلَ لَهُ عَشْرًا مِنَ الْإِبِلِ. فَخَرَجَ الْأَسَدِيُّ حَتَّى أَتَى عُكَاظَ وَبِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ، فَأَتَى حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَبَعَثَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ التَّيْمِيِّ وَإِلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَهُوَ وَالِدُ أَبِي جَهْلٍ، وَهُمَا مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ وَذَوِي السِّنِّ مِنْهُمْ، وَإِلَى كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ أَحْضَرَ مِنْهَا رَجُلًا، وَإِلَى الْحُلَيْسِ بْنِ يَزِيدَ الْحَارِثِيِّ، وَهُوَ سَيِّدُ الْأَحَابِيشِ، فَأَخْبَرَهُمْ أَيْضًا. فَتَشَاوَرُوا وَقَالُوا: نَخْشَى مِنْ قَيْسٍ أَنْ يَطْلُبُوا ثَأْرَ صَاحِبِهِمْ مِنَّا فَإِنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ أَنْ يَقْتُلُوا بِهِ خَلِيعًا مِنْ بَنِي ضِمْرَةَ. فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَأْتُوا أَبَا بَرَاءٍ عَامِرَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ قَيْسٍ وَشَرِيفُهَا، فَيَقُولُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ حَدَثٌ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ وَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِنَا عِلْمُهُ فَأَجُزُّ بَيْنَ النَّاسِ حَتَّى تَعْلَمَ وَتُعْلِمَ. فَأَتَوْهُ وَقَالُوا لَهُ ذَلِكَ، فَأَجَازَ بَيْنَ النَّاسِ وَأَعْلَمَ قَوْمَهُ مَا قِيلَ لَهُ، ثُمَّ قَامَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالُوا: يَا أَهْلَ عُكَاظَ إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ فِي قَوْمِنَا بِمَكَّةَ حَدَثٌ أَتَانَا خَبَرُهُ، وَنَخْشَى إِنْ تَخَلَّفْنَا عَنْهُمْ أَنْ يَتَفَاقَمَ الشَّرُّ، فَلَا يُرَوِّعَنَّكُمْ تَحَمُّلُنَا. ثُمَّ رَكِبُوا عَلَى الصَّعْبِ وَالذَّلُولِ إِلَى مَكَّةَ. فَلَمَّا كَانَ آخِرَ الْيَوْمِ أَتَى عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنَّةِ الْخَبَرُ فَقَالَ: غَدَرَتْ قُرَيْشٌ وَخَدَعَنِي حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَاللَّهِ لَا تَنْزِلُ كِنَانَةُ عُكَاظَ أَبَدًا. ثُمَّ رَكِبُوا فِي طَلَبِهِمْ حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ بِنَخْلَةَ فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ، فَاشْتَعَلَتْ قُرَيْشٌ فَكَادَتْ قُرَيْشٌ تَنْهَزِمُ إِلَّا أَنَّهَا عَلَى حَامِيَتِهَا تُبَادِرُ دُخُولَ الْحَرَمِ لِيَأْمَنُوا بِهِ. فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى دَخَلُوا الْحَرَمَ مَعَ اللَّيْلِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ، وَعُمْرُهُ عِشْرُونَ سَنَةً. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُمْ لَمْ يَنْهَزِمُوا، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ بَعْدَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ يَنْهَزِمُ أَصْحَابُهُ وَيُقْتَلُونَ، وَإِذَا كَانَ فِي جَمْعٍ قَبْلَ الرِّسَالَةِ وَانْهَزَمُوا فَغَيْرُ بَعِيدٍ. وَلَمَّا دَخَلَتْ قُرَيْشٌ الْحَرَمَ عَادَتْ عَنْهُمْ قَيْسٌ وَقَالُوا لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّا لَا نَتْرُكُ دَمَ عُرْوَةَ وَمِيعَادُنَا عُكَاظُ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ، وَانْصَرَفَتْ إِلَى بِلَادِهَا يُحَرِّضُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَبْكُونَ عُرْوَةَ الرَّحَّالَ. ثُمَّ إِنَّ قَيْسًا جَمَعَتْ جُمُوعَهَا، وَمَعَهَا ثَقِيفٌ وَغَيْرُهَا، وَجَمَعَتْ قُرَيْشٌ جُمُوعَهَا، مِنْهُمْ كِنَانَةُ جَمِيعُهَا وَالْأَحَابِيشُ وَأَسَدُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ السِّلَاحَ فِي النَّاسِ، فَأَعْطَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ مِائَةَ رَجُلٍ سِلَاحًا تَامًّا، وَفَعَلَ الْبَاقُونَ مِثْلَهُ. وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ لِلْمَوْعِدِ، عَلَى كُلِّ بَطْنٍ مِنْهَا رَئِيسٌ، فَكَانَ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ: الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَإِخْوَتُهُ أَبُو طَالِبٍ وَحَمْزَةُ وَالْعَبَّاسُ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. وَعَلَى بَنِي أُمَيَّةَ وَأَحْلَافِهَا: حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ. وَعَلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: عِكْرِمَةُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. وَعَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: خُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ. وَعَلَى بَنِي مَخْزُومٍ: هِشَامُ بْنُ الْمُغِيرَةِ أَبُو أَبِي جَهْلٍ. وَعَلَى بَنِي تَيْمٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ. وَعَلَى بَنِي جُمَحَ: مَعْمَرُ بْنُ حَبِيبِ بْنِ وَهْبٍ. وَعَلَى بَنِي سَهْمٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ. وَعَلَى بَنِي عَدِيٍّ: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَالِدُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. وَعَلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَالِدُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وَعَلَى بَنِي فِهْرٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْجَرَّاحِ وَالِدُ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَعَلَى الْأَحَابِيشِ: الْحُلَيْسُ بْنُ يَزِيدَ وَسُفْيَانُ بْنُ عُوَيْفٍ هُمَا قَائِدَاهُمْ، وَالْأَحَابِيشُ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ: كِنَانَةُ وَعَضَلُ وَالْقَارَةُ وَالدِّيشُ مِنْ بَنِي الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَالْمُصْطَلِقِ بْنِ خُزَاعَةَ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ لِحَلِفِهِمْ بَنِي الْحَارِثِ، وَالتَّحَبُّشُ التَّجَمُّعُ. وَعَلَى بَنِي بَكْرٍ: بَلْعَاءُ بْنُ قَيْسٍ. وَعَلَى بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ مِنْ كِنَانَةَ: عُمَيْرُ بْنُ قَيْسٍ جِذْلُ الطِّعَانِ. وَعَلَى بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: بِشْرُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ. وَكَانَ عَلَى جَمَاعَةِ النَّاسِ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ لِمَكَانِهِ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ سِنًّا وَمَنْزِلَةً. وَكَانَتْ قَيْسٌ قَدْ تَقَدَّمَتْ إِلَى عُكَاظَ قَبْلَ قُرَيْشٍ، فَعَلَى بَنِي عَامِرٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ: أَبُو بَرَاءٍ. وَعَلَى بَنِي نَصْرٍ سَعْدٍ وَثَقِيفٍ: سُبَيْعُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. وَعَلَى بَنِي جُشَمَ: الصِّمَّةُ وَالِدُ دُرَيْدٍ. وَعَلَى غَطَفَانَ: عَوْفُ بْنُ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ. وَعَلَى بَنِي سُلَيْمٍ: عَبَّاسُ بْنُ زَعْلِ بْنِ هَنِيِّ بْنِ أَنَسٍ. وَعَلَى فَهْمٍ وَعَدْوَانَ: كِدَامُ بْنُ عَمْرٍو. وَسَارَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى نَزَلَتْ عُكَاظَ وَبِهَا قَيْسٌ. وَكَانَ مَعَ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ إِخْوَتُهُ: سُفْيَانُ وَأَبُو سُفْيَانَ وَالْعَاصُ وَأَبُو الْعَاصِ بَنُو أُمَيَّةَ، فَعَقَلَ حَرْبٌ نَفْسَهُ وَقَيَّدَ سُفْيَانُ وَأَبُو الْعَاصِ نَفْسَيْهِمَا وَقَالُوا: لَنْ يَبْرَحَ رَجُلٌ مِنَّا مَكَانَهُ حَتَّى نَمُوتَ أَوْ نَظْفَرَ، فَيَوْمَئِذٍ سُمُّوا الْعَنَابِسَ، وَالْعَنْبَسُ الْأَسَدُ. وَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَ الظَّفَرُ أَوَّلَ النَّهَارِ لِقَيْسٍ، وَانْهَزَمَ كَثِيرٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَقُرَيْشٍ. فَانْهَزَمَ بَنُو زُهْرَةَ وَبَنُو عَدِيٍّ، وَقُتِلَ مَعْمَرُ بْنُ حَبِيبٍ الْجُمَحِيُّ، وَانْهَزَمَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي فِرَاسٍ، وَثَبَتَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وَسَائِرُ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَزَلِ الظَّفَرُ لِقَيْسٍ عَلَى قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ إِلَى أَنِ انْتَصَفَ النَّهَارُ. ثُمَّ عَادَ الظَّفَرُ لِقُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ فَقَتَلُوا مِنْ قَيْسٍ فَأَكْثَرُوا، وَحَمِيَ الْقِتَالُ وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَ رَايَةِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ مِائَةُ رَجُلٍ وَهُمْ صَابِرُونَ، فَانْهَزَمَتْ قَيْسٌ، وَقُتِلَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ عَبَّاسُ بْنُ زَعْلٍ السُّلَمِيُّ وَغَيْرُهُ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو السَّيِّدِ عَمُّ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ مَا تَصْنَعُ كِنَانَةُ مِنَ الْقَتْلِ نَادَى: يَا مَعْشَرَ بَنِي كِنَانَةَ أَسْرَفْتُمْ فِي الْقَتْلِ. فَقَالَ ابْنُ جُدْعَانَ: إِنَّا مَعْشَرٌ يُسْرِفُ. وَلَمَّا رَأَى سُبَيْعُ بْنُ رَبِيعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ هَزِيمَةَ قَبَائِلِ قَيْسٍ عَقَلَ نَفْسَهُ وَاضْطَجَعَ وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي نَصْرٍ قَاتِلُوا عَنِّي أَوْ ذَرُوا. فَعَطَفَتْ عَلَيْهِ بَنُو نَصْرٍ، وَجُشَمَ، وَسَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَفَهْمٍ، وَعَدْوَانَ، وَانْهَزَمَ بَاقِي قَبَائِلِ قَيْسٍ، فَقَاتَلَ هَؤُلَاءِ أَشَدَّ قِتَالٍ رَآهُ النَّاسُ. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَدَاعَوْا إِلَى الصُّلْحِ فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَعُدُّوا الْقَتْلَى فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ فَضَلَ لَهُ قَتْلَى أَخَذَ دِيَتَهُ مِنَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ، فَتَعَادُّوا الْقَتْلَى فَوَجَدُوا قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ قَدْ أَفْضَلُوا عَلَى قَيْسٍ عِشْرِينَ رَجُلًا، فَرَهَنَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ يَوْمَئِذٍ ابْنَهُ أَبَا سُفْيَانَ فِي دِيَاتِ الْقَوْمِ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا، وَرَهَنَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّؤَسَاءِ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَوَضَعُوا الْحَرْبَ وَهَدَمُوا مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ، وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يُؤْذِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْبَرَّاضِ وَعُرْوَةَ.
التاريخ 566لا حكم مسجّل
يَوْمُ ذِي نَجَبٍ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ يَوْمِ ذِي نَجَبٍ أَنَّ بَنِي عَامِرٍ لَمَّا أَصَابُوا مِنْ تَمِيمٍ مَا أَصَابُوا يَوْمَ جَبَلَةَ رَجَوْا أَنْ يَسْتَأْصِلُوهُمْ، فَكَاتَبُوا حَسَّانَ بْنَ كَبْشَةَ الْكِنْدِيَّ، وَكَانَ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ كِنْدَةَ، وَهُوَ حَسَّانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُجْرٍ فَدَعَوْهُ إِلَى أَنْ يَغْزُوَ مَعَهُمْ بَنِي حَنْظَلَةَ مِنْ تَمِيمٍ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوا فُرْسَانَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ، فَأَقْبَلَ مَعَهُمْ بِصَنَائِعِهِ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ. فَلَمَّا أَتَى بَنِي حَنْظَلَةَ خَبَرُ مَسِيرِهِمْ قَالَ لَهُمْ عَمْرُو بْنُ عَمْرٍو: يَا بَنِي مَالِكٍ إِنَّهُ لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهَذَا الْمَلِكِ وَمَا مَعَهُ مِنَ الْعَدَدِ، فَانْتَقِلُوا مِنْ مَكَانِكُمْ، وَكَانُوا فِي أَعَالِي الْوَادِي مِمَّا يَلِي مَجِيءَ الْقَوْمِ، وَكَانَتْ بَنُو يَرْبُوعٍ بِأَسْفَلِهِ، فَتَحَوَّلَتْ بَنُو مَالِكٍ حَتَّى نَزَلَتْ خَلْفَ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَصَارَتْ بَنُو يَرْبُوعٍ تَلِي الْمَلِكَ. فَلَمَّا رَأَوْا مَا صَنَعَ بَنُو مَالِكٍ اسْتَعَدُّوا وَتَقَدَّمُوا إِلَى طَرِيقِ الْمَلِكِ. فَلَمَّا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ وَصَلَ ابْنُ كَبْشَةَ فِيمَنْ مَعَهُ وَقَدِ اسْتَعَدَّ الْقَوْمُ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا رَآهُمْ بَنُو مَالِكٍ وَصَبْرَهُمْ فِي الْقِتَالِ سَارُوا إِلَيْهِمْ وَشَهِدُوا مَعَهُمُ الْقِتَالَ، فَاقْتَتَلُوا مَلِيًّا فَضَرَبَ حُشَيْشُ بْنُ نِمْرَانَ الرِّيَاحِيُّ ابْنَ كَبْشَةَ الْمَلِكَ عَلَى رَأْسِهِ فَصَرَعَهُ، فَمَاتَ، وَقُتِلَ عُبَيْدَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَانْهَزَمَ طُفَيْلُ بْنُ مَالِكٍ عَلَى فَرَسِهِ قُرْزُلَ، وَقُتِلَ عَمْرُو بْنُ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرٍ وَكَانَ رَئِيسَ عَامِرٍ، وَانْهَزَمَ بَنُو عَامِرٍ وَصَنَائِعُ ابْنِ كَبْشَةَ. قَالَ جَرِيرٌ فِي الْإِسْلَامِ يَذْكُرُ الْيَوْمَ بِذِي نَجَبٍ: بِذِي نَجَبٍ ذُدْنَا وَوَاكَلَ مَالِكٌ أَخًا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطِّعَانِ بِوَاكِلِ وَكَانَ يَوْمُ ذِي نَجَبٍ بَعْدَ يَوْمِ ذِي جَبَلَةَ بِسَنَةٍ. وَبَقِيَ الْأَحْوَصُ بَعْدَ ابْنِهِ عَمْرٍو يَسِيرًا وَهَلَكَ أَسَفًا عَلَيْهِ.
التاريخ 567لا حكم مسجّل
يَوْمُ نَعْفِ قُشَاوَةَ وَهُوَ يَوْمٌ لَشَيْبَانَ عَلَى تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَغَارَ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى بَنِي يَرْبُوعٍ مِنْ تَمِيمٍ وَهُوَ بِنَعْفِ قُشَاوَةَ، فَأَتَاهُمْ ضُحًى، وَهُوَ يَوْمُ رِيحٍ وَمَطَرٍ، فَوَافَقَ النَّعَمَ حِينَ سُرِّحَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا، وَتَدَاعَتْ عَلَيْهِ بَنُو يَرْبُوعٍ فَلَحِقُوهُ وَفِيهِمْ عُمَارَةُ بْنُ عُتَيْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ، فَكَرَّ عَلَيْهِ بِسْطَامٌ فَقَتَلَهُ، وَلَحِقَهُمْ مَالِكُ بْنُ حِطَّانَ الْيَرْبُوعِيُّ فَقَتَلَهُ، وَأَتَاهُمْ أَيْضًا بِجُبَيْرِ بْنِ أَبِي مُلَيْلٍ فَقَتَلَهُ بِسْطَامٌ، وَقَتَلُوا مِنْ يَرْبُوعٍ جَمْعًا وَأَسَرُوا آخَرِينَ، مِنْهُمْ: مُلَيْلُ بْنُ أَبِي مُلَيْلٍ، وَسَلِمُوا وَعَادُوا غَانِمِينَ. فَقَالَ بَعْضُ الْأَسْرَى لِبِسْطَامٍ: أَيَسُرُّكَ أَنَّ أَبَا مُلَيْلٍ مَكَانِي ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنْ دَلَلْتُكَ عَلَيْهِ أَتُطْلِقُنِي الْآنَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّ ابْنَهُ بُجَيْرًا كَانَ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ وَسَتَجِدُهُ الْآنَ مُنْكَبًّا عَلَيْهِ يُقَبِّلُهُ فَخُذْهُ أَسِيرًا. فَعَادَ بِسْطَامٌ فَرَآهُ كَمَا قَالَ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا وَأَطْلَقَ الْيَرْبُوعِيَّ. فَقَالَ لَهُ أَبُو مُلَيْلٍ: قَتَلْتَ بُجَيْرًا وَأَسَرْتَنِي وَابْنِي مُلَيْلًا ! وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُ الطَّعَامَ أَبَدًا وَأَنَا مُوثَقٌ. فَخَشِيَ بِسْطَامٌ أَنْ يَمُوتَ فَأَطْلَقَهُ بِغَيْرِ فِدَاءٍ عَلَى أَنْ يُفَادِيَ مُلَيْلًا، وَعَلَى أَنْ لَا يَتْبَعَهُ بِدَمِ ابْنِهِ بُجَيْرٍ، وَلَا يَبْغِيهِ غَائِلَةً، وَلَا يَدُلُّ لَهُ عَلَى عَوْرَةٍ، وَلَا يُغِيرُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى قَوْمِهِ أَبَدًا، وَعَاهَدَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَأَطْلَقَهُ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ وَأَرَادَ الْغَدْرَ بِبِسْطَامٍ وَالنَّكْثَ بِهِ، فَأَرْسَلَ بَعْضَ بَنِي يَرْبُوعٍ إِلَى بِسْطَامٍ بِخَبَرِهِ، فَحَذَّرَهُ، وَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ: أَبْلِغْ شِهَابَ بَنِي بَكْرٍ وَسَيِّدَهَا عَنِّي بِذَاكَ أَبَا الصَّهْبَاءِ بِسْطَامَا أُرْوِي الْأَسِنَّةَ مِنْ قَوْمِي فَأُنْهِلُهَا فَأَصْبَحُوا فِي بَقِيعِ الْأَرْضِ نُوَّامَا لَا يُطْبِقُونَ إِذَا هَبَّ النِّيَامُ وَلَا فِي مَرْقَدٍ يَحْلُمُونَ الدَّهْرَ أَحْلَامَا أُشْجِي تَمِيمَبْنَ مُرٍّ لَا مُكَايَدَةً حَتَّى اسْتَعَادُوا لَهُ أَسْرَى وَأَنْعَامَا هَلَّا أَسِيرًا فَدَتْكَ النَّفْسُ تُطْعِمُهُ مِمَّا أَرَادَ وَقِدْمًا كُنْتَ مِطْعَامَا وَهِيَ أَبْيَاتٌ عِدَّةٌ.
التاريخ 568لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْغَبِيطِ وَهُوَ يَوْمٌ كَانَتِ الْحَرْبُ فِيهِ بَيْنَ بَنِي شَيْبَانَ وَتَمِيمٍ، وَأُسِرَ فِيهِ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بِسْطَامَ بْنَ قَيْسٍ وَالْحَوْفَزَانَ بْنَ شَرِيكٍ وَمَفْرُوقَ بْنَ عَمْرٍو سَارُوا فِي جَمْعٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ إِلَى بِلَادِ تَمِيمٍ، فَأَغَارُوا عَلَى ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ وَثَعْلَبَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ فَزَارَةَ وَثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ، وَكَانُوا مُتَجَاوِرِينَ بِصَحْرَاءِ فَلْجٍ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَتِ الثَّعَالِبَةُ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَغَنِمَ بَنُو شَيْبَانَ أَمْوَالَهُمْ، وَمَرُّوا عَلَى بَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُمْ بَيْنَ صَحْرَاءِ فَلْجٍ وَغَبِيطِ الْمَدَرَةِ فَاسْتَاقُوا إِبِلَهُمْ. فَرَكِبَتْ إِلَيْهِمْ بَنُو مَالِكٍ يَقْدُمُهُمْ عُتَيْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ الْيَرْبُوعِيُّ وَفُرْسَانُ بَنِي يَرْبُوعٍ، وَسَارُوا فِي أَثَرِ بَنِي شَيْبَانَ، وَمَعَهُ مِنْ رُؤَسَاءِ تَمِيمٍ الْأُحَيْمِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأُسَيْدُ بْنُ جُبَاةَ وَحُرُّ بْنُ سَعْدٍ وَمَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ، فَأَدْرَكُوهُمْ بِغَبِيطِ الْمَدَرَةِ فَقَاتَلُوهُمْ. وَصَبَرَ الْفَرِيقَانِ، ثُمَّ انْهَزَمَتْ شَيْبَانُ وَاسْتَعَادَتْ تَمِيمٌ مَا كَانُوا غَنِمُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَقَتَلَتْ بَنُو شَيْبَانَ أَبَا مَرْحَبٍ رَبِيعَةَ بْنَ حَصِيَّةَ، وَأَلَحَّ عُتَيْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ عَلَى بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ فَأَدْرَكَهُ فَقَالَ لَهُ: اسْتَأْسِرْ أَبَا الصَّهْبَاءِ فَأَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْفَلَاةِ وَالْعَطَشِ، فَاسْتَأْسَرَ لَهُ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ. فَقَالَ بَنُو ثَعْلَبَةَ لِعُتْبَةَ: إِنَّ أَبَا مَرْحَبٍ قَدْ قُتِلَ وَقَدْ أَسَرْتَ بِسْطَامًا، وَهُوَ قَاتِلُ مُلَيْلٍ وَبُجَيْرٍ ابْنَيْ أَبِي مُلَيْلٍ وَمَالِكِ بْنِ حِطَّانَ وَغَيْرِهِمْ فَاقْتُلْهُ. قَالَ: إِنِّي مُعِيلٌ وَأَنَا أُحِبُّ اللَّبَنَ. قَالُوا: إِنَّكَ تُفَادِيهِ فَيَعُودُ فَيَحْرُبُنَا مَالَنَا، فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَسَارَ بِهِ إِلَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ لِئَلَّا يُؤْخَذَ فَيُقْتَلَ، وَإِنَّمَا قَصَدَ عَامِرًا لِأَنَّ عَمَّتَهُ خَوْلَةُ بِنْتُ شِهَابٍ كَانَتْ نَاكِحًا فِيهِمْ، فَقَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ فِي ذَلِكَ: لِلَّهِ عَتَّابُ بْنُ مَيَّةَ إِذْ رَأَى إِلَى ثَأْرِنَا فِي كَفِّهِ يَتَلَدَّدُ أَتُحْيِي امْرَأً أَرْدَى بُجَيْرًا وَمَالِكًا وَأَتْوَى حُرَيْثًا بَعْدَمَا كَانَ يَقْصِدُ وَنَحْنُ ثَأَرْنَا قَبْلَ ذَاكَ ابْنَ أُمِّهِ غَدَاةَ الْكُلَابِيِّينَ وَالْجَمْعُ يَشْهَدُ فَلَمَّا تَوَسَّطَ عُتَيْبَةُ بُيُوتَ بَنِي عَامِرٍ صَاحَ بِسْطَامٌ: وَا شَيْبَانَاهُ ! وَلَا شَيْبَانَ لِيَ الْيَوْمَ ! فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْجَأَ إِلَى قُبَّتِي فَافْعَلْ فَإِنِّي سَأَمْنَعُكَ، وَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَاقْذِفْ نَفْسَكَ فِي الرَّكِيِّ. فَأَتَى عُتَيْبَةُ تَابِعَهُ مِنَ الْجِنِّ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَأَمَرَ بِبَيْتِهِ فَقُوِّضَ. فَرَكِبَ فَرَسَهُ وَأَخَذَ سِلَاحَهُ ثُمَّ أَتَى مَجْلِسَ بَنِي جَعْفَرٍ، وَفِيهِ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ الْغَنَوِيُّ، فَحَيَّاهُمْ وَقَالَ: يَا عَامِرُ قَدْ بَلَغَنِي الَّذِي أَرْسَلْتَ بِهِ إِلَى بِسْطَامٍ فَأَنَا مُخَيِّرُكَ فِيهِ خِصَالًا ثَلَاثًا. فَقَالَ عَامِرٌ: وَمَا هِيَ ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَأَعْطِنِي خَلْعَتَكَ وَخَلْعَةَ أَهْلِ بَيْتِكَ حَتَّى أُطْلِقَهُ لَكَ، فَلَيْسَتْ خَلَعَتُكَ وَخَلْعَةُ أَهْلِ بَيْتِكَ بِشَرٍّ مِنْ خَلْعَتِهِ وَخَلْعَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ. فَقَالَ عَامِرٌ: هَذَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ. قَالَ عُتَيْبَةُ: ضَعْ رِجْلَكَ مَكَانَ رِجْلِهِ فَلَسْتَ عِنْدِي بِشَرٍّ مِنْهُ. فَقَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ. قَالَ عُتَيْبَةُ: تَتْبَعُنِي إِذَا جَاوَزْتُ هَذِهِ الرَّابِيَةَ فَتُقَارِعُنِي عَنْهُ عَلَى الْمَوْتِ. فَقَالَ عَامِرٌ: هَذِهِ أَبْغَضُهُنَّ إِلَيَّ. فَانْصَرَفَ بِهِ عُتَيْبَةُ إِلَى بَنِي عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ فَرَأَى بِسْطَامٌ مَرْكَبَ أُمِّ عُتَيْبَةَ رَثًّا فَقَالَ: يَا عُتَيْبَةُ هَذَا رَحْلُ أُمِّكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَحْلَ أُمِّ سَيِّدٍ قَطُّ مِثْلَ هَذَا. فَقَالَ عُتَيْبَةُ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَا أُطْلِقُكَ حَتَّى تَأْتِنِي أُمُّكَ بِحِدْجِهَا، وَكَانَ كَبِيرًا ذَا ثَمَنٍ كَثِيرٍ، وَهَذَا الَّذِي أَرَادَ بِسْطَامٌ لِيَرْغَبَ فِيهِ فَلَا يَقْتُلَهُ. فَأَرْسَلَ بِسْطَامٌ فَأَحْضَرَ حِدْجَ أُمِّهِ وَفَادَى نَفْسَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَقِيلَ بِأَلْفِ بَعِيرٍ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَهَوْدَجِ أُمِّهِ وَحِدْجِهَا، وَخَلَصَ مِنَ الْأَسْرِ. فَلَمَّا خَلَصَ مِنَ الْأَسْرِ أَذْكَى الْعُيُونَ عَلَى عُتَيْبَةَ وَإِبِلِهِ، فَعَادَتْ إِلَيْهِ عُيُونُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهَا عَلَى أَرْبَابٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهَا وَأَخَذَ الْإِبِلَ كُلَّهَا وَمَا لَهُمْ مَعَهَا. ( عُتَيْبَةُ بِالتَّاءِ فَوْقَهَا نُقْطَتَانِ، وَالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ سَاكِنَةً، وَفِي آخِرِهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ).
التاريخ 569لا حكم مسجّل
يَوْمٌ لِشَيْبَانَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَأَخُوهُ فِرَاسٌ التَّمِيمِيَّانِ، وَهُمَا الْأَقْرَعَانِ، فِي بَنِي مُجَاشِعٍ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُمَا يُرِيدَانِ الْغَارَةَ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَمَعَهُمَا الْبَرُوكُ أَبُو جَعْلٍ، فَلَقِيَهُمْ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ الشَّيْبَانِيُّ وَعِمْرَانُ بْنُ مُرَّةَ فِي بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بِزُبَالَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ظَفِرَتْ فِيهِ بَكْرٌ وَانْهَزَمَتْ تَمِيمٌ، وَأُسِرَ الْأَقْرَعَانِ وَأَبُو جَعْلٍ وَنَاسٌ كَثِيرٌ، وَافْتَدَى الْأَقْرَعَانِ نَفْسَيْهِمَا مِنْ بِسْطَامٍ، وَعَاهَدَاهُ عَلَى إِرْسَالِ الْفِدَاءِ، فَأَطْلَقَهُمَا، فَبَعُدَا وَلَمْ يُرْسِلَا شَيْئًا، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى إِنْسَانٌ مِنْ يَرْبُوعٍ فَسَمِعَهُ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ فِي اللَّيْلِ يَقُولُ: فِدًى بِوَالِدَةٍ عَلَيَّ شَفِيقَةٍ فَكَأَنَّهَا حَرَضٌ عَلَى الْأَسْقَامِ لَوْ أَنَّهَا عَلِمَتْ فَيَسْكُنُ جَأْشُهَا أَنِّي سَقَطْتُ عَلَى الْفَتَى الْمِنْعَامِ إِنَّ الَّذِي تَرْجِينَ ثَمَّ إِيَابَهُ سَقَطَ الْعِشَاءُ بِهِ عَلَى بِسْطَامِ سَقَطَ الْعِشَاءُ بِهِ عَلَى مُتَنَعِّمِ سَمْحِ الْيَدَيْنِ مُعَاوِدِ الْإِقْدَامِ فَلَمَّا سَمِعَ بِسْطَامُ ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ لَهُ: وَأَبِيكَ لَا يُخْبِرُ أُمَّكَ عَنْكَ غَيْرُكَ ! وَأَطْلَقَهُ. وَقَالَ ابْنُ رُمَيْضٍ الْعَنَزِيُّ: جَاءَتْ هَدَايَا مِنَ الرَّحْمَانِ مُرْسَلَةً حَتَّى أُنِيخَتْ لَدَى أَبْيَاتِ بِسْطَامِ جَيْشُ الْهُذَيْلِ وَجَيْشُ الْأَقْرَعَيْنِ مَعًا وَكُبَّةُ الْخَيْلِ وَالْأَذْوَادِ فِي عَامِ مُسَوِّمٌ خَيْلَهُ تَعْدُو مَقَانِبُهُ عَلَى الذَّوَائِبِ مِنْ أَوْلَادِ هَمَّامِ وَقَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ: وَصَبَّحَنَا عَارٌ طَوِيلٌ بِنَاؤُهُ نُسَبُّ بِهِ مَا لَاحَ فِي الْأُفْقِ كَوْكَبُ فَلَمْ أَرَ يَوْمًا كَانَ أَكْثَرَ بَاكِيًا وَوَجْهًا تُرَى فِيهِ الْكَآبَةُ تَجْنُبُ أَصَابُوا الْبَرُوكَ وَابْنَ حَابِسَ عَنْوَةً فَظَلَّ لَهُمْ بِالْقَاعِ يَوْمٌ عَصَبْصَبُ وَإِنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ فِي حَوْمَةِ الْوَغَى إِذَا ازْوَرَّتِ الْأَبْطَالُ لَيْثٌ مُجَرَّبُ وَأَبُو الصَّهْبَاءِ: هُوَ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ فِي مَدْحِ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ، تَرَكْنَا ذِكْرَهُ اخْتِصَارًا. ( حَجَرٌ: بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ ).
التاريخ 570لا حكم مسجّل
يَوْمُ مَبَائِضَ وَهُوَ لِشَيْبَانَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: حَجَّ طَرِيفُ بْنُ تَمِيمٍ الْعَنْبَرِيُّ التَّمِيمِيُّ، وَكَانَ رَجُلًا جَسِيمًا يُلَقَّبُ مُجَدِّعًا، وَهُوَ فَارِسُ قَوْمِهِ، وَلَقِيَهُ حَمْصِيصَةُ بْنُ جَنْدَلٍ الشَّيْبَانِيُّ مِنْ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، وَهُوَ شَابٌّ قَوِيٌّ شُجَاعٌ، وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَأَطَالَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ طَرِيفٌ: لِمَ تَشُدُّ نَظَرَكَ إِلَيَّ ؟ قَالَ حَمْصِيصَةُ: أُرِيدُ أَنْ أُثْبِتَكَ لَعَلِّي أَنْ أَلْقَاكَ فِي جَيْشٍ فَأَقْتُلَكَ. فَقَالَ طَرِيفٌ: اللَّهُمَّ لَا تُحَوِّلِ الْحَوْلَ حَتَّى أَلْقَاهُ ! وَدَعَا حَمْصِيصَةُ مِثْلَهُ، فَقَالَ طَرِيفٌ: أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكَاظَ قَبِيلَةٌ بَعَثُوا إِلَيَّ عَرِيفَهُمْ يَتَوَسَّمُ لَا تُنْكِرُونِي إِنَّنِي أَنَا ذَاكُمُ شَاكِي السِّلَاحِ وَفِي الْحَوَادِثِ مُعْلَمُ حَوْلِي فَوَارِسُ مِنْ أُسَيْدٍ شُجْعَةٌ وَمِنَ الْهَجِيمِ وَحَوْلَ بَيْتِيَ خُصَّمُ تَحْتِي الْأَغَرُّ وَفَوْقَ جِلْدِيَ نَثْرَةٌ زَعْفٌ تَرُدُّ السَّيْفَ وَهُوَ مُثَلَّمُ فِي أَبْيَاتٍ. ثُمَّ إِنَّ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ وَبَنِي مُرَّةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ كَانَ بَيْنَهُمْ شَرٌّ وَخِصَامٌ فَاقْتَتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ دَمٌ. فَقَالَ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ، رَئِيسُ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، لِقَوْمِهِ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَفَاقَمَ الشَّرُّ بَيْنَنَا، فَارْتَحَلَ بِهِمْ فَنَزَلَ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ مَبَائِضُ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مِيَاهِ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ أَشْهُرًا، وَبَلَغَ خَبَرُهُمْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَرْسَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَالُوا: هَذَا حَيٌّ مُنْفَرِدٌ وَإِنِ اصْطَلَمْتُمُوهُمْ أَوْهَنْتُمْ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ. وَاجْتَمَعُوا وَسَارُوا عَلَى ثَلَاثَةِ رُؤَسَاءَ: أَبُو الْجَدْعَاءِ الطَّهْوِيُّ عَلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، وَابْنُ فَدْكَى الْمِنْقَرِيُّ عَلَى بَنِي سَعْدٍ، وَطَرِيفُ بْنُ تَمِيمٍ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ. فَلَمَّا قَارَبُوا بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ بَلَغَهُمُ الْخَبَرُ فَاسْتَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، فَخَطَبَهُمْ هَانِئُ بْنُ مَسْعُودٍ وَحَثَّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، فَقَالَ: إِذَا أَتَوْكُمْ فَقَاتِلُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ انْحَازُوا عَنْهُمْ، فَإِذَا اشْتَغَلُوا بِالنَّهْبِ فَعُودُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنَّكُمْ تُصِيبُونَ مِنْهُمْ حَاجَتَكُمْ. وَصَبَّحَهُمْ بَنُو تَمِيمٍ وَالْقَوْمُ حَذِرُونَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَفَعَلَتْ بَنُو شَيْبَانَ مَا أَمَرَهُمْ هَانِئٌ. فَاشْتَغَلَتْ تَمِيمٌ بِالْغَنِيمَةِ، وَمَرَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِابْنٍ لِهَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ صَبِيٍّ فَأَخَذَهُ وَقَالَ: حَسْبِي هَذَا مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَسَارَ بِهِ وَبَقِيَتْ تَمِيمٌ مَعَ الْغَنِيمَةِ وَالسَّبْيِ. فَعَادَتْ شَيْبَانُ عَلَيْهِمْ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ وَأَسَرُوهُمْ كَيْفَ شَاءُوا، وَلَمْ تُصَبْ تَمِيمٌ بِمِثْلِهَا، وَلَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَلَمْ يَلْوِ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَانْهَزَمَ طَرِيفٌ فَاتَّبَعَهُ حَمْصِيصَةُ فَقَتَلَهُ. وَاسْتَرَدَّتْ شَيْبَانُ الْأَهْلَ وَالْمَالَ وَأَخَذُوا مَعَ ذَلِكَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَفَادَى هَانِئُ ابْنُ مَسْعُودٍ ابْنَهُ بِمِائَةِ بَعِيرٍ، وَقَالَ بَعْضُ شَيْبَانَ فِي هَذَا الْيَوْمِ: وَلَقَدْ دَعَوْتَ طَرِيفُ دَعْوَةَ جَاهِلٍ غِرٍّ وَأَنْتَ بِمَنْظَرٍ لَا تُعْلَمُ وَأَتَيْتَ حَيًّا فِي الْحُرُوبِ مَحَلَّهُمْ وَالْجَيْشُ بِاسْمِ أَبِيهِمُ يَسْتَهْزِمُ فَوَجَدْتَهُمْ يَرْعَوْنَ حَوْلَ دِيَارِهِمْ بُسْلًا إِذَا حَامَ الْفَوَارِسُ أَقْدَمُوا وَإِذَا اعْتَزَوْا بِأَبِي رَبِيعَةَ أَقْبَلُوا بِكَتِيبَةٍ مِثْلَ النُّجُومِ تُلَمْلِمُ سَامُوكَ دِرْعَكَ وَالْأَغَرَّ كِلَيْهِمَا وَبَنُو أُسَيْدٍ أَسْلَمُوكَ وَخُصَّمُ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ يَرْثِي طَرِيفًا: لَا تَبْعُدَنْ يَا خَيْرَ عَمْرِو بْنِ جُنْدَبٍ لَعَمْرِي لَمَنْ زَارَ الْقُبُورَ لَيَبْعُدَا عَظِيمُ رَمَادِ النَّارِ لَا مُتَعَبِّسًا وَلَا مُؤْيِسًا مِنْهَا إِذَا هُوَ أَوْقَدَا وَمَا كَانَ وَقَّافًا إِذَا الْخَيْلُ أَحْجَمَتْ وَمَا كَانَ مِبْطَانًا إِذَا مَا تَجَرَّدَا
التاريخ 571لا حكم مسجّل
يَوْمُ الزُّوَيْرَيْنِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَتْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ قَدْ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ فَانْتَجَعُوا بِلَادَ تَمِيمٍ بَيْنَ الْيَمَامَةِ وَهَجَرَ، فَلَمَّا تَدَانَوْا جَعَلُوا لَا يَلْقَى بَكْرِيٌّ تَمِيمِيًّا إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَا يَلْقَى تَمِيمِيٌّ بَكْرِيًّا إِلَّا قَتَلَهُ، إِذَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَالَ الْآخَرِ أَخَذَهُ، حَتَّى تَفَاقَمَ الشَّرُّ وَعَظُمَ، فَخَرَجَ الْحَوْفَزَانُ بْنُ شَرِيكٍ وَالْوَادِكُ بْنُ الْحَارِثِ الشَّيْبَانِيَّانِ لِيُغِيرَا عَلَى بَنِي دَارِمٍ، فَاتَّفَقَ أَنَّ تَمِيمًا فِي تِلْكَ الْحَالِ اجْتَمَعَتْ عَلَى جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ عَمْرِو بْنِ حَنْظَلَةَ وَالرِّبَابِ وَسَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا وَسَارَتْ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَعَلَى تَمِيمٍ أَبُو الرَّئِيسِ الْحَنْظَلِيُّ. فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ فَتَقَدَّمُوا وَعَلَيْهِمُ الْأَصَمُّ عَمْرُو بْنُ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودٍ أَبُو مَفْرُوقٍ وَحَنْظَلَةُ بْنُ سَيَّارٍ الْعِجْلِيُّ وَحُمْرَانُ بْنُ عَمْرٍو الْعَبْسِيُّ، فَلَمَّا الْتَقَوْا جَعَلَتْ تَمِيمٌ وَالرِّبَابُ بَعِيرَيْنِ وَجَلَّلُوهُمَا، وَجَعَلُوا عِنْدَهُمَا مَنْ يَحْفَظُهُمَا، وَتَرَكُوهُمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ مَعْقُولَيْنِ وَسَمُّوهُمَا زُوَيْرَيْنِ، يَعْنِي إِلَهَيْنِ، وَقَالُوا: لَا نَفِرُّ حَتَّى يَفِرَّ هَذَانِ الْبَعِيرَانِ. فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَفْرُوقٍ الْبَعِيرَيْنِ سَأَلَ عَنْهُمَا فَأُعْلِمَ حَالَهُمَا، فَقَالَ: أَنَا زُوَيْرُكُمْ، وَبَرَكَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَقَالَ: قَاتِلُوا عَنِّي وَلَا تَفِرُّوا حَتَّى أَفِرَّ. فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَوَصَلَتْ شَيْبَانُ إِلَى الْبَعِيرَيْنِ فَأَخَذُوهُمَا فَذَبَحُوهُمَا وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ عَلَيْهِمَا، فَانْهَزَمَتْ تَمِيمٌ وَقُتِلَ أَبُو الرَّئِيسِ مُقَدِّمُهُمْ وَمَعَهُ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَاجْتَرَفَتْ بَكْرٌ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَسَرُوا أَسْرَى كَثِيرَةً، وَوَصَلَ الْحَوْفَزَانُ إِلَى النِّسَاءِ وَالْأَمْوَالِ وَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ سَالِمًا، وَقَالَ الْأَعْشَى فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: يَا سَلْمَ لَا تَسْأَلِي عَنَّا فَلًا كُشِفَتْ عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلَا سُودٌ مَقَارِيفُ نَحْنُ الَّذِينَ هَزَمْنَا يَوْمَ صَبَّحْنَا يَوْمَ الزُّوَيْرَيْنِ فِي جَمْعِ الْأَحَالِيفِ ظَلُّوا وَظَلَّتْ تَكِرُّ الْخَيْلُ وَسْطَهُمُ بِالشِّيبِ مِنَّا وَبِالْمُرْدِ الْغَطَارِيفِ تَسْتَأْنِسُ الشَّرَفَ الْأَعْلَى بِأَعْيُنِهَا لَمْحَ الصُّقُورِ عَلَتْ فَوْقَ الْأَظَالِيفِ انْسَلَّ عَنْهَا بِسَيْلِ الصَّيْفِ فَانْجَرَدَتْ تَحْتَ اللُّبُودِ مُتُونٌ كَالزَّحَالِيفِ وَقَدْ أَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، لَا سِيَّمَا الْأَغْلَبُ الْعِجْلِيُّ، فَمِنْ ذَلِكَ أُرْجُوزَتُهُ أَوَّلُهَا: إِنْ سَرَّكَ الْعِزُّ فَجَحْجِحْ بِجُشَمْ يَقُولُ فِيهَا: جَاءُوا بِزَوْرَيْهِمْ وَجِئْنَا بِالْأَصَمْ شَيْخٍ لَنَا كَاللَّيْثِ مِنْ بَاقِي إِرَمْ شَيْخٌ لَنَا مُعَاوِدٌ ضَرْبَ الْبُهُمْ يَضْرِبُ بِالسَّيْفِ إِذَا الرُّمْحُ انْقَصَمْ هَلْ غَيْرُ غَارٍ صَكَّ غَارًا فَانْهَزَمْ الْغَارَانِ: بَكْرٌ وَتَمِيمٌ. وَلَهُ الْأُرْجُوزَةُ الَّتِي أَوَّلُهَا: يَا رُبَّ حَرْبٍ ثَرَّةِ الْأَخْلَافِ يَذْكُرُ فِيهَا هَذَا الْيَوْمَ.
التاريخ 572لا حكم مسجّل
ذِكْرُ أَسْرِ حَاتِمِ طَيِّءٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَغَارَ حَاتِمُ طَيِّءٍ بِجَيْشٍ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ فَقَاتَلُوهُمْ، وَانْهَزَمَتْ طَيِّءٌ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَ فِي الْأَسْرَى حَاتِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّائِيُّ، فَبَقِيَ مُوثَقًا عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ عُنَيْزَةَ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْهُمُ اسْمُهَا عَالِيَةُ بِنَاقَةٍ فَقَالَتْ لَهُ: افْصِدْ هَذِهِ، فَنَحَرَهَا، فَلَمَّا رَأَتْهَا مَنْحُورَةً صَرَخَتْ، فَقَالَ حَاتِمٌ: عَالِيَ لَا تَلْتَدُّ مِنْ عَالِيَهْ إِنَّ الَّذِي أَهْلَكْتُ مِنْ مَالِيَهْ إِنَّ ابْنَ أَسْمَاءَ لَكُمْ ضَامِنٌ حَتَّى يُؤَدِّي آنِسٌ نَاوِيَهْ لَا أَفْصِدُ النَّاقَةَ فِي أَنْفِهَا لَكِنَّنِي أُوجِرُهَا الْعَالِيَهْ إِنِّي عَنِ الْفَصْدِ لَفِي مَفْخَرٍ يَكْرَهُ مِنِّي الْمِفْصَدُ الْآلِيَهْ وَالْخَيْلُ إِنَّ شَمَّصَ فُرْسَانُهَا تَذْكُرُ عِنْدَ الْمَوْتِ أَمْثَالِيَهْ وَقَالَ رُمَيْضٌ الْعَنَزِيُّ يَفْتَخِرُ: وَنَحْنُ أَسَرْنَا حَاتِمًا وَابْنَ ظَالِمٍ فَكُلٌّ ثَوَى فِي قَيْدِنَا وَهْوَ يَخْشَعُ وَكَعْبَ إِيَادٍ قَدْ أَسَرْنَا وَبَعْدَهُ أَسَرْنَا أَبَا حَسَّانَ وَالْخَيْلُ تَطْمَعُ وَرَيَّانَ غَادَرْنَا بِوَجٍّ كَأَنَّهُ وَأَشْيَاعَهُ فِيهَا صَرِيمٌ مُصَرَّعُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَنْصُورٍ الذُّهْلِيُّ قَصِيدَةً يَفْتَخِرُ بِأَيَّامِ قَوْمِهِ، وَهِيَ طَوِيلَةٌ، وَفِيهَا آدَابٌ حَسَنَةٌ، تَرَكْنَاهَا كَرَاهِيَةَ التَّطْوِيلِ، وَأَوَّلُهَا: أَمِنْ عِرْفَانَ مَنْزِلَةٌ وَدَارٌ تُعَاوِرُهَا الْبَوَارِحُ وَالسَّوَارِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَاءَ الْإِسْلَامُ وَلَيْسَ فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ أَعَزُّ دَارًا وَلَا أَمْنَعُ جَارًا وَلَا أَكْثَرُ حَلِيفًا مِنْ شَيْبَانَ. كَانَتْ عَنِينَةُ مِنْ لَخْمٍ فِي الْأَحْلَافِ، وَكَانَتْ دَرْمَكَةُ بْنُ كِنْدَةَ فِي بَنِي هِنْدٍ، وَكَانَتْ عِكْرِمَةُ مِنْ طَيِّءٍ، وَحَوْتَكَةُ مِنْ عُذْرَةَ وَبُنَانَةُ، كُلُّ هَؤُلَاءِ فِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ هَمَّامٍ، وَكَانَتْ عَائِذَةُ مِنْ قُرَيْشٍ، وَضَبَّةُ وَحَوَاسُ مِنْ كِنْدَةَ، هَؤُلَاءِ فِي بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَتْ سَلِيمَةُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ فِي بَنِي أَسْعَدَ بْنِ هَمَّامٍ، وَكَانَتْ وَثِيلَةُ مِنْ ثَعْلَبَةَ، وَبَنُو خَيْبَرِيٍّ مِنْ طَيٍّءٍ فِي بَنِي تَمِيمِ بْنِ شَيْبَانَ، وَكَانَتْ عَوْفُ بْنُ حَارِثٍ مِنْ كِنْدَةَ فِي بَنِي مُحَلَّمٍ. كُلُّ هَذِهِ قَبَائِلُ وَبُطُونٌ جَاوَرَتْ شَيْبَانَ فَعَزَّتْ بِهَا وَكَثُرَتْ.
التاريخ 573لا حكم مسجّل
يَوْمُ مُسْحُلَانَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَا رَبِيعَةُ بْنُ زِيَادٍ الْكَلْبِيُّ فِي جَيْشٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَلَقِيَ جَيْشًا لِبَنِي شَيْبَانَ عَامَّتُهُمْ بَنُو أَبِي رَبِيعَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَظَفِرَتْ بِهِمْ بَنُو شَيْبَانَ فَهَزَمُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَذَلِكَ يَوْمُ مُسْحُلَانَ، وَأَسَرُوا نَاسًا كَثِيرًا، وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ. وَكَانَ رَئِيسَ شَيْبَانَ هَؤُلَاءِ حَيَّانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ الْمُحَلَّمِيُّ، وَقِيلَ: كَانَ رَئِيسَهُمْ زِيَادُ بْنُ مَرْثَدٍ مِنْ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ: سَائِلْ رَبِيعَةَ حَيْثُ حَلَّ بِجَيْشِهِ مَعَ الْحَيِّ كَلْبٌ حَيْثُ لَبَّتْ فَوَارِسُهْ عَشِيَّةَ وَلَّى جَمْعُهُمْ فَتَتَابَعُوا فَصَارَ إِلَيْنَا نَهْبُهُ وَعَوَانِسُهْ ثُمَّ إِنَّ الرَّبِيعَ بْنَ زِيَادٍ الْكَلْبِيَّ نَافَرَ قَوْمَهُ وَحَارَبَهُمْ فَهَزَمُوهُ. فَاعْتَزَلَهُمْ وَسَارَ حَتَّى حَلَّ بِبَنِي شَيْبَانَ، فَاسْتَجَارَ بِرَجُلٍ اسْمُهُ زِيَادٌ مِنْ بَنِي أَبِي رَبِيعَةَ، فَقَتَلَهُ بَنُو أَسْعَدَ بْنِ هَمَّامٍ، ثُمَّ إِنَّ شَيْبَانَ حَمَلُوا دِيَتَهُ إِلَى كَلْبٍ مِائَتَيْ بَعِيرٍ فَرَضُوا.
التاريخ 574لا حكم مسجّل
حَرْبٌ لِسُلَيْمٍ وَشَيْبَانَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَ جَيْشٌ لِبَنِي سُلَيْمٍ عَلَيْهِمُ النَّصِيبُ السُّلَمِيُّ وَهُمْ يُرِيدُونَ الْغَارَةَ عَلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. فَلَقِيَهُمْ رَجُلٌ مِنْ شَيْبَانَ اسْمُهُ صُلَيْعُ بْنُ عَبْدِ غَنْمٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يُسَمَّى الْبَحْرَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ تَذْهَبُونَ ؟ قَالُوا: نُرِيدُ الْغَارَةَ عَلَى بَنِي شَيْبَانَ. فَقَالَ لَهُمْ: مَهْلًا فَإِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ، وَإِيَّاكُمْ وَبَنِي شَيْبَانَ، فَإِنِّي أُقْسِمُ لَكُمْ بِاللَّهِ لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ فَرَسٍ خَصِيٍّ سِوَى الْفُحُولِ وَالْإِنَاثِ. فَأَبَوْا إِلَّا الْغَارَةَ عَلَيْهِمْ، فَدَفَعَ صُلَيْعٌ فَرَسَهُ رَكْضًا حَتَّى أَتَى قَوْمَهُ فَأَنْذَرَهُمْ. فَرَكِبَتْ شَيْبَانُ وَاسْتَعَدُّوا، فَأَتَاهُمْ بَنُو سُلَيْمٍ وَهُمْ مُعَدُّونَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَظَفِرَتْ شَيْبَانُ وَانْهَزَمَتْ سُلَيْمٌ وَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ كَثِيرَةٌ، وَأُسِرَ النَّصِيبُ رَئِيسُهُمْ، أَسَرَهُ عِمْرَانُ بْنُ مُرَّةَ الشَّيْبَانِيُّ فَضَرَبَ رَقَبَتَهُ، فَقَالَ صُلَيْعٌ: نَهَيْتُ بَنِي زَعْلٍ غَدَاةَ لَقِيتُهُمْ وَجَيْشَ نَصِيبٍ وَالظُّنُونُ تُطَاعُ وَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ الْحَرِيبَ وَرَاكِسًا بِهِ نَعَمٌ تَرْعَى الْمُرَارَ رِتَاعُ وَلَكِنَّ فِيهِ الْمَوْتَ يَرْتَعُ سِرْبُهُ وَحُقَّ لَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا وَيُطَاعُوا مَتَّى تَأْتِهِ تَلْقَى عَلَى الْمَاءِ حَارِثًا وَجَيْشًا لَهُ يُوفِي بِكُلِّ بِقَاعِ
التاريخ 575لا حكم مسجّل
يَوْمُ جَدُودٍ وَهُوَ يَوْمٌ بَيْنَ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَبَنِي مِنْقَرٍ مِنْ تَمِيمٍ. وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ الْحَوْفَزَانَ، وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ شَرِيكٍ الشَّيْبَانِيُّ، كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي سَلِيطِ بْنِ يَرْبُوعٍ مُوَادَعَةٌ، فَهَمَّ بِالْغَدْرِ بِهِمْ وَجَمَعَ بَنِي شَيْبَانَ وَذُهْلًا وَاللَّهَازِمَ، وَعَلَيْهِمْ حُمْرَانُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ بِشْرِ بْنِ عَمْرٍو. ثُمَّ غَزَا وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يُصِيبَ غِرَّةً مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى بَنِي يَرْبُوعٍ نَذَرَ بِهِ عُتَيْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِهَابٍ فَنَادَى فِي قَوْمِهِ، فَحَالُوا بَيْنَ الْحَوْفَزَانِ وَبَيْنَ الْمَاءِ، فَقَالَ لِعُتْبَةَ: إِنِّي لَا أَرَى مَعَكَ إِلَّا رَهْطَكَ وَأَنَا فِي طَوَائِفَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، فَلَئِنْ ظَفِرْتُ بِكُمْ قَلَّ عَدَدُكُمْ وَطَمِعَ فِيكُمْ عَدُوُّكُمْ، وَلَئِنْ ظَفِرْتُمْ بِي مَا تَقْتُلُونَ إِلَّا أَقَاصِيَ عَشِيرَتِي، وَمَا إِيَّاكُمْ أَرَدْتُ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تُسَالِمُونَا وَتَأْخُذُوا مَا مَعَنَا مِنَ التَّمْرِ، وَوَاللَّهِ لَا نُرَوِّعُ يَرْبُوعًا أَبَدًا. فَأَخَذَ مَا مَعَهُمْ مِنَ التَّمْرِ وَخَلَّى سَبِيلَهُمْ. فَسَارَتْ بَكْرٌ حَتَّى أَغَارُوا عَلَى بَنِي رَبِيعِ بْنِ الْحَارِثِ، وَهُوَ مُقَاعِسٌ بِجَدُودٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ مُقَاعِسًا لِأَنَّهُ تَقَاعَسَ عَنْ حِلْفِ بَنِي سَعْدٍ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ خُلُوفٌ فَأَصَابَ سَبْيًا وَنَعَمًا، فَبَعَثَ بَنُو رَبِيعٍ صَرِيخَهُمْ إِلَى بَنِي كُلَيْبٍ، فَلَمْ يُجِيبُوهُمْ، فَأَتَى الصَّرِيخُ بَنِي مِنْقَرِ بْنِ عُبَيْدٍ فَرَكِبُوا فِي الطَّلَبِ فَلَحِقُوا بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَهُمْ مُقَاتِلُونَ، فَمَا شَعَرَ الْحَوْفَزَانُ وَهُوَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ إِلَّا بِالْأَهْتَمِ بْنِ سُمَيِّ بْنِ سِنَانٍ الْمِنْقَرِيِّ وَاقِفًا عَلَى رَأْسِهِ، فَرَكِبَ فَرَسَهُ، فَنَادَى الْأَهْتَمُ: يَا آلَ سَعْدٍ ! وَنَادَى الْحَوْفَزَانُ: يَا آلَ وَائِلٍ ! وَلَحِقَ بَنُو مِنْقَرٍ فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَهُزِمَتْ بَكْرٌ وَخَلَّوُا السَّبْيَ وَالْأَمْوَالَ، وَتَبِعَتْهُمْ مِنْقَرٌ، فَمِنْ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ، وَأَسَرَ الْأَهْتَمُ حُمْرَانَ بْنَ عَبْدِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَكُنْ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيِّ هِمَّةٌ إِلَّا الْحَوْفَزَانُ، فَتَبِعَهُ عَلَى مُهْرٍ، وَالْحَوْفَزَانِ عَلَى فَرَسٍ فَارِجٍ فَلَمْ يَلْحَقْهُ وَقَدْ قَارَبَهُ. فَلَمَّا خَافَ أَنْ يَفُوتَهُ حَفَزَهُ بِالرُّمْحِ فِي ظَهْرِهِ فَاحْتَفَزَ بِالطَّعْنَةِ وَنَجَا، فَسُمِّيَ يَوْمَئِذٍ الْحَوْفَزَانَ، وَقِيلَ غَيْرُ هَذَا. وَقَالَ الْأَهْتَمُ فِي أَسْرِهِ حُمْرَانَ: نِيطَتْ بِحُمْرَانَ الْمَنِيَّةُ بَعْدَمَا حَشَاهُ سِنَانٌ مِنْ شُرَاعَةَ أَزْرَقُ دَعَا يَالَ قَيْسٍ وَاعْتَزَيْتُ لِمِنْقَرٍ وَكُنْتُ إِذَا لَاقَيْتُ فِي الْخَيْلِ أَصْدُقُ وَقَالَ سَوَّارُ بْنُ حَيَّانَ الْمِنْقَرِيُّ يَفْتَخِرُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَكْرٍ: وَنَحْنُ حَفَزْنَا الْحَوْفَزَانَ بِطَعْنَةٍ كَسَتْهُ نَجِيعًا مِنْ دَمِ الْبَطْنِ أَشْكَلَا وَحُمْرَانُ قَسْرًا أَنْزَلَتْهُ رِمَاحُنَا فَعَالَجَ غُلًّا فِي ذِرَاعَيْهِ مُثْقَلَا فَيَا لَكِ مِنْ أَيَّامِ صِدْقٍ نَعُدُّهَا كَيَوْمِ جُوَاثَا وَالنُّبَاجِ وَنَيْتَلَا قَضَى اللَّهُ أَنَّا يَوْمَ تُقْتَسَمُ الْعُلَى أَحَقُّ بِهَا مِنْكُمْ فَأَعْطَى فَأَجْزَلَا فَلَسْتَ بِمُسْطِيعِ السَّمَاءِ وَلَمْ تَجِدْ لِعِزٍّ بِنَاهُ اللَّهُ فَوْقَكَ مَنْقَلَا ( مِنْقَرٌ: بِكَسْرِ الْمِيمِ، وَسُكُونِ النُّونِ، وَفَتْحِ الْقَافِ، وَرُبَيْعٌ: بِضَمِّ الرَّاءِ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ).
التاريخ 576لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْإِيَادِ، وَهُوَ يَوْمُ أُعْشَاشٍ وَيَوْمُ الْعُظَالَى وَإِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمَ الْعُظَالَى لِأَنَّ بِسْطَامَ بْنَ قَيْسٍ وَهَانِئَ بْنَ قَبِيصَةَ وَمَفْرُوقَ بْنَ عَمْرٍو تَعَاظَلُوا عَلَى الرِّيَاسَةِ، وَكَانَتْ بَكْرٌ تَحْتَ يَدِ كِسْرَى وَفَارِسَ، وَكَانُوا يُقِرُّونَهُمْ وَيُجَهِّزُونَهُمْ، فَأَقْبَلُوا مِنْ عِنْدِ عَامِلِ عَيْنِ التَّمْرِ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مُتَسَانِدِينَ، وَهُمْ يَتَوَقَّعُونَ انْحِدَارَ بَنِي يَرْبُوعٍ فِي الْحَزْنِ، فَاجْتَمَعَ بَنُو عُتَيْبَةَ وَبَنُو عُبَيْدٍ وَبَنُو زُبَيْدٍ فِي الْحَزْنِ. فَحَلَّتْ بَنُو زُبَيْدٍ الْحَدِيقَةَ، وَحَلَّتْ بَنُو عُتَيْبَةَ وَبَنُو عُبَيْدٍ رَوْضَةَ الثَّمَدِ، فَأَقْبَلَ جَيْشُ بَكْرٍ حَتَّى نَزَلُوا هَضَبَةَ الْخَصِيِّ، فَرَأَى بِسْطَامُ السَّوَادَ بِالْحَدِيقَةِ، وَثَمَّ غُلَامٌ عَرَفَهُ بِسْطَامٌ، وَكَانَ قَدْ عَرَفَ غِلْمَانَ بَنِي ثَعْلَبَةَ حِينَ أَسَرَهُ عُتْبَةُ. فَسَأَلَهُ بِسْطَامٌ عَنِ السَّوَادِ الَّذِي بِالْحَدِيقَةِ، فَقَالَ: هُمْ بَنُو زُبَيْدٍ. قَالَ: كَمْ هُمْ مِنْ بَيْتٍ ؟ قَالَ: خَمْسُونَ بَيْتًا. قَالَ: فَأَيْنَ بَنُو عُتَيْبَةَ وَبَنُو عُبَيْدٍ ؟ قَالَ: هُمْ بِرَوْضَةِ الثَّمَدِ وَسَائِرُ النَّاسِ بِخِفَافٍ، وَهُوَ مَوْضِعٌ. فَقَالَ بِسْطَامٌ: أَتُطِيعُونِي يَا بَنِي بَكْرٍ ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَرَى لَكُمْ أَنْ تَغْنَمُوا هَذَا الْحَيَّ الْمُتَفَرِّدَ بَنِي زُبَيْدٍ وَتَعُودُوا سَالِمِينَ. قَالُوا: وَمَا يُغْنِي بَنُو زُبَيْدٍ عَنَّا ؟ قَالَ: إِنَّ فِي السَّلَامَةِ إِحْدَى الْغَنِيمَتَيْنِ. قَالُوا: إِنَّ عُتَيْبَةَ بْنَ الْحَارِثِ قَدْ مَاتَ. وَقَالَ مَفْرُوقٌ: قَدِ انْتَفَخَ سَحْرُكَ يَا أَبَا الصَّهْبَاءِ ! وَقَالَ هَانِئٌ: اخْسَأْ ! فَقَالَ: إِنَّ أُسَيْدَ بْنَ جُبَاةَ لَا يُفَارِقُ فَرَسَهُ الشَّقْرَاءَ لَيْلًا وَنَهَارًا، فَإِذَا أَحَسَّ بِكُمْ رَكِبَهَا حَتَّى يُشْرِفَ عَلَى مُلَيْحَةَ فَيُنَادِي: يَا آلَ ثَعْلَبَةَ، فَيَلْقَاكُمْ طَعْنٌ يُنْسِيكُمُ الْغَنِيمَةَ، وَلَمْ يُبْصِرْ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَصْرَعَ صَاحِبِهِ، وَقَدْ عَصَيْتُمُونِي وَأَنَا تَابِعُكُمْ وَسَتَعْلَمُونَ. فَأَغَارُوا عَلَى بَنِي زُبَيْدٍ، وَأَقْبَلُوا نَحْوَ بَنِي عُتَيْبَةَ وَبَنِي عُبَيْدٍ، فَأَحَسَّتِ الشَّقْرَاءُ فَرَسُ أُسَيْدٍ بِوَقْعِ الْحَوَافِرِ فَنَخَسَتْ بِحَافِرِهَا، فَرَكِبَهَا أُسَيْدٌ وَتَوَجَّهَ نَحْوَ بَنِي يَرْبُوعٍ بِمُلَيْحَةَ وَنَادَى: يَا سُوءَ صَبَاحَاهُ ! يَا آلَ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ ! فَمَا ارْتَفَعَ الضُّحَى حَتَّى تَلَاحَقُوا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ شَيْبَانُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَتْ مِنْ تَمِيمٍ جَمَاعَةً مِنْ فُرْسَانِهِمْ، وَقُتِلَ مِنْ شَيْبَانَ أَيْضًا وَأُسِرَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: هَانِئُ بْنُ قَبِيصَةَ، فَفَدَى نَفْسَهُ وَنَجَا، فَقَالَ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ فِي هَذَا الْيَوْمِ: لَعَمْرِي لَنِعْمَ الْحَيُّ أَسْمَعُ غُدْوَةٌ أُسَيْدٌ وَقَدْ جَدَّ الصُّرَاخُ الْمُصَدِّقُ وَأَسْمَعُ فِتْيَانًا كَجِنَّةِ عَبْقَرٍ لَهُمْ رَيِّقٌ عِنْدَ الطِّعَانِ وَمَصْدَقُ أَخَذْنَ بِهِمْ جَنْبَيْ أُفَاقٍ وَبَطْنَهَا فَمَا رَجَعُوا حَتَّى أَرَقُّوا وَأَعْتَقُوا وَقَالَ الْعَوَّامُّ فِي هَذَا الْيَوْمِ: قَبَّحَ الْإِلَهُ عِصَابَةً مِنْ وَائِلٍ يَوْمَ الْأُفَاقَةِ أَسْلَمُوا بِسْطَامَا وَرَأَى أَبُو الصَّهْبَاءِ دُونَ سَوَامِهِمْ طَعْنًا يُسَلِّي نَفْسَهُ وَزِحَامَا كُنْتُمْ أُسُودًا فِي الْوَغَى فَوُجِدْتُمُ يَوْمَ الْأُفَاقَةِ فِي الْغَبِيطِ نَعَامَا وَأَكْثَرَ الْعَوَّامُ الشِّعْرَ فِي هَذَا الْيَوْمِ. فَلَمَّا أَلَحَّ فِيهِ أَخَذَ بِسْطَامٌ إِبِلَهُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: أَرَى كُلَّ ذِي شِعْرٍ أَصَابَ بِشِعْرِهِ خَلَا أَنَّ عَوَّامَا بِمَا قَالَ عَيَّلَا فَلَا يَنْطِقْنَ شِعْرًا يَكُونُ جَوَازُهُ كَمَا شَعْرِ عَوَّامٍ أَعَامَ وَأَرْجَلَا
التاريخ 577لا حكم مسجّل
يَوْمُ الشَّقِيقَةِ وَقَتْلِ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ هَذَا يَوْمٌ بَيْنَ شَيْبَانَ وَضَبَّةَ بْنِ أُدٍّ، قُتِلَ فِيهِ بِسْطَامُ بْنُ قَيْسٍ سَيِّدُ شَيْبَانَ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّ بِسْطَامَ بْنَ قَيْسِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ذِي الْجَدَّيْنِ غَزَا بَنِي ضَبَّةَ، وَمَعَهُ أَخُوهُ السَّلِيلُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَعَهُ رَجُلٌ يَزْجُرُ الطَّيْرَ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ يُسَمَّى نُقَيْدًا. فَلَمَّا كَانَ بِسْطَامٌ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنَّ آتِيًا أَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ: الدَّلْوُ تَأْتِي الْغَرَبَ الْمُزِلَّهْ، فَقَصَّ رُؤْيَاهُ عَلَى نُقَيْدٍ، فَتَطَيَّرَ وَقَالَ: أَلَا قُلْتَ: ثُمَّ تَعُودُ بَادِيًا مُبْتَلَّهْ، فَتُفَرِّطُ عَنْكَ النُّحُوسَ. وَمَضَى بِسْطَامٌ عَلَى وَجْهِهِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْ نَقًا يُقَالُ لَهُ الْحَسَنُ فِي بِلَادِ ضَبَّةَ صَعِدَهُ لِيَرَى، فَإِذَا هُوَ بِنَعَمٍ قَدْ مَلَأَ الْأَرْضَ، فِيهِ أَلْفُ نَاقَةٍ لِمَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الضَّبِّيِّ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ضَبَّةَ قَدْ فَقَأَ عَيْنَ فَحْلِهَا. وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، إِذَا بَلَغَتْ إِبِلُ أَحَدِهِمْ أَلْفَ بَعِيرٍ فَقَأُوا عَيْنَ فَحْلِهَا لِتُرَدَّ عَنْهَا الْعَيْنُ، وَهِيَ إِبِلٌ مُرْتَبِعَةٌ، وَمَالِكُ بْنُ الْمُنْتَفِقِ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ لَهُ جَوَادٍ. فَلَمَّا أَشْرَفَ بِسْطَامٌ عَلَى النَّقَا تَخَوَّفَ أَنْ يَرَوْهُ فَيُنْذَرُوا بِهِ فَاضْطَجَعَ وَتَدَهْدَى حَتَّى بَلَغَ الْأَرْضَ وَقَالَ: يَا بَنِي شَيْبَانَ لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ قَطُّ فِي الْغِرَّةِ وَكَثْرَةِ النَّعَمِ. وَنَظَرَ نُقَيْدٌ إِلَى لِحْيَةِ بِسْطَامٍ مُعَفَّرَةً بِالتُّرَابِ لَمَّا تَدَهْدَى فَتَطَيَّرَ لَهُ أَيْضًا وَقَالَ: إِنْ صَدَقَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يُقْتَلُ، وَعَزَمَ الْأَسَدِيُّ عَلَى فِرَاقِهِ، فَأَخَذَتْهُ رِعْدَةٌ تَهَيُّبًا لِفِرَاقِهِ وَالِانْصِرَافِ عَنْهُ وَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ يَا أَبَا الصَّهْبَاءِ، فَإِنِّي أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ، فَعَصَاهُ فَفَارَقَهُ نُقَيْدٌ. وَرَكِبَ بِسْطَامٌ وَأَصْحَابُهُ وَأَغَارُوا عَلَى الْإِبِلِ وَاطَّرَدُوهَا، وَفِيهَا فَحْلٌ لِمَالِكٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو شَاعِرٍ، وَكَانَ أَعْوَرَ، فَنَجَا مَالِكٌ عَلَى فَرَسِهِ إِلَى قَوْمِهِ مِنْ ضَبَّةَ حَتَّى إِذَا أَشْرَفَ عَلَى تَعْشَارٍ نَادَى: يَا صَبَاحَاهُ ! وَعَادَ رَاجِعًا. وَأَدْرَكَ الْفَوَارِسُ الْقَوْمَ وَهُمْ يَطَّرِدُونَ النَّعَمَ، فَجَعَلَ فَحْلُهُ أَبُو شَاعِرٍ يَشِذُّ مِنَ النَّعَمِ لِيَرْجِعَ وَتَتْبَعُهُ الْإِبِلُ، فَكُلَّمَا تَبِعَتْهُ نَاقَةٌ عَقَرَهَا بِسْطَامٌ. فَلَمَّا رَأَى مَالِكٌ مَا يَصْنَعُ بِسْطَامٌ وَأَصْحَابُهُ قَالَ: مَا ذَا السَّفَهُ يَا بِسْطَامُ ؟ لَا تَعْقِرْهَا فَإِمَّا لَنَا وَإِمَّا لَكَ. فَأَبَى بِسْطَامٌ، وَكَانَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ عَلَى فَرَسٍ أَدْهَمٍ يُقَالُ لَهُ الزَّعْفَرَانُ يَحْمِي أَصْحَابَهُ، فَلَمَّا لَحِقَتْ خَيْلُ ضَبَّةَ قَالَ لَهُمْ مَالِكٌ: ارْمُوا رَوَايَا الْقَوْمِ. فَجَعَلُوا يَرْمُونَهَا فَيَشُقُّونَهَا. فَلَحِقَتْ بَنُو ثَعْلَبَةَ وَفِي أَوَائِلِهِمْ عَاصِمُ بْنُ خَلِيفَةَ الصَّبَاحِيُّ، وَكَانَ ضَعِيفَ الْعَقْلِ، وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُعَقِّبُ قَنَاةً لَهُ فَيُقَالُ لَهُ: مَا تَصْنَعُ بِهَا يَا عَاصِمُ ؟ فَيَقُولُ: أَقْتُلُ عَلَيْهَا بِسْطَامًا، فَيَهْزَأُونَ مِنْهُ. فَلَمَّا جَاءَ الصَّرِيخُ رَكِبَ فَرَسَ أَخِيهِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ وَلَحِقَ الْخَيْلَ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ ضَبَّةَ: أَيُّهُمُ الرَّئِيسُ ؟ قَالَ: صَاحِبُ الْفَرَسِ الْأَدْهَمِ. فَعَارَضَهُ عَاصِمٌ حَتَّى حَاذَاهُ، ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِ فَطَعَنَهُ بِالرُّمْحِ فِي صِمَاخِ أُذُنِهِ أَنْفَذَ الطَّعْنَةَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَخَرَّ بِسْطَامٌ عَلَى شَجَرَةٍ يُقَالُ لَهَا الْأَلَاءَةُ. فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ شَيْبَانُ خَلُّوا سَبِيلَ النَّعَمِ وَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ، فَمِنْ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ. وَأَسَرَ بَنُو ثَعْلَبَةَ نِجَادَ بْنَ قَيْسٍ أَخَا بِسْطَامٍ فِي سَبْعِينَ مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَنَمَةَ الضَّبِّيُّ مُجَاوِرًا فِي شَيْبَانَ، فَخَافَ أَنْ يُقْتَلَ فَقَالَ يَرْثِي بِسْطَامًا: لِأُمِّ الْأَرْضِ وَيْلٌ مَا أَجَنَّتْ غَدَاةَ أَضَرَّ بِالْحَسَنِ السَّبِيلُ يُقَسِّمُ مَالَهُ فِينَا وَنَدْعُو أَبَا الصَّهْبَاءِ إِذْ جَنَحَ الْأَصِيلُ أَجِدَّكِ لَنْ تَرَيْهِ وَلَنْ نَرَاهُ تَخِبُّ بِهِ عَذَافِرَةٌ ذَمُولُ حَقِيبَةُ بَطْنِهَا بَدَنٌ وَسِرْجٌ تُعَارِضُهَا مُزَبِّبَةٌ زَؤُولُ إِلَى مِيعَادِ أَرْعَنَ مُكْفَهِرٍّ تُضَمَّرُ فِي جَوَانِبِهِ الْخُيُولُ لَكَ الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا وَحُكْمُكَ وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ لَقَدْ صُمَّتْ بَنُو زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَلَا يُوفِي بِبِسْطَامٍ قَتِيلُ فَخَرَّ عَلَى الْأَلَاءَةِ لَمْ يُوَسَّدْ كَأَنَّ جَبِينَهُ سَيْفٌ صَقِيلُ فَإِنْ يَجْزَعْ عَلَيْهِ بَنُو أَبِيهِ فَقَدْ فُجِعُوا وَفَاتَهُمُ جَلِيلُ بِمِطْعَامٍ إِذَا الْأَشْوَالُ رَاحَتْ إِلَى الْحَجَرَاتِ لَيْسَ لَهَا فَصِيلُ فَلَمْ يَبْقَ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ بَيْتٌ إِلَّا وَأُلْقِيَ لِقَتْلِهِ لِعُلُوِّ مَحَلِّهِ، وَقَالَ شَمْعَلَةُ بْنُ الْأَخْضَرِ بْنِ هُبَيْرَةَ الضَّبِّيُّ يَذْكُرُهُ: فَيَوْمُ شَقِيقَةِ الْحَسَنَيْنِ لَاقَتْ بَنُو شَيْبَانَ آجَالًا قِصَارَا شَكَكْنَا بِالرِّمَاحِ، وَهُنَّ زُورٌ صِمَاخَيْ كَبْشِهِمْ حَتَّى اسْتَدَارَا وَأَوْجَرْنَاهُ أَسْمَرَ ذَا كُعُوبٍ يُشَبِّهُ طُولَهُ مَسَدًا مُغَارَا الشَّقِيقَةُ: أَرْضٌ صَلْبَةٌ بَيْنَ جَبَلَيْ رَمْلٍ. وَالْحَسَنَانِ: نَقَوَا رَمْلٍ كَانَتِ الْوَقْعَةُ عِنْدَهُمَا. وَقَالَتْ أُمُّ بِسْطَامِ بْنِ قَيْسٍ تَرِثِيهِ: لِيَبْكِ ابْنَ ذِي الْجَدَّيْنِ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ فَقَدْ بَانَ مِنْهَا زَيْنُهَا وَجَمَالُهَا إِذَا مَا غَدَا فِيهِمْ غَدَوْا وَكَأَنَّهُمْ نُجُومُ سَمَاءٍ بَيْنَهُنَّ هِلَالُهَا فَلِلَّهِ عَيْنَا مَنْ رَأَى مِثْلَهُ فَتًى إِذَا الْخَيْلُ يَوْمَ الرَّوْعِ هَبَّ نِزَالُهَا عَزِيزُ الْمَكَرِّ لَا يُهَدُّ جَنَاحُهُ وَلَيْثٌ إِذَا الْفِتْيَانُ زَلَّتْ نِعَالُهَا وَحَمَّالُ أَثْقَالٍ وَعَائِدُ مَحْجَرٍ تَحُلُّ إِلَيْهِ كُلُّ ذَاكَ رِحَالُهَا سَيَبْكِيكَ عَانٍ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَفُكُّهُ وَيَبْكِيكَ فُرْسَانُ الْوَغَى وَرِجَالُهَا وَتَبْكِيكَ أَسْرَى طَالَمَا قَدْ فَكَكْتَهُمْ وَأَرْمَلَةٌ ضَاعَتْ وَضَاعَ عِيَالُهَا مُفَرِّجُ حُومَاتِ الْخُطُوبِ وَمُدْرِكُ الْ حُرُوبِ إِذَا صَالَتْ وَعَزَّ صِيَالُهَا تَغَشَّى بِهَا حِينًا كَذَاكَ فَفَجَّعَتْ تَمِيمٌ بِهِ أَرْمَاحُهَا وَنِبَالُهَا فَقَدْ ظَفِرَتْ مِنَّا تَمِيمٌ بَعْثَرَةٍ وَتِلْكَ لَعَمْرِي عَثْرَةٌ لَا تُقَالُهَا أُصِيبَتْ بِهِ شَيْبَانُ وَالْحَيُّ يَشْكُرُ وَطَيْرٌ يُرَى إِرْسَالُهَا وَحِبَالُهَا ( عَنَمَةٌ: بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالنُّونِ ).
التاريخ 578لا حكم مسجّل
يَوْمُ النِّسَارِ النِّسَارُ: أَجْبُلٌ مُتَجَاوِرَةٌ، وَعِنْدَهَا كَانَتِ الْوَقْعَةُ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ بَنِي تَمِيمِ بْنِ مُرِّ بْنِ أُدٍّ كَانُوا يَأْكُلُونَ عُمُومَتَهُمْ ضَبَّةَ بْنَ أُدٍّ وَبَنِي عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ، فَأَصَابَتْ ضَبَّةُ رَهْطًا مِنْ تَمِيمٍ. فَطَلَبَتْهُمْ تَمِيمٌ فَانْزَاحَتْ جَمَاعَةُ الرِّبَابِ، وَهُمْ تَيْمٌ، وَعَدِيٌّ، وَثَوْرُ أَطْحَلَ، وَعُكْلٌ بَنُو عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ وَضَبَّةَ بْنِ أُدٍّ، وَإِنَّمَا سُمُّوا الرِّبَابَ لِأَنَّهُمْ غَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِي الرُّبِّ حِينَ تَحَالَفُوا، فَلَحِقَتْ بِبَنِي أَسَدٍ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ حُلَفَاءٌ لِبَنِي ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضٍ. فَنَادَى صَارِخُ بْنُ ضَبَّةَ: يَا آلَ خِنْدِفٍ ! فَأَصْرَخَتْهُمْ بَنُو أَسَدٍ، وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ تَخَنْدَفَتْ فِيهِ ضَبَّةُ وَاسْتَمَدُّوا حَلِيفَهُمْ طَيِّئًا وَغَطَفَانَ، فَكَانَ رَئِيسَ أَسَدٍ يَوْمَ النِّسَارِ عَوْفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ قَعِينٍ، وَقِيلَ: خَالِدُ بْنُ نَضْلَةَ، وَكَانَ رَئِيسَ الرِّبَابِ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَخُو النُّعْمَانِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، وَكَانَ عَلَى الْجَمَاعَةِ كُلِّهِمْ حِصْنُ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَفِيهِ يَقُولُ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى: وَمَنْ مِثْلُ حِصْنٍ فِي الْحُرُوبِ وَمِثْلُهُ لِإِنْدَادِ ضَيْمٍ أَوْ لِأَمْرٍ يُحَاوِلُهْ إِذَا حَلَّ أَحْيَاءُ الْأَحَالِيفِ حَوْلَهُ بِذِي نَجَبٍ لَجَّاتُهُ وَصَوَاهِلُهْ فَلَمَّا بَلَغَ بَنِي تَمِيمٍ ذَلِكَ اسْتَمَدُّوا بَنِي عَامِرٍ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَأَمَدُّوهُمْ. وَكَانَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ صَعْصَعَةَ جَوَّابًا، وَهُوَ لَقَبُ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ مِنْ بَنِي أَبِي بَكْرِ بْنِ كِلَابٍ، لِأَنَّ بَنِي جَعْفَرٍ كَانَ جَوَّابُ قَدْ أَخْرَجَهُمْ إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَحَالَفُوهُمْ، وَقِيلَ: كَانَ رَئِيسَ عَامِرٍ شُرَيْحُ بْنُ مَالِكٍ الْقُشَيْرِيُّ. وَسَارَ الْجَمْعَانِ فَالْتَقَوْا بِالنِّسَارِ وَاقْتَتَلُوا، فَصَبَرَتْ عَامِرٌ وَاسْتَحَرَّ بِهِمُ الْقَتْلُ، وَانْفَضَّتْ تَمِيمٌ فَنَجَتْ وَلَمْ يُصَبْ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَقُتِلَ شُرَيْحٌ الْقُشَيْرِيُّ رَأْسُ بَنِي عَامِرٍ، وَقُتِلَ عُبَيْدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِلَابٍ وَغَيْرُهُمَا، وَأَخَذَ عِدَّةً مِنْ أَشْرَافِ نِسَاءِ بَنِي عَامِرٍ، مِنْهُنَّ سَلْمَى بِنْتُ الْمُخَلَّفِ، وَالْعَنْقَاءُ بِنْتُ هَمَّامٍ وَغَيْرُهُمَا، فَقَالَتْ سَلْمَى تُعَيِّرُ جَوَّابًا وَالطُّفَيْلَ: لَحَى الْإِلَهُ أَبَا لَيْلَى بِفَرَّتِهِ يَوْمَ النِّسَارِ وَقُنْبُ الْعِيرِ جَوَّابَا كَيْفَ الْفَخَارُ وَقَدْ كَانَتْ بِمُعْتَرَكٍ يَوْمَ النِّسَارِ بَنُو ذُبْيَانَ أَرْبَابَا لَمْ تَمْنَعُوا الْقَوْمَ إِنْ أَشْلَوْا سَوَامَكُمُ وَلَا النِّسَاءَ وَكَانَ الْقَوْمُ أَحْرَابَا وَقَالَ رَجُلٌ يُعَيِّرُ جَوَّابًا وَالطُّفَيْلَ بِفِرَارِهِ عَنِ امْرَأَتَيْهِ: وَفَّرَ عَنْ ضَرَّتَيْهِ وَجْهُ خَارِئَةٍ وَمَالِكٌ فَرَّ قُنْبُ الْعِيرِ جَوَّابُ وَالْقُنْبُ: غِلَافُ الذَّكَرِ، وَجَوَّابٌ لَقَبٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوبُ الْآثَارَ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ. وَقَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ فِي هَزِيمَةِ حَاجِبٍ: وَأَفْلَتَ حَاجِبٌ جَوْبَ الْعَوَالِي عَلَى شَقْرَاءَ تَلْمَعُ فِي السَّرَابِ وَلَوْ أَدْرَكْنَ رَأْسَ بَنِي تَمِيمٍ عَفَرْنَ الْوَجْهَ مِنْهُ بِالتُّرَابِ وَكَانَ يَوْمُ النِّسَارِ بَعْدَ يَوْمِ جَبَلَةَ وَقَتْلِ لَقِيطِ بْنِ زُرَارَةَ. ( جَوَّابٌ: بِفَتْحِ الْجِيمِ، وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ، وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ، وَخَازِمٌ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالزَّايِ ).
التاريخ 579لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْجِفَارِ لَمَّا كَانَ رَأْسُ الْحَوْلِ مِنْ يَوْمِ النِّسَارِ اجْتَمَعَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ كَانَ شَهِدَ النِّسَارَ، وَكَانَ رُؤَسَاؤُهُمْ بِالْجِفَارِ الرُّؤَسَاءَ الَّذِينَ كَانُوا يَوْمَ النِّسَارِ، إِلَّا أَنَّ بَنِي عَامِرٍ قِيلَ كَانَ رَئِيسَهُمْ بِالْجِفَارِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ، فَالْتَقَوْا بِالْجِفَارِ وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَتْ تَمِيمٌ، فَعَظُمَ فِيهَا الْقَتْلُ وَخَاصَّةً فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَكَانَ يَوْمُ الْجِفَارِ يُسَمَّى الصَّيْلَمَ لِكَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ بِهِ، وَقَالَ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ فِي عُصْبَةِ تَمِيمٍ لِبَنِي عَامِرٍ: غَضِبَتْ تَمِيمٌ أَنْ يُقَتَّلَ عَامِرٌ يَوْمَ النِّسَارِ فَأَعْقَبُوا بِالصَّيْلَمِ كُنَّا إِذَا نَفَرُوا لِحَرْبٍ نَفْرَةً نَشْفِي صُدَاعَهُمْ بِرَأْسٍ صِلْدِمِ نَعْلُو الْفَوَارِسَ بِالسُّيُوفِ وَنَعْتَزِي وَالْخَيْلُ مُشْعَلَةُ النُّحُورِ مِنَ الدَّمِ يَخْرُجْنَ مِنْ خَلَلِ الْغُبَارِ عَوَابِسًا خَبَبَ السِّبَاعِ بِكُلِّ لَيْثٍ ضَيْغَمِ وَهِيَ عِدَّةُ أَبْيَاتٍ، وَقَالَ أَيْضًا:. يَوْمُ الْجِفَارِ وَيَوْمُ النِّسَا رِ كَانَا عَذَابًا وَكَانَا غَرَامَا فَأَمَّا تَمِيمٌ تَمِيمُ بْنُ مُرٍّ فَأَلْفَاهُمُ الْقَوْمُ رَوْبَى نِيَامَا وَأَمَّا بَنُو عَامِرٍ بِالْجِفَارِ وَيَوْمِ النِّسَارِ فَكَانُوا نَعَامَا فَلَمَّا أَكْثَرَ بِشْرٌ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ، قِيلَ لَهُ: مَا لَكَ وَلِتَمِيمٍ وَهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ مِنْكَ أَرْحَامًا ؟ فَقَالَ: إِذَا فَرَغْتُ مِنْهُمْ فَرَغْتُ مِنَ النَّاسِ وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ.
التاريخ 580لا حكم مسجّل
يَوْمُ الصَّفْقَةِ وَالْكُلَابِ الثَّانِي أَمَّا يَوْمُ الصَّفْقَةِ وَسَبَبُهُ فَإِنَّ بَاذَانَ، نَائِبَ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ بْنِ هُرْمُزَ بِالْيَمَنِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ حَمْلًا مِنَ الْيَمَنِ. فَلَمَّا بَلَغَ الْحَمْلُ إِلَى نِطَاعٍ مِنْ أَرْضِ نَجْدٍ أَغَارَتْ تَمِيمٌ عَلَيْهِ وَانْتَهَبُوهُ وَسَلَبُوا رُسُلَ كِسْرَى وَأَسَاوِرَتَهُ. فَقَدِمُوا عَلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَنَفِيِّ صَاحِبِ الْيَمَامَةِ مَسْلُوبِينَ، فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ وَكَسَاهُمْ. وَقَدْ كَانَ قَبْلَ هَذَا إِذَا أَرْسَلَ كِسْرَى لَطِيمَةً تُبَاعُ بِالْيَمَنِ يُجَهِّزُ رُسُلَهُ وَيُخْفِرُهُمْ وَيُحْسِنُ جِوَارَهُمْ، وَكَانَ كِسْرَى يَشْتَهِي أَنْ يَرَاهُ لِيُجَازِيَهُ عَلَى فِعْلِهِ. فَلَمَّا أَحْسَنَ أَخِيرًا إِلَى هَؤُلَاءِ الرُّسُلِ الَّذِينَ أَخَذَتْهُمْ تَمِيمٌ قَالُوا لَهُ: إِنَّ الْمَلِكَ لَا يَزَالُ يَذْكُرُكَ وَيُؤْثِرُ أَنْ تَقْدُمَ عَلَيْهِ، فَسَارَ مَعَهُمْ إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ أَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ يُحَادِثُهُ لِيَنْظُرَ عَقْلَهُ، فَرَأَى مَا سَرَّهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَتَوَّجَهُ بِتَاجٍ مِنْ تِيجَانِهِ وَأَقْطَعَهُ أَمْوَالًا بِهَجَرَ. وَكَانَ هَوْذَةُ نَصْرَانِيًّا، وَأَمَرَهُ كِسْرَى أَنْ يَغْزُوَ هُوَ وَالْمُكَعْبِرُ مَعَ عَسَاكِرِ كِسْرَى بَنِي تَمِيمٍ، فَسَارُوا إِلَى هَجَرَ وَنَزَلُوا بِالْمُشَقَّرِ. وَخَافَ الْمُكَعْبِرُ وَهَوْذَةُ أَنْ يَدْخُلَا بِلَادَ تَمِيمٍ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُهَا الْعَجَمُ وَأَهْلُهَا بِهَا مُمْتَنِعُونَ، فَبَعَثَا رِجَالًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْمِيرَةِ، وَكَانَتْ شَدِيدَةً، فَأَقْبَلُوا عَلَى كُلِّ صَعْبٍ وَذَلُولٍ، فَجَعَلَ الْمُكَعْبِرُ يُدْخِلُهُمُ الْحِصْنَ خَمْسَةً خَمْسَةً وَعَشَرَةً عَشَرَةً وَأَقَلَّ وَأَكْثَرَ، يُدْخِلُهُمْ مِنْ بَابٍ عَلَى أَنْ يُخْرِجَهُمْ مِنْ آخَرَ، فَكُلُّ مَنْ دَخَلَ ضُرِبَ عُنُقُهُ. فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمْ وَرَأَوْا أَنَّ النَّاسَ يَدْخُلُونَ وَلَا يَخْرُجُونَ بَعَثُوا رِجَالًا يَسْتَعْلِمُونَ الْخَبَرَ، فَشَدَّ رَجُلٌ مِنْ عَبْسٍ فَضَرَبَ السِّلْسِلَةَ فَقَطَعَهَا وَخَرَجَ مَنْ كَانَ بِالْبَابِ. فَأَمَرَ الْمُكَعْبِرُ بِغَلْقِ الْبَابِ وَقَتْلِ كُلِّ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْفِصْحِ، فَاسْتَوْهَبَ هَوْذَةُ مِنْهُ مِائَةَ رَجُلٍ فَكَسَاهُمْ وَأَطْلَقَهُمْ يَوْمَ الْفِصْحِ. فَقَالَ الْأَعْشَى مِنْ قَصِيدَةٍ يَمْدَحُ هَوْذَةَ: بِهِمْ يُقَرِّبُ يَوْمَ الْفِصْحِ ضَاحِيَةً يَرْجُو الْإِلَهَ بِمَا أَسْدَى وَمَا صَنَعَا فَصَارَ يَوْمُ الْمُشَقَّرِ مَثَلًا، وَهُوَ يَوْمُ الصَّفْقَةِ إِصْفَاقِ الْبَابِ، وَهُوَ إِغْلَاقُهُ. وَكَانَ يَوْمُ الصَّفْقَةِ وَقَدْ بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ بَعْدُ لَمْ يُهَاجِرْ. وَأَمَّا يَوْمُ الْكُلَابِ الثَّانِي فَإِنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَدِمَ أَرْضَ نَجْرَانَ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَهُمْ أَخْوَالُهُ، فَسَأَلُوهُ عَنِ النَّاسِ خَلْفَهُ فَحَدَّثَهُمْ أَنَّهُ أُصْفِقَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ بَابُ الْمُشَقَّرِ، وَقُتِلَتِ الْمُقَاتِلَةُ وَبَقِيَتْ أَمْوَالُهُمْ وَذَرَارِيهِمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ لَا مَانِعَ لَهَا. فَاجْتَمَعَتْ بَنُو الْحَارِثِ فِي مَذْحِجٍ، وَأَحْلَافِهَا مِنْ نَهْدٍ وَجَرْمِ بْنِ رَبَّانَ، فَاجْتَمَعُوا فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ بَلَغُوا ثَمَانِيَةَ آلَافٍ، وَلَا يُعْلَمُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَيْشٌ أَكْثَرُ مِنْهُ وَمِنْ جَيْشِ كِسْرَى بِذِي قَارٍ وَمِنْ يَوْمِ جَبَلَةَ، وَسَارُوا يُرِيدُونَ بَنِي تَمِيمٍ، فَحَذَّرَهُمْ كَاهِنٌ كَانَ مَعَ بَنِي الْحَارِثِ وَاسْمُهُ سَلَمَةُ بْنُ الْمُغَفَّلِ وَقَالَ: إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ أَعْيَانًا، وَتَغْزُونَ أَحْيَانًا، سَعْدًا وَرَيَّانًا، وَتَرِدُونَ مِيَاهَهَا جِيَابًا، فَتَلْقُونَ عَلَيْهَا ضِرَابًا، وَتَكُونُ غَنِيمَتُكُمْ تُرَابًا، فَأَطِيعُوا أَمْرِي وَلَا تَغْزُوا تَمِيمًا. فَعَصَوْهُ وَسَارُوا إِلَى عُرْوَةَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ تَمِيمًا. فَاجْتَمَعَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ إِلَى أَكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِائَةٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا جِيدَةَ حَقِّقْ هَذَا الْأَمْرَ فَإِنَّا قَدْ رَضِينَاكَ رَئِيسًا. فَقَالَ لَهُمْ: وَإِنَّ امْرَأً قَدْ عَاشَ تِسْعِينَ حَجَّةً إِلَى مِائَةٍ لَمْ يَسْأَمِ الْعَيْشَ جَاهِلٌ مَضَتْ مِائَتَانِ غَيْرَ عَشْرٍ وَفَاؤُهَا وَذَلِكَ مِنْ عَدِّ اللَّيَالِي قَلَائِلُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: لَا حَاجَةَ لِي فِي الرِّيَاسَةِ وَلَكِنِّي أُشِيرُ عَلَيْكُمْ لِيَنْزِلْ حَنْظَلَةُ بْنُ مَالِكٍ بِالدَّهْنَاءِ، وَلْيَنْزِلْ سَعْدُ بْنُ زَيْدِ مَنَاةَ وَالرِّبَابُ، وَهُمْ ضَبَّةُ بْنُ أُدٍّ وَثَوْرٌ وَعُكْلٌ وَعَدِيٌّ بَنُو عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ: الْكُلَابَ، فَأَيَّ الطَّرِيقَيْنِ أَخَذَ الْقَوْمُ كَفَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: احْفَظُوا وَصِيَّتِي لَا تُحْضِرُوا النِّسَاءَ الصُّفُوفَ فَإِنَّ نَجَاةَ اللَّئِيمِ فِي نَفْسِهِ تَرْكُ الْحَرِيمِ، وَأَقِلُّوا الْخِلَافَ عَلَى أُمَرَائِكُمْ، وَدَعُوا كَثْرَةَ الصِّيَاحِ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّهُ مِنَ الْفَشَلِ، وَالْمَرْءُ يَعْجِزُ لَا مَحَالَةَ، فَإِنَّ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ، وَأَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى، كُونُوا جَمِيعًا فِي الرَّأْيِ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ مُعَزِّزٌ لِلْجَمِيعِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْخِلَافَ فَإِنَّهُ لَا جَمَاعَةَ لِمَنِ اخْتَلَفَ، وَلَا تَلْبَثُوا وَلَا تُسْرِعُوا فَإِنَّ أَحْزَمَ الْفَرِيقَيْنِ الرَّكِينُ، وَرُبَّ عَجَلَةٍ تَهَبُ رَيْثًا، وَإِذَا عَزَّ أَخُوكَ فَهُنْ، الْبَسُوا جُلُودَ النُّمُورِ وَابْرُزُوا لِلْحَرْبِ، وَادَّرِعُوا اللَّيْلَ وَاتَّخِذُوهُ جَمَلًا، فَإِنَّ اللَّيْلَ أَخْفَى لِلْوَيْلِ، وَالثَّبَاتُ أَفْضَلُ مِنَ الْقُوَّةِ، وَأَهْنَأُ الظَّفَرِ كَثْرَةُ الْأَسْرَى، وَخَيْرُ الْغَنِيمَةِ الْمَالُ، وَلَا تَرْهَبُوا الْمَوْتَ عِنْدَ الْحَرْبِ، فَإِنَّ الْمَوْتَ مِنْ وَرَائِكُمْ، وَحُبُّ الْحَيَاةِ لَدَى الْحَرْبِ زَلَلٌ، وَمِنْ خَيْرِ أُمَرَائِكُمُ النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكِ بْنِ حَارِثِ بْنِ جَسَّاسٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي تَمِيمِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ أُدٍّ. فَقَبِلُوا مَشُورَتَهُ، وَنَزَلَتْ عَمْرُو بْنُ حَنْظَلَةَ الدَّهْنَاءَ، وَنَزَلَتْ سَعْدٌ وَالرِّبَابُ الْكُلَابَ، وَأَقْبَلَتْ مَذْحِجٌ وَمَنْ مَعَهَا مِنْ قُضَاعَةَ فَقَصَدُوا الْكُلَابَ، وَبَلَغَ سَعْدًا وَالرِّبَابَ الْخَبَرُ. فَلَمَّا دَنَتْ مَذْحِجٌ نَذَرَهُمْ شُمَيْتُ بْنُ زِنْبَاعَ الْيَرْبُوعِيُّ، فَرَكِبَ جَمَلَهُ وَقَصَدَ سَعْدًا وَنَادَى: يَا آلَ تَمِيمٍ يَا صَاحِبَاهُ ! فَثَارَ النَّاسُ، وَانْتَهَتْ مَذْحِجٍ إِلَى النَّعَمِ فَانْتَهَبَهَا النَّاسُ، وَرَاجِزُهُمْ يَقُولُ: فِي كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ نَنْتَابُهْ عَلَى الْكُلَابِ غُيِّبَتْ أَصْحَابُهْ يَسْقُطُ فِي آثَارِهِ غُلَّابُهْ فَلَحِقَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ وَالنُّعْمَانُ بْنُ جَسَّاسٍ وَمَالِكُ بْنُ الْمُنْتَفِقِ فِي سُرْعَانِ النَّاسِ، فَأَجَابَهُ قَيْسٌ يَقُولُ: عَمَّا قَلِيلٍ تَلْتَحِقْ أَرْبَابُهْ مِثْلَ النُّجُومِ حُسَّرًا سَحَابُهْ لَيَمْنَعَنَّ النَّعَمَ اغْتِصَابُهْ سَعْدٌ وَفُرْسَانُ الْوَغَى أَرْبَابُهْ ثُمَّ حَمَلَ عَلَيْهِمْ قَيْسٌ وَهُوَ يَقُولُ: فِي كُلِّ عَامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ يَلْقَحُهُ قَوْمٌ وَتُنْتِجُونَهُ أَرْبَابُهُ نَوْكَى فَلَا يَحْمُونَهُ وَلَا يُلَاقُونَ طِعَانًا دُونَهُ أَنَعَمَ الْأَبْنَاءِ تَحْسِبُونَهُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تَرْجُونَهُ فَاقْتَتَلَ الْقَوْمُ قِتَالًا شَدِيدًا يَوْمَهُمْ أَجْمَعَ. فَحَمَلَ يَزِيدُ بْنُ شَدَّادِ بْنِ قَنَانٍ الْحَارِثِيُّ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَسَّاسٍ فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَصَارَتِ الرِّيَاسَةُ لِقَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ، وَاقْتَتَلُوا حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَبَاتُوا يَتَحَارَسُونَ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا عَلَى الْقِتَالِ، وَرَكِبَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ، وَرَكِبَتْ مَذْحِجٌ وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ مِنَ الْقِتَالِ الْأَوَّلِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْهَزَمَ مِنْ مَذْحِجٍ مُدْرِجُ الرِّيَاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ الْمَجُونِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرْمِيُّ، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَائِهِمْ، فَأَلْقَى اللِّوَاءَ وَهَرَبَ، فَلَحِقَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَعْدٍ فَعَقَرَ بِهِ دَابَّتَهُ، فَنَزَلَ يَهْرُبُ مَاشِيًا، وَنَادَى قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ: يَا آلَ تَمِيمٍ عَلَيْكُمُ الْفُرْسَانَ وَدَعُوا الرَّجَّالَةَ فَإِنَّهَا لَكُمْ، وَجَعَلَ يَلْتَقِطُ الْأُسَارَى، وَأُسِرَ عَبْدُ يَغُوثَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ وَقَّاصٍ الْحَارِثِيُّ رَئِيسُ مَذْحِجٍ، فَقُتِلَ بِالنُّعْمَانِ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَسَّاسٍ، وَكَانَ عَبْدُ يَغُوثَ شَاعِرًا، فَشَدُّوا لِسَانَهُ قَبْلَ قَتْلِهِ لِئَلَّا يَهْجُوهُمْ، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ لِيُحِلُّوا لِسَانَهُمْ وَلَا يَهْجُوهُمْ، فَحَلُّوهُ، فَقَالَ شِعْرًا: أَلَا لَا تَلُومَانِي كَفَى اللَّوْمُ مَا بِيَا فَمَا لَكُمَا فِي اللَّوْمِ نَفْعٌ وَلَا لِيَا أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّ الْمَلَامَةَ نَفْعُهَا قَلِيلٌ وَمَا لَوْمِي أَخِي مِنْ شِمَالِيَا فَيَا رَاكِبًا إِمَّا عَرَضْتَ فَبَلِّغَنْ نَدَامَايَ مِنْ نَجْرَانَ أَلَّا تَلَاقِيَا أَبَا كَرِبٍ وَالْأَيْهَمَيْنِ كِلَيْهِمَا وَقَيْسًا بِأَعْلَى حَضْرَمَوْتَ الْيَمَانِيَا أَقُولُ وَقَدْ شَدُّوا لِسَانِي بِنِسْعَةٍ: مَعَاشِرَ تَيْمٍ أَطْلِقُوا مِنْ لِسَانِيَا كَأَنِّيَ لَمْ أَرْكَبْ جَوَادًا وَلَمْ أَقُلْ لِخَيْلِيَ كِرِّي كَرَّةً مِنْ وَرَائِيَا وَلَمْ أَسْبَإِ الزِّقَّ الرَّوِيَّ وَلَمْ أَقُلْ لِأَيْسَارِ صَدْقٍ عَظِّمُوا ضَوْءَ نَارِيَا وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةَ أَنَّنِي أَنَا اللَّيْثُ مَعْدُوًّا عَلَيْهِ وَعَادِيَا لَحَى اللَّهُ قَوْمًا بِالْكُلَابِ شَهِدْتُهُمْ صَمِيمَهُمُ وَالتَّابِعِينَ الْمَوَالِيَا وَلَوْ شِئْتُ نَجَّتْنِي مِنَ الْقَوْمِ شَطْبَةٌ تَرَى خَلْفَهَا الْكُمْتَ الْعِتَاقَ تَوَالِيَا وَكُنْتُ إِذَا مَا الْخَيْلُ شَمَّصَهَا الْقَنَا لَبِيقًا بِتَصْرِيفِ الْقَنَاةِ بَنَانِيَا فَيَا عَاصِ فُكَّ الْقَيْدَ عَنِّي فَإِنَّنِي صَبُورٌ عَلَى مَرِّ الْحَوَادِثِ نَاكِيَا فَإِنْ تَقْتُلُونِي تَقْتُلُوا بِيَ سَيِّدًا وَإِنْ تُطْلِقُونِي تَحْرِبُونِيَ مَالِيَا أَبُو كَرِبٍ: بِشْرُ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَالْأَيْهَمَانِ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَالْعَاقِبُ وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ بْنُ الْأَبْيَضِ، وَقَيْسُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ، فَزَعَمُوا أَنَّ قَيْسًا قَالَ: لَوْ جَعَلَنِي أَوَّلَ الْقَوْمِ لَافْتَدَيْتُهُ بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ. ثُمَّ قُتِلَ وَلَمْ يُقْبَلْ لَهُ فِدْيَةٌ. ( رَبَّانُ بِالرَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ).
التاريخ 581لا حكم مسجّل
يَوْمُ ظَهْرِ الدَّهْنَاءِ وَهُوَ يَوْمٌ بَيْنَ طَيِّءٍ وَأَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ أَوْسَ بْنَ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ الطَّائِيَّ كَانَ سَيِّدًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ وَجَوَادًا وَمِقْدَامًا، فَوَفَدَ هُوَ وَحَاتِمٌ الطَّائِيُّ عَلَى عَمْرِو بْنِ هِنْدٍ، فَدَعَا عَمْرٌو أَوْسًا فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَفْضَلُ أَمْ حَاتِمٌ ؟ فَقَالَ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ ! إِنَّ حَاتِمًا أَوْحَدُهَا وَأَنَا أَحَدُهَا، وَلَوْ مَلَكَنِي حَاتِمٌ وَوَلَدِي وَلُحْمَتِي لَوَهَبَنَا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ. ثُمَّ دَعَا عَمْرٌو حَاتِمًا فَقَالَ لَهُ: أَنْتَ أَفْضَلُ أَمْ أَوْسٌ ؟ فَقَالَ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ ! إِنَّمَا ذَكَرْتَ أَوْسًا وَلَأَحَدُ وَلَدِهِ أَفْضَلُ مِنِّي. فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُمَا وَحَبَاهُمَا وَأَكْرَمَهُمَا. ثُمَّ إِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ حَيٍّ اجْتَمَعَتْ عِنْدَ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَفِيهِمْ أَوْسٌ، فَدَعَا بِحُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْمُلُوكِ وَقَالَ لِلْوُفُودِ: احْضَرُوا فِي غَدٍ فَإِنِّي مُلْبِسٌ هَذِهِ الْحُلَّةَ أَكْرَمَكُمْ. فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ حَضَرَ الْقَوْمُ جَمِيعًا إِلَّا أَوْسًا، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَتَخَلَّفُ ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ غَيْرِي فَأَجْمَلُ الْأَشْيَاءِ بِي أَلَّا أَكُونَ حَاضِرًا، وَإِنْ كُنْتُ الْمُرَادَ فَسَأُطْلَبُ. فَلَمَّا جَلَسَ النُّعْمَانُ وَلَمْ يَرَ أَوْسًا قَالَ: اذْهَبُوا إِلَى أَوْسٍ فَقُولُوا لَهُ: احْضَرْ آمِنًا مِمَّا خِفْتَ. فَحَضَرَ فَأُلْبِسَ الْحُلَّةَ، فَحَسَدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالُوا لِلْحُطَيْئَةِ: اهْجُهُ وَلَكَ ثَلَاثُمِائَةِ نَاقَةٍ. فَقَالَ: كَيْفَ أَهْجُو رَجُلًا لَا أَرَى فِي بَيْتِي أَثَاثًا وَلَا مَالًا إِلَّا مِنْهُ ! ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ الْهِجَاءُ وَمَا تَنْفَكُّ صَالِحَةٌ مِنْ أَهْلِ لَأْمٍ بِظَهْرِ الْغَيْبِ تَأْتِينِي فَقَالَ لَهُمْ بِشْرُ بْنُ أَبِي خَازِمٍ: أَنَا أَهْجُوهُ لَكُمْ، فَأَعْطَوْهُ النُّوقَ، وَهَجَاهُ فَأَفْحَشَ فِي هِجَائِهِ وَذَكَرَ أُمَّهُ سُعْدَى. فَلَمَّا عَرَفَ أَوْسٌ ذَلِكَ أَغَارَ عَلَى النُّوقِ فَاكْتَسَحَهَا، وَطَلَبَهُ فَهَرَبَ مِنْهُ وَالْتَجَأَ إِلَى بَنِي أَسَدٍ عَشِيرَتِهِ، فَمَنَعُوهُ مِنْهُ وَرَأَوْا تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ عَارًا. فَجَمَعَ أَوْسٌ جَدِيلَةَ طَيِّءٍ وَسَارَ بِهِمْ إِلَى أَسَدٍ، فَالْتَقَوْا بِظَهْرِ الدَّهْنَاءِ تِلْقَاءَ تَيْمَاءَ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَانْهَزَمَتْ بَنُو أَسَدٍ وَقُتِّلُوا قَتْلًا ذَرِيعًا، وَهَرَبَ بِشْرٌ فَجَعَلَ لَا يَأْتِي حَيًّا يَطْلُبُ جِوَارَهُمْ إِلَّا امْتَنَعَ مِنْ إِجَارَتِهِ عَلَى أَوْسٍ. ثُمَّ نَزَلَ عَلَى جُنْدَبِ بْنِ حِصْنٍ الْكُلَابِيِّ بِأَعْلَى الصَّمَّانِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَوْسٌ يَطْلُبُ مِنْهُ بِشْرًا، فَأَرْسَلَهُ إِلَيْهِ. فَلَمَّا قَدِمَ بِهِ عَلَى أَوْسٍ أَشَارَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ بِقَتْلِهِ، فَدَخَلَ عَلَى أُمِّهِ سُعْدَى فَاسْتَشَارَهَا، فَأَشَارَتْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَالَهُ وَيَعْفُوَ عَنْهُ وَيَحْبُوهُ فَإِنَّهُ لَا يَغْسِلُ هِجَاءَهُ إِلَّا مَدْحُهُ. فَقَبِلَ مَا أَشَارَتْ بِهِ وَخَرَجَ إِلَيْهِ وَقَالَ: يَا بِشْرُ مَا تَرَى أَنِّي صَانِعٌ بِكَ ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَأَرْجُو مِنْكَ يَا أَوْسُ نِعْمَةً وَإِنِّي لِأُخْرَى مِنْكَ يَا أَوْسُ رَاهِبُ وَإِنِّي لَأَمْحُو بِالَّذِي أَنْتَ صَادِقٌ بِهِ كُلَّ مَا قَدْ قُلْتُ إِذْ أَنَا كَاذِبُ فَهَلْ يَنْفَعُنِي الْيَوْمَ عِنْدَكَ أَنَّنِي سَأَشْكُرُ إِنْ أَنْعَمْتَ وَالشُّكْرُ وَاجِبُ فِدًى لِابْنِ سُعْدَى الْيَوْمَ كُلُّ عَشِيرَتِي بَنِي أَسَدٍ أَقْصَاهُمُ وَالْأَقَارِبُ تَدَارَكَنِي أَوْسُ بْنُ سُعْدَى بِنِعْمَةٍ وَقَدْ أَمْكَنَتْهُ مِنْ يَدِيَّ الْعَوَاقِبُ فَمَنَّ عَلَيْهِ أَوْسٌ وَحَمَلَهُ عَلَى فَرَسٍ جَوَادٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ مَا كَانَ أُخِذَ مِنْهُ، وَأَعْطَاهُ مِنْ مَالِهِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، فَقَالَ بِشْرٌ: لَا جَرَمَ لَا مَدَحْتُ أَحَدًا، حَتَّى أَمُوتَ غَيْرَكَ، وَمَدَحَهُ بِقَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي أَوَّلُهَا: أَتَعْرِفُ مِنْ هُنَيْدَةَ رَسْمَ دَارٍ بِحَرْجَيْ ذُرْوَةٍ فَإِلَى لِوَاهَا وَمِنْهَا مَنْزِلٌ بِبِرَاقِ خَبْتٍ عَفَتْ حُقُبًا وَغَيَّرَهَا بِلَاهَا وَهِيَ طَوِيلَةٌ.
التاريخ 582لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْوَقِيطِ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ اللَّهَازِمَ تَجَمَّعَتْ، وَهِيَ قَيْسٌ وَتَيْمُ اللَّاتِ ابْنَا ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ وَمَعَهَا عِجْلُ بْنُ لُجَيْمٍ وَعَنَزَةُ بْنُ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ لِتُغِيرَ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ وَهُمْ غَارُّونَ. فَرَأَى ذَلِكَ الْأَعْوَرُ وَهُوَ نَاشِبُ بْنُ بَشَامَةَ الْعَنْبَرِيُّ، وَكَانَ أَسِيرًا فِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُونِي رَجُلًا أُرْسِلُهُ إِلَى أَهْلِي أُوصِيهِمْ بِبَعْضِ حَاجَتِي. فَقَالُوا لَهُ: تُرْسِلُهُ وَنَحْنُ حُضُورٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَتَوْهُ بِغُلَامٍ مُوَلَّدٍ، فَقَالَ: أَتَيْتُمُونِي بِأَحْمَقَ ! فَقَالَ الْغُلَامُ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِأَحْمَقَ ! فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكَ مَجْنُونًا ! قَالَ: وَاللَّهِ مَا بِي جُنُونٌ ! قَالَ: أَتَعْقِلُ ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنِّي لَعَاقِلٌ. قَالَ: فَالنِّيرَانُ أَكْثَرُ أَمِ الْكَوَاكِبُ ؟ قَالَ: الْكَوَاكِبُ، وَكُلٌّ كَثِيرَةٌ، فَمَلَأَ كَفَّهُ رَمْلًا وَقَالَ: كَمْ فِي كَفِّي ؟ قَالَ: لَا أَدْرِي فَإِنَّهُ لَكَثِيرٌ. فَأَوْمَأَ إِلَى الشَّمْسِ بِيَدِهِ وَقَالَ: مَا تِلْكَ ؟ قَالَ: الشَّمْسُ. قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا عَاقِلًا، اذْهَبْ إِلَى قَوْمِي فَأَبْلِغْهُمُ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُمْ لِيُحْسِنُوا إِلَى أَسِيرِهِمْ فَإِنِّي عِنْدَ قَوْمٍ يُحْسِنُونَ إِلَيَّ وَيُكْرِمُونِي، وَقُلْ لَهُمْ فَلْيُعَرُّوا جَمَلِي الْأَحْمَرَ، وَيَرْكَبُوا نَاقَتِي الْعَيْسَاءَ، وَلْيَرْعُوا حَاجَتِي فِي بَنِي مَالِكٍ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْعَوْسَجَ قَدْ أَوْرَقَ، وَأَنَّ النِّسَاءَ قَدِ اشْتَكَتْ، وَلْيَعْصُوا هَمَّامَ بْنَ بَشَامَةَ فَإِنَّهُ مَشْؤُومٌ مَجْدُودٌ، وَلْيُطِيعُوا هُذَيْلَ بْنَ الْأَخْنَسِ، فَإِنَّهُ حَازِمٌ مَيْمُونٌ، وَاسْأَلُوا الْحَارِثَ عَنْ خَبَرِي. وَسَارَ الرَّسُولُ فَأَتَى قَوْمَهُ فَأَبْلَغَهُمْ، فَلَمْ يُدْرِكُوا مَا أَرَادَ، فَأَحْضَرُوا الْحَارِثَ وَقَصُّوا عَلَيْهِ خَبَرَ الرَّسُولِ. فَقَالَ لِلرَّسُولِ: اقْصُصْ عَلَيَّ أَوَّلَ قِصَّتِكَ. فَقَصَّ عَلَيْهِ أَوَّلَ مَا كَلَّمَهُ حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِهِ. فَقَالَ: أَبْلِغْهُ التَّحِيَّةَ وَالسَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُ أَنَّا نَسْتَوْصِي بِهِ. فَعَادَ الرَّسُولُ، ثُمَّ قَالَ لِبَنِي الْعَنْبَرِ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ قَدْ بَيَّنَ لَكُمْ، وَأَمَّا الرَّمْلُ الَّذِي جَعَلَ فِي كَفِّهِ فَإِنَّهُ يُخْبِرُكُمْ أَنَّهُ قَدْ أَتَاكُمْ عَدَدٌ لَا يُحْصَى، وَأَمَّا الشَّمْسُ الَّتِي أَوْمَأَ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ أَوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، وَأَمَّا جَمَلُهُ الْأَحْمَرُ فَالصُّمَّانُ فَإِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُعَرُّوهُ، يَعْنِي تَرْحَلُوا عَنْهُ، وَأَمَّا نَاقَتُهُ الْعَيْسَاءُ فَإِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَحْتَرِزُوا فِي الدَّهْنَاءِ، وَأَمَّا بَنُو مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُنْذِرُوهُمْ مَعَكُمْ، وَأَمَّا إِيرَاقُ الْعَوْسَجِ فَإِنَّ الْقَوْمَ قَدْ لَبِسُوا السِّلَاحَ، وَأَمَّا اشْتِكَاءُ النِّسَاءِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنَّ النِّسَاءَ قَدْ خَرِزْنَ الشُّكَاءَ، وَهِيَ أَسْقِيَةُ الْمَاءِ لِلْغَزْوِ. فَحَذِرَ بَنُو الْعَنْبَرِ وَرَكِبُوا الدَّهْنَاءَ وَأَنْذَرُوا بَنِي مَالِكٍ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَازِمَ وَعِجْلًا وَعَنَزَةَ أَتَوْا بَنِي حَنْظَلَةَ فَوَجَدُوا عَمْرًا قَدْ أَجْلَتْ، فَأَوْقَعُوا بِبَنِي دَارِمٍ بِالْوَقِيطِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَعَظُمَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ، فَأَسَرَتْ رَبِيعَةُ جَمَاعَةً مِنْ رُؤَسَاءِ بَنِي تَمِيمٍ، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْقَعْقَاعِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ فَجَزُّوا نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقُوهُ، وَأَسَرُوا عَثْجَلَ بْنَ الْمَأْمُونِ بْنِ زُرَارَةَ، وَجُوَيْرَةَ بْنَ بَدْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمٍ، وَلَمْ يَزَلْ فِي الْوَثَاقِ حَتَّى رَآهُمْ يَوْمًا يَشْرَبُونَ فَأَنْشَأَ يَتَغَنَّى يُسْمِعُهُمْ مَا يَقُولُ: وَقَائِلَةٍ مَا غَالَهُ أَنْ يَزُورَنَا وَقَدْ كُنْتُ عَنْ تِلْكَ الزِّيَارَةِ فِي شَغْلِ وَقَدْ أَدْرَكَتْنِي وَالْحَوَادِثُ جَمَّةٌ مَخَالِبُ قَوْمٍ لَا ضِعَافَ وَلَا عُزْلِ سِرَاعٍ إِلَى الْجُلَّى بِطَاءٍ عَنِ الْخَنَا رِزَانٍ لَدَى النَّادِيِّ الْبَاذِينَ فِي غَيْرِ مَا جَهْلِ لَعَلَّهُمْ أَنْ يُمْطِرُونِي بِنِعْمَةٍ كَمَا طَابَ مَاءُ الْمُزْنِ فِي الْبَلَدِ الْمَحْلِ قَدْ يُنْعِشُ اللَّهُ الْفَتَى بَعْدَ ذِلَّةٍ وَقَدْ تَبْتَنِي الْحُسْنَى سَرَاةُ بَنِي عِجْلِ فَلَمَّا سَمِعُوا الْأَبْيَاتَ أَطْلَقُوهُ. وَأُسِرَ أَيْضًا نُعَيْمٌ وَعَوْفٌ ابْنَا الْقَعْقَاعِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ زُرَارَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ سَادَاتِ بَنِي تَمِيمٍ، وَقُتِلَ حَكِيمُ بْنُ جَذِيمَةَ بْنِ الْأُصَيْلِعِ النَّهْشَلِيُّ، وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْ نَهْشَلٍ غَيْرُهُ. وَعَادَتْ بَكْرٌ فَمَرَّتْ بِطَرِيقِهَا بَعْدَ الْوَقْعَةِ بِثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ بَنِي الْعَنْبَرِ لَمْ يَكُونُوا ارْتَحَلُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْهُمْ طَرَدُوا إِبِلَهُمْ فَأَحْرَزُوهَا مِنْ بَكْرٍ. وَأَكْثَرَ الشُّعَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي مُهْوَشٍ الْفَقْعَسِيِّ يُعَيِّرُ تَمِيمًا بِيَوْمِ الْوَقِيطِ: فَمَا قَاتَلَتْ يَوْمَ الْوَقِيطَيْنِ نَهْشَلٌ وَلَا الْأَنْكَدُ الشُّؤْمَى فُقَيْمُ بْنُ دَارِمِ وَلَا قَضَبَتْ عَوْفٌ رِجَالَ مُجَاشِعٍ وَلَا قَشَّرَ الْأَسْتَاهَ غَيْرُ الْبَرَاجِمِ وَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ عَمْرُو بْنُ خَالِدِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَرْثَدٍ: حَكَّتْ تَمِيمٌ بَرْكَهَا لَمَّا الْتَقَتْ رَايَاتُنَا كَكَوَاسِرِ الْعِقْبَانِ دَهِمُوا الْوَقِيطَ بِجَحْفَلٍ جَمِّ الْوَغَى وَرِمَاحُهَا كَنَوَازِعِ الْأَشْطَانِ
التاريخ 583لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْمَرُّوتِ وَهُوَ يَوْمٌ بَيْنَ تَمِيمٍ وَعَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَكَانَ سَبَبُهُ أَنَّهُ الْتَقَى قَعْنَبُ بْنُ عَتَّابٍ الرِّيَاحِيُّ وَبَحِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ الْعَامِرِيُّ بِعُكَاظَ، فَقَالَ بَحِيرٌ لِقَعْنَبٍ: مَا فَعَلَتْ فَرَسُكَ الْبَيْضَاءُ ؟ قَالَ: هِيَ عِنْدِي، وَمَا سُؤَالُكَ عَنْهَا ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا نَجَّتْكَ مِنْ يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَأَنْكَرَ قَعْنَبٌ ذَلِكَ وَتَلَاعَنَا وَتَدَاعَيَا أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مَيْتَةَ الْكَاذِبِ بِيَدِ الصَّادِقِ، فَمَكَثَا مَا شَاءَ اللَّهُ. وَجَمَعَ بَحِيرٌ بَنِي عَامِرٍ وَسَارَ بِهِمْ فَأَغَارَ عَلَى بَنِي الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ بِإِرَمِ الْكَلْبَةِ وَهُمْ خُلُوفٌ، فَاسْتَاقَ السَّبْيَ وَالنَّعَمَ وَلَمْ يَلْقَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَأَتَى الصَّرِيخُ بَنِي الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَبَنِي مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَبَنِي يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ، فَرَكِبُوا فِي الطَّلَبِ، فَتَقَدَّمَتْ عَمْرُو بْنُ تَمِيمٍ. فَلَمَّا انْتَهَى بَحِيرٌ إِلَى الْمَرُّوتِ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئًا ؟ قَالُوا: نَرَى خَيْلًا عَارِضَةً رِمَاحَهَا عَلَى كَوَاهِلِ خَيْلِهَا. قَالَ: هَذِهِ عَمْرُو بْنُ تَمِيمٍ وَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، فَلَحِقَ بِهِمْ بَنُو عَمْرٍو فَقَاتَلُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ صَدَرُوا عَنْهُمْ، وَمَضَى بَحِيرٌ، ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئًا ؟ قَالُوا: نَرَى خَيْلًا نَاصِبَةً رِمَاحَهَا. قَالَ: هَذِهِ مَالِكُ بْنُ حَنْظَلَةَ وَلَيْسَتْ بِشَيْءٍ، فَلُحِقُوا فَقَاتَلُوا شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ ثُمَّ صَدَرُوا عَنْهُمْ، وَمَضَى بَحِيرٌ وَقَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ شَيْئًا ؟ قَالُوا: نَرَى خَيْلًا لَيْسَتْ مَعَهَا رِمَاحٌ وَكَأَنَّمَا عَلَيْهَا الصِّبْيَانُ. قَالَ: هَذِهِ يَرْبُوعٌ رِمَاحُهَا بَيْنَ آذَانِ خَيْلِهَا، إِيَّاكُمْ وَالْمَوْتَ الزُّؤَامَ، فَاصْبِرُوا وَلَا أَرَى أَنْ تَنْجُوا. فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَحِقَ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ الْوَاقِعَةُ وَهُوَ نُعَيْمُ بْنُ عَتَّابٍ، وَكَانَ يُسَمَّى الْوَاقِعَةَ لِبَلِيَّتِهِ، فَحَمَلَ عَلَى الْمُثَلَّمِ الْقُشَيْرِيِّ فَأَسَرَهُ، وَحَمَلَتْ قُشَيْرٌ عَلَى دَوْكَسِ بْنِ وَاقِدِ بْنِ حَوْطٍ فَقَتَلُوهُ، وَأَسَرَ نُعَيْمٌ الْمُصَفَّى الْقُشَيْرِيَّ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ كِدَامُ بْنُ بَجِيلَةَ الْمَازِنِيُّ عَلَى بَحِيرٍ فَعَانَقَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِقَعْنَبَ هِمَّةٌ إِلَّا بَحِيرٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ وَإِلَى كِدَامٍ قَدْ تَعَانَقَا فَأَقْبَلَ نَحْوَهُمَا، فَقَالَ كِدَامٌ: يَا قَعْنَبُ أَسِيرِي. فَقَالَ قَعْنَبٌ: مَازِ رَأْسَكَ وَالسَّيْفَ، يُرِيدُ: يَا مَازِنِيُّ. فَخَلَّى عَنْهُ كِدَامٌ وَشَدَّ عَلَيْهِ قَعْنَبٌ فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، وَحَمَلَ قَعْنَبٌ أَيْضًا عَلَى صُهْبَانَ، وَأُمُّ صُهْبَانَ مَازِنِيَّةٌ، فَأَسَرَهُ، فَقَالَتْ بَنُو مَازِنٍ: يَا قَعْنَبُ قَتَلْتَ أَسِيرَنَا فَأَعْطِنَا ابْنَ أَخِينَا مَكَانَهُ. فَدَفَعَ إِلَيْهِمْ صُهْبَانَ فِي بَحِيرٍ، فَرَضُوا بِذَلِكَ، وَاسْتَنْقَذَتْ بَنُو يَرْبُوعٍ أَمْوَالَ بَنِي الْعَنْبَرِ وَسَبْيَهُمْ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَعَادُوا. ( بَحِيرٌ: بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ).
التاريخ 584لا حكم مسجّل
يَوْمُ فَيْفِ الرِّيحِ وَهُوَ بَيْنَ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَالْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَ خَبَرُهُ أَنَّ بَنِي عَامِرٍ كَانَتْ تَطْلُبُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ بِأَوْتَارٍ كَثِيرَةٍ، فَجَمَعَ لَهُمُ الْحُصَيْنُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ شَدَّادِ بْنِ قَنَانٍ الْحَارِثِيُّ، وَهُوَ ذُو الْغُصَّةِ، وَاسْتَعَانَ بِجُعْفِيٍّ وَزُبَيْدٍ وَقَبَائِلِ سَعْدِ الْعَشِيرَةِ وَمُرَادٍ وَصُدَاءٍ وَنَهْدٍ وَخَثْعَمٍ وَشَهْرَانَ وَنَاهِسٍ. ثُمَّ أَقْبَلُوا يُرِيدُونَ بَنِي عَامِرٍ وَهُمْ مُنْتَجِعُونَ مَكَانًا يُقَالُ لَهُ فَيْفُ الرِّيحِ، وَمَعَ مَذْحِجٍ النِّسَاءُ وَالذَّرَارِي حَتَّى لَا يَفِرُّوا. فَاجْتَمَعَتْ بَنُو عَامِرٍ، فَقَالَ لَهُمْ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: أَغِيرُوا بِنَا عَلَى الْقَوْمِ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ نَأْخُذَ غَنَائِمَهُمْ وَنَسْبِيَ نِسَاءَهُمْ، وَلَا تَدَعُوهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْكُمْ. فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ وَسَارُوا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا دَنَوْا مِنْ بَنِي الْحَارِثِ وَمَذْحِجٍ وَمَنْ مَعَهُمْ أَخْبَرَتْهُمْ عُيُونُهُمْ وَعَادَتْ إِلَيْهِمْ مَشَايِخُهُمْ، فَحَذِرُوا فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يُغَادُونَهُمُ الْقِتَالَ بِفَيْفِ الرِّيحِ، فَالْتَقَى الصُّمَيْلُ بْنُ الْأَعْوَرِ الْكُلَابِيُّ وَعَمْرُو بْنُ صُبَيْحٍ النَّهْدِيُّ، فَطَعَنَهُ عَمْرٌو، فَاعْتَنَقَ الصُّمَيْلُ فَرَسَهُ وَعَادَ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ خَثْعَمٍ فَقَتَلَهُ وَأَخَذَ دِرْعَهُ وَفَرَسَهُ. وَشَهِدَتْ بَنُو نُمَيْرٍ يَوْمَئِذٍ مَعَ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ فَأَبْلَوْا بَلَاءً حَسَنًا، وَسُمُّوا ذَلِكَ الْيَوْمَ حُرَيْجَةَ الطِّعَانِ لِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا بِرِمَاحِهِمْ فَصَارُوا بِمَنْزِلَةِ الْحَرَجَةِ، وَهِيَ شَجَرٌ مُجْتَمِعٌ. وَسَبَبُ اجْتِمَاعِهِمْ أَنَّ بَنِي عَامِرٍ جَالُوا جَوْلَةً إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْعُرْقُوبُ، وَالْتَفَتَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَسَأَلَ عَنْ بَنِي نُمَيْرٍ فَوَجَدَهُمْ قَدْ تَخَلَّفُوا فِي الْمَعْرَكَةِ، فَرَجَعَ وَهُوَ يَصِيحُ: يَا صَبَاحَاهُ ! يَا نُمَيْرَاهُ ! وَلَا نُمَيْرَ لِي بَعْدَ الْيَوْمِ ! حَتَّى اقْتَحَمَ فَرَسُهُ وَسَطَ الْقَوْمِ، فَقَوِيَتْ نُفُوسُهُمْ، وَعَادَتْ بَنُو عَامِرٍ وَقَدْ طُعِنَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مَا بَيْنَ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى سُرَّتِهِ عِشْرِينَ طَعْنَةً. وَكَانَ عَامِرٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَتَعَهَّدُ النَّاسَ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ مَا رَأَيْتُكَ فَعَلْتَ شَيْئًا، فَمَنْ أَبْلَى فَلْيُرِنِي سَيْفَهُ أَوْ رُمْحَهُ، وَمَنْ لَمْ يُبْلِ شَيْئًا تَقَدَّمَ فَأَبْلَى، فَكَانَ كُلُّ مَنْ أَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا أَتَاهُ، فَأَرَاهُ الدَّمَ عَلَى سِنَانِ رُمْحِهِ أَوْ سَيْفِهِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنَ الْحَارِثِيِّينَ اسْمُهُ مُسْهِرٌ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَلِيٍّ انْظُرْ مَا صَنَعْتُ بِالْقَوْمِ ! انْظُرْ إِلَى رُمْحِي ! فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْهِ عَامِرٌ لِيَنْظُرَ، وَجَأَهُ بِالرُّمْحِ فِي وَجْنَتِهِ فَفَلَقَهَا وَفَقَأَ عَيْنَهُ وَتَرَكَ رُمْحَهُ وَعَادَ إِلَى قَوْمِهِ. وَإِنَّمَا دَعَاهُ إِلَى ذَلِكَ مَا رَآهُ يَفْعَلُ بِقَوْمِهِ، فَقَالَ: هَذَا وَاللَّهِ مُبِيرُ قَوْمِي ! فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: أَتَوْنَا بِشَهْرَانَ الْعَرِيضَةِ كُلِّهَا وَأَكْلُبَ طُرًّا فِي جِيَادِ السَّنَوَّرِ لَعَمْرِي وَمَا عَمْرِي عَلَيَّ بِهَيِّنٍ لَقَدْ شَانَ حُرَّ الْوَجْهِ طَعْنَةَ مُسْهِرِ فَبِئْسَ الْفَتَى أَنْ كُنَتَ أَعْوَرَ عَاقِرًا جَبَانًا وَمَا أَغْنَى لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ وَأَسَرَتْ بَنُو عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَ مُرَادٍ جَرِيحًا، فَلَمَّا بَرَأَ مِنْ جِرَاحَتِهِ أُطْلِقَ. وَمِمَّنْ أَبْلَى يَوْمَئِذٍ أَرْبَدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ حُرِّ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَعُبَيْدُ بْنُ شُرَيْحِ بْنِ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرٍ. وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَيُقَالُ إِنَّهَا لِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ: أَتَوْنَا بِشَهْرَانَ الْعَرِيضَةِ كُلِّهَا وَأَكْلُبُهَا فِي مِثْلِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ فَبِتْنَا وَمَنْ يَنْزِلْ بِهِ مِثْلُ ضَيْفِنَا يَبِتْ عَنْ قِرَى أَضْيَافِهِ غَيْرَ غَافِلِ أَعَاذِلُ لَوْ كَانَ الْبِدَادُ لَقُوبِلُوا وَلَكِنْ أَتَانَا كُلُّ جِنٍّ وَخَابِلِ وَخَثْعَمُ حَيٌّ يُعْدَلُونَ بِمَذْحِجٍ فَهَلْ نَحْنُ إِلَّا مِثْلُ إِحْدَى الْقَبَائِلِ وَأَسْرَعَ الْقَتْلُ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ افْتَرَقُوا وَلَمْ يَشْتَغِلْ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ بِغَنِيمَةٍ، وَكَانَ الصَّبْرُ فِيهَا وَالشَّرَفُ لِبَنِي عَامِرٍ.
التاريخ 585لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْيَحَامِيمِ وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِقَارَاتِ حُوقٍ وَهُوَ بَيْنَ قَبَائِلِ طَيِّءٍ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ جَبَلَةَ الْغَسَّانِيَّ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ بَيْنَ طَيِّءٍ. فَلَمَّا هَلَكَ عَادَتْ إِلَى حَرْبِهَا، فَالْتَقَتْ جَدِيلَةُ وَالْغَوْثُ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ غَرْثَانُ، فَقُتِلَ قَائِدُ بَنِي جَدِيلَةَ وَهُوَ أَسْبَعُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لَأْمٍ عَمِّ أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ، وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ سِنْبِسَ يُقَالُ لَهُ مُصْعَبٌ أُذُنَيْهِ فَخَصَفَ بِهِمَا نَعْلَيْهِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو سَرْوَةَ السِّنْبِسِيُّ: نُخَصِّفُ بِالْآذَانِ مِنْكُمْ نِعَالَنَا وَنَشْرَبُ كَرْهًا مِنْكُمُ فِي الْجَمَاجِمِ وَتَنَاقَلَ الْحَيَّانِ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا كَثِيرَةً، وَعَظُمَ مَا صَنَعَتِ الْغَوْثُ عَلَى أَوْسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ لَأْمٍ، وَعَزَمَ عَلَى لِقَاءِ الْحَرْبِ بِنَفْسِهِ، وَكَانَ لَمْ يَشْهَدِ الْحُرُوبَ الْمُتَقَدِّمَةَ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُؤَسَاءِ طَيِّءٍ كَحَاتِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَزَيْدِ الْخَيْلِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرُّؤَسَاءِ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ أَوْسٌ لِلْحَرْبِ وَأَخَذَ فِي جَمْعِ جَدِيلَةَ وَلَفِّهَا قَالَ أَبُو جَابِرٍ: أَقِيمُوا عَلَيْنَا الْقَصْدَ يَا آلَ طَيْءٍ وَإِلَّا فَإِنَّ الْعِلْمَ عِنْدَ التَّحَاسُبِ فَمَنْ مِثْلُنَا إِذَا الْحَرْبُ شَمَّرَتْ وَمَنْ مِثْلُنَا يَوْمًا إِذَا لَمْ نُحَاسِبِ فَإِنْ تَقْطَعِينِي أَوْ تُرِيدِي مُسَاءَتِي فَقَدْ قَطَّعَ الْخَوْفُ الْمَخُوفُ رَكَائِبِي وَبَلَغَ الْغَوْثَ جَمْعُ أَوْسٍ لَهَا وَأَوْقَدَتِ النَّارَ عَلَى مَنَاعٍ، وَهِيَ ذُرْوَةُ أَجَأَ، وَذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ تُوقَدُ عَلَيْهِ النَّارُ. فَأَقْبَلَتْ قَبَائِلُ الْغَوْثِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ وَعَلَيْهَا رَئِيسُهَا، مِنْهُمْ زَيْدُ الْخَيْلِ وَحَاتِمٌ، وَأَقْبَلَتْ جَدِيلَةُ مُجْتَمِعَةً عَلَى أَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ، وَحَلَفَ أَوْسٌ أَنْ لَا يَرْجِعَ عَنْ طَيِّءٍ حَتَّى يَنْزِلَ مَعَهَا جَبَلَيْهَا أَجَأَ وَسُلْمَى وَتَجْبِي لَهُ أَهْلُهَا، وَتَزَاحَفُوا وَالْتَقَوْا بِقَارَاتِ حُوقٍ عَلَى رَايَاتِهِمْ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَدَارَتِ الْحَرْبُ عَلَى بَنِي كِبَادِ بْنِ جُنْدَبٍ فَأُبِيرُوا. قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ: إِنِّي لَوَاقِفٌ يَوْمَ الْيَحَامِيمِ، وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ إِذْ نَظَرْتُ إِلَى زَيْدِ الْخَيْلِ قَدْ حَضَرَ ابْنَيْهِ مِكْنَفًا وَحُرَيْثًا فِي شِعْبٍ لَا مَنْفَذَ لَهُ وَهُوَ يَقُولُ: أَيِ ابْنَيَّ أَبْقِيَا عَلَى قَوْمِكُمَا فَإِنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ التَّفَانِي، فَإِنْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ أَعْمَامًا فَهَؤُلَاءِ أَخْوَالٌ. فَقُلْتُ: كَأَنَّكَ قَدْ كَرِهْتَ قِتَالَ أَخْوَالِكَ ! قَالَ: فَاحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ غَضَبًا، وَتَطَاوَلَ إِلَيَّ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى مَا تَحْتَهُ مِنْ سَرْجِهِ فَخِفْتُهُ، فَضَرَبْتُ فَرَسِي وَتَنَحَّيْتُ عَنْهُ، وَاشْتَغَلَ بِنَظَرِهِ إِلَيَّ عَنِ ابْنَيْهِ، فَخَرَجَا كَالصَّقْرَيْنِ، وَحَمَلَ قَيْسُ بْنُ عَازِبٍ عَلَى بَحِيرِ بْنِ زَيْدِ الْخَيْلِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَأْمٍ فَضَرَبَهُ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً عَنَّقَ لَهَا بَحِيرٌ فَرَسَهُ وَوَلَّى، فَانْهَزَمَتْ جَدِيلَةُ عِنْدَ ذَلِكَ وَقُتِلَ فِيهَا قَتْلٌ ذَرِيعٌ، فَقَالَ زَيْدُ الْخَيْلِ: تَجِيءُ بَنِي لَأْمٍ جِيَادٌ كَأَنَّهَا عَصَائِبُ طَيْرٍ يَوْمَ طَلٍّ وَحَاصِبِ فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا لَا يَزَلْ بِكَ شَامَةٌ أَنَاءَ حَيًا بَيْنَ الشَّجَا وَالتَّرَائِبِ وَفَرَّ ابْنُ لَأْمٍ وَاتَّقَانَا بِظَهْرِهِ يُرَدِّعُهُ بِالرُّمْحِ قَيْسُ بْنُ عَازِبِ وَجَاءَتْ بَنُو مَعْنٍ كَأَنَّ سُيُوفَهُمْ مَصَابِيحُ مِنْ سَقْفٍ فَلَيْسَ بِآيِبِ وَمَا فَرَّ حَتَّى أَسْلَمَ ابْنُ حُمَارِسٍ لِوَقْعَةِ مَصْقُولٍ مِنَ الْبِيضِ قَاضِبِ فَلَمْ تَبْقَ لِجَدِيلَةَ بَقِيَّةٌ لِلْحَرْبِ بَعْدَ يَوْمِ الْيَحَامِيمِ، فَدَخَلُوا بِلَادَ كَلْبٍ فَحَالَفُوهُمْ وَأَقَامُوا مَعَهُمْ.
التاريخ 586لا حكم مسجّل
يَوْمُ ذِي طُلُوحٍ وَهُوَ يَوْمُ الصَّمْدِ وَيَوْمُ أُودٍ أَيْضًا، وَهُوَ بَيْنَ بَكْرٍ وَتَمِيمٍ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ عَمِيرَةَ بْنَ طَارِقِ بْنِ أَرْثَمَ الْيَرْبُوعِيَّ التَّمِيمِيَّ تَزَوَّجَ مُرِّيَّةَ بِنْتَ جَابِرٍ الْعِجْلِيَّ أُخْتَ أَبْجَرَ، وَسَارَ إِلَى عِجْلٍ لِيَبْتَنِيَ بِأَهْلِهِ. وَكَانَ لَهُ فِي بَنِي تَمِيمٍ امْرَأَةٌ أُخْرَى تُعْرَفُ بِابْنَةِ النَّطِفِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَتَى أَبْجَرُ أُخْتَهُ يَزُورُهَا وَزَوْجُهَا عِنْدَهَا. فَقَالَ لَهَا أَبْجَرُ: إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ آتِيَكِ يَا ابْنَةَ النَّطِفِ امْرَأَةَ عَمِيرَةَ. فَقَالَ لَهُ: مَا أَرَاكَ تُبْقِي عَلَيَّ حَتَّى تَسْلُبَنِي أَهْلِي. فَنَدِمَ أَبْجَرُ وَقَالَ لَهُ: مَا كُنْتُ لِأَغْزُوَ قَوْمَكَ وَلَكِنَّنِي مُسْتَأْسِرٌ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنْ تَمِيمٍ. وَجَمَعَ أَبْجَرُ وَالْحَوْفَزَانُ بْنُ شَرِيكٍ الشَّيْبَانِيُّ، وَالْحَوْفَزَانُ عَلَى شَيْبَانَ وَالْأَبْجَرُ عَلَى اللَّهَازِمِ، وَوَكَّلَا بِعَمِيرَةَ مَنْ يَحْرُسُهُ لِئَلَّا يَأْتِيَ قَوْمَهُ فَيُنْذِرَهُمْ. فَسَارَ الْجَيْشُ، فَاحْتَالَ عَمِيرَةُ عَلَى الْمُوَكَّلِ بِحِفْظِهِ وَهَرَبَ مِنْهُ وَجَدَّ السَّيْرَ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى بَنِي يَرْبُوعٍ فَقَالَ لَهُمْ: قَدْ غَزَاكُمُ الْجَيْشُ مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَأَعْلَمُوا بَنِي ثَعْلَبَةَ بَطْنًا مِنْهُمْ، فَأَرْسَلُوا طَلِيعَةً مِنْهُمْ فَبَقُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَوَصَلَتْ بَكْرٌ فَرَكِبَتْ يَرْبُوعٌ وَالْتَقَوْا بِذِي طُلُوحٍ. فَرَكِبَ عَمِيرَةُ وَلَقِيَ أَبْجَرَ فَعَرَّفَهُ نَفْسَهُ، وَالْتَقَى الْقَوْمُ وَاقْتَتَلُوا فَكَانَ الظَّفَرُ لِيَرْبُوعٍ. وَانْهَزَمَتْ بَكْرٌ وَأُسِرَ الْحَوْفَزَانُ وَابْنُهُ شَرِيكٌ وَابْنُ عَنَمَةَ الشَّاعِرُ، وَكَانَ مَعَ بَنِي شَيْبَانَ فَافْتَكَّهُ مُتَمِّمُ بْنُ نُوَيْرَةَ، وَأُسِرَ أَكْثَرُ الْجَيْشِ الْبَكْرِيِّ، وَقَالَ ابْنُ عَنَمَةَ يَشْكُرُ مُتَمِّمًا: جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ عَنِّي مُتَمِّمًا بِخَيْرِ الْجَزَاءِ مَا أَعَفَّ وَأَجْوَدَا أُجِيرَتْ بِهِ أَبْنَاؤُنَا وَدِمَاؤُنَا وَشَارَكَ فِي إِطْلَاقِنَا وَتَفَرَّدَا أَبَا نَهْشَلٍ إِنِّي لَكُمْ غَيْرُ كَافِرٍ وَلَا جَاعِلٍ مِنْ دُونِكَ الْمَالَ سَرْمَدَا
التاريخ 587لا حكم مسجّل
يَوْمُ أَقْرُنَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَا عَمْرُو بْنُ عَمْرِو بْنِ عُدَسٍ التَّمِيمِيُّ بَنِي عَبْسٍ، فَأَخَذَ إِبِلَهُمْ وَاسْتَاقَ سَبْيَهُمْ وَعَادَ، حَتَّى إِذَا كَانَ أَسْفَلَ ثَنِيَّةِ أَقْرُنَ، نَزَلَ وَابْتَنَى بِجَارِيَةٍ مِنَ السَّبْيِ، وَلَحِقَهُ الطَّلَبُ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ أَنَسُ الْفَوَارِسِ ابْنُ زِيَادٍ الْعَبْسِيُّ عَمْرًا وَابْنَهُ حَنْظَلَةَ، وَاسْتَرَدُّوا الْغَنِيمَةَ وَالسَّبْيَ، فَنَعَى جَرِيرٌ عَلَى بَنِي دَارِمٍ ذَلِكَ فَقَالَ: أَتَنْسُونَ عَمْرًا يَوْمَ بُرْقَةَ أَقْرُنٍ وَحَنْظَلَةَ الْمَقْتُولَ إِذْ هُوَ يَافِعَا وَكَانَ عَمْرٌو أَسْلَعَ أَبْرَصَ، وَكَانَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ قَدْ أَخْطَأُوا ثَنِيَّةَ الطَّرِيقِ فِي عَوْدِهِمْ وَسَلَكُوا غَيْرَ الطَّرِيقِ، فَسَقَطُوا مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي سَلَكُوهُ فَلَقُوا شِدَّةً فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ عَنْتَرَةُ: كَأَنَّ السَّرَايَا يَوْمَ نِيقٍ وَصَارَةٍ عَصَائِبُ طَيْرٍ يَنْتَحِينَ لِمَشْرَبِ شَفَى النَّفْسَ مِنِّي أَوْ دَنَا لِشِفَائِهَا تَهَوُّرُهُمْ مِنْ حَالِقٍ مُتَصَوِّبِ وَقَدْ كُنْتُ أَخْشَى أَنْ أَمُوتَ وَلَمْ تَقُمْ مَرَاتِبُ عَمْرٍو وَسْطَ نَوْحٍ مُسَلِّبِ وَكَانَتْ أُمُّ سَمَاعَةَ بْنِ عَمْرٍو مِنْ عَبْسٍ، فَزَارَهُ خَالُهُ فَقَتَلَهُ بِابْنِهِ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ مِسْكِينٌ الدَّارِمِيُّ: وَقَاتِلُ خَالِهِ بِأَبِيهِ مِنَّا سَمَاعَةُ لَمْ يَبِعْ نَسَبًا بِخَالِ
التاريخ 588لا حكم مسجّل
يَوْمُ السُّلَّانِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ حُمْسًا، وَالْحُمْسُ قُرَيْشٌ وَمَنْ لَهُ فِيهِمْ وِلَادَةٌ، وَالْحُمْسُ مُتَشَدِّدُونَ فِي دِينِهِمْ، وَكَانَتْ عَامِرٌ أَيْضًا لَقَاحًا لَا يَدِينُونَ لِلْمُلُوكِ. فَلَمَّا مَلَكَ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلَّكَهُ كِسْرَى أَبْرَوِيزُ، وَكَانَ يُجَهِّزُ كُلَّ عَامٍ لَطِيمَةً، وَهِيَ التِّجَارَةُ، لِتُبَاعَ بِعُكَاظَ، فَعَرَضَتْ بَنُو عَامِرٍ لِبَعْضِ مَا جَهَّزَهُ فَأَخَذُوهُ. فَغَضِبَ لِذَلِكَ النُّعْمَانُ وَبَعَثَ إِلَى أَخِيهِ لِأُمِّهِ، وَهُوَ وَبَرَةُ بْنُ رُومَانْسَ الْكَلْبِيُّ، وَبَعَثَ إِلَى صَنَائِعِهِ وَوَضَائِعِهِ، وَالصَّنَائِعُ مَنْ كَانَ يَصْطَنِعُهُ مِنَ الْعَرَبِ لِيُغْزِيَهُ، وَالْوَضَائِعُ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا شِبْهَ الْمَشَايِخِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي ضَبَّةَ بْنِ أُدٍّ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الرِّبَابِ وَتَمِيمٍ فَجَمَعَهُمْ، فَأَجَابُوهُ، فَأَتَاهُ ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ فِي تِسْعَةٍ مِنْ بَنِيهِ كُلُّهُمْ فَوَارِسُ وَمَعَهُ حُبَيْشُ بْنُ دُلَفٍ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا، فَاجْتَمَعُوا فِي جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَجَهَّزَ النُّعْمَانُ مَعَهُمْ عِيرًا وَأَمَرَهُمْ بِتَسْيِيرِهَا وَقَالَ لَهُمْ: إِذَا فَرَغْتُمْ مِنْ عُكَاظَ وَانْسَلَخَتِ الْحُرُمُ وَرَجَعَ كُلُّ قَوْمٍ إِلَى بِلَادِهِمْ، فَاقْصِدُوا بَنِي عَامِرٍ فَإِنَّهُمْ قَرِيبٌ بِنَوَاحِي السُّلَّانِ. فَخَرَجُوا وَكَتَمُوا أَمْرَهُمْ وَقَالُوا: خَرَجْنَا لِئَلَّا يَعْرِضَ أَحَدٌ لِلَطِيمَةِ الْمَلِكِ. فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ عُكَاظَ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِحَالِهِمْ، فَأَرْسَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ قَاصِدًا إِلَى بَنِي عَامِرٍ يُعْلِمُهُمُ الْخَبَرَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُمْ فَحَذِرُوا وَتَهَيَّأُوا لِلْحَرْبِ وَتَحَرَّزُوا وَوَضَعُوا الْعُيُونَ، وَعَادَ عَامِرٌ عَلَيْهِمْ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ مُلَاعِبُ الْأَسِنَّةِ، وَأَقْبَلَ الْجَيْشُ فَالْتَقَوْا بِالسُّلَّانِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا. فَبَيْنَا هُمْ يَقْتَتِلُونَ إِذْ نَظَرَ يَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُوَيْلِدٍ الصَّعْقُ إِلَى وَبَرَةَ بْنِ رُومَانْسَ أَخِي النُّعْمَانِ فَأَعْجَبَهُ هَيْئَتُهُ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ فَأَسَرَهُ. فَلَمَّا صَارَ فِي أَيْدِيهِمْ هَمَّ الْجَيْشُ بِالْهَزِيمَةِ، فَنَهَاهُمْ ضِرَارُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ وَقَامَ بِأَمْرِ النَّاسِ فَقَاتَلَ هُوَ وَبَنُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ وَمَا يَصْنَعُ بِبَنِي عَامِرٍ هُوَ وَبَنُوهُ حَمَلَ عَلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَرَاءٍ رَجُلًا شَدِيدَ السَّاعِدِ. فَلَمَّا حَمَلَ عَلَى ضِرَارٍ اقْتَتَلَا، فَسَقَطَ ضِرَارٌ إِلَى الْأَرْضِ وَقَاتَلَ عَلَيْهِ بَنُوهُ حَتَّى خَلَّصُوهُ وَرَكِبَ، وَكَانَ شَيْخًا، فَلَمَّا رَكِبَ قَالَ: " مَنْ سَرَّهُ بَنُوهُ سَاءَتْهُ نَفْسُهُ "، فَذَهَبَتْ مَثَلًا. يَعْنِي مَنْ سَرَّهُ بَنُوهُ إِذَا صَارُوا رِجَالًا كَبِرَ وَضَعُفَ فَسَاءَهُ ذَلِكَ. وَجَعَلَ أَبُو بَرَاءٍ يُلِحُّ عَلَى ضِرَارٍ طَمَعًا فِي فِدَائِهِ، وَجَعَلَ بَنُوهُ يَحْمُونَهُ. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو بَرَاءٍ قَالَ لَهُ: لَتَمُوتَنَّ أَوْ لَأَمُوتَنَّ دُونَكَ فَأَحِلْنِي عَلَى رَجُلٍ لَهُ فِدَاءٌ، فَأَوْمَأَ ضِرَارٌ إِلَى حُبَيْشِ بْنِ دُلَفٍ وَكَانَ سَيِّدًا، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَبُو بَرَاءٍ فَأَسَرَهُ، وَكَانَ حُبَيْشٌ أَسْوَدَ نَحِيفًا دَمِيمًا، فَلَمَّا رَآهُ كَذَلِكَ ظَنَّهُ عَبْدًا وَأَنَّ ضِرَارًا خَدَعَهُ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ، أَعْزَزَ سَائِرَ الْقَوْمِ، أَلَا فِي الشُّؤْمِ وَقَعْتُ ! فَلَمَّا سَمِعَهَا حُبَيْشٌ مِنْهُ خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ فَقَالَ: أَيُّهَا الرَّجُلُ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ اللَّبَنَ، يَعْنِي الْإِبِلَ، فَقَدْ أَصَبْتَهُ. فَافْتَدَى نَفْسَهُ بِأَرْبَعِمِائَةِ بَعِيرٍ وَهُزِمَ جَيْشُ النُّعْمَانِ. فَلَمَّا رَجَعَ الْفَلُّ إِلَيْهِ أَخْبَرُوهُ بِأَسْرِ أَخِيهِ، وَبِقِيَامِ ضِرَارٍ بِأَمْرِ النَّاسِ، وَمَا جَرَى لَهُ مَعَ أَبِي بَرَاءٍ، وَافْتَدَى وَبَرَةُ بْنُ رُومَانْسَ نَفْسَهُ بِأَلْفِ بَعِيرٍ وَفَرَسٍ مِنْ يَزِيدَ بْنِ الصَّعْقِ، فَاسْتَغْنَى يَزِيدُ، وَكَانَ قَبْلَهُ خَفِيفَ الْحَالِ، وَقَالَ لَبِيدٌ يَذْكُرُ أَيَّامَ قَوْمِهِ: إِنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أَرُومَةُ عَامِرٍ ضَيْمِي وَقَدْ حَنِقَتْ عَلَيَّ خُصُومُ يَقُولُ فِيهَا: وَغَدَاةَ قَاعِ الْقَرْيَتَيْنِ أَتَاهُمُ رَهْوًا يَلُوحُ خِلَالَهَا التَّسْوِيمُ بِكَتَائِبٍ رُجُحٍ تَعَوَّدَ كَبْشُهَا نَطْحَ الْكِبَاشِ كَأَنَّهُنَّ نُجُومُ قَوْلُهُ: قَاعِ الْقَرْيَتَيْنِ، يَعْنِي يَوْمَ السُّلَّانِ. ( حُبَيْشُ بْنُ دُلَفٍ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا نُقْطَتَانِ، وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ ).
التاريخ 589لا حكم مسجّل
يَوْمُ ذِي عَلَقٍ وَهُوَ يَوْمٌ الْتَقَى فِيهِ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَبَنُو أَسَدٍ بِذِي عَلَقٍ فَاقْتَتَلُوا اقْتِتَالًا شَدِيدًا عَظِيمًا. قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ رَبِيعَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كُلَابٍ الْعَامِرِيُّ أَبُو لَبِيدٍ الشَّاعِرِ وَانْهَزَمَتْ عَامِرٌ، فَتَبِعَهُمْ خَالِدُ بْنُ نَضْلَةَ الْأَسَدِيُّ وَابْنُهُ حَبِيبٌ وَالْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْمُضَلِّلِ، وَأَمْعَنُوا فِي الطَّلَبِ، فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلَّا وَقَدْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَرَاءٍ عَامِرُ بْنُ مَالِكٍ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لِخَالِدٍ: يَا أَبَا مَعْقِلٍ إِنْ شِئْتَ أَجَزْتَنَا وَأَجَزْنَاكَ حَتَّى نَحْمِلَ جَرْحَانَا وَنَدْفِنَ قَتْلَانَا. قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ. فَتَوَاقَفُوا. فَقَالَ لَهُ أَبُو بَرَاءٍ: هَلْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَ رَبِيعَةُ ؟ قَالَ: نَعَمْ تَرَكْتُهُ قَتِيلًا. قَالَ: وَمَنْ قَتَلَهُ ؟ قَالَ: ضَرَبْتُهُ أَنَا وَأَجْهَزَ عَلَيْهِ صَامِتُ بْنُ الْأَفْقَمِ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَرَاءٍ بِقَتْلِ رَبِيعَةَ حَمَلَ عَلَى خَالِدٍ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، فَمَانَعَهُمْ خَالِدٌ وَصَاحِبَاهُ وَأَخَذُوا سِلَاحَ حَبِيبِ بْنِ خَالِدٍ، وَلَحِقَهُمْ بَنُو أَسَدٍ فَمَنَعُوا أَصْحَابَهُمْ وَحَمُوهُمْ، فَقَالَ الْجُمَيْحُ: سَائِلٌ مَعَدًّا عَنِ الْفَوَارِسِ لَا أَوْفَوْا بِجِيرَانِهِمْ وَلَا سَلِمُوا يَسْعَى بِهِمْ قُرْزُلٌ وَيَسْتَمِعُ ال نَّاسُ إِلَيْهِمْ وَتُخْفِقُ اللِّمَمُ رَكْضًا وَقَدْ غَادَرُوا رَبِيعَةَ فِي الْأَثْآرِ لَمَّا تَقَارَبَ النَّسَمُ فِي صَدْرِهِ صَعْدَةٌ وَيَخْلِجُهُ بِالرُّمْحِ حَرَّانَ بَاسِلًا أَضِمُ قُرْزُلٌ: فَرَسُ الطُّفَيْلِ وَالِدِ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ. وَقَالَ لَبِيدٌ مِنْ قَصِيدَةٍ يَذْكُرُ أَبَاهُ: وَلَا مِنْ رَبِيعِ الْمُقْتَرِينَ رُزِئْتُهُ بِذِي عَلَقٍ فَاقْنَيْ حَيَاءَكِ وَاصْبِرِي
التاريخ 590لا حكم مسجّل
يَوْمُ الرَّقَمِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَتْ عَامِرُ بْنُ صَعْصَعَةَ غَطَفَانَ، وَمَعَ بَنِي عَامِرٍ يَوْمَئِذٍ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ شَابًّا لَمْ يُرَأَّسْ بَعْدُ، فَبَلَغُوا وَادِي الرَّقَمِ، وَبِهِ بَنُو مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدٍ وَمَعَهُمْ قَوْمٌ مِنْ أَشْجَعَ بْنِ ذِئْبِ بْنِ غَطَفَانَ وَنَاسٌ مِنْ فَزَارَةَ بْنِ ذُبْيَانَ، فَنُذِرُوا بِبَنِي عَامِرٍ وَهَجَمَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو عَامِرٍ بِالرَّقَمِ، وَهُوَ وَادٍ بِقُرْبِ تَضْرُعَ، فَالْتَقَوْا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَرَأَى امْرَأَةً مِنْ فَزَارَةَ فَسَأَلَهَا. فَقَالَتْ: أَنَا أَسْمَاءُ بِنْتُ نَوْفَلٍ الْفَزَارِيِّ. وَقِيلَ: كَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ. فَبَيْنَا عَامِرٌ يَسْأَلُهَا خَرَجَ عَلَيْهِ الْمُنْهَزِمُونَ مِنْ قَوْمِهِ وَبَنُو مُرَّةَ فِي أَعْقَابِهِمْ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَامِرٌ أَلْقَى دِرْعَهُ إِلَى أَسْمَاءَ وَوَلَّى مُنْهَزِمًا، فَأَدَّتْهَا إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَتَبِعَتْهُمْ مُرَّةُ وَعَلَيْهِمْ سِنَانُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ، وَجَعَلَ الْأَشْجَعِيُّونَ يَذْبَحُونَ كُلَّ مَنْ أَسَرُوهُ مِنْ بَنِي عَامِرٍ لِوَقْعَةٍ كَانَتْ أَوْقَعَتْهَا بِهِمْ بَنُو عَامِرٍ، فَذَلِكَ الْبَطْنُ مِنْ بَنِي أَشْجَعَ يُسَمُّونَ بَنِي مَذْحِجٍ، فَذَبَحُوا سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ يُذَكِّرُ غَطَفَانَ وَيُعَرِّضُ بِأَسْمَاءَ: قَدْ سَاءَلَتْ أَسْمَاءُ وَهْيَ خَفِيَّةٌ لِضِحَائِهَا أَطُرِدْتُ أَمْ لَمْ أُطْرَدِ فَلَأَبْغِيَنَّكُمُ الْقَنَا وَعَوَارِضًا وَلَأُقْبِلَنَّ الْخَيْلَ لَابَةَ ضَرْغَدِ وَلَأَبْرُزَنَّ بِمَالِكٍ وَبِمَالِكٍ وَأَخِي الْمَرَوْرَاتِ الَّذِي لَمْ يُسْنَدِ فِي أَبْيَاتٍ عِدَّةٍ. فَلَمَّا بَلَغَ شِعْرُهُ غَطَفَانَ هَجَاهُ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَكَانَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ حِينَئِذٍ غَائِبًا عِنْدَ مُلُوكِ غَسَّانَ قَدْ هَرَبَ مِنَ النُّعْمَانِ. فَلَمَّا آمَنَهُ النُّعْمَانُ وَعَادَ سَأَلَ قَوْمَهُ عَمَّا هَجَوْا بِهِ عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، فَأَنْشَدُوهُ مَا قَالُوا فِيهِ وَمَا قَالَ فِيهِمْ، فَقَالَ: لَقَدْ أَفْحَشْتُمْ وَلَيْسَ مِثْلَ عَامِرٍ يُهْجَى بِمِثْلِ هَذَا، ثُمَّ قَالَ يُخَطِّئُ عَامِرًا فِي ذِكْرِهِ امْرَأَةً مِنْ عَقَائِلِهِمْ: فَإِنْ يَكُ عَامِرٌ قَدْ قَالَ جَهْلًا فَإِنَّ مَطِيَّةَ الْجَهْلِ الشَّبَابُ فَإِنَّكَ سَوْفَ تَحْلُمُ أَوْ تُبَاهِي إِذَا مَا شِبْتَ أَوْ شَابَ الْغُرَابُ فَكُنْ كَأَبِيكَ أَوْ كَأَبِي بَرَاءٍ تُوَافِقْكَ الْحُكُومَةُ وَالصَّوَابُ فَلَا تَذْهَبْ بِحُلْمِكَ طَامِيَاتٌ مِنَ الْخُيَلَاءِ لَيْسَ لَهُنَّ بَابُ إِلَى آخِرِهَا. فَلَمَّا سَمِعَهَا عَامِرٌ قَالَ: مَا هُجِيتُ قَبْلَهَا.
التاريخ 591لا حكم مسجّل
يَوْمُ سَاحُوقَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَتْ بَنُو ذُبْيَانَ بَنِي عَامِرٍ وَهُمْ بِسَاحُوقَ، وَعَلَى ذُبْيَانَ سِنَانُ بْنُ أَبِي حَارِثَةَ الْمُرِّيُّ، وَقَدْ جَهَّزَهُمْ وَأَعْطَاهُمُ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَزَوَّدَهُمْ، فَأَصَابُوا نَعَمًا كَثِيرَةً وَعَادُوا، فَلَحِقَتْهُمْ بَنُو عَامِرٍ وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا. ثُمَّ انْهَزَمَتْ بَنُو عَامِرٍ وَأُصِيبَ مِنْهُمْ رِجَالٌ وَرَكِبُوا الْفَلَاةَ، فَهَلَكَ أَكْثَرُهُمْ عَطَشًا، وَكَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا، وَجَعَلَتْ ذُبْيَانُ تُدْرِكُ الرَّجُلَ مِنْهُمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: قِفْ وَلَكَ نَفْسُكَ وَضَعْ سِلَاحَكَ، فَيَفْعَلُ. وَكَانَ يَوْمًا عَظِيمًا عَلَى عَامِرٍ، وَانْهَزَمَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ وَأَخُوهُ الْحَكَمُ، ثُمَّ إِنَّ الْحَكَمَ ضَعُفَ وَخَافَ أَنْ يُؤْسَرَ، فَجَعَلَ فِي عُنُقِهِ حَبْلًا وَصَعِدَ إِلَى شَجَرَةٍ وَشَدَّهُ وَدَلَّى نَفْسَهُ فَاخْتَنَقَ، وَفَعَلَ مِثْلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي غَنِيٍّ، فَلَمَّا أَلْقَى نَفْسَهُ نَدِمَ فَاضْطَرَبَ، فَأَدْرَكُوهُ وَخَلَّصُوهُ وَعَيَّرُوهُ بِجَزَعِهِ، وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الْوَرْدِ الْعَبْسِيُّ فِي ذَلِكَ: وَنَحْنُ صَبَحْنَا عَامِرًا فِي دِيَارِهَا عُلَالَةَ أَرْمَاحٍ وَضَرْبًا مُذَكَّرَا بِكُلِّ رُقَاقِ الشَّفْرَتَيْنِ مُهَنَّدٍ وَلَدْنٍ مِنَ الْخَطِّيِّ قَدْ طُرَّ أَسَمَرَا عَجِبْتُ لَهُمْ إِذْ يَخْنُقُونَ نُفُوسَهُمْ وَمَقْتَلُهُمْ تَحْتَ الْوَغَى كَانَ أَجْدَرَا
التاريخ 592لا حكم مسجّل
يَوْمُ أَعْيَارٍ وَيَوْمُ النَّقِيعَةِ كَانَ الْمُثَلَّمُ بْنُ الْمُشَجَّرِ الْعَائِذِيُّ ثُمَّ الضَّبِّيُّ مُجَاوِرًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَتَقَامَرَ هُوَ وَعُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْكَمَلَةِ، فَقَمَرَهُ عُمَارَةُ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عَشَرَةُ أَبْكُرٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْمُثَلَّمُ أَنْ يُخَلِّيَ عَنْهُ حَتَّى يَأْتِيَ أَهْلَهُ فَيُرْسِلَ إِلَيْهِ بِالَّذِي لَهُ، فَأَبَى ذَلِكَ، فَرَهَنَهُ ابْنُهُ شِرْحَافُ بْنُ الْمُثَلَّمِ فَأَتَى قَوْمَهُ فَأَخَذَ الْبَكَارَةَ فَأَتَى بِهَا عُمَارَةَ وَافَتَكَّ ابْنَهُ. فَلَمَّا انْطَلَقَ بِابْنِهِ قَالَ لَهُ فِي الطَّرِيقِ: يَا أَبَتَاهُ مَنْ مِعْضَالٌ ؟ قَالَ: ذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّكَ ذَهَبَ فَلَمْ يُوجَدْ إِلَى السَّاعَةِ. قَالَ شِرْحَافٌ: فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ قَاتِلَهُ. قَالَ أَبُوهُ: وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ: عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ لِلْقَوْمِ يَوْمًا وَقَدْ أَخَذَ فِيهِ الشَّرَابُ إِنَّهُ قَتَلَهُ وَلَمْ يَلْقَ لَهُ طَالِبًا. وَلَبِثُوا بَعْدَ ذَلِكَ حِينًا وَشَبَّ شِرْحَافٌ. ثُمَّ إِنَّ عُمَارَةَ جَمَعَ جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ عَبْسٍ فَأَغَارَ بِهِمْ عَلَى بَنِي ضَبَّةَ فَأَخَذُوا إِبِلَهُمْ، وَرَكِبَتْ بَنُو ضَبَّةَ فَأَدْرَكُوهُمْ فِي الْمَرْعَى. فَلَمَّا نَظَرَ شِرْحَافٌ إِلَى عُمَارَةَ قَالَ: يَا عُمَارَةُ أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ: مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: أَنَا شِرْحَافٌ، أَدِّ إِلَيَّ ابْنَ عَمِّي مِعْضَالًا، لَا مِثْلَهُ يَوْمَ قَتَلْتَهُ ! وَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، وَاقْتَتَلَتْ ضَبَّةُ وَعَبْسٌ قِتَالًا شَدِيدًا وَاسْتَنْقَذَتْ ضَبَّةُ الْإِبِلَ، وَقَالَ شِرْحَافٌ: أَلَا أَبْلِغْ سَرَاةَ بَنِي بَغِيضٍ بِمَا لَاقَتْ سَرَاةُ بَنِي زِيَادِ وَمَا لَاقَتْ جَذِيمَةُ إِذْ تُحَامِي وَمَا لَاقَى الْفَوَارِسُ مِنْ بِجَادِ تَرَكْنَا بِالنَّقِيعَةِ آلَ عَبْسٍ شَعَاعًا يُقْتَلُونَ بِكُلِّ وَادِ وَمَا إِنْ فَاتَنَا إِلَّا شَرِيدٌ يَؤُمُّ الْقَفْرَ فِي تِيهِ الْبِلَادِ فَسَلْ عَنَّا عُمَارَةَ آلَ عَبْسٍ وَسَلْ وَرْدًا وَمَا كُلُّ بَدَادِ تَرَكْتُهُمُ بِوَادِي الْبَطْنِ رَهْنًا لِسِيدَانِ الْقَرَارَةِ وَالْجِلَادِ
التاريخ 593لا حكم مسجّل
يَوْمُ النُّبَاةِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: خَرَجَتْ بَنُو عَامِرٍ تُرِيدُ غَطَفَانَ لِتُدْرِكَ بِثَأْرِهَا يَوْمَ الرَّقَمِ وَيَوْمَ سَاحُوقَ، فَصَادَفَتْ بَنِي عَبْسٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ مِنْ غَطَفَانَ، وَكَانَتْ عَبْسٌ لَمْ تَشْهَدْ يَوْمَ الرَّقَمِ وَلَا يَوْمَ سَاحُوقَ مَعَ غَطَفَانَ وَلَمْ يُعِينُوهُمْ عَلَى بَنِي عَامِرٍ، وَقِيلَ: بَلْ شَهِدَهَا أَشْجَعُ وَفَزَارَةُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ بَنِي غَطَفَانَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. قَالَ: وَأَغَارَتْ بَنُو عَامِرٍ عَلَى نَعَمِ بَنِي عَبْسٍ وَذُبْيَانَ وَأَشْجَعَ، فَأَخَذُوهَا وَعَادُوا مُتَوَجِّهِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَضَلُّوا فِي الطَّرِيقِ، فَسَلَكُوا وَادِيَ النُّبَاةِ فَأَمْعَنُوا فِيهِ وَلَا طَرِيقَ لَهُمْ وَلَا مَطْلَعَ حَتَّى قَارَبُوا آخِرَهُ. وَكَادَ الْجَبَلَانِ يَلْتَقِيَانِ إِذَا هُمْ بِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْسٍ تَخْبِطُ الشَّجَرَ لَهُمْ فِي قُلَّةِ الْجَبَلِ. فَسَأَلُوهَا عَنِ الْمَطْلَعِ. فَقَالَتْ لَهُمْ: الْفَوَارِسُ الْمَطْلَعُ، وَكَانَتْ قَدْ رَأَتِ الْخَيْلَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَهِيَ عَلَى الْجَبَلِ، وَلَمْ يَرَهَا بَنُو عَامِرٍ لِأَنَّهُمْ فِي الْوَادِي، فَأَرْسَلُوا رَجُلًا إِلَى قُلَّةِ الْجَبَلِ يَنْظُرُ، فَقَالَ لَهُمْ: أَرَى قَوْمًا كَأَنَّهُمُ الصِّبْيَانُ عَلَى مُتُونِ الْخَيْلِ، أَسِنَّةُ رِمَاحِهِمْ عِنْدَ آذَانِ خَيْلِهِمْ. قَالُوا: تِلْكَ فَزَارَةُ، قَالَ: وَأَرَى قَوْمًا بِيضًا جِعَادًا كَأَنَّ عَلَيْهِمْ ثِيَابًا حُمْرًا. قَالُوا: تِلْكَ أَشْجَعُ. قَالَ: وَأَرَى قَوْمًا نُسُورًا قَدْ قَلَعُوا خُيُولَهُمْ بِسَوَادِهِمْ، كَأَنَّمَا يَحْمِلُونَهَا حَمْلًا بِأَفْخَاذِهِمْ، آخِذِينَ بِعَوَامِلِ رِمَاحِهِمْ يَجُرُّونَهَا قَالُوا: تِلْكَ عَبْسٌ، أَتَاكُمُ الْمَوْتُ الزُّؤَامُ ! وَلَحِقَهُمُ الطَّلَبُ بِالْوَادِي، فَكَانَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ أَوَّلَ مَنْ سَبَقَ عَلَى فَرَسِهِ الْوَرْدَ فَفَاتَ الْقَوْمَ، وَأَعْيَا فَرَسَهُ الْوَرْدُ، وَهُوَ الْمَرْبُوقُ أَيْضًا فَعَقَرَهُ لِئَلَّا تَفْتَحِلَهُ فَزَارَةُ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ، وَدَامَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَتْ عَامِرٌ فَقُتِلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةٌ كَبِيرَةٌ، قُتِلَ فِيهَا مِنْ أَشْرَافِهِمُ الْبَرَاءُ بْنُ عَامِرِ بْنِ مَالِكٍ، وَبِهِ يُكَنَّى أَبُوهُ، وَقُتِلَ نَهْشَلٌ وَأَنَسٌ وَهَزَارُ بَنُو مُرَّةَ بْنِ أَنَسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ، وَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الطُّفَيْلِ أَخَا عَامِرٍ، قَتَلَهُ الرَّبِيعُ بْنُ زِيَادٍ الْعَبْسِيُّ، وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ، وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى بَنِي عَامِرٍ.
التاريخ 594لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْفُرَاتِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: أَغَارَ الْمُثَنَّى بْنُ حَارِثَةَ الشَّيْبَانِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ عُمْرَانَ بْنِ مُرَّةَ، عَلَى بَنِي تَغْلِبَ، وَهُمْ عِنْدَ الْفُرَاتِ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ، فَظَفِرَ بِهِمْ فَقَتَلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ مُقَاتِلَتِهِمْ، وَغَرِقَ مِنْهُمْ نَاسٌ كَثِيرٌ فِي الْفُرَاتِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ وَقَسَّمَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ شَاعِرُهُمْ فِي ذَلِكَ: وَمِنَّا الَّذِي غَشَّى الدُّلَيْكَةَ سَيْفَهُ عَلَى حِينِ أَنْ أَعْيَا الْفُرَاتَ كَتَائِبُهْ وَمِنَّا الَّذِي شَدَّ الرَّكِيَّ لِيَسْتَقِي وَيَسْقِيَ مَحْضًا غَيْرَ ضَافٍ جَوَانِبُهْ وَمِنَّا غَرِيبُ الشَّامِ لَمْ يُرَ مِثْلُهُ أَفَكَّ لِعَانٍ قَدْ تَنَاءَى أَقَارِبُهْ الدُّلَيْكَةُ: فَرَسُ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ، وَالَّذِي شَدَّ الرَّكِيَّ مُرَّةُ بْنُ هَمَّامٍ، وَغَرِيبُ الشَّامِ ابْنُ الْقَلُوصِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
التاريخ 595لا حكم مسجّل
يَوْمُ بَارِقٍ قَالَ الْمُفَضَّلُ الضَّبِّيُّ: إِنَّ بَنِي تَغْلِبَ وَالنَّمِرَ بْنَ قَاسِطٍ وَنَاسًا مِنْ تَمِيمٍ اقْتَتَلُوا حَتَّى نَزَلُوا نَاحِيَةَ بَارِقٍ، وَهِيَ مِنْ أَرْضِ السَّوَادِ، وَأَرْسَلُوا وَفْدًا مِنْهُمْ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ يَطْلُبُونَ إِلَيْهِمُ الصُّلْحَ، فَاجْتَمَعَتْ شَيْبَانُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَأَرَادُوا قَصْدَ تَغْلِبَ وَمَنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ شَرِيكٍ الشَّيْبَانِيُّ: إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَخْوَالِي وَهُمُ النَّمِرُ بْنُ قَاسِطٍ، فَأَمْضَوْا جِوَارَهُ وَسَارُوا وَأَوْقَعُوا بِبَنِي تَغْلِبَ وَتَمِيمٍ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً لَمْ تُصَبْ تَغْلِبُ بِمِثْلِهَا، وَاقْتَسَمُوا الْأَسْرَى وَالْأَمْوَالَ، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَيَّامِ عَلَيْهِمْ، قُتِلَ الرِّجَالُ وَنُهِبَ الْأَمْوَالُ وَسُبِيَ الْحَرِيمُ، فَقَالَ أَبُو كَلْبَةَ الشَّيْبَانِيُّ: وَلَيْلَةً بِسَعَادَى لَمْ تَدَعْ سَنَدًا لِتَغْلِبِيٍّ وَلَا أَنَفًا وَلَا حَسَبَا وَالنَّمِرِيُّونَ لَوْلَا سِرُّ مَنْ وُلِدُوا مِنْ آلِ مُرَّةَ شَاعَ الْحَيُّ مُنْتَهَبَا
التاريخ 596لا حكم مسجّل
يَوْمُ طِخْفَةَ وَهُوَ لِبَنِي يَرْبُوعٍ عَلَى عَسَاكِرِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْحَرْبِ أَنَّ الرَّدَافَةَ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْوَزَارَةِ، وَكَانَ الرَّدِيفُ يَجْلِسُ عَنْ يَمِينِ الْمَلِكِ، كَانَتْ لِبَنِي يَرْبُوعٍ مِنْ تَمِيمٍ يَتَوَارَثُونَهَا صَغِيرًا عَنْ كَبِيرٍ. فَلَمَّا كَانَ أَيَّامُ النُّعْمَانِ، وَقِيلَ أَيَّامُ ابْنِهِ الْمُنْذِرِ، سَأَلَهَا حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ الدَّارِمِيُّ التَّمِيمِيُّ النُّعْمَانَ أَنْ يَجْعَلَهَا لِلْحَارِثِ بْنِ بَيْبَةَ بْنِ قُرْطِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ الدَّارِمِيِّ التَّمِيمِيِّ، فَقَالَ النُّعْمَانُ لِبَنِي يَرْبُوعٍ فِي هَذَا، وَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ، فَامْتَنَعُوا، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ أَسْفَلَ طِخْفَةَ، فَحَيْثُ امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَيْهِمُ النُّعْمَانُ قَابُوسَ ابْنَهُ وَحَسَّانًا أَخَاهُ ابْنَيِ الْمُنْذِرِ، قَابُوسُ عَلَى النَّاسِ، وَحَسَّانُ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ، وَضَمَّ إِلَيْهِمَا جَيْشًا كَثِيفًا، مِنْهُمُ الصَّنَائِعُ وَالْوَضَائِعُ وَنَاسٌ مِنْ تَمِيمٍ وَغَيْرِهِمْ، فَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا طِخْفَةَ فَالْتَقَوْا هُمْ وَيَرْبُوعٌ وَاقْتَتَلُوا، وَصَبَرَتْ يَرْبُوعٌ وَانْهَزَمَ قَابُوسٌ وَمَنْ مَعَهُ، وَضَرَبَ طَارِقٌ أَبُو عَمِيرَةَ فَرَسَ قَابُوسَ فَعَقَرَهُ وَأَسَرَهُ، وَأَرَادَ أَنْ يَجُزَّ نَاصِيَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُلُوكَ لَا تُجَزُّ نَوَاصِيَهَا، فَأَرْسَلَهُ. وَأَمَّا حَسَّانُ فَأَسَرَهُ بِشْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ جُوَيْنٍ فَمَنَّ عَلَيْهِ وَأَرْسَلَهُ. فَعَادَ الْمُنْهَزِمُونَ إِلَى النُّعْمَانِ، وَكَانَ شِهَابُ بْنُ قَيْسِ بْنِ كِيَاسٍ الْيَرْبُوعِيُّ عِنْدَ الْمَلِكِ، فَقَالَ لَهُ: يَا شِهَابُ أَدْرِكِ ابْنِي وَأَخِي، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُمَا حَيَّيْنِ فَلِبَنِي يَرْبُوعٍ حُكْمُهُمْ وَأَرُدُّ عَلَيْهِمْ رِفَادَتَهُمْ، وَأَتْرُكُ لَهُمْ مَنْ قَتَلُوا وَمَا غَنِمُوا، وَأُعْطِيهِمْ أَلْفَيْ بَعِيرٍ. فَسَارَ شِهَابٌ فَوَجَدَهُمَا حَيَّيْنِ فَأَطْلَقَهُمَا، وَوَفَّى الْمَلِكُ لِبَنِي يَرْبُوعٍ بِمَا قَالَ، وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ فِي رِفَادَتِهِمْ. وَقَالَ مَالِكُ بْنُ نُوَيْرَةَ: وَنَحْنُ عَقَرْنَا مُهْرَ قَابُوسَ بَعْدَمَا رَأَى الْقَوْمُ مِنْهُ الْمَوْتَ وَالْخَيْلُ تَلْحَبُ عَلَيْهِ دِلَاصٌ ذَاتُ نَسْجٍ وَسَيْفُهُ جُرَازٌ مِنَ الْهِنْدِيِّ أَبْيَضُ مِقْضَبُ طَلَبْنَا بِهَا إِنَّا مَدَارِيكُ نَيْلِهَا إِذَا طَلَبَ الشَّأْوَ الْبَعِيدَ الْمُغَرِّبُ
التاريخ 597لا حكم مسجّل
يَوْمُ النِّبَاجِ وَثَيْتَلٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: غَزَا قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ ثُمَّ التَّمِيمِيُّ بِمُقَاعِسَ، وَهُمْ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ، وَهُمْ صَرِيمٌ وَرَبِيعٌ وَعُبَيْدٌ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ، وَغَزَا مَعَهُ سَلَامَةُ بْنُ ظَرِبٍ الْحِمَّانِيُّ فِي الْحَارِثِ، وَهُمْ بُطُونٌ مِنْ تَمِيمٍ أَيْضًا، وَهُمْ حِمَّانُ وَرَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَالْأَعْرَجُ بَنُو كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ، فَغَزَوْا بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ، فَوَجَدُوا اللَّهَازِمَ، وَهُمْ بَنُو قَيْسٍ وَتَيْمُ اللَّاتِ أَبْنَاءُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَمَعَهُمْ بَنُو ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَعِجْلُ بْنُ لُجَيْمٍ وَعَنَزَةُ بْنُ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بِالنِّبَاجِ وَثَيْتَلٍ، وَبَيْنَهُمَا رَوْحَةٌ، فَأَغَارَ قَيْسٌ عَلَى النِّبَاجِ، وَمَضَى سَلَامَةُ إِلَى ثَيْتَلٍ لِيُغِيرَ عَلَى مَنْ بِهَا. فَلَمَّا بَلَغَ قَيْسٌ إِلَى النِّبَاجِ سَقَى خَيْلَهُ ثُمَّ أَرَاقَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الْمَاءِ وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: قَاتِلُوا فَالْمَوْتُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَالْفَلَاةُ مِنْ وَرَائِكُمْ، فَأَغَارَ عَلَى مَنْ بِهِ مِنْ بَكْرٍ صُبْحًا، فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا، وَانْهَزَمَتْ بَكْرٌ وَأُصِيبَ مِنْ غَنَائِمِهِمْ مَا لَا يُحَدُّ كَثْرَةً. فَلَمَّا فَرَغَ قَيْسٌ مِنَ النَّهْبِ عَادَ مُسْرِعًا إِلَى سَلَامَةَ وَمَنْ مَعَهُ نَحْوَ ثَيْتَلٍ فَأَدْرَكَهُمْ، وَلَمْ يَغْزُ سَلَامَةُ عَلَى مَنْ بِهِ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ قَيْسٌ أَيْضًا، فَقَاتَلُوهُ وَانْهَزَمُوا، وَأَصَابَ مِنَ الْغَنَائِمِ نَحْوَ مَا أَصَابَ بِالنِّبَاجِ، وَجَاءَ سَلَامَةُ فَقَالَ: أَغَرْتُمْ عَلَى مَنْ كَانَ لِي، فَتَنَازَعُوا حَتَّى كَادَ الشَّرُّ يَقَعُ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَلَى تَسْلِيمِ الْغَنَائِمِ إِلَيْهِ، فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ رَبِيعَةُ بْنُ طَرِيفٍ: فَلَا يُبْعِدَنْكَ اللَّهُ قَيْسُ بْنَ عَاصِمٍ فَأَنْتَ لَنَا غِزٌّ عَزِيزٌ وَمَعْقِلُ وَأَنْتَ الَّذِي حَرَّبْتَ بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ وَقَدْ عُضِّلَتْ مِنْهَا النِّبَاجُ وَثَيْتَلُ وَقَالَ قُرَّةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَا ابْنُ الَّذِي شَقَّ الْمَزَادَ وَقَدْ رَأَى بِثَيْتَلَ أَحْيَاءَ اللَّهَازِمِ حُضَّرَا فَصَبَّحَهُمْ بِالْجَيْشِ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا الْأَسِنَّةَ مَصْدَرَا سَقَاهُمْ بِهَا الذِّيفَانَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَكَانَ إِذَا مَا أَوْرَدَ الْأَمْرَ أَصْدَرَا عَلَى الْجُرْدِ يَعْلُكْنَ الشَّكِيمَ عَوَابِسًا إِذَا الْمَاءُ مِنْ أَعْطَافِهِنَّ تَحَدَّرَا فَلَمْ يَرَهَا الرَّاؤُونَ إِلَّا فُجَاءَةً يُثِرْنَ عَجَاجًا كَالدَّوَاخِنِ أَكْدَرَا وَحُمْرَانُ أَدَّتْهُ إِلَيْنَا رِمَاحُنَا فَنَازَعَ غُلًّا فِي ذِرَاعَيْهِ أَسَمْرَا ( ثَيْتَلُ: بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمَفْتُوحَةِ، وَالْيَاءِ الْمُسَكَّنَةِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقِهَا ).
التاريخ 598لا حكم مسجّل
يَوْمُ فَلْجٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: هَذَا يَوْمٌ لِبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَلَى بَنِي تَمِيمٍ. وَسَبَبُهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ بَكْرٍ سَارُوا إِلَى الصِّعَابِ فَشَتُّوا بِهَا، فَلَمَّا انْقَضَى الرَّبِيعُ انْصَرَفُوا فَمَرُّوا بِالدَّوِّ فَلَقُوا نَاسًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ بَنِي عَمْرٍو وَحَنْظَلَةَ، فَأَغَارُوا عَلَى نَعَمٍ كَثِيرٍ لَهُمْ وَمَضَوْا، وَأَتَى بَنِي عَمْرٍو وَحَنْظَلَةَ الصَّرِيخُ، فَاسْتَجَاشُوا لِقَوْمِهِمْ فَأَقْبَلُوا فِي آثَارِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَسَارُوا يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ حَتَّى جَهَدَهُمُ السَّيْرُ وَانْحَدَرُوا فِي بَطْنِ فَلْجٍ، وَكَانُوا قَدْ خَلَّفُوا رَجُلَيْنِ عَلَى فَرَسَيْنِ سَابِقَيْنِ رَبِيئَةً لِيُخْبِرَاهُمْ بِخَبَرِهِمْ إِنْ سَارُوا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا وَصَلَتْ تَمِيمٌ إِلَى الرَّجُلَيْنِ أَجْرَيَا فَرَسَيْهِمَا وَسَارَا مُجِدَّيْنِ فَأَنْذَرَا قَوْمَهُمَا، فَأَتَاهُمُ الصَّرِيخُ بِمَسِيرِ تَمِيمٍ عِنْدَ وُصُولِهِمْ إِلَى فَلْجٍ، فَضَرَبَ حَنْظَلَةُ بْنُ يَسَارٍ الْعِجْلِيُّ قُبَّتَهُ، وَنَزَلَ فَنَزَلَ النَّاسُ مَعَهُ وَتَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ مَعَهُ، وَلَحِقَتْ بَنُو تَمِيمٍ فَقَاتَلَتْهُمْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ عَرْفَجَةُ بْنُ بَحِيرٍ الْعِجْلِيُّ عَلَى خَالِدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ التَّمِيمِيِّ فَطَعَنَهُ وَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَقُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ رِبْعِيُّ بْنُ مَالِكِ بْنِ سَلَمَةَ، فَانْهَزَمَتْ تَمِيمٌ وَبَلَغَتْ بَكْرُ بْنُ وَائِلٍ مِنْهَا مَا أَرَادَتْ، ثُمَّ إِنَّ عَرْفَجَةَ أَطْلَقَ خَالِدَ بْنَ مَالِكٍ وَجَزَّ نَاصِيَتَهُ، فَقَالَ خَالِدٌ: وَجَدْنَا الرِّفْدَ رِفْدَ بَنِي لُجَيْمٍ إِذَا مَا قَلَّتِ الْأَرْفَادُ زَادَا هُمُ ضَرَبُوا الْقِبَابَ بِبَطْنِ فَلْجٍ وَذَادُوا عَنْ مَحَارِمِهِمْ ذِيَادَا وَهُمْ مَنُّوا عَلَيَّ وَأَطْلَقُونِي وَقَدْ طَاوَعْتُ فِي الْجَنْبِ الْقِيَادَا أَلَيْسُوا خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا وَأَعْظَمَهُمْ إِذَا اجْتَمَعُوا رَمَادَا أَلَيْسَ هُمُ عِمَادُ الْحَيِّ بَكْرًا إِذَا نَزَلَتْ مُجَلَّلَةً شِدَادَا وَقَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ يُعَيِّرُ خَالِدًا: لَوْ كُنْتَ حُرًّا يَا ابْنَ سُلْمَى بْنِ جَنْدَلٍ نَهَضْتَ وَلَمْ تَقْصِدْ لِسُلْمَى بْنِ جَنْدَلِ فَمَا بَالُ أَصْدَاءٍ بِفَلْجٍ غَرِيبَةٍ تُنَادِي مَعَ الْأَطْلَالِ: يَا لِابْنِ حَنْظَلِ صَوَادِيَ لَا مَوْلًى عَزِيزٌ يُجِيبُهَا وَلَا أُسْرَةٌ تَسْقِي صَدَاهَا بِمَنْهَلِ وَغَادَرْتَ رِبْعِيًّا بِفَلْجٍ مُلَحَّبًا وَأَقْبَلْتَ فِي أُولَى الرَّعِيلِ الْمُعَجَّلِ تُوَائِلُ مِنْ خَوْفِ الرَّدَى لَا وُقِيتَهُ كَمَا نَالَتِ الْكَدْرَاءُ مِنْ حَيْنِ أَجْدَلِ يُعَيِّرُهُ حَيْثُ لَمْ يَأْخُذْ بِثَأْرِ أَخِيهِ رِبْعِيٍّ وَمَنْ قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ فَلْجٍ، وَيَقُولُ: إِنَّ أَصْدَاءَهُمْ تُنَادِي وَلَا يَسْقِيهَا أَحَدٌ، عَلَى مَذْهَبِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَوْلَا التَّطْوِيلُ لَشَرَحْنَاهُ أَبْيَنَ مِنْ هَذَا.
التاريخ 599لا حكم مسجّل
يَوْمُ الشَّيِّطَيْنِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كَانَ الشَّيْطَانُ لِبَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، فَلَمَّا ظَهَرَ الْإِسْلَامُ فِي نَجْدٍ سَارَتْ بَكْرٌ قِبَلَ السَّوَادِ، وَبَقِيَ مُقَايِسُ بْنُ عَمْرٍو الْعَائِذِيُّ بْنُ عَائِذَةَ مِنْ قُرَيْشٍ حَلِيفُ بَنِي شَيْبَانَ بِالشَّيِّطَيْنِ. فَلَمَّا أَقَامَتْ بَكْرٌ فِي السَّوَادِ لَحِقَهُمُ الْوَبَاءُ وَالطَّاعُونُ الَّذِي كَانَ أَيَّامَ كِسْرَى شِيرَوَيْهِ، فَعَادُوا هَارِبِينَ فَنَزَلُوا لَعْلَعَ، وَهِيَ مُجْدِبَةٌ، وَقَدْ أَخْصَبَ الشَّيِّطَانُ، فَسَارَتْ تَمِيمٌ فَنَزَلُوا بِهَا. وَبَلَغَتْ أَخْبَارُ الشَّيِّطَيْنِ إِلَى بَكْرٍ فَاجْتَمَعُوا وَقَالُوا: نُغِيرُ عَلَى تَمِيمٍ، فَإِنَّ فِي دِينِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَعْنُونَ النَّبِيَّ، أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا قُتِلَ بِهَا، فَنُغِيرُ هَذِهِ الْغَارَةَ ثُمَّ نُسْلِمُ عَلَيْهَا، فَارْتَحَلُوا مِنْ لَعْلَعَ بِالذَّرَارِيِّ وَالْأَمْوَالِ وَرَئِيسُهُمْ بِشْرُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ، فَأَتَوُا الشَّيِّطَيْنِ فِي أَرْبَعِ لَيَالٍ، وَالَّذِي بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَمَانِي لَيَالٍ، فَسَبَقُوا كُلَّ خَبَرٍ حَتَّى صَبَّحُوهُمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَقَاتَلُوهُمْ قِتَالًا شَدِيدًا وَصَبَرَتْ تَمِيمٌ ثُمَّ انْهَزَمَتْ، فَقَالَ رَشِيدُ بْنُ رُمَيْضٍ الْعَنْبَرِيُّ يَفْخَرُ بِذَلِكَ: وَمَا كَانَ بَيْنَ الشَّيِّطَيْنِ وَلَعْلَعٍ لِنِسْوَتِنَا إِلَّا مَنَاقِلُ أَرْبَعُ فَجِئْنَا بِجَمْعٍ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ يَكَادُ لَهُ ظَهْرُ الْوَرِيعَةِ يَظْلَعُ بِأَرْعَنَ دَهْمٍ تَنْسِلُ الْبُلْقُ وَسْطَهُ لَهُ عَارِضٌ فِيهِ الْمَنِيَّةُ تَلْمَعُ صَبَحْنَا بِهِ سَعْدًا وَعَمْرًا وَمَالِكًا فَظَلَّ لَهُمْ يَوْمٌ مِنَ الشَّرِّ أَشْنَعُ وَذَا حَسَبٍ مِنْ آلِ ضَبَّةَ غَادَرُوا بِجَرْيٍ كَمَا يَجْرِي الْفَصِيلُ الْمُفَزَّعُ تَقَصَّعُ يَرْبُوعٌ بِسُرَّةِ أَرْضِنَا وَلَيْسَ لِيَرْبُوعٍ بِهَا مُتَقَصَّعُ ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَلَى مَا بِأَيْدِيهِمْ. ( الشَّيِّطَانُ: بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ، وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِهَا، وَبِالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، آخِرُهُ نُونٌ ).
التاريخ 600لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ رِزَاحٍ فِي نُصْرَتِهِ قُصَيًّا وَرَدُّ قُصَيٍّ عَلَيْهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ قُصَيٌّ مِنْ حَرْبِهِ، انْصَرَفَ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ إلَى بِلَادِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ رِزَاحٌ فِي إجَابَتِهِ قُصَيًّا: : لَمَّا أَتَى مِنْ قُصَيٍّ رَسُولُ فَقَالَ الرَّسُولُ أَجِيبُوا الْخَلِيلَا نَهَضْنَا إلَيْهِ نَقُودُ الْجِيَادَ وَنَطْرَحُ عَنَّا الْمَلُولَ الثَّقِيلَا نَسِيرُ بِهَا اللَّيْلَ حَتَّى الصَّبَاحِ وَنَكْمِي النَّهَارَ لِئَلَّا نَزُولَا فَهُنَّ سِرَاعٌ كَوِرْدِ الْقَطَا يُجِبْنَ بِنَا مِنْ قُصَيٍّ رَسُولَا جَمَعْنَا مِنْ السِّرِّ مِنْ أَشْمَذَيْنِ وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ جَمَعْنَا قَبِيلَا فَيَا لَكَ حُلْبَةَ مَا لَيْلَةٌ تَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ سَيْبًا رَسِيلَا فَلَمَّا مَرَرْنَ عَلَى عَسْجَدٍ وَأَسْهَلْنَ مِنْ مُسْتَنَاخٍ سَبِيلَا وَجَاوَزْنَ بِالرُّكْنِ مِنْ وَرِقَانٍ وَجَاوَزْنَ بِالْعَرْجِ حَيَّا حُلُولَا مَرَرْنَ عَلَى الْحِلِّ مَا ذُقْنَهُ وَعَالَجْنَ مِنْ مَرٍّ لَيْلًا طَوِيلَا نُدْنِي مِنْ الْعُوذِ أَفْلَاءَهَا إرَادَةَ أَنْ يَسْتَرِقْنَ الصَّهِيلَا فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَى مَكَّةَ أَبَحْنَا الرِّجَالَ قَبِيلًا قَبِيلًا نُعَاوِرُهُمْ ثُمَّ حَدَّ السُّيُوفِ وَفِي كُلِّ أَوْبٍ خَلَسْنَا الْعَقُولَا نُخَبِّزُهُمْ بِصَلَابِ النُّسُو رِ خَبْزَ الْقَوِيِّ الْعَزِيزَ الذَّلِيلَا قَتَلْنَا خُزَاعَةَ فِي دَارِهَا وَبَكْرًا قَتَلْنَا وَجِيلًا فَجِيلَا نَفَيْنَاهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمَلِيكِ كَمَا لَا يَحِلُّونَ أَرْضًا سُهُولَا فَأَصْبَحَ سَبْيُهُمْ فِي الْحَدِيدِ وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ شَفَيْنَا الْغَلِيلَا وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ هُذَيْمٍ الْقُضَاعِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قُصَيٍّ حِينَ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ: : جَلَبْنَا الْخَيْلَ مُضْمَرَةً تَغَالِي مِنْ الْأَعْرَافِ أَعْرَافَ الْجِنَابِ إلَى غَوْرَى تِهَامَةَ فَالْتَقَيْنَا مِنْ الْفَيْفَاءِ فِي قَاعٍ يَبَابِ فَأَمَّا صُوفَةُ الْخُنْثَى فَخَلَّوْا مَنَازِلَهُمْ مُحَاذَرَةَ الضِّرَابِ وَقَامَ بَنُو عَلِيٍّ إذْ رَأَوْنَا إلَى الْأَسْيَافِ كَالْإِبِلِ الطِّرَابِ وَقَالَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ: : أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ بَنِي لُؤَيٍّ بِمَكَّةَ مَنْزِلِي وَبِهَا رَبِيتُ إلَى الْبَطْحَاءِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ وَمَرْوَتُهَا رَضِيتُ بِهَا رَضِيتُ فَلَسْتُ لِغَالِبِ إنْ لَمْ تَأَثَّلْ بِهَا أَوْلَادُ قَيْذَرَ وَالنَّبِيتُ رِزَاحٌ نَاضِرِي وَبِهِ أُسَامِي فَلَسْتُ أَخَافُ ضَيْمًا مَا حَيِيتُ
التاريخ 601لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ رِزَاحٍ فِي نُصْرَتِهِ قُصَيًّا وَرَدُّ قُصَيٍّ عَلَيْهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ قُصَيٌّ مِنْ حَرْبِهِ، انْصَرَفَ أَخُوهُ رِزَاحُ بْنُ رَبِيعَةَ إلَى بِلَادِهِ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ رِزَاحٌ فِي إجَابَتِهِ قُصَيًّا: : لَمَّا أَتَى مِنْ قُصَيٍّ رَسُولُ فَقَالَ الرَّسُولُ أَجِيبُوا الْخَلِيلَا نَهَضْنَا إلَيْهِ نَقُودُ الْجِيَادَ وَنَطْرَحُ عَنَّا الْمَلُولَ الثَّقِيلَا نَسِيرُ بِهَا اللَّيْلَ حَتَّى الصَّبَاحِ وَنَكْمِي النَّهَارَ لِئَلَّا نَزُولَا فَهُنَّ سِرَاعٌ كَوِرْدِ الْقَطَا يُجِبْنَ بِنَا مِنْ قُصَيٍّ رَسُولَا جَمَعْنَا مِنْ السِّرِّ مِنْ أَشْمَذَيْنِ وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ جَمَعْنَا قَبِيلَا فَيَا لَكَ حُلْبَةَ مَا لَيْلَةٌ تَزِيدُ عَلَى الْأَلْفِ سَيْبًا رَسِيلَا فَلَمَّا مَرَرْنَ عَلَى عَسْجَدٍ وَأَسْهَلْنَ مِنْ مُسْتَنَاخٍ سَبِيلَا وَجَاوَزْنَ بِالرُّكْنِ مِنْ وَرِقَانٍ وَجَاوَزْنَ بِالْعَرْجِ حَيَّا حُلُولَا مَرَرْنَ عَلَى الْحِلِّ مَا ذُقْنَهُ وَعَالَجْنَ مِنْ مَرٍّ لَيْلًا طَوِيلَا نُدْنِي مِنْ الْعُوذِ أَفْلَاءَهَا إرَادَةَ أَنْ يَسْتَرِقْنَ الصَّهِيلَا فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إلَى مَكَّةَ أَبَحْنَا الرِّجَالَ قَبِيلًا قَبِيلًا نُعَاوِرُهُمْ ثُمَّ حَدَّ السُّيُوفِ وَفِي كُلِّ أَوْبٍ خَلَسْنَا الْعَقُولَا نُخَبِّزُهُمْ بِصَلَابِ النُّسُو رِ خَبْزَ الْقَوِيِّ الْعَزِيزَ الذَّلِيلَا قَتَلْنَا خُزَاعَةَ فِي دَارِهَا وَبَكْرًا قَتَلْنَا وَجِيلًا فَجِيلَا نَفَيْنَاهُمْ مِنْ بِلَادِ الْمَلِيكِ كَمَا لَا يَحِلُّونَ أَرْضًا سُهُولَا فَأَصْبَحَ سَبْيُهُمْ فِي الْحَدِيدِ وَمِنْ كُلِّ حَيٍّ شَفَيْنَا الْغَلِيلَا وَقَالَ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَعْدِ هُذَيْمٍ الْقُضَاعِيُّ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ قُصَيٍّ حِينَ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ: : جَلَبْنَا الْخَيْلَ مُضْمَرَةً تَغَالِي مِنْ الْأَعْرَافِ أَعْرَافَ الْجِنَابِ إلَى غَوْرَى تِهَامَةَ فَالْتَقَيْنَا مِنْ الْفَيْفَاءِ فِي قَاعٍ يَبَابِ فَأَمَّا صُوفَةُ الْخُنْثَى فَخَلَّوْا مَنَازِلَهُمْ مُحَاذَرَةَ الضِّرَابِ وَقَامَ بَنُو عَلِيٍّ إذْ رَأَوْنَا إلَى الْأَسْيَافِ كَالْإِبِلِ الطِّرَابِ وَقَالَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ: : أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ بَنِي لُؤَيٍّ بِمَكَّةَ مَنْزِلِي وَبِهَا رَبِيتُ إلَى الْبَطْحَاءِ قَدْ عَلِمَتْ مَعَدٌّ وَمَرْوَتُهَا رَضِيتُ بِهَا رَضِيتُ فَلَسْتُ لِغَالِبِ إنْ لَمْ تَأَثَّلْ بِهَا أَوْلَادُ قَيْذَرَ وَالنَّبِيتُ رِزَاحٌ نَاضِرِي وَبِهِ أُسَامِي فَلَسْتُ أَخَافُ ضَيْمًا مَا حَيِيتُ [ مَنْ دَخَلُوا فِي حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ] فَأَخْرَجَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً طِيبًا. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ بَعْضَ نِسَاءِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَخْرَجَتْهَا لَهُمْ، فَوَضَعُوهَا لِأَحْلَافِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ غَمَسَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ فِيهَا، فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحَلْفَاؤُهُمْ، ثُمَّ مَسَحُوا الْكَعْبَةَ بِأَيْدِيهِمْ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، فَسُمُّوا الْمُطَيَّبِينَ. [ مَنْ دَخَلُوا فِي حِلْفِ الْأَحْلَافِ ] وَتَعَاقَدَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَتَعَاهَدُوا هُمْ وَحُلَفَاؤُهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ حِلْفًا مُؤَكَّدًا، عَلَى أَنْ لَا يَتَخَاذَلُوا وَلَا يُسَلِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَسُمُّوا الْأَحْلَافَ. [ تَوْزِيعُ الْقَبَائِلِ فِي الْحَرْبِ ] ثُمَّ سُونِدَ بَيْنَ الْقَبَائِلِ، وَلُزَّ بَعْضُهَا بِبَعْضِ، فَعُبِّيَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ لِبَنِي سَهْمٍ، وَعُبِّيَتْ بَنُو أَسَدٍ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَعُبِّيَتْ زُهْرَةُ لِبَنِي جُمَحَ، وَعُبِّيَتْ بَنُو تَيْمٍ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَعُبِّيَتْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ لِبَنِي عَدِّي بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ قَالُوا: لِتُفْنَ كُلُّ قَبِيلَةٍ مَنْ أُسْنِدَ إلَيْهَا. [ مَا تَصَالَحَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ ] فَبَيْنَا النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ قَدْ أَجَمَعُوا لِلْحَرْبِ إذْ تَدَاعَوْا إلَى الصُّلْحِ، عَلَى أَنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ، وَأَنْ تَكُونَ الْحِجَابَةُ وَاللِّوَاءُ وَالنَّدْوَةُ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ كَمَا كَانَتْ. فَفَعَلُوا وَرَضِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِذَلِكَ، وَتَحَاجَزَ النَّاسُ عَنْ الْحَرْبِ، وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ مَعَ مَنْ حَالَفُوا، فَلَمْ يَزَالُوا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إلَّا شِدَّةً.
التاريخ 602لا حكم مسجّل
حِلْفُ الْفُضُولِ [ سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا حِلْفُ الْفُضُولِ فَحَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ: تَدَاعَتْ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى حِلْفٍ، فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، لِشَرَفِهِ وَسِنِّهِ، فَكَانَ حِلْفُهُمْ عِنْدَهُ: بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، وَأَسَدُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى. وَزُهْرَةُ بْنُ كِلَابٍ، وَتَيْمُ بْنُ مُرَّةَ فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يَجِدُوا بِمَكَّةَ مَظْلُومًا مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ دَخَلَهَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إلَّا قَامُوا مَعَهُ، وَكَانُوا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ حَتَّى تُرَدَّ عَلَيْهِ مَظْلِمَتُهُ، فَسَمَّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ. [ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ حِلْفِ الْفُضُولِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهِ حُمْرَ النَّعَمِ وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ [ نَازَعَ الْحُسَيْنُ الْوَلِيدَ فِي حَقٍّ، وَهَدَّدَ بِالدَّعْوَةِ إلَى حِلْفِ الْفُضُولِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيَّ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ أَمَّرَهُ عَلَيْهَا عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ؓ مُنَازَعَةً فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي الْمَرْوَةِ. فَكَانَ الْوَلِيدُ تَحَامَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ ؓ فِي حَقِّهِ لِسُلْطَانِهِ، فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَتُنْصِفَنِّي مِنْ حَقِّي أَوْ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ لَأَدْعُوَنَّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ حِينَ قَالَ الْحُسَيْنُ ؓ مَا قَالَ: وَأَنَا أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَئِنْ دَعَا بِهِ لَآخُذَنَّ سَيْفِي، ثُمَّ لَأَقُومَنَّ مَعَهُ حَتَّى يُنْصَفَ مِنْ حَقِّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا. قَالَ: فَبَلَّغْتُ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ الزُّهْرِيَّ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ وَبَلَّغْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيَّ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ حَقِّهِ حَتَّى رَضِيَ. [ سَأَلَ عَبْدُ الْمَلِكِ مُحَمَّدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ وَدُخُولِهِمَا فِي حِلْفِ الْفُضُولِ فَأَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِمَا مِنْهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللَّيْثِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ قَالَ: قَدِمَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ - وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَعْلَمَ قُرَيْشٍ - عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ قَتَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ، يَعْنِي بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَبَنِيَّ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي حِلْفِ الْفُضُولِ ؟ قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: لِتُخْبِرَنِّي يَا أَبَا سَعِيدٍ بِالْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ: لَا وَاَللَّهِ، لَقَدْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ مِنْهُ قَالَ: صَدَقْتَ.
التاريخ 603لا حكم مسجّل
[ وِلَايَةُ هَاشِمٍ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ وَمَا كَانَ يَصْنَعُ إذَا قَدِمَ الْحَاجُّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلِيَ الرِّفَادَةَ وَالسِّقَايَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ رَجُلًا سِفَارًا قَلَّمَا يُقِيمُ بِمَكَّةَ، وَكَانَ مُقِلًّا ذَا وَلَدٍ، وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسِرًا فَكَانَ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - إذَا حَضَرَ الْحَاجُّ قَامَ فِي قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّكُمْ جِيرَانُ اللَّهِ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ يَأْتِيكُمْ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ زُوَّارُ اللَّهِ وَحُجَّاجُ بَيْتِهِ. وَهُمْ ضَيْفُ اللَّهِ، وَأَحَقُّ الضَّيْفِ بِالْكَرَامَةِ ضَيْفُهُ، فَاجْمَعُوا لَهُمْ مَا تَصْنَعُونَ لَهُمْ بِهِ طَعَامًا أَيَّامَهُمْ هَذِهِ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ لِذَلِكَ مَا كَلَّفْتُكُمُوهُ فَيُخْرِجُونَ لِذَلِكَ خَرْجًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، كُلُّ امْرِئِ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، فَيَصْنَعُ بِهِ لِلْحُجَّاحِ طَعَامًا حَتَّى يُصْدَرُوا مِنْهَا. [ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِ هَاشِمٍ ] وَكَانَ هَاشِمٌ فِيمَا يَزْعُمُونَ أَوَّلَ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشِ: رِحْلَتَيْ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ وَأَوَّلَ مَنْ أَطْعَمَ الثَّرِيدَ بِمَكَّةَ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهُ عَمْرًا، فَمَا سُمِّيَ هَاشِمًا إلَّا بِهَشْمِهِ الْخُبْزَ بِمَكَّةَ لِقَوْمِهِ. فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ: : عَمْرُو الَّذِي هَشَمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ سُنَّتْ إلَيْهِ الرِّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا سَفَرُ الشِّتَاءِ وَرِحْلَةُ الْأَصْيَافِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ: قَوْمٌ بِمَكَّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ
التاريخ 604لا حكم مسجّل
[ وِلَايَةُ الْمُطَّلِبِ لِلرِّفَادَةِ وَالسِّقَايَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ هَلَكَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ تَاجِرًا، فَوَلِيَ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ مِنْ بَعْدِهِ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَفَضْلٍ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّيهِ الْفَيْضَ لِسَمَاحَتِهِ وَفَضْلِهِ.
التاريخ 605لا حكم مسجّل
[ مَوْتُ الْمُطَّلِبِ وَمَا قِيلَ فِي رِثَائِهِ مِنْ الشِّعْرِ ] ثُمَّ هَلَكَ الْمُطَّلِبُ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَبْكِيهِ:: قَدْ ظَمِئَ الْحَجِيجُ بَعْدَ الْمُطَّلِبِ بَعْدَ الْجِفَانِ وَالشَّرَابِ المُنْثَعِبْ لَيْتَ قُرَيْشًا بَعْدَهُ عَلَى نَصَبْ وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيُّ، يَبْكِي الْمُطَّلِبَ وَبَنِيَّ عَبْدِ مَنَافٍ جَمِيعًا حِينَ أَتَاهُ نَعْيُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ نَوْفَلٌ آخِرَهُمْ هُلْكًا: : يَا لَيْلَةً هَيَّجَتْ لَيْلَاتِي إحْدَى لَيَالِيَ الْقَسِيَّاتِ وَمَا أُقَاسِي مِنْ هُمُومٍ وَمَا عَالَجْتُ مِنْ رُزْءِ الْمَنِيَّاتِ إذَا تَذَكَّرْتُ أَخِي نَوْفَلًا ذَكَّرَنِي بِالْأَوَّلِيَّاتِ ذَكَّرَنِي بِالْأُزُرِ الْحُمْرِ وَالْأَرْدِيَةِ الصُّفْرِ الْقَشِيبَاتِ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ سَيِّدُ أَبْنَاءِ سَادَاتٍ لِسَادَاتِ مَيْتٌ بِرَدْمَانَ وَمَيْتٌ بِسَلْمَانَ وَمَيِّتٌ عِنْدَ غَزَّاتِ وَمَيِّتٌ أُسْكِنَ لَحْدًا لَدَى الْمَحْجُوبِ شَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ أَخْلَصُهُمْ عَبْدُ مَنَافٍ فَهُمْ مِنْ لَوْمِ مَنْ لَامَ بِمَنْجَاةِ إنَّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُغِيرَةَ، وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ هُلْكًا هَاشِمٌ، بِغَزَّةَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ عَبْدَ شَمْسٍ بِمَكَّةَ، ثُمَّ الْمُطَّلِبَ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ ثُمَّ نَوْفَلًا بِسَلْمَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ. فَقِيلَ لِمَطْرُودِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ -: لَقَدْ قُلْتَ فَأَحْسَنْتَ، وَلَوْ كَانَ أَفْحَلَ مِمَّا قُلْتَ كَانَ أَحْسَنَ؛ فَقَالَ: أَنْظِرْنِي لَيَالِيَ، فَمَكَثَ أَيَّامًا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَيْنُ جُوى وَأَذْرِي الدَّمْعَ وَانْهَمِرِي وَابْكِي عَلَى السِّرِّ مِنْ كَعْبِ الْمُغِيرَاتِ يَا عَيْنُ وَاسْحَنْفِرِي بِالدَّمْعِ وَاحْتَفِلِي وَابْكِي خَبِيئَةَ نَفْسِي فِي الْمُلِمَّاتِ وَابْكِي عَلَى كُلِّ فَيَّاضٍ أَخِي ثِقَةٍ ضَخْمِ الدَّسِيعَةِ وَهَّابِ الْجَزِيلَاتِ مَحْضِ الضَّرِيبَةِ عَالِي الْهَمِّ مُخْتَلِقٌ جَلْدِ النَّحِيزَةِ نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ صَعْبِ الْبَدِيهَةِ لَا نِكْسٍ وَلَا وَكِلٍ مَاضِي الْعَزِيمَةِ مِتْلَافِ الْكَرِيمَاتِ صَقْرٍ تَوَسَّطَ مِنْ كَعْبٍ إذَا نُسِبُوا بُحْبُوحَةَ الْمَجْدِ وَالشُّمِّ الرَّفِيعَاتِ ثُمَّ اُنْدُبِي الْفَيْضَ وَالْفَيَّاضَ مُطَّلِبًا وَاسْتَخْرِطِي بَعْدَ فَيْضَاتٍ بِجُمَّاتِ أَمْسَى بِرَدْمَانَ عَنَّا الْيَوْمَ مُغْتَرِبًا يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَيْهِ بَيْنَ أَمْوَاتِ وَابْكِي لَكَ الْوَيْلُ إمَّا كُنْتِ بَاكِيَةً لِعَبْدِ شَمْسٍ بِشَرْقِيِّ الْبُنَيَّاتِ وَهَاشِمٍ فِي ضَرِيحٍ وَسْطَ بَلْقَعَةٍ تَسْفَى الرِّيَاحُ عَلَيْهِ بَيْنَ غَزَّاتِ وَنَوْفَلٌ كَانَ دُونَ الْقَوْمِ خَالِصَتِي أَمْسَى بِسَلْمَانَ فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ لَمْ أَلْقَ مِثْلَهُمْ عُجْمًا وَلَا عَرَبًا إذَا اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ أُدْمُ الْمَطِيَّاتِ أَمْسَتْ دِيَارُهُمْ مِنْهُمْ مُعَطَّلَةً وَقَدْ يَكُونُونَ زَيْنًا فِي السَّرِيَّاتِ أَفْنَاهُمْ الدَّهْرُ أَمْ كَلَّتْ سُيُوفُهُمْ أَمْ كُلُّ مَنْ عَاشٍ أَزْوَادُ الْمَنِيَّاتِ أَصْبَحْتُ أَرْضَى مِنْ الْأَقْوَامِ بَعْدَهُمْ بَسْطَ الْوُجُوهِ وَإِلْقَاءَ التَّحِيَّاتِ يَا عَيْنُ فَابْكِي أَبَا الشُّعْثِ الشَّجِيَّاتِ يَبْكِينَهُ حُسَّرًا مِثْلَ الْبَلِيَّاتِ يَبْكِينَ أَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ يُعْوِلْنَهُ بِدُمُوعٍ بَعْدَ عَبَرَاتِ يَبْكِينَ شَخْصًا طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ آبِي الْهَضِيمَةِ فَرَّاجِ الْجَلِيلَاتِ يَبْكِينَ عَمْرَو الْعُلَا إذْ حَانَ مَصْرَعُهُ سَمْحَ السَّجِيَّةِ بَسَّامَ الْعَشِيَّاتِ يَبْكِينَهُ مُسْتَكِينَاتٍ عَلَى حَزَنٍ يَا طُولَ ذَلِكَ مِنْ حُزْنٍ وَعَوْلَاتٍ يَبْكِينَ لَمَّا جَلَّاهُنَّ الزَّمَانُ لَهُ خُضْرُ الْخُدُودِ كَأَمْثَالِ الْحَمِيَّاتِ مُحْتَزِمَاتٍ عَلَى أَوْسَاطِهِنَّ لِمَا جَرَّ الزَّمَانُ مِنْ أَحْدَاثِ الْمُصِيبَاتِ أَبِيتُ لَيْلِي أُرَاعِي النَّجْمَ مِنْ أَلَمٍ أَبْكِي وَتَبْكِي مَعِي شَجْوِي بُنَيَّاتِي مَا فِي الْقُرُومِ لَهُمْ عِدْلٌ وَلَا خَطَرٌ وَلَا لِمَنْ تَرَكُوا شَرْوَى بَقِيَّاتِ أَبْنَاؤُهُمْ خَيْرُ أَبْنَاءٍ وَأَنْفُسُهُمْ خَيْرُ النُّفُوسِ لَدَى جَهْدِ الْأَلِيَّاتِ كَمْ وَهَبُوا مِنْ طِمِرٍّ سَابِحٍ أَرِنٍ وَمِنْ طِمِرَّةٍ نَهْبٍ فِي طِمِرَّاتِ وَمِنْ سُيُوفٍ مِنْ الْهِنْدِيِّ مُخْلَصَةٍ وَمِنْ رِمَاحٍ كَأَشْطَانِ الرَّكِيَّاتِ وَمِنْ تَوَابِعِ مِمَّا يُفْضِلُونَ بِهَا عِنْدَ الْمَسَائِلِ مِنْ بَذْلِ الْعَطِيَّاتِ فَلَوْ حَسَبْتُ وَأَحْصَى الْحَاسِبُونَ مَعِي لَمْ أَقْضِ أَفَعَالَهُمْ تَلِكَ الْهَنِيَّاتِ هُمْ الْمُدِلُّونَ إمَّا مَعْشَرٌ فَخَرُّوا عِنْدَ الْفَخَّارِ بِأَنْسَابٍ نَقِيَّاتٍ زَيْنُ الْبُيُوتِ الَّتِي خَلَّوْا مَسَاكِنَهَا فَأَصْبَحَتْ مِنْهُمْ وَحْشًا خَلِيَّاتٍ أَقُولُ وَالْعَيْنُ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا لَا يُبْعِدُ اللَّهُ أَصْحَابَ الرَّزِيَّاتِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْفَجْرُ: الْعَطَاءُ. قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيُّ: : عَجَّفَ أَضْيَافِي جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ بِذِي فَجَرٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْأَرَامِلُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَبُو الشُّعْثِ الشَّجِيَّاتِ: هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ.
التاريخ 606لا حكم مسجّل
[ ولاية عبد المطلب السقاية والرفادة وِلَايَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ ] قَالَ: ثُمَّ وَلِيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمِ السِّقَايَةَ وَالرِّفَادَةَ بَعْدَ عَمِّهِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقَامَهَا لِلنَّاسِ، وَأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَشَرُفَ فِي قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ، وَأَحَبَّهُ قَوْمُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ فِيهِمْ.
التاريخ 607لا حكم مسجّل
ذِكْرُ تَجْدِيدِ حَفْرِ زَمْزَمَ عَلَى يَدَيْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، الَّتِي كَانَ قَدْ دَرَسَ رَسْمُهَا بَعْدَ طَمِّ جُرْهُمٍ لَهَا إِلَى زَمَانِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، إِذْ أُتِيَ فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ وَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتُدِئَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْ حَفْرِهَا، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيُّ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زُرَيْرٍ الْغَافِقِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَفْرِهَا قَالَ: قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ لِي: احْفِرْ طِيبَةَ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا طِيبَةُ ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرْ بَرَّةَ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا بَرَّةُ ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فَجَاءَنِي فَقَالَ: احْفِرِ الْمَضْنُونَةَ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْمَضْنُونَةُ ؟ قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْتُ إِلَى مَضْجَعِي فَنِمْتُ فِيهِ فَجَاءَنِي قَالَ: احْفِرْ زَمْزَمَ قَالَ: قُلْتُ: وَمَا زَمْزَمُ ؟ قَالَ: لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذِمُّ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ. وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمِ، عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ. قَالَ: فَلَمَّا بَيَّنَ لِي شَأْنَهَا، وَدَلَّ عَلَى مَوْضِعِهَا، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صُدِقَ، غَدًا بِمِعْوَلِهِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - وَلَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ - فَحَفَرَ فَلَمَّا بَدَا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ الطَّيُّ كَبَّرَ فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنَّهَا بِئْرُ أَبِينَا إِسْمَاعِيلَ، وَإِنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا. قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وَأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ، قَالُوا لَهُ: فَأَنْصِفْنَا فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا. قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمْكُمْ إِلَيْهِ. قَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ. قَالَ: نَعَمْ. وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ الشَّامِ فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ بَنِي أُمَيَّةَ، وَرَكِبَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَفَرٌ فَخَرَجُوا وَالْأَرْضُ إِذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِهَا نَفَدَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَأَصْحَابُهُ فَعَطِشُوا حَتَّى اسْتَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إِنَّا بِمَفَازَةٍ، وَإِنَّا نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنِّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمُ الْآنَ مِنَ الَقُوَّةِ فَكُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمَّ وَارَوْهُ حَتَّى يَكُونَ آخِرُهُمْ رَجُلًا وَاحِدًا فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةٍ رَكْبَ جَمِيعًا. فَقَالُوا: نِعْمَ مَا أَمَرْتَ بِهِ فَحَفَرَ كُلُّ رَجُلٍ لِنَفْسِهِ حُفْرَةً، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطْشَى، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ - لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ لَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا - لَعَجْزٌ فَعَسَى أَنْ يَرْزُقَنَا اللَّهُ مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ. فَارْتَحَلُوا حَتَّى إِذَا بَعَثَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ رَاحِلَتَهُ انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِ خُفِّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ فَكَبَّرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَكَبَّرَ أَصْحَابُهُ، ثُمَّ نَزَلَ فَشَرِبَ وَشَرِبَ أَصْحَابُهُ، وَاسْتَقَوْا حَتَّى مَلَئُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ دَعَا قَبَائِلَ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَقَالَ: هَلُمُّوا إِلَى الْمَاءِ فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ فَجَاءُوا فَشَرِبُوا وَاسْتَقَوْا كُلُّهُمْ، ثُمَّ قَالُوا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: قَدْ وَاللَّهِ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا وَاللَّهِ مَا نُخَاصِمُكَ فِي زَمْزَمَ أَبَدًا، إِنَّ الَّذِي سَقَاكَ هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُو الَّذِي سَقَاكَ زَمْزَمَ فَارْجِعْ إِلَى سِقَايَتِكَ رَاشِدًا فَرَجَعَ وَرَجَعُوا مَعَهُ، وَلَمْ يَصِلُوا إِلَى الْكَاهِنَةِ، وَخَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَمْزَمَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي زَمْزَمَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ ثُمَّ ادْعُ بِالْمَاءِ الرِّوَى غَيْرِ الْكَدِرْ يَسْقِي حَجِيجَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَبَرْ لَيْسَ يَخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ قَالَ: فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: تَعْلَمُوا أَنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَحْفِرَ زَمْزَمَ قَالُوا: فَهَلْ بُيِّنَ لَكَ أَيْنَ هِيَ ؟ قَالَ: لَا، قَالُوا: فَارْجِعْ إِلَى مَضْجَعِكَ الَّذِي رَأَيْتَ فِيهِ مَا رَأَيْتَ فَإِنْ يَكْ حَقًّا مِنَ اللَّهِ يُبَيِّنْ لَكَ، وَإِنْ يَكُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلَنْ يَعُودَ إِلَيْكَ. فَرَجَعَ وَنَامَ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: احْفِرْ زَمْزَمْ إِنَّكَ إِنْ حَفَرْتَهَا لَنْ تَنْدَمْ، وَهِيَ تُرَاثٌ مِنْ أَبِيكَ الْأَعْظَمْ، لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذِمْ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمْ مِثْلَ نَعَامٍ حَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ، وَيَنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمْ، تَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمْ، لَيْسَتْ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمْ، وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدَّمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَزَعَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ: وَأَيْنَ هِيَ ؟ قِيلَ لَهُ: عِنْدَ قَرْيَةِ النَّمْلِ، حَيْثُ يَنْقُرُ الْغُرَابُ غَدًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. قَالَ: فَغَدَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ - زَادَ الْأُمَوِيُّ وَمَوْلَاهُ أَصْرَمُ - فَوَجَدَ قَرْيَةَ النَّمْلِ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ إِسَافٍ وَنَائِلَةَ، اللَّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ فَقَامَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا اللَّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ: ذُدْ عَنِّي حَتَّى أَحْفِرَ فَوَاللَّهِ لَأَمْضِيَنَّ لِمَا أُمِرْتُ بِهِ فَلَمَّا عَرَفُوا أَنَّهُ غَيْرُ نَازِعٍ خَلُّوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ، وَكَفُّوا عَنْهُ فَلَمْ يَحْفِرْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى بَدَا لَهُ الطَّيُّ فَكَبَّرَ، وَعَرَفَ أَنَّهُ قَدْ صُدِقَ فَلَمَّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غَزَالَتَيْنِ مَنْ ذَهَبٍ اللَّتَيْنِ كَانَتْ جُرْهُمٌ قَدْ دَفَنَتْهُمَا، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيَّةً وَأَدْرَاعَا فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَنَا مَعَكَ فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقٌّ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ هَلُمَّ إِلَى أَمْرٍ نِصْفٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ قَالُوا: وَكَيْفَ نَصْنَعُ ؟ قَالَ: أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قَدَحَيْنِ، وَلِي قَدَحَيْنِ، وَلَكُمْ قَدَحَيْنِ فَمَنْ خَرَجَ قَدَحَاهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُ، وَمَنْ تَخَلَّفَ قَدَحَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالُوا: أَنْصَفْتَ فَجَعَلَ لِلْكَعْبَةِ قَدَحَيْنِ أَصْفَرَيْنِ، وَلَهُ أَسْوَدَيْنِ، وَلَهُمْ أَبْيَضَيْنِ، ثُمَّ أَعْطَوُا الْقِدَاحَ لِلَّذِي يَضْرِبُ عِنْدَ هُبَلَ، وَهُبَلُ أَكْبَرُ أَصْنَامِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمَ أُحُدٍ اعْلُ هُبَلُ يَعْنِي هَذَا الصَّنَمَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، وَذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ جَعَلَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ الْمَحْمُودْ رَبِّي فَأَنْتَ الْمُبْدِئُ الْمُعيِدْ وَمُمْسِكُ الرَّاسِيَةِ الْجُلْمُودْ مِنْ عَنْدِكَ الطَّارِفُ وَالتَّلِيدْ إِنْ شِئْتَ أَلْهَمْتَ كَمَا تُرِيدْ لِمَوْضِعِ الْحِلْيَةِ وَالْحَدِيدْ فَبَيِّنِ الْيَوْمَ لِمَا تُرِيدْ إِنِّي نَذَرْتُ الْعَاهِدَ الْمَعْهُودْ اجْعَلْهُ لِي رَبِّ فَلَا أَعُودْ قَالَ: وَضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ فَخَرَجَ الْأَصْفَرَانِ عَلَى الْغَزَالَتَيْنِ لِلْكَعْبَةِ، وَخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى الْأَسْيَافِ وَالْأَدْرَاعِ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَخَلَّفَ قَدَحَا قُرَيْشٍ فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ الْأَسْيَافَ بَابًا لِلْكَعْبَةِ، وَضَرَبَ فِي الْبَابِ الْغَزَالَتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَانَ أَوَّلَ ذَهَبٍ حُلِّيَتْهُ الْكَعْبَةُ - فِيمَا يَزَعُمُونَ - ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحَاجِّ.
التاريخ 608لا حكم مسجّل
[ فَضْلُ زَمْزَمَ وَمَا قِيلَ فِيهَا مِنْ شِعْرٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَعَفَّتْ زَمْزَمُ عَلَى الْبِئَارِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا يَسْقِي عَلَيْهَا الْحَاجُّ، وَانْصَرَفَ النَّاسُ إلَيْهَا لِمَكَانِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ وَلِأَنَّهَا بِئْرُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَافْتَخَرَتْ بِهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ كُلِّهَا، وَعَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، فَقَالَ مُسَافِرُ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ يَفْخَرُ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَا وُلُّوا عَلَيْهِمْ مِنْ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ، وَمَا أَقْدَمُوا لِلنَّاسِ مِنْ ذَلِكَ، وَبِزَمْزَمَ حِينَ ظَهَرَتْ لَهُمْ، وَإِنَّمَا كَانَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَهْلَ بَيْتٍ وَاحِدٍ، شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ شَرَفٌ، وَفَضْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ فَضْلٌ:: وَرِثْنَا الْمَجْدَ مِنْ آبَا ئِنَا فَنَمَى بِنَا صُعُدَا أَلَمْ نَسْقِ الْحَجِيجَ وَنَنْحَرُ الدَّلَّافَةَ الرُّفُدَا وَنُلْقَى عِنْدَ تَصْرِيفِ الْمَنَايَا شُدَّدًا رُفُدَا فَإِنْ نَهْلِكْ فَلَمْ نُمْلَكْ وَمَنْ ذَا خَالِدٌ أَبَدَا وَزَمْزَمُ فِي أَرُومَتِنَا وَنَفْقَأُ عَيْنَ مَنْ حَسَدَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: : وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمَّ لِلْخَيْرِ هَاشِمُ وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِكَ السَّيِّدُ الْفِهْرِي طَوَى زَمْزَمَ عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلِّ ذِي فَخْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ.
التاريخ 609لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بَعْضِ أَسْمَاءِ زَمْزَمَ قَالَ الْفَاكِهِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْطَانِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ كِتَابًا ذَكَرَ أَنَّهُ عَنْ أَشْيَاخِهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَكَتَبْتُهُ مِنْ كِتَابِهِ فَقَالُوا: هَذِهِ تَسْمِيَةُ أَسْمَاءِ زَمْزَمَ. هِيَ: زَمْزَمُ وَهَزْمَةُ جِبْرِيلَ، وَسُقْيَا إِسْمَاعِيلَ، لَا تُنْزَفُ وَلَا تُذَمُّ، وَبَرَكَةُ، وَسَيِّدَةُ، وَنَافِعَةُ، وَمَضْنُونَةُ وَعَوْنَةُ، وَبُشْرَى، وَصَافِيَةُ، وَبَرَّةُ، وَعِصْمَةُ، وَسَالِمَةُ، وَمَيْمُونَةُ، وَمُبَارَكَةُ، وَكَافِيَةُ، وَعَافِيَةُ، وَمُغَذِّيَةُ، وَطَاهِرَةُ، وَحُرْمَةُ، وَمَرْوِيَّةُ، وَمُؤْنَةُ، وَطَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ. انْتَهَى. زَادَ غَيْرُهُ: طَيْبَةُ، وَتُكْتَمُ وَشَبَّاعَةُ الْعِيَالِ، وَشَرَابُ الْأَبْرَارِ، وَقَرْيَةُ النَّمْلِ، وَنَقْرَةُ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ، وَهَزْمَةُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ الْبِكْرِيُّ: الْهَزْمَةُ تَطَامُنٌ فِي الْأَرْضِ، وَهَزْمَةُ الْأَرْضِ: حُفْرَتُهَا، وَالْهَزَائِمُ: الْآبَارُ. انْتَهَى. وَحُفْرَةُ الْعَبَّاسِ. ذَكَرَ هَذَا الِاسْمَ يَاقُوتُ فِي الْمُشْتَرَكِ. وَهَمْزَةُ جِبْرِيلَ بِتَقْدِيمِ الْمِيمِ عَلَى الزَّايِ ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَسَابِقٌ. قُلْتُ: وَزَادَ الْبَكْرِيُّ: الشَّيَّاعَةَ. قَالَ: بِتَشْدِيدِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ أُخْتِ الْوَاوِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. هَذَا نَصُّهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِحَرَكَاتِ الْحُرُوفِ وَهِيَ فِي خَطِّ مُغَلْطَايِ فِي "الزَّهْرِ" بِثَلَاثِ فَتَحَاتٍ. وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ كَذَلِكَ فِي أَسْمَاءِ الْأَمَاكِنِ وَالْمِيَاهِ ثُمَّ نُقِلَ عَنِ الْخَارْزَنْجِيِّ: شُيَاعَةُ بِضَمِّ الشِّينِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مُخَفَّفَتَيْنِ. وَرَكْضَةُ جِبْرِيلَ، وَحَفِيرَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَنُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي عُمَرَ الزَّاهِدِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَزَادَ فِي "الزَّهْرِ" نَقْلًا عَنِ ابْنِ السِّيدِ فِي الْمُثَلَّثِ: زَمَّمٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ الْأُولَى وَبِضَمِّهَا مُشَدَّدَةٌ فِيهِمَا. وَشَيْعَةُ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ. وَحَفِيرَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَزَادَ ابْنُ خَالَوَيْهِ فِي كِتَابِ "لَيْسَ": مَكْنُونَةَ بِنُونَيْنِ. وَمَكْتُومَةَ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ وَمِيمٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
التاريخ 610لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بِئَارِ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ [ الطَّوِيُّ وَمَنْ حَفَرَهَا ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ احْتَفَرَتْ بِئَارًا بِمَكَّةَ، فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ، قَالَ: حَفَرَ عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الطَّوِيَّ، وهي الْبِئْرُ الَّتِي بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْضَاءِ، دَارُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ ( الثَّقَفِيُّ ). [ بَذَّرُ وَمَنْ حَفَرَهَا ] وَحَفَرَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بَذَّرَ، وَهِيَ الْبِئْرُ الَّتِي عِنْدَ الْمُسْتَنْذَرِ، خَطْمُ الْخَنْدَمَةِ عَلَى فَمِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ. وَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ حِينَ حَفَرَهَا: لَأَجْعَلَنَّهَا بَلَاغًا لِلنَّاسِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ الشَّاعِرُ: : سَقَى اللَّهُ أَمْوَاهًا عَرَفْتُ مَكَانَهَا جُرَابًا وَمَلْكُومًا وَبَذَّرَ وَالْغَمْرَا [ سَجْلَةُ وَمَنْ حَفَرَهَا ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَفَرَ سَجْلَةَ، وَهِيَ بِئْرُ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الَّتِي يَسْقُونَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ. وَيَزْعُمُ بَنُو نَوْفَلٍ أَنَّ الْمُطْعِمَ ابْتَاعَهَا مِنْ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ، وَيَزْعُمُ بَنُو هَاشِمٍ أَنَّهُ وَهَبَهَا لَهُ حِينَ ظَهَرَتْ زَمْزَمُ، فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنْ تِلْكَ الْآبَارِ. [ الْحَفْرُ وَمَنْ حَفَرَهَا ] وَحَفَرَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ الْحَفْرَ لِنَفْسِهِ. [ سُقَيَّةُ وَمَنْ حَفَرَهَا ] وَحَفَرَتْ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى سُقَيَّةَ، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي أَسَدٍ. [ أُمُّ أَحْرَادٍ وَمَنْ حَفَرَهَا ] وَحَفَرَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ أُمَّ أَحْرَادٍ. [ السُّنْبُلَةُ وَمَنْ حَفَرَهَا ] وَحَفَرَتْ بَنُو جُمَحَ السُّنْبُلَةَ، وَهِيَ بِئْرُ خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ. [ الْغِمْرُ وَمَنْ حَفَرَهَا ] وَحَفَرَتْ بَنُو سَهْمٍ الْغِمْرَ، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي سَهْمٍ [ رُمُّ وَخُمُّ وَالْحَفْرُ وَأَصْحَابُهَا ] وَكَانَتْ آبَارُ حَفَائِرَ خَارِجًا مِنْ مَكَّةَ قَدِيمَةً مِنْ عَهْدِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَكِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، وَكُبَرَاءِ قُرَيْشٍ الْأَوَائِلِ مِنْهَا يَشْرَبُونَ، وَهِيَ رُمُّ وَرُمُّ: بِئْرُ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: وَخُمُّ، وَخُمُّ بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ؛ وَالْحَفْرُ. قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ أَبُو أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ: : وَقِدْمَا غنَينا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً وَلَا نَسْتَقِي إلَّا بِخُمَّ أَوْ الْحَفْرِ .
التاريخ 611لا حكم مسجّل
ذِكْرُ غَلَبَةِ الْأَنْصَارِ عَلَى الْمَدِينَةِ وَضَعْفِ أَمْرِ الْيَهُودِ بِهَا وَقَتْلِ الْفِطْيَوْنِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الِاسْتِيلَاءَ كَانَ لِلْيَهُودِ عَلَى الْمَدِينَةِ لَمَّا نَزَلَهَا الْأَنْصَارُ، وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مُلِّكَ عَلَيْهِمُ الْفِطْيَوْنُ الْيَهُودِيُّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ثُمَّ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ، وَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ فَاجِرًا، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَدِينُ لَهُ بِأَنْ لَا تَزَوَّجَ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ إِلَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ زَوْجِهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَيْضًا. ثُمَّ إِنَّ أُخْتًا لِمَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ السَّالِمِيِّ الْخَزْرَجِيِّ تَزَوَّجَتْ، فَلَمَّا كَانَ زِفَافُهَا خَرَجَتْ عَنْ مَجْلِسِ قَوْمِهَا وَفِيهِ أَخُوهَا مَالِكٌ وَقَدْ كَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا. فَقَالَ لَهَا مَالِكٌ لَقَدْ جِئْتِ بِسُوءٍ. قَالَتْ: الَّذِي يُرَادُ بِي اللَّيْلَةَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا، أَدْخُلُ عَلَى غَيْرِ زَوْجِي ! ثُمَّ عَادَتْ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَخُوهَا فَقَالَ لَهَا: هَلْ عِنْدَكِ مِنْ خَبَرٍ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَمَا عِنْدَكَ ؟ قَالَ: أَدْخُلُ مَعَ النِّسَاءِ فَإِذَا خَرَجْنَ وَدَخَلَ عَلَيْكِ قَتَلْتُهُ. قَالَتِ: افْعَلْ. فَلَمَّا ذَهَبَ بِهَا النِّسَاءُ إِلَى الْفِطْيَوْنِ انْطَلَقَ مَالِكٌ مَعَهُنَّ فِي زِيِّ امْرَأَةٍ وَمَعَهُ سَيْفُهُ، فَلَمَّا خَرَجَ النِّسَاءُ مِنْ عِنْدِهَا وَدَخَلَ عَلَيْهَا الْفِطْيَوْنُ قَتَلَهُ مَالِكٌ وَخَرَجَ هَارِبًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ أَبْيَاتٍ: هَلْ كَانَ لِلْفِطْيَوْنِ عُقْرُ نِسَائِكُمْ حُكْمَ النَّصِيبِ فَبِئْسَ حُكْمُ الْحَاكِمِ حَتَّى حَبَاهُ مَالِكٌ بِمُرِشَّةٍ حَمْرَاءَ تَضْحَكُ عَنْ نَجِيعٍ قَاتِمِ ثُمَّ خَرَجَ مَالِكُ بْنُ الْعَجْلَانِ هَارِبًا حَتَّى دَخَلَ الشَّامَ، فَدَخَلَ عَلَى مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ يُقَالُ لَهُ أَبُو جُبَيْلَةَ، وَاسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ سَالِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمٍ، وَهُوَ أَحَدُ بَنِي غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَهُمْ وَشَرُفَ فِيهِمْ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا وَإِنَّمَا كَانَ عَظِيمًا عِنْدَ مَلِكِ غَسَّانَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ مُلُوكَ غَسَّانَ لَمْ يُعْرَفْ فِيهِمْ هَذَا، وَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْخَزْرَجِ عَلَى مَا ذُكِرَ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مَالِكٌ شَكَا إِلَيْهِ مَا كَانَ مِنَ الْفِطْيَوْنِ، وَأَخْبَرَهُ بِقَتْلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الرُّجُوعِ، فَعَاهَدَ اللَّهَ أَبُو جُبَيْلَةَ أَلَّا يَمَسَّ طِيبًا وَلَا يَأْتِيَ النِّسَاءَ حَتَّى يُذِلَّ الْيَهُودَ، وَيَكُونَ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَعَزَّ أَهْلِهَا. ثُمَّ سَارَ مِنَ الشَّامِ فِي جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ الْيَمَنَ، حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ بِذِي حُرُضٍ، وَأَعْلَمَ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى وُجُوهِ الْيَهُودِ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ أَنَّهُ يُرِيدُ الْإِحْسَانَ إِلَيْهِمْ، فَأَتَاهُ أَشْرَافُهُمْ فِي حَشَمِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا بِبَابِهِ أَمَرَ بِهِمْ فَأُدْخِلُوا رَجُلًا رَجُلًا وَقَتَلَهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ صَارَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَعَزَّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَشَارَكُوا الْيَهُودَ فِي النَّخْلِ وَالدُّورِ، وَمَدَحَ الرَّمْقُ بْنُ زَيْدٍ الْخَزْرَجِيُّ أَبَا جُبَيْلَةَ بِقَصِيدَةٍ، مِنْهَا: وَأَبُو جُبَيْلَةَ خَيْرُ مَنْ يَمْشِي وَأَوْفَاهُمْ يَمِينَا وَأَبَرُّهُمْ بِرًّا وَأَعْ مَلُهُمْ بِهَدْيِ الصَّالِحِينَا أَبْقَتْ لَنَا الْأَيَّامُ وَالْ حَرْبُ الْمَهَمَّةُ تَعْتَرِينَا كَبْشًا لَهُ قَرْنٌ يَعَ ضُّ حُسَامُهُ الذَّكَرَ السَّنِينَا فَقَالَ أَبُو جُبَيْلَةَ: عَسَلٌ طَيِّبٌ فِي وِعَاءِ سُوءٍ، وَكَانَ الرَّمْقُ رَجُلًا ضَئِيلًا، فَقَالَ الرَّمْقُ: إِنَّمَا الْمَرْءُ بِأَصْغَرَيْهِ قَلْبِهِ وَلِسَانِهِ. وَرَجَعَ أَبُو جُبَيْلَةَ إِلَى الشَّامِ. ( حُرُضٌ: بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَآخِرُهُ ضَادٌ مُعْجَمَةٌ ).
التاريخ 612لا حكم مسجّل
حَرْبُ سُمَيْرٍ وَلَمْ يَزَلِ الْأَنْصَارُ عَلَى حَالِ اتِّفَاقٍ وَاجْتِمَاعٍ، وَكَانَ أَوَّلُ اخْتِلَافٍ وَقَعَ بَيْنَهُمْ وَحَرْبٌ كَانَتْ لَهُمْ حَرْبَ سُمَيْرٍ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ يُقَالُ لَهُ كَعْبُ بْنُ الْعَجْلَانِ نَزَلَ عَلَى مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ السَّالِمِيِّ فَحَالَفَهُ وَأَقَامَ مَعَهُ. فَخَرَجَ كَعْبٌ يَوْمًا إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَرَأَى رَجُلًا مِنْ غَطَفَانَ مَعَهُ فَرَسٌ وَهُوَ يَقُولُ: لِيَأْخُذْ هَذَا الْفَرَسَ أَعَزُّ أَهْلِ يَثْرِبَ. فَقَالَ رَجُلٌ: فُلَانٌ. وَقَالَ رَجُلٌ آخَرُ: أُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ الْأَوْسِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْيَهُودِيُّ أَفْضَلُ أَهْلِهَا. فَدَفَعَ الْغَطَفَانِيُّ الْفَرَسَ إِلَى مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ. فَقَالَ كَعْبٌ: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنَّ حَلِيفِي مَالِكًا أَفْضَلُكُمْ ؟ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْأَوْسِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُقَالُ لَهُ سُمَيْرٌ وَشَتَمَهُ وَافْتَرَقَا، وَبَقِيَ كَعْبٌ مَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ قَصَدَ سُوقًا لَهُمْ بِقُبَا فَقَصَدَهُ سُمَيْرٌ وَلَازَمَهُ حَتَّى خَلَا السُّوقُ فَقَتَلَهُ. وَأُخْبِرَ مَالِكُ بْنُ الْعَجْلَانِ بِقَتْلِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَطْلُبُ قَاتِلَهُ، فَأَرْسَلُوا: إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ. وَتَرَدَّدَتِ الرُّسُلُ بَيْنَهُمْ، هُوَ يَطْلُبُ سُمَيْرًا وَهُمْ يُنْكِرُونَ قَتْلَهُ، ثُمَّ عَرَضُوا عَلَيْهِ الدِّيَةَ فَقَبِلَهَا. وَكَانَتْ دِيَةُ الْحَلِيفِ فِيهِمْ نِصْفَ دِيَةِ النَّسِيبِ مِنْهُمْ. فَأَبَى مَالِكٌ إِلَّا أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً، وَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا: نُعْطِي دِيَةَ الْحَلِيفِ، وَهِيَ النِّصْفُ. وَلَجَّ الْأَمْرُ بَيْنَهُمْ حَتَّى آلَ إِلَى الْمُحَارَبَةِ، فَاجْتَمَعُوا وَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَافْتَرَقُوا. وَدَخَلَ فِيهَا سَائِرُ بُطُونِ الْأَنْصَارِ، ثُمَّ الْتَقَوْا مَرَّةً أُخْرَى وَاقْتَتَلُوا حَتَّى حَجَزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، وَكَانَ الظَّفَرُ يَوْمَئِذٍ لِلْأَوْسِ. فَلَمَّا افْتَرَقُوا أَرْسَلَتِ الْأَوْسُ إِلَى مَالِكٍ يَدْعُونَهُ إِلَى أَنْ يُحَكِّمَ بَيْنَهُمُ الْمُنْذِرَ بْنَ حَرَامٍ النَّجَّارِيَّ الْخَزْرَجِيَّ جَدَّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ. فَأَجَابَهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَأَتَوُا الْمُنْذِرَ، فَحَكَمَ بَيْنَهُمُ الْمُنْذِرُ بِأَنْ يَدُوا كَعْبًا حَلِيفَ مَالِكٍ دِيَةَ الصَّرِيحِ ثُمَّ يَعُودُوا إِلَى سُنَّتِهِمُ الْقَدِيمَةِ، فَرَضُوا بِذَلِكَ وَحَمَلُوا الدِّيَةَ وَافْتَرَقُوا، وَقَدْ شَبَّتِ الْبَغْضَاءُ فِي نُفُوسِهِمْ وَتَمَكَّنَتِ الْعَدَاوَةُ بَيْنَهُمْ.
التاريخ 613لا حكم مسجّل
ذِكْرُ حَرْبِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْمَازِنِيِّ ثُمَّ إِنَّ بَنِي جَحْجَبَا مِنَ الْأَوْسِ وَبَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ وَقَعَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، كَانَ سَبَبُهَا أَنَّ كَعْبَ بْنَ عَمْرٍو الْمَازِنِيَّ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَالِمٍ فَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا. فَأَمَرَ أُحَيْحَةُ بْنُ الْجُلَاحِ سَيِّدُ بَنِي جَحْجَبَا جَمَاعَةً، فَرَصَدُوهُ حَتَّى ظَفِرُوا بِهِ فَقَتَلُوهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَخَاهُ عَاصِمَ بْنَ عَمْرٍو، فَأَمَرَ قَوْمَهُ فَاسْتَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي جَحْجَبَا يُؤْذِنُهُمْ بِالْحَرْبِ. فَالْتَقَوْا بِالرَّحَابَةِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْهَزَمَتْ بَنُو جَحْجَبَا وَمَنْ مَعَهُمْ، وَانْهَزَمَ مَعَهُمْ أُحَيْحَةُ، فَطَلَبَهُ عَاصِمُ بْنُ عَمْرٍو فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ دَخَلَ حِصْنَهُ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي بَابِ الْحِصْنِ، فَقَتَلَ عَاصِمٌ أَخًا لِأُحَيْحَةَ. فَمَكَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ لَيَالِيَ، فَبَلَغَ أُحَيْحَةَ أَنَّ عَاصِمًا يَتَطَلَّبُهُ لِيَجِدَ لَهُ غِرَّةً فَيَقْتُلَهُ، فَقَالَ أُحَيْحَةُ: نُبِّئْتُ أَنَّكَ جِئْتَ تَسْ رِي بَيْنَ دَارِيَ وَالْقُبَابَهْ فَلَقَدْ وَجَدْتُ بِجَانِبِ ال ضَّحْيَانِ شُبَّانًا مُهَابَهْ فِتْيَانُ حَرْبٍ فِي الْحَدِي دِ وَشَامِرِينَ كَأُسْدِ غَابَهْ هُمْ نَكَّبُوكَ عَنِ الطَّرِي قِ فَبِتَّ تَرْكَبُ كُلَّ لَابَهْ أَعُصَيْمُ لَا تَجْزَعْ فَإِ نَّ الْحَرْبَ لَيْسَتْ بِالدُّعَابَهْ فَأَنَا الَّذِي صَبَّحْتُكُمْ بِالْقَوْمِ إِذْ دَخَلُوا الرَّحَابَهْ وَقَتَلْتُ كَعْبًا قَبْلَهَا وَعَلَوْتُ بِالسَّيْفِ الذُّؤَابَهْ فَأَجَابَهُ عَاصِمٌ: أَبْلِغْ أُحَيْحَةَ إِنْ عَرَضْ تَ بِدَارِهِ عَنِّي جَوَابَهْ وَأَنَا الَّذِي أَعْجَلْتُهُ عَنْ مَقْعَدٍ أَلْهَى كِلَابَهْ وَرَمَيْتُهُ سَهْمًا فَأَخْ طَأَهُ وَأَغْلَقَ ثَمَّ بَابَهْ فِي أَبْيَاتٍ. ثُمَّ إِنَّ أُحَيْحَةَ أَجْمَعَ أَنْ يُبَيِّتَ بَنِي النَّجَّارِ وَعِنْدَهُ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ النَّجَّارِيَةُ، وَهِيَ أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا رَضِيَتْ، فَلَمَّا جَنَّهَا اللَّيْلُ وَقَدْ سَهِرَ مَعَهَا أُحَيْحَةُ فَنَامَ، فَلَمَّا نَامَ سَارَتْ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَأَعْلَمَتْهُمْ، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَحَذِرُوا، وَغَدَا أُحَيْحَةُ بِقَوْمِهِ مَعَ الْفَجْرِ، فَلَقِيَهُمْ بَنُو النَّجَّارِ فِي السِّلَاحِ فَكَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ مِنْ قِتَالٍ، وَانْحَازَ أُحَيْحَةُ، وَبَلَغَهُ أَنَّ سَلْمَى أَخْبَرَتْهُمْ فَضَرَبَهَا حَتَّى كَسَرَ يَدَهَا وَأَطْلَقَهَا وَقَالَ أَبْيَاتًا، مِنْهَا: لَعَمْرُ أَبِيكِ مَا يُغْنِي مَكَانِي مِنَ الْحُلَفَاءِ آكِلَةٌ غَفُولُ تُؤَوَّمُ لَا تُقَلَّصُ مُشْمَعِلًّا مَعَ الْفِتْيَانِ مَضْجَعُهُ ثَقِيلُ تَنَزَّعُ لِلْجَلِيلَةِ حَيْثُ كَانَتْ كَمَا يَعْتَادُ لِقْحَتَهُ الْفَصِيلُ وَقَدْ أَعْدَدْتُ لَلْحَدَثَانِ حِصْنًا لَوَ أَنَّ الْمَرْءَ يَنْفَعُهُ الْعُقُولُ جَلَاهُ الْقَيْنُ ثُمَّتَ لَمْ تَخُنْهُ مَضَارِبُهُ وَلَاطَتْهُ فُلُولُ فَهَلْ مِنْ كَاهِنٍ آوَى إِلَيْهِ إِذَا مَا حَانَ مِنْ آلٍ نُزُولُ يُرَاهِنُنِي وَيَرْهَنُنِي بَنِيهِ وَأَرْهَنُهُ بَنِيَّ بِمَا أَقُولُ فَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ وَمَا تَدْرِي وَإِنْ أَجْمَعْتَ أَمْرًا بِأَيِّ الْأَرْضِ يُدْرِكُكَ الْمَقِيلُ وَمَا تَدْرِي وَإِنْ أَنْتَجْتَ سَقْبًا لِغَيْرِكَ أَمْ يَكُونُ لَكَ الْفَصِيلُ وَمَا إِنْ إِخْوَةٌ كَبِرُوا وَطَابُوا لَبَاقِيَةٌ، وَأُمُّهُمُ هَبُولُ سَتَثْكَلُ أَوْ يُفَارِقُهَا بَنُوهَا بِمَوْتٍ أَوْ يَجِيءُ لَهُمْ قَتُولُ
التاريخ 614لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَبَنِي الْحَارِثِ وَهُوَ يَوْمُ السَّرَارَةِ ثُمَّ إِنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الْأَوْسِ وَبَنِي الْحَارِثِ مِنَ الْخَزْرَجِ كَانَ بَيْنَهُمَا حَرْبٌ شَدِيدَةٌ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَمْرٍو قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ، فَغَدَا بَنُو عَمْرٍو عَلَى الْقَاتِلِ فَقَتَلُوهُ غِيلَةً، فَاسْتَكْشَفَ أَهْلُهُ فَعَلِمُوا كَيْفَ قُتِلَ، فَتَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ وَأَرْسَلُوا إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يُؤْذِنُونَهُمْ بِالْحَرْبِ، فَالْتَقَوْا بِالسَّرَارَةِ، وَعَلَى الْأَوْسِ حُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ وَالِدُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلُولٍ أَبُو الْحُبَابِ الَّذِي كَانَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ. فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا صَبَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الْأَوْسُ إِلَى دُورِهَا فَفَخَرَتِ الْخَزْرَجُ بِذَلِكَ. وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ: فِدًى لِبَنِي النَّجَّارِ أُمِّي وَخَالَتِي غَدَاةَ لَقُوهُمْ بِالْمُثَقَّفَةِ السُّمْرِ وَصِرْمٍ مِنَ الْأَحْيَاءِ عَمْرُو بْنُ مَالِكٍ إِذَا مَا دَعَوْا كَانَتْ لَهُمْ دَعْوَةُ النَّصْرِ فَوَاللَّهِ لَا أَنْسَى حَيَاتِي بَلَاءَهُمْ غَدَاةَ رَمَوْا عَمْرًا بِقَاصِمَةِ الظَّهْرِ وَقَالَ حَسَّانُ أَيْضًا: لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرُ بِالْحَقِّ مَا نَبَا عَلَيَّ لِسَانِي فِي الْخُطُوبِ وَلَا يَدِي لِسَانِي وَسَيْفِي صَارِمَانِ كِلَاهُمَا وَيَبْلُغُ مَا لَا يَبْلُغُ السَّيْفُ مِذْوَدِي فَلَا الْجُهْدُ يُنْسِينِي حَيَائِي وَعِفَّتِي وَلَا وَقَعَاتِ الدَّهْرِ يَفْلُلْنَ مِبْرَدِي أُكَثِّرُ أَهْلِي مِنْ عِيَالٍ سِوَاهُمُ وَأَطْوِي عَلَى الْمَاءِ الْقَرَاحِ الْمُبَرَّدِ وَمِنْهَا: وَإِنِّي لَمِنْجَاءُ الْمَطِيِّ عَلَى الْوَجَى وَإِنِّي لَنَزَّالٌ لِمَا لَمْ أُعَوَّدِ وَإِنِّي لَقَوَّالٌ لِذِي اللَّوْثِ مَرْحَبًا وَأَهْلًا إِذَا مَا رِيعَ مِنْ كُلِّ مَرْصَدِ وَإِنِّي لَيَدْعُونِي النَّدَى فَأُجِيبُهُ وَأَضْرِبُ بَيْضَ الْعَارِضِ الْمُتَوَقِّدِ فَلَا تَعْجَلَنْ يَا قَيْسُ وَارْبِعْ فَإِنَّمَا قُصَارَاكَ أَنْ تُلْقَى بِكُلِّ مُهَنَّدِ حُسَامٌ وَأَرْمَاحٌ بِأَيْدِي أَعِزَّةٍ مَتَى تَرَهُمْ يَا ابْنَ الْخَطِيمِ تَلَبَّدِ أُسُودٌ لَدَى الْأَشْبَالِ يَحْمِي عَرِينُهَا مَدَاعِيسُ بِالْخَطِّيِّ فِي كُلِّ مَشْهَدِ وَهِيَ أَبْيَاتٌ كَثِيرَةٌ. فَأَجَابَهُ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ: تَرُوحُ عَنِ الْحَسْنَاءِ أَمْ أَنْتَ مُغْتَدِي وَكَيْفَ انْطِلَاقُ عَاشِقٍ لَمْ يُزَوَّدِ تَرَاءَتْ لَنَا يَوْمَ الرَّحِيلِ بِمُقْلَتَيْ شَرِيدٍ بِمُلْتَفٍّ مِنَ السِّدْرِ مُفْرَدِ وَجِيدٍ كَجِيدِ الرِّيمِ حَالٍ يُزِينُهُ عَلَى النَّحْرِ يَاقُوتٌ وَفَصُّ زَبَرْجَدِ كَأَنَّ الثُّرَيَّا فَوْقَ ثُغْرَةِ نَحْرِهَا تَوَقَّدُ فِي الظَّلْمَاءِ أَيَّ تَوَقُّدِ أَلَا إِنَّ بَيْنَ الشَّرْعَبِيِّ وَرَاتِجٍ ضِرَابًا كَتَجْذِيمِ السَّيَالِ الْمُصَعِّدِ لَنَا حَائِطَانِ الْمَوْتُ أَسْفَلُ مِنْهُمَا وَجَمْعٌ مَتَى تَصْرُخْ بِيَثْرِبَ يَصْعَدِ تَرَى اللَّابَةَ السَّوْدَاءَ يَحْمَرُّ لَوْنُهَا وَيَسْهُلُ مِنْهَا كُلُّ رَبْعٍ وَفَدْفَدِ فَإِنِّي لَأَغْنَى النَّاسِ عَنْ مُتَكَلِّفٍ يَرَى النَّاسَ ضُلَّالًا وَلَيْسَ بِمُهْتَدِ لَسَاءَ عَمْرًا ثَوْرًا شَقِيًّا مُوَعَّظًا أَلَدَّ كَأَنَّ رَأْسَهُ رَأْسُ أَصْيَدِ كَثِيرِ الْمُنَى بِالزَّادِ لَا صَبْرَ عِنْدَهُ إِذَا جَاعَ يَوْمًا يَشْتَكِيهِ ضُحَى الْغَدِ وَذِي شِيمَةٍ عَسْرَاءَ خَالَفَ شِيمَتِي فَقُلْتُ لَهُ دَعْنِي وَنَفْسَكَ أَرْشَدِ فَمَا الْمَالُ وَالْأَخْلَاقُ إِلَّا مُعَارَةٌ فَمَا اسْطَعْتَ مِنْ مَعْرُوفِهَا فَتَزَوَّدِ مَتَّى مَا تَقُدْ بِالْبَاطِلِ الْحَقَّ يَأْبَهُ فَإِنْ قُدْتَ بِالْحَقِّ الرَّوَاسِيَ تَنْقَدِ إِذَا مَا أَتَيْتَ الْأَمْرَ مِنْ غَيْرِ بَابِهِ ضَلَلْتَ وَإِنْ تَدْخُلْ مِنَ الْبَابِ تَهْتَدِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ نَاقِدٍ: لِمَنِ الدِّيَارُ كَأَنَّهُنَّ الْمَذْهَبُ بَلِيَتْ وَغَيَّرَهَا الدُّهُورَ تَقَلُّبُ يَقُولُ فِيهَا فِي ذِكْرِ الْوَقْعَةِ: لَكِنْ فِرَارُ أَبِي الْحُبَابِ بِنَفْسِهِ يَوْمَ السَّرَارَةِ سِيءَ مِنْهُ الْأَقْرَبُ وَلَّى وَأَلْقَى يَوْمَ ذَلِكَ دِرْعَهُ إِذْ قِيلَ جَاءَ الْمَوْتُ خَلْفَكَ يَطْلُبُ نَجَّاكَ مِنَّا بَعْدَمَا قَدْ أُشْرِعَتْ فِيكَ الرِّمَاحُ، هُنَاكَ شُدَّ الْمَذْهَبُ وَهِيَ طَوِيلَةٌ أَيْضًا. وَأَبُو الْحُبَابِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلُولٍ.
التاريخ 615لا حكم مسجّل
حَرْبُ الْحُصَيْنِ بْنِ الْأَسْلَتِ ثُمَّ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ بَنِي وَائِلِ بْنِ زَيْدٍ الْأَوْسِيِّينَ وَبَيْنَ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ الْخَزْرَجِيِّينَ . وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ الْحُصَيْنَ بْنَ الْأَسْلَتِ الْأَوْسِيَّ الْوَائِلِيَّ نَازَعَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَازِنٍ، فَقَتَلَهُ الْوَائِلِيُّ ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ، فَتَبِعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي مَازِنٍ فَقَتَلُوهُ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أَخَاهُ أَبَا قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتَ، فَجَمَعَ قَوْمَهُ وَأَرْسَلَ إِلَى بَنِي مَازِنٍ يُعْلِمُهُمْ أَنَّهُ عَلَى حَرْبِهِمْ. فَتَهَيَّأُوا لِلْقِتَالِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَحَدٌ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى كَثُرَتِ الْقَتْلَى فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا، وَقَتَلَ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الَّذِينَ قَتَلُوا أَخَاهُ ثُمَّ انْهَزَمَتِ الْأَوْسُ، فَلَامَ وَحْوَحُ بْنُ الْأَسْلَتِ أَخَاهُ أَبَا قَيْسٍ وَقَالَ: لَا يَزَالُ مُنْهَزِمٌ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ أَبُو قَيْسٍ لِأَخِيهِ، وَيُكَنَّى أَبَا حُصَيْنٍ: أَبْلِغْ أَبَا حِصْنٍ وَبَعْ ضُ الْقَوْلِ عِنْدِي ذُو كُبَارَهْ أَنَّ ابْنَ أُمِّ الْمَرْءِ لَيْ سَ مِنَ الْحَدِيدِ وَلَا الْحِجَارَهْ مَاذَا عَلَيْكُمْ أَنْ يَكُو نَ لَكُمْ بِهَا رَحْلًا عُمَارَهْ يَحْمِي ذِمَارَكُمْ وَبَعْ ضُ الْقَوْمِ لَا يَحْمِي ذِمَارَهْ يَبْنِي لَكُمْ خَيْرًا وَبُنْيَا نُ الْكَرِيمِ لَهُ آثَارَهْ فِي أَبْيَاتٍ.
التاريخ 616لا حكم مسجّل
حَرْبُ رَبِيعٍ الظَّفَرِيِّ ثُمَّ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ بَنِي ظَفَرٍ مِنَ الْأَوْسِ وَبَيْنَ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ . وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَبِيعًا الظَّفَرِيَّ كَانَ يَمُرُّ فِي مَالٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ إِلَى مِلْكٍ لَهُ، فَمَنَعَهُ النَّجَّارِيُّ، فَتَنَازَعَا، فَقَتَلَهُ رَبِيعٌ، فَجَمَعَ قَوْمُهُمَا فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا كَانَ أَشَدَّ قِتَالِ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَتْ بَنُو مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَقَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ الْأَوْسِيُّ فِي ذَلِكَ: أَجَدَّ بِعَمْرَةَ غُنْيَانُهَا فَتَهْجُرَ أَمْ شَأْنُنَا شَأْنُهَا فَإِنْ تُمْسِ شَطَّتْ بِهَا دَارُهَا وَبَاحَ لَكَ الْيَوْمَ هِجْرَانُهَا فَمَا رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْقَطَا كَأَنَّ الْمَصَابِيحَ حَوْذَانُهَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا وَلَا نُزْهَةَ وُلُوجٍ تَكَشَّفَ أَدْجَانُهَا وَعَمْرَةُ مِنْ سَرَوَاتِ النِّسَا يَنْفُخُ بِالْمِسْكِ أَرْدَانُهَا مِنْهَا: وَنَحْنُ الْفَوَارِسُ يَوْمَ الرَّبِي عِ قَدْ عَلِمُوا كَيْفَ أَبْدَانُهَا جُنُونًا لِحَرْبٍ وَرَاءَ الصَّرِي خِ حَتَّى تَقَصَّدَ مُرَّانُهَا تَرَاهُنَّ يَخْلِجْنَ خَلْجَ الدِّلَا يُبَادِرُ بِالنَّزْعِ أَشْطَانُهَا وَهِيَ طَوِيلَةٌ. فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْخَزْرَجِيُّ بِقَصِيدَةٍ أَوَّلُهَا: لَقَدْ هَاجَ نَفْسَكَ أَشْجَانُهَا وَغَادَرَهَا الْيَوْمَ أَدْيَانُهَا وَمِنْهَا: وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا إِذَا الْتَبَسَ الْحَقُّ مِيزَانُهَا وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّا بِهَا إِذَا أَقْحَطَ الْقَطْرُ نُوآنُهَا وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ إِذْ حَارَبَتْ بِأَنَّا لَدَى الْحَرْبِ فُرْسَانُهَا وَيَثْرِبُ تَعْلَمُ أَنَّ النَّبِي تَ عِنْدَ الْهُزَاهِزِ ذُلَّانُهَا وَمِنْهَا: مَتَى تَرَنَا الْأَوْسُ فِي بَيْضِنَا نَهُزُّ الْقَنَا تَخْبُ نِيرَانُهَا وَتُعْطِ الْقِيَادَ عَلَى رُغْمِهَا وَتَنْزِلُ مِلْهَامَ عِقْبَانُهَا فَلَا تَفْخَرَنَّ الْتَمِسْ مَلْجَأً فَقَدْ عَاوَدَ الْأَوْسَ أَدْيَانُهَا
التاريخ 617لا حكم مسجّل
حَرْبُ فَارِعٍ بِسَبَبِ الْغُلَامِ الْقُضَاعِيِّ وَمِنْ أَيَّامِهِمْ يَوْمُ فَارِعٍ. وَسَبَبُهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي النَّجَّارِ أَصَابَ غُلَامًا مِنْ قُضَاعَةَ ثُمَّ مِنْ بَلِيٍّ، وَكَانَ عَمُّ الْغُلَامِ جَارًا لِمُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ الْأَوْسِيِّ وَالِدِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَأَتَى الْغُلَامُ عَمَّهُ يَزُورُهُ فَقَتَلَهُ النَّجَّارِيُّ. فَأَرْسَلَ مُعَاذٌ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ: أَنِ ادْفَعُوا إِلَيَّ دِيَةَ جَارِي أَوِ ابْعَثُوا إِلَيَّ بِقَاتِلِهِ أَرَى فِيهِ رَأْيِي. فَأَبَوْا أَنْ يَفْعَلُوا. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: وَاللَّهِ إِنْ لَمْ تَفْعَلُوا لَا نَقْتُلُ بِهِ إِلَّا عَامِرَ بْنَ الْإِطْنَابَةِ، وَعَامِرٌ مِنْ أَشْرَافِ الْخَزْرَجِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَامِرًا فَقَالَ: أَلَا مَنْ مُبْلِغُ الْأَكْفَاءِ عَنِّي وَقَدْ تُهْدَى النَّصِيحَةُ لِلنَّصِيحِ فَإِنَّكُمُ وَمَا تَرْجُونَ شَطْرِي مِنَ الْقَوْلِ الْمُزَجَّى وَالصَّرِيحِ سَيَنْدَمُ بَعْضُكُمُ عَجَلًا عَلَيْهِ وَمَا أَثَرُ اللِّسَانِ إِلَى الْجُرُوحِ أَبَتْ لِي عِزَّتِي وَأَبَى بَلَائِي وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ وَإِعْطَائِي عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي وَضَرْبِيَ هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي لِأَدْفَعَ عَنْ مَآثِرِ صَالِحَاتٍ وَأَحْمِيَ بَعْدُ عَنْ عَرْضٍ صَحِيحِ بِذِي شُطَبٍ كَلَوْنِ الْمِلْحِ صَافٍ وَنَفْسٍ لَا تَقَرُّ عَلَى الْقَبِيحِ فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ الْيَهُودِيُّ فِي عِرَاضِ قَوْلِ عَامِرِ بْنِ الْإِطْنَابَةِ: أَلَا مَنْ مُبْلِغُ الْأَكْفَاءَ عَنِّي فَلَا ظُلْمٌ لَدَيَّ وَلَا افْتِرَاءُ فَلَسْتُ بِغَائِظِ الْأَكْفَاءِ ظُلْمًا وَعِنْدِي لِلْمُلَامَاتِ اجْتِزَاءُ فَلَمْ أَرَ مِثْلَ مَنْ يَدْنُو لِخَسْفٍ لَهُ فِي الْأَرْضِ سَيْرٌ وَاسْتِوَاءُ وَمَا بَعْضُ الْإِقَامَةِ فِي دِيَارٍ يُهَانُ بِهَا الْفَتَى إِلَّا عَنَاءُ وَبَعْضُ الْقَوْلِ لَيْسَ لَهُ عَنَاجٌ كَمَحْضِ الْمَاءِ لَيْسَ لَهُ إِنَاءُ وَبَعْضُ خَلَائِقِ الْأَقْوَامِ دَاءٌ كَدَاءِ الشُّحِّ لَيْسَ لَهُ دَوَاءُ وَبَعْضُ الدَّاءِ مُلْتَمِسٌ شِفَاءً وَدَاءُ النُّوكِ لَيْسَ لَهُ شِفَاءُ يُحِبُّ الْمَرْءُ أَنْ يَلْقَى نَعِيمًا وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا مَا يَشَاءُ وَمَنْ يَكُ عَاقِلًا لَمْ يَلْقَ بُؤْسًا يُنِخْ يَوْمًا بِسَاحَتِهِ الْقَضَاءُ تَعَاوَرُهُ بَنَاتُ الدَّهْرِ حَتَّى تُثَلِّمَهُ كَمَا ثُلِمَ الْإِنَاءُ وَكُلُّ شَدَائِدٍ نَزَلَتْ بِحَيٍّ سَيَأْتِي بَعْدَ شِدَّتِهَا رَخَاءُ فَقُلْ لِلْمُتَّقِي عَرْضَ الْمَنَايَا تَوَقَّ فَلَيْسَ يَنْفَعُكَ اتِّقَاءُ فَمَا يُعْطَى الْحَرِيصُ غِنًى بِحِرْصٍ وَقَدْ يُنْمِي لَدَى الْجُودِ الثَّرَاءُ وَلَيْسَ بِنَافِعٍ ذَا الْبُخْلِ مَالٌ وَلَا مُزْرٍ بِصَاحِبِهِ الْحِبَاءُ غَنِيُّ النَّفْسِ مَا اسْتَغْنَى بِشَيْءٍ وَفَقْرُ النَّفْسِ مَا عَمُرَتْ شَقَاءُ يَوَدُّ الْمَرْءُ مَا تَفِدُ اللَّيَالِي كَأَنَّ فَنَاءَهُنَّ لَهُ فَنَاءُ فَلَمَّا رَأَى مُعَاذُ بْنُ النُّعْمَانِ امْتِنَاعَ بَنِي النَّجَّارِ مِنَ الدِّيَةِ أَوْ تَسْلِيمِ الْقَاتِلِ إِلَيْهِ تَهَيَّأَ لِلْحَرْبِ، وَتَجَهَّزَ هُوَ وَقَوْمُهُ وَاقْتَتَلُوا عِنْدَ فَارِعٍ، وَهُوَ أُطُمُ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَعَادُوا إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الْإِطْنَابَةِ فِي ذَلِكَ: صَرَمَتْ ظَلِيمَةُ خُلَّتِي وَمَرَاسِلِي وَتَبَاعَدَتْ ضَنًا بِزَادِ الرَّاحِلِ جَهْلًا وَمَا تَدْرِي ظَلِيمَةُ أَنَّنِي قَدْ أَسْتَقِلُّ بِصَرْمِ غَيْرِ الْوَاصِلِ ذُلُلٌ رِكَابِي حَيْثُ شِئْتُ مُشَيَّعِي أَنِّي أَرُوعُ قَطَا الْمَكَانِ الْغَافِلِ أَظَلِيمُ مَا يُدْرِيكِ رُبَّةَ خُلَّةٍ حَسَنٌ تَرَغَّمَهَا كَظَبْيِ الْحَائِلِ قَدْ بِتُّ مَالِكَهَا وَشَارِبَ قَهْوَةٍ دِرْيَاقَةٍ رَوَّيْتُ مِنْهَا وَاغْلِي بَيْضَاءُ صَافِيَةٌ يُرَى مِنْ دُونِهَا قَعْرُ الْإِنَاءِ يُضِيءُ وَجْهَ النَّاهِلِ وَسَرَابَ هَاجِرَةٍ قَطَعْتُ إِذَا جَرَى فَوْقَ الْإِكَامِ بِذَاتِ لَوْنٍ بَاذِلِ أُجُدٌ مَرَاحِلُهَا كَأَنَّ عِفَاءَهَا سِقْطَانُ مِنْ كَتِفَيْ ظَلِيمٍ جَافِلِ فَلْنَأْكُلَنَّ بِنَاجِزٍ مِنْ مَالِنَا وَلْنَشْرَبَنَّ بِدَيْنِ عَامٍ قَابِلِ إِنِّي مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ إِذَا انْتَدَوْا بَدَأُوا بِبِرِّ اللَّهِ ثُمَّ النَّائِلِ الْمَانِعِينَ مِنَ الْخَنَا جِيرَانَهُمْ وَالْحَاشِدِينَ عَلَى طَعَامِ النَّازِلِ وَالْخَالِطِينَ غَنِيَّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ وَالْبَاذِلِينَ عَطَاءَهُمْ لِلسَّائِلِ وَالضَّارِبِينَ الْكَبْشَ يَبْرُقُ بَيْضُهُ ضَرْبَ الْمُهَنَّدِ عَنْ حِيَاضِ النَّاهِلِ وَالْعَاطِفِينَ عَلَى الْمَصَافِ خُيُولَهُمْ وَالْمُلْحِقِينَ رِمَاحَهُمْ بِالْقَاتِلِ وَالْمُدْرِكِينَ عَدُوَّهُمْ بِذُحُولِهِمْ وَالنَّازِلِينَ لِضَرْبِ كُلِّ مُنَازِلِ وَالْقَائِلِينَ مَعًا خُذُوا أَقْرَانَكُمْ إِنَّ الْمَنِيَّةَ مِنْ وَرَاءِ الْوَائِلِ خُزْرٍ عُيُونُهُمُ إِلَى أَعْدَائِهِمْ يَمْشُونَ مَشْيَ الْأُسْدِ تَحْتَ الْوَابِلِ لَيْسُوا بِأَنْكَاسٍ وَلَا مِيلٍ إِذَا مَا الْحَرْبُ شُبَّتْ أَشْعَلُوا بِالشَّاعِلِ لَا يَطْبَعُونَ وَهُمْ عَلَى أَحْسَابِهِمْ يَشْفُونَ بِالْأَحْلَامِ دَاءَ الْجَاهِلِ وَالْقَائِلِينَ فَلَا يُعَابُ خَطِيبُهُمْ يَوْمَ الْمَقَالَةِ بِالْكَلَامِ الْفَاصِلِ وَإِنَّمَا أَثْبَتْنَا هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَلَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ الْوَقْعَةِ لِجَوْدَتِهَا وَحُسْنِهَا.
التاريخ 618لا حكم مسجّل
حَرْبُ حَاطِبٍ ثُمَّ كَانَتِ الْوَقْعَةُ الْمَعْرُوفَةُ بِحَاطِبٍ. وَهُوَ حَاطِبُ بْنُ قَيْسٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ الْأَوْسِيُّ، وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ حَرْبِ سُمَيْرٍ نَحْوَ مِائَةِ سَنَةٍ. وَكَانَ بَيْنَهُمَا أَيَّامٌ ذَكَرْنَا الْمَشْهُورَ مِنْهَا وَتَرَكْنَا مَا لَيْسَ بِمَشْهُورٍ. وَحَرْبُ حَاطِبٍ آخِرُ وَقْعَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُمْ إِلَّا يَوْمَ بُعَاثٍ حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ. وَكَانَ سَبَبَ هَذِهِ الْحَرْبِ أَنَّ حَاطِبًا كَانَ رَجُلًا شَرِيفًا سَيِّدًا فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ غَدَا يَوْمًا إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَرَآهُ يَزِيدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ فُسْحُمٍ، وَهِيَ أُمُّهُ، وَهُوَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. فَقَالَ يَزِيدُ لِرَجُلٍ يَهُودِيٍّ: لَكَ رِدَائِي إِنْ كَسَعْتَ هَذَا التَّغْلِبِيَّ. فَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَكَسَعَهُ كَسْعَةً سَمِعِهَا مَنْ بِالسُّوقِ. فَنَادَى التَّغْلِبِيُّ: يَا آلَ حَاطِبٍ كُسِعَ ضَيْفُكِ وَفُضِحَ ! وَأُخْبِرَ حَاطِبٌ بِذَلِكَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ مَنْ كَسَعَهُ، فَأَشَارَ إِلَى الْيَهُودِيِّ، فَضَرَبَهُ حَاطِبٌ بِالسَّيْفِ فَلَقَ هَامَتَهُ، فَأُخْبِرَ ابْنُ فُسْحُمٍ الْخَبَرَ، وَقِيلَ لَهُ: قُتِلَ الْيَهُودِيُّ، قَتَلَهُ حَاطِبٌ، فَأَسْرَعَ خَلْفَ حَاطِبٍ فَأَدْرَكَهُ وَقَدْ دَخَلَ بُيُوتَ أَهْلِهِ، فَلَقِيَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُعَاوِيَةَ فَقَتَلَهُ. فَثَارَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَاحْتَشَدُوا وَاجْتَمَعُوا وَالْتَقَوْا عَلَى جِسْرِ رَدْمِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ. وَكَانَ عَلَى الْخَزْرَجِ هَؤُلَاءِ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيُّ، وَعَلَى الْأَوْسِ حُضَيْرُ بْنُ سِمَاكٍ الْأَشْهَلِيُّ. وَقَدْ كَانَ ذَهَبَ ذِكْرُ مَا وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْحُرُوبِ فِيمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ الْفَزَارِيُّ وَخِيَارُ بْنُ مَالِكِ بْنِ حَمَّادٍ الْفَزَارِيُّ، فَقَدِمَا الْمَدِينَةَ وَتَحَدَّثَا مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي الصُّلْحِ، وَضَمِنَا أَنْ يَتَحَمَّلَا كُلَّ مَا يَدَّعِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَأَبَوْا، وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ عِنْدَ الْجِسْرِ، وَشَهِدَهَا عُيَيْنَةُ وَخِيَارٌ. فَشَاهَدَا مِنْ قِتَالِهِمْ وَشِدَّتِهَا مَا أَيِسَا مَعَهُ مِنِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ، فَكَانَ الظَّفَرُ يَوْمَئِذٍ لِلْخَزْرَجِ. وَهَذَا الْيَوْمُ مِنْ أَشْهَرِ أَيَّامِهِمْ، وَكَانَ بَعْدَهُ عِدَّةُ وَقَائِعَ كُلُّهَا مِنْ حَرْبِ حَاطِبٍ، فَمِنْهَا:
التاريخ 619لا حكم مسجّل
يَوْمُ الرَّبِيعِ ثُمَّ الْتَقَتِ الْأَنْصَارُ بَعْدَ يَوْمِ الْجِسْرِ بِالرَّبِيعِ، وَهُوَ حَائِطٌ فِي نَاحِيَةِ السَّفْحِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى كَادَ يُفْنِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَانْهَزَمَتِ الْأَوْسُ وَتَبِعَهَا الْخَزْرَجُ حَتَّى بَلَغُوا دُورَهُمْ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ إِذَا انْهَزَمَتْ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَدَخَلَتْ دُورَهُمْ كَفَّتِ الْأُخْرَى عَنِ اتِّبَاعِهِمْ. فَلَمَّا تَبِعَ الْخَزْرَجُ الْأَوْسَ إِلَى دُورِهِمْ طَلَبَتِ الْأَوْسُ الصُّلْحَ، فَامْتَنَعَتْ بَنُو النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ عَنْ إِجَابَتِهِمْ. فَحَصَّنَتِ الْأَوْسُ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ، وَهِيَ الْحُصُونُ، ثُمَّ كَفَّتْ عَنْهُمُ الْخَزْرَجُ، فَقَالَ صَخْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَيَاضِيُّ: أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي سُوَيْدَ بْنَ صَامِتٍ وَرَهْطَ سُوَيْدٍ بَلِّغَا وَابْنَ الَاسْلَتِ بِأَنَّا قَتَلْنَا بِالرَّبِيعِ سَرَاتَكُمْ وَأَفْلَتَ مَجْرُوحًا بِهِ كُلُّ مُفْلِتِ فَلَوْلَا حُقُوقٌ فِي الْعَشِيرَةِ إِنَّهَا أَدَلَّتْ بِحَقٍّ وَاجِبٍ إِنْ أَدَلَّتِ لَنَالَهُمُ مِنَّا كَمَا كَانَ نَالَهُمْ مَقَانِبُ خَيْلٍ أُهْلِكَتْ حِينَ حَلَّتِ فَأَجَابَهُ سُوَيْدُ بْنُ الصَّامِتِ: أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي صُخَيْرًا رِسَالَةً فَقَدْ ذُقْتَ حَرْبَ الْأَوْسِ فِيهَا ابْنَ الَاسْلَتِ قَتَلْنَا سَرَايَاكُمْ بِقَتْلَى سَرَاتِنَا وَلَيْسَ الَّذِي يَنْجُو إِلَيْكُمْ بِمُفْلِتِ
التاريخ 620لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْبَقِيعِ ثُمَّ الْتَقَتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَكَانَ الظَّفَرُ يَوْمَئِذٍ لِلْأَوْسِ، فَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ نَاقِدٍ الْأَوْسِيُّ: لَمَّا رَأَيْتُ بَنِي عَوْفٍ وَجَمْعَهُمُ جَاءُوا وَجَمْعَ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ حَفَلُوا دَعَوْتُ قَوْمِي وَسَهَّلْتُ الطَّرِيقَ لَهُمْ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَصْحَابُهُ حَلَلُوا جَادَتْ بِأَنْفُسِهَا مِنْ مَالِكٍ عُصَبٌ يَوْمَ اللِّقَاءِ فَمَا خَافُوا وَلَا فَشِلُوا وَعَاوَرُوكُمْ كُؤُوسَ الْمَوْتِ إِذْ بَرَزُوا شَطْرَ النَّهَارِ وَحَتَّى أَدْبَرَ الْأُصُلُ حَتَّى اسْتَقَامُوا وَقَدْ طَالَ الْمِرَاسُ بِهِمْ فَكُلُّهُمْ مِنْ دِمَاءِ الْقَوْمِ قَدْ نَهِلُوا تَكَشَّفَ الْبِيضُ عَنْ قَتْلَى أُولِي رَحِمٍ لَوْلَا الْمُسَالِمُ وَالْأَرْحَامُ مَا نَقَلُوا تَقُولُ كُلُّ فَتَاةٍ غَابَ قَيِّمُهَا أَكُلُّ مَنْ خَلْفَنَا مِنْ قَوْمِنَا قُتِلُوا لَقَدْ قَتَلْتُمْ كَرِيمًا ذَا مُحَافَظَةٍ قَدْ كَانَ حَالَفَهُ الْقَيْنَاتُ وَالْحُلَلُ جَزْلٌ نَوَافِلُهُ حُلْوٌ شَمَائِلُهُ رَيَّانُ وَاغْلُهُ تَشْقَى بِهِ الْإِبِلُ الْوَاغِلُ: الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ يَشْرَبُونَ. فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ الْحَارِثِيُّ الْخَزْرَجِيُّ: لَمَّا رَأَيْتُ بَنِي عَوْفٍ وَإِخْوَتَهُمْ كَعْبًا وَجَمْعَ بَنِي النَّجَّارِ قَدْ حَفَلُوا قِدْمًا أَبَاحُوا حِمَاكُمْ بِالسُّيُوفِ وَلَمْ يَفْعَلْ بِكُمْ أَحَدٌ مِثْلَ الَّذِي فَعَلُوا وَكَانَ رَئِيسَ الْأَوْسِ يَوْمَئِذٍ فِي حَرْبِ حَاطِبٍ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ الْوَائِلِيُّ، فَقَامَ فِي حَرْبِهِمْ وَهَجَرَ الرَّاحَةَ، فَشَحُبَ وَتَغَيَّرَ. وَجَاءَ يَوْمًا إِلَى امْرَأَتِهِ فَأَنْكَرَتْهُ حَتَّى عَرَفَتْهُ بِكَلَامِهِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ أَنْكَرْتُكَ حَتَّى تَكَلَّمْتَ ! فَقَالَ: قَالَتْ وَلَمْ تَقْصِدْ لِقِيلِ الْخَنَا مَهْلًا فَقَدْ أَبْلَغْتَ أَسْمَاعِي وَاسْتَنْكَرَتْ لَهُ لَوْنًا شَاحِبًا وَالْحَرْبُ غُولٌ ذَاتُ أَوْجَاعِ مَنْ يَذُقِ الْحَرْبَ يَجِدْ طَعْمَهَا مُرًّا وَتَتْرُكُهُ بِجَعْجَاعِ قَدْ حَصَّتِ الْبَيْضَةُ رَأْسِي فَمَا أَطْعَمُ نَوْمًا غَيْرَ تَهْجَاعِ أَسْعَى عَلَى جُلِّ بَنِي مَالِكٍ كُلُّ امْرِئِ فِي شَأْنِهِ سَاعِي أَعْدَدْتُ لِلْأَعْدَاءِ مَوْضُونَةً فَضْفَاضَةً كَالنِّهْيِ بِالْقَاعِ أَحْفِزُهَا عَنِّي بِذِي رَوْنَقٍ مُهَنَّدٍ كَاللَّمْعِ قَطَّاعِ صِدْقٍ حُسَامٍ وَادِقٍ حَدُّهُ وَمُنْحَنٍ أَسْمَرَ قَرَّاعِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا قَيْسِ بْنَ الْأَسْلَتِ جَمَعَ الْأَوْسَ وَقَالَ لَهُمْ: مَا كُنْتُ رَئِيسَ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا هُزِمُوا، فَرَئِّسُوا عَلَيْكُمْ مَنْ أَحْبَبْتُمْ، فَرَأَّسُوا عَلَيْهِمْ حُضَيْرَ الْكَتَائِبِ بْنَ السَّمَاكِ الْأَشْهَلِيَّ، وَهُوَ وَالِدُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ. لِوَلَدِهِ صُحْبَةٌ، وَهُوَ بَدْرِيٌّ، فَصَارَ حُضَيْرٌ يَلِي أُمُورَهُمْ فِي حُرُوبِهِمْ، فَالْتَقَى الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ الْغَرْسُ، فَكَانَ الظَّفَرَ لِلْأَوْسِ، ثُمَّ تَرَاسَلُوا فِي الصُّلْحِ فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَحْسِبُوا الْقَتْلَى فَمَنْ كَانَ عَلَيْهِ الْفَضْلُ أُعْطِيَ الدِّيَةَ، فَأَفْضَلَتِ الْأَوْسُ عَلَى الْخَزْرَجِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ، فَدَفَعَتِ الْخَزْرَجُ ثَلَاثَةَ غِلْمَةٍ مِنْهُمْ رَهْنًا بِالدِّيَاتِ، فَغَدَرَتِ الْأَوْسُ فَقَتَلَتِ الْغِلْمَانَ.
التاريخ 621لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْفِجَارِ الْأَوَّلِ لِلْأَنْصَارِ وَلَيْسَ بِفِجَارِ كِنَانَةَ وَقَيْسٍ. فَلَمَّا قَتَلَتِ الْأَوْسُ الْغِلْمَانَ جَمَعَتِ الْخَزْرَجُ وَحَشَدُوا وَالْتَقَوْا بِالْحَدَائِقِ، وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، وَعَلَى الْأَوْسِ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُفْنِي بَعْضًا. وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْفِجَارِ لِغَدْرِهِمْ بِالْغِلْمَانِ، وَهُوَ الْفِجَارُ الْأَوَّلُ، فَكَانَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ فِي حَائِطٍ لَهُ، فَانْصَرَفَ فَوَافَقَ قَوْمَهُ قَدْ بَرَزُوا لِلْقِتَالِ، فَعَجَزَ عَنْ أَخْذِ سِلَاحِهِ إِلَّا السَّيْفَ ثُمَّ خَرَجَ مَعَهُمْ، فَعَظُمَ مَقَامُهُ يَوْمَئِذٍ وَأَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا وَجُرِحَ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، فَمَكَثَ حِينًا يَتَدَاوَى مِنْهَا، وَأُمِرَ أَنْ يَحْتَمِيَ عَنِ الْمَاءِ، فَلِذَلِكَ يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: رَمَيْنَاكَ أَيَّامَ الْفِجَارِ فَلَمْ تَزَلْ حَمِيًّا فَمَنْ يَشْرَبْ فَلَسْتَ بِشَارِبِ
التاريخ 622لا حكم مسجّل
يَوْمُ مُعَبِّسٍ وَمُضَرِّسٍ ثُمَّ الْتَقَوْا عِنْدَ مُعَبِّسٍ وَمُضَرِّسٍ، وَهُمَا جِدَارَانِ، فَكَانَتِ الْخَزْرَجُ وَرَاءَ مُضَرِّسٍ، وَكَانَتِ الْأَوْسُ وَرَاءَ مُعَبِّسٍ، فَأَقَامُوا أَيَّامًا يَقْتَتِلُونَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ انْهَزَمَتِ الْأَوْسُ حَتَّى دَخَلَتِ الْبُيُوتَ وَالْآطَامَ، وَكَانَتْ هَزِيمَةً قَبِيحَةً لَمْ يَنْهَزِمُوا مِثْلَهَا. ثُمَّ إِنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَبَنِي أَوْسِ مَنَاةَ مِنَ الْأَوْسِ وَادَعُوا الْخَزْرَجَ، فَامْتَنَعَ مِنَ الْمُوَادَعَةِ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَبَنُو ظَفَرٍ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَوْسِ وَقَالُوا: لَا نُصَالِحُ حَتَّى نُدْرِكَ ثَأْرَنَا مِنَ الْخَزْرَجِ. فَأَلَحَّتِ الْخَزْرَجُ عَلَيْهِمْ بِالْأَذَى وَالْغَارَةِ حِينَ وَادَعَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَأَوْسِ مَنَاةَ، فَعَزَمَتِ الْأَوْسُ إِلَّا مَنْ ذَكَرْنَا عَلَى الِانْتِقَالِ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَأَغَارَتْ بَنُو سَلَمَةَ عَلَى مَالٍ لِبَنِي الْأَشْهَلِ يُقَالُ لَهُ الرَّعْلُ، فَقَاتَلُوهُمْ عَلَيْهِ، فَجُرِحَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، وَاحْتَمَلَهُ بَنُو سَلَمَةَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْخَزْرَجِيِّ، فَأَجَارَهُ وَأَجَارَ الرَّعْلَ مِنَ الْحَرِيقِ وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ جَازَاهُ سَعْدٌ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ سَارَتِ الْأَوْسُ إِلَى مَكَّةَ لِتُحَالِفَ قُرَيْشًا عَلَى الْخَزْرَجِ، وَأَظْهَرُوا أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْعُمْرَةَ. وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمُ الْعُمْرَةَ أَوِ الْحَجَّ لَمْ يَعْرِضْ إِلَيْهِ خَصْمُهُ، وَيُعَلِّقُ الْمُعْتَمِرُ عَلَى بَيْتِهِ كَرَانِيفَ النَّخْلِ فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَسَارُوا إِلَى مَكَّةَ فَقَدِمُوهَا وَحَالَفُوا قُرَيْشًا وَأَبُو جَهْلٍ غَائِبٌ. فَلَمَّا قَدِمَ أَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ لِقُرَيْشٍ: أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ الْأَوَّلِ: وَيْلٌ لِلْأَهْلِ مِنَ النَّازِلِ ! إِنَّهُمْ لَأَهْلُ عَدَدٍ وَجَلَدٍ، وَلَقَلَّ مَا نَزَلَ قَوْمٌ عَلَى قَوْمٍ إِلَّا أَخْرَجُوهُمْ مِنْ بَلَدِهِمْ وَغَلَبُوهُمْ عَلَيْهِ. قَالُوا: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْ حِلْفِهِمْ ؟ قَالَ: أَنَا أَكْفِيكُمُوهُمْ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى جَاءَ الْأَوْسَ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حَالَفْتُمْ قَوْمِي وَأَنَا غَائِبٌ، فَجِئْتُ لِأُحَالِفَكُمْ وَأَذْكُرَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِنَا مَا تَكُونُونَ بَعْدَهُ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكُمْ. إِنَّا قَوْمٌ تَخْرُجُ إِمَاؤُنَا إِلَى أَسْوَاقِنَا وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ مِنَّا يُدْرِكُ الْأَمَةَ فَيَضْرِبَ عَجِيزَتَهَا، فَإِنْ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَفْعَلَ نِسَاؤُكُمْ مِثْلَ مَا تَفْعَلُ نِسَاؤُنَا حَالَفْنَاكُمْ، وَإِنْ كَرِهْتُمْ ذَلِكَ فَرُدُّوا إِلَيْنَا حِلْفَنَا. فَقَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَذَا. وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ بِأَسْرِهَا فِيهِمْ غَيْرَةٌ شَدِيدَةٌ، فَرَدُّوا إِلَيْهِمْ حِلْفَهُمْ وَسَارُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَفْتَخِرُ بِمَا أَصَابَ قَوْمُهُ مِنَ الْأَوْسِ: أَلَا أَبْلِغْ أَبَا قَيْسٍ رَسُولًا إِذَا أَلْقَى لَهَا سَمْعًا تُبِينُ فَلَسْتُ لِحَاصِنٍ إِنْ لَمْ تَزُرْكُمْ خِلَالَ الدَّارِ مُسْبِلَةٌ طَحُونُ يَدِينُ لَهَا الْعَزِيزُ إِذَا رَآهَا وَيَهْرُبُ مِنْ مَخَافَتِهَا الْقَطِينُ تَشِيبُ النَّاهِدُ الْعَذْرَاءُ مِنْهَا وَيَسْقُطُ مِنْ مَخَافَتِهَا الْجَنِينُ يَطُوفُ بِكُمْ مِنَ النَّجَّارِ أُسْدٌ كَأُسْدِ الْغِيلِ مَسْكَنُهَا الْعَرِينُ يَظَلُّ اللَّيْثُ فِيهَا مُسْتَكِينًا لَهُ فِي كُلِّ مُلْتَفَتٍ أَنِينُ كَأَنَّ بَهَاءَهَا لِلنَّاظِرِيهَا مِنَ الْأَثْلَاتِ وَالْبِيضِ الْفَتِينُ كَأَنَّهُمُ مِنَ الْمَاذِي عَلَيْهِمْ جَمَالٌ حِينَ يَجْتَلِدُونَ جُونُ فَقَدْ لَاقَاكَ قَبْلَ بُعَاثَ قَتْلٌ وَبَعْدَ بُعَاثَ ذُلٌّ مُسْتَكِينُ وَهِيَ طَوِيلَةٌ أَيْضًا.
التاريخ 623لا حكم مسجّل
يَوْمُ الْفِجَارِ الثَّانِي لِلْأَنْصَارِ كَانَتِ الْأَوْسُ قَدْ طَلَبَتْ مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ أَنْ يُحَالِفُوهُمْ عَلَى الْخَزْرَجِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْخَزْرَجَ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ يُؤْذِنُونَهُمْ بِالْحَرْبِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّا لَا نُرِيدُ ذَلِكَ فَأَخَذَتِ الْخَزْرَجُ رَهْنَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ غُلَامًا مِنْ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، ثُمَّ إِنَّ يَزِيدَ بْنَ فُسْحُمَ شَرِبَ يَوْمًا فَسَكِرَ فَتَغَنَّى بِشِعْرٍ يَذْكُرُ فِيهِ ذَلِكَ: هَلُمَّ إِلَى الْأَحْلَافِ إِذْ رَقَّ عَظْمُهُمْ وَإِذْ أَصْلَحُوا مَالًا لِجِذْمَانَ ضَائِعَا إِذَا مَا امْرُؤٌ مِنْهُمْ أَسَاءَ عِمَارَةً بَعَثْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ بَنِي الْعِيرِ جَادِعَا فَأَمَّا الصَّرِيخُ مِنْهُمُ فَتَحَمَّلُوا وَأَمَّا الْيَهُودُ فَاتَّخَذْنَا بَضَائِعَا أَخَذْنَا مِنَ الْأُولَى الْيَهُودَ عِصَابَةً لِغَدْرِهِمِ كَانُوا لَدَيْنَا وَدَائِعَا فَذَلُّوا لِرَهْنٍ عِنْدَنَا فِي جِبَالِنَا مُصَانَعَةً يَخْشُونَ مِنَّا الْقَوَارِعَا وَذَاكَ بِأَنَّا حِينَ نَلْقَى عَدُوَّنَا نَصُولُ بِضَرْبٍ يَتْرُكُ الْعِزَّ خَاشِعَا فَبَلَغَ قَوْلُهُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ فَغَضِبُوا. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ: نَحْنُ كَمَا قَالَ إِنْ لَمْ نُغِرْ، فَخَالَفَ الْأَوْسُ عَلَى الْخَزْرَجِ. فَلَمَّا سَمِعَتِ الْخَزْرَجُ بِذَلِكَ قَتَلُوا كُلَّ مَنْ عِنْدَهُمْ مِنَ الرَّهْنِ مِنْ أَوْلَادِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ. فَأَطْلَقُوا نَفَرًا، مِنْهُمْ: سُلَيْمُ بْنُ أَسَدٍ الْقُرَظِيُّ جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سُلَيْمٍ. وَاجْتَمَعَتِ الْأَوْسُ وَقُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ عَلَى حَرْبِ الْخَزْرَجِ فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْفِجَارَ الثَّانِي لِقَتْلِ الْغِلْمَانِ مِنَ الْيَهُودِ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَتْلِ الْغِلْمَانِ غَيْرُ هَذَا، وَهُوَ: إِنَّ عَمْرَو بْنَ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيَّ الْخَزْرَجِيَّ قَالَ لِقَوْمِهِ بَنِي بَيَاضَةَ: إِنَّ أَبَاكُمْ أَنْزَلَكُمْ مَنْزِلَةَ سُوءٍ، وَاللَّهِ لَا يَمَسُّ رَأْسِي مَاءٌ حَتَّى أُنْزِلَكُمْ مَنَازِلَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ أَوْ أَقْتُلَ رَهْنَهُمْ ! وَكَانَتْ مَنَازِلُ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ خَيْرَ الْبِقَاعِ، فَأَرْسَلَ إِلَى قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ: إِمَّا أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِيَارِكُمْ، وَإِمَّا أَنْ نَقْتُلَ الرَّهْنَ. فَهَمُّوا بِأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ الْقُرَظِيُّ: يَا قَوْمُ امْنَعُوا دِيَارَكُمْ وَخَلُّوهُ يَقْتُلُ الْغِلْمَانَ، مَا هِيَ إِلَّا لَيْلَةٌ يُصِيبُ فِيهَا أَحَدُكُمُ امْرَأَةً حَتَّى يُولَدَ لَهُ مِثْلُ أَحَدِهِمْ. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ: إِنَّا لَا نَنْتَقِلُ عَنْ دِيَارِنَا فَانْظُرُوا فِي رَهْنِنَا فَعُوا لَنَا. فَعَدَا عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ عَلَى رَهْنِهِمْ فَقَتَلَهُمْ، وَخَالَفَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فَقَالَ: هَذَا بَغْيٌ وَإِثْمٌ، وَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهِمْ وَقِتَالِ قَوْمِهِ مِنَ الْأَوْسِ وَقَالَ لَهُ: كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ حُمِلْتَ قَتِيلًا فِي عَبَاءَةٍ يَحْمِلُكَ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ. فَلَمْ يَقْتُلْ هُوَ وَمَنْ أَطَاعَهُ أَحَدًا مِنَ الْغِلْمَانِ وَأَطْلَقُوهُمْ، وَمِنْهُمْ: سُلَيْمُ بْنُ أَسَدٍ جَدُّ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وَحَالَفَتْ حِينَئِذٍ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ وَالْأَوْسُ عَلَى الْخَزْرَجِ، وَجَرَى بَيْنَهُمْ قِتَالٌ سُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْفِجَارِ الثَّانِي. وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِأَنْ يُسَمَّى الْيَوْمَ فِجَارًا، وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فَإِنَّمَا قَتَلُوا الرَّهْنَ جَزَاءَ الْغَدْرِ مِنَ الْيَهُودِ فَلَيْسَ بِفِجَارٍ مِنَ الْخَزْرَجِ إِلَّا أَنْ يُسَمَّى فِجَارًا لِغَدْرِ الْيَهُودِ.
التاريخ 624لا حكم مسجّل
يوم بعاث يَوْمُ بُعَاثٍ ثُمَّ إِنَّ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرَ جَدَّدُوا الْعُهُودَ مَعَ الْأَوْسِ عَلَى الْمُوَازَرَةِ وَالتَّنَاصُرِ، وَاسْتَحْكَمَ أَمْرُهُمْ وَجَدُّوا فِي حَرْبِهِمْ، وَدَخَلَ مَعَهُمْ قَبَائِلُ مِنَ الْيَهُودِ غَيْرُ مَنْ ذَكَرْنَا. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ الْخَزْرَجُ جَمَعَتْ وَحَشَدَتْ وَرَاسَلَتْ حُلَفَاءَهَا مِنْ أَشْجَعَ وَجُهَيْنَةَ، وَرَاسَلَتِ الْأَوْسُ حُلَفَاءَهَا مِنْ مُزَيْنَةَ، وَمَكَثُوا يَوْمًا يَتَجَهَّزُونَ لِلْحَرْبِ، وَالْتَقَوْا بِبُعَاثَ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِ قُرَيْظَةَ، وَعَلَى الْأَوْسِ حُضَيْرُ الْكَتَائِبِ بْنُ سِمَاكٍ وَالِدُ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وَعَلَى الْخَزْرَجِ عَمْرُو بْنُ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيُّ، وَتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ فِيمَنْ تَبِعَهُ عَنِ الْخَزْرَجِ، وَتَخَلَّفَ بَنُو حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنِ الْأَوْسِ. فَلَمَّا الْتَقَوُا اقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا وَصَبَرُوا جَمِيعًا. ثُمَّ إِنَّ الْأَوْسَ وَجَدَتْ مَسَّ السِّلَاحِ فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ نَحْوَ الْعَرِيضِ، فَلَمَّا رَأَى حُضَيْرٌ هَزِيمَتَهُمْ بَرَكَ وَطَعَنَ قَدَمَهُ بِسِنَانِ رُمْحِهِ وَصَاحَ: وَا عَقْرَاهُ كَعَقْرِ الْجَمَلِ ! وَاللَّهِ لَا أَعُودُ حَتَّى أُقْتَلَ، فَإِنْ شِئْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَنْ تُسْلِمُونِي فَافْعَلُوا. فَعَطَفُوا عَلَيْهِ وَقَاتَلَ عَنْهُ غِلْمَانٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يُقَالُ لَهُمَا مَحْمُودٌ وَيَزِيدُ ابْنَا خَلِيفَةَ حَتَّى قُتِلَا، وَأَقْبَلَ سَهْمٌ لَا يُدْرَى مَنْ رَمَى بِهِ فَأَصَابَ عَمْرَو بْنَ النُّعْمَانِ الْبَيَاضِيَّ رَئِيسَ الْخَزْرَجِ فَقَتَلَهُ، فَبَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ يَتَرَدَّدُ رَاكِبًا قَرِيبًا مِنْ بُعَاثٍ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ إِذْ طُلِعَ عَلَيْهِ بِعَمْرِو بْنِ النُّعْمَانِ قَتِيلًا فِي عَبَاءَةٍ يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ، كَمَا كَانَ قَالَ لَهُ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: ذُقْ وَبَالَ الْبَغْيِ ! وَانْهَزَمَتِ الْخَزْرَجُ، وَوَضَعَتْ فِيهِمُ الْأَوْسُ السِّلَاحَ، فَصَاحَ صَائِحٌ: يَا مَعْشَرَ الْأَوْسِ أَحْسِنُوا وَلَا تُهْلِكُوا إِخْوَانَكُمْ فَجِوَارُهُمْ خَيْرٌ مِنْ جِوَارِ الثَّعَالِبِ ! فَانْتَهَوْا عَنْهُمْ وَلَمْ يَسْلُبُوهُمْ. وَإِنَّمَا سَلَبَهُمْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، وَحَمَلَتِ الْأَوْسُ حُضَيْرًا مَجْرُوحًا فَمَاتَ. وَأَحْرَقَتِ الْأَوْسُ دُورَ الْخَزْرَجِ وَنَخِيلَهُمْ، فَأَجَارَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَشْهَلِيُّ أَمْوَالَ بَنِي سَلَمَةَ وَنَخِيلَهُمْ وَدُورَهُمْ جَزَاءً بِمَا فَعَلُوا لَهُ فِي الرَّعْلِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَنَجَّى يَوْمَئِذٍ الزُّبَيْرُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ بَاطَا ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ الْخَزْرَجِيَّ، أَخَذَهُ فَجَزَّ نَاصِيَتَهُ وَأَطْلَقَهُ، وَهِيَ الْيَدُ الَّتِي جَازَاهُ بِهَا ثَابِتٌ فِي الْإِسْلَامِ يَوْمَ بَنِي الْقُرَيْظَةِ، وَسَنَذْكُرُهُ. وَكَانَ يَوْمُ الْبُعَاثِ آخِرَ الْحُرُوبِ الْمَشْهُورَةِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، ثُمَّ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَاتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى نَصْرِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ. وَأَكْثَرَتِ الْأَنْصَارُ الْأَشْعَارَ يَوْمَ الْبُعَاثِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ الظَّفَرِيِّ الْأَوْسِيِّ: أَتَعْرِفُ رَسْمًا كَالطِّرَازِ الْمُذَهَّبِ لِعَمْرَةَ رَكْبًا غَيْرَ مَوْقِفِ رَاكِبِ دِيَارُ الَّتِي كَانَتْ وَنَحْنُ عَلَى مِنًى تَحِلُّ بِنَا لَوْلَا رَجَاءُ الرَّكَائِبِ تَبَدَّتْ لَنَا كَالشَّمْسِ تَحْتَ غَمَامَةٍ بَدَا حَاجِبٌ مِنْهَا وَضَنَّتْ بِحَاجِبِ وَمِنْهَا: وَكُنْتُ امْرَأً لَا أَبْعَثُ الْحَرْبَ ظَالِمًا فَلَمَّا أَبَوْا شَعَّلْتُهَا كُلَّ جَانِبِ أَذِنْتُ بِدَفْعِ الْحَرْبِ حَرْبًا رَأَيْتُهَا عَنِ الدَّفْعِ لَا تَزْدَادُ غَيْرَ تَقَارُبِ فَلَمَّا رَأَيْتُ الْحَرْبَ تَجَرَّدَتْ لَبِسْتُ مَعَ الْبُرْدَيْنِ ثَوْبَ الْمُحَارِبِ مُضَعَّفَةً يَغْشَى الْأَنَامِلَ رَيْعُهَا كَأَنَّ قَتِيرَيْهَا عُيُونَ الْجَنَادِبِ تَرَى قِصَدَ الْمُرَّانِ تُلْقَى كَأَنَّهَا تَذَرُّعُ خِرْصَانٍ بِأَيْدِي الشَّوَاطِبِ وَسَامَحَنِي مِلْكَاهَنِينِ وَمَالِكٌ وَثَعْلَبَةُ الْأَخْيَارِ رَهْطُ الْقَبَاقِبِ رِجَالٌ مَتَى يُدْعَوْا إِلَى الْحَرْبِ يُسْرِعُوا كَمَشْيِ الْجِمَالِ الْمُشْعِلَاتِ الْمَصَاعِبِ إِذَا مَا فَرَرْنَا كَانَ أَسْوَا فِرَارِنَا صُدُودُ الْخُدُودِ وَازْوِرَارُ الْمَنَاكِبِ صُدُودُ الْخُدُودِ وَالْقَنَا مُتَشَاجِرٌ وَلَا تَبْرَحُ الْأَقْدَامُ عِنْدَ التَّضَارُبِ ظَأَرْنَاكُمُ بِالْبِيضِ حَتَّى لَأَنْتُمُ أَذَلُّ مِنَ السُّقْبَانِ بَيْنَ الْحَلَائِبِ يُجَرَّدْنَ بِيضًا كُلَّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ وَيَرْجِعْنَ حُمْرًا جَارِحَاتِ الْمَضَارِبِ لَقِيتُكُمُ يَوْمَ الْحَدَائِقِ حَاسِرًا كَأَنَّ يَدِي بِالسَّيْفِ مِخْرَاقُ لَاعِبِ وَيَوْمَ بُعَاثٍ أَسْلَمَتْنَا سُيُوفُنَا إِلَى حَسَبٍ فِي جِذْمِ غَسَّانَ ثَاقِبِ قَتَلْنَاكُمُ يَوْمَ الْفِجَارِ وَقَبْلَهُ وَيَوْمُ بُعَاثٍ كَانَ يَوْمَ التَّغَالُبِ أَتَتْ عُصَبٌ لِلْأَوْسِ تَخْطُرُ بِالْقَنَا كَمَشْيِ الْأُسُودِ فِي رَشَاشِ الْأَهَاضِبِ فَأَجَابَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: أَشَاقَتْكَ لَيْلَى فِي الْخَلِيطِ الْمُجَانِبِ نَعَمْ، فَرَشَاشُ الدَّمْعِ فِي الصَّدْرِ غَالِبِ بَكَتْ إِثْرَ مَنْ شَطَّتْ نَوَاهُ وَلَمْ يَقُمْ لِحَاجَةِ مَخْزُونٍ شَكَا الْحُبَّ نَاصِبِ لَدُنْ غَدْوَةً حَتَّى إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ أَرَاحَتْ لَهُ مِنْ لُبِّهِ كُلَّ عَازِبِ نُحَامِي عَلَى أَحْسَابِنَا بِتِلَادِنَا لِمُفْتَقِرٍ أَوْ سَائِلِ الْحَقِّ وَاجِبِ وَأَعْمَى هَدَتْهُ لِلسَّبِيلِ سُيُوفُنَا وَخَصْمٍ أَقَمْنَا بَعْدَمَا ثَجَّ ثَاعِبِ وَمُعْتَرَكٍ ضَنْكٍ يُرَى الْمَوْتُ وَسْطَهُ مَشَيْنَا لَهُ مَشْيَ الْجِمَالِ الْمَصَاعِبِ بِرَجْلٍ تَرَى الْمَاذِيَّ فَوْقَ جُلُودِهِمْ وَبِيضًا نَقِيًّا مِثْلَ لَوْنِ الْكَوَاكِبِ وَه?مْ حُسَّرٌ لَا فِي الدُّرُوعِ تَخَالُهُمْ أُسُودًا مَتَّى تُنْشَا الرِّمَاحُ تُضَارِبِ مَعَاقِلُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمِ كَرِيهَةٍ مَعَ الصِّدْقِ مَنْسُوبِ السُّيُوفِ الْقَوَاضِبِ وَهِيَ طَوِيلَةٌ. وَلَيْلَى الَّتِي شَبَّبَ بِهَا ابْنُ رَوَاحَةَ هِيَ أُخْتُ قَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ. وَعَمْرَةُ الَّتِي شَبَّبَ بِهَا ابْنُ الْخَطِيمِ هِيَ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، وَهِيَ أُمُّ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ. ( بُعَاثُ: بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَالَ صَاحِبُ كِتَابِ الْعَيْنِ وَحْدَهُ: وَهُوَ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ).
التاريخ 625لا حكم مسجّل
ذِكْرُ غَلَبَةِ ثَقِيفٍ عَلَى الطَّائِفِ وَالْحَرْبِ بَيْنَ الْأَحْلَافِ وَبَنِي مَالِكٍ كَانَتْ أَرْضُ الطَّائِفِ قَدِيمًا لِعُدْوَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ. فَلَمَّا كَثُرَ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ غَلَبُوهُمْ عَلَى الطَّائِفِ بَعْدَ قِتَالٍ شَدِيدٍ. وَكَانَ بَنُو عَامِرٍ يُصَيِّفُونَ بِالطَّائِفِ، وَيُشَتُّونَ بِأَرْضِهِمْ مِنْ نَجْدٍ، وَكَانَتْ ثَقِيفُ حَوْلَ الطَّائِفِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ إِيَادٍ فَقَالَ: ثَقِيفٌ اسْمُهُ قَسِيُّ بْنُ نَبَتَ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ يَقْدُمَ بْنِ أَفْصَى بْنِ دُعْمِيِّ بْنِ إِيَادِ بْنِ مَعَدٍّ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُمْ مِنْ هَوَازِنَ فَقَالَ: هُوَ قَيْسُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصْفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ. فَرَأَتْ ثَقِيفٌ الْبِلَادَ فَأَعْجَبَهُمْ نَبَاتُهَا وَطِيبُ ثَمَرِهَا، فَقَالُوا لِبَنِي عَامِرٍ: إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَا تَصْلُحُ لِلزَّرْعِ، وَإِنَّمَا هِيَ أَرْضُ ضَرْعٍ، وَنَرَاكُمْ عَلَى أَنْ آثَرْتُمُ الْمَاشِيَةَ عَلَى الْغِرَاسِ، وَنَحْنُ أُنَاسٌ لَيْسَتْ لَنَا مَوَاشٍ، فَهَلْ لَكَمَ أَنْ تَجْمَعُوا الزَّرْعَ وَالضَّرْعَ بِغَيْرِ مَؤُونَةٍ ؟ تَدْفَعُونَ إِلَيْنَا بِلَادَكُمْ هَذِهِ فَنُثِيرُهَا وَنَغْرِسُهَا وَنَحْفِرُ فِيهَا الْأَطْوَاءَ وَلَا نُكَلِّفُكُمْ مَؤُونَةً. نَحْنُ نَكْفِيكُمُ الْمَؤُونَةَ وَالْعَمَلَ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ إِدْرَاكِ الثَّمَرِ كَانَ لَكُمُ النِّصْفُ كَامِلًا، وَلَنَا النِّصْفُ بِمَا عَمِلْنَا. فَرَغِبَ بَنُو عَامِرٍ فِي ذَلِكَ وَسَلَّمُوا إِلَيْهِمُ الْأَرْضَ، فَنَزَلَتْ ثَقِيفٌ الطَّائِفَ وَاقْتَسَمُوا الْبِلَادَ وَعَمِلُوا الْأَرْضَ وَزَرَعُوهَا مِنَ الْأَعْنَابِ وَالثِّمَارِ، وَوَفَوْا بِمَا شَرَطُوا لِبَنِي عَامِرٍ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ، وَكَانَ بَنُو عَامِرٍ يَمْنَعُونَ ثَقِيفًا مِمَّنْ أَرَادَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ. فَلَمَّا كَثُرَتْ ثَقِيفٌ وَشَرُفَتْ حَصَّنَتْ بِلَادَهَا وَبَنَوْا أَسْوَارًا عَلَى الطَّائِفِ وَحَصَّنُوهُ، وَمَنَعُوا عَامِرًا مِمَّا كَانُوا يَحْمِلُونَهُ إِلَيْهِمْ عَنْ نِصْفِ الثِّمَارِ. وَأَرَادَ بَنُو عَامِرٍ أَخْذَهُ مِنْهُمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَقَاتَلُوهُمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ بَطْنَيْنِ: الْأَحْلَافُ وَبَنِي مَالِكٍ، وَكَانَ لِلْأَحْلَافِ فِي هَذَا أَثَرٌ عَظِيمٌ، وَلَمْ تَزَلْ تَعْتَدُّ بِذَلِكَ عَلَى بَنِي مَالِكٍ فَأَقَامُوا كَذَلِكَ. ثُمَّ إِنَّ الْأَحْلَافَ أَثْرُوا وَكَثُرَتْ خَيْلُهُمْ، فَحَمَوْا لَهَا حِمًى مِنْ أَرْضِ بَنِي نَصْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ يُقَالُ لَهُ جِلْذَانُ، فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ بَنُو نَصْرٍ وَقَاتَلُوهُمْ عَلَيْهِ، وَلَجَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ. وَكَانَ رَأْسُ بَنِي نَصْرٍ عُفَيْفَ بْنَ عَوْفِ بْنِ عُبَادٍ النَّصْرِيَّ ثُمَّ الْيَرْبُوعِيَّ، وَرَأْسُ الْأَحْلَافِ مَسْعُودَ بْنَ قَعْنَبٍ. فَلَمَّا لَجَّتِ الْحَرْبُ بَيْنَ بَنِي نَصْرٍ وَالْأَحْلَافِ اغْتَنَمَ ذَلِكَ بَنُو مَالِكٍ وَرَئِيسُهُمْ جُنْدَبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُطَيْطِ بْنِ جُشَمَ مِنْ ثَقِيفٍ لِضَغَائِنَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَحْلَافِ، فَحَالَفُوا بَنِي يَرْبُوعٍ عَلَى الْأَحْلَافِ. فَلَمَّا سَمِعَتِ الْأَحْلَافُ بِذَلِكَ اجْتَمَعُوا. وَكَانَ أَوَّلُ قِتَالٍ كَانَ بَيْنَ الْأَحْلَافِ وَبَيْنَ بَنِي مَالِكٍ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي نَصْرٍ يَوْمَ الطَّائِفِ، وَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، فَانْتَصَرَ الْأَحْلَافُ وَأَخْرَجُوهُمْ مِنْهُ إِلَى وَادٍ مِنْ وَرَاءِ الطَّائِفِ يُقَالُ لَهُ لَحْبٌ، وَقُتِلَ مِنْ بَنِي مَالِكٍ وَبَنِي يَرْبُوعٍ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ ذَلِكَ الْجَبَلِ يُقَالُ لَهُ الْأَبَانُ. ثُمَّ اقْتَتَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَيَّامًا مُسَمَّيَاتٍ، مِنْهُنَّ يَوْمُ غَمْرِ ذِي كِنْدَةَ، مِنْ نَحْوِ نَخْلَةَ، وَمِنْهُنَّ يَوْمُ كُرُونَا مِنْ نَحْوِ حُلْوَانَ، وَصَاحَ عُفَيْفُ بْنُ عَوْفٍ الْيَرْبُوعِيُّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ صَيْحَةً يَزْعُمُونَ أَنَّ سَبْعِينَ حُبْلَى مِنْهُمْ أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ ثُمَّ افْتَرَقُوا. فَسَارَتْ بَنُو مَالِكٍ تَبْتَغِي الْحِلْفَ مِنْ دَوْسٍ وَخَثْعَمٍ وَغَيْرِهَا عَلَى الْأَحْلَافِ، وَخَرَجَتِ الْأَحْلَافُ إِلَى الْمَدِينَةِ تَبْتَغِي الْحِلْفَ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى بَنِي مَالِكٍ، فَقَدِمَ مَسْعُودُ بْنُ مُعَتِّبٍ عَلَى أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مِنَ الْأَوْسِ، وَكَانَ أَشْرَفَ الْأَنْصَارِ فِي زَمَانِهِ، فَطَلَبَ مِنْهُ الْحِلْفَ، فَقَالَ لَهُ أُحَيْحَةُ: وَاللَّهِ مَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ إِلَى قَوْمٍ قَطُّ بِحِلْفٍ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا أَقَرَّ لِأُولَئِكَ الْقَوْمِ بِشَرٍّ مِمَّا أَنِفَ مِنْهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ مَسْعُودٌ: إِنِّي أَخُوكَ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ، فَقَالَ: أَخُوكَ الَّذِي تَرَكْتَهُ وَرَاءَكَ فَارْجِعْ إِلَيْهِ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ وَزَوَّدَهُ بِسِلَاحٍ وَزَادٍ، وَأَعْطَاهُ غُلَامًا كَانَ يَبْنِي الْآطَامَ، يَعْنِي الْحُصُونَ، بِالْمَدِينَةِ، فَبَنَى لِمَسْعُودِ بْنِ مُتَعَّبٍ أُطُمًا فَكَانَ أَوَّلَ أُطُمٍ يُبْنَى بِالطَّائِفِ، ثُمَّ بُنِيَتِ الْآطَامُ بَعْدَهُ بِالطَّائِفِ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ تُذْكَرُ. وَقَالُوا فِي حَرْبِهِمْ أَشْعَارًا كَثِيرَةً، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ مُحَبَّرٍ، وَهُوَ رَبِيعَةُ بْنُ سُفْيَانَ أَحَدُ بَنِي عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ مِنَ الْأَحْلَافِ: وَمَا كُنْتُ مِمَّنْ أَرَّثَ الشَّرَّ بَيْنَهُمْ وَلَكِنَّ مَسْعُودًا جَنَاهَا وَجُنْدَبَا قَرِيعَيْ ثَقِيفٍ أَنْشَبَا الشَّرَّ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَكُ عَنْهَا مَنْزِعٌ حِينَ أَنْشَبَا عَنَاقًا ضَرُوسًا بَيْنَ عَوْفٍ وَمَالِكٍ شَدِيدًا لَظَاهَا تَتْرُكُ الطِّفْلَ أَشْيَبَا مُضَرَّمَةً شَبًّا أَشَبَّا وَقُودَهَا بِأَيْدِيهِمَا مَا أَوْرَيَاهَا وَأَثْقَبَا أَصَابَتْ بَرَاءٌ مِنْ طَوَائِفِ مَالِكٍ وَعَوْفٍ بِمَا جَرَّا عَلَيْهَا وَأَجْلَبَا كَجُمْثُورَةٍ جَاءُوا تَخَطَّوْا مَآبَنَا إِلَيْهِمْ وَتَدْعُو فِي اللِّقَاءِ مُعَتَّبَا وَتَدْعُو بَنِي عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ فِي الْوَغَى وَتَدْعُو عِلَاجًا وَالْحَلِيفَ الْمُطَيَّبَا حُبَيْبًا وَحَيًّا مِنْ رِبَابٍ كَتَائِبًا وَسَعْدًا إِذَا الدَّاعِي إِلَى الْمَوْتِ ثَوَّبَا وَقَوْمًا بِمَكْرُوثَاءَ شَنَّتْ مُعَتَّبٌ بِغَارَتِهَا فَكَانَ يَوْمًا عَصَبْصَبَا فَأَسْقَطَ أَحْبَالَ النِّسَاءِ بِصَوْتِهِ عُفَيْفٌ إِذَا نَادَى بِنَصْرٍ فَطَرَّبَا ( عُفَيْفٌ هَذَا بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْفَاءِ ).
التاريخ 626لا حكم مسجّل
بَابُ ذِكْرِ جَمَاعَةٍ كَانُوا مَشْهُورِينَ فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ خَبَرُ خالد بن سنان خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ الْعَبْسِيِّ الَّذِي كَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ التُّسْتَرِيُّ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَتْ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَبَسَطَ لَهَا ثَوْبَهُ، وَقَالَ: بِنْتُ نَبِيٍّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُعَلَّى بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ قَيْسٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ذُكِرَ خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: ذَاكَ نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ ثُمَّ قَالَ وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَكَانَ قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ ثِقَةً فِي نَفْسِهِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَدِيءَ الْحِفْظِ وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يُدْخِلُ فِي أَحَادِيثِهِ مَا لَيْسَ مِنْهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْبَزَّارُ وَقَدْ رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مُرْسَلًا، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ: حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ مَهْدِيٍّ الْمَوْصِلِيُّ: قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ عَبْسٍ يُقَالَ لَهُ: خَالِدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَنَا أُطْفِئُ عَنْكُمْ نَارَ الْحَدَثَانِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ: وَاللَّهِ يَا خَالِدُ مَا قُلْتَ لَنَا قَطُّ إِلَّا حَقًّا فَمَا شَأْنُكَ، وَشَأْنُ نَارِ الْحَدَثَانِ تَزْعُمُ أَنَّكَ تُطْفِئُهَا ؟ فَخَرَجَ خَالِدٌ وَمَعَهُ أُنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ فِيهِمْ عِمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ فَأَتَوْهَا فَاذَا هِيَ تَخْرُجُ مِنْ شِقِّ جَبَلٍ فَخَطَّ لَهُمْ خَالِدٌ خُطَّةً فَأَجْلَسَهُمْ فِيهَا فَقَالَ: إِنْ أَبْطَأْتُ عَلَيْكُمْ فَلَا تَدْعُونِي بِاسْمِي فَخَرَجَتْ كَأَنَّهَا خَيْلٌ شُقْرٌ يَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَاسْتَقْبَلَهَا خَالِدٌ فَجَعَلَ يَضْرِبُهَا بِعَصَاهُ وَهُوَ يَقُولُ: بَدَا بَدَا كُلُّ هُدَى زَعَمَ ابْنُ رَاعِيَةِ الْمِعْزَى أَنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْهَا وَثِيَابِي تَنْدَى حَتَّى دَخَلَ مَعَهَا الشَّقَّ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ لَهُمْ عُمَارَةُ بْنُ زِيَادٍ: وَاللَّهِ إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَوْ كَانَ حَيًّا لَقَدْ خَرَجَ إِلَيْكُمْ بَعْدُ. قَالُوا: فَادْعُوهُ بِاسْمِهِ قَالَ: فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَهُ بِاسْمِهِ. فَدَعَوْهُ بِاسْمِهِ فَخَرَجَ وَهُوَ آخِذٌ بِرَأْسِهِ فَقَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَدْعُونِي بِاسْمِي فَقَدْ وَاللَّهِ قَتَلْتُمُونِي فَادْفِنُونِي فَاذَا مَرَّتْ بِكُمُ الْحُمُرُ فِيهَا حِمَارٌ أَبْتَرُ فَانْبِشُونِي فَإِنَّكُمْ تَجِدُونِي حَيًّا فَدَفَنُوهُ فَمَرَّتْ بِهِمُ الْحُمُرُ فِيهَا حِمَارٌ أَبْتَرُ فَقُلْنَا: انْبِشُوهُ فَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نَنْبِشَهُ فَقَالَ لَهُمْ عُمَارَةُ: لَا تَنْبِشُوهُ، لَا وَاللَّهِ لَا تُحَدِّثُ مُضَرُ أَنَّا نَنْبُشُ مَوْتَانَا، وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُمْ خَالِدٌ: إِنَّ فِي عِكْمِ امْرَأَتِهِ لَوْحَيْنِ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَيْكُمْ أَمْرُّ فَانْظُرُوا فِيهِمَا فَإِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ مَا تَسْأَلُونَ عَنْهُ قَالَ: وَلَا يَمَسَّهُمَا حَائِضٌ فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى امْرَأَتِهِ سَأَلُوهَا عَنْهُمَا فَأَخْرَجَتْهُمَا إِلَيْهِمْ، وَهِيَ حَائِضٌ فَذَهَبَ مَا كَانَ فِيهِمَا مِنْ عِلْمٍ. قَالَ أَبُو يُونُسَ: قَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ سُئِلَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: ذَاكَ نَبِيٌّ أَضَاعَهُ قَوْمُهُ قَالَ أَبُو يُونُسَ: قَالَ سِمَاكُ بْنُ حَرْبٍ إِنَّ ابْنَ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنِ أَخِي فَهَذَا السِّيَاقُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ نَبِيًّا وَالْمُرْسَلَاتُ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ نَبِيٌّ لَا يُحْتَجُّ بِهَا هَاهُنَا وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا لَهُ أَحْوَالٌ وَكَرَامَاتٌ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ فِي زَمَنِ الْفَتْرَةِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ وَإِنْ كَانَ قَبْلَهَا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نَبِيًّا لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْقِصَصِ: 46 ] وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْ بَعْدَ إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا فِي الْعَرَبِ، إِلَّا مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ ، الَّذِي دَعَا بِهِ ابْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ بَانِي الْكَعْبَةِ الْمُكَرَّمَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ قِبْلَةً لِأَهْلِ الْأَرْضِ شَرْعًا، وَبَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ لِقَوْمِهِمْ حَتَّى كَانَ آخِرَ مَنْ بَشَّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَبِهَذَا الْمَسْلَكِ بِعَيْنِهِ يُرَدُّ مَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ إِرْسَالِ نَبِيٍّ مِنَ الْعَرَبِ يُقَالَ لَهُ: شُعَيْبُ بْنُ ذِي مِهْذَمِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ صَفْوَانَ صَاحِبُ مَدْيَنَ ، وَبُعِثَ إِلَى الْعَرَبِ أَيْضًا حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوَانَ فَكَذَّبُوهُمَا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَى الْعَرَبِ بُخْتُنَصَّرَ فَنَالَ مِنْهُمْ مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ نَحْوَ مَا نَالَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ كَانُوا قَوْمًا صَالِحِينَ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ عَمْرِو بْنِ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفَ فِي أَخْبَارِ خُزَاعَةَ بَعْدَ جُرْهُمٍ.
التاريخ 627لا حكم مسجّل
ذِكْرُ حاتم الطائي حَاتِمٍ الطَّائِيِّ أَحَدِ أَجْوَادِ الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ حَاتِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَشْرَجِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أَخْزَمَ بْنِ أَبِي أَخْزَمَ، وَاسْمُهُ هَزُومَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ جَرْوَلِ بْنِ تُعَلَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ طَيِّئٍ أَبُو سَفَّانَةَ الطَّائِيُّ وَالِدُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الصَّحَابِيِّ كَانَ جَوَادًا مُمَدَّحًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُهُ فِي الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ لِحَاتِمٍ مَآثِرُ وَأُمُورٌ عَجِيبَةٌ، وَأَخْبَارٌ مُسْتَغْرَبَةٌ فِي كَرَمِهِ يَطُولُ ذِكْرُهَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَإِنَّمَا كَانَ قَصْدُهُ السُّمْعَةَ وَالذِّكْرَ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ وَاقَدٍ الْقَيْسِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُضَرَ هُوَ النَّاجِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ذُكِرَ حَاتِمٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: ذَاكَ أَرَادَ أَمْرًا فَأَدْرَكَهُ حَدِيثٌ غَرِيبٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: تَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْدُ بْنُ وَاقَدٍ عَنْ أَبِي مُضَرَ النَّاجِيِّ، وَيُقَالُ: إِنَّ اسْمَهُ حَمَّادٌ قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَقَدْ فَرَّقَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ بَيْنَ أَبِي مُضَرَ النَّاجِيِّ وَبَيْنَ أَبِي نَصْرٍ حَمَّادٍ وَلَمْ يُسَمِّ النَّاجِيَّ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي نَضْرٍ شَيْبَةَ النَّاجِيِّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ مُرَيِّ بْنِ قَطَرِيٍّ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ وَيَفْعَلُ وَيَفْعَلُ فَهَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ ؟ يَعْنِي: مِنْ أَجْرٍ قَالَ: إِنَّ أَبَاكَ طَلَبَ شَيْئًا فَأَصَابَهُ. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى عَنِ الْقَوَارِيرِيِّ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ سِمَاكٍ بِهِ، وَقَالَ: إِنَّ أَبَاكَ أَرَادَ أَمْرًا فَأَدْرَكَهُ يَعْنِي الذِّكْرَ، وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ سَوَاءً. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فِي الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تُسَعَّرُ بِهِمْ جَهَنَّمُ، مِنْهُمُ الرَّجُلُ الَّذِي يُنْفِقُ لِيُقَالَ: إِنَّهُ كَرِيمٌ فَيَكُونُ جَزَاؤُهُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَكَذَا فِي الْعَالَمِ وَالْمُجَاهِدِ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ فَقَالُوا لَهُ: كَانَ يَقْرِي الضَّيْفَ وَيَعْتِقُ وَيَتَصَدَّقُ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ هَذَا وَقَدْ كَانَ مِنَ الْأَجْوَادِ الْمَشْهُورِينَ أَيْضًا الْمُطْعِمِينِ فِي السِّنِينَ الْمُمْحِلَةِ وَالْأَوْقَاتِ الْمُرْمِلَةِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ الْعُمَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عُبَيْدُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْكُوفِيُّ حَدَّثَنَا ضِرَارُ بْنُ صُرَدَ حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُنْدُبٍ عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ النَّخَعِيِّ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَزْهَدَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فِي خَيْرٍ، عَجَبًا لِرَجُلٍ يَجِيئُهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ فِي حَاجَةٍ فَلَا يَرَى نَفْسَهُ لِلْخَيْرِ أَهْلًا فَلَوْ كَانَ لَا يَرْجُو ثَوَابًا وَلَا يَخْشَى عِقَابًا لَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَارِعَ فِي مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّهَا تَدُلُّ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاحِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ وَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأمِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَسَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لَمَّا أُتِيَ بِسَبَايَا طَيِّئٍ وَقَعَتْ جَارِيَةٌ حَمْرَاءُ لَعْسَاءُ ذَلْفَاءُ عَيْطَاءُ شَمَّاءُ الْأَنْفِ، مُعْتَدِلَةُ الْقَامَةِ وَالْهَامَةِ، دَرْمَاءُ الْكَعْبَيْنِ، خَدْلَةُ السَّاقَيْنَ، لَفَّاءُ الْفَخِذَيْنِ، خَمِيصَةُ الْخَصْرَيْنِ، ضَامِرَةُ الْكَشْحَيْنِ، مَصْقُولَةُ الْمَتْنَيْنِ قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهَا أُعْجِبْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: لَأَطْلُبَنَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَجْعَلُهَا فِي فَيْئِي فَلَمَّا تَكَلَّمْتُ أُنْسِيتُ جَمَالَهَا; لِمَا رَأَيْتُ مِنْ فَصَاحَتِهَا فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُخَلِّيَ عَنِّي وَلَا تُشْمِتْ بِيَ أَحْيَاءَ الْعَرَبِ فَإِنِّي ابْنَةُ سَيِّدِ قَوْمِي، وَإِنَّ أَبِي كَانَ يَحْمِي الذِّمَارَ، وَيَفُكُّ الْعَانِيَ، وَيُشْبِعُ الْجَائِعَ، وَيَكْسُو الْعَارِيَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيُفْشِي السَّلَامَ، وَلَمْ يَرُدَّ طَالِبَ حَاجَةٍ قَطُّ، وَأَنَا ابْنَةُ حَاتِمِ طَيِّئٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَا جَارِيَةُ هَذِهِ صِفَةُ الْمُؤْمِنِينَ حَقًّا لَوْ كَانَ أَبُوكِ مُؤْمِنًا لَتَرَحَّمْنَا عَلَيْهِ خَلُّوا عَنْهَا فَإِنَّ أَبَاهَا كَانَ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَاللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ فَقَامَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَاللَّهُ يُحِبُّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ إِلَّا بِحُسْنِ الْخُلُقِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ بَكْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِيِّ - هُوَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ - عَنْ مِلْحَانَ عَنْ عَرْكِيِّ بْنِ حَلْبَسٍ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - وَكَانَ أَخَا عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ لِأُمِّهِ - قَالَ: قِيلَ لِنَوَارَ امْرَأَةِ حَاتِمٍ: حَدِّثِينَا عَنْ حَاتِمٍ قَالَتْ: كُلُّ أَمْرِهِ كَانَ عَجَبًا; أَصَابَتْنَا سَنَةٌ حَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ فَاقْشَعَرَّتْ لَهَا الْأَرْضُ وَاغْبَرَّتْ لَهَا السَّمَاءُ، وَضَنَّتِ الْمَرَاضِعُ عَلَى أَوْلَادِهَا، وَرَاحَتِ الْإِبِلُ حَدْبَاءَ حَدَابِيرَ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ، وَحَلَقَ الْمَالُ، وَإِنَّا لَفِي لَيْلَةٍ صِنَّبْرٍ بَعِيدَةِ مَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ، إِذْ تَضَاغَى الْأَصْبِيَةُ مِنَ الْجُوعِ; عَبْدُ اللَّهِ وَعَدِيٌّ وَسَفَّانَةُ فَوَاللَّهِ إِنْ وَجَدْنَا شَيْئًا نُعَلِّلُهُمْ بِهِ فَقَامَ إِلَى أَحَدِ الصَّبِيَّيْنِ فَحَمَلَهُ، وَقُمْتُ إِلَى الصَّبِيَّةِ فَعَلَّلْتُهَا فَوَاللَّهِ إِنْ سَكَتَا إِلَّا بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ عُدْنَا إِلَى الصَّبِيِّ الْآخَرِ فَعَلَّلْنَاهُ حَتَّى سَكَتَ وَمَا كَادَ، ثُمَّ افْتَرَشْنَا قَطِيفَةً لَنَا شَامِيَّةً ذَاتَ خَمْلٍ فَأَضْجَعْنَا الصِّبْيَانَ عَلَيْهَا، وَنِمْتُ أَنَا وَهُوَ فِي حُجْرَةٍ وَالصِّبْيَانُ بَيْنَنَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ يُعَلِّلُنِي لِأَنَامَ، وَعَرَفْتُ مَا يُرِيدُ فَتَنَاوَمْتُ. فَقَالَ مَالَكِ أَنِمْتِ ؟ فَسَكَتُّ. فَقَالَ: مَا أُرَاهَا إِلَّا قَدْ نَامَتْ وَمَا بِيَ نَوْمٌ فَلَمَّا ادْلَهَمَّ اللَّيْلُ، وَتَهَوَّرَتِ النُّجُومُ، وَهَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ، وَسَكَّنَتِ الرِّجْلُ إِذَا جَانَبُ الْبَيْتِ قَدْ رُفِعَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ فَوَلَّى حَتَّى إِذَا قُلْتُ: قَدْ أَسْحَرْنَا أَوْ كِدْنَا عَادَ. فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَتْ: جَارَتُكَ فُلَانَةُ يَا أَبَا عَدِيٍّ مَا وَجَدْتُ عَلَى أَحَدٍ مُعَوَّلًا غَيْرَكَ، أَتَيْتُكَ مِنْ عِنْدِ أَصَبِيَّةٍ يَتَعَاوَوْنَ عُوَاءَ الذِّئْبِ مِنَ الْجُوعِ. قَالَ: أَعَجِلِيهِمْ عَلَيَّ قَالَتْ النَّوَارُ: فَوَثَبْتُ فَقُلْتُ: مَاذَا صَنَعْتَ ؟ وَاللَّهِ لَقَدْ تَضَاغَى أَصَبِيَتُكَ فَمَا وَجَدْتَ مَا تُعَلِّلُهُمْ فَكَيْفَ بِهَذِهِ وَبِوَلَدِهَا ؟ فَقَالَ: اسْكُتِي فَوَاللَّهِ لَأُشْبِعَنَّكِ وَإِيَّاهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ: فَأَقْبَلَتْ تَحْمِلُ اثْنَيْنِ وَتَمْشِي جَنْبَتَيْهَا أَرْبَعَةٌ كَأَنَّهَا نَعَامَةٌ حَوْلَهَا رِئَالُهَا فَقَامَ إِلَى فَرَسِهِ فَوَجَأَ بِحَرْبَتِهِ فِي لِبَتِّهِ، ثُمَّ قَدَحَ زِنْدَهُ، وَأَوْرَى نَارَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِمُدْيَةٍ فَكَشَطَ عَنْ جِلْدِهِ، ثُمَّ دَفَعَ الْمُدْيَةَ إِلَى الْمَرْأَةِ، ثُمَّ قَالَ: دُونَكِ، ثُمَّ قَالَ: ابْغِنِي صِبْيَانَكِ فَبَغَيْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: سَوْأَةٌ أَتَأْكَلُونَ شَيْئًا دُونَ أَهْلِ الصِّرْمِ ؟ فَجَعَلَ يُطَوِّفُ فِيهِمْ حَتَّى هَبُّوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَالْتَفَعَ فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ نَاحِيَةً يَنْظُرُ إِلَيْنَا، لَا وَاللَّهِ مَا ذَاقَ مِزْعَةً، وَإِنَّهُ لِأَحْوَجُهُمْ إِلَيْهِ فَأَصْبَحْنَا وَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ إِلَّا عَظْمٌ أَوْ حَافِرٌ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: حَدَّثَنِي الْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَحَامِلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سَعْدٍ، وَحَدَّثَنَا غُنْمُ بْنُ ثَوَابَةَ بْنِ حُمَيْدٍ الطَّائِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ حَاتِمٍ لِحَاتِمٍ: يَا أَبَا سَفَّانَةَ أَشْتَهِي أَنْ آكُلَ أَنَا وَأَنْتَ طَعَامًا وَحْدَنَا لَيْسَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَأَمَرَهَا فَحَوَّلَتْ خَيْمَتَهَا مِنَ الْجَمَاعَةِ عَلَى فَرْسَخٍ، وَأَمَرَ بِالطَّعَامِ فَهُيِّئَ، وَهِيَ مُرْخَاةٌ سُتُورُهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا فَلَمَّا قَارَبَ نُضْجُ الطَّعَامِ كَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: فَلَا تَطْبُخِي قِدْرِي وَسِتْرُكِ دُونَهَا عَلَيَّ إِذَنْ مَا تَطْبُخِينَ حَرَامُ وَلَكِنْ بِهَذَاكِ الْيَفَاعِ فَأَوْقِدِي بِجَزْلٍ إِذَا أَوْقَدْتِ لَا بِضِرَامِ قَالَ: ثُمَّ كَشَفَ السُّتُورَ وَقَدَّمَ الطَّعَامَ، وَدَعَا النَّاسَ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا فَقَالَتْ: مَا أَتْمَمْتَ لِي مَا قُلْتَ فَأَجَابَهَا: فَإِنِّي لَا تُطَاوِعُنِي نَفْسِي وَنَفْسِي أَكْرَمُ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يُثْنَى عَلَيَّ هَذَا وَقَدْ سَبَقَ لِيَ السَّخَاءُ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: أُمَارِسُ نَفْسَ الْجُودِ حَتَّى أُعِزُّهَا وَأَتْرُكُ نَفْسَ الْبُخْلِ مَا أَسْتَشِيرُهَا وَلَا تَشْتَكِينِي جَارَتِي غَيْرَ أَنَّهَا إِذَا غَابَ عَنْهَا بَعْلُهَا لَا أَزُورُهَا سَيَبْلُغُهَا خَيْرِي وَيَرْجِعُ بَعْلُهَا إِلَيْهَا وَلَمْ تُقْصَرْ عَلَيْهَا سُتُورُهَا وَمِنْ شِعْرِ حَاتِمٍ إِذَا مَا بِتُّ أَشْرَبُ فَوْقَ رِيِّي لِسُكْرٍ فِي الشَّرَابِ فَلَا رَوِيتُ إِذَا مَا بِتُّ أَخْتِلُ عِرْسَ جَارِي لِيُخْفِيَنِي الظَّلَامُ فَلَا خَفِيتُ أَأَفْضَحُ جَارَتِي وَأَخُونُ جَارِي فَلَا وَاللَّهِ أَفْعَلُ مَا حَيِيتُ وَمِنْ شَعْرِهِ أَيْضًا: مَا ضَرَّ جَارًا لِي أُجَاوِرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ لِبَابِهِ سِتْرُ أُغْضِي إِذَا مَا جَارَتِي بَرَزَتْ حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي الْخِدْرُ وَمِنْ شِعْرِ حَاتِمٍ أَيْضًا وَمَا مِنْ شِيمَتِي شَتْمُ ابْنِ عَمِّي وَمَا أَنَا مُخْلِفٌ مَنْ يَرْتَجِينِي وَكَلْمَةَ حَاسِدٍ مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ سَمِعْتُ وَقُلْتُ مُرِّي فَانْفُذِينِي وَعَابُوهَا عَلَيَّ فَلَمْ تَعِبْنِي وَلَمْ يَعْرَقْ لَهَا يَوْمًا جَبِينِي وَذِي وَجْهَيْنِ يَلْقَانِي طَلِيقًا وَلَيْسَ إِذَا تَغَيَّبَ يَأْتَسِينِي ظَفِرْتُ بِعَيْبِهِ فَكَفَفْتُ عَنْهُ مُحَافَظَةً عَلَى حَسَبِي وَدِينِي وَمِنْ شِعْرِهِ سَلِي الْبَائِسَ الْمَقْرُورَ يَا أُمَّ مَالِكٍ إِذَا مَا أَتَانِي بَيْنَ نَارِي وَمَجْزَرِي أَأَبْسُطُ وَجْهِي إِنَّهُ أَوَّلُ الْقِرَى وَأَبْذُلُ مَعْرُوفِي لَهُ دُونَ مُنْكَرِي وَقَالَ أَيْضًا وَإِنَّكَ إِنْ أَعْطَيْتَ بَطْنَكَ سُؤْلَهُ وَفَرْجَكَ نَالَا مُنْتَهَى الذَّمِّ أَجْمَعَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّاءَ الْجَرِيرِيُّ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْقَاسِمِ الْكَوْكَبِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ أَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ حَاتِمَ طَيِّئٍ قَوْلُ الْمُتَلَمِّسِ قَلِيلُ الْمَالِ تُصْلِحُهُ فَيَبْقَى وَلَا يَبْقَى الْكَثِيرُ عَلَى الْفَسَادِ وَحِفْظُ الْمَالِ خَيْرٌ مِنْ فَنَاهُ وَعَسْفٍ فِي الْبِلَادِ بِغَيْرِ زَادِ قَالَ: مَالَهُ قَطَعَ اللَّهُ لِسَانَهُ حَمَلَ النَّاسَ عَلَى الْبُخْلِ فَهَلَّا قَالَ: فَلَا الْجُودُ يُفْنِي الْمَالَ قَبْلَ فَنَائِهِ وَلَا الْبُخْلُ فِي مَالِ الشَّحِيحِ يَزِيدُ فَلَا تَلْتَمِسْ مَالًا بِعَيْشٍ مُقَتَّرٍ لِكُلِّ غَدٍ رِزْقٌ يَعُودُ جَدِيدُ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْمَالَ غَادٍ وَرَائِحٌ وَأَنَّ الَّذِي يُعْطِيكَ غَيْرُ بَعِيدِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: وَلَقَدْ أَحْسَنَ فِي قَوْلِهِ: وَأَنَّ الَّذِي يُعْطِيكَ غَيْرُ بَعِيدِ وَلَوْ كَانَ مُسْلِمًا لَرُجِيَ لَهُ الْخَيْرُ فِي مَعَادِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [ النِّسَاءِ: 32 ] وَقَالَ تَعَالَى وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [ الْبَقَرَةِ: 186 ] وَعَنِ الْوَضَّاحِ بْنِ مَعْبَدٍ الطَّائِيِّ قَالَ: وَفَدَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ عَلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فَأَكْرَمَهُ وَأَدْنَاهُ، ثُمَّ زَوَّدَهُ عِنْدَ انْصِرَافِهِ حِمْلَيْنِ ذَهَبًا وَوَرِقًا، غَيْرَ مَا أَعْطَاهُ مِنْ طَرَائِفِ بَلَدِهِ فَرَحَلَ فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى أَهْلِهِ تَلَقَّتْهُ أَعَارِيبُ طَيِّئٍ فَقَالَتْ: يَا حَاتِمُ أَتَيْتَ مِنْ عِنْدِ الْمَلِكِ، وَأَتَيْنَا مِنْ عِنْدِ أَهَالِينَا بِالْفَقْرِ فَقَالَ حَاتِمٌ: هَلُمَّ فَخُذُوا مَا بَيْنَ يَدِيَّ فَتَوَزَّعُوهُ فَوَثَبُوا إِلَى مَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ حِبَاءِ النُّعْمَانِ فَاقْتَسَمُوهُ فَخَرَجَتْ إِلَى حَاتِمٍ طَرِيفَةُ جَارِيَتُهُ فَقَالَتْ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ وَأَبْقِ عَلَى نَفْسِكَ فَمَا يَدَعُ هَؤُلَاءِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا فَأَنْشَأَ يَقُولُ: قَالَتْ طُرَيْفَةُ مَا تَبْقَى دَرَاهِمُنَا وَمَا بِنَا سَرَفٌ فِيهَا وَلَا خَرَقُ إِنْ يَفْنَ مَا عِنْدَنَا فَاللَّهُ يَرْزُقُنَا مِمَّنْ سِوَانَا وَلَسْنَا نَحْنُ نَرْتَزِقُ مَا يَأْلَفُ الدِّرْهَمُ الْكَارِيُّ خِرْقَتَنَا إِلَّا يَمُرُّ عَلَيْهَا ثُمَّ يَنْطَلِقُ إِنَّا إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا دَرَاهِمُنَا ظَلَّتْ إِلَى سُبُلِ الْمَعْرُوفِ تَسْتَبِقُ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ: قِيلَ لِحَاتِمٍ: هَلْ فِي الْعَرَبِ أَجْوَدُ مِنْكَ ؟ فَقَالَ: كُلُّ الْعَرَبِ أَجْوَدُ مِنِّي. ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُ قَالَ: نَزَلْتُ عَلَى غُلَامٍ مِنَ الْعَرَبِ يَتِيمٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ مِائَةٌ مِنَ الْغَنَمِ فَذَبَحَ لِي شَاةً مِنْهَا وَأَتَانِي بِهَا فَلَمَّا قَرَّبَ إِلَيَّ دِمَاغَهَا قُلْتُ: مَا أَطْيَبَ هَذَا الدِّمَاغَ قَالَ: فَذَهَبَ فَلَمْ يَزَلْ يَأْتِينِي مِنْهُ حَتَّى قُلْتُ قَدِ اكْتَفَيْتُ فَلَمَّا أَصْبَحْتُ إِذَا هُوَ قَدْ ذَبَحَ الْمِائَةَ شَاةٍ وَبَقِيَ لَا شَيْءَ لَهُ. فَقِيلَ: فَمَا صَنَعْتَ بِهِ ؟ فَقَالَ: وَمَتَى أَبْلُغُ شُكْرَهُ وَلَوْ صَنَعْتُ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ. قَالَ: عَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَالَ أَعْطَيْتُهُ مِائَةَ نَاقَةٍ مِنْ خِيَارِ إِبِلِي. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْخَرَائِطِيُّ فِي كِتَابِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّبَعِيُّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ ابْرَاهِيمَ حَدَّثَنِي حَمَّادٌ الرَّاوِيَةُ وَمَشْيَخَةٌ مِنْ مَشْيَخَةِ طَيِّئٍ قَالُوا: كَانَتْ غَنِيَّةُ بِنْتُ عَفِيفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ أَمُّ حَاتِمِ طَيِّئٍ لَا تُمْسِكُ شَيْئًا سَخَاءً وَجُودًا وَكَانَ إِخْوَتُهَا يَمْنَعُونَهَا فَتَأْبَى، وَكَانَتِ امْرَأَةً مُوسِرَةً فَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ سَنَةً يُطْعِمُونَهَا قُوتَهَا لَعَلَّهَا تَكُفُّ عَمَّا تَصْنَعُ، ثُمَّ أَخْرَجُوهَا بَعْدَ سَنَةٍ وَقَدْ ظَنُّوا أَنَّهَا قَدْ تَرَكَتْ ذَلِكَ الْخُلُقَ فَدَفَعُوا إِلَيْهَا صِرْمَةً مِنْ مَالِهَا، وَقَالُوا: اسْتَمْتِعِي بِهَا فَأَتَتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ هَوَازِنَ وَكَانَتْ تَغْشَاهَا فَسَأَلَتْهَا فَقَالَتْ: دُونَكِ هَذِهِ الصِّرْمَةَ فَقَدْ وَاللَّهِ مَسَّنِي مِنَ الْجُوعِ مَا آلَيْتُ أَنْ لَا أَمْنَعَ سَائِلًا، ثُمَّ أَنْشَأَتْ تَقُولُ: لَعَمْرِي لَقِدْمًا عَضَّنِي الْجُوعُ عَضَّةً فَآلَيْتُ أَنْ لَا أَمْنَعَ الدَّهْرَ جَائِعًا فَقُولَا لِهَذَا اللَّائِمِي الْيَوْمَ أَعْفِنِي وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَعَضَّ الْأَصَابِعَا فَمَاذَا عَسَاكُمْ أَنْ تَقُولُوا لِأُخْتِكُمْ سِوَى عَذْلِكُمْ أَوْ عَذَلِ مَنْ كَانَ مَانِعًا وَمَاذَا تَرَوْنَ الْيَوْمَ إِلَّا طَبِيعَةً فَكَيْفَ بِتَرْكِي يَا ابْنَ أُمِّي الطَّبَائِعَا وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ مِلْحَانَ بْنِ عَرْكِيِّ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: شَهِدْتُ حَاتِمًا يَكِيدُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ لِي أَيْ بُنَيَّ إِنِّي أَعْهَدُ مِنْ نَفْسِي ثَلَاثَ خِصَالٍ: وَاللَّهِ مَا خَاتَلْتُ جَارَةً لِرِيبَةٍ قَطُّ وَلَا ائْتُمِنْتُ عَلَى أَمَانَةٍ إِلَّا أَدَّيْتُهَا وَلَا أُوتِيَ أَحَدٌ مِنْ قِبَلِي بِسُوءٍ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى الْعَدَوِيُّ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِي مِسْكِينٍ - يَعْنِي جَعْفَرَ بْنَ الْمُحَرِّزِ بْنِ الْوَلِيدِ - عَنِ الْمُحَرَّرِ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرَّ نَفَرٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِقَبْرِ حَاتِمِ طَيِّئٍ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُ فَقَامَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ يُقَالَ لَهُ: أَبُو الْخَيْبَرِيِّ فَجَعَلَ يَرْكُضُ قَبْرَهُ بِرِجْلِهِ، وَيَقُولُ: يَا أَبَا الْجَعْرَاءِ أَقْرِنَا فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ مَا تُخَاطِبُ مِنْ رِمَّةٍ وَقَدْ بَلِيَتْ وَأَجَنَّهُمُ اللَّيْلُ فَنَامُوا فَقَامَ صَاحِبُ الْقَوْلِ فَزِعًا يَقُولُ: يَا قَوْمِ عَلَيْكُمْ بِمَطِيِّكُمْ فَإِنَّ حَاتِمًا أَتَانِي فِي النَّوْمِ، وَأَنْشَدَنِي شِعْرًا وَقَدْ حَفِظْتُهُ يَقُولُ: أَبَا خَيْبَرِيِّ وَأَنْتَ امْرُؤٌ ظَلُومُ الْعَشِيرَةِ شَتَّامُهَا أَتَيْتَ بِصَحْبِكَ تَبْغِي الْقِرَى لَدَى حُفْرَةٍ صَخِبٍ هَامُهَا تُبَغِّي لِيَ الذَّنْبَ عِنْدَ الْمَبِيتِ وَحَوْلَكَ طَيٌّ وَأَنْعَامُهَا وَإِنَّا لَنُشْبِعُ أَضْيَافَنَا وَتَأْتِي الْمَطِيَّ فَنَعْتَامُهَا قَالَ: وَإِذَا نَاقَةُ صَاحِبِ الْقَوْلِ تَكُوسُ عَقِيرًا فَنَحَرُوهَا، وَقَامُوا يَشْتَوُونَ وَيَأْكُلُونَ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَقَدْ أَضَافَنَا حَاتِمٌ حَيًّا وَمَيِّتًا. قَالَ: وَأَصْبَحَ الْقَوْمُ وَأَرْدَفُوا صَاحِبَهُمْ، وَسَارُوا فَاذَا رَجُلٌ يُنَوِّهُ بِهِمْ رَاكِبًا جَمَلًا وَيَقُودُ آخَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَبُو الْخَيْبَرِيِّ ؟ قَالَ: أَنَا قَالَ: إِنَّ حَاتِمًا أَتَانِي فِي النَّوْمِ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَرَى أَصْحَابَكَ نَاقَتَكَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَحْمِلَكَ. وَهَذَا بَعِيرٌ فَخُذْهُ، وَدَفَعَهُ إِلَيْهِ.
التاريخ 628لا حكم مسجّل
ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ عبد الله بن جدعان عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ سَيِّدُ بَنِي تَيْمٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّ وَالِدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ وَكَانَ مِنَ الْكُرَمَاءِ الْأَجْوَادِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْمُطْعِمِينَ لِلْمُسْنِتِينَ وَكَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ فَقِيرًا مُمْلِقًا وَكَانَ شِرِّيرًا يُكْثِرُ مِنَ الْجِنَايَاتِ حَتَّى أَبْغَضَهُ قَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ وَأَهْلُهُ وَقَبِيلَتُهُ وَأَبْغَضُوهُ حَتَّى أَبُوهُ فَخَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي شِعَابِ مَكَّةَ حَائِرًا بَائِرًا فَرَأَى شَقًّا فِي جَبَلٍ فَظَنَّ أَنْ يَكُونَ بِهِ شَيْءٌ يُؤْذِي فَقَصَدَهُ لَعَلَّهُ يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْهُ إِذَا ثُعْبَانٌ يَخْرُجُ إِلَيْهِ وَيَثِبُ عَلَيْهِ فَجَعَلَ يَحِيدُ عَنْهُ وَيَثِبُ فَلَا يُغْنِي شَيْئًا فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ إِذَا هُوَ مِنْ ذَهَبٍ وَلَهُ عَيْنَانِ هُمَا يَاقُوتَتَانِ فَكَسَرَهُ وَأَخَذَهُ وَدَخَلَ الْغَارَ فَإِذَا فِيهِ قُبُورٌ لِرِجَالٍ مَنْ مُلُوكِ جُرْهُمٍ، وَمِنْهُمُ الْحَارِثُ بْنُ مُضَاضٍ، الَّذِي طَالَتْ غَيْبَتُهُ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَوَجَدَ عِنْدَ رُءُوسِهِمْ لَوْحًا مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ تَارِيخُ وَفَاتِهِمْ وَمُدَدُ وِلَايَتِهِمْ، وَإِذَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْجَوَاهِرِ وَاللَّآلِئِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ شَيْءٌ كَثِيرٌ فَأَخَذَ مِنْهُ حَاجَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ وَعَلَّمَ بَابَ الْغَارِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى قَوْمِهِ فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى أَحَبُّوهُ وَسَادَهُمْ، وَجَعَلَ يُطْعِمُ النَّاسَ، وَكُلَّمَا قَلَّ مَا فِي يَدِهِ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْغَارِ فَأَخَذَ حَاجَتَهُ ثُمَّ رَجَعَ فَمِمَّنْ ذَكَرَ هَذَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ فِي كِتَابِ التِّيجَانِ، وَذَكَرَهُ أَحْمَدُ بْنُ عَمَّارٍ فِي كِتَابِ رِيِّ الْعَاطِشِ وَأُنْسِ الْوَاحِشِ. وَكَانَتْ لَهُ جَفْنَةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا الرَّاكِبُ عَلَى بَعِيرِهِ، وَوَقَعَ فِيهَا صَغِيرٌ فَغَرِقَ، وَذَكَرَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَقَدْ كُنْتُ أَسْتَظِلُّ بِظِلِّ جَفْنَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ، صَكَّةَ عُمَيٍّ أَيْ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ. وَفِي حَدِيثِ مَقْتَلِ أَبِي جَهْلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لِأَصْحَابِهِ تَطَلَّبُوهُ بَيْنَ الْقَتْلَى، وَتَعَرَّفُوهُ بِشَجَّةٍ فِي رُكْبَتِهِ فَإِنِّي تَزَاحَمْتُ أَنَا وَهُوَ عَلَى مَأْدُبَةٍ لِابْنِ جُدْعَانَ فَدَفَعْتُهُ فَسَقَطَ عَلَى رُكْبَتِهِ فَانْهَشَمَتْ فَأَثَرُهَا بَاقٍ فِي رُكْبَتِهِ فَوَجَدُوهُ كَذَلِكَ. وَذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يُطْعِمُ التَّمْرَ وَالسَّوِيقَ، وَيَسْقِي اللَّبَنَ حَتَّى سَمِعَ قَوْلَ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْفَاعِلِينَ وَفِعْلَهُمْ فَرَأَيْتُ أَكْرَمَهُمْ بَنِي الدَّيَّانِ الْبُرُّ يُلْبَكُ بِالشِّهَادِ طَعَامُهُمْ لَا مَا يُعَلِّلُنَا بَنُو جُدْعَانِ فَأَرْسَلَ ابْنُ جُدْعَانَ إِلَى الشَّامِ أَلْفَيْ بَعِيرٍ تَحْمِلُ الْبُرَّ وَالشَّهْدَ وَالسَّمْنَ، وَجَعَلَ مُنَادِيًا يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، أَنْ هَلُمُّوا إِلَى جَفْنَةِ ابْنِ جُدْعَانَ فَقَالَ أُمَيَّةُ فِي ذَلِكَ لَهُ دَاعٍ بِمَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ وَآخَرُ فَوْقَ كَعْبَتِهَا يُنَادِي إِلَى رُدُحٍ مِنَ الشِّيزَى مِلَاءٍ لُبَابُ الْبُرِّ يُلْبَكُ بِالشِّهَادِ وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ لِمُسْلِمٍ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ يُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ.
التاريخ 629لا حكم مسجّل
ذِكْرُ امريء القيس /امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ الْكِنْدِيِّ صَاحِبِ إِحْدَى الْمُعَلَّقَاتِ وَهِيَ أَفْخَرُهُنَّ وَأَشْهَرُهُنَّ، الَّتِي أَوَّلُهَا قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلٍ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ حَدَّثَنَا أَبُو الْجَهْمِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: امْرُؤُ الْقَيْسِ صَاحِبُ لِوَاءِ الشُّعَرَاءِ إِلَى النَّارِ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هُشَيْمٍ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ بِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ، وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَارُونَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَأْمُونُ أَخُو الْأَمِينِ، وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهِ. وَهَذَا مُنْقَطِعٌ، وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: هُوَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُجْرٍ آكِلِ الْمُرَارِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ مُرَتِّعِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدَةَ أَبُو يَزِيدَ، وَيُقَالَ: أَبُو وَهْبٍ وَيُقَالُ: أَبُو الْحَارِثِ الْكِنْدِيُّ، كَانَ بِأَعْمَالِ دِمَشْقَ وَقَدْ ذَكَرَ مَوَاضِعَ مِنْهَا فِي شِعْرِهِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمُنْزِلِ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ فَتُوضِحَ فَالْمِقْرَاةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُهَا لِمَا نَسَجَتْهَا مِنْ جَنُوبٍ وَشَمْأَلِ قَالَ: وَهَذِهِ مَوَاضِعُ مَعْرُوفَةٌ بِحُورَانَ. ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ حَدَّثَنِي فَرْوَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ وَفْدٌ مِنَ الْيَمَنِ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَحْيَانَا اللَّهُ بِبَيْتَيْنِ مِنْ شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ قَالَ: وَكَيْفَ ذَاكَ ؟ قَالُوا: أَقْبَلْنَا نُرِيدُكَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أَخْطَأْنَا الطَّرِيقَ فَمَكَثْنَا ثَلَاثًا لَا نَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَتَفَرَّقْنَا إِلَى أُصُولِ طَلْحٍ وَسَمُرٍ ; لِيَمُوتَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فَبَيْنَا نَحْنُ بِآخِرِ رَمَقٍ إِذَا رَاكِبٌ يُوضِعُ عَلَى بَعِيرٍ فَلَمَّا رَآهُ بَعْضُنَا - قَالَ وَالرَّاكِبُ يَسْمَعُ -: وَلَمَّا رَأَتْ أَنَّ الشَّرِيعَةَ هَمُّهَا وَأَنَّ الْبَيَاضَ مِنْ فَرَائِصِهَا دَامِي تَيَمَّمَتِ الْعَيْنَ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي فَقَالَ الرَّاكِبُ: وَمَنْ يَقُولُ هَذَا الشِّعْرَ ؟ - وَقَدْ رَأَى مَا بِنَا مِنَ الْجَهْدِ - قَالَ: قُلْنَا: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ قَالَ: وَاللَّهِ مَا كَذَبَ هَذَا ضَارِجٌ عِنْدَكُمْ فَنَظَرْنَا فَاذَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمَاءِ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِينَ ذِرَاعًا فَحَبَوْنَا إِلَيْهِ عَلَى الرُّكَبِ فَاذَا هُوَ كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ عَلَيْهِ الْعَرْمَضُ يَفِيءُ عَلَيْهِ الظِّلُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَاكَ رَجُلٌ مَذْكُورٌ فِي الدُّنْيَا مَنْسِيٌّ فِي الْآخِرَةِ، شَرِيفٌ فِي الدُّنْيَا خَامِلٌ فِي الْآخِرَةِ، بِيَدِهِ لِوَاءُ الشُّعَرَاءِ يَقُودُهُمْ إِلَى النَّارِ. وَذَكَرَ الْكَلْبِيُّ أَنَّ امْرَأَ الْقَيْسِ أَقْبَلَ بِرَايَاتِهِ، يُرِيدُ قِتَالَ بَنِي أَسَدٍ حِينَ قَتَلُوا أَبَاهُ فَمَرَّ بِتَبَالَةَ وَبِهَا ذُو الْخَلَصَةِ، وَهُوَ صَنَمٌ وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَقْسِمُ عِنْدَهُ فَاسْتَقْسَمَ فَخَرَجَ الْقَدَحُ النَّاهِي ثُمَّ الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ كَذَلِكَ فَكَسَرَ الْقِدَاحَ وَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ ذِي الْخَلَصَةِ، وَقَالَ: عَضَضْتَ بِأَيْرِ أَبِيكَ لَوْ كَانَ أَبُوكَ الْمَقْتُولُ لَمَا عَوَّقْتَنِي، ثُمَّ أَغَارَ عَلَى بَنِي أَسَدٍ فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا ذَرِيعًا. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: فَلَمْ يُسْتَقْسَمْ عِنْدَ ذِي الْخَلَصَةِ حَتَّى جَاءَ الْإِسْلَامُ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ امْتَدَحَ قَيْصَرَ مَلِكَ الرُّومِ يَسْتَنْجِدُهُ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ، وَيَسْتَرْفِدُهُ فَلَمْ يَجِدْ مَا يُؤَمِّلُهُ عِنْدَهُ فَهَجَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيُقَالَ: إِنَّهُ سَقَاهُ سُمًّا فَقَتَلَهُ فَأَلْجَأَهُ الْمَوْتُ إِلَى جَنْبِ قَبْرِ امْرَأَةٍ عِنْدَ جَبَلٍ يُقَالَ لَهُ: عَسِيبٌ فَكَتَبَ هُنَالِكَ أَجَارَتَنَا إِنَّ الْمَزَارَ قَرِيبٌ وَإِنِّي مُقِيمٌ مَا أَقَامَ عَسِيبُ أَجَارَتَنَا إِنَّا غَرِيبَانِ هَاهُنَا وَكُلُّ غَرِيبٍ لِلْغَرِيبِ نَسِيبُ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْمُعَلَّقَاتِ السَّبْعَ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالْكَعْبَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا إِذَا عَمِلَ أَحَدُهُمْ قَصِيدَةً عَرَضَهَا عَلَى قُرَيْشٍ فَإِنْ أَجَازُوهَا عَلَّقُوهَا عَلَى الْكَعْبَةِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهَا فَاجْتَمَعَ مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْمُعَلَّقَاتُ السَّبْعُ فَالْأُولَى لِامْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ حُجْرٍ الْكَنَدِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَوَّلُهَا قِفَا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمُنْزِلٍ بِسِقْطِ اللِّوَى بَيْنَ الدَّخُولِ فَحَوْمَلِ وَالثَّانِيَةُ لِلنَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيُقَالَ: زِيَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ ضِبَابِ بْنِ جَابِرِ بْنِ يَرْبُوعَ بْنِ غَيْظِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضٍ، وَأَوَّلُهَا يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الْأَبَدِ وَالثَّالِثَةُ لِزُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى رَبِيعَةَ بْنِ رِيَاحٍ الْمُزَنِيِّ، وَأَوَّلُهَا أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمِ بِحَوْمَانَةِ الدَّرَّاجِ فَالْمُتَثَلِّمِ وَالرَّابِعَةُ لِطَرَفَةَ بْنِ الْعَبْدِ بْنِ سُفْيَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضُبَيْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَأَوَّلُهَا لِخَوْلَةَ أَطْلَالٌ بِبُرْقَةَ ثَهْمَدِ تَلُوحُ كَبَاقِي الْوَشْمِ فِي ظَاهِرِ الْيَدِ وَالْخَامِسَةُ لِعَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَادِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَالِبِ بْنِ قُطَيْعَةَ بْنِ عَبْسٍ الْعَبْسِيُّ، وَأَوَّلُهَا هَلْ غَادَرَ الشُّعَرَاءُ مِنْ مُتَرَدَّمِ أَمْ هَلْ عَرَفْتَ الدَّارَ بَعْدَ تَوَهُّمِ وَالسَّادِسَةُ لِعَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدَةَ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ قَيْسٍ أَحَدِ بَنِي تَمِيمٍ، وَأَوَّلُهَا طَحَا بِكَ قَلْبٌ فِي الْحِسَانِ طَرُوبُ بُعَيْدَ الشَّبَابِ عَصْرَ حَانَ مَشِيبُ وَالسَّابِعَةُ - وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُثْبِتُهَا فِي الْمُعَلَّقَاتِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَصْمَعِيِّ وَغَيْرِهِ - وَهِيَ لِلَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ، وَأَوَّلُهَا عَفَتِ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا بِمِنًى تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فِرِجَامُهَا فَأَمَّا الْقَصِيدَةُ الَّتِي لَا يُعْرَفُ قَائِلُهَا فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْأَصْمَعِيُّ وَالْمُبَرِّدُ وَغَيْرُهُمْ فَهِيَ قَوْلُهُ هَلْ بِالطُّلُولِ لِسَائِلٍ رَدُّ أَمْ هَلْ لَهَا بِتَكَلُّمٍ عَهْدُ وَهِيَ مُطَوَّلَةٌ، وَفِيهَا مَعَانٍ حَسَنَةٌ كَثِيرَةٌ.
التاريخ 630لا حكم مسجّل
ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِ أمية ابن أبي الصلت الثقفي أُمَيَّةَ ابْنِ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيِّ كَانَ مِنْ شُعَرَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ وَقَدْ أَدْرَكَ زَمَنَ الْإِسْلَامِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ: هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيَرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ أَبُو عُثْمَانَ، وَيُقَالَ: أَبُو الْحَكَمِ الثَّقَفِيُّ شَاعِرٌ جَاهِلِيٌّ قَدِمَ دِمَشْقَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ كَانَ مُسْتَقِيمًا، وَإِنَّهُ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ عَلَى الْإِيمَانِ ثُمَّ زَاغَ عَنْهُ، وَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ [ الْأَعْرَافِ: 175 ]. قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فَوَلَدَتْ رُقَيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أُمَيَّةَ الشَّاعِرَ ابْنَ أَبِي الصَّلْتِ، وَاسْمُ أَبِي الصَّلْتِ رَبِيعَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ عِلَاجِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ ثَقِيفٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ أَبُوهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمَشْهُورِينَ بِالطَّائِفِ وَكَانَ أُمَيَّةُ أَشْعَرُهُمْ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: قَالَ الثَّوْرِيُّ: أَخْبَرَنِي حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ، وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الشَّافِعِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ الْمُثَنَّى عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنِّي لَفِي حَلْقَةٍ فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو فَقَرَأَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْأَعْرَافِ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مَنْ هُوَ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَيْفِيُّ بْنُ الرَّاهِبِ، وَقَالَ آخَرُ: بَلْ هُوَ بَلْعَمٌ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالَ: لَا. قَالَ: فَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ: هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ. وَهَكَذَا قَالَ: أَبُو صَالِحٍ وَالْكَلْبِيُّ، وَحَكَاهُ قَتَادَةُ عَنْ بَعْضِهِمْ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الرَّبَعِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ الطَّرِيحِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الثَّقَفِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ الثَّقَفِيُّ تُجَّارًا إِلَى الشَّامِ فَكُلَّمَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا أَخَذَ أُمَيَّةُ سِفْرًا لَهُ يَقْرَؤُهُ عَلَيْنَا. فَكُنَّا كَذَلِكَ حَتَّى نَزَلْنَا قَرْيَةً مِنْ قُرَى النَّصَارَى فَجَاؤُهُ وَأَكْرَمُوهُ وَأَهْدَوْا لَهُ، وَذَهَبَ مَعَهُمْ إِلَى بُيُوتِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ فِي وَسَطِ النَّهَارِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ وَأَخَذَ ثَوْبَيْنِ لَهُ أَسْوَدَيْنِ فَلَبِسَهُمَا، وَقَالَ لِي: هَلْ لَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ فِي عَالِمٍ مِنْ عُلَمَاءَ النَّصَارَى إِلَيْهِ يَتَنَاهَى عِلْمُ الْكِتَابِ تَسْأَلُهُ ؟ قُلْتُ: لَا أَرَبَ لِي فِيهِ وَاللَّهِ لَئِنْ حَدَّثَنِي بِمَا أُحِبُّ لَا أَثِقُ بِهِ، وَلَئِنْ حَدَّثَنِي بِمَا أَكْرَهُ لَأَوْجَلَنَّ مِنْهُ. قَالَ: فَذَهَبَ وَخَالَفَهُ شَيْخٌ مِنَ النَّصَارَى فَدَخَلَ عَلَيَّ فَقَالَ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى هَذَا الشَّيْخِ ؟ قُلْتُ: لَسْتُ عَلَى دِينِهِ قَالَ: وَإِنْ فَإِنَّكَ تَسْمَعُ مِنْهُ عَجَبًا وَتَرَاهُ. ثُمَّ قَالَ لِي: أَثَقَفِيٌّ أَنْتَ ؟ قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ قُرَشِيٌّ. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ مِنَ الشَّيْخِ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَيُحِبُّكُمْ وَيُوصِي بِكُمْ. قَالَ: فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا، وَمَكَثَ أُمَيَّةُ عِنْدَهُمْ حَتَّى جَاءَنَا بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ ثُمَّ انْجَدَلَ عَلَى فِرَاشِهِ فَوَاللَّهِ مَا نَامَ وَلَا قَامَ حَتَّى أَصْبَحَ كَئِيبًا حَزِينًا سَاقِطًا غَبُوقُهُ عَلَى صَبُوحِهِ، مَا يُكَلِّمُنَا وَلَا نُكَلِّمُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَرْحَلُ ؟ قُلْتُ: وَهَلْ بِكَ مِنْ رَحِيلٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ فَرَحَلْنَا فَسِرْنَا بِذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ مِنْ هَمِّهِ. ثُمَّ قَالَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ: أَلَا تَحَدَّثُ يَا أَبَا سُفْيَانَ ؟ قُلْتُ: وَهَلْ بِكَ مِنْ حَدِيثٍ ؟ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَجَعْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ صَاحِبِكَ. قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ لِشَيْءٍ لَسْتَ فِيهِ إِنَّمَا ذَلِكَ لِشَيْءٍ وَجِلْتُ مِنْهُ مِنْ مُنْقَلَبِي. قُلْتُ: وَهَلْ لَكَ مِنْ مُنْقَلَبٍ قَالَ: أَيْ وَاللَّهِ لَأَمُوتَنَّ، ثُمَّ لَأُحْيَيَنَّ قَالَ: قُلْتُ: هَلْ أَنْتَ قَابِلٌ أَمَانَتِي ؟ قَالَ: عَلَى مَاذَا ؟ قُلْتُ: عَلَى أَنَّكَ لَا تُبْعَثُ وَلَا تُحَاسَبُ قَالَ: فَضَحِكَ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى وَاللَّهِ يَا أَبَا سُفْيَانَ لَنُبْعَثَنَّ ثُمَّ لَنُحَاسَبَنَّ، وَلَيَدْخُلَنَّ فَرِيقٌ الْجَنَّةَ وَفَرِيقٌ النَّارَ. قُلْتُ: فَفِي أَيِّهِمَا أَنْتَ أَخْبَرَكَ صَاحِبُكَ ؟ قَالَ: لَا عِلْمَ لِصَاحِبِي بِذَلِكَ لَا فِيَّ وَلَا فِي نَفْسِهِ. قَالَ: فَكُنَّا فِي ذَلِكَ لَيْلَتَيْنِ يَعْجَبُ مِنِّي وَأَضْحَكُ مِنْهُ حَتَّى قَدِمْنَا غُوطَةَ دِمَشْقَ فَبِعْنَا مَتَاعَنَا، وَأَقَمْنَا بِهَا شَهْرَيْنِ فَارْتَحَلْنَا حَتَّى نَزَلْنَا قَرْيَةً مِنْ قُرَى النَّصَارَى. فَلَمَّا رَأَوْهُ جَاءُوهُ وَأَهْدَوْا لَهُ، وَذَهَبَ مَعَهُمْ إِلَى بَيْعَتِهِمْ فَمَا جَاءَ إِلَّا بَعْدَ مُنْتَصَفِ النَّهَارِ فَلَبِسَ ثَوْبَيْهِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِمْ حَتَّى جَاءَ بَعْدَ هَدْأَةٍ مِنَ اللَّيْلِ فَطَرَحَ ثَوْبَيْهِ وَرَمَى بِنَفْسِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَوَاللَّهِ مَا نَامَ وَلَا قَامَ وَأَصْبَحَ حَزِينًا كَئِيبًا لَا يُكَلِّمُنَا وَلَا نُكَلِّمُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَرْحَلُ ؟ قُلْتُ: بَلَى إِنْ شِئْتَ. فَرَحَلْنَا كَذَلِكَ مِنْ بَثِّهِ وَحُزْنِهِ لَيَالِيَ، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا أَبَا سُفْيَانَ هَلْ لَكَ فِي الْمَسِيرِ لِنَتَقَدَّمَ أَصْحَابَنَا ؟ قُلْتُ: هَلْ لَكَ فِيهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَسِرْنَا حَتَّى بَرَزْنَا مِنْ أَصْحَابِنَا سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: هَيَا صَخْرُ قُلْتُ: مَا تَشَاءُ ؟ قَالَ حَدِّثْنِي عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ أَيَجْتَنِبُ الْمَظَالِمَ وَالْمَحَارِمَ ؟ قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ. قَالَ: وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا ؟ قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ. قَالَ: وَكَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ وَسَطٌ فِي الْعَشِيرَةِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: فَهَلْ تَعْلَمُ قُرَشِيًّا أَشْرَفَ مِنْهُ ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ. قَالَ أَمُحْوِجٌ هُوَ ؟ قُلْتُ: لَا بَلْ هُوَ ذُو مَالٍ كَثِيرٍ. قَالَ: وَكَمْ أَتَى عَلَيْهِ مِنَ السِّنِّ ؟ قُلْتُ: قَدْ زَادَ عَلَى الْمِائَةِ. قَالَ: فَالشَّرَفُ وَالسِّنُّ وَالْمَالُ أَزْرَيْنَ بِهِ ؟ قُلْتُ: وَلِمَ ذَاكَ يُزْرِي بِهِ ؟ لَا وَاللَّهِ بَلْ يَزِيدُهُ خَيْرًا قَالَ: هُوَ ذَاكَ. هَلْ لَكَ فِي الْمَبِيتِ ؟ قُلْتُ: هَلْ لِي فِيهِ قَالَ: فَاضْطَجَعْنَا حَتَّى مَرَّ الثَّقَلُ. قَالَ: فَسِرْنَا حَتَّى نَزَلْنَا فِي الْمَنْزِلِ وَبِتْنَا بِهِ، ثُمَّ ارْتَحَلْنَا مِنْهُ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ قَالَ لِي: يَا أَبَا سُفْيَانَ قُلْتُ مَا تَشَاءُ ؟ قَالَ: هَلْ لَكَ فِي مِثْلِ الْبَارِحَةِ ؟ قُلْتُ: هَلْ لِي فِيهِ. قَالَ: فَسِرْنَا عَلَى نَاقَتَيْنِ بُخْتِيَّتَيْنِ حَتَّى إِذَا بَرَزْنَا قَالَ: هَيَا صَخْرُ هِيهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. قَالَ: قُلْتُ هِيهًا فِيهِ قَالَ: أَيَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا ؟ قُلْتُ: إِي وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَفْعَلُ. قَالَ: وَذُو مَالٍ ؟ قُلْتُ: وَذُو مَالٍ. قَالَ أَتَعْلَمُ قُرَشِيًّا أَسْوَدَ مِنْهُ ؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ. قَالَ: كَمْ أَتَى لَهُ مِنَ السِّنِّ ؟ قُلْتُ: قَدْ زَادَ عَلَى الْمِائَةِ. قَالَ: فَإِنَّ السِّنَّ وَالشَّرَفَ وَالْمَالَ أَزْرَيْنَ بِهِ ؟ قُلْتُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا أَزْرَى بِهِ ذَلِكَ، وَأَنْتَ قَائِلٌ شَيْئًا فَقُلْهُ. قَالَ: لَا تَذْكُرْ حَدِيثِي حَتَّى يَأْتِيَ مِنْهُ مَا هُوَ آتٍ. ثُمَّ قَالَ: فَإِنَّ الَّذِي رَأَيْتَ أَصَابَنِي أَنِّي جِئْتُ هَذَا الْعَالِمَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمَّ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ هَذَا النَّبِيِّ الَّذِي يُنْتَظَرُ. قَالَ: هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ. قُلْتُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ مِنَ الْعَرَبِ فَمِنْ أَيِّ الْعَرَبِ هُوَ ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَحُجُّهُ الْعَرَبُ. قُلْتُ: وَفِينَا بَيْتٌ تَحُجُّهُ الْعَرَبُ. قَالَ: هُوَ مِنْ إِخْوَانِكُمْ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَصَابَنِي وَاللَّهِ شَيْءٌ مَا أَصَابَنِي مِثْلُهُ قَطُّ، وَخَرَجَ مِنْ يَدِي فَوْزُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَكُونَ إِيَّاهُ. قُلْتُ: فَإِذَا كَانَ مَا كَانَ فَصِفْهُ لِي. قَالَ: رَجُلٌ شَابٌّ حِينَ دَخَلَ فِي الْكُهُولَةِ بُدُوُّ أَمْرِهِ يَجْتَنِبُ الْمَظَالِمَ وَالْمَحَارِمَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا، وَهُوَ مُحْوِجٌ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ مُتَوَسِّطٌ فِي الْعَشِيرَةِ، أَكْثَرُ جُنْدِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ: قَدْ رَجَفَتِ الشَّامُ مُنْذُ هَلَكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ثَمَانِينَ رَجْفَةً كُلُّهَا فِيهَا مُصِيبَةٌ، وَبَقِيَتْ رَجْفَةٌ عَامَّةٌ فِيهَا مَصَائِبُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ الْبَاطِلُ لَئِنْ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا، لَا يَأْخُذُهُ إِلَّا مُسِنًّا شَرِيفًا. قَالَ أُمَيَّةُ: وَالَّذِي حَلَفْتَ بِهِ إِنَّ هَذَا لَهَكَذَا يَا أَبَا سُفْيَانَ ; تَقُولُ: إِنَّ قَوْلَ النَّصْرَانِيِّ حَقٌّ. هَلْ لَكَ فِي الْمَبِيتِ ؟ قُلْتُ: هَلْ لِي فِيهِ. قَالَ: فَبِتْنَا حَتَّى جَاءَنَا الثَّقَلُ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ لَيْلَتَانِ، أَدْرَكَنَا رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِنَا فَسَأَلْنَاهُ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: أَصَابَتْ أَهْلَ الشَّامِ بَعْدَكُمْ رَجْفَةٌ دَمَّرَتْ أَهْلَهَا، وَأَصَابَتْهُمْ فِيهَا مَصَائِبُ عَظِيمَةٌ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ أُمَيَّةُ فَقَالَ: كَيْفَ تَرَى قَوْلَ النَّصْرَانِيِّ يَا أَبَا سُفْيَانَ ؟ قُلْتُ: أَرَى وَأَظُنُّ وَاللَّهِ أَنَّ مَا حَدَّثَكَ بِهِ صَاحِبُكَ حَقٌّ. قَالَ: فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَضَيْتُ مَا كَانَ مَعِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جِئْتُ الْيَمَنَ تَاجِرًا فَكُنْتُ بِهَا خَمْسَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ قَدِمْتُ مَكَّةَ فَبَيْنَا أَنَا فِي مَنْزِلِي جَاءَنِي النَّاسُ يُسَلِّمُونَ عَلَيَّ، وَيَسْأَلُونَ عَنْ بَضَائِعِهِمْ حَتَّى جَاءَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَهِنْدٌ عِنْدِي تُلَاعِبُ صِبْيَانَهَا فَسَلَّمَ عَلَيَّ وَرَحَّبَ بِي، وَسَأَلَنِي عَنْ سَفَرِي وَمُقَامِي، وَلَمْ يَسْأَلْنِي عَنْ بِضَاعَتِهِ ثُمَّ قَامَ. فَقُلْتُ لِهِنْدٍ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَيُعْجِبُنِي مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ مَعِي بِضَاعَةٌ إِلَّا وَقَدْ سَأَلَنِي عَنْهَا وَمَا سَأَلَنِي هَذَا عَنْ بِضَاعَتِهِ ! فَقَالَتْ لِي هِنْدٌ: وَمَا عَلِمْتَ شَأْنَهُ ؟ فَقُلْتُ، وَفَزِعْتُ: مَا شَأْنُهُ ؟ قَالَتْ: يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَوَقَذَتْنِي وَذَكَرْتُ قَوْلَ النَّصْرَانِيِّ فَوَجَمْتُ حَتَّى قَالَتْ لِي هِنْدٌ: مَالَكَ ؟ فَانْتَبَهْتُ فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَاطِلُ ! لَهُوَ أَعْقَلُ مِنْ أَنْ يَقُولَ هَذَا. قَالَتْ: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَقُولَنَّ ذَلِكَ وَيُوَاتَى عَلَيْهِ، وَإِنَّ لَهُ لِصَحَابَةٌ عَلَى دِينِهِ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الْبَاطِلُ قَالَ: وَخَرَجَتْ فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ بِالْبَيْتِ لَقِيتُهُ فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ بِضَاعَتَكَ قَدْ بَلَغَتْ كَذَا وَكَذَا وَكَانَ فِيهَا خَيْرٌ فَأَرْسِلْ فَخُذْهَا وَلَسْتُ آخُذُ مِنْكَ فِيهَا مَا آخُذُ مِنْ قَوْمِي فَأَبَى عَلَيَّ، وَقَالَ: إِذَنْ لَا آخُذُهَا. قُلْتُ: فَأَرْسِلْ فَخُذْهَا وَأَنَا آخُذُ مِنْكَ مِثْلَ مَا آخُذُ مِنْ قَوْمِي فَأَرْسَلَ إِلَى بِضَاعَتِهِ فَأَخَذَهَا وَأَخَذْتُ مِنْهُ مَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ غَيْرِهِ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ خَرَجْتُ إِلَى الْيَمَنِ فَقَدِمْتُ الطَّائِفَ فَنَزَلْتُ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ قَالَ: مَا تَشَاءُ ؟ قُلْتُ: هَلْ تَذْكُرُ قَوْلَ النَّصْرَانِيِّ ؟ فَقُلْتُ: أَذْكُرُهُ فَقُلْتُ: وَقَدْ كَانَ، قَالَ: وَمَنْ ؟ قُلْتُ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ قُلْتُ: ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثُمَّ قَصَصْتُ عَلَيْهِ خَبَرَ هِنْدٍ قَالَ: فَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَخَذَ يَتَصَبَّبُ عَرَقًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ يَا أَبَا سُفْيَانَ لَعَلَّهُ، إِنَّ صِفَتَهُ لَهِيَ وَلَئِنْ ظَهَرَ، وَأَنَا حَيٌّ لَأُبْلِيَنَّ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي نَصْرِهِ عُذْرًا. قَالَ: وَمَضَيْتُ إِلَى الْيَمَنِ فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ جَاءَنِي هُنَالِكَ اسْتِهْلَالُهُ، وَأَقْبَلْتُ حَتَّى نَزَلْتُ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ بِالطَّائِفِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عُثْمَانَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ مَا قَدْ بَلَغَكَ، وَسَمِعْتَهُ قَالَ: قَدْ كَانَ لَعَمْرِي. قُلْتُ: فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْهُ يَا أَبَا عُثْمَانَ ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ لِأُومِنَ بِرَسُولٍ مِنْ غَيْرِ ثَقِيفٍ أَبَدًا. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَأَقْبَلْتُ إِلَى مَكَّةَ فَوَاللَّهِ مَا أَنَا بِبَعِيدٍ حَتَّى جِئْتُ مَكَّةَ فَوَجَدْتُ أَصْحَابَهُ يُضْرَبُونَ وَيُحْقَرُونَ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ: فَأَيْنَ جُنْدُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ ؟ قَالَ: فَدَخَلَنِي مَا يَدْخُلُ النَّاسَ مِنَ النَّفَاسَةِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ مِنْ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ طَرِيحٍ بِهِ، وَلَكِنَّ سِيَاقَ الطَّبَرَانِيِّ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ أَتَمُّ، وَأَطْوَلُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُقْبِلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنَا مُجَاشِعُ بْنُ عَمْرٍو الْأَسَدِيُّ حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ كَانَ بِغَزَّةَ أَوْ بِإِيلِيَاءَ فَلَمَّا قَفَلْنَا قَالَ لِي أُمَيَّةُ: يَا أَبَا سُفْيَانَ هَلْ لَكَ أَنْ تَتَقَدَّمَ عَلَى الرُّفْقَةِ فَنَتَحَدَّثَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَفَعَلْنَا فَقَالَ لِي: يَا أَبَا سُفْيَانَ إِيهِ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ؟ قُلْتُ: كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ، وَيَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: وَشَرِيفٌ مُسِنٌّ ؟ قُلْتُ: وَشَرِيفٌ مُسِنٌّ قَالَ: السِّنُّ وَالشَّرَفُ أَزْرَيَا بِهِ. فَقُلْتُ لَهُ: كَذَبْتَ مَا ازْدَادَ سِنًّا إِلَّا ازْدَادَ شَرَفًا. قَالَ: يَا أَبَا سُفْيَانَ إِنَّهَا كَلِمَةٌ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَقُولُهَا لِي مُنْذُ تَبَصَّرْتُ فَلَا تَعْجَلْ عَلَيَّ حَتَّى أُخْبِرَكَ. قَالَ: قُلْتُ: هَاتِ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ أَجِدُ فِي كُتُبِي نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنْ حَرَّتِنَا هَذِهِ فَكُنْتُ أَظُنُّ بَلْ كُنْتُ لَا أَشُكُّ أَنِّي أَنَا هُوَ فَلَمَّا دَارَسْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ إِذَا هُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. فَنَظَرْتُ فِي بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَصْلُحُ لِهَذَا الْأَمْرِ غَيْرَ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ فَلَمَّا أَخْبَرْتَنِي بِسِنِّهِ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِهِ حِينَ جَاوَزَ الْأَرْبَعِينَ، وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَضَرَبَ الدَّهْرُ مَنْ ضَرَبَهُ فَأُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَخَرَجْتُ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ أُرِيدُ الْيَمَنَ فِي تِجَارَةٍ فَمَرَرْتُ بِأُمَيَّةَ فَقُلْتُ لَهُ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ: يَا أُمَيَّةُ قَدْ خَرَجَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنْتَ تَنْعَتُهُ. قَالَ: أَمَا إِنَّهُ حَقٌّ فَاتَّبِعْهُ قُلْتُ: مَا يَمْنَعُكَ مِنِ اتِّبَاعِهِ ؟ قَالَ: مَا يَمْنَعُنِي إِلَّا الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ نُسَيَّاتِ ثَقِيفٍ إِنِّي كُنْتُ أُحَدِّثُهُنَّ أَنِّي هُوَ، ثُمَّ يَرَيْنَنِي تَابِعًا لِغُلَامٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ! ثُمَّ قَالَ أُمَيَّةُ: وَكَأَنِّي بِكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ إِنْ خَالَفْتَهُ، قَدْ رُبِطْتَ كَمَا يُرْبَطُ الْجَدْيُ حَتَّى يُؤْتَى بِكَ إِلَيْهِ فَيَحْكُمَ فِيكَ بِمَا يُرِيدُ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: بَيْنَا أُمَيَّةُ رَاقِدٌ وَمَعَهُ ابْنَتَانِ لَهُ إِذْ فَزِعَتْ إِحْدَاهُمَا فَصَاحَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ نَسْرَيْنِ كَشَطَا سَقْفَ الْبَيْتِ فَنَزَلَ أَحَدُهُمَا إِلَيْكَ فَشَقَّ بَطْنَكَ وَالْآخَرُ وَاقِفٌ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ فَنَادَاهُ فَقَالَ: أَوَعَى ؟ قَالَ: وَعَى. قَالَ: أَزَكَا قَالَ: لَا. فَقَالَ: ذَاكَ خَيْرٌ أُرِيدَ بِأَبِيكُمَا فَلَمْ يَقْبَلْهُ. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ بِسِيَاقٍ آخَرَ فَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَدِمَتِ الْفَارِعَةُ أُخْتُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ وَكَانَتْ ذَاتَ لُبٍّ وَعَقْلٍ وَجَمَالٍ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا مُعْجَبًا فَقَالَ لَهَا ذَاتَ يَوْمٍ: يَا فَارِعَةُ هَلْ تَحْفَظِينَ مِنْ شِعْرِ أَخِيكِ شَيْئًا ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، وَأَعْجَبُ مِنْهُ مَا قَدْ رَأَيْتُ. قَالَتْ: كَانَ أَخِي فِي سَفَرٍ فَلَمَّا انْصَرَفَ بَدَأَ بِي فَدَخَلَ عَلَيَّ فَرَقَدَ عَلَى سَرِيرِي وَأَنَا أَخْلُقُ أَدِيمًا فِي يَدِي، إِذْ أَقْبَلَ طَائِرَانِ أَبْيَضَانِ أَوْ كَالطَّيْرَيْنِ أَبْيَضَيْنِ فَوَقَعَ عَلَى الْكُوَّةِ أَحَدُهُمَا وَدَخَلَ الْآخَرُ فَوَقَعَ عَلَيْهِ فَشَقَّ الْوَاقِعُ عَلَيْهِ مَا بَيْنَ قَصِّهِ إِلَى عَانَتِهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي جَوْفِهِ فَأَخْرَجَ قَلْبَهُ فَوَضَعَهُ فِي كَفِّهِ ثُمَّ شَمَّهُ فَقَالَ لَهُ الطَّائِرُ الْآخَرُ: أَوَعَى ؟ قَالَ: وَعَى. قَالَ: أَزَكَا ؟ قَالَ: أَبَى. ثُمَّ رَدَّ الْقَلْبَ إِلَى مَكَانِهِ فَالْتَأَمَ الْجُرْحُ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ ثُمَّ ذَهَبَا فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ دَنَوْتُ مِنْهُ فَحَرَّكْتُهُ فَقُلْتُ: هَلْ تَجِدُ شَيْئًا ؟ قَالَ: لَا إِلَّا تَوْهِينًا فِي جَسَدِي - وَقَدْ كُنْتُ ارْتَعَبْتُ مِمَّا رَأَيْتُ - فَقَالَ: مَالِي أَرَاكِ مُرْتَاعَةً ؟ قَالَتْ: فَأَخْبَرْتُهُ الْخَبَرَ فَقَالَ: خَيْرٌ أُرِيدَ بِي ثُمَّ صُرِفَ عَنِّي، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: بَاتَتْ هُمُومِيَ تَسْرِي طَوَارِقُهَا أَكُفُّ عَيْنِي وَالدَّمْعُ سَابِقُهَا مِمَّا أَتَانِي مِنَ الْيَقِينِ وَلَمْ أُوتَ بِرَاةً يَقُصُّ نَاطِقُهَا أَمْ مَنْ تَلَظَّى عَلَيْهِ وَاقِدَةُ النَّارِ مُحِيطٌ بِهِمْ سُرَادِقُهَا أَمْ أَسْكُنُ الْجَنَّةَ الَّتِي وُعِدَ الْأَبْرَارُ مَصْفُوفَةٌ نَمَارِقُهَا لَا يَسْتَوِي الْمَنْزِلَانِ ثَمَّ وَلَا الْأَعْمَالُ لَا تَسْتَوِي طَرَائِقُهَا هُمَا فَرِيقَانِ فِرْقَةٌ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ حَفَّتْ بِهِمْ حَدَائِقُهَا وَفِرْقَةٌ مِنْهُمُ قَدْ أُدْخِلَتِ النَّارَ فَسَاءَتْهُمْ مَرَافِقُهَا تَعَاهَدَتْ هَذِهِ الْقُلُوبُ إِذَا هَمَّتْ بِخَيْرٍ عَاقَتْ عَوَائِقُهَا وَصَدَّهَا لِلشَّقَاءِ عَنْ طَلَبِ الْجَنَّةِ دُنْيَا اللَّهُ مَاحِقُهَا عَبْدٌ دَعَا نَفْسَهُ فَعَاتَبَهَا يَعْلَمُ أَنَّ الْبَصِيرَ رَامِقُهَا مَا رَغْبَةُ النَّفْسِ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ تَحْيَا قَلِيلًا فَالْمَوْتُ لَاحِقُهَا يُوشِكُ مَنْ فَرَّ مِنْ مَنِيَّتِهِ يَوْمًا عَلَى غِرَّةٍ يُوَافِقُهَا مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَةً يَمُتْ هَرَمًا لِلْمَوْتِ كَأْسٌ وَالْمَرْءُ ذَائِقُهَا قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى رَحْلِهِ فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طُعِنَ فِي جِنَازَتِهِ فَأَتَانِي الْخَبَرُ فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ فَوَجَدْتُهُ مَنْعُوشًا قَدْ سُجِيَ عَلَيْهِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَشَهِقَ شَهْقَةً وَشَقَّ بَصَرُهُ وَنَظَرَ نَحْوَ السَّقْفِ وَرَفَعَ صَوْتَهُ، وَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا لَا ذُو مَالٍ فَيَفْدِينِي وَلَا ذُو أَهْلٍ فَتَحْمِينِي، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِذْ شَهِقَ شَهْقَةً فَقُلْتُ: قَدْ هَلَكَ الرَّجُلُ فَشَقَّ بَصَرُهُ نَحْوَ السَّقْفِ فَرَفَعَ صَوْتَهُ فَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا لَا ذُو بَرَاءَةٍ فَأَعْتَذِرُ وَلَا ذُو عَشِيرَةٍ فَأَنْتَصِرُ، ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِذْ شَهِقَ شَهْقَةً وَشَقَّ بَصَرُهُ وَنَظَرَ نَحْوَ السَّقْفِ فَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا بِالنِّعَمِ مَحْفُودٌ وَبِالذَّنْبِ مَحْصُودٌ ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِذْ شَهِقَ شَهْقَةً فَقَالَ: لَبَّيْكُمَا لَبَّيْكُمَا هَا أَنَا ذَا لَدَيْكُمَا إِنَّ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا ثُمَّ أُغْمِيَ عَلَيْهِ إِذْ شَهِقَ شَهْقَةً فَقَالَ: كُلُّ عَيْشٍ وَإِنْ تَطَاوَلَ دَهْرًا صَائِرٌ مَرَّةً إِلَى أَنْ يَزُولَا لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ مَا بَدَا لِي فِي قِلَالِ الْجِبَالِ أَرْعَى الْوُعُولَا قَالَتْ: ثُمَّ مَاتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا فَارِعَةُ فَإِنَّ مَثَلَ أَخِيكِ كَمَثَلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ آيَاتِهِ " فَانْسَلَخَ مِنْهَا " الْآيَةَ وَقَدْ تَكَلَّمَ الْخَطَّابِيُّ عَلَى غَرِيبِ هَذَا الْحَدِيثِ. وَرَوَى الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أُمَيَّةُ ابْنُ أَبِي الصَّلْتِ: أَلَا رَسُولٌ لَنَا مِنَّا يُخَبِّرُنَا مَا بَعْدَ غَايَتِنَا مِنْ رَأْسِ مَجْرَانَا قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَتَنَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَقَامَ أُمَيَّةُ بِالْبَحْرَيْنِ ثَمَانِيَ سِنِينَ، ثُمَّ قَدِمَ الطَّائِفَ فَقَالَ لَهُمْ: مَا يَقُولُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؟ قَالُوا: يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَهُوَ الَّذِي كُنْتَ تَتَمَنَّى. قَالَ: فَخَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ فَلَقِيَهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَا هَذَا الَّذِي تَقُولُ ؟ قَالَ: أَقُولُ: إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَأَنْ لَا الَهَ إِلَّا هُوَ. قَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُكَلِّمَكَ فَعِدْنِي غَدًا. قَالَ: فَمَوْعِدُكَ غَدًا قَالَ: فَتُحِبُّ أَنْ آتِيَكَ، وَحْدِي أَوْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِي، وَتَأْتِيَنِي وَحْدَكَ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَيَّ ذَلِكَ شِئْتَ قَالَ: فَإِنِّي آتِيكَ فِي جَمَاعَةٍ فَأْتِ فِي جَمَاعَةٍ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَا أُمَيَّةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ: وَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى جَلَسُوا فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ قَالَ: فَبَدَأَ أُمَيَّةُ فَخَطَبَ ثُمَّ سَجَعَ، ثُمَّ أَنْشَدَ الشِّعْرَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ الشِّعْرُ قَالَ: أَجِبْنِي يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [ يس: 1 ] حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهَا، وَثَبَ أُمَيَّةُ يَجُرُّ رِجْلَيْهِ قَالَ: فَتَبِعَتْهُ قُرَيْشٌ يَقُولُونَ: مَا تَقُولُ يَا أُمَيَّةُ ؟ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ. فَقَالُوا: هَلْ تَتَّبِعُهُ ؟ قَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ فِي أَمْرِهِ. قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ أُمَيَّةُ إِلَى الشَّامِ، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَلَمَّا قُتِلَ أَهْلُ بَدْرٍ قَدِمَ أُمَيَّةُ مِنَ الشَّامِ حَتَّى نَزَلَ بَدْرًا، ثُمَّ تَرَحَّلَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا أَبَا الصَّلْتِ مَا تُرِيدُ ؟ قَالَ: أُرِيدُ مُحَمَّدًا قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ ؟ قَالَ: أُومِنُ بِهِ وَأُلْقِي إِلَيْهِ مَقَالِيدَ هَذَا الْأَمْرِ. قَالَ: أَتَدْرِي مَنْ فِي الْقَلِيبِ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فِيهِ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وَهُمَا ابْنَا خَالِكَ - وَأُمُّهُ رَبِيعَةُ بِنْتُ عَبْدِ شَمْسٍ - قَالَ: فَجَدَعَ أُذُنَيْ نَاقَتِهِ، وَقَطَعَ ذَنَبَهَا ثُمَّ وَقَفَ عَلَى الْقَلِيبِ يَقُولُ: مَاذَا بِبَدْرٍ فَالْعَقَنْقَلُ مِنْ مَرَازِبَةٍ جَحَاجِحْ الْقَصِيدَةَ إِلَى آخِرِهَا كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهَا بِتَمَامِهَا فِي قِصَّةِ بَدْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَتَرَكَ الْإِسْلَامَ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ الطَّيْرَيْنِ وَقِصَّةَ وَفَاتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَأَنْشَدَ شِعْرَهُ عِنْدَ الْوَفَاةِ كُلُّ عَيْشٍ وَإِنْ تَطَاوَلَ دَهْرًا صَائِرٌ مَرَّةً إِلَى أَنْ يَزُولَا لَيْتَنِي كُنْتُ قَبْلَ مَا قَدْ بَدَا لِي فِي قِلَالِ الْجِبَالِ أَرْعَى الْوُعُولَا فَاجْعَلِ الْمَوْتَ نُصْبَ عَيْنَيْكَ وَاحْذَرْ غَوْلَةَ الدَّهْرِ إِنَّ لِلدَّهْرِ غُولَا نَائِلًا ظُفْرُهَا الْقَسَاوِرَ وَالصُّدْ عَانَ وَالطِّفْلَ فِي الْمَنَارِ الشَّكِيلَا وَبُغَاثَ النِّيَافِ وَالْيَعْفُرَ النَّافِرَ وَالْعَوْهَجَ الْبِرَامَ الضَّئِيلَا فَقَوْلُهُ: الْقَسَاوِرُ جَمْعُ قَسْوَرَةٍ وَهُوَ الْأَسَدُ، وَالصُّدْعَانُ: ثِيرَانُ الْوَحْشِ وَاحِدُهَا صَدَعٌ، وَالطِّفْلُ الشَّكِلُ: مِنْ حُمْرَةِ الْعَيْنِ، وَالْبُغَاثُ: الرَّخَمُ، وَالنِّيَافُ: الْجِبَالُ، وَالْيَعْفُرُ: الظَّبْيُ، وَالْعَوْهَجُ: وَلَدُ النَّعَامَةِ. يَعْنِي أَنَّ الْمَوْتَ لَا يَنْجُو مِنْهُ الْوُحُوشُ فِي الْبَرَارِي وَلَا الرَّخَمُ السَّاكِنَةُ فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَلَا يَتْرُكُ صَغِيرًا لِصِغَرِهِ وَلَا كَبِيرًا لِكِبَرِهِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى غَرِيبِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَقَدْ ذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ فِي كِتَابِهِ " التَّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ " أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ أَوَّلُ مَنْ قَالَ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. وَذَكَرَ عِنْدَ ذَلِكَ قِصَّةً غَرِيبَةً، وَهُوَ أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي سَفَرٍ فِيهِمْ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ وَالِدُ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ: فَمَرُّوا فِي مَسِيرِهِمْ بِحَيَّةٍ فَقَتَلُوهَا فَلَمَّا أَمْسَوْا جَاءَتْهُمُ امْرَأَةٌ مِنَ الْجَانِّ فَعَاتَبَتْهُمْ فِي قَتْلِ تِلْكَ الْحَيَّةِ، وَمَعَهَا قَضِيبٌ فَضَرَبَتْ بِهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً نَفَّرَتِ الْإِبِلَ عَنْ آخِرِهَا فَذَهَبَتْ وَشَرَدَتْ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَقَامُوا فَلَمْ يَزَالُوا فِي طَلَبِهَا حَتَّى رَدُّوهَا فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَتْهُمْ أَيْضًا فَضَرَبَتِ الْأَرْضَ بِقَضِيبِهَا فَنَفَرَتِ الْإِبِلُ فَذَهَبُوا فِي طَلَبِهَا فَلَمَّا أَعْيَاهُمْ ذَلِكَ قَالُوا: وَاللَّهِ هَلْ عِنْدَكَ لِمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَخْرَجٍ ؟ فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ سَأَنْظُرُ فِي ذَلِكَ. قَالَ: فَسَارَ فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ لَعَلَّهُ يَجِدُ أَحَدًا يَسْأَلُهُ عَمًّا قَدْ حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْعَنَاءِ، إِذَا نَارٌ تَلُوحُ عَلَى بُعْدٍ فَجَاءَهَا فَإِذَا شَيْخٌ عَلَى بَابِ خَيْمَةٍ يُوقِدُ نَارًا، وَإِذَا هُوَ مِنَ الْجَانِّ فِي غَايَةِ الضَّآلَةِ وَالدَّمَامَةِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ فَقَالَ: إِذَا جَاءَتْكُمْ فَقُلْ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَإِنَّهَا تَهْرُبُ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا وَجَاءَتْهُمُ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ، قَالَ فِي وَجْهِهَا أُمَيَّةُ: بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَشَرَدَتْ وَلَمْ يَقَرَّ لَهَا قَرَارٌ، لَكِنْ عَدَتِ الْجِنُّ عَلَى حَرْبِ ابْنِ أُمَيَّةَ فَقَتَلُوهُ بِتِلْكَ الْحَيَّةِ فَقَبَرَهُ أَصْحَابُهُ هُنَالِكَ حَيْثُ لَا جَارَ وَلَا دَارَ فَفِي ذَلِكَ يَقُولُ الْجَانُّ: وَقَبْرُ حَرْبٍ بِمَكَانٍ قَفْرٍ وَلَيْسَ قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَتَفَرَّسُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ فِي لُغَاتِ الْحَيَوَانَاتِ فَكَانَ يَمُرُّ فِي السَّفَرِ عَلَى الطَّيْرِ فَيَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَذَا يَقُولُ كَذَا وَكَذَا فَيَقُولُونَ: لَا نَعْلَمُ صِدْقَ مَا يَقُولُ حَتَّى مَرُّوا عَلَى قَطِيعِ غَنَمٍ قَدِ انْقَطَعَتْ مِنْهُ شَاةٌ، وَمَعَهَا وَلَدُهَا فَالْتَفَتَتْ إِلَيْهِ فَثَغَتْ كَأَنَّهَا تَسْتَحِثُّهُ فَقَالَ: أَتُدْرُونَ مَا تَقُولُ لَهُ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: إِنَّهَا تَقُولُ: أَسْرِعْ بِنَا لَا يَجِيءُ الذِّئْبُ فَيَأْكُلَكَ كَمَا أَكَلَ الذِّئْبُ أَخَاكَ عَامَ أَوَّلَ. فَأَسْرَعُوا حَتَّى سَأَلُوا الرَّاعِيَ: هَلْ أَكَلَ لَهُ الذِّئْبُ عَامَ أَوَّلَ حَمَلًا بِتِلْكَ الْبُقْعَةِ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَمَرَّ يَوْمًا عَلَى بَعِيرٍ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ رَاكِبَةٌ وَهُوَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَيْهَا وَيَرْغُو فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ لَهَا: إِنَّكِ رَحَّلْتِنِي، وَفِي الْحِدَاجَةِ مِخْيَطٌ. فَأَنْزَلُوا تِلْكَ الْمَرْأَةَ، وَحَلُّوا ذَلِكَ الرَّحْلَ فَاذَا فِيهِ مِخْيَطٌ كَمَا قَالَ. وَذَكَرَ ابْنُ السِّكِّيتِ أَنَّ أُمَيَّةَ بْنَ أَبِي الصَّلْتِ بَيْنَمَا هُوَ يَشْرَبُ يَوْمًا إِذْ نَعَبَ غُرَابٌ. فَقَالَ لَهُ: بِفِيكَ التُّرَابُ مَرَّتَيْنِ. فَقِيلَ لَهُ: مَا يَقُولُ ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّكَ تَشْرَبُ هَذَا الْكَأْسَ الَّذِي فِي يَدِكَ، ثُمَّ تَتَّكِئُ فَتَمُوتُ. ثُمَّ نَعَبَ الْغُرَابُ فَقَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ: وَآيَةُ ذَلِكَ أَنِّي أَنْزِلُ عَلَى هَذِهِ الْمَزْبَلَةِ فَآكُلُ مِنْهَا فَيَعْلَقُ عَظْمٌ فِي حَلْقِي فَأَمُوتُ. ثُمَّ نَزَلَ الْغُرَابُ عَلَى تِلْكَ الْمَزْبَلَةِ فَأَكَلَ شَيْئًا فَعَلَقَ فِي حَلْقِهِ عَظْمٌ فَمَاتَ. فَقَالَ أُمَيَّةُ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ صَدَقَ فِي نَفْسِهِ، وَلَكِنْ سَأَنْظُرُ هَلْ صَدَقَ فِيَّ أَمْ لَا. ثُمَّ شَرِبَ ذَلِكَ الْكَأْسَ الَّذِي فِي يَدِهِ ثُمَّ اتَّكَأَ فَمَاتَ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَصْدَقَ كَلِمَةٍ قَالَهَا شَاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيدٍ أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحٌ حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا ابْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ عَمْرَو بْنَ الشَّرِيدِ يَقُولُ: قَالَ الشَّرِيدُ: كُنْتُ رِدْفًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لِي: أَمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ شَيْءٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْشِدْنِي. فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ كُلَّمَا أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا إِيهِ حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِائَةَ بَيْتٍ. قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ، وَسَكَتُّ. وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ بِهِ، وَمِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِنْ كَادَ يُسْلِمُ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ: حَدَّثَنَا ابْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ نَافِعٍ عَنِ الشَّرِيدِ الْهَمْدَانِيِّ - وَأَخْوَالُهُ ثَقِيفٌ - قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي ذَاتَ يَوْمٍ إِذَا وَقْعُ نَاقَةٍ خَلْفِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ الشَّرِيدُ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: أَلَا أَحْمِلُكَ ؟ قُلْتُ: بَلَى وَمَا بِي مِنْ إِعْيَاءٍ وَلَا لُغُوبٍ، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ الْبَرَكَةَ فِي رُكُوبِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَنَاخَ فَحَمَلَنِي. فَقَالَ: أَمَعَكَ مَنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: هَاتِ. فَأَنْشَدْتُهُ - قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ - مِائَةَ بَيْتٍ فَقَالَ عِنْدَ اللَّهِ عِلْمُ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَاعِدٍ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. فَأَمَّا الَّذِي يُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي أُمَيَّةَ آمَنَ شِعْرُهُ وَكَفَرَ قَلْبُهُ فَلَا أَعْرِفُهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ - هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ - حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَدَّقَ أُمَيَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِعْرِهِ قَالَ رَجُلٌ وَثَوْرٌ تَحْتَ رِجْلِ يَمِينِهِ وَالنَّسْرُ لِلْأُخْرَى وَلَيْثٌ مُرْصَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ. وَقَالَ وَالشَّمْسُ تَبْدُو كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ حَمْرَاءَ يُصْبِحُ لَوْنُهَا يَتَوَرَّدُ تَأْبَى فَمَا تَطْلُعُ لَنَا فِي رِسْلِهَا إِلَّا مُعَذَّبَةً وَإِلَّا تُجْلَدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: صَدَقَ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الشَّمْسَ لَا تَطْلُعُ حَتَّى يَنْخُسَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَقُولُونَ لَهَا: اطْلُعِي اطْلُعِي فَتَقُولُ: لَا أَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ يَعْبُدُونَنِي مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِذَا هَمَّتْ بِالطُّلُوعِ أَتَاهَا شَيْطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يُثَبِّطَهَا فَتَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَتَحْرِقُهُ فَإِذَا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ غَرَبَتْ عَلَى السُّجُودِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَأْتِيهَا شَيْطَانٌ يُرِيدُ أَنْ يُثَبِّطَهَا عَنِ السُّجُودِ فَتَغْرُبُ مِنْ قَرْنَيْهِ وَتَحْرِقُهُ أَوْرَدَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مُطَوَّلًا. وَمِنْ شِعْرِهِ فِي حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَمِنْ حَامِلٍ إِحْدَى قَوَائِمِ عَرْشِهِ وَلَوْلَا إِلَهُ الْخَلْقِ كَلُّوا وَبَلَّدُوا قِيَامٌ عَلَى الْأَقْدَامِ عَانُونَ تَحْتَهُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ تُرْعَدُ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ، وَرُوِيَ عَنِ الْأَصْمَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُنْشِدُ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ: مَجِّدُوا اللَّهَ فَهُو لِلْمَجْدِ أَهْلٌ رَبُّنَا فِي السَّمَاءِ أَمْسَى كَبِيرًا بِالْبِنَاءِ الْأَعْلَى الَّذِي سَبَقَ النَّاسَ وَسَوَّى فَوْقَ السَّمَاءِ سَرِيرًا شَرْجَعًا لَا يَنَالُهُ بَصَرُ الْعَيْنِ تَرَى دُونَهُ الْمَلَائِكَ صُورًا ثُمَّ يَقُولُ الْأَصْمَعِيُّ: الْمَلَائِكُ جَمْعُ مَلَكٍ وَالصُّورُ جَمْعُ أَصْوَرَ وَهُوَ الْمَائِلُ الْعُنُقِ، وَهَؤُلَاءِ حَمَلَةُ الْعَرْشِ. وَمِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ يَمْدَحُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ التَّيْمِيَّ: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ وَعِلْمُكَ بِالْحُقُوقِ وَأَنْتَ فَرْعٌ لَكَ الْحَسَبُ الْمُهَذَّبُ وَالسَّنَاءُ كَرِيمٌ لَا يُغَيِّرُهُ صَبَاحٌ عَنِ الْخُلُقِ الْجَمِيلِ وَلَا مَسَاءُ يُبَارِي الرِّيحَ مَكْرُمَةً وَجُودًا إِذَا مَا الْكَلْبُ أَحْجَرَهُ الشِّتَاءُ وَأَرْضُكَ أَرْضُ مَكْرُمَةٍ بَنَتْهَا بَنُو تَيْمٍ وَأَنْتَ لَهَا سَمَاءُ إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ وَلَهُ فِيهِ مَدَائِحُ أُخَرُ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ هَذَا مِنَ الْكُرَمَاءِ الْأَجْوَادِ الْمُمَدَّحِينَ الْمَشْهُورِينَ وَكَانَ لَهُ جَفْنَةٌ يَأْكُلُ الرَّاكِبُ مِنْهَا وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ ; مِنْ عِرَضِ حَافَّتِهَا وَكَثْرَةِ طَعَامِهَا وَكَانَ يَمْلَأُهَا لُبَابَ الْبُرِّ يُلَبَّكُ بِالشَّهْدِ وَالسَّمْنِ وَكَانَ يُعْتِقُ الرِّقَابَ، وَيُعِينُ عَلَى النَّوَائِبِ. وَقَدْ سَأَلَتْ عَائِشَةُ النَّبِيَّ ﷺ أَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ وَمِنْ شَعْرِ أُمَيَّةَ الْبَدِيعِ لَا يَنْكُتُونَ الْأَرْضَ عِنْدَ سُؤَالِهِمْ كَتَطَلُّبِ الْعَلَّاتِ بِالْعِيدَانِ بَلْ يُسْفِرُونَ وُجُوهَهُمْ فَتَرَى لَهَا عِنْدَ السُّؤَالِ كَأَحْسَنِ الْأَلْوَانِ وَإِذَا الْمُقِلُّ أَقَامَ وَسْطَ رِحَالِهِمْ رَدُّوهُ رَبَّ صَوَاهِلٍ وَقِيَانِ وَإِذَا دَعَوْتَهُمُ لِكُلِّ مُلِمَّةٍ سَدُّوا شُعَاعَ الشَّمْسِ بِالْفُرْسَانِ آخِرُ تَرْجَمَةِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ
التاريخ 631لا حكم مسجّل
ذِكْرُ قس بن ساعدة قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيِّ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَهْلٍ الْخَرَائِطِيُّ فِي كِتَابِ هَوَاتِفِ الْجَانِّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ الْقَنْطَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَشْرِقِيُّ عَنْ أَبِي الْحَارِثِ الْوَرَّاقِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ إِيَادٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: يَا مَعْشَرَ وَفْدِ إِيَادٍ مَا فَعَلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيُّ ؟ قَالُوا: هَلَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: لَقَدْ شَهِدْتُهُ يَوْمًا بِسُوقِ عُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ مُعْجِبٍ مُونِقٍ لَا أَجِدُنِي أَحْفَظُهُ فَقَامَ إِلَيْهِ أَعْرَابِيٌّ مِنْ أَقَاصِي الْقَوْمِ فَقَالَ: أَنَا أَحْفَظُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَسُّرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ قَالَ: فَكَانَ بِسُوقِ عُكَاظٍ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ النَّاسِ اجْتَمِعُوا فَكُلُّ مَنْ فَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ شَيْءٍ آتٍ آتٍ، لَيْلٌ دَاجٍ وَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَبَحْرٌ عَجَّاجٌ، نُجُومٌ تَزْهَرُ، وَجِبَالٌ مَرْسِيَّةٌ، وَأَنْهَارٌ مَجْرِيَّةٌ إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا. مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلَا يَرْجِعُونَ أَرَضُوا بِالْإِقَامَةِ فَأَقَامُوا أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا ؟ أَقْسَمَ قُسٌّ بِاللَّهِ قَسَمًا لَا رَيْبَ فِيهِ، إِنَّ لِلَّهِ دِينًا هُوَ أَرْضَى مِنْ دِينِكُمْ هَذَا، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ وَرَأَيْتُ قَوْمِيَ نَحْوَهَا يَمْضِي الْأَصَاغِرُ وَالْأَكَابِرْ لَا مَنْ مَضَى يَأْتِي إِلَيْكَ وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ. وَهَذَا إِسْنَادٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ " الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ ": حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّرِيِّ بْنِ مِهْرَانَ بْنِ النَّاقِدِ الْبَغْدَادِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَسَّانَ السَّمْتِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَجَّاجِ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَعْرِفُ الْقُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيَّ ؟ قَالُوا: كُلُّنَا يَعْرِفُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَا فَعَلَ ؟ قَالُوا: هَلَكَ. قَالَ: فَمَا أَنْسَاهُ بِعُكَاظٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ، وَهُوَ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اجْتَمِعُوا وَاسْتَمِعُوا وَعُوا، مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَمَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا، مِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَسَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَنُجُومٌ تَمُورُ، وَبِحَارٌ لَا تَغُورُ، وَأَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا حَقًّا لَئِنْ كَانَ فِي الْأَمْرِ رِضًى لَيَكُونَنَّ بَعْدَهُ سُخْطٌ، إِنَّ لِلَّهِ لَدِينًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ، مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ أَرَضُوا بِالْمُقَامِ فَأَقَامُوا، أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا ؟ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفَيَكِمُ مَنْ يَرْوِي شِعْرَهُ فَأَنْشَدَهُ بَعْضُهُمْ فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِي نَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ الَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ وَرأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا يَسْعَى الْأَصَاغِرُ وَالْأَكَابِرْ لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ السَّمْتِيِّ بِهِ، وَهَكَذَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ الَّذِي جَمَعَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ فِي أَخْبَارِ قُسٍّ; قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ الدَّيْرُعَاقُولِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ شَبِيبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْوَاسِطِيِّ نَزِيلِ بَغْدَادَ، وَيُعْرَفُ بِصَاحِبِ الْهَرِيسَةِ بِهِ وَقَدْ كَذَّبَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ والدَّارَقُطْنِيُّ، وَاتَّهَمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمُ ابْنُ عَدِيٍّ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ هَذَا، وَرَوَاهُ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهَذِهِ الطَّرِيقُ أَمْثَلُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ هُوَ الَّذِي أَوْرَدَ الْقِصَّةَ بِكَمَالِهَا نَظْمَهَا، وَنَثْرَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ مُوسَى بْنِ إِسْحَاقَ الْحَطَمِيِّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ، وَفْدُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمْ: مَا فَعَلَ حَلِيفٌ لَكُمْ يُقَالَ لَهُ: قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ الْأَيَادِيُّ ؟ وَذَكَرَ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً. وَأَخْبَرَنَا الشَّيْخُ الْمُسْنِدُ الرُّحْلَةُ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْحَجَّارُ إِجَازَةً إِنْ لَمْ يَكُنْ سَمَاعًا، قَالَ: أَجَازَ لَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ السِّلَفِيُّ سَمَاعًا، وَقَرَأْتُ عَلَى شَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيِّ أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالُ سَمَاعًا، قَالَ: أَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ سَمَاعًا قَالَ: أَنَا السِّلَفِيُّ سَمَاعًا، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الرَّازِيُّ أَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ عِيسَى السَّعْدِيُّ أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْمُقْرِئُ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ دَرَسْتَوَيْهِ النَّحْوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَحْمَدَ السَّعْدِيُّ - قَاضِي فَارِسَ - حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ سَيْفِ بْنِ يَحْيَى بْنِ دِرْهَمٍ الطَّائِيُّ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو سَعِيدُ بْنُ بَزِيعٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كَانَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى بْنِ حَنَشِ بْنِ مُعَلَّى الْعَبْدِيُّ نَصْرَانِيًّا حَسَنَ الْمَعْرِفَةِ بِتَفْسِيرِ الْكُتُبِ وَتَأْوِيلِهَا، عَالِمًا بِسِيَرِ الْفُرْسِ وَأَقَاوِيلِهَا، بَصِيرًا بِالْفَلْسَفَةِ وَالطِّبِّ، ظَاهِرَ الدَّهَاءِ وَالْأَدَبِ كَامِلَ الْجَمَالِ ذَا ثَرْوَةٍ وَمَالٍ، وَإِنَّهُ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَافِدًا فِي رِجَالٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ ذَوِي آرَاءٍ وَأَسْنَانٍ وَفَصَاحَةٍ وَبَيَانٍ وَحُجَجٍ وَبُرْهَانٍ فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَشَارَ إِلَيْهِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ الْهُدَى أَتَتْكَ رِجَالٌ قَطَعَتْ فَدْفَدًا وَآلًا فَآلَا وَطَوَتْ نَحْوَكَ الصَّحَاصِحَ تَهْوِي لَا تَعُدُّ الْكَلَالَ فِيكَ كَلَالَا كلُّ بَهْمَاءَ قَصَّرَ الطَّرْفُ عَنْهَا أَرْقَلَتْهَا قِلَاصُنَا إِرْقَالَا وَطَوَتْهَا الْعِتَاقُ تَجْمَحُ فِيهَا بِكُمَاةٍ كَأَنْجُمٍ تَتَلَالَا تَبْتَغِي دَفْعَ بَأْسِ يَوْمٍ عَظِيمٍ هَائِلٍ أَوْجَعَ الْقُلُوبَ وَهَالَا وَمَزَادًا لِمَحْشَرِ الْخَلْقِ طُرًّا وَفِرَاقًا لِمَنْ تَمَادَى ضَلَالَا نَحْوَ نُورٍ مِنَ الْإِلَهِ وَبُرْهَا نٍ وَبِرٍّ وَنِعْمَةٍ أَنْ تَنَالَا خَصَّكَ اللَّهُ يَا ابْنَ آمِنَةَ الْخَيْ رِ بِهَا إِذْ أَتَتْ سِجَالًا سِجَالَا فَاجْعَلِ الْحَظَّ مِنْكَ يَا حُجَّةَ اللَّهِ جَزِيلًا لَا حَظَّ خُلْفٍ أَحَالَا قَالَ: فَأَدْنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَقَرَّبَ مَجْلِسَهُ، وَقَالَ لَهُ: يَا جَارُودُ لَقَدْ تَأَخَّرَ الْمَوْعُودُ بِكَ وَبِقَوْمِكَ. فَقَالَ الْجَارُودُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي أَمَّا مَنْ تَأَخَّرَ عَنْكَ فَقَدْ فَاتَهُ حَظُّهُ، وَتِلْكَ أَعْظَمُ حُوبَةٍ وَأَغْلَظُ عُقُوبَةٍ وَمَا كُنْتَ فِيمَنْ رَآكَ أَوْ سَمِعَ بِكَ فَعَدَاكَ وَاتَّبَعَ سِوَاكَ، وَإِنِّي الْآنَ عَلَى دِينٍ قَدْ عَلِمْتُ بِهِ قَدْ جِئْتُكَ، وَهَا أَنَا تَارِكُهُ لِدِينِكَ، أَفَذَلِكَ مِمَّا يُمَحِّصُ الذُّنُوبَ وَالْمَآثِمَ وَالْحُوبَ ؟ وَيُرْضِي الرَّبَّ عَنِ الْمَرْبُوبِ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَا ضَامِنٌ لَكَ ذَلِكَ، وَأَخْلِصِ الْآنَ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَدَعْ عَنْكَ دِينَ النَّصْرَانِيَّةِ. فَقَالَ الْجَارُودُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مُدَّ يَدَكَ فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ مُحَمَّدٌ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. قَالَ: فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ مَعَهُ أُنَاسٌ مِنْ قَوْمِهِ فَسُرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِإِسْلَامِهِمْ، وَأَظْهَرَ مِنْ إِكْرَامِهِمْ مَا سُرُّوا بِهِ وَابْتَهَجُوا بِهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَفَيَكِمْ مَنْ يَعْرِفُ قُسَّ بْنَ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيَّ ؟ فَقَالَ الْجَارُودُ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي كُلُّنَا نَعْرِفُهُ، وَإِنِّي مِنْ بَيْنِهِمْ لَعَالِمٌ بِخَبَرِهِ وَاقِفٌ عَلَى أَمْرِهِ، كَانَ قَسٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ سِبْطًا مِنْ أَسْبَاطِ الْعَرَبِ، عُمِّرَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ تَقَفَّرَ مِنْهَا خَمْسَةَ أَعْمَارٍ فِي الْبَرَارِيِّ وَالْقِفَارِ يَضِجُّ بِالتَّسْبِيحِ عَلَى مِثَالِ الْمَسِيحِ لَا يُقِرُّهُ قَرَارٌ وَلَا تَكُنُّهُ دَارٌ وَلَا يَسْتَمْتِعُ بِهِ جَارٌ كَانَ يَلْبَسُ الْأَمْسَاحَ، وَيَفُوقُ السُّيَّاحَ وَلَا يَفْتُرُ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ يَتَحَسَّى فِي سِيَاحَتِهِ بَيْضَ النَّعَامِ، وَيَأْنَسُ بِالْهَوَامِّ، وَيَسْتَمْتِعُ بِالظَّلَامِ يُبْصِرُ فَيَعْتَبِرُ وَيُفَكِّرُ فَيَزْدَجِرُ فَصَارَ لِذَلِكَ وَاحِدًا تُضْرَبُ بِحِكْمَتِهِ الْأَمْثَالُ، وَتُكْشَفُ بِهِ الْأَهْوَالُ، أَدْرَكَ رَأْسَ الْحَوَارِيِّينَ سَمْعَانَ وَهُوَ أَوَّلُ رَجُلٍ تَأَلَّهَ مِنَ الَعَرَبِ وَوَحَّدَ وَأَقَرَّ وَتَعَبَّدَ، وَأَيْقَنَ بِالْبَعْثِ وَالْحِسَابِ، وَحَذِرَ سُوءَ الْمَآبِ، وَأَمَرَ بِالْعَمَلِ قَبْلَ الْفَوْتِ، وَوَعَظَ بِالْمَوْتِ، وَسَلَّمَ بالْقَضَا عَلَى السُّخْطِ وَالرِّضَا، وَزَارَ الْقُبُورَ وَذَكَرَ النُّشُورَ، وَنَدَبَ بِالْأَشْعَارِ وَفَكَّرَ فِي الْأَقْدَارِ، وَأَنْبَأَ عَنِ السَّمَاءِ وَالنَّمَاءِ وَذَكَرَ النُّجُومَ وَكَشَفَ الْمَاءَ وَوَصَفَ الْبِحَارَ وَعَرَفَ الْآثَارَ، وَخَطَبَ رَاكِبًا وَوَعَظَ دَائِبًا، وَحَذَّرَ مِنَ الَكَرْبِ وَمِنْ شَدَّةِ الْغَضَبِ، وَرَسَّلَ الرَّسَائِلَ، وَذَكَرَ كُلَّ هَائِلٍ، وَأَرْغَمَ فِي خُطَبِهِ وَبَيَّنَ فِي كُتُبِهِ، وَخَوَّفَ الدَّهْرَ، وَحَذَّرَ الْأَزْرَ، وَعَظَّمَ الْأَمْرَ، وَجَنَّبَ الْكُفْرَ، وَشَوَّقَ إِلَى الْحَنِيفِيَّةِ، وَدَعَا إِلَى اللَّاهُوتِيَّةِ وَهُوَ الْقَائِلُ فِي يَوْمِ عُكَاظٍ: شَرْقٌ وَغَرْبٌ، وَيُتْمٌ وَحِزْبٌ، وَسِلْمٌ وَحَرْبٌ، وَيَابِسٌ وَرَطْبٌ، وَأُجَاجٌ وَعَذْبٌ، وَشُمُوسٌ وَأَقْمَارٌ وَرِيَاحٌ وَأَمْطَارٌ، وَلَيْلٌ وَنَهَارٌ، وَإِنَاثٌ وَذُكُورٌ وَأَبْرَارٌ وَفُجُورٌ، وَحَبٌّ وَنَبَاتٌ وَآبَاءٌ وَأُمَّهَاتٌ وَجَمْعٌ وَأَشْتَاتٌ، وَآيَاتٌ فِي إِثْرِهَا آيَاتٌ، وَنُورٌ وَظَلَامٌ، وَيُسْرٌ وَإِعْدَامٌ، وَرَبٌّ وَأَصْنَامٌ، لَقَدْ ضَلَّ الْأَنَامُ، نُشُوءُ مَوْلُودٍ وَوَأْدُ مَفْقُودٍ وَتَرْبِيَةُ مَحْصُودٍ، وَفَقِيرٌ وَغَنِيٌّ وَمُحْسِنٌ وَمُسِيءٌ، تَبًّا لِأَرْبَابِ الْغَفْلَةِ لَيُصْلِحَنَّ الْعَامِلُ عَمَلَهُ وَلَيَفْقِدَنَّ الْآمِلُ أَمَلَهُ، كَلَّا بَلْ هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَيْسَ بِمَوْلُودٍ وَلَا وَالِدٍ، أَعَادَ وَأَبْدَى وَأَمَاتَ وَأَحْيَا وَخَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، رَبُّ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، أَمَّا بَعْدُ فَيَا مَعْشَرَ إِيَادٍ أَيْنَ ثَمُودُ وَعَادٌ ؟ وَأَيْنَ الْآبَاءُ وَالْأَجْدَادُ ؟ وَأَيْنَ الْعَلِيلُ وَالْعُوَّادُ ؟ كُلٌّ لَهُ مُعَادٌ يُقْسِمُ قُسٌّ بِرَبِّ الْعِبَادِ وَسَاطِحِ الْمِهَادِ، لَتُحْشَرُنَّ عَلَى الِانْفِرَادِ فِي يَوْمِ التَّنَادِ، إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ وَنُقِرَ فِي النَّاقُورِ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ، وَوَعَظَ الْوَاعِظُ فَانْتَبَذَ الْقَانِطُ وَأَبْصَرَ اللَّاحِظُ، فَوَيْلٌ لِمَنْ صَدَفَ عَنِ الْحَقِّ الْأَشْهَرِ وَالنُّورِ الْأَزْهَرِ وَالْعَرْضِ الْأَكْبَرِ فِي يَوْمِ الْفَصْلِ، وَمِيزَانِ الْعَدْلِ إِذَا حَكَمَ الْقَدِيرُ وَشَهِدَ النَّذِيرُ وَبَعُدَ النَّصِيرُ وَظَهَرَ التَّقْصِيرُ فَفَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ وَهُوَ الْقَائِلُ ذَكَّرَ الْقَلْبَ مِنْ جَوَاهُ ادِّكَارُ وَلَيَالٍ خَلَا لَهُنَّ نَهَارُ وَسِجَالٌ هَوَاطِلٌ مِنْ غَمَامٍ ثُرْنَ مَاءً وَفِي جَوَاهُنَّ نَارُ ضَوْءُهَا يَطْمِسُ الْعُيُونَ وَأَرْعَا دٌ شِدَادٌ فِي الْخَافِقَيْنَ تَطَارُ وَقُصُورٌ مُشَيَّدَةٌ حَوَتِ الْخَي رَ وَأُخْرَى خَلَتْ بِهِنَّ قِفَارُ وَجِبَالٌ شَوَامِخُ رَاسِيَاتٌ وَبِحَارٌ مِيَاهُهُنَّ غِزِارُ وَنُجُومٌ تُلُوحُ فِي ظُلَمِ اللَّيْ لِ نَرَاهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ تُدَارُ ثُمَّ شَمْسٌ يَحُثُّهَا قَمَرُ اللَّيْ لِ وَكُلٌّ مُتَابِعٌ مَوَّارُ وَصَغِيرٌ وَأَشْمَطٌ وَكَبِيرٌ كُلُّهُمْ فِي الصَّعِيدِ يَوْمًا مُزَارُ كَثِيرٌ مِمَّا يُقَصِّرُ عَنْهُ حَدْسُهُ الْخَاطِرُ الَّذِي لَا يَحَارُ فَالَّذِي قَدْ ذَكَرْتُ دَلَّ عَلَى اللَّ هِ نُفُوسًا لَهَا هُدًى وَاعْتِبَارُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَهْمَا نَسِيتُ فَلَسْتُ أَنْسَاهُ بِسُوقِ عُكَاظٍ، وَاقِفًا عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ يَخْطُبُ النَّاسَ: اجْتَمِعُوا فَاسْمَعُوا وَإِذَا سَمِعْتُمْ فَعُوا وَإِذَا وَعَيْتُمْ فَانْتَفِعُوا وَقُولُوا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاصْدُقُوا. مَنْ عَاشَ مَاتَ وَمَنْ مَاتَ فَاتَ وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، مَطَرٌ وَنَبَاتٌ وَأَحْيَاءٌ وَأَمْوَاتٌ، لَيْلٌ دَاجٍ وَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَنُجُومٌ تَزْهَرُ، وَبِحَارُ تَزْخَرُ وَضَوْءٌ وَظَلَامٌ، وَلَيْلٌ وَأَيَّامٌ وَبِرٌّ وَآثَامٌ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ خَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ عِبَرًا، يَحَارُ فِيهِنَّ الْبُصَرَا، مِهَادٌ مَوْضُوعٌ، وَسَقْفٌ مَرْفُوعٌ، وَنُجُومٌ تَغُورُ، وَبِحَارٌ لَا تَفُورُ، وَمَنَايَا دَوَانٍ، وَدَهْرٌ خَوَّانٌ كَحَدِّ النِّسْطَاسِ وَوَزْنِ الْقِسْطَاسِ، أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا لَا كَاذِبًا فِيهِ وَلَا آثِمًا لَئِنْ كَانَ فِي هَذَا الْأَمْرِ رِضًى لَيَكُونَنَّ سَخَطٌ. ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِلَّهِ دِينًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ دِينِكُمْ هَذَا الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَهَذَا زَمَانُهُ وَأَوَانُهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَذْهَبُونَ فَلَا يَرْجِعُونَ، أَرَضُوا بِالْمُقَامِ فَأَقَامُوا أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا ؟ وَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَرْوِي شِعْرَهُ لَنَا ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي أَنَا شَاهِدٌ لَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حَيْثُ يَقُولُ: فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ وَرَأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا يَمْضِي الْأَصَاغِرُ وَالْأَكَابِرْ لَا يَرْجِعُ الْمَاضِي إِلَيَّ وَلَا مِنَ الْبَاقِينَ غَابِرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ قَالَ: فَقَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، شَيْخٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَظِيمُ الْهَامَةِ طَوِيلُ الْقَامَةِ بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ فَقَالَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، وَأَنَا رَأَيْتُ مِنْ قُسٍّ عَجَبًا. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا الَّذِي رَأَيْتَ يَا أَخَا بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ ؟ فَقَالَ: خَرَجْتُ فِي شَبِيبَتِي أَرْبَعُ بَعِيرًا لِي فَفَرَّ مِنِّي فَذَهَبْتُ أَقْفُو أَثَرَهُ فِي تَنَائِفَ قَفَافٍ ذَاتِ ضَغَابِيسَ وَعَرَصَاتِ جَثْجَاثٍ، بَيْنَ صُدُورِ جُذْعَانَ، وَغَمِيرِ حَوْذَانٍ، وَمَهَمَهٍ ظَلْمَانِ، وَرَصِيعِ أَيْهُقَانِ فَبَيْنَا أَنَا فِي تِلْكَ الْفَلَوَاتِ أَجُولُ بِسَبْسَبِهَا وَأَرْنُقُ فَدْفَدَهَا، إِذَا أَنَا بِهَضَبَةٍ فِي نَشَزَاتِهَا أَرَاكٌ كَبَاثٌ مُخْضَوْضِلَةٌ، وَأَغْصَانُهَا مُتَهَدِّلَةٌ كَأَنَّ بَرِيرَهَا حَبُّ الْفُلْفُلِ، وَبَوَاسِقُ أُقْحُوَانٍ، وَإِذَا بِعَيْنٍ خَرَّارَةٍ، وَرَوْضَةٍ مُدْهَامَّةٍ، وَشَجَرَةٍ عَارِمَةٍ، وَإِذَا أَنَا بِقُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ فِي أَصْلِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ وَبِيَدِهِ قَضِيبٌ فَدَنَوْتُ مِنْهُ، وَقُلْتُ لَهُ: أَنْعِمْ صَبَاحًا فَقَالَ: وَأَنْتَ فَنَعِمَ صَبَاحُكَ، وَقَدْ وَرَدَتِ الْعَيْنَ سِبَاعٌ كَثِيرَةٌ فَكَانَ كُلَّمَا ذَهَبَ سَبْعٌ مِنْهَا يَشْرَبُ مِنَ الَعَيْنِ قَبْلَ صَاحِبِهِ ضَرَبَهُ قُسُّ بِالْقَضِيبِ الَّذِي بِيَدِهِ، وَقَالَ: اصْبِرْ حَتَّى يَشْرَبَ الَّذِي قَبْلَكَ فَذُعِرْتُ مِنْ ذَلِكَ ذُعْرًا شَدِيدًا، وَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: لَا تَخَفْ، وَإِذَا بِقَبْرَيْنِ بَيْنَهُمَا مَسْجِدٌ فَقُلْتُ: مَا هَذَانِ الْقَبْرَانِ ؟ قَالَ: قَبْرَا أَخَوَيْنِ كَانَا يَعْبُدَانِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِهَذَا الْمَوْضِعِ فَأَنَا مُقِيمٌ بَيْنَ قَبْرَيْهِمَا أَعْبُدُ اللَّهَ حَتَّى أَلْحَقَ بِهِمَا فَقُلْتُ لَهُ: أَفَلَا تَلْحَقُ بِقَوْمِكَ فَتَكُونَ مَعَهُمْ فِي خَيْرِهِمْ، وَتُبَايِنَهُمْ عَلَى شَرِّهِمْ فَقَالَ لِي: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ أَوَمَا عَلِمْتَ أَنَّ وَلَدَ إِسْمَاعِيلَ تَرَكُوا دِينَ أَبِيهِمْ، وَاتَّبَعُوا الْأَضْدَادَ، وَعَظَّمُوا الْأَنْدَادَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَبْرَيْنِ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ خَلِيلَيَّ هُبَّا طَالَمَا قَدْ رَقَدْتُمَا أَجِدَّكَمَا لَا تَقْضِيَانِ كَرَاكُمَا أَرَى النَّوْمَ بَيْنَ الْجِلْدِ وَالْعَظْمِ مِنْكُمَا كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعُقَارَ سَقَاكُمَا أَمِنْ طُولِ نَوْمٍ لَا تُجِيبَانِ دَاعِيًا كَأَنَّ الَّذِي يَسْقِي الْعُقَارَ سَقَاكُمَا أَلَمْ تَعْلَمَا أَنِّي بِنَجْرَانَ مُفْرَدًا وَمَا لِيَ فِيهِ مِنْ حَبِيبٍ سِوَاكُمَا مُقِيمٌ عَلَى قَبْرَيْكُمَا لَسْتُ بَارِحًا إِيَابَ اللَّيَالِي أَوْ يُجِيبَ صَدَاكُمَا أَأَبْكِيكُمَا طُولَ الْحَيَاةِ وَمَا الَّذِي يَرُدُّ عَلَى ذِي لَوْعَةٍ أَنْ بَكَاكُمَا فُلَوْ جُعِلَتْ نَفْسٌ لِنَفْسِ امْرِئٍ فِدًى لَجُدْتُ بِنَفْسِي أَنْ تَكُونَ فِدَاكُمَا كَأَنَّكُمَا وَالْمَوْتُ أَقْرَبُ غَايَةٍ بِرُوحِيَ فِي قَبْرَيْكُمَا قَدْ أَتَاكُمَا قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَحِمَ اللَّهُ قُسًّا أَمَا إِنَّهُ سَيُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً. وَهَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ مُرْسَلٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَسَنُ سَمِعَهُ مِنَ الْجَارُودِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْقُرَشِيِّ الْأَخْبَارِيِّ ثَنَا أَبِي ثَنَا عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: قَدِمَ الْجَارُودُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرَ مِثْلَهُ أَوْ نَحْوَهُ مُطَوَّلًا بِزِيَادَاتٍ كَثِيرَةٍ فِي نَظْمِهِ وَنَثْرِهِ، وَفِيهِ مَا ذَكَرَهُ عَنِ الَّذِي ضَلَّ بِعِيرُهُ فَذَهَبَ فِي طَلَبِهِ قَالَ: فَبِتُّ فِي وَادٍ لَا آمَنُ فِيهِ حَتْفِي وَلَا أَرْكَنُ إِلَى غَيْرِ سَيْفِي فَبِتُّ أَرْقُبُ الْكَوْكَبَ، وَأَرْمُقُ الْغَيْهَبَ حَتَّى إِذَا اللَّيْلُ عَسْعَسَ، وَكَادَ الصُّبْحُ أَنْ يَتَنَفَّسَ هَتَفَ بِيَ هَاتِفٌ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الرَّاقِدُ فِي اللَّيْلِ الْأَجَمْ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا فِي الْحَرَمْ مِنْ هَاشِمٍ أَهْلِ الْوَفَاءِ وَالْكَرَمْ يَجْلُو دُجُنَّاتِ الدَّيَاجِي وَالْبُهَمْ قَالَ: فَأَدَرْتُ طَرْفِي فَمَا رَأَيْتُ لَهُ شَخْصًا وَلَا سَمِعْتُ لَهُ فَحْصًا، قَالَ: فَأَنْشَأْتُ أَقُولُ: يا أَيُّهَا الْهَاتِفُ فِي دَاجِي الظُّلَمْ أَهْلًا وَسَهْلًا بِكَ مِنْ طَيْفٍ أَلَمْ بَيِّنْ هَدَاكَ اللَّهُ فِي لَحْنِ الْكَلِمْ مَاذَا الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ يُغْتَنَمْ قَالَ: فَإِذَا أَنَا بِنَحْنَحَةٍ، وَقَائِلٍ يَقُولُ: ظَهَرَ النُّورُ وَبَطَلَ الزُّورُ، وَبَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا بِالْحُبُورِ صَاحِبَ النَّجِيبِ الْأَحْمَرِ وَالتَّاجِ وَالْمِغْفَرِ وَالْوَجْهِ الْأَزْهَرِ وَالْحَاجِبِ الْأَقْمَرِ وَالطَّرْفِ الْأَحْوَرِ، صَاحِبَ قَوْلِ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَذَلِكَ مُحَمَّدٌ الْمَبْعُوثُ إِلَى الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ، أَهْلِ الْمَدَرِ وَالْوَبَرِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي لَمْ يَخْلُقِ الْخَلْقَ عَبَثْ لَمْ يُخْلِنَا يَوْمًا سُدًى مِنْ بَعْدِ عِيسى وَاكْتَرَثْ أَرْسَلَ فِينَا أَحْمَدًا خَيْرَ نَبِيٍّ قَدْ بُعِثْ صَلَّى عَلَيهِ اللَّهُ مَا حَجَّ لَهُ رَكْبٌ، وَحَثَّ وَفِيهِ مِنْ إِنْشَاءِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ: يَا نَاعِيَ الْمَوْتِ وَالْمَلْحُودُ فِي جَدَثٍ عَلَيْهِمُ مِنْ بَقَايَا قَوْلِهِمْ خِرَقُ دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمًا يُصَاحُ بِهِمْ فَهُمْ إِذَا انْتَبَهُوا مِنْ نَوْمِهِمْ أَرِقُوا حَتَّى يَعُودُوا بِحَالٍ غَيْرِ حَالِهِمُ خَلْقًا جَدِيدًا كَمَا مِنْ قَبْلِهِ خُلِقُوا مِنْهُمْ عُرَاةٌ وَمِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِمُ مِنْهَا الْجَدِيدُ وَمِنْهَا الْمُنْهَجُ الْخَلَقُ ثُمَّ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ أَحْمَدَ الْأَصْبَهَانِيِّ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ فَرْضَخٍ الْإِخْمِيمِيُّ بِمَكَّةَ ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَهْدِيٍّ ثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَهْدِيٍّ ثَنَا أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ، وَذَكَرَ الْإِنْشَادَ قَالَ: فَوَجَدُوا عِنْدَ رَأْسِهِ صَحِيفَةً فِيهَا يَا نَاعِيَ الْمَوْتِ وَالْأَمْوَاتُ فِي جَدَثٍ عَلَيْهِمُ مِنْ بَقَايَا نَوْمِهِمْ خِرَقُ دَعْهُمْ فَإِنَّ لَهُمْ يَوْمًا يُصَاحُ بِهِمْ كَمَا يُنَبَّهُ مِنْ نَوْمَاتِهِ الصَّعِقُ مِنْهُمْ عُرَاةٌ وَمَوْتَى فِي ثِيَابِهِمُ مِنْهَا الْجَدِيدُ وَمِنْهَا الْأَزْرَقُ الْخَلَقُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، لَقَدْ آمَنَ قُسٌّ بِالْبَعْثِ وَأَصْلُهُ مَشْهُورٌ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ عَلَى ضَعْفِهَا كَالْمُتَعَاضِدَةِ عَلَى إِثْبَاتِ أَصْلِ الْقِصَّةِ وَقَدْ تَكَلَّمَ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ دَرَسْتَوَيْهِ عَلَى غَرِيبِ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَا أَبُو سَعْدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الشُّعَيْثِيُّ ثَنَا أَبُو عَمْرِو بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْمُحَمَّدُآبَاذِيُّ لَفْظًا، ثَنَا أَبُو لُبَابَةَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ الْإَبْيَوَرْدِيُّ ثَنَا أَبِي ثَنَا سَعِيدُ بْنُ هُبَيْرَةَ ثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَدِمَ وَفْدُ إِيَادٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: مَا فَعَلَ قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ ؟ قَالُوا: هَلَكَ. قَالَ: أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ مِنْهُ كَلَامًا أَرَى أَنِّي أَحْفَظُهُ فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: نَحْنُ نَحْفَظُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هَاتُوا فَقَالَ قَائِلُهُمْ: إِنِّي وَاقِفٌ بِسُوقِ عُكَاظٍ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا وَعُوا، كُلُّ مَنْ عَاشَ مَاتَ، وَكُلُّ مَنْ مَاتَ فَاتَ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ، لَيْلٌ دَاجٍ، وَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَنُجُومٌ تَزْهَرُ، وَبِحَارٌ تَزْخَرُ، وَجِبَالٌ مَرْسِيَّةٌ، وَأَنْهَارٌ مَجْرِيَّةٌ، إِنَّ فِي السَّمَاءِ لَخَبَرًا، وَإِنَّ فِي الْأَرْضِ لَعِبَرًا أَرَى النَّاسَ يَمُوتُونَ وَلَا يَرْجِعُونَ أَرَضُوا بِالْإِقَامَةِ فَأَقَامُوا أَمْ تُرِكُوا فَنَامُوا. أَقْسَمَ قُسٌّ قَسَمًا بِاللَّهِ لَا إِثْمَ فِيهِ إِنَّ لِلَّهِ دِينًا هُوَ أَرْضَى مِمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: فِي الذَّاهِبِينَ الْأَوَّلِي نَ مِنَ الْقُرُونِ لَنَا بَصَائِرْ لَمَّا رَأَيْتُ مَوَارِدًا لِلْمَوْتِ لَيْسَ لَهَا مَصَادِرْ وَرأَيْتُ قَوْمِي نَحْوَهَا يَسْعَى الْأَصَاغِرُ وَالْأَكَابِرْ أَيْقَنْتُ أَنِّي لَا مَحَالَةَ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرْ ثُمَّ سَاقَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ أُخَرَ قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهَا فِيمَا تَقَدَّمَ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِزِيَادَةٍ، وَنُقْصَانٍ. وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُنْقَطِعًا، وَرُوِيَ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قُلْتُ: وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ - كَمَا تَقَدَّمَ - وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَمَا رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الدَّلَائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْوَاسِطِيِّ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ طَرِيفِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَوْلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِالْمَوْصِلِ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ، وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا حَدِيثَ عُبَادَةَ الْمُتَقَدِّمَ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَاصٍّ، ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَإِذَا رُوِىَ الْحَدِيثُ مَنْ أَوْجُهٍ أُخَرَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا ضَعِيفًا دَلَّ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ أَصْلًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 632لا حكم مسجّل
زيد بن عمرو بن نفيل زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ؓ هُوَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ وَكَانَ الْخَطَّابُ - وَالِدُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - عَمَّهُ وَأَخَاهُ لِأُمِّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ عَمْرَو بْنَ نُفَيْلٍ كَانَ قَدْ خَلَفَ عَلَى امْرَأَةِ أَبِيهِ بَعْدَ أَبِيهِ وَكَانَ لَهَا مِنْ نُفَيْلٍ أَخُوهُ الْخَطَّابُ قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ ومُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو قَدْ تَرَكَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ، وَفَارَقَ دِينَهُمْ وَكَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مَا ذُبِحَ عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَحْدَهُ قَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ لَقَدْ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَالَّذِي نَفْسُ زَيْدٍ بِيَدِهِ مَا أَصْبَحَ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيْكَ عَبَدْتُكَ بِهِ، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ، ثُمَّ يَسْجُدُ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ بِهِ، وَزَادَ وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: إِلَهِي إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَدِينِي دِينُ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ، وَيَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا ادْفَعْهَا إِلَيَّ أَكْفُلْهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ: إِنْ شِئْتَ فَخُذْهَا، وَإِنْ شِئْتَ فَادْفَعْهَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ فَقَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَىَّ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ. وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ; زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَعُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمَرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأُمُّهُ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأُخْتُهُ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ - الَّتِي تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَوْلَاهُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ - حَضَرُوا قُرَيْشًا عِنْدَ، وَثَنٍ لَهُمْ كَانُوا يَذْبَحُونَ عِنْدَهُ لِعِيدٍ مِنْ أَعْيَادِهِمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا خَلَا بَعْضُ أُولَئِكَ النَّفَرِ إِلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: تَصَادَقُوا، وَلْيَكْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ قَائِلُهُمْ: تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، لَقَدْ أَخْطَئُوا دِينَ إِبْرَاهِيمَ وَخَالَفُوهُ مَا وَثَنٌ يُعْبَدُ لَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؟! فَابْتَغُوا لِأَنْفُسِكُمْ. فَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ، وَيَسِيرُونَ فِي الْأَرْضِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ كِتَابٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمِلَلِ كُلِّهَا، يَسْأَلُونَهُمُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ. فَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَتَنَصَّرَ، وَاسْتَحْكَمَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَابْتَغَى الْكُتُبَ مِنْ أَهْلِهَا حَتَّى عَلِمَ عِلْمًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَعْدَلُ أَمْرًا، وَأَعْدَلُ شَأْنًا مِنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ اعْتَزَلَ الْأَوْثَانَ، وَفَارَقَ الْأَدْيَانَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمِلَلِ كُلِّهَا، إِلَّا دِينَ الْحَنِيفِيَّةِ دِينَ إِبْرَاهِيمَ يُوَحِّدُ اللَّهَ، وَيَخْلَعُ مَنْ دُونَهُ وَلَا يَأْكُلُ ذَبَائِحَ قَوْمِهِ بَادَاهُمْ بِالْفِرَاقِ لِمَا هُمْ فِيهِ. قَالَ: وَكَانَ الْخَطَّابُ قَدْ آذَاهُ أَذًى كَثِيرًا حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ إِلَى أَعْلَى مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِهِ الْخَطَّابُ شَبَابًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَسُفَهَاءَ مِنْ سُفَهَائِهِمْ فَقَالَ: لَا تَتْرُكُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ فَكَانَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا سِرًّا مِنْهُمْ فَإِذَا عَلِمُوا بِهِ أَخْرَجُوهُ، وَآذَوْهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفْسِدَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ أَوْ يُتَابِعَهُ أَحَدٌ إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ سَمِعْتُ مَنْ أَرْضَى يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ الَسَّمَاءِ مَاءً، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الَأَرْضِ لِمَ تَذْبَحُوهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ ؟ إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ. وَقَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَقَدْ كَانَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَدْ عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ يَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ يَطْلُبُ الْحَنِيفِيَّةَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَتِ امْرَأَتُهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ الْحَضْرَمِيِّ كُلَّمَا أَبْصَرَتْهُ قَدْ نَهَضَ لِلْخُرُوجِ، وَأَرَادَهُ آذَنَتِ الْخَطَّابَ بْنَ نُفَيْلٍ فَخَرَجَ زَيْدٌ إِلَى الشَّامِ يَلْتَمِسُ وَيَطْلُبُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ الْأَوَّلِ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَسْأَلُ عَنْهُ، وَلَمْ يَزَلْ فِي ذَلِكَ، - فِيمَا يَزْعُمُونَ - حَتَّى أَتَى الْمَوْصِلَ وَالْجَزِيرَةَ كُلَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى الشَّامَ فَجَالَ فِيهَا حَتَّى أَتَى رَاهِبًا بِبَيْعَةٍ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ كَانَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ عِلْمُ النَّصْرَانِيَّةِ، - فِيمَا يَزْعُمُونَ - فَسَأَلَهُ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ دِينِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: إِنَّكَ لَتَسْأَلُ عَنْ دِينٍ مَا أَنْتَ بِوَاجِدٍ مَنْ يَحْمِلُكُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ لَقَدْ دَرَسَ مِنْ عَلِمَهُ، وَذَهَبَ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ خُرُوجُ نَبِيٍّ. وَهَذَا زَمَانُهُ وَقَدْ كَانَ شَامَ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ فَلَمْ يَرْضَ شَيْئًا مِنْهَا فَخَرَجَ سَرِيعًا حِينَ قَالَ لَهُ الرَّاهِبُ مَا قَالَ يُرِيدُ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِأَرْضِ لَخْمٍ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ. فَقَالَ وَرَقَةُ يَرْثِيهِ: رَشَدْتَ وأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو، وَإِنَّمَا تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا مِنَ النَّارِ حَامِيًا بِدِينِكَ رَبًّا لَيْسَ رَبٌّ كَمِثْلِهِ وَتَرْكِكَ أَوْثَانَ الطَّوَاغِي كَمَا هِيَا وَقَدْ تُدْرِكُ الْإِنْسَانَ رَحْمَةُ رَبِّهِ وَلَوْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سِتِّينَ وَادِيًا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ طَارِقٍ الْوَابِشِيُّ ثَنَا عَمْرُو بْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَلَّهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُ: أُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي مَعَكَ فِي دِينِكَ فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: لَا أُدْخِلُكَ فِي دِينِي حَتَّى تَبُوءَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ فَقَالَ: مِنْ غَضَبِ اللَّهِ أَفِرُّ. فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى نَصْرَانِيًّا فَقَالَ لَهُ: أُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي مَعَكَ فِي دِينِكَ فَقَالَ: لَسْتُ أُدْخِلُكَ فِي دِينِي حَتَّى تَبُوءَ بِنَصِيبِكَ مِنَ الَضَّلَالَةِ. فَقَالَ: مِنَ الَضَّلَالَةِ أَفِرُّ. قَالَ لَهُ النَّصْرَانِيُّ: فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى دِينٍ إِنِ اتَّبَعْتَهُ اهْتَدَيْتَ قَالَ: أَيُّ دِينٍ ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ أَحْيَا وَعَلَيْهِ أَمُوتُ. قَالَ: فَذُكِرَ شَأْنُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ هُوَ أُمَّةٌ وَحْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَدْ رَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَ هَذَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَيْفٍ الْقُرَشِيُّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُجَالِدٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: شَامَمْتُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ فَكَرِهْتُهُمَا فَكُنْتُ بِالشَّامِ وَمَا وَالَاهُ حَتَّى أَتَيْتُ رَاهِبًا فِي صَوْمَعَةٍ فَذَكَرْتُ لَهُ اغْتِرَابِي عَنْ قَوْمِي، وَكَرَاهَتِي عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، فَقَالَ لِي: أَرَاكَ تُرِيدُ دَيْنَ إِبْرَاهِيمَ يَا أَخَا أَهْلِ مَكَّةَ إِنَّكَ لَتَطْلُبُ دِينًا مَا يُوجَدُ الْيَوْمَ أَحَدٌ يَدِينُ بِهِ، وَهُوَ دِينُ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ كَانَ حَنِيفًا لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا، كَانَ يُصَلِّي وَيَسْجُدُ إِلَى هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي بِبِلَادِكَ، فَالْحَقْ بِبَلَدِكَ فَإِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مِنْ قَوْمِكَ فِي بَلَدِكَ مَنْ يَأْتِي بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ وَهُوَ أَكْرَمُ الْخَلْقِ عَلَى اللَّهِ. وقَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: إِنَّ زَيْدًا كَانَ إِذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ قَالَ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا، عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ قَائِمٌ إِذْ قَالَ: أَنْفِي لَكَ اللَّهُمَّ عَانٍ رَاغِمُ مَهْمَا تُجَشِّمْنِي فَإِنِّي جَاشِمُ الْبِرَّ أَبْغِي لَا الْخَالَ لَيْسَ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ: حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ نُفَيْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْعَدَوِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، وَوَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَرَجًا يَلْتَمِسَانِ الدِّينَ حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَاهِبٍ بِالْمَوْصِلِ فَقَالَ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرٍو: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ يَا صَاحِبَ الْبَعِيرِ ؟ فَقَالَ: مِنْ بَنِيَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ: وَمَا تَلْتَمِسُ ؟ قَالَ: أَلْتَمِسُ الدِّينَ قَالَ: ارْجِعْ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَظْهَرَ فِي أَرْضِكَ. قَالَ: فَأَمَّا وَرَقَةُ فَتَنَصَّرَ، وَأَمَّا أَنَا فَعَزَمْتُ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ فَلَمْ يُوَافِقْنِي فَرَجَعَ وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا الْبِرَّ أَبْغِي لَا حِلَالْ فَهَلْ مُهَجِّرٌ كَمَنْ قَالَ آمَنْتُ بِمَا آمَنَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ وَهُوَ يَقُولُ أَنْفِي لَكَ اللَّهُمَّ عَانٍ رَاغِمُ مَهْمَا تُجَشِّمْنِي فَإِنِّي جَاشِمُ ثُمَّ يَخِرُّ فَيَسْجُدُ. قَالَ: وَجَاءَ ابْنُهُ - يَعْنِي سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ أَحَدَ الْعَشْرَةِ ؓ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبِي كَمَا رَأَيْتَ وَكَمَا بَلَغَكَ فَاسْتَغْفِرْ لَهُ. قَالَ نَعَمْ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ قَالَ: وَأَتَى زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَهُمَا يَأْكُلَانِ مِنْ سُفْرَةٍ لَهُمَا فَدَعَوَاهُ لِطَعَامِهِمَا فَقَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو: يَا ابْنَ أَخِي أَنَا لَا آكُلُ مِمَّا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ. وقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِيِ سَبْرَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ حُجَيْرِ بْنِ أَبِيِ إِهَابٍ قَالَ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، وَأَنَا عِنْدَ صَنَمِ بُوَانَةَ بَعْدَمَا رَجَعَ مِنَ الشَّامِ وَهُوَ يُرَاقِبُ الشَّمْسَ فَإِذَا زَالَتِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ فَصَلَّى رَكْعَةً سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: هَذِهِ قُبْلَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ، لَا أَعْبُدُ حَجَرًا وَلَا أُصَلِّي لَهُ وَلَا آكُلُ مَا ذُبِحَ لَهُ وَلَا أَسْتَقْسِمُ بِالْأَزْلَامِ، وَإِنَّمَا أُصَلِّي إِلَى هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى أَمُوتَ وَكَانَ يَحُجُّ فَيَقِفُ بِعَرَفَةَ وَكَانَ يُلَبِّي فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ وَلَا نِدَّ لَكَ، ثُمَّ يَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ مَاشِيًا وَهُوَ يَقُولُ: لَبَّيْكَ مُتَعَبِّدًا مَرْقُوقًا. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عِيسَى الْحَكَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَقُولُ: أَنَا أَنْتَظِرُ نَبِيًّا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَلَا أَرَانِي أُدْرِكُهُ وَأَنَا أُؤْمِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَشْهَدُ أَنَّهُ نَبِيٌّ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ فَرَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَسَأُخْبِرُكَ مَا نَعْتُهُ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْكَ. قُلْتُ: هَلُمَّ قَالَ: هُوَ رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ وَلَا بِكَثِيرِ الشَّعَرِ وَلَا بِقَلِيلِهِ، وَلَيْسَتْ تُفَارِقُ عَيْنَهُ حُمْرَةٌ، وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ. وَهَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ وَمَبْعَثُهُ ثُمَّ يُخْرِجُهُ قَوْمُهُ مِنْهَا، وَيَكْرَهُونَ مَا جَاءَ بِهِ حَتَّى يُهَاجِرَ إِلَى يَثْرِبَ فَيَظْهَرُ أَمْرُهُ فَإِيَّاكَ أَنْ تُخْدَعَ عَنْهُ فَإِنِّي طُفْتُ الْبِلَادَ كُلَّهَا أَطْلُبُ دِينَ إِبْرَاهِيمَ فَكَانَ مَنْ أَسْأَلُ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، يَقُولُونَ: هَذَا الدِّينُ وَرَاءَكَ، وَيَنْعَتُونَهُ مِثْلَ مَا نَعَتُّهُ لَكَ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ غَيْرُهُ. قَالَ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ: فَلَمَّا أَسْلَمْتُ أَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو، وَأَقْرَأْتُهُ مِنْهُ السَّلَامَ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُولًا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: ذِكْرُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ حَدَّثَنِي سَالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الْوَحْيُ فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلَ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنَصَابِكُمْ وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ الَسَّمَاءِ مَاءً، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الَأَرْضِ، ثُمَّ يَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ إِنْكَارًا لِذَلِكَ، وَإِعْظَامًا لَهُ. قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَحَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا يُحَدِّثُ بِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الدِّينِ، وَيَتْبَعُهُ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ الْيَهُودِ فَسَأَلَهُ عَنْ دِينِهِمْ فَقَالَ: إِنِّي لَعَلِّي أَنْ أَدِينَ دِينَكُمْ فَأَخْبِرْنِي فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تَكُونُ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ نَصِيبَكَ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ قَالَ زَيْدٌ: وَمَا أَفِرُّ إِلَّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا أَحْمِلُ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ شَيْئًا وَلَا أَسْتَطِيعُهُ فَهَلْ تَدُلُّنِي عَلَى غَيْرِهِ ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا قَالَ زَيْدٌ: وَمَا الْحَنِيفُ ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ فَخَرَجَ زَيْدٌ فَلَقِيَ عَالِمًا مِنَ النَّصَارَى، فَذَكَرَ مِثْلَهُ; فَقَالَ: لَنْ تَكُونَ عَلَى دِينِنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ لَعْنَةِ اللَّهِ. قَالَ: مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَنِيفًا قَالَ: وَمَا الْحَنِيفُ ؟ قَالَ: دِينُ إِبْرَاهِيمَ. لَمْ يَكُنْ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَا يَعْبُدُ إِلَّا اللَّهَ فَلَمَّا رَأَى زَيْدٌ قَوْلَهُمْ فِي إِبْرَاهِيمَ خَرَجَ فَلَمَّا بَرَزَ رَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي وَكَانَ يُحْيِي الْمَوْءُودَةَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا أَنَا أَكْفِيكَ مُؤْنَتَهَا فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لِأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مُؤْنَتَهَا انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ. وَهَذَا الْحَدِيثُ الْأَخِيرُ قَدْ أَسْنَدَهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عِيسَى بْنِ حَمَّادٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَهُوَ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إِلَى الْكَعْبَةِ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِيَّاكُمْ وَالزِّنَا فَإِنَّهُ يُورِثُ الْفَقْرَ. وَقَدْ سَاقَ ابْنُ عَسَاكِرَ هَاهُنَا أَحَادِيثَ غَرِيبَةً جِدًّا، وَفِي بَعْضِهَا نَكَارَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ أَوْرَدَ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الصَّفَّارُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأُمَوِيُّ عَنْ مُجَالِدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَقُولُ: إِلَهِي إِلَهُ إِبْرَاهِيمَ، وَدِينِي دِينُ إِبْرَاهِيمَ، وَيَسْجُدُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يُحْشَرُ ذَاكَ أُمَّةً وَحْدَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ شَيْبَةَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَذْكُرُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَقَالَ: تُوُفِّيَ، وَقُرَيْشٌ تَبْنِي الْكَعْبَةَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَلَقَدْ نَزَلَ بِهِ، وَإِنَّهُ لَيَقُولُ: أَنَا عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ فَأَسْلَمَ ابْنُهُ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَاتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ; فَإِنَّهُ مَاتَ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ. قَالَ: فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، لَا يَذْكُرُهُ ذَاكِرٌ مِنْهُمْ إِلَّا تَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ، ثُمَّ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَفَرَ لَهُ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى السَّعْدِيُّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَاتَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِمَكَّةَ، وَدُفِنَ بِأَصْلِ حِرَاءَ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَاتَ بِأَرْضِ الْبَلْقَاءِ مِنَ الشَّامِ لَمَّا عَدَا عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ بَنِي لَخْمٍ فَقَتَلُوهُ بِمَكَانٍ يُقَالَ لَهُ: مَيْفَعَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْبَاغَنْدِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ لِزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ دَوْحَتَيْنِ. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الَكُتُبِ. وَمِنْ شِعْرِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَدْءِ الْخَلْقِ مِنْ تِلْكَ الْقَصِيدَةِ إِلَى اللَّهِ أَهْدِي مِدْحَتِي وَثَنَائِيَا وَقَوْلًا رَضِيًّا لَا يَنِي الدَّهْرَ بَاقِيًا إِلَى الْمَلِكِ الْأَعْلَى الَّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ إِلَهٌ وَلَا رَبٌّ يَكُونُ مُدَانِيَا وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهَا لِأُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنْ شِعْرِهِ فِي التَّوْحِيدِ، مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُمَا: وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْأَرْضُ تَحْمِلُ صَخْرًا ثِقَالًا دَحَاهَا فَلَمَّا اسْتَوتْ شَدَّهَا سَوَاءً وَأَرْسَى عَلَيْهَا الْجِبَالَا وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الْمُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلَالَا إِذَا هِيَ سِيقَتْ إِلَى بَلْدَةٍ أَطَاعَتْ فَصَبَّتْ عَلَيْهَا سِجَالَا وَأَسْلَمْتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمَتْ لَهُ الرِّيحُ تُصْرَفُ حَالًا فَحَالَا وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ قَالَ: رَوَى أَبِي أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو قَالَ أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ أَدِينُ إِذَا تَقَسَّمَتِ الْأُمُورُ عَزَلْتُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى جَمِيعًا كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصَّبُورُ فَلَا الْعُزَّى أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا وَلَا صَنَمَيْ بَنِي عَمْرٍو أَزُورُ وَلَا هُبَلًا أَدِينُ وَكَانَ رَبًّا لَنَا فِي الدَّهْرِ إِذْ حِلْمِي يَسِيرُ عَجِبْتُ وَفِي اللَّيَالِي مُعْجِبَاتٌ وَفِي الْأَيَّامِ يَعْرِفُهَا الْبَصِيرُ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْنَى رِجَالًا كَثِيرًا كَانَ شَأْنَهُمُ الْفُجُورُ وَأَبْقَى آخَرِينَ بِبِرِّ قَوْمٍ فَيَرْبِلُ مِنْهُمُ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ وَبَيْنَا الْمَرْءُ يَعْثُرُ ثَابَ يَوْمًا كَمَا يَتَرَوَّحُ الْغُصْنُ الْمَطِيرُ وَلَكِنْ أَعْبُدُ الرَّحْمَنَ رَبِّي لِيَغْفِرَ ذَنْبِيَ الرَّبُّ الْغَفُورُ فَتَقْوَى اللَّهِ رَبِّكُمُ احْفَظُوهَا مَتَى مَا تَحْفَظُوهَا لَا تَبُورُوا تَرَى الْأَبْرَارَ دَارُهُمُ جِنَانٌ وَلِلْكُفَّارِ حَامِيَةٌ سَعِيرُ وَخِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ وَإِنْ يَمُوتُوا يُلَاقُوا مَا تَضِيقُ بِهِ الصُّدُورُ هَذَا تَمَامُ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عَزَلْتُ الْجِنَّ وَالْجِنَّانَ عَنِّي كَذَلِكَ يَفْعَلُ الْجَلْدُ الصَّبُورُ فَلَا الْعُزَّى أَدِينُ وَلَا ابْنَتَيْهَا وَلَا صَنَمَيْ بَنِي طَسْمٍ أُدِيرُ وَلَا غُنْمًا أَدِينُ وَكَانَ رَبًّا لَنَا فِي الدَّهْرِ إِذْ حِلْمِي صَغِيرُ أَرَبًّا وَاحِدًا أَمْ أَلْفَ رَبٍّ أَدِينُ إِذَا تُقُسِّمَتِ الْأُمُورُ أَلَمْ تَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ أَفْنَى رِجَالًا كَانَ شَأْنَهُمُ الْفُجُورُ وَأَبْقَى آخَرِينَ بِبِرِّ قَوْمٍ فَيَرْبُو مِنْهُمُ الطِّفْلُ الصَّغِيرُ وَبَيْنَا الْمَرْءُ يَعْثُرُ ثَابَ يَوْمًا كَمَا يَتَرَوَّحُ الْغُصْنُ النَّضِيرُ قَالَتْ: فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نُوفَلٍ:: رَشَدْتَ وَأَنْعَمْتَ ابْنَ عَمْرٍو وَإِنَّمَا تَجَنَّبْتَ تَنُّورًا مِنَ النَّارِ حَامِيًا لِدِينِكَ رَبًّا لَيْسَ رَبٌّ كَمِثْلِهِ وَتَرْكِكَ جِنَانَ الْجِبَالِ كَمَا هِيَا أَقُولُ إِذَا أُهْبِطْتُ أَرْضًا مَخُوفَةً حَنَانَيْكَ لَا تُظْهِرْ عَلَىَّ الْأَعَادِيَا حَنَانَيْكَ إِنَّ الْجِنَّ كَانَتْ رَجَاءَهُمْ وَأَنْتَ إِلَهِي رَبَّنَا وَرَجَائِيَا لَتَدَّرِكَنَّ الْمَرْءَ رَحْمَةُ رَبِّهِ وَإِنْ كَانَ تَحْتَ الْأَرْضِ سَبْعِينَ وَادِيًا أَدِينُ لِرَبٍّ يَسْتَجِيبُ وَلَا أَرَى أَدِينُ لِمَنْ لَا يَسْمَعُ الدَّهْرَ دَاعِيًا أَقُولُ إِذَا صَلَّيْتُ فِي كُلِّ بَيْعَةٍ تَبَارَكْتَ قَدْ أَكْثَرْتُ بِاسْمِكَ دَاعِيًا تَقَدَّمَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، خَرَجَ إِلَى الشَّامِ هُوَ وَوَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ فَتَنَصَّرُوا إِلَّا زَيْدًا فَإِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ مِنَ الَأَدْيَانِ، بَلْ بَقِيَ عَلَى فِطْرَتِهِ; مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ مُتَّبِعًا مَا أَمْكَنَهُ مِنْ دِينِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَسَيَأْتِي خَبَرُهُ فِي أَوَّلِ الْمَبْعَثِ، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ فَأَقَامَ بِالشَّامِ حَتَّى مَاتَ فِيهَا عِنْدَ قَيْصَرَ، وَلَهُ خَبَرٌ عَجِيبٌ ذَكَرُهُ الْأُمَوِيُّ، وَمُخْتَصَرُهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى قَيْصَرَ فَشَكَى إِلَيْهِ مَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ كَتَبَ لَهُ إِلَى ابْنِ جَفْنَةَ مَلِكِ عَرَبِ الشَّامِ لِيُجَهِّزَ مَعَهُ جَيْشًا لِحَرْبِ قُرَيْشٍ فَعَزَمَ عَلَى ذَلِكَ فَكَتَبَتْ إِلَيْهِ الْأَعْرَابُ تَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا رَأَوْا مِنْ عَظَمَةِ مَكَّةَ، وَكَيْفَ فَعَلَ اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ فَكَسَاهُ ابْنُ جَفْنَةَ قَمِيصًا مَصْبُوغًا مَسْمُومًا فَمَاتَ مِنْ سُمِّهِ فَرَثَاهُ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِشِعْرٍ، ذَكَرَهُ الْأُمَوِيُّ تَرَكْنَاهُ اخْتِصَارًا. وَكَانَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ نَحْوِهَا وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
التاريخ 416لا حكم مسجّل
نَسَبُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَبَعْضُ أَخْبَارِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ. لَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ نَبِيَّنَا ﷺ فَوُلِدَ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ يُولَدْ مِنْ سِفَاحٍ وَجَعَلَهُ فِي خَيْرِ الْأُمَمِ وَهُمُ الْعَرَبُ وَفِي خَيْرِ الْقَبَائِلِ وَهِيَ قُرَيْشٌ وَفِي خَيْرِ فُرُوعِهِمْ وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ. وَقَدْ جَاءَ فِي ذَلِكَ الْعَدِيدُ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي تُشِيرُ إِلَى ذَلِكَ فَعَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ جِبْرِيلُ قَلَبْتُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَلَمْ أَجِدْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَجِدْ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ " رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ. قَالَ الْحَافِظُ فِي أَمَالِيهِ: لَوَامِحُ الصِّحَّةِ ظَاهِرَةٌ عَلَى صَفَحَاتِ هَذَا الْمَتْنِ. وَقَدْ حَفِظَ لَنَا أَهْلُ السِّيَرِ نَسَبَهُ الشَّرِيفَ حَتَّى أَبِيهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُرُورًا بِأَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ فَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَجَاءَ سَرْدُ النَّسَبِ الزَّكِيِّ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: فَهُوَ ﷺ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاسْمُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: شَيْبَةُ بْنُ هَاشِمٍ وَاسْمُ هَاشِمٍ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ وَاسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ: الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ، وَاسْمُ قُصَيٍّ: زَيْدُ بْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَاسْمُ مُدْرِكَةَ: عَامِرُ بْنُ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ أُدٍّ، وَيُقَالُ: أُدَدُ بْنُ مُقَوِّمِ بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَيْرَحَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ نَابِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ - خَلِيلِ الرَّحْمَنِ - بْنِ تَارِحَ، وَهُوَ آزَرُ بْنُ نَاحُورَ بْنِ سَارُوغَ بْنِ رَاعُو بْنِ فَالِخَ بْنِ عَيْبَرِ بْنِ شَالِخَ بْنِ أَرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لَمْكَ بْنِ مُتَوَشْلِخَ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ يَرْدِ بْنِ مُهْلَيِلِ بْنِ قَيْنَنَ بْنِ يَانِشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ ﷺ. وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ السِّيَرِ أُمَّهَاتِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا مِنْهُنَّ أُمَّهُ آمِنَةَ بْنَ وَهْبٍ وَأُمَّهَا بَرَّةَ بِنْتَ عَبْدِ الْعُزَّى وَأُمَّهَا أُمَّ حَبِيبٍ بِنْتَ أَسَدٍ.... إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمَّهَاتِهِ ﷺ، مِنَ الْعَوَاتِكِ وَالْفَوَاطِمِ، فَكَانَتِ الْعَوَاتِكُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَالْفَوَاطِمُ عَشْرًا. كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْسُبُهُ ﷺ إِلَى جَدِّهِ لِأُمِّهِ أَبِي كَبْشَةَ وَهُوَ وَجْزُ بْنُ غَالِبٍ، وَكَانَتْ تَنْسُبُهُ لَهُ لِأَنَّهُ خَالَفَهُمْ فَعَبَدَ إِلَهًا آخَرَ غَيْرَ مَا يَعْبُدُونَ فَنَسَبُوا النَّبِيَّ ﷺ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِ أَيْضًا لَهُمْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَنَبْذِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ. وَقَدْ جَاءَ فِي فَضْلِ الْعَرَبِ الْعَدِيدُ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَفِي تَفْضِيلِ قُرَيْشٍ خَاصَّةً، وَالْعَرَبِ عَامَّةً عَلَى غَيْرِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَيَكْفِي فِي فَضْلِهِمْ أَنَّ نَسَبَهُ الشَّرِيفَ ﷺ فِيهِمْ. وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ النَّسَبِ فِي قُرَيْشٍ إِلَى مَنْ تُنْسَبُ فَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّ قُرَيْشًا هُوَ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَبِهِ جَاءَتِ الْآثَارُ. وَالْعَرَبُ عَامَّةً تُنْسَبُ كُلُّهَا إِلَى إِسْمَاعِيلَ فَهُوَ أَبُو الْعَرَبِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ النَّسَبِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُلِدَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ وَلَدًا وَهُمْ: نَابِتٌ وَكَانَ أَكْبَرَهُمْ، وَقَيْذَرُ، وَأَذْبَلُ، وَمِيشَا، وَمِسْمَعٌ، وَمَاشَى، وَدُمَا، وَأُدَرُ وَيَطُورُ وَنَبِشُ وَطَيْمَا وَقَيْذُمَا. وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا رِعْلَةُ بِنْتُ مُضَاضِ بْنِ عَمْرٍو الْجُرْهُمِيُّ، وَجُرْهُمُ هُوَ ابْنُ قَحْطَانَ وَهُوَ أَبُو الْيَمَنِ كُلِّهَا. وَقَدْ مَاتَ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ عُمْرِ مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَدُفِنَ مَعَ أُمِّهِ هَاجَرَ فِي الْحِجْرِ وَكَانَتْ أُمُّهُ رَحِمَهَا اللَّهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ. وَمِنْ نَسْلٍ نَابِتَ وَلَدِ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ وَالَّذِي مِنْهُ تَفَرَّعَتْ وَتَفَرَّقَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَيْثُ وَلَدَ عَدْنَانُ رَجُلَيْنِ هُمَا: مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ، وَعَكُّ بْنُ عَدْنَانَ وَقَدْ سَكَنَ عَكُّ الْيَمَنَ وَتَزَوَّجَ فِي الْأَشْعَرِيِّينَ. وَأَمَّا مَعَدٌّ فَقَدْ وُلِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ هُمْ: قُضَاعَةُ وَهُوَ أَكْبَرُهُمْ، وَنِزَارٌ، وَقَنَصٌ، وَإِيَادٌ. فَأَمَّا قُضَاعَةُ فَقَدْ تَيَامَنَ إِلَى حِمْيَرِ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ. وَأَمَّا قَنَصُ بْنُ مَعَدٍّ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ نَسْلِهِ أَحَدٌ، وَيُقَال: إِنَّ مِنْ نَسْلِهِ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلِكُ الْحِيرَةِ. وَأَمَّا نِزَارٌ فَقَدْ وُلِدَ لَهُ: أَنْمَارٌ، وَمُضَرُ، وَرَبِيعَةُ، وَإِيَادٌ. وَأَنْمَارُ بْنُ نِزَارٍ وُلِدَ لَهُ: خَثْعَمٌ، وَبَجِيلَةُ. وَأَمَّا مُضَرُ بْنُ نِزَارٍ فَقَدْ وُلِدَ لَهُ: إِلْيَاسُ، وَعَيْلَانُ. وَقَدْ وُلِدَ لِإِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ثَلَاثَةٌ هُمْ: مُدْرِكَةُ بْنُ إِلْيَاسَ، وَطَابِخَةُ وَقَمَعَةُ، وَقَمَعَةُ فِيمَا يَزْعُمُ نَسَّابُ مُضَرَ أَنَّ مِنْ وَلَدِهِ خُزَاعَةَ مِنْ وَلَدِ عَمْرِو بْنِ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ إِلْيَاسَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَخُزَاعَةُ تَقُولُ: نَحْنُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، مِنَ الْيَمَنِ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَتَقُولُ خُزَاعَةُ: نَحْنُ بَنُو عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو ابْنِ عَامِرٍ. وَقَدْ وُلِدَ لِمُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ وَلَدَانِ هُمَا: خُزَيْمَةُ بْنُ مُدْرِكَةَ، وَهُذَيْلُ بْنُ مُدْرِكَةَ. وَقَدْ وُلِدَ لِخُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ أَرْبَعَةٌ هُمْ: كِنَانَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ، وَأَسَدٌ، وَأَسْدَةُ، وَالْهُونُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَوَلَدُ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَرْبَعَةٌ هُمْ: النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ، وَمَالِكُ بْنُ كِنَانَةَ، وَعَبْدُ مَنَاةَ بْنُ كِنَانَةَ، وَمِلْكَانُ بْنُ كِنَانَةَ. وَقَدْ وَلَدَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ وَلَدَيْنِ هُمَا: مَالِكَ بْنَ النَّضْرِ، وَيَخْلُدَ بْنَ النَّضْرِ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالصَّلْتُ بْنُ النَّضْرِ فِيمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ. وَقَدْ وَلَدَ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ. وَقَدْ وَلَدَ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ أَرْبَعَةً: غَالِبَ بْنَ فِهْرٍ، وَمُحَارِبَ بْنَ فِهْرٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ فِهْرٍ، وَأَسَدَ بْنَ فِهْرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَجَنْدَلَةُ بِنْتُ فِهْرٍ وَهِيَ أُمُّ يَرْبُوعَ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكٍ. وَقَدْ وَلَدَ غَالِبُ بْنُ فِهْرٍ وَلَدَيْنِ هُمَا: لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ، وَتَيْمُ بْنُ غَالِبٍ. وَتَيْمُ بْنُ غَالِبٍ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو الْأَدْرَمِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَيْسُ بْنُ غَالِبٍ. وَقَدْ وَلَدَ لُؤَيٌّ أَرْبَعَةً هُمْ: كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَعَامِرُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَسَامَةُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَعَوْفُ بْنُ لُؤَيٍّ. وَقَدْ وَلَدَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ ثَلَاثَةً هُمْ: مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ، وَعَدِيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَهَصِيصُ بْنُ كَعْبٍ. وَقَدْ وَلَدَ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ ثَلَاثَةً هُمْ: كِلَابُ بْنُ مُرَّةَ، وَتَيْمُ بْنُ مُرَّةَ، وَيَقَظَةُ بْنُ مُرَّةَ. فَوَلَدَ كِلَابُ بْنُ مَرَّةَ رَجُلَيْنِ: قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ، وَزَهْرَةَ بْنَ كِلَابٍ. وَقَدْ وَلَدَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ: عَبْدَ مَنَافِ بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ الدَّارِ بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ الْعُزَّى بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ (قُصَيِّ) بْنَ قُصَيٍّ، وَتَخَمُّرَ بِنْتَ قُصَيٍّ، وَبَرَّةَ بِنْتَ قُصَيٍّ. وَقَدْ وَلَدَ عَبْدُ مَنَافٍ أَرْبَعَةً هُمْ: هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَعَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَالْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ، وَنَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُ وَاقِدَةُ بِنْتُ عَمْرٍو الْمَازِنِيَّةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَبُو عَمْرٍو، وَتُمَاضِرُ، وَقِلَابَةُ، وَحَيَّةُ، وَرَيْطَةُ، وَأُمُّ الْأَخْثَمِ، وَأُمُّ سُفْيَانَ: بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ. فَوَلَدَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَخَمْسَ نِسْوَةٍ: عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَأَسَدُ بْنُ هَاشِمٍ، وَأَبُو صَيْفِيِّ بْنُ هَاشِمٍ، وَنَضْلَةُ بْنُ هَاشِمٍ، وَالشِّفِاءُ، وَخَالِدَةُ، وَضَعِيفَةُ، وَرُقَيَّةُ، وَحَيَّةُ. فَوَلَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ عَشَرَةَ نَفَرٍ وَسِتَّ نِسْوَةٍ: الْعَبَّاسُ وَحَمْزَةُ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو طَالِبٍ- وَاسْمَهُ عَبْدُ مَنَافٍ- وَالزُّبَيْرُ، وَالْحَارِثُ، وَحَجَلُ، وَالْمِقْوَمُ، وَضِرَارٌ، وَأَبُو لَهَبٍ - وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى- وَصَفِيَّةُ، وَأُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ، وَعَاتِكَةُ، وَأُمَيْمَةُ، وَأَرْوَى، وَبَرَّةُ. فَوَلَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ وَلَدِ آدَمَ، مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ وَرَحْمَتُهُ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ. وَأُمُّهُ: آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. فَهُوَ أَشْرَفُ وَلَدِ آدَمَ حَسَبًا، وَأَفْضَلُهُمْ نَسَبًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ ﷺ. وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَدْ نَذَرَ إِذَا أَنْجَبَ عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ وَبَلَغُوا مَعَهُ حَتَّى يَمْنَعُوهُ أَنْ يَذْبَحَ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَلَمَّا حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ جَمَعَ أَوْلَادَهُ وَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَخَرَجَتِ الْقَرْعَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَهَمَّ أَنْ يَذْبَحَهُ فَمَنَعَتْهُ قُرَيْشٌ حَتَّى لَا يَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً فِيهِمْ، ثُمَّ أَشَارُوا عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ عَرَّافَةً فَيَسْتَشِيرَهَا، فَجَاءَهَا فَأَشَارَتْ عَلَيْهِ بِضَرْبِ الْقَدَحِ بَيْنَ عَشْرٍ مِنَ الْإِبِلِ وَابْنِهِ فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ ذُبِحَتْ وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ زَادَ عَشْرًا عَلَى الْإِبِلِ وَضَرَبَ حَتَّى يَخْرُجَ الْقَدَحُ عَلَى الْإِبِلِ فَتَذْبَحَ فَيَكُونُ فِدَاؤُهُ فَظَلَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى فُدِيَ بِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ. وَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ وَبَيْنَمَا هُوَ فِي طَرِيقِهِ رَأَتْهُ امْرَأَةٌ وَهِيَ أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَنَظَرَتْ فِي وَجْهِهِ وَدَعَتْ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهَا وَلَهُ مِثْلُ مَا نَحَرَ عَنْهُ مِنَ الْإِبِلِ فَرَفَضَ عَبْدُ اللَّهِ إِذْ كَانَ مَعَ أَبِيهِ وَلَا يَسْتَطِيعُ فِرَاقَهُ. ثُمَّ خَرَجَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِعَبْدِ اللَّهِ حَتَّى أَتَى وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ سَيِّدَ بَنِي زُهْرَةَ فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أُمَّ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَهِيَ أَشْرَفُ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا. وَقَدْ تُوفِيَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْدَ زَوَاجِهِ بِقَلِيلٍ وَقَدْ حَمَلَتْ آمِنَةُ بِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ.
التاريخ 417لا حكم مسجّل
الْبَابُ الثَّانِي فِي طَهَارَةِ أَصْلِهِ وَشَرَفِ مَجْدِهِ ﷺ وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، فهُوَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ نَسَبًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَلِنَسَبِهِ مِنَ الشَّرَفِ أَعْلَى ذِرْوَةٍ، وَأَعْدَاؤُهُ كَانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا شَهِدَ لَهُ بِهِ عَدُوُّهُ إِذْ ذَاكَ أبو سفيان بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الرُّومِ عندما سأله عَنْ صِفَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ ؟ قَالَ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تَبْعَثُ فِي أَنْسَابِ قَوْمِهَا. يَعْنِي: فِي أَكْرَمِهَا أَحْسَابًا، وَأَكْثَرِهَا قَبِيلَةً صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. فَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَفَخْرُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، أَبُو الْقَاسِمِ وَأَبُو إِبْرَاهِيمَ مُحَمَّدُ وَأَحْمَدُ وَالْمَاحِي الَّذِي يُمْحَى بِهِ الْكُفْرُ وَالْعَاقِبُ الَّذِي مَا بَعْدَهُ نَبِيٌّ وَالْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَالْمُقَفَّى وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَالْفَاتِحُ وَطه وَيس وَعَبْدُ اللَّهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَزَادَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ: سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ رَسُولًا نَبِيًّا أُمِّيًّا شَاهِدًا مُبَشِّرًا نَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَرَءُوفًا رَحِيمًا وَمُذَكِّرًا، وَجَعَلَهُ رَحْمَةً وَنِعْمَةً وَهَادِيًا فَأَشْرَفُ الْقَوْمِ قَوْمُهُ، وَأَشْرَفُ الْقَبَائِلِ قَبِيلَتُهُ، وَأَشْرَفُ الْأَفْخَاذِ فَخِذُهُ. فَإِنَّهُ نُخْبَةُ بَنِي هَاشِمٍ وَسُلَالَةُ قُرَيْشٍ وَأَشْرَفُ الْعَرَبِ وَأَعْزِمُ نَفَرًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَمِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَكْرَمِ بِلَادِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى اللَّهِ وَعَلَى عِبَادِهِ. وَأَعْدَاؤُهُ ﷺ كَانُوا يَشْهَدُونَ لَهُ بِذَلِكَ وَلِهَذَا شَهِدَ لَهُ بِهِ عَدُوُّهُ إِذْ ذَاكَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ بَيْنَ يَدَيْ مَلِكِ الرُّومِ. فَأَشْرَفُ الْقَوْمِ قَوْمُهُ وَأَشْرَفُ الْقَبَائِلِ قَبِيلَتُهُ وَأَشْرَفُ الْأَفْخَاذِ فَخِذُهُ ﷺ. قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ قَالَ: مِنْ صُلْبِ نَبِيٍّ إِلَى صُلْبِ نَبِيٍّ حَتَّى صِرْتُ نَبِيًّا. رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ. رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَعَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ فِي الْآيَةِ قَالَ: "مَا زَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَتَقَلَّبُ فِي أَصْلَابِ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرَنًا حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَيْرُ الْعَرَبِ مُضَرُ، وَخَيْرُ مُضَرَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، وَخَيْرُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ بَنُو هَاشِمٍ، وَخَيْرُ بَنِي هَاشِمٍ بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاللَّهِ مَا افْتَرَقَتْ فِرْقَتَانِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ إِلَّا كُنْتُ فِي خَيْرِهِمَا". رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ خَلْقَهُ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمَا قِسْمًا، ثُمَّ جَعَلَ الْقِسْمَيْنِ أَثْلَاثًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمَا ثُلُثًا، ثُمَّ جَعَلَ الْأَثْلَاثَ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا قَبِيلَةً، ثُمَّ جَعَلَ الْقَبَائِلَ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهَا بَيْتًا فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ الْآيَةَ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ. وَعَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "قَالَ جِبْرِيلُ قَلَبْتُ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا فَلَمْ أَجِدْ أَفْضَلَ مِنْ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ أَجِدْ بَنِي أَبٍ أَفْضَلَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ". رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ. قَالَ الْحَافِظُ فِي أَمَالِيهِ: لَوَامِحُ الصِّحَّةِ ظَاهِرَةٌ عَلَى صَفَحَاتِ هَذَا الْمَتْنِ. رَوَاهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا وَلَدَتْنِي بِغَيٌّ قَطُّ مُنْذُ خَرَجْتُ مِنْ صُلْبِ آدَمَ، وَلَمْ تَزَلْ تُنَازِعُنِي الْأُمَمُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ أَفْضَلِ حَيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ: هَاشِمٍ وَزُهْرَةَ". رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ. وَعَنْ أَنَسٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ " بِفَتْحِ الْفَاءِ وَقَالَ: "أَنَا أَنْفَسُكُمْ نَسَبًا وَصِهْرًا وَحَسَبًا، لَيْسَ فِي آبَائِي مِنْ لَدُنْ آدَمَ سِفَاحٌ، كُلُّنَا نِكَاحٌ". رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ. رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ. وَعَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ". رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ. وَعَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أَخْرُجْ مِنْ سِفَاحٍ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى أَنْ وَلَدَنِي أَبِي وَأُمِّي لَمْ يُصِبْنِي مِنْ نِكَاحِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ مَا وَلَّدَنِي إِلَّا نِكَاحٌ كَنِكَاحِ الْإِسْلَامِ". رَوَاهُ الْعَدَنِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ. ، وَلَهُ طُرُقٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهَا أَبُو نُعَيْمٍ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا - أَيِ الْمُسْعَدَةِ بِالْإِسْلَامِ - كَانَتْ نُورًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ ﷺ بِأَلْفَيْ عَامٍ يُسَبِّحُ ذَلِكَ النُّورُ وَتُسَبِّحُ الْمَلَائِكَةُ بِتَسْبِيحِهِ، فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَلْقَى ذَلِكَ النُّورَ فِي صُلْبِهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَأَهْبَطَنِي اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْأَرْضِ فِي صُلْبِ آدَمَ وَجَعَلَنِي فِي صُلْبِ نُوحٍ، وَقَذَفَ بِي فِي صُلْبِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَنْقُلُنِي مِنَ الْأَصْلَابِ الْكَرِيمَةِ وَالْأَرْحَامِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى أَخْرَجَنِي مِنْ بَيْنِ أَبَوِيَّ لَمْ يَلْتَقِيَا عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ فِي مُسْنَدِهِ. وَيَرْحَمُ اللَّهُ تَعَالَى الْقَائِلَ: حَفِظَ الْإِلَهُ كَرَامَةً لِمُحَمَّدٍ آبَاءَهُ الْأَمْجَادَ صَوْنًا لِاسْمِهِ تَرَكُوا السِّفَاحَ فَلَمْ يُصِبْهُمْ عَارُهُ مِنْ آدَمٍ وَإِلَى أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَيَرْحَمُ اللَّهُ تَعَالَى الْقَائِلَ: مِنْ عَهْدِ آدَمَ لَمْ يَزَلْ تَحْمِي لَهُ فِي نَسْلِهَا الْأَصْلَابُ وَالْأَرْحَامُ حَتَّى تَنَقَّلَ فِي نِكَاحٍ طَاهِرٍ مَا ضَمَّ مُجْتَمَعَيْنِ فِيهِ حَرَامُ فَبَدَا كَبَدْرِ التِّمِّ لَيْلَةَ وَضْعِهِ مَا شَانَ مَطْلَعَهُ الْمُنِيرَ قَتَامُ فَانْجَابَتِ الظَّلْمَاءُ مِنْ أَنْوَارِهِ وَالنُّورُ لَا يَبْقَى عَلَيْهِ ظَلَامُ شُكْرًا لِمُهْدِيهِ إِلَيْنَا نِعْمَةً لَيْسَتْ تُحِيطُ بِكُنْهِهَا الْأَوْهَامُ وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْكَلْبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أُمٍّ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِنَّ سِفَاحًا وَلَا شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. قَوْلُهُ خَمْسُمِائَةِ أُمٍّ: يُرِيدُ الْجَدَّاتِ وَجَدَّاتِ الْجَدَّاتِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ.
التاريخ 418لا حكم مسجّل
سَرْدِ النَّسَبِ الزَّكِيِّ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ، إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ ( النَّحْوِيُّ ): هَذَا كِتَابُ سِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: نسب النبي ﷺ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاسْمُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: شَيْبَةُ بْنُ هَاشِمٍ وَاسْمُ هَاشِمٍ: عَمْرُو بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ وَاسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ: الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ، ( وَاسْمُ قُصَيٍّ: زَيْدُ ) بْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَاسْمُ مُدْرِكَةَ: عَامِرُ بْنُ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ بْنِ ( أُدٍّ، وَيُقَالُ ): أُدَدُ بْنُ مُقَوِّمِ بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَيْرَحَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ نَابِتِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ - خَلِيلِ الرَّحْمَنِ - بْنِ تَارِحٍ، وَهُوَ آزَرُ بْنُ نَاحُورَ بْنِ سَارُوغَ بْنِ رَاعُو بْنِ فَالَخٍ بْنِ عَيْبَرِ بْنِ شالَخٍ بْنِ أرْفَخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لَمْكَ بْنِ مُتَوَشْلِخَ بْنِ أَخْنُوخَ، وَهُوَ إدْرِيسُ النَّبِيُّ فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَكَانَ أَوَّلَ بَنِي آدَمَ أُعْطَى النُّبُوَّةَ، وَخَطَّ بِالْقَلَمِ - ابْنِ يَرْدِ بْنِ مُهْلَيِلِ بْنِ قَيْنَنَ بْنِ يانِشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ بِهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ مِنْ نَسَبِ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَا فِيهِ مِنْ حَدِيثِ إدْرِيسَ وَغَيْرِهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ السَّدُوسِيُّ، عَنْ شَيْبَانَ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ شَقِيقِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دُعَامةَ، أَنَّهُ قَالَ: إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ - خَلِيلِ الرَّحْمَنِ - بْنُ تَارِحٍ، وهُوَ آزَرُ بْنُ نَاحُورَ بْنِ أَسْرَغَ بْنِ أَرْغُو بْنِ فَالَخٍ بْنِ عَابِرِ بْنِ شَالَخٍ بْنِ أرْفخْشَذَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لَمْكِ بْنِ مَتُّوشَلَخِ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ يَرْدِ بْنِ مِهْلَائِيلَ بْنِ قَايِنَ بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيثِ بْنِ آدَمَ ﷺ. وَمَا أَحْسَنَ مَا نَظَمَ النَّسَبَ النَّبَوِيَّ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّاشِئُ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَيْهِ وَهِيَ قَوْلُهُ مَدَحْتُ رَسُولَ اللَّهِ أَبْغِي بِمَدْحِهِ وُفُورَ حُظُوظِي مِنْ كَرِيمِ الْمَآرِبِ مَدَحْتُ امْرَأً فَاقَ الْمَدِيحَ مُوَحَّدًا بِأَوْصَافِهِ عَنْ مُبْعِدٍ وَمُقَارِبِ نِبِيًّا تَسَامَى فِي الْمَشَارِقِ نُورُهُ فَلَاحَتْ هَوَادِيهِ لِأَهْلِ الْمَغَارِبِ أَتَتْنَا بِهِ الْأَنْبَاءُ قَبْلَ مَجِيئِهِ وَشَاعَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ فِي كُلِّ جَانِبِ وَأَصْبَحَتِ الْكُهَّانُ تَهْتِفُ بِاسْمِهِ وَتَنْفِي بِهِ رَجْمَ الظُّنُونِ الْكَوَاذِبِ وَأُنْطِقَتِ الْأَصْنَامُ نُطْقًا تَبَرَّأَتْ إِلَى اللَّهِ فِيهِ مِنْ مَقَالِ الْأَكَاذِبِ وَقَالَتْ لِأَهْلِ الْكُفْرِ قَوْلًا مُبَيَّنًا أَتَاكُمْ نَبِيٌّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ وَرَامَ اسْتِرَاقَ السَّمْعِ جِنٌّ فَزَيَّلَتْ مَقَاعِدَهُمْ مِنْهَا رُجُومُ الْكَوَاكِبِ هَدَانَا إِلَى مَا لَمْ نَكُنْ نَهْتَدِي لَهُ لِطُولِ الْعَمَى مِنْ وَاضِحَاتِ الْمَذَاهِبِ وَجَاءَ بِآيَاتٍ تُبَيِّنُ أَنَّهَا دَلَائِلُ جَبَّارٍ مُثِيبٍ مُعَاقِبِ فَمِنْهَا انْشِقَاقُ الْبَدْرِ حِينَ تَعَمَّمَتْ شُعُوبُ الضِّيَا مِنْهُ رُءُوسَ الْأَخَاشِبِ وَمِنْهَا نُبُوعُ الْمَاءِ بَيْنَ بَنَانِهِ وَقَدْ عَدِمَ الْوُرَّادُ قُرْبَ الْمَشَارِبِ فَرَّوَى بِهِ جَمًّا غَفِيرًا وَأَسْهَلَتْ بِأَعْنَاقِهِ طَوْعًا أَكُفُّ الْمَذَانِبِ وَبِئْرٌ طَغَتْ بِالْمَاءِ مِنْ مَسِّ سَهْمِهِ وَمِنْ قَبْلُ لَمْ تَسْمَحْ بِمَذْقَةِ شَارِبِ وَضَرْعٌ مَرَاهُ فَاسْتَدَرَّ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ دَرَّةٌ تُصْغِي إِلَى كَفِّ حَالِبِ وَنُطْقٌ فَصِيحٌ مِنْ ذِرَاعٍ مُبِينَةٍ لِكَيْدِ عَدُوٍّ لِلْعَدَاوَةِ نَاصِبِ وَأَخْبَارُهُ بِالْأَمْرِ مِنْ قَبْلِ كَوْنِهِ وَعِنْدَ بَوَادِيهِ بِمَا فِي الْعَوَاقِبِ وَمِنْ تِلْكُمُ الْآيَاتِ وَحْيٌّ أَتَى بِهِ قَرِيبُ الْمَآتِي مُسْتَجِمُّ الْعَجَائِبِ تَقَاصَرَتِ الْأَفْكَارُ عَنْهُ فَلَمْ. يُطِعْ بَلِيغًا وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ خَاطِبِ حَوَى كُلَّ عِلْمٍ وَاحْتَوَى كُلَّ حِكْمَةٍ وَفَاتَ مَرَامَ الْمُسْتَمِرِّ الْمُوَارِبِ أَتَانَا بِهِ لَا عَنْ رَوِيَّةِ مُرْتَئٍ وَلَا صُحْفِ مُسْتَمْلٍ وَلَا وَصْفِ كَاتِبِ يُوَاتِيهِ طَوْرًا فِي إِجَابَةِ سَائِلٍ وَإِفْتَاءِ مُسْتَفْتٍ وَوَعْظِ مُخَاطِبِ وَإِتْيَانِ بُرْهَانٍ وَفَرْضِ شَرَائِعٍ وَقَصِّ أَحَادِيثَ وَنَصِّ مَآرِبِ وَتَصْرِيفِ أَمْثَالٍ وَتَثْبِيتِ حُجَّةٍ وَتَعْرِيفِ ذِي جَحْدٍ وَتَوْقِيفِ كَاذِبِ وَفِي مَجْمَعِ النَّادِي وَفِي حَوْمَةِ الْوَغَى وَعِنْدَ حُدُوثِ الْمُعْضِلَاتِ الْغَرَائِبِ فَيَأْتِي عَلَى مَا شِئْتَ مِنْ طُرُقَاتِهِ قَوِيمَ الْمَعَانِي مُسْتَدِرَّ الضَّرَائِبِ يُصَدِّقُ مِنْهُ الْبَعْضُ بَعْضًا كَأَنَّمَا يُلَاحَظُ مَعْنَاهُ بِعَيْنِ الْمُرَاقِبِ وَعَجْزُ الْوَرَى عَنْ أَنْ يَجِيئُوا بِمِثْلِ مَا وَصَفْنَاهُ مَعْلُومٌ بِطُولِ التَّجَارِبِ تَأَبَّى بِعَبْدِ اللَّهِ أَكْرَمِ وَالِدٍ تَبَلَّجَ مِنْهُ عَنْ كَرِيمِ الْمَنَاسِبِ وَشَيْبَةَ ذِي الْحَمْدِ الَّذِي فَخِرَتْ بِهِ قُرَيْشٌ عَلَى أَهْلِ الْعُلَا وَالْمَنَاصِبِ وَمَنْ كَانَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ آرَائِهِ فِي النَّوَائِبِ وَهَاشِمٍ الْبَانِي مَشِيدَ افْتِخَارِهِ بِغُرِّ الْمَسَاعِي وَامْتِنَانِ الْمَوَاهِبِ وَعَبْدِ مَنَافٍ وَهُوَ عَلَّمَ قَوْمَهُ اشْتِطَاطَ الْأَمَانِي وَاحْتِكَامَ الرَّغَائِبِ وَإِنَّ قُصَيًّا مِنْ كَرِيمٍ غِرَاسُهُ لَفِي مَنْهَلٍ لَمْ يَدْنُ مِنْ كَفِّ قَاضِبِ بِهِ جَمَعَ اللَّهُ الْقَبَائِلَ بَعْدَ مَا تَقَسَّمَهَا نَهْبُ الْأَكُفِّ السَّوَالِبِ وَحَلَّ كِلَابٌ مِنْ ذُرَى الْمَجْدِ مَعْقِلًا تَقَاصَرَ عَنْهُ كُلُّ دَانٍ وَغَائِبِ وَمُرَّةُ لَمْ يَحْلُلْ مَرِيرَةَ عَزْمِهِ سِفَاهُ سَفِيهٍ أَوْ مَحُوبَةُ حَائِبِ وَكَعْبٌ عَلَا عَنْ طَالِبِ الْمَجْدِ كَعْبُهُ فَنَالَ بِأَدْنَى السَّعْيِ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ . وَأَلْوَى لُؤَيٌّ بِالْعَدَاةِ فَطُوِّعَتْ لَهُ هِمَمُ الشُّمِّ الْأُنُوفِ الْأَغَالِبِ وَفِي غَالِبٍ بَأْسُ أَبِي الْبَأْسِ دُونَهُمْ يُدَافِعُ عَنْهُمْ كُلَّ قِرْنٍ مُغَالِبِ وَكَانَتْ لِفِهْرٍ فِي قُرَيْشٍ خَطَابَةٌ يَعُوذُ بِهَا عِنْدَ اشْتِجَارِ الْمَخَاطِبِ وَمَا زَالَ مِنْهُمْ مَالِكٌ خَيْرَ مَالِكٍ وَأَكْرَمَ مَصْحُوبٍ وَأَكْرَمَ صَاحِبِ وَلِلنَّضْرِ طَوْلٌ يَقْصُرُ الطَّرْفُ دُونَهُ بِحَيْثُ الْتَقَى ضَوْءُ النُّجُومِ الثَّوَاقِبِ لَعَمْرِي لَقَدْ أَبْدَى كِنَانَةَ قَبْلَهُ مَحَاسِنَ تَأْبَى أَنْ تَطُوعَ لِغَالِبِ وَمِنْ قَبْلِهِ أَبْقَى خُزَيْمَةُ حَمْدَهُ تَلِيدَ تُرَاثٍ عَنْ حَمِيدِ الْأَقَارِبِ وَمُدْرِكَةٌ لَمْ يُدْرِكِ النَّاسُ مِثْلَهُ أَعَفَّ وَأَعْلَى عَنْ دَنِيِّ الْمَكَاسِبِ وَإِلْيَاسُ كَانَ الْيَأْسُ مِنْهُ مُقَارِنًا لِأَعْدَائِهِ قَبْلَ اعْتِدَادِ الْكَتَائِبِ وَفِي مُضَرَ يَسْتَجْمِعُ الْفَخْرَ كُلَّهُ إِذَا اعْتَرَكَتْ يَوْمًا زُحُوفُ الْمَقَانِبِ وَحَلَّ نِزَارٌ مِنْ رِيَاسَةِ أَهْلِهِ مَحَلًّا تَسَامَى عَنْ عُيُونٍ الرَّوَاقِبِ وَكَانَ مَعَدٌّ عُدَّةً لِوَلِيِّهِ إِذَا خَافَ مِنْ كَيْدِ الْعَدُوِّ الْمُحَارِبِ وَمَازَالَ عَدْنَانُ إِذَا عُدَّ فَضْلُهُ تَوَحَّدَ فِيهِ عَنْ قَرِينٍ وَصَاحِبِ وَأُدٌّ تَأَدَّى الْفَضْلُ مِنْهُ بِغَايَةٍ وَارْثٌ حَوَاهُ عَنْ قُرُومٍ أَشَايِبِ وَفِي أُدَدٍ حِلْمٌ تَزَيَّنَ بِالْحِجَا إِذَا الْحِلْمُ أَزْهَاهُ قُطُوبُ الْحَوَاجِبِ وَمَازَالَ يَسْتَعْلِي هَمَيْسَعُ بِالْعُلَى وَيَتْبَعُ آمَالَ الْبَعِيدِ الْمُرَاغِبِ وَنَبْتٌ بَنَتْهُ دَوْحَةُ الْعِزِّ وَابْتَنَى مَعَاقِلَهُ فِي مُشْمَخِرِّ الْأَهَاضِبِ وَحِيزَتْ لِقَيْدَارٍ سَمَاحَةُ حَاتِمٍ وَحِكْمَةُ لُقْمَانٍ وَهِمَّةُ حَاجِبِ هُمُو نَسْلُ إِسْمَاعِيلَ صَادِقِ وَعْدِهِ فَمَا بَعْدَهُ فِي الْفَخْرِ مَسْعًى لِذَاهِبِ وَكَانَ خَلِيلُ اللَّهِ أَكْرَمَ مَنْ عَنَتْ لَهُ الْأَرْضُ مِنْ مَاشٍ عَلَيْهَا وَرَاكِبِ وَتَارَحُ مَازَالَتْ لَهُ أَرْيَحِيَّةٌ تُبَيِّنُ مِنْهُ عَنْ حَمِيدِ الْمَضَارِبِ وَنَاحُورُ نَحَّارُ الْعِدَى حُفِظَتْ لَهُ مَآثِرُ لَمَّا يُحْصِهَا عَدُّ حَاسِبِ وَأَشْرَعُ فِي الْهَيْجَاءِ ضَيْغَمُ غَابَةٍ يَقُدُّ الطُّلَى بِالْمُرْهَفَاتِ الْقَوَاضِبِ وَأَرْغَوُ نَابٌ فِي الْحُرُوبِ مُحَكَّمٌ ضَنِينٌ عَلَى نَفْسِ الْمُشِحِّ الْمُغَالِبِ وَمَا فَالِغٌ فِي فَضْلِهِ تِلْوَ قَوْمِهِ وَلَا عَابِرٌ مِنْ دُونِهِمْ فِي الْمَرَاتِبِ وَشَالِخْ وَأَرْفَخْشَذْ وَسَامٌ سَمَتْ بِهِمْ سَجَايَا حَمَتْهُمْ كُلَّ زَارٍ وَعَائِبِ وَمَا زَالَ نُوحٌ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ فَاضِلًا يُعَدِّدُهُ فِي الْمُصْطَفَيْنِ الْأَطَايِبِ وَلَمْكٌ أَبُوهُ كَانَ فِي الرَّوْعِ رَائِعًا جَرِيئًا عَلَى نَفْسِ الْكَمِيِّ الْمُضَارِبِ وَمِنْ قَبْلِ لَمْكٍ لَمْ يَزَلْ مُتَوَشْلِخٌ يَذُودُ الْعِدَى بِالْذَائِدَاتِ الشَّوَارِبِ وَكَانَتْ لِإِدْرِيسَ النَّبِيِّ مَنَازِلٌ مِنَ اللَّهِ لَمْ تُقْرَنْ بِهِمَّةِ رَاغِبِ وَيَارَدُ بَحْرٌ عِنْدَ آلِ سَرَاتِهِ أَبِيُّ الْخَزَايَا مُسْتَدِقُّ الْمَآرِبِ وَكَانَتْ لِمِهْلَايِيلَ فَهْمُ فَضَائِلٍ مُهَذَّبَةٍ مِنْ فَاحِشَاتِ الْمَثَالِبِ وَقَيْنَانُ مِنْ قَبْلُ اقْتَنَى مَجْدَ قَوْمِهِ وَفَاتَ بِشَأْوِ الْفَضْلِ وَخْدَ الرَّكَائِبِ وَكَانَ أَنُوشٌ نَاشَ لِلْمَجْدِ نَفْسَهُ وَنَزَّهَهَا عَنْ مُرْدِيَاتِ الْمَطَالِبِ وَمَازَالَ شِيثٌ بِالْفَضَائِلِ فَاضِلًا شَرِيفًا بَرِيئًا مِنْ ذَمِيمِ الْمَعَائِبِ وَكُلُّهُمُ مِنْ نُورِ آدَمَ أَقْبَسُوا وَعَنْ عُودِهِ أَجْنَوْا ثِمَارَ الْمَنَاقِبِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ أَكْرَمَ مُنْجَبٍ جَرَى فِي ظُهُورِ الطَّيِّبِينَ الْمَنَاجِبِ . مُقَابَلَةً آبَاؤُهُ أُمَّهَاتِهِ مُبَرَّأَةٌ مِنْ فَاضِحَاتِ الْمَثَالِبِ عَلَيْهِ سَلَامُ اللَّهِ فِي كُلِّ شَارِقٍ أَلَاحَ لَنَا ضَوْءًا وَفِي كُلِّ غَارِبِ هَكَذَا أَوْرَدَ الْقَصِيدَةَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَشَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ فِي تَهْذِيبِهِ مِنْ شِعْرِ الْأُسْتَاذِ أَبِي الْعَبَّاسِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاشِئِ الْمَعْرُوفِ بِابْنِ شِرْشِيرٍ، أَصْلُهُ مِنَ الْأَنْبَارِ وَرَدَ بَغْدَادَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
التاريخ 419لا حكم مسجّل
عَبْدُ اللَّهِ: عَلَمٌ مَنْقُولٌ مِنْ مُرَكَّبٍ إِضَافِيٍّ. أَمَّا الْمُضَافُ إِلَيْهِ فَفِي كَوْنِهِ مَنْقُولًا فِي الْأَصْلِ أَوْ مُرْتَجِلًا خِلَافٌ مَشْهُورٌ لَا نُطِيلُ بِذِكْرِهِ، وَهُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ لِلْبَارِي تَعَالَى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا حَكَاهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَمَّا الْمُضَافُ فَإِنَّهُ صِفَةٌ فِي الْأَصْلِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ. وَالْعَبْدُ هُوَ الْمَمْلُوكُ مِنْ نَوْعِ مَنْ يَعْقِلُ، مُشْتَقٌّ مِنَ التَّعَبُّدِ وَهُوَ التَّذَلُّلُ. قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْعَبْدُ الْخَاضِعُ لِلَّهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ إِذَا كَانَ وَطِئَهَا النَّاسُ وَالْعُبُودِيَّةُ: أَشْرَفُ أَوْصَافِ الْعَبْدِ، وَبِهَا نَعَتَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ فِي أَعْلَى مَقَامَاتِهِ وَهُوَ الْإِسْرَاءُ. كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ هُنَاكَ. وَكُنْيَتُهُ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَبُو قُثَمٍ. وَالْقُثَمُ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَثْمِ وَهُوَ الْإِعْطَاءُ أَوْ مِنَ الْجَمْعِ، يُقَالُ لِلرَّجُلِ الْجُمُوعِ لِلْخَيْرِ: قَثُومٌ وَقُثَمٌ. وَقِيلَ كُنْيَتُهُ: أَبُو مُحَمَّدٍ. وَقِيلَ أَبُو أَحْمَدَ وَيُلَقَّبُ بِالذَّبِيحِ، لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ، وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فِيمَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَالزُّهْرِيُّ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا أُمِرَ فِي مَنَامِهِ بِحَفْرِ زَمْزَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الْوَلَدِ إِلَّا الْحَارِثُ وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى. فَنَذَرَ إِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ ثُمَّ بَلَغُوا أَنْ يَمْنَعُوهُ لَيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَرَوَى الْحَاكِمُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَالْأُمَوِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ ؓ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا ابْنَ الذَّبِيحَيْنِ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ. فَقِيلَ لِمُعَاوِيَةَ: مَنِ الذَّبِيحَانِ؟ قَالَ: إِسْمَاعِيلُ وَعَبْدُ اللَّهِ. قَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَا عَقِبَ لِعَبْدِ اللَّهِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَصْلًا وَلَمْ يُولَدْ لِعَبْدِ اللَّهِ غَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا ذَكَرَ وَلَا أُنْثَى. وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لَمْ تَلِدْ آمِنَةُ وَلَا عَبْدُ اللَّهِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ: فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ - بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَذَالٍ مُعْجَمَةٍ - ابْنِ عِمْرَانَ ابْنِ مَخْزُومٍ. وكَانَ عبد الله أَجْمَلَ رِجَالِ قُرَيْشٍ وهُوَ أَصْغَرُ وَلَدِ أَبِيهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرُ، وَأَبُو طَالِبٍ: بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِأُمٍّ وَاحِدَةٍ: وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ. هَكَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَرَوَى هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ، وَأَبُو طَالِبٍ - وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ - وَالزُّبَيْرُ، وَعَبْدُ الْكَعْبَةِ، وَعَاتِكَةُ، وَبَرَّةُ، وَأُمَيْمَةُ، وَلَدُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِخْوَةٌ لِأُمٍّ، أُمُّهُمْ فَاطِمَةُ الْمَذْكُورَةُ.
التاريخ 420لا حكم مسجّل
ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: مُفْتَعَلٌ مِنَ الطَّلَبِ. يُكَنَّى أَبَا الْحَارِثِ، وَأَبَا الْبَطْحَاءِ، وَاسْمُهُ شَيْبَةُ الْحَمْدِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَقِيلَ عَامِرٌ. قَالَ أَبُو عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَا يَصِحُّ: وَاخْتُلِفَ لِمَ سُمِّيَ شَيْبَةَ. فَقِيلَ: إِنَّهُ وُلِدَ وَفِي رَأْسِهِ شَيْبَةٌ وَكَانَتْ ظَاهِرَةً فِي ذُؤَابَتِهِ. وَقِيلَ: لِأَنَّ أَبَاهُ وَصَّى أُمَّهُ بِذَلِكَ. وَلُقِّبَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ أَبَاهُ هَاشِمًا قَدِمَ الْمَدِينَةَ تَاجِرًا فَنَزَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ بْنِ خِدَاشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيٍّ النَّجَّارِ. ذَكَرَ هَذَا النَّسَبَ مُصْعَبٌ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَسَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ خِدَاشِ بْنِ جُنْدَبِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ. فَلَمَحَ ابْنَتَهُ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو فَأَعْجَبَتْهُ فَخَطَبَهَا إِلَى أَبِيهَا فَأَنْكَحَهُ إِيَّاهَا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنَّهَا لَا تَلِدُ وَلَدًا إِلَّا فِي أَهْلِهَا. فَمَضَى هَاشِمٌ وَلَمْ يَبْنِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ، فَبَنَى بِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَسَكَنَ مَعَهَا سِنِينَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ إِلَى مَكَّةَ بِهَا، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ خَرَجَ بِهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ أَبِيهَا وَمَضَى إِلَى الشَّامِ فَمَاتَ بِغَزَّةَ مِنْ وَجْهِهِ ذَلِكَ. وَوَلَدَتْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَمَكَثَ بِالْمَدِينَةِ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِيًا، ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا غِلْمَانٌ يَنْتَضِلُونَ وَإِذَا غُلَامٌ فِيهِمْ إِذَا أَصَابَ قَالَ: أَنَا ابْنُ هَاشِمٍ، أَنَا ابْنُ سَيِّدِ الْبَطْحَاءِ. فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: مِمَّنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ قَالَ: أَنَا شَيْبَةُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَوَجَدَ الْمُطَّلِبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ جَالِسًا فِي الْحِجْرِ فَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا أَبَا الْحَارِثِ. فَقَامَ إِلَيْهِ فَقَالَ: تَعْلَمُ أَنِّي جِئْتُ الْآنَ مِنْ يَثْرِبَ فَوَجَدْتُ غِلْمَانًا يَنْتَضِلُونَ. وَقَصَّ عَلَيْهِ مَا رَأَى مِنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ: وَإِذَا أَظْرَفُ غُلَامٍ رَأَيْتُهُ قَطُّ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُتْرَكَ مِثْلُهُ. قَالَ الْمُطَّلِبُ: أَغْفَلْتُهُ وَاللَّهِ! أَمَا وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي حَتَّى آتِيَهُ. فَأَعْطَاهُ الْحَارِثُ نَاقَتَهُ فَرَكِبَهَا. فَخَرَجَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ عَشِيًّا ثُمَّ خَرَجَ بِرَاحِلَتِهِ حَتَّى أَتَى بَنِي عَدِيِّ ابْنِ النَّجَّارِ فَإِذَا بِغِلْمَانٍ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانِيِّ الْمَجْلِسِ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى ابْنِ أَخِيهِ قَالَ: هَذَا ابْنُ هَاشِمٍ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: نَعَمْ. وَعَرَفَ الْقَوْمُ الْمُطَّلِبَ. فَقَالُوا: نَعَمْ هَذَا ابْنُ أَخِيكَ، فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَخْذَهُ فَالسَّاعَةُ لَا تُعْلَمُ أُمُّهُ فَإِنَّهَا إِنْ عَلِمَتْ حُلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ. فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي أَنَا عَمُّكَ وَقَدْ أَرَدْتُ الذَّهَابَ بِكَ إِلَى قَوْمِكَ فَارْكَبْ. فَوَاللَّهِ مَا كَذَبَ أَنْ جَلَسَ عَلَى عَجُزِ الرَّحْلِ وَجَلَسَ الْمُطَّلِبُ عَلَى الرَّحْلِ ثُمَّ بَعَثَ رَاحِلَتَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ. فَلَمَّا عَلِمَتْ أُمُّهُ أَنَّ عَمَّهُ ذَهَبَ بِهِ عَلِقَتْ تَدْعُو مِنْ حُزْنِهَا عَلَى ابْنِهَا وَقَالَتْ: كُنَّا وُلَاةَ حُمِّهِ وَرُمِّهِ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى أَتَمِّهِ انْتَزَعُوهُ غِيلَةً مِنْ أَمِّهِ وَغَلَبَ الْأَخْوَالَ حَقُّ عَمِّهِ وَقِيلَ إِنَّهُ أَخَذَهُ بِإِذْنِ أُمِّهِ. وَلَمَّا دَخَلَ الْمُطَّلِبُ مَكَّةَ دَخَلَ ضَحْوَةً مُرْدِفُهُ خَلْفَهُ وَالنَّاسُ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَمَجَالِسِهِمْ، فَقَامُوا يُرَحِّبُونَ بِهِ وَيَقُولُونَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ؟ فَيَقُولُ هَذَا عَبْدِي ابْتَعْتُهُ بِيَثْرِبَ. ثُمَّ خَرَجَ بِهِ حَتَّى جَاءَ الْحَزْوَرَةَ فَابْتَاعَ لَهُ حُلَّةً، ثُمَّ أَدْخَلَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ خَدِيجَةَ ابْنَةِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَشِيَّ أَلْبَسَهُ الْحُلَّةَ ثُمَّ أَجْلَسَهُ فِي مَجْلِسِ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَخْبَرَهُمْ خَبَرَهُ. وَجَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْرُجُ فِي تِلْكَ الْحُلَّةِ فَيَطُوفُ فِي سِكَكِ مَكَّةَ وَكَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا فَيَقُولُونَ: هَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. لِقَوْلِ الْمُطَّلِبِ: هَذَا عَبْدِي. فَثَبَتَ اسْمُهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ. وَتَرَكَ شَيْبَةَ. وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يُكْثِرُ زِيَارَةَ أَخْوَالِهِ وَيَبِرُّهُمْ. حُمَّةٌ: بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ يَجُوزُ ضَمُّهَا وَفَتْحُهَا يَعْنِي قَلِيلَةً. رُمَّةٌ: بِرَاءٍ يَجُوزُ فَتْحُهَا وَضَمُّهَا يَعْنِي كَثِيرَةً. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ وَغَيْرِهِ قَالُوا: كَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مِنْ حُلَمَاءِ قُرَيْشٍ وَحُكَمَائِهَا، وَكَانَ نَدِيمُهُ حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ فِي جِوَارِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَهُودِيٌّ يُقَالُ لَهُ أَذَيْنَةُ وَكَانَ الْيَهُودِيُّ يَتَسَوَّقُ فِي أَسْوَاقِ تِهَامَةَ بِمَالِهِ، فَغَاظَ ذَلِكَ حَرْبًا فَأَلَّبَ عَلَيْهِ فِتْيَانَ قُرَيْشٍ وَقَالَ: هَذَا الْعِلْجُ الَّذِي يَقْطَعُ إِلَيْكُمْ وَيَخُوضُ فِي بِلَادِكُمْ بِمَالٍ جَمٍّ كَثِيرٍ مِنْ غَيْرِ جَوَارٍ وَلَا خَيْلٍ، وَاللَّهِ لَوْ قَتَلْتُمُوهُ وَأَخَذْتُمْ مَالَهُ مَا خِفْتُمْ تَبِعَةً وَلَا عَرَضَ لَكُمْ أَحَدٌ يَطْلُبُ دَمَهُ. فَشَدَّ عَلَيْهِ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَصَخْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ فَقَتَلَاهُ. فَجَعَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَا يَعْرِفُ لَهُ قَاتِلًا، فَلَمْ يَزَلْ يَبْحَثُ عَنْ أَمْرِهِ حَتَّى عَرَفَ خَبَرَهُ، فَأَتَى حَرْبَ بْنَ أُمَيَّةَ فَأَنَّبَهُ بِصَنِيعِهِ وَطَلَبَ دَمَ جَارِهِ، فَأَجَارَ حَرْبٌ قَاتِلِيهِ وَلَمْ يُسَلِّمْهُمَا وَأَخْفَاهُمَا، وَطَالَبَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِهِمَا فَتَغَالَظَا فِي الْقَوْلِ حَتَّى دَعَاهُمَا الْمَحْكُّ وَاللَّجَاجُ إِلَى الْمُنَافَرَةِ، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ، فَأَبَى أَنْ يَدْخُلَ بَيْنَهُمَا، فَجَعَلَا بَيْنَهُمَا نُفَيْلَ بْنَ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رَبَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ جَدَّ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لِحَرْبٍ: يَا أَبَا عَمْرٍو تُنَافِرُ رَجُلًا هُوَ أَطْوَلُ مِنْكَ قَامَةً، وَأَوْسَمُ مِنْكَ وَسَامَةً، وَأَعْظَمُ مِنْكَ هَامَةً، وَأَقَلُّ مِنْكَ لَامَةً. وَأَكْثَرُ مِنْكَ وَلَدًا، وَأَجْزَلُ مِنْكَ صَفَدًا، وَأَطْوَلُ مِنْكَ مَدَدًا، وَإِنِّي لَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَإِنَّكَ لَبَعِيدُ الْغَضَبِ، رَفِيعُ الصِّيتِ فِي الْعَرَبِ، جِلْدُ الْمَرِيرَةِ، تُحِبُّكَ الْعَشِيرَةُ، وَلَكِنَّكَ نَافَرْتَ مُنْفِرًا. فَنَفَرَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَغَضِبَ حَرْبٌ. وَأَغْلَظَ لِنُفَيْلٍ وَقَالَ: مِنِ انْتِكَاسِ الدَّهْرِ جُعِلْتَ حَكَمًا. وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَتَحَاكَمُ إِلَيْهِ فَقَالَ فِي ذَلِكَ نُفَيْلٌ: أَوْلَادُ شَيْبَةَ أَهْلُ الْمَجْدِ قَدْ عَلِمَتْ عُلْيَا مَعَدٍّ إِذَا مَا هَزْهَزَ الْوَرَعُ وَشَيْخُهُمْ خَيْرُ شَيْخٍ لَسْتَ تَبْلُغُهُ أَنِّي وَلَيْسَ بِهِ سُخْفٌ وَلَا طَمَعُ يَا حَرْبُ مَا بَلَغَتْ مَسْعَاتُكُمْ هُبَعًا يَسْقِي الْحَجِيجَ وَمَاذَا يَبْلُغُ الْهُبَعُ أَبُوكُمَا وَاحِدٌ وَالْفَرْعُ بَيْنَكُمَا مِنْهُ الْعِشَاشُ وَمِنْهُ النَّاضِرُ الْيَنَعُ فَتَرَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُنَ آدَمَةَ حَرْبٍ، وَنَآدَمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ ابْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ. وَلَمْ يُفَارِقْ حَرْبًا حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ مِائَةَ نَاقَةٍ وَدَفَعَهَا إِلَى ابْنِ عَمِّ الْيَهُودِيِّ، وَارْتَجَعَ مَالَهُ إِلَّا شَيْئًا يَسِيرًا كَانَ قَدْ تَلِفَ فَغَرِمَهُ مِنْ مَالِهِ. فَقَالَ الْأَرْقَمُ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمٍ فِي ذَلِكَ: وَقَبْلَكَ مَا أَرْدَى أُمَيَّةَ هَاشِمٌ فَأَوْرَدَهُ عَمْرٌو إِلَى شَرِّ مَوْرِدِ أَيَا حَرْبُ قَدْ حَارَبْتُ غَيْرَ مُقَصِّرٍ شَآكَ إِلَى الْغَايَاتِ طَلَّاعَ أَنْجُدِ
التاريخ 421لا حكم مسجّل
أولاد عبد المطلب بن هاشم أَوْلَادُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ [ عَدَدُهُمْ وَأُمَّهَاتُهُمْ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَوَلَدَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ عَشَرَةَ نَفَرٍ وَسِتَّ نِسْوَةٍ: الْعَبَّاسَ وَحَمْزَةَ، وَعَبْدَ اللَّهِ، وَأَبَا طَالِبٍ - وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ - وَالزُّبَيْرَ، وَالْحَارِثَ، وَحَجْلًا، وَالْمُقَوِّمَ، وَضِرَارًا، وَأَبَا لَهَبٍ - وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى - وَصَفِيَّةَ، وَأُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ، وَعَاتِكَةَ، وَأُمَيْمَةَ، وَأَرَوَى، وبَرَّةَ. فَأُمُّ الْعَبَّاسِ وَضِرَارٍ: نُكَيْلَةُ بِنْتُ جَنَابِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَامِرٍ - وَهُوَ الضَّحْيَانُ - بْنُ سَعْدِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ تَيْمِ اللَّاتِ بْنِ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. وَيُقَالُ: أَفْصَى ابْنُ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ. وَأُمُّ حَمْزَةَ وَالْمُقَوَّمِ وَحَجْلٍ، وَكَانَ يُلَقَّبُ بِالْغَيْدَاقِ لِكَثْرَةِ خَيْرِهِ وَسَعَةِ مَالِهِ، وَصَفِيَّةَ: هَالَةُ بِنْتُ وُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَجَمِيعِ النِّسَاءِ غَيْرَ صَفِيَّةَ: فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. وَأُمُّهَا: صَخْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. وَأُمُّ صَخْرَةَ: تَخْمُرُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. وَأُمُّ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: سَمْرَاءُ بِنْتُ جُنْدُبِ بْنِ جُحَيْرِ بْنِ رِئَابِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ سُوَاءَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ. وَأُمُّ أَبِي لَهَبٍ: لُبْنَى بِنْتُ هَاجَرَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ ضَاطِرَ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ.
التاريخ 422لا حكم مسجّل
هَاشِمٌ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْهَشْمِ وَهُوَ كَسْرُ الشَّيْءِ الْيَابِسِ وَالْأَجْوَفِ. وَاسْمُهُ عَمْرُو الْعُلَا، وَهُوَ مَنْقُولٌ إِمَّا مِنَ الْعَمْرِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْعُمْرِ بِضَمِّهَا أَيِ الْبَقَاءُ، ذَكَرَهُ أَبُو الْفَتْحِ ابْنُ جِنِّيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَبْهَجِ وَأَنْشَدَ لِأَبِي الْقَمَاقِمِ: يَا رَبِّ زِدْ مِنْ عُمْرِهِ فِي عُمْرِي وَاسْتَوْفِ مِنِّي يَا إِلَهِي نَذْرِي وَيُحْكَى أَنَّ عِيسَى بْنَ عُمَرَ سَأَلَ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ فَقَالَ: لِمَ سُمِّيتَ عَمْرًا؟ فَقَالَ لَهُ: الْعَمْرُ الْبَقَاءُ أَطَالَ اللَّهُ عَمْرَكَ وَعُمْرَكَ. قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِ اسْتُعْمِلَ الْعَمْرُ فِي الْقَسَمِ فَالْفَتْحُ لَا غَيْرَ. قَالَ تَعَالَى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. أَوْ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الرَّوْضِ وَالزَّهْرِ وَغَيْرِهِمَا. وَكُنْيَتُهُ أَبُو نَضْلَةَ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ هَاشِمٌ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ هَشَّمَ الثَّرِيدَ لِقَوْمِهِ بِمَكَّةَ وَأَطْعَمَهُ. ذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أَصَابَهُمْ جَهْدٌ وَشِدَّةٌ فَرَحَلَ إِلَى فِلَسْطِينَ فَاشْتَرَى مِنْهَا دَقِيقًا كَثِيرًا وَكَعْكًا وَقَدِمَ بِذَلِكَ إِلَى مَكَّةَ فَأَمَرَ بِهِ فَخُبِزَ ثُمَّ نَحَرَ جَزُورًا وَجَعَلَهَا ثَرِيدًا عَمَّ بِهِ أَهْلَ مَكَّةَ، وَلَا زَالَ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى اسْتَكْفَوْا. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الرِّحْلَتَيْنِ، رِحْلَةَ الشِّتَاءِ إِلَى الْحَبَشَةِ وَرِحْلَةَ الصَّيْفِ إِلَى الشَّامِ . قَالَ الرُّشَاطِيُّ: كَانَتْ قُرَيْشٌ تِجَارَتُهُمْ لَا تَعْدُو مَكَّةَ، وَكَانَتِ الْأَعَاجِمُ تَقْدَمُ عَلَيْهِمْ بِالسِّلَعِ فَيَشْتَرُونَ مِنْهُمْ، حَتَّى رَكِبَ هَاشِمٌ إِلَى الشَّامِ فَنَزَلَ بِقَيْصَرَ وَكَانَ كُلَّ يَوْمٍ يَذْبَحُ شَاةً فَيَصْنَعُ جَفْنَةَ ثَرِيدٍ وَيَدْعُو مَنْ حَوْلَهُ فَيَأْكُلُونَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِقَيْصَرَ أَنَّ هَا هُنَا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يَهْشِمُ الْخُبْزَ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَرَقَ وَيُفْرِغُ عَلَيْهِ اللَّحْمَ، وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَجَمُ تَضَعُ الْمَرَقَ فِي الصِّحَافِ ثُمَّ تَأْتَدِمُ عَلَيْهِ بِالْخُبْزِ، فَدَعَا بِهِ قَيْصَرُ وَكَلَّمَهُ فَأَعْجَبَهُ كَلَامَهُ وَأُعْجِبَ بِهِ وَجَعَلَ يُرْسِلُ إِلَيْهِ وَيَدْخُلُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَكَانَهُ مِنْهُ قَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ لِي قَوْمًا وَهُمْ تُجَّارُ الْعَرَبِ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَكْتُبَ لِي كِتَابًا تُؤَمِّنُهُمْ وَتُؤَمِّنُ تِجَارَتَهُمْ فَيَقْدَمُوا عَلَيْكَ بِمَا يُسْتَظْرَفُ مِنْ أُدْمِ الْحِجَازِ وَثِيَابِهِ فَيُمَكَّنُوا مِنْ بَيْعِهِ عِنْدَكُمْ فَهُوَ أَرْخَصُ عَلَيْكُمْ. فَكَتَبَ لَهُ كِتَابَ أَمَانٍ لِمَنْ أَتَى مِنْهُمْ فَأَقْبَلَ هَاشِمٌ بِالْكِتَابِ فَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِحَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى طَرِيقِ الشَّامِ أَخَذَ لَهُمْ مِنْ أَشْرَافِهِمْ إِيلَافًا، وَالْإِيلَافُ أَنْ يَأْمَنُوا عِنْدَهُمْ وَفِي طَرِيقِهِمْ وَأَرْضِهِمْ بِغَيْرِ حِلْفٍ، إِنَّمَا هُوَ أَمَانُ الطَّرِيقِ، فَأَخَذَ هَاشِمٌ الْإِيلَافَ فِيمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَأَعْطَاهُمُ الْكِتَابَ، فَكَانَ ذَلِكَ أَعْظَمَ بَرَكَةً. ثُمَّ خَرَجُوا بِتِجَارَةٍ عَظِيمَةٍ وَخَرَجَ هَاشِمٌ مَعَهُمْ يَجُوزُهُمْ وَيُوَفِّيهِمْ إِيلَافَهُمُ الَّذِي أَخَذَ لَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَلَمْ يَبْرَحْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَرَبِ حَتَّى وَرَدَ الشَّامَ. وَمَاتَ فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ بِغَزَّةَ. فَهَذَا سَبَبُ تَسْمِيَتِهِ بِهَاشِمٍ. كَذَا قَالَهُ الرُّشَاطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ هَاشِمًا هُوَ الْمَشْهُورُ. وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِبِلَادِ مَكَّةَ هَاشِمًا لِمَا تَقَدَّمَ، وَبِبِلَادِ قَيْصَرَ كَذَلِكَ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَ هَاشِمٌ أَكْبَرَ وَلَدِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَالْمُطَّلِبُ أَصْغَرَهُمْ ، أُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ السُّلَمِيَّةُ، وَنَوْفَلٌ، وَأُمُّهُ وَاقِدَةُ، وَعَبْدُ شَمْسٍ، فَسَادُوا كُلُّهُمْ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُمُ الْمُجَبِّرُونَ. وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ أَخَذَ لِقُرَيْشٍ الْعِصَمَ، فَانْتَشَرُوا مِنَ الْحَرَمِ، أَخَذَ لَهُمْ هَاشِمٌ حَبْلًا مِنَ الرُّومِ وَغَسَّانَ بِالشَّامِ، وَأَخَذَ لَهُمْ عَبْدُ شَمْسٍ حَبْلًا مِنَ النَّجَاشِيِّ بِالْحَبَشَةِ، وَأَخَذَ لَهُمْ نَوْفَلٌ حَبْلًا مِنَ الْأَكَاسِرَةِ بِالْعِرَاقِ، وَأَخَذَ لَهُمُ الْمُطَّلِبُ حَبْلًا مِنْ حِمْيَرَ بِالْيَمَنِ، فَاخْتَلَفَتْ قُرَيْشٌ بِهَذَا السَّبَبِ إِلَى هَذِهِ النَّوَاحِي، فَجَبَرَ اللَّهُ بِهِمْ قُرَيْشًا. وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ شَمْسٍ وَهَاشِمًا تَوْأَمَانِ، وَإِنَّ أَحَدَهُمَا وُلِدَ قَبْلَ الْآخَرِ وَإِصْبَعٌ لَهُ مُلْتَصِقَةٌ بِجَبْهَةِ صَاحِبِهِ فَنُحِّيَتْ، فَسَالَ الدَّمُ، فَقِيلَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا دَمٌ. وَوَلِيَ هَاشِمٌ بَعْدَ أَبِيهِ عَبْدِ مَنَافٍ مَا كَانَ إِلَيْهِ مِنَ السِّقَايَةِ وَالرِّفَادَةِ، فَحَسَدَهُ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى رِيَاسَتِهِ وَلِإِطْعَامِهِ، فَتَكَلَّفَ أَنْ يَصْنَعَ صَنِيعَ هَاشِمٍ، فَعَجَزَ عَنْهُ، فَشَمِتَ بِهِ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَغَضِبَ وَنَالَ مِنْ هَاشِمٍ وَدَعَاهُ إِلَى الْمُنَافَرَةِ، فَكَرِهَ هَاشِمٌ ذَلِكَ لِسِنِّهِ وَقَدْرِهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ قُرَيْشٌ حَتَّى نَافَرَهُ عَلَى خَمْسِينَ نَاقَةٍ وَالْجَلَاءِ عَنْ مَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، فَرَضِيَ أُمَيَّةُ وَجَعْلَا بَيْنَهُمَا الْكَاهِنَ الْخُزَاعِيَّ، وَهُوَ جَدُّ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ، وَمَنْزِلُهُ بِعُسْفَانَ. وَكَانَ مَعَ أُمَيَّةَ هَمْهَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى الْفِهْرِيُّ، وَكَانَتِ ابْنَتُهُ عِنْدَ أُمَيَّةَ، فَقَالَ الْكَاهِنُ: " وَالْقَمَرِ الْبَاهِرْ، وَالْكَوْكَبِ الزَّاهِرْ، وَالْغَمَامِ الْمَاطِرْ، وَمَا بِالْجَوِّ مِنْ طَائِرْ، وَمَا اهْتَدَى بِعَلَمٍ مُسَافِرْ، مِنْ مُنْجِدٍ وَغَائِرْ، لَقَدْ سَبَقَ هَاشِمٌ أُمَيَّةَ إِلَى الْمَآثِرْ، أَوَّلٌ مِنْهُ وَآخِرْ، وَأَبُو هَمْهَمَةَ بِذَلِكَ خَابِرْ ". فَقَضَى لِهَاشِمٍ بِالْغَلَبَةِ، وَأَخَذَ هَاشِمٌ الْإِبِلَ فَنَحَرَهَا وَأَطْعَمَهَا، وَغَابَ أُمَيَّةُ عَنْ مَكَّةَ بِالشَّامِ عَشْرَ سِنِينَ. فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ عَدَاوَةٍ وَقَعَتْ بَيْنَ هَاشِمٍ وَأُمِّيَّةَ. وَكَانَ يُقَالُ لِهَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ الْبَدْرَانِ لِجَمَالِهِمَا. وَمَاتَ هَاشِمٌ بِغَزَّةَ وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ شَمْسٍ بِمَكَّةَ فَقُبِرَ بِأَجْيَادَ. ثُمَّ مَاتَ، نَوْفَلٌ بِسَلْمَانَ مِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ. ثُمَّ مَاتَ الْمُطَّلِبُ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ وَكَانَتِ الرِّفَادَةُ وَالسِّقَايَةُ بَعْدَ هَاشِمٍ إِلَى أَخِيهِ الْمُطَّلِبِ لِصِغَرِ ابْنِهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ.
التاريخ 423لا حكم مسجّل
أولاد هاشم وأمهاتهم أَوْلَادُ هَاشِمٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَوَلَدَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَخَمْسَ نِسْوَةٍ: عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ، وَأَسَدَ بْنَ هَاشِمٍ، وَأَبَا صَيْفِيِّ بْنَ هَاشِمٍ، وَنَضْلَةَ بْنَ هَاشِمٍ، وَالشِّفَاءَ، وَخَالِدَةَ، وَضَعِيفَةَ، وَرُقَيَّةَ، وَحَيَّةَ. فَأُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرُقَيَّةَ: سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ لَبِيدِ ( بْنِ حَرَامِ ) بْنِ خِدَاشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ. وَاسْمُ النَّجَّارِ: تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ. وَأُمُّهَا: عَمِيرَةُ بِنْتُ صَخْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ. وَأُمُّ عَمِيرَةَ سَلْمَى بِنْتُ عَبْدِ الْأَشْهَلِ النَّجَّارِيَّةُ. وَأُمُّ أَسَدٍ: قَيْلَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ الْخُزَاعِيِّ. وَأُمُّ أَبِي صَيْفِيٍّ وَحَيَّةَ: هِنْدُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخَزْرَجِيَّةُ. وَأُمُّ نَضْلَةَ وَالشِّفَاءِ: امْرَأَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ. وَأُمُّ خَالِدَةَ وَضَعِيفَةَ: وَاقِدَةُ بِنْتُ أَبِي عَدِيٍّ الْمَازِنِيَّةُ.
التاريخ 424لا حكم مسجّل
[ زَوَاجُ هَاشِمٍ ] وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَتَزَوَّجَ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو أَحَدِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: الْحَرِيسُ - ابْنُ جَحْجَبِي بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ. فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ، وَكَانَتْ لَا تَنْكِحُ الرِّجَالَ لِشَرَفِهَا فِي قَوْمِهَا حَتَّى يَشْتَرِطُوا لَهَا أَنَّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا، إذَا كَرِهَتْ رَجُلًا فَارَقَتْهُ.
التاريخ 425لا حكم مسجّل
ابْنُ عَبْدِ مَنَافٍ عَبْدُ مَنَافٍ: قَالَ السُّهَيْلِيُّ [مَفْعَلٌ مِنْ أَنَافَ يُنِيفُ إِنَافَةً: إِذَا ارْتَفَعَ. وَقَالَ الْمُفَضَّلُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْإِنَافَةُ: الْإِشْرَافُ وَالزِّيَادَةُ. وَبِهِ سُمِّيَ عَبْدُ مَنَافٍ. وَمِنْهُ تَقُولُ: مِائَةٌ وَنَيِّفٌ أَيْ شَيْءٌ زَائِدٌ عَلَى الْمِائَةِ] وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ مَنْقُولٌ مِنَ الْوَصْفِ. وَالْهَاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ. أَيْ أَنَّهُ يَغِيرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ. أَوْ مُغِيرٌ مِنْ أَغَارَ الْحَبْلَ إِذَا أَحْكَمَهُ. وَدَخَلَتِ الْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ، كَمَا دَخَلَتْ فِي عَلَّامَةٍ وَنَسَّابَةٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي الْمُغِيرَةِ لِلتَّأْنِيثِ، وَيَكُونُ مَنْقُولًا مِنْ وَصْفِ الْمُؤَنَّثِ. وَكُنْيَتُهُ أَبُو شَمْسِ وَأُمُّهُ حُبِّي بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُمَالَةِ. وَكَانَ يُقَالُ لَهُ قَمَرُ الْبَطْحَاءِ لِجَمَالِهِ. وَسَبَبُ تَلْقِيبِهِ بِعَبْدِ مَنَافٍ أَنَّ أُمَّهُ حُبَّى بِنْتَ حُلَيْلٍ، بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ، ابْنُ حُبْشِيَّةَ، بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَقِيلَ بِتَخْفِيفِهَا، ابْنِ سَلُولَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى مَضْمُومَةٌ، ابْنِ كَعْبِ بْنِ خُزَاعَةَ قَدْ أَخْدَمَتْهُ مَنَاةُ، وَكَانَ صَنَمًا عَظِيمًا لَهُمْ فَسُمِّيَ عَبْدَ مَنَاةَ بِهِ. ثُمَّ نَظَرَ أَبُوهُ قُصَيٌّ فَرَآهُ يُوَافِقُ عَبْدَ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ فَحَوَّلَهُ عَبْدُ مَنَافٍ. وَسَادَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ وَكَانَ مُطَاعًا فِي قُرَيْشٍ وَإِيَّاهُ عَنَى الْقَائِلُ بِقَوْلِهِ: كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَلَّقَتْ فَالْمُحُّ خَالِصُهُ لِعَبْدِ مَنَافِ الْمُحُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ: صُفْرَةُ الْبَيْضِ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ سَمِعَ جَارِيَةً تُنْشِدُ: كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَلَّقَتْ فَالْمُحُّ خَالِصُهُ لِعَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: "كَذَا قَالَ الشَّاعِرُ؟" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا. إِنَّمَا قَالَ: لِعَبْدِ مَنَافٍ. قَالَ: "كَذَاكَ". قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: وَزَعَمُوا أَنَّهُ وُجِدَ كِتَابٌ فِي حَجَرٍ: أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَوْصَى قُرَيْشًا بِتَقْوَى اللَّهِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ.
التاريخ 426لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ عَبْدُ مَنَافٍ - وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ - أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: هَاشِمَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَعَبْدَ شَمْسِ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَالْمُطَلِّبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُمْ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ، وَنَوْفَلَ بْنَ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهُ وَاقِدَةُ بِنْتُ عَمْرٍو الْمَازِنِيَّةُ مَازِنُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ. لَهُمْ أَخٌ خَامِسٌ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو وَاسْمُهُ عَبْدٌ، وَأَصْلُ اسْمِهِ عَبْدُ قُصَيٍّ فَقَالَ النَّاسُ: عَبْدُ بْنُ قُصَيٍّ دَرَجَ وَلَا عَقِبَ لَهُ. قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُ. وَأَخَوَاتٌ سِتٌّ وَهُنَّ; تُمَاضِرُ وَحَيَّةُ وَرَيْطَةُ وَقِلَابَةُ وَأُمُّ الْأَخْثَمِ وَأُمُّ سُفْيَانَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافٍ،
التاريخ 427لا حكم مسجّل
ابْنُ قُصَيٍّ قُصَيٌّ بِضَمِّ الْقَافِ وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ: تَصْغِيرُ قَصِيٍّ بِفَتْحِ الْقَافِ، مِنْ قَصَا يَقْصُو إِذَا أَبْعَدَ. قَالَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالزَّجَّاجِيُّ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: وَاسْمُهُ زَيْدٌ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَصُغِّرَ قَصِيٌّ عَلَى فُعَيْلٍ. لِأَنَّهُمْ كَرِهُوا اجْتِمَاعَ ثَلَاثِ يَاءَاتٍ، يَعْنِي يَاءَ التَّصْغِيرِ وَيَاءَ فَعِيلٍ الْمُكَبَّرِ، وَالْيَاءَ الْمُنْقَلِبَةَ عَنِ الْوَاوِ الَّتِي هِيَ لَامُ الْفِعْلِ لِتَطَرُّفِهَا وَانْكِسَارِ مَا قَبْلَهَا، فَحَذَفُوا إِحْدَاهُنَّ وَهِيَ الْيَاءُ الثَّانِيَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي فَعِيلٍ نَحْوَ قَضِيبٍ، فَبَقِيَ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ. قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ لَامَ الْفِعْلِ. يُرِيدُ الْمُبَدَّلَةَ مِنْ لَامِ الْفِعْلِ، فَيَكُونُ وَزْنُهُ فَعِيًّا وَتَكُونُ يَاءَ التَّصْغِيرِ هِيَ الثَّانِيَةُ مَعَ الزَّائِدَةِ. وَأَمَّا قُصَيٌّ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءَ: زَيْدٌ، وَقُصَيٌّ، وَمُجَمِّعًا. وَفِيهِ يَقُولُ الشَّاعِرُ: هُمَامٌ لَهُ أَسْمَاءُ صِدْقٍ ثَلَاثَةٌ قُصَيٌّ وَزَيْدٌ ذُو النَّدَى وَمُجَمِّعُ فَأَمَّا اسْمُهُ الْأَصْلِيُّ فَزَيْدٌ، قَالَ الرُّشَاطِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ قُصَيٌّ لِأَنَّ أَبَاهُ كِلَابَ بْنَ مُرَّةَ كَانَ تَزَوَّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ - بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ فَلَامٌ - لُقِّبَ بِاسْمِ جَبَلٍ لِطُولِهِ وَاسْمُهُ خَيْرٌ ضِدُّ شَرٍّ. وَفِي سَعْدٍ قَالَ الشَّاعِرُ: مَا أَرَى فِي النَّاسِ طُرًّا رَجُلًا حَضَرَ الْبَأْسَ كَسَعْدِ بْنِ سَيْلِ فَارِسٌ أَضْبَطَ فِيهِ عُسْرَةً وَإِذَا مَا وَافَقَ الْقَرْنَ نَزَلَ وَتَرَاهُ يَطْرُدُ الْخَيْلَ كَمَا يَطْرُدُ الْحُرُّ الْقُطَامِيُّ الْحَجَلْ وَيُقَالُ: إِنَّ سَعْدًا هَذَا أَوَّلُ مَنْ حَلَّى السُّيُوفَ بِالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ. فَوَلَدَتْ لَهُ زُهْرَةَ وَقُصَيًّا. فَهَلَكَ كِلَابٌ وَقُصَيٌّ صَغِيرٌ. فَتَزَوَّجَ فَاطِمَةَ أُمَّ قُصَيٍّ رَبِيعَةُ بْنُ حَرَامِ بْنِ ضَبَّةَ فَاحْتَمَلَهَا - رَبِيعَةُ وَمَعَهَا قُصَيٌّ صَغِيرٌ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: رَضِيعٌ. قَالَ الرُّشَاطِيُّ: فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ لِرَبِيعَةَ رَزَاحًا وَكَانَ أَخَاهُ لِأُمِّهِ، فَرُبِّيَ فِي حِجْرِ رَبِيعَةَ، فَسُمِّيَ قُصَيًّا لِبُعْدِهِ عَنْ دَارِ قَوْمِهِ. قَالَ الرُّشَاطِيُّ: وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: سُمِّيَ قُصَيًّا لِأَنَّهُ قَصَا قَوْمَهُ أَيْ تَقَصَّاهُمْ بِالشَّامِ، فَنَقَلَهُمْ إِلَى مَكَّةَ. قَالَ الرُّشَاطِيُّ: وَإِنَّ زَيْدًا وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آلِ رَبِيعَةَ شَرٌّ فَقِيلَ لَهُ: أَلَا تَلْحَقُ بِقَوْمِكَ! وَعُيِّرَ بِالْغُرْبَةِ وَكَانَ لَا يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ أَبًا غَيْرَ رَبِيعَةَ فَرَجَعَ إِلَى أُمِّهِ وَشَكَا إِلَيْهَا مَا قِيلَ لَهُ. فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ أَنْتَ أَكْرَمُ نَفْسًا وَأَبًا، أَنْتَ ابْنُ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ وَقَوْمُكَ بِمَكَّةَ عِنْدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ. فَأَجْمَعَ قُصَيٌّ عَلَى الْخُرُوجِ، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أَقِمْ حَتَّى يَدْخُلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ فَتَخْرُجَ فِي حَاجِّ الْعَرَبِ، فَلَمَّا دَخَلَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ خَرَجَ مَعَ حَاجِّ قُضَاعَةَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ فَحَجَّ وَأَقَامَ، فَعَرَفَتْ لَهُ قُرَيْشٌ قَدْرَهُ وَفَضْلَهُ وَعَظَّمَتْهُ وَأَقَرَّتْ لَهُ بِالرِّيَاسَةِ وَالسُّؤْدُدِ، وَكَانَ أَبْعَدَهَا رَأْيًا وَأَصْدَقَهَا لَهْجَةً وَأَوْسَعَهَا بَذْلًا، وَأَبْيَنَهَا عَفَافًا، وَكَانَ أَوَّلُ مَالٍ أَصَابَهُ مَالُ رَجُلٍ قَدِمَ مَكَّةَ بِأُدْمٍ كَثِيرٍ فَبَاعَهُ وَحَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَوَهَبَهُ لِقُصَيٍّ وَدَفَعَهُ لَهُ. وَكَانَتْ خُزَاعَةُ مُسْتَوْلِيَةً عَلَى الْأَبْطَحِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْزِلُ الشِّعَابَ وَالْجِبَالَ وَأَطْرَافَ مَكَّةَ وَمَا حَوْلَهَا فَخَطَبَ قُصَيٌّ إِلَى حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ الْخُزَاعِيِّ ابْنَتَهُ حُبَّى، فَعَرَفَ حُلَيْلُ نَسَبَهُ فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ وَحُلَيْلٌ يَوْمَئِذٍ يَلِي الْكَعْبَةَ وَأَمْرَ مَكَّةَ. فَأَقَامَ قُصَيٌّ مَعَهُ.
التاريخ 428لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ قُصَيٍّ وَأُمُّهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ: عَبْدَ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ الدَّارِ بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ الْعُزَّى بْنَ قُصَيٍّ، وَعَبْدَ ( قُصَيِّ ) بْنَ قُصَيٍّ، وَتَخْمُرَ بِنْتَ قُصَيٍّ، وَبَرَّةَ بِنْتَ قُصَيٍّ. وَأُمُّهُمْ حُبَيُّ بِنْتُ حُلَيْلِ بْنِ حَبَشِيَّةَ بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو الْخُزَاعِيِّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حُبْشِيَّةُ بْنُ سَلُولَ.
التاريخ 429لا حكم مسجّل
ابْنُ كِلَابٍ كِلَابٌ: بِكَسْرِ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ مَنْقُولٌ. وَفِي وَجْهٍ نَقَلَهُ عَنِ الْجَمْعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ: إِمَّا مِنَ الْمَصْدَرِ الَّذِي فِي مَعْنَى الْمُكَالَبَةِ نَحْوَ كَالَبْتُ الْعَدُوَّ مُكَالَبَةً وَكِلَابًا، وَإِمَّا مِنَ الْكِلَابِ جَمْعُ كَلْبٍ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْكَثْرَةَ كَمَا سَمَّوْا بِسِبَاعٍ وَأَنْمَارٍ. وَالثَّانِي: مَا نَقَلَهُ فِي "الْمَوْرِدِ" وَ "الْفَتْحِ" عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ مُحِبًّا لِلصَّيْدِ مُولَعًا بِهِ بِالْكِلَابِ وَجَمَعَ مِنْهَا شَيْئًا كَثِيرًا، فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِكِلَابٍ عَلَى قَوْمٍ قِيلَ: هَذِهِ كِلَابُ ابْنِ مُرَّةَ. فَبَقِيَ لَقَبًا لَهُ. وَيُكَنَّى أَبَا زُهْرَةَ، وَأُمُّ كِلَابٍ: هِنْدٌ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَلَهُ أَخَوَانِ لِأَبِيهِ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ، وَهُمَا تَيْمٌ وَيَقَظَةُ، أُمُّهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ جَارِيَةَ الْبَارِقِيَّةُ، وَقِيلَ: يَقَظَةُ لِهِنْدٍ بِنْتِ سُرَيْرٍ أُمِّ كِلَابٍ. ( يَقَظَةُ بِالْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَبِفَتْحِ الْقَافِ وَالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ ). وَيُقَالُ: تَيْمٌ لِهِنْدِ بِنْتِ سُرَيْرٍ أُمِّ كِلَابٍ.
التاريخ 430لا حكم مسجّل
وَلَدَ كِلَابٌ رَجُلَيْنِ قُصَيَّ بْنَ كِلَابٍ وَزُهْرَةَ بْنَ كِلَابٍ، وَأُمُّهُمَا فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ أَحَدِ الْجَدَرَةِ مِنْ جُعْثُمَةَ الْأَسَدِ مِنَ الْيَمَنِ حُلَفَاءِ بَنِي الدُّئِلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَفِي أَبِيهَا يَقُولُ الشَّاعِرُ مَا نَرَى فِي النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا مَنْ عَلِمْنَاهُ كَسَعْدِ بْنِ سَيَلْ فَارِسًا أَضْبَطَ فِيهِ عُسْرَةٌ وَإِذَا مَا وَاقَفَ الْقِرْنَ نَزَلْ فَارِسًا يَسْتَدْرِجُ الْخَيْلَ كَمَا اسْتَدْرَجَ الْحُرُّ الْقَطَامِيُّ الْحَجَلْ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: سَيَلُ اسْمُهُ خَيْرُ بْنُ حَمَالَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ طُلِيَتْ لَهُ السُّيُوفُ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجَدَرَةَ ; لِأَنَّ عَامِرَ بْنَ عَمْرِو بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ جُعْثُمَةَ تَزَوَّجَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَتْ جُرْهُمٌ إِذْ ذَاكَ وُلَاةَ الْبَيْتِ فَبَنَى لِلْكَعْبَةِ جِدَارًا فَسُمِّيَ عَامِرٌ بِذَلِكَ الْجَادِرُ فَقِيلَ لِوَلَدِهِ: الْجَدَرَةُ لِذَلِكَ. [ بَقِيَّةُ أَوْلَادِ كِلَابٍ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنُعْمُ بِنْتُ كِلَابٍ، وَهِيَ أُمُّ أَسْعَدَ وَسُعَيْدٍ ابْنَيْ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ.
التاريخ 431لا حكم مسجّل
مُرَّةُ: بِضَمِّ الْمِيمِ. وَفِيمَا نُقِلُّ مِنْهُ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ وَصْفِ الْحَنْظَلَةِ وَالْعَلْقَمَةِ، وَكَثِيرًا مَا يُسَمُّونَ بِحَنْظَلَةَ وَعَلْقَمَةَ. وَالتَّاءُ عَلَى هَذَا لِلتَّأْنِيثِ. الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ وَصْفِ الرَّجُلِ بِالْمَرَارَةِ. قَالَهُ أَبُو عُبَيْدً. يُقَالُ: مَرَّ الشَّيْءُ وَأَمَرَّ إِذَا اشْتَدَّتْ مَرَارَتُهُ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَيُقَوِّي هَذَا قَوْلُهُمْ: تَمِيمُ بْنُ مُرٍّ. فَالتَّاءُ عَلَى هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ. الثَّالِثُ: قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَأَحْسَبُ أَنَّهُ مِنَ الْمُسَمَّيْنَ بِالنَّبَاتِ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ذَكَرَ أَنَّ الْمُرَّةَ بَقْلَةٌ تُقْطَعُ فَتُؤْكَلُ بِالْخَلِّ يُشْبِهُ وَرَقُهَا وَرَقَ الْهِنْدِبَاءِ. الرَّابِعُ: أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقُوَّةِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ذُو مِرَّةٍ أَيْ قُوَّةٍ. وَيُقَالُ مَرَّ الرَّجُلُ إِذَا أَحْكَمَ صَنْعَتَهُ. الْخَامِسُ: أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَّ الشَّيْءُ إِذَا اشْتَدَّتْ مَرَارَتُهُ. قَالَ تَعَالَى: وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ نَقَلَهُ ابْنُ دِحْيَةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ. وَيُكَنَّى أَبَا يَقَظَةَ، وَأُمُّ مُرَّةَ: مَخْشِيَّةُ ابْنَةُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأَخَوَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: هُصَيْصٌ وَعَدِيٌّ، وَقِيلَ: أُمُّ عَدِيٍّ رَقَاشُ بِنْتُ رُكْبَةَ بْنِ نَائِلَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَرْبِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ فَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ عَيْلَانَ. ( هُصَيْصٌ: بِضَمِّ الْهَاءِ، وَفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَصَادٌ ثَانِيَةٌ ). [ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهُوَ فِي نَسَبِ غَطَفَانَ: مُرَّةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ. وَهُمْ يَقُولُونَ إذَا ذُكِرَ لَهُمْ هَذَا النَّسَبُ: مَا نُنْكِرُهُ وَمَا نَجْحَدُهُ، وَإِنَّهُ لَأَحَبُّ النَّسَبِ إلَيْنَا. وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَحَدُ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفِ - حِينَ هَرَبَ مِنْ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَلَحِقَ بِقُرَيْشٍ: : فَمَا قَوْمِي بِثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ وَلَا بِفَزَارَةِ الشُّعُرِ الرِّقَابَا وَقَوْمِي، إنْ سَأَلْتَ، بَنُو لُؤَيٍّ بِمَكَّةَ عَلَّمُوا مُضَرَ الضِّرَابَا سَفِهْنَا بِاتِّبَاعِ بَنِي بَغِيضِ وَتَرْكِ الْأَقْرَبِينَ لَنَا انْتِسَابَا سَفَاهَةَ مُخْلِفٍ لِمَا تُرَوَّى هَرَاقَ الْمَاءَ وَاتَّبَعَ السَّرَابَا فَلَوْ طُووِعْتَ، عَمْرَكَ، كُنْتَ فِيهِمْ وَمَا أُلْفِيتُ أَنْتَجِعُ السَّحَابَا وَخَشَّ رَوَاحَةُ الْقُرَشِيِّ رِحَلِي بِنَاجِيَةٍ وَلَمْ يَطْلُبْ ثَوَابَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ مِنْهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ الْمُرِّيُّ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي سَهْمِ بْنِ مُرَّةَ، بِرَدٍّ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ ظَالِمٍ، وَيَنْتَمِي إلَى غَطَفَانَ: : أَلَا لَسْتُمْ مِنَّا وَلَسْنَا إلَيْكُمْ بَرِئْنَا إلَيْكُمْ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ أَقَمْنَا عَلَى عِزِّ الْحِجَازِ وَأَنْتُمْ بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ يَعْنِي قُرَيْشًا. ثُمَّ نَدِمَ الْحُصَيْنُ عَلَى مَا قَالَ، وَعَرَفَ مَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ ظَالِمٍ، فَانْتَمَى إلَى قُرَيْشٍ وَأَكْذَبَ نَفْسَهُ، فَقَالَ: : نَدِمْتُ عَلَى قَوْلٍ مَضَى كُنْتُ قُلْتُهُ تَبَيَّنْتُ فِيهِ أَنَّهُ قَوْلُ كَاذِبٍ فَلَيْتَ لِسَانِي كَانَ نِصْفَيْنِ مِنْهُمَا بَكِيمٌ وَنِصْفٌ عِنْدَ مَجْرَى الْكَوَاكِبِ أَبُونَا كِنَانِيٌّ بِمَكَّةَ قَبْرُهُ بِمُعْتَلَجِ الْبَطْحَاءِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ لَنَا الرُّبُعُ مِنْ بَيْتِ الْحَرَامِ وِرَاثَةً وَرُبُعُ الْبِطَاحِ عِنْدَ دَارِ ابْنِ حَاطِبِ أَيْ أَنَّ بَنِي لُؤَيٍّ كَانُوا أَرْبَعَةً: كَعْبًا، وَعَامِرًا، وَسَامَةَ وَعَوْفًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ قَالَ لِرِجَالِ مِنْ بَنِي مُرَّةَ: إنْ شِئْتُمْ أَنْ تَرْجِعُوا إلَى نَسَبِكُمْ فَارْجِعُوا إلَيْهِ. [ سَادَاتُ مُرَّةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْقَوْمُ أَشْرَافًا فِي غَطَفَانَ، هُمْ سَادَتُهُمْ وَقَادَتْهُمْ. مِنْهُمْ: هَرِمُ بْنِ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ [ بْنِ مُرَّةَ بْنِ نُشْبَةَ ] ، وَخَارِجَةُ بْنُ سِنَانِ بْنِ أَبِي حَارِثَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ الْحُمَامِ، وَهَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَةَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ: : أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمَ بْنُ حَرْمَلَهُ يَوْمَ الْهَبَاآتِ وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهُ يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ [ هَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَةَ، وَعَامِرٌ الْخَصَفِيُّ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِعَامِرِ الْخَصَفِيِّ، خَصَفَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ: : أَحْيَا أَبَاهُ هَاشِمُ بْنُ حَرْمَلَهُ يَوْمَ الْهَبَاآتِ وَيَوْمَ الْيَعْمَلَهْ تَرَى الْمُلُوكَ عِنْدَهُ مُغَرْبَلَهُ يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهْ وَرُمْحُهُ لِلْوَالِدَاتِ مُشْكِلَهْ وَحَدَّثَنِي أَنَّ هَاشِمًا قَالَ لِعَامِرِ: قُلْ فِيَّ بَيْتًا جَيِّدًا أُثِبْكَ عَلَيْهِ؛ فَقَالَ عَامِرٌ الْبَيْتَ الْأَوَّلَ، فَلَمْ يُعْجِبْ هَاشِمًا: ثُمَّ قَالَ الثَّانِيَ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ؛ ثُمَّ قَالَ الثَّالِثَ، فَلَمْ يُعْجِبْهُ، فَلَمَّا قَالَ الرَّابِعَ: يَقْتُلُ ذَا الذَّنْبِ وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ أَعْجَبَهُ، فَأَثَابَهُ عَلَيْهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَلِكَ الَّذِي أَرَادَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: : وَهَاشِمَ مُرَّةَ الْمُفْنِي مُلُوكًا بِلَا ذَنْبٍ إلَيْهِ وَمُذْنِبِينَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَوْلُ عَامِرٍ: يَوْمَ الْهَبَاآتِ عَنْ غَيْرِ أَبِي عُبَيْدَةَ. [ مُرَّةُ وَالْبَسْلُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَوْمٌ لَهُمْ صِيتٌ وَذِكْرٌ فِي غَطَفَانَ وَقَيْسٍ كُلِّهَا، فَأَقَامُوا عَلَى نَسَبِهِمْ، وَفِيهِمْ كَانَ الْبَسْلُ. أَمْرُ الْبَسْلِ [ تَعْرِيفُ الْبَسْلِ، وَنَسَبُ زُهَيْرٍ الشَّاعِرِ ] وَالْبَسْلُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ حُرُمٍ، لَهُمْ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ مِنْ بَيْنِ الْعَرَبِ قَدْ عَرَفَتْ ذَلِكَ لَهُمْ الْعَرَبُ لَا يُنْكِرُونَهُ وَلَا يَدْفَعُونَهُ، يَسِيرُونَ بِهِ إلَى أَيِّ بِلَادِ الْعَرَبِ شَاءُوا، لَا يَخَافُونَ مِنْهُمْ شَيْئًا. قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى، يَعْنِي بَنِي مُرَّةَ: - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زُهَيْرُ أَحَدُ بَنِي مُزَيْنَةَ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَيُقَالُ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى مِنْ غَطَفَانَ، وَيُقَالُ حَلِيفٌ فِي غَطَفَانَ: تَأَمَّلْ فَإِنْ تُقْوِ الْمَرُورَاةَ مِنْهُمْ وَدَارَاتِهَا لَا تُقْوِ مِنْهُمْ إذًا نَخْلُ بِلَادٌ بِهَا نَادِمَتُهُمْ وَأَلِفْتُهُمْ فَإِنْ تُقْوِيَا مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ بَسْلُ يَقُولُ: سَارُوا فِي حَرَمِهِمْ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: : أَجَارَتُكُمْ بَسْلٌ عَلَيْنَا مُحَرَّمٌ وَجَارَتُنَا حِلٌّ لَكُمْ وَحَلِيلُهَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. [ أَوْلَادُ كَعْبٍ وَأُمُّهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَعَدِيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَهُصَيْصَ بْنَ كَعْبٍ. وَأُمُّهُمْ وَحْشِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ. [ أَوْلَادُ مُرَّةَ وَأُمَّهَاتُهُمْ ] فَوَلَدَ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: كِلَابَ بْنَ مُرَّةَ، وَتَيْمَ بْنَ مُرَّةَ، وَيَقَظَةَ بْنَ مُرَّةَ. فَأُمُّ كِلَابٍ: هِنْدُ بِنْتُ سُرَيْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ ( فِهْرِ بْنِ مَالِكِ ) بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَأُمُّ يَقَظَةَ: الْبَارِقِيَّةُ، امْرَأَةٌ مِنْ بَارِقٍ، مِنْ الْأَسْدِ مِنْ الْيَمَنِ. وَيُقَالُ: هِيَ أُمُّ تَيْمٍ. وَيُقَالُ: تَيْمٌ لِهِنْدِ بِنْتِ سُرَيْرٍ أُمِّ كِلَابٍ.
التاريخ 432لا حكم مسجّل
ابْنُ كَعْبٍ كَعْبٌ: اخْتُلِفَ مِمَّا ذَا نُقِلَ عَلَى أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنَ الْكَعْبِ الَّذِي هُوَ قِطْعَةٌ مِنَ السَّمْنِ الْجَامِدِ فِي الزِّقِّ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الظُّرُوفِ، كَمَا أَنَّ الْكَعْبَ الْقِطْعَةُ مِنَ الْأَقِطِ حَكَاهُ الزَّجَّاجِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ فِي آخَرِينَ. الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ كَعْبِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مَا شَرَفَ فَوْقَ رُسْغِهِ عِنْدَ قَدَمِهِ. وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ: نُقِلَ مِنْهُ لِارْتِفَاعِهِ وَشَرَفِهِ عَلَى قَوْمِهِ. وَاخْتَارَهُ الزَّجَّاجِيُّ وَغَيْرُهُ لِثُبُوتِهِ، مِنْ قَوْلِهِمْ ثَبَتَ ثُبُوتَ الْكَعْبِ. وَاخْتَارَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا جَاءَ فِي خَبَرِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ؓ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَوْمَ قُتِلَ وَحِجَارَةُ الْمَنْجَنِيقِ تَمُرُّ بِأُذُنِهِ، وَهُوَ لَا يَلْتَفِتُ كَأَنَّهُ كَعْبٌ رَاتِبٌ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ مِنْ كَعْبِ الْقَنَاةِ. ذَكَرَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ. قَالَ فِي الزَّهْرِ: وَلَعَلَّهُ أَشْبَهَ وَيَتَرَشَّحُ بِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِهِ عَلَى قَوْمِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَيْهِمْ وَشَرَفِهِ فِيهِمْ. وَيُكَنَّى أَبَا هُصَيْصٍ، وَأُمُّ كَعْبٍ مُعَاوِيَةُ ابْنَةُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ الْقُضَاعِيَّةُ، وَلَهُ أَخَوَانِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، أَحَدُهُمَا عَامِرٌ، وَالْآخَرُ سَامَةُ، وَلَهُمْ مِنْ أَبِيهِمْ أَخٌ كَانَ يُقَالُ لَهُ عَوْفٌ، أُمُّهُ الْبَارِدَةُ ابْنَةُ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَانْتَمَى وَلَدُهُ إِلَى غَطَفَانَ، وَكَانَ خَرَجَ مَعَ أُمِّهِ الْبَارِدَةِ إِلَى غَطَفَانَ، فَتَزَوَّجَهَا سَعْدُ بْنُ ذُبْيَانَ، فَتَبَنَّاهُ سَعْدٌ. وَلِكَعْبٍ أَيْضًا أَخَوَانِ مِنْ غَيْرِ أُمِّهِ، أَحَدُهُمَا خُزَيْمَةُ، وَهُوَ عَائِذَةُ قُرَيْشٍ، وَعَائِذَةُ أَمُّهُ وَهِيَ ابْنَةُ الْخِمْسِ بْنِ قُحَافَةَ مَنْ خَثْعَمٍ، وَالْآخَرُ سَعْدٌ، وَيُقَالُ لَهُ بُنَانَةُ، وَبُنَانَةُ أُمُّهُ، فَأَهْلُ الْبَادِيَةِ مِنْهُمْ فِي بَنِي أَسْعَدَ بْنِ هَمَّامٍ فِي بَنِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ، وَالْحَاضِرَةُ يَنْتَمُونَ إِلَى قُرَيْشٍ. وَكَانَ كَعْبٌ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْعَرَبِ، فَلِهَذَا أَرَّخُوا لِمَوْتِهِ إِلَى عَامِ الْفِيلِ ثُمَّ أَرَّخُوا بِالْفِيلِ، وَكَانَ يَخْطُبُ النَّاسَ أَيَّامَ الْحَجِّ، وَخُطْبَتُهُ مَشْهُورَةٌ يُخْبِرُ فِيهَا بِالنَّبِيِّ - ﷺ. وَكَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ هَذَا مَنْ جَمَّعَ يَوْمَ الْعَرُوبَةِ، وَلَمْ تُسَمَّ الْعَرُوبَةُ الْجُمْعَةَ إِلَّا مُنْذُ جَاءَ الْإِسْلَامُ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ. وَقِيلَ هُوَ أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهَا الْجُمْعَةَ. انْتَهَى. وَصَحَّحَ هَذَا الثَّانِيَ الْمُحِبُّ ابْنُ الْهَائِمِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: يَوْمُ الْجُمْعَةِ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِأَنَّهُ يُجْتَمَعُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ أَحَدٌ مِنَ الْجَمْعِ. قَالَ فِي الزَّهْرِ: وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: جَمَّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْجُمْعَةُ وَقَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُمُ الَّذِينَ سَمَّوْهَا الْجُمْعَةَ. وَهُوَ يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وكَانَ يَجْمَعُ قَوْمَهُ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَيَخْطُبُهُمْ. قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَيَقُولُ أَمَّا بَعْدُ فَاسْمَعُوا وَعُوا، وَافْهَمُوا وَتَعَلَّمُوا، لَيْلٌ سَاجٍ، وَنَهَارٌ ضَاحٍ وَالْأَرْضُ مِهَادٌ، وَالسَّمَاءُ بِنَاءٌ، وَالْجِبَالُ أَوْتَادٌ، وَالنُّجُومُ أَعْلَامٌ، لَمْ تُخْلَقْ عَبَثًا فَتَضْرِبُوا عَنَّا صَفْحًا، الْآخَرُونَ كَالْأَوَّلِينَ، وَالذَّكَرُ كَالْأُنْثَى، وَالزَّوْجُ وَالْفَرْدُ إِلَى بِلَى. فَصِلُوا أَرْحَامَكُمْ، وَأَوْفَوْا بِعُهُودِكُمْ، وَاحْفَظُوا أَصْهَارَكُمْ، وَثَمِّرُوا أَمْوَالَكُمْ، فَإِنَّهَا قِوَامُ مُرُوءَتِكُمْ فَهَلْ رَأَيْتُمْ مِنْ هَالِكٍ رَجَعَ، أَوْ مَيِّتٍ نُشِرَ، الدَّارُ أَمَامَكُمْ وَالْيَقِينُ غَيْرُ مَا تَظُنُّونَ، حَرَمُكُمْ زَيِّنُوهُ وَعَظِّمُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، وَسَيَخْرُجُ مِنْهُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، بِذَلِكَ جَاءَ مُوسَى وَعِيسَى ﷺ، ثُمَّ يَقُولُ: نَهَارٌ وَلَيْلٌ كُلَّ أَوْبٍ بِحَاثَ سَوَاءٌ عَلَيْنَا لَيْلُهَا وَنَهَارُهَا عَلَى غَفْلَةٍ يَأْتِي النَّبِيُّ مُحَمَّدٌ يُخَبِّرُ أَخْبَارًا صَدُوقًا خَبِيرُهَا وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ ذَا سَمْعٍ وَذَا بَصَرٍ، وَيَدٍ وَرِجْلٍ، لَتَنَصَّبْتُ فِيهَا تَنَصُّبَ الْجَمَلِ، وَلَأَرْقَلْتُ فِيهَا إِرْقَالَ الْفَحْلِ. ثُمَّ يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فَحْوَاءَ دَعْوَتِهِ حِينَ الْعَشِيرَةُ تَبْغِي الْحَقَّ خُذْلَانَا وَكَانَ بَيْنَ مَوْتِهِ وَمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وَسِتُّونَ سَنَةً. رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ" فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ. وَلَهُ مِنَ الذُّكُورِ ثَلَاثَةٌ: مُرَّةُ، وَهُصَيْصٌ الْمُكَنَّى بِهِ، وَعَدِيٌّ.
التاريخ 433لا حكم مسجّل
ابْنُ لُؤَيٍّ لُؤَيٌّ: بِضَمِّ اللَّامِ وَيُهْمَزُ وَيُسَهَّلُ: وَاخْتُلِفَ فِي الْمَنْقُولِ مِنْهُ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَصْغِيرُ لَأْيٍ وَاخْتُلِفَ فِي اللَّأْيِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ الْخُشَنِيُّ: اللَّأْيُ الثَّوْرُ الْوَحْشِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اللَّأْيُ: الْبَقَرَةُ قَالَ: وَسَمِعْتُ أَعْرَابِيًّا يَقُولُ: بِكُمْ لَأْيُكَ هَذِهِ؟ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: اللَّأْيُ: الْبُطْءُ بِضَمِّ الْبَاءِ مَهْمُوزًا ضِدُّ الْأَنَاةِ وَتَرْكِ الْعَجَلَةِ. الثَّانِي: أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ لِوَاءِ الْجَيْشِ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ مَنْقُولٌ مِنْ لِوَيِ الرَّمْلِ الْمَقْصُورِ: قَالَهُمَا ابْنُ دُرَيْدٍ. وَيُكَنَّى أَبَا كَعْبٍ، وَأُمُّ لُؤَيٍّ عَاتِكَةُ ابْنَةُ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَهِيَ أُولَى الْعَوَاتِكِ اللَّوَاتِي وَلَدْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَهُ أَخَوَانِ، أَحَدُهُمَا تَيْمُ الْأَدْرَمِ، وَالدَّرَمُ نُقْصَانٌ فِي الذَّقْنِ، قِيلَ: إِنَّهُ كَانَ نَاقِصَ اللَّحْيِ، وَالْآخَرُ قَيْسٌ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَآخِرُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فِي زَمَنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ، فَبَقِيَ مِيرَاثُهُ لَا يُدْرَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ. وَقِيلَ: إِنَّ أُمَّهُمْ سَلْمَى بِنْتُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُوَ لِحْيُ بْنُ حَارِثَةَ الْخُزَاعِيُّ. ( يَخْلُدُ: بِفَتْحِ الْيَاءِ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَبَعْدَ اللَّامِ دَالٌ مُهْمَلَةٌ ).
التاريخ 434لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ لُؤَيٍّ وَأُمَّهَاتُهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ لُؤَيُّ بْنُ غَالِبٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَسَامَةَ بْنَ لُؤَيٍّ، وَعَوْفَ بْنَ لُؤَيٍّ، فَأُمُّ كَعْبٍ وَعَامِرٍ وَسَامَةَ: مَاوِيَّةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ، مِنْ قُضَاعَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَالْحَارِثُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَهُمْ جُشَمُ بْنُ الْحَارِثِ، فِي هِزَّانَ مِنْ رَبِيعَةَ. قَالَ جَرِيرٌ: : بَنِي جُشَمٍ لَسْتُمْ لِهِزَّانَ فَانْتَمُوا لِأَعْلَى الرَّوَابِي مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَلَا تُنْكِحُوا فِي آلِ ضَوْرٍ نِسَاءَكُمْ وَلَا فِي شُكَيْسٍ بِئْسَ مَثْوَى الْغَرَائِبِ وَسَعْدُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَهُمْ بُنَانَةُ: فِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ رَبِيعَةَ وَبُنَانَةُ: حَاضِنَةٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي الْقَيْنِ بْنِ جَسْرِ بْنِ شَيْعِ اللَّهِ، وَيُقَالُ سَيْعُ اللَّهِ بْنُ الْأَسْدِ بْنِ وَبْرَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. وَيُقَالُ: بِنْتُ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، مِنْ رَبِيعَةَ. وَيُقَالُ: بِنْتُ جَرْمِ بْنِ رَبَّانَ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ. وَخُزَيْمَةُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، وَهُمْ عَائِذَةُ فِي شَيْبَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وَعَائِذَةُ: امْرَأَةٌ مِنْ الْيَمَنِ، وَهِيَ أُمُّ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ لُؤَيٍّ. وَأُمُّ بَنِي لُؤَيٍّ كُلَّهُمْ إلَّا عَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ: مَاوِيَّةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ جَسْرٍ. وَأُمُّ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ مَخْشِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ؛ وَيُقَالُ: لَيْلَى بِنْتُ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ. أَمْرُ سَامَةَ [ رِحْلَتُهُ إِلَى عَمَّانَ وَمَوْتُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا سَامَةُ بْنُ لُؤَيٍّ فَخَرَجَ إلَى عُمَانَ، وَكَانَ بِهَا. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ أَخْرَجَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ فَفَقَأَ سَامَةُ عَيْنَ عَامِرٍ، فَأَخَافَهُ عَامِرٌ، فَخَرَجَ إلَى عُمَانَ. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ سَامَةَ بْنَ لُؤَيٍّ بَيْنَا هُوَ يَسِيرُ عَلَى نَاقَتِهِ، إذْ وَضَعَتْ رَأْسَهَا تَرْتَعُ، فَأَخَذَتْ حَيَّةٌ بِمِشْفَرِهَا فَهَصَرَتْهَا حَتَّى وَقَعَتْ النَّاقَةُ لِشِقِّهَا ثُمَّ نَهَشَتْ سَامَةَ فَقَتَلَتْهُ. فَقَالَ سَامَةُ حِينَ أَحَسَّ بِالْمَوْتِ فِيمَا يَزْعُمُونَ: : عَيْنِ فَابْكِي لِسَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَّقَتْ سَاقَ سَامَةَ الْعَلَّاقَهْ لَا أَرَى مِثْلَ سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ يَوْمَ حَلُّوا بِهِ قَتِيلًا لِنَاقَهْ بَلِّغَا عَامِرًا وَكَعْبًا رَسُولًا أَنَّ نَفْسِي إلَيْهِمَا مُشْتَاقَهْ إنْ تَكُنْ فِي عُمَانَ دَارِي فَإِنِّي غَالِبِيٌّ، خَرَجْتُ مِنْ غَيْرِ نَاقَهْ رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يَا بْنَ لُؤَيٍّ حَذَرَ الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ مُهْرَاقَهْ رُمْتَ دَفْعَ الْحُتُوفِ يَا بْنَ لُؤَيٍّ مَا لِمَنْ رَامَ ذَاكَ بِالْحَتْفِ طَاقَهْ وَخَرُوسَ السَّرَى تَرَكْتَ رَدِيَّا بَعْدَ جَدٍّ وَجَدَّةٍ وَرَشَاقَهْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ وَلَدِهِ أُتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَانْتَسَبَ إلَى سَامَةَ بْنِ لُؤَيٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: آلشَّاعِرُ ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتَ قَوْلَهُ: : رُبَّ كَأْسٍ هَرَقْتَ يَا بْنَ لُؤَيٍّ حَذَرَ الْمَوْتِ لَمْ تَكُنْ مُهْرَاقَهْ قَالَ: أَجَلْ. أَمْرُ عَوْفِ بْنِ لُؤَيٍّ وَنَقَلَتِهِ [ سَبَبُ انْتِمَائِهِ إلَى بَنِي ذُبْيَانَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا عَوْفُ بْنُ لُؤَيٍّ فَإِنَّهُ خَرَجَ - فِيمَا يُزْعِمُونَ - فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى إذَا كَانَ بِأَرْضِ غَطَفَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، أُبْطِئَ بِهِ، فَانْطَلَقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَتَاهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدٍ، وَهُوَ أَخُوهُ فِي نَسَبِ بَنِي ذُبْيَانَ - ثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ. وَعَوْفُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ بَغِيضِ بْنِ رَيْثِ بْنِ غَطَفَانَ - فَحَبَسَهُ وَزَوْجَهُ وَالْتَاطَهُ وَآخَاهُ. فَشَاعَ نَسَبُهُ فِي بَنِي ذُبْيَانَ. وَثَعْلَبَةُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - الَّذِي يَقُولُ لِعَوْفٍ حِينَ أُبْطِئَ بِهِ فَتَرَكَهُ قَوْمُهُ: : احْبِسْ عَلَيَّ ابْنِ لُؤَيٍّ جَمَلَكْ تَرَكَكَ الْقَوْمُ وَلَا مَنْزِلَ لَكَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ. أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُدَّعِيًا حَيًّا مِنْ الْعَرَبِ، أَوْ مُلْحِقَهُمْ بِنَا لَادَّعَيْتُ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَوْفٍ، إنَّا لَنَعْرِفُ فِيهِمْ الْأَشْبَاهَ مَعَ مَا نَعْرِفُ مِنْ مَوْقِعِ ذَلِكَ الرَّجُلِ حَيْثُ وَقَعَ، يَعْنِي عَوْفَ بْنَ لُؤَيٍّ.
التاريخ 435لا حكم مسجّل
ابْنُ غَالِبٍ غَالِبٌ: مَنْقُولٌ مِنِ اسْمِ فَاعِلٍ مُشْتَقٍّ مِنَ الْغَلَبِ، يُقَالُ: غَلَبْتُهُ غَلَبًا بِفَتَحَاتٍ فَأَنَا غَالِبٌ. وَيُكَنَّى أَبَا تَيْمٍ، وَأُمُّ غَالِبٍ لَيْلَى ابْنَةُ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَإِخْوَتُهُ مِنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ: الْحَارِثُ وَمُحَارِبٌ وَأَسَدٌ وَعَوْفٌ وَجَوْنٌ وَذِئْبٌ، وَكَانَتْ مُحَارِبُ وَالْحَارِثُ مِنْ قُرَيْشِ الظَّوَاهِرِ، فَدَخَلَتِ الْحَارِثُ الْأَبْطَحَ.
التاريخ 436لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ غَالِبٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ غَالِبُ بْنُ فِهْرٍ رَجُلَيْنِ: لُؤَيَّ بْنَ غَالِبٍ، وَتَيْمَ بْنَ غَالِبٍ، وَأُمُّهُمَا سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ. وَتَيْمُ بْنُ غَالِبٍ: الَّذِينَ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو الْأَدْرَمِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَيْسُ بْنُ غَالِبٍ، وَأُمُّهُ سَلْمَى بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيِّ، وَهِيَ أُمُّ لُؤَيٍّ وَتَيْمٍ ابْنَيْ غَالِبٍ.
التاريخ 437لا حكم مسجّل
ابْنُ فِهْرٍ فِهْرٌ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ فَرَاءٍ مَنْقُولٌ مِنَ الْفِهْرِ، وَهُوَ مِنَ الْحِجَارَةِ الطَّوِيلِ. قَالَهُ السُّهَيْلِيُّ. قَالَ الْخُشَنِيُّ: الْفِهْرُ حَجَرُ مِلْءِ الْكَفِّ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ وَفِي "تَقْوِيمِ الْمُفْسِدِ" عَنِ الْأَصْمَعِيِّ: مَنْ أَنَّثَ الْفِهْرَ أَخْطَأَ. وَكُنْيَتُهُ أَبُو غَالِبٍ. وَأَمُّهُ جَنْدَلَةُ، بِجِيمٍ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ ابْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ، وَكَانَ رَئِيسَ أَهْلِ مَكَّةَ وَهُوَ قُرَيْشٌ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَنَسَبَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَافِظُ لِأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَهُوَ الَّذِي أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ نُسَّابِ الْعَرَبِ: أَنَّ مَنْ جَاوَزَ فِهْرًا فَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَهِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَلْبِيُّ، وَمُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ وَخَلْقٌ، وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ بْنُ الْعَلَائِيِّ: وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ النَّسَبِ. وَقِيلَ: إِنَّ قُرَيْشًا هُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ. وَبِهِ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ؓ وَعَنْهُمْ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْحَافِظُ صَلَاحُ الدِّينِ الْعَلَائِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْحُجَّةُ لَهُ حَدِيثُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ ؓ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ كِنْدَةَ فَقُلْتُ: أَلَسْتُمْ مِنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "لَا نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُوا أُمَّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ. قَالَ الْعَلَائِيُّ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ ظَاهِرٌ. أَيْ لَا نَتْرُكُ النَّسَبَ إِلَى الْآبَاءِ وَنَنْتَسِبُ إِلَى الْأُمَّهَاتِ. فَصْلٌ وَكَانَ فِهْرٌ فِي زَمَانِهِ رَئِيسَ النَّاسِ بِمَكَّةَ، وَكَانَ قَدْ أَقْبَلَ مِنَ الْيَمَنِ حَسَّانُ بْنُ عَبْدِ كُلَالٍ الْحِمْيَرِيُّ يُرِيدُ أَنْ يَنْقُلَ أَحْجَارَ الْكَعْبَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْيَمَنِ، لِيَجْعَلَ النَّاسَ عِنْدَهُ، فَنَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَأَغَارَ عَلَى سَرْحِ النَّاسِ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ وَقَبَائِلُ كِنَانَةَ وَخُزَيْمَةُ وَأَسَدٍ وَجُذَامٍ، وَرَئِيسُهُمْ يَوْمَئِذٍ هُوَ [فِهْرُ] بْنُ مَالِكٍ. فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا فَهُزِمَتْ حِمْيَرُ وَأُسِرَ حَسَّانُ، أَسَرَهُ الْحَارِثُ بْنُ فِهْرٍ، فَأَقَامَ فِي الْأَسْرِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتَّى افْتَدَى نَفْسَهُ مِنْهُمْ، فَأُخْرِجَ، فَمَاتَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ
التاريخ 438لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ فِهْرٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: غَالِبَ بْنَ فِهْرٍ، وَمُحَارِبَ بْنَ فِهْرٍ، وَالْحَارِثَ بْنَ فِهْرٍ، وَأَسَدَ بْنَ فِهْرٍ، وَأُمُّهُمْ لَيْلَى بِنْتُ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَجَنْدَلَةُ بِنْتُ فِهْرٍ، وَهِيَ أُمُّ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ يَدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَأُمُّهَا لَيْلَى بِنْتُ سَعْدٍ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ بْنِ الْخَطَفِيِّ - وَاسْمُ الْخَطَفِيِّ حُذَيْفَةُ بْنُ بَدْرِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ: وَإِذَا غَضِبْتُ رَمَى وَرَائِي بِالْحَصَى أَبْنَاءُ جَنْدَلَةٍ كَخَيْرِ الْجَنْدَلِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
التاريخ 439لا حكم مسجّل
ابْنُ مَالِكٍ مَالِكٌ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ مَلَكَ يَمْلِكُ فَهُوَ مَالِكٌ. وَجَمْعُهُ مُلَّاكٌ وَمُلَّكٌ. وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْحَارِثِ، وَأُمُّهُ عَاتِكَةُ بِنْتُ عُدْوَانَ، وَهُوَ الْحَارِثُ بْنُ قَيْسِ عَيْلَانَ، وَلَقَبُهَا عِكْرِشَةُ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَقِيلَ: إِنَّ النَّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ كَانَ اسْمُهُ قُرَيْشًا. وَقِيلَ: لَمَّا جَمَعَهُمْ قُصَيٌّ قِيلَ لَهُمْ قُرَيْشٌ، وَالتَّقَرُّشُ التَّجَمُّعُ. وَقِيلَ لَمَّا مَلَكَ قُصَيٌّ الْحَرَمَ وَفَعَلَ أَفْعَالًا جَمِيلَةً قِيلَ لَهُ الْقُرَشِيُّ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ بِهِ، وَهُوَ مِنْ الِاجْتِمَاعِ أَيْضًا، أَيْ لِاجْتِمَاعِ خِصَالِ الْخَيْرِ فِيهِ، وَقَدْ قِيلَ فِي تَسْمِيَةِ قُرَيْشٍ أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَى ذِكْرِهَا. وَقُصَيٌّ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ وَقُودَ النَّارِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانَتْ تُوقَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمِنْ بَعْدِهِ.
التاريخ 440لا حكم مسجّل
ابْنُ النَّضْرِ النَّضْرُ: بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ رَاءٍ وَاسْمُهُ قَيْسٌ، وَلُقِّبَ النَّضْرَ لِنَضَارَةِ وَجْهِهِ وَجِمَالِهِ، مَنْقُولٌ مِنَ النَّضْرِ اسْمٌ لِلذَّهَبِ الْأَحْمَرِ، وَيُكَنَّى أَبَا يَخْلُدَ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَلَامٍ مَضْمُومَةٍ فَدَالٍ مُهْمَلَةٍ. وَلَهُ مِنَ الذُّكُورِ: مَالِكٌ وَيَخْلُدُ. وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَالصَّلْتُ وَأُمُّهُ بَرَّةُ بِنْتُ مُرِّ بْنِ أُدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: خَلَفَ عَلَيْهَا كِنَانَةُ بَعْدَ أَبِيهِ فَوَلَدَتْ لَهُ النَّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ وَكَانَ ذَلِكَ مُبَاحًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِشَرْعٍ مُتَقَدِّمٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي انْتَهَكُوهَا وَلَا مِنَ الْعَظَائِمِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا، لِأَنَّهُ أَمْرٌ كَانَ فِي عَمُودِ النَّسَبِ. وَقَدْ قَالَ ﷺ: "أَنَا مِنْ نِكَاحٍ لَا مِنْ سِفَاحٍ". وَكَذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ أَيْ مَا قَدْ سَلَفَ مِنْ تَحْلِيلِ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَفَائِدَةُ الِاسْتِثْنَاءِ أَنَّهُ لَا يُعَابُ نَسَبُ النَّبِيِّ ﷺ، وَلِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي أَجْدَادِهِ مَنْ كَانَ لِغِيَّةٍ وَلَا مِنْ سِفَاحٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ لِشَيْءٍ نَهَى عَنْهُ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ نَحْوَ قَوْلِهِ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى وَلَمْ يَقُلْ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ. وَلَا فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَعَاصِي الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ قَدْ كَانَ مُبَاحًا أَيْضًا فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا، وَقَدْ جَمَعَ يَعْقُوبُ ﷺ بَيْنَ رَاجِيلَ أَيْ بِالْجِيمِ وَأُخْتِهَا لَيَّا. فَبِقَوْلِهِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ الْتِفَاتٌ فِي هَذِهِ الْمَعْنَى وَتَنْبِيهٌ عَلَى هَذَا الْمَغْزَى وَهَذِهِ النُّكْتَةُ تَلَقَّيْتُهَا مِنْ شَيْخِنَا الْإِمَامِ الْحَافِظِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. انْتَهَى. وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ أَبُو الرَّبِيعِ وَزَادَ أَنَّ عَادَةَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ خَلَفَ عَلَى زَوْجَتِهِ بَعْدَهُ أَكْبَرُ بَنِيهِ مِنْ غَيْرِهَا إِلَى آخِرِهِ. قَالَ فِي الْمَوْرِدِ: وَلَمَّا وَقَفْتُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَقَمْتُ مُفَكِّرًا مُدَّةً، لِكَوْنِ بَرَّةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ زَوْجًا لِخُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ. فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ وَلَدُهُ كِنَانَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ فَجَاءَ لَهُ مِنْهَا النَّضْرُ ابْنُ كِنَانَةَ، وَأَنَّ هَذَا وَقَعَ فِي نَسَبِ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَرُوِينَا مِنْ طَرِيقِ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا وَلَّدَنِي مِنْ سِفَاحِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ شَيْءٌ مَا وَلَّدَنِي إِلَّا نِكَاحٌ كَنِكَاحِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ" وَيَقُولُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّهُ كَتَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أُمٍّ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. ثُمَّ رَأَيْتُ أَبَا عُثْمَانَ عَمْرَو بْنَ بَحْرٍ الْجَاحِظَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ كِتَابَ "الْأَصْنَامِ" قَالَ فِيهِ: وَخَلَفَ كِنَانَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ عَلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَهِيَ بَرَّةُ بِنْتُ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ وَهِيَ أُمُّ أَسَدِ بْنِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَلَمْ تَلِدْ لِكِنَانَةَ وَلَدًا ذَكَرًا. وَلَكِنْ كَانَتْ بِنْتَ أَخِيهَا وَهِيَ بَرَّةُ بِنْتُ مُرِّ بْنِ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ، أُخْتٌ لِجُشْمِ بْنِ مُرٍّ، عِنْدَ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ النَّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ. وَإِنَّمَا غَلِطَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لَمَّا سَمِعُوا أَنَّ كِنَانَةَ خَلَفَ عَلَى زَوْجَةِ أَبِيهِ، وَلِاتِّفَاقِ اسْمِهِمَا وَتَقَارُبٍ نَسَبِهِمَا وَقَعَ هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ. قَالَ: وَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ أَصَابَ نَسَبَ سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَقْتُ نِكَاحٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا زِلْتُ أَخْرُجُ مِنْ نِكَاحٍ كَنِكَاحِ الْإِسْلَامِ حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ أَبِي وَأُمِّي" قَالَ: فَمَنِ اعْتَقَدَ غَيْرَ هَذَا فَقَدَ كَفَرَ وَشَكَّ فِي هَذَا الْخَبَرِ. وَنَقَلَ فِي الزَّهْرِ كَلَامَ الْجَاحِظِ وَفِيهِ أَنَّ بَرَّةَ كَانَتْ بِنْتَ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ الَّتِي خَلَفَ عَلَيْهَا كِنَانَةُ مَاتَتْ وَلَمْ تَلِدْ لَهُ فَتَزَوَّجَ بَعْدَهَا بِابْنَةِ أَخِيهَا بَرَّةَ، فَأَوْلَدَهَا أَوْلَادًا. انْتَهَى. قَالَ فِي الزَّهْرِ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَإِنَّ خِلَافَهُ غَلَطٌ ظَاهِرٌ، لِأَنَّهُ مُصَادِمٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: "لَمْ يَجْمَعِ اللَّهُ أَبَوَيَّ عَلَى سِفَاحٍ قَطُّ" وَهَذَا سَفَاحٌ بِإِجْمَاعٍ، وَلَا يَعْتَقِدُ هَذَا فِي نَسَبِهِ الطَّاهِرِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الَّذِي يَثْلَجُ بِهِ الصَّدْرُ وَيَذْهَبُ بِهِ وَحَرُهُ وَيُزِيلُ الشَّكَّ وَيُطْفِئُ شَرَرَهُ. قُلْتُ: وَمَا ذَكَرَهُ الْجَاحِظُ مِنَ النَّفَائِسِ الَّتِي يَرْحَلُ إِلَيْهَا. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي طَهَارَةِ نَسَبِهِ ﷺ مَا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ. وَالسُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تَبِعَ فِي ذَلِكَ الزُّبَيْرَ، وَالزُّبَيْرُ كَأَنَّهُ تَبَعُ الْكَلْبِيِّ، وَالْكَلْبِيُّ ذَكَرَ ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبَلَاذُرِيُّ، وَالْكَلْبِيُّ مَتْرُوكٌ، وَلَوْ نَقَلَ ذَلِكَ ثِقَةٌ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ لِبُعْدِ الزَّمَانِ وَعَدَمِ الْمُشَاهَدَةِ وَمُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ فِي طَهَارَةِ نَسَبِهِ ﷺ. عَلَى أَنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ جَزَمَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي الْآيَةِ إِنَّمَا سِيقَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّحْرِيمِ وَسَدِّ الطُّرُقِ إِلَى الْإِبَاحَةِ لِأَنَّ الْمَعْنَى إِنْ أَمْكَنَكُمْ أَنْ تَنْكِحُوا مَا قَدْ سَلَفَ فَانْكِحُوهُ. فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ غَيْرُهُ، مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ عَلَّقَ نَقِيضَ الْمُدَّعَى وَهُوَ إِثْبَاتُ الْحِلِّ بِالْمُحَالِ وَهُوَ نِكَاحُ مَا سَلَفَ، فَيَكُونُ مُحَالًا، وَحِينَئِذٍ فَعَدَمُ الْحِلِّ مُتَحَقِّقٌ إِذْ ذَاكَ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا، بِخِلَافِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ فَإِنَّهُ مَعَ ذِكْرِ الِاسْتِثْنَاءِ فِيهِ أَيْضًا وَقَعَ مُقْتَرِنًا بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُ قَبْلُ كَانَ مَغْفُورًا حَيْثُ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا. وَهَذَا كَمَا فِي قَوْلِهِ: وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ فَأَكَّدَ الْمَدْحَ بِمَا يُشْبِهُ الذَّمَّ، لِأَنَّ الْمَعْنَى إِنْ كَانَ فُلُولُ السَّيْفِ عَيْبًا فَهُوَ عَيْبٌ، وَلَيْسَتْ بِعَيْبٍ لِأَنَّهَا مِنْ كَمَالِ الشَّجَاعَةِ فَإِثْبَاتُ الْعَيْبِ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ تَعْلِيقٌ بِمُحَالٍ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَعَلَى هَذَا جَرَى الْإِمَامُ الطِّيبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَبَسَطَ الْكَلَامَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
التاريخ 441لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ النَّضْرِ وَأُمَّهَاتُهُمْ ] فَوَلَدَ النَّضْرُ بْنُ كِنَانَةَ رَجُلَيْنِ: مَالِكَ بْنَ النَّضْرِ، وَيَخْلُدَ بْنَ النَّضْرِ، فَأُمُّ مَالِكٍ: عَاتِكَةُ بِنْتُ عَدْوَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ وَلَا أَدْرِي أَهِيَ أُمُّ يَخْلُدَ أَمْ لَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالصَّلْتُ بْنُ النَّضْرِ - فِيمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ - وَأُمُّهُمْ جَمِيعًا بِنْتُ سَعْدِ بْنِ ظَرِبٍ الْعَدْوَانِيِّ. وَعَدْوَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ. قَالَ كُثَيِّرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ كُثَيِّرُ عَزَّةَ أَحَدُ بَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ: : أَلَيْسَ أَبِي بِالصَّلْتِ أَمْ لَيْسَ إخْوَتِي لِكُلِّ هِجَانٍ مِنْ بَنِي النَّضْرِ أَزْهَرَا رَأَيْتُ ثِيَابَ الْعَصْبِ مُخْتَلِطَ السَّدَى بِنَّا وَبِهِمْ وَالْحَضْرَمِيَّ الْمُخَصَّرَا فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا مِنْ بَنِي النَّضْرِ فَاتْرُكُوا أَرَاكًا بِأَذْنَابِ الْفَوَائِجِ أَخْضَرَا وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَاَلَّذِينَ يُعْزَوْنَ إلَى الصَّلْتِ بْنِ النَّضْرِ مِنْ خُزَاعَةَ، بَنُو مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، رَهْطُ كُثَيِّرِ عَزَّةَ. [ وَلَدُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ وَأُمُّهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مَالِكُ بْنُ النَّضْرِ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ، وَأُمُّهُ جَنْدَلَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ الْجُرْهُمِيِّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَيْسَ بِابْنِ مُضَاضٍ الْأَكْبَرِ.
التاريخ 442لا حكم مسجّل
ابْنُ كِنَانَةَ كِنَانَةُ: بِكَسْرِ الْكَافِ وَنُونَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ ثُمَّ هَاءٌ مَنْقُولٌ مِنَ الْكِنَانَةِ الَّتِي هِيَ الْجَعْبَةُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ سِتْرًا عَلَى قَوْمِهِ كَالْكِنَانَةِ السَّاتِرَةِ لِلسِّهَامِ. قَالَ الزَّجَّاجِيُّ مِنْ أَمْثَالِهِمْ: "قَبْلَ الرِّمَاءِ تُمْلَأُ الْكَنَائِنُ". وَيُكَنَّى أَبَا النَّضْرِ وَأُمُّهُ عَوَانَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ. وَيُقَالُ هِنْدُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ سَلَّامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ الْإِشْبِيلِيُّ. قَالَ أَبُو عَمْرٍو رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ عَامِرٌ الْعَدْوَانِيُّ لِابْنِهِ فِي وَصِيَّتِهِ: يَا بُنَيَّ أَدْرَكْتُ كِنَانَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ وَكَانَ شَيْخًا مُسِنًّا عَظِيمَ الْقَدْرِ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّ إِلَيْهِ لِعِلْمِهِ وَفَضْلِهِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ آنَ خُرُوجُ نَبِيٍّ مِنْ مَكَّةَ يُدْعَى أَحْمَدَ، يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَاتَّبِعُوهُ تَزْدَادُوا شَرَفًا وَعِزًّا إِلَى عِزِّكُمْ. قَالَ أَبُو الرَّبِيعِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ كِنَانَةَ رَأَى وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ فَقِيلَ لَهُ: تَخَيَّرْ يَا أَبَا النَّضْرِ بَيْنَ الصَّهِيلِ وَالْهَدْرِ وَعِمَارَةِ الْجُدْرِ وَعِزِّ الدَّهْرِ. فَقَالَ: كُلٌّ يَا رَبِّ. فَصَارَ هَذَا كُلُّهُ فِي قُرَيْشٍ.
التاريخ 443لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ كِنَانَةَ وَأُمَّهَاتُهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ كِنَانَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: النَّضَرَ بْنَ كِنَانَةَ، وَمَالِكَ بْنَ كِنَانَةَ، وَعَبْدَ مَنَاةَ بْنَ كِنَانَةَ، وَمِلْكَانَ بْنَ كِنَانَةَ. فَأُمُّ النَّضْرِ بَرَّةُ بِنْتُ مُرِّ بْنِ أَدِّ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ، وَسَائِرُ بَنِيهِ لِامْرَأَةِ أُخْرَى. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ النَّضْرِ وَمَالِكٍ وَمِلْكَانَ: بَرَّةُ بِنْتُ مُرٍّ؛ وَأُمُّ عَبْدِ مَنَاةَ: هَالَةُ بِنْتُ سُوَيْدِ بْنِ الْغِطْرِيفِ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ. وَشَنُوءَةُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَإِنَّمَا سُمُّوا شَنُوءَةَ، لِشَنَآنِ كَانَ بَيْنَهُمْ. والشَّنَآنُ: الْبُغْضُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّضْرُ: قُرَيْشٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ أَحَدُ بَنِي كُلَيْبِ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ تَمِيمِ بْنِ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ: : فَمَا الْأُمُّ الَّتِي وَلَدَتْ قُرَيْشًا بِمُقْرِفَةِ النَّجَّارِ وَلَا عَقِيمِ وَمَا قَرْمٌ بِأَنْجَبَ مِنْ أَبِيكُمْ وَمَا خَالٌ بِأَكْرَمَ مِنْ تَمِيمِ يَعْنِي بَرَّةَ بِنْتَ مُرٍّ أُخْتَ تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ، أُمُّ النَّضْرِ. وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَيُقَالُ: فِهْرُ بْنُ مَالِكٍ: قُرَيْشٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِهِ فَهُوَ قُرَشِيٌّ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ وَلَدِهِ فَلَيْسَ بِقُرَشِيٍّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا مِنْ التَّقَرُّشِ، وَالتَّقَرُّشُ: التِّجَارَةُ وَالِاكْتِسَابُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: : قَدْ كَانَ يُغْنِيهِمْ عَنْ الشُّغُوشِ وَالْخَشْلِ مِنْ تَسَاقُطِ الْقُرُوشِ شَحْمٌ وَمَحْضٌ لَيْسَ بِالْمَغْشُوشِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَالشُّغُوشُ: قَمْحٌ، يُسَمَّى الشُّغُوشَ. وَالْخَشْلُ: رُءُوسُ الْخَلَاخِيلِ وَالْأَسْوِرَةِ وَنَحْوِهِ. وَالْقُرُوشُ: التِّجَارَةُ وَالِاكْتِسَابُ. يَقُولُ: قَدْ كَانَ يُغْنِيهِمْ عَنْ هَذَا شَحْمٌ وَمَحْضٌ. وَالْمَحْضُ: اللَّبَنُ الْحَلِيبُ الْخَالِصُ. وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَقَالَ أَبُو جِلْدَةَ الْيَشْكُرِيُّ، وَيَشْكُرُ بْنُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ: : إخْوَةٌ قَرَشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنَا فِي حَدِيثٍ مِنْ عُمْرِنَا وَقَدِيمِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَيُقَالُ: إنَّمَا سُمِّيَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشًا لِتَجَمُّعِهَا مِنْ بَعْدِ تَفَرُّقِهَا، وَيُقَالُ لِلتَّجَمُّعِ: التَّقَرُّشُ.
التاريخ 444لا حكم مسجّل
ابْنُ خُزَيْمَةَ خُزَيْمَةُ: بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الزَّايِ مَنْقُولٌ مِنْ مُصَغَّرِ خَزْمَةَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَقِيلَ مِنْ مُصَغَّرِ خِزْمَةَ بِكَسْرِ الْخَاءِ. فَعَلَى الْأَوَّلِ اخْتُلِفَ فِي الْخَزْمَةِ مَا هِيَ. فَقِيلَ هِيَ: وَاحِدُ الْخَزْمِ وَهُوَ مِثْلُ الدَّوْمِ غَيْرَ أَنَّهُ أَقْصَرُ وَأَعْرَضُ وَأَعْبَلُ وَلَهُ أَقْنَاءُ وَبُسْرٌ يَسْوَدُّ إِذَا أَيْنَعَ، لِأَنَّهُ صَغِيرٌ مُعَرْفَصٌ، يُتَّخَذُ مِنْ سَعَفِهِ الْحِبَالُ وَيُصْنَعُ مِنْ أَسَافِلِهِ خَلَايَا لِلنَّحْلِ، وَلَهُ ثَمَرٌ لَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ وَلَكِنْ تَأْلَفُهُ الْغِرْبَانُ وَتَسْتَطِيبُهُ. قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْخَزْمَةُ خُوصَةُ الْمُقْلِ. حَكَاهُ الزَّجَّاجُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقِيلَ هِيَ مَصْدَرٌ لِلْمَرَّةِ مِنَ الْخَزْمِ. وَهُوَ شَدُّ الشَّيْءِ وَإِصْلَاحُهُ حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ. وَقِيلَ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الْخَزْمِ وَهُوَ مِنَ الشَّكِّ يُقَالُ شِرَاكٌ مَخْزُومٌ وَمَشْكُوكٌ. حَكَاهُ الزَّجَّاجِيُّ أَيْضًا. وَعَلَى الثَّانِي فَالْخِزَامَةُ قِيلَ هِيَ بُرَةٌ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ يُشَدُّ بِهَا الزِّمَامُ. وَقِيلَ إِنَّمَا هِيَ الْحَلْقَةُ الَّتِي تُجْعَلُ فِي أَنْفِ الْبَعِيرِ مِنْ شَعْرٍ وَنَحْوِهِ، قَالَ فِي "الْغُرَرِ الْمُضِيَّةِ" وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِوَجْهِ الْمُنَاسِبَةِ لِلنَّقْلِ مِمَّا ذُكِرَ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إِنَّ الِانْتِقَالَ لَا يُرَاعَى فِيهِ ذَلِكَ. بِخِلَافِ الْأَلْقَابِ. وَيُكَنَّى أَبَا أَسَدٍ. وَأَمُّهُ سَلْمَى بِنْتُ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، وَقِيلَ سَلْمَى بِنْتُ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ. وَكَانَتْ لَهُ عَلَى النَّاسِ مَكَارِمُ أَخْلَاقٍ وَأَفْضَالٍ بِعَدَدِ الزَّمَانِ حَتَّى قِيلَ فِيهِ: أَمَّا خُزَيْمَةُ فَالْمَكَارِمُ جَمَّةٌ سَبَقَتْ إِلَيْهِ وَلَيْسَ ثَمَّ عَتِيدُ وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: مَاتَ خُزَيْمَةُ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.
التاريخ 445لا حكم مسجّل
ابْنُ مُدْرِكَةَ مُدْرِكَةُ: بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْكَافِ ثُمَّ هَاءِ مُبَالَغَةٍ. مَنْقُولٌ مِنِ اسْمِ فَاعِلٍ مِنَ الْإِدْرَاكِ. وَاسْمُهُ عَمْرٌو عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي قَالَ بِهِ الْكَلْبِيُّ وَالْبَلَاذُرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَابْنُ دُرَيْدٍ وَالْمُبَرِّدُ. حَتَّى بَالَغَ الرَّضِيُّ الشَّاطِبِيُّ وَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ. وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَيُكَنَّى أَبَا هُذَيْلٍ، وَقِيلَ: أَبَا خُزَيْمَةَ، وَأُمُّهُ خِنْدِفٌ، وَهِيَ لَيْلَى ابْنَةُ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ، وَأُمُّهَا ضَرِيَّةُ ابْنَةُ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَبِهَا سُمِّيَ حِمَى ضَرِيَّةَ. وَإِخْوَةُ مُدْرِكَةَ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: عَامِرٌ، وَهُوَ طَابِخَةُ، وَعُمَيْرٌ، وَهُوَ قَمَعَةُ، يُقَالُ: إِنَّهُ أَبُو خُزَاعَةَ. قَالَ هِشَامٌ: خَرَجَ إِلْيَاسُ فِي نُجْعَةٍ لَهُ فَنَفَرَتْ إِبِلُهُ مِنْ أَرْنَبٍ، فَخَرَجَ إِلَيْهَا عَمْرٌو فَأَدْرَكَهَا فَسُمِّيَ " مُدْرِكَةَ "، وَأَخَذَهَا عَامِرٌ فَطَبَخَهَا فَسُمِّيَ طَابِخَةَ، وَانْقَمَعَ عُمَيْرٌ فِي الْخِبَاءِ فَسُمِّيَ قَمَعَةَ، وَخَرَجَتْ أُمُّهُمْ لَيْلَى تَمْشِي فَقَالَ لَهَا إِلْيَاسُ: أَيْنَ تُخَنْدِفِينَ ؟ فَسُمِّيَتْ خِنْدِفًا، وَالْخَنْدَفَةُ: ضَرْبٌ مِنَ الْمَشْيِ.
التاريخ 446لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ مُدْرِكَةَ وَخُزَيْمَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُدْرِكَةُ بْنُ إلْيَاسَ رَجُلَيْنِ: خُزَيْمَةَ بْنَ مُدْرِكَةَ، وَهُذَيْلَ بْنَ مُدْرِكَةَ؛ وَأُمُّهُمَا امْرَأَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ. فَوَلَدَ خُزَيْمَةُ بْنُ مُدْرِكَةَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: كِنَانَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَأَسَدَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَأَسَدَةَ بْنَ خُزَيْمَةَ، وَالْهُونَ بْنَ خُزَيْمَةَ، فَأُمُّ كِنَانَةَ عُوَانَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ الْهَوْنُ بْنُ خُزَيْمَةَ.
التاريخ 447لا حكم مسجّل
ابْنُ إِلْيَاسَ إِلْيَاسُ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ تُفْتَحُ فِي الِابْتِدَاءِ وَتَسْقُطُ فِي غَيْرِهِ، وَاللَّامُ فِيهِ لِلتَّعْرِيفِ وَقِيلَ لِلَمْحِ الصِّفَةِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الْيَأْسِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الرَّجَاءِ وَصَحَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: بِهَمْزَةِ قَطْعٍ فِي الْوَصْلِ وَالِابْتِدَاءِ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهِ فَقِيلَ: مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ أَلَيْسُ وَهُوَ الشُّجَاعُ الَّذِي لَا يَفِرُّ. وَقَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: أَخْبَرَنِي الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: يُقَالُ لِلسُّلِّ وَالنَّحَافَةِ: الْيَأْسُ قَالَ الشَّاعِرُ: هُوَ الْيَأْسُ أَوْ دَاءُ الْهُيَامِ أَصَابَنِي فَإِيَّاكَ عَنِّي لَا يَكُنْ بِكَ مَا بِيَا قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ إِلْيَاسُ مُشْتَقًّا مِنْ قَوْلِهِمْ: فُلَانٌ أَلْيَسُ وَهُوَ الشَّدِيدُ الْمِقْدَامُ الثَّابِتُ الْقَلْبِ فِي الْحُرُوبِ. قَالَ الْعَجَّاجُ: أَلْيَسُ يَمْشِي قُدُمًا إِذَا اذَّكَرَ مَا وَعَدَ الصَّابِرُ مِنْ خَيْرٍ صَبَرَ وَقَالَ: الْأَثْرَمُ: حَكَى خَالِدُ بْنُ كُلْثُومٍ: الْأَسَدُ أَلْيَسُ. وَقَالَ أَلْيَسُ: بَيِّنُ اللَّيَسِ. وَجَمْعُ أَلَيْسَ أَلْيَاسٌ. وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو، وَأُمُّهُ الرَّبَابُ ابْنَةُ حَيْدَةَ بْنِ مَعَدٍّ، وَقِيلَ هِيَ الْحَنْفَاءُ بِنْتُ إِيَادِ: بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. نَقَلَهُ أَبُو الرَّبِيعِ عَنِ الزُّبَيْرِ وَقِيلَ جُرْهُمِيَّةُ. ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ وَلَمْ يُسَمِّهَا. قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: وَلَمَّا أَدْرَكَ إِلْيَاسُ أَنْكَرَ عَلَى بَنِي إِسْمَاعِيلَ مَا غَيَّرُوا مِنْ سُنَنِ آبَائِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، وَبَانَ فَضْلُهُ عَلَيْهِمْ وَجَمَعَهُمْ رَأْيُهُ وَرَضُوا بِهِ فَرَدَّهُمْ إِلَى سُنَنِ آبَائِهِمْ، وَلَمْ تَزَلِ الْعَرَبُ تُعَظِّمُهُ تَعْظِيمَ أَهْلِ الْحِكْمَةِ، كَتَعْظِيمِهَا لُقْمَانَ وَأَشْبَاهَهُ. قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهُوَ وَصِيُّ أَبِيهِ. وَكَانَ ذَا جَمَالٍ بَارِعٍ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَيُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَا تَسُبُّوا إِلْيَاسَ فَإِنَّهُ كَانَ مُؤْمِنًا" انْتَهَى. وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي تَرْجَمَةِ مُضَرَ. وَذُكِرَ أَنَّهُ كَانَ يُسْمَعُ فِي صُلْبِهِ تَلْبِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِالْحَجِّ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَهْدَى إِلَى الْبَيْتِ الْبُدْنَ. قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ ؓ.
التاريخ 448لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ إلْيَاسَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ إلْيَاسُ بْنُ مُضَرَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ: مُدْرِكَةَ بْنَ إلْيَاسَ، وَطَابِخَةَ بْنَ إلْيَاسَ، وَقَمْعَةَ بْنَ إلْيَاسَ، وَأُمُّهُمْ خِنْدِفُ، امْرَأَةٌ مِنْ الْيَمَنِ. وَوُلِدَ لِقَمْعَةَ لُحَيٌّ، وَوُلِدَ لَهُ: عَمْرٌو، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ الْحَنَفِيَّةِ دِينَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَوَّلُ مَنْ نَصَبَ الْأَوْثَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَجَعَلَ الْبَحِيرَةَ، وَالسَّائِبَةَ، وَالْوِصَايَةَ، وَالْحَامَ، وَاسْتِخْرَاجَ إِسَافَ وَنَائِلَةَ فَنَصَبَهُمَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا فِيهَا عَمْرُو وَلَدُ لُحَيٍّ يَتَأَذَّى أَهْلُ النَّارِ بِرِيحِهِ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْرَاهِيمَ وَرَأَيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؓ: قَدِمَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ بِهُبَلَ مِنَ الشَّامِ فَنَصَبَهُ عَلَى الْأَخْشَبِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِعِبَادَتِهِ، وَأَخْرَجَ إِسَافًا وَنَائِلَةَ مِنَ الْبَيْتِ فَنَصَبَ إِسَافًا مُقَابِلَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ وَبَيْنَ زَمْزَمَ، وَنَصَبَ نَائِلَةَ إِلَيْهِ جَانِبَ الْبَيْتِ وَتُجَاهَ الْمَقَامِ، وَنَصَبَ بِمِنًى سَبْعَةَ أَصْنَامٍ، وَنَصَبَ مَنَاةَ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، وَاتَّخَذَ لِلْعُزَّى بِنَخْلَةَ بَيْتًا يَطُوفُونَ بِهِ كَطَوَافِهِمْ بِالْكَعْبَةِ، فَكَانُوا إِذَا طَافُوا بِالْبَيْتِ لَمْ يَحِلُّوا حَتَّى يَأْتُوا الْعُزَّى، فَيَطُوفُونَ بِهِ
التاريخ 449لا حكم مسجّل
ابْنُ مُضَرَ مُضَرُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ. وَهُوَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالْعَدْلِ عَنْ مَاضَرَ. لُقِّبَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يَضِيرُ قَلْبَ مَنْ رَآهُ لِحُسْنِهِ وَجَمَالِهِ. وَقَالَ الْقُتَبِيُّ: مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَضِيرَةِ، أَوْ مِنَ اللَّبَنِ الْمَاضِرِ. وَالْمَضِيرَةُ شَيْءٌ يُصْنَعُ مِنَ اللَّبَنِ. فَسُمِّيَ مُضَرًا لِبَيَاضِهِ. وَاسْمُهُ عَمْرٌو. وَكُنْيَتُهُ أَبُو إِلْيَاسَ. وَأُمُّهُ سَوْدَةُ بِنْتُ عَكٍّ، وَأَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ إِيَادٌ، وَلَهُمَا أَخَوَانِ مِنْ أَبِيهِمَا: رَبِيعَةُ وَأَنْمَارٌ، وَأُمُّهُمَا جَدَالَةُ ابْنَةُ وَعْلَانَ مِنْ جُرْهُمٍ. وَذُكِرَ أَنَّ نِزَارَ بْنَ مَعَدٍّ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى بَنِيهِ وَقَسَّمَ مَالَهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: يَا بَنِيَّ هَذِهِ الْقُبَّةُ، وَهِيَ مِنْ أَدَمٍ حَمْرَاءُ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ مَالِي لِمُضَرَ فَسُمِّيَ مُضَرَ الْحَمْرَاءَ، وَهَذَا الْخِبَاءُ الْأَسْوَدُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ مَالِي لِرَبِيعَةَ، وَهَذِهِ الْخَادِمُ وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ مَالِي لِإِيَادٍ، وَكَانَتْ شَمْطَاءَ، فَأَخَذَ الْبُلْقَ وَالنَّقَدَ مِنْ غَنَمِهِ، وَهَذِهِ الْبَدْرَةُ وَالْمَجْلِسُ لِأَنْمَارٍ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ أَنْمَارٌ مَا أَصَابَهُ، فَإِنْ أَشْكَلَ فِي ذَلِكَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ وَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْقِسْمَةِ فَعَلَيْكُمْ بِالْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ. فَاخْتَلَفُوا فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ فِي مَسِيرِهِمْ إِذْ رَأَى مَضَرُ كَلَأً قَدْ رُعِيَ فَقَالَ: إِنَّ الْبَعِيرَ الَّذِي قَدْ رَعَى هَذَا الْكَلَأَ لَأَعْوَرُ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: هُوَ أَزْوَرُ. وَقَالَ إِيَادٌ: هُوَ أَبْتَرُ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: هُوَ شَرُودٌ. فَلَمْ يَسِيرُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى لَقِيَهُمْ رَجُلٌ تُوضِعُ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَسَأَلَهُمْ عَنِ الْبَعِيرِ، فَقَالَ مُضَرُ: هُوَ أَعْوَرُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ رَبِيعَةُ: هُوَ أَزْوَرُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ إِيَادٌ: هُوَ أَبْتَرُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: هُوَ شُرُودٌ ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذِهِ صِفَةُ بَعِيرِي، دُلُّونِي عَلَيْهِ، فَحَلَفُوا لَهُ مَا رَأَوْهُ، فَلَزِمَهُمْ، وَقَالَ: كَيْفَ أُصَدِّقُكُمْ وَهَذِهِ صِفَةُ بَعِيرِي ! فَسَارُوا جَمِيعًا حَتَّى قَدِمُوا نَجْرَانَ فَنَزَلُوا عَلَى الْأَفْعَى الْجُرْهُمِيِّ، فَقَصَّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْبَعِيرِ حَدِيثَهُ، فَقَالَ لَهُمُ الْجُرْهُمِيُّ: كَيْفَ وَصَفْتُمُوهُ وَلَمْ تَرَوْهُ ؟ قَالَ مُضَرُ: رَأَيْتُهُ يَرْعَى جَانِبًا وَيَدَعُ جَانِبًا فَعَرَفْتُ أَنَّهُ أَعْوَرُ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: رَأَيْتُ إِحْدَى يَدَيْهِ ثَابِتَةً وَالْأُخْرَى فَاسِدَةَ الْأَثَرِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ أَزْوَرُ. وَقَالَ إِيَادٌ: عَرَفْتُ أَنَّهُ أَبْتَرُ بِاجْتِمَاعِ بَعْرِهِ وَلَوْ كَانَ أَذْنَبَ لَمَصَعَ بِهِ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ شَرُودٌ لِأَنَّهُ يَرْعَى الْمَكَانَ الْمُلْتَفَّ، ثُمَّ يَجُوزُهُ إِلَى مَكَانٍ أَرَقَّ مِنْهُ نَبْتًا وَأَخْبَثَ. فَقَالَ الْجُرْهُمِيُّ: لَيْسُوا بِأَصْحَابِ بَعِيرِكَ فَاطْلُبْهُ. ثُمَّ سَأَلَهُمْ مَنْ هُمْ، فَأَخْبَرُوهُ، فَرَحَّبَ بِهِمْ وَقَالَ: أَتَحْتَاجُونَ أَنْتُمْ إِلَيَّ وَأَنْتُمْ كَمَا أَرَى ؟ وَدَعَا لَهُمْ بِطَعَامٍ فَأَكَلُوا وَشَرِبُوا. فَقَالَ مُضَرُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ خَمْرًا أَجْوَدَ لَوْلَا أَنَّهَا نَبَتَتْ عَلَى قَبْرٍ. وَقَالَ رَبِيعَةُ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ لَحْمًا أَطْيَبَ لَوْلَا أَنَّهُ رُبِّيَ بِلَبَنِ كَلْبَةٍ. وَقَالَ إِيَادٌ: لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْرَى لَوْلَا أَنَّهُ لِغَيْرِ أَبِيهِ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَيْهِ. وَقَالَ أَنْمَارٌ: لَمْ أَرَ الْيَوْمَ كَلَامًا أَنْفَعَ لِحَاجَتِنَا مِنْ كَلَامِنَا. وَسَمِعَ الْجُرْهُمِيُّ الْكَلَامَ فَعَجِبَ، فَأَتَى أُمَّهُ وَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ مَلِكٍ لَا يُولَدُ لَهُ، فَكَرِهَتْ أَنْ يَذْهَبَ الْمُلْكُ فَأَمْكَنَتْ رَجُلًا مِنْ نَفْسِهَا فَحَمَلَتْ بِهِ، وَسَأَلَ الْقَهْرَمَانَ عَنِ الْخَمْرِ، فَقَالَ: مِنْ حَبَلَةٍ غَرَسْتُهَا عَلَى قَبْرِ أَبِيكَ، وَسَأَلَ الرَّاعِي عَنِ اللَّحْمِ فَقَالَ: شَاةٌ أَرْضَعْتُهَا لَبَنَ كَلْبَةٍ. فَقِيلَ لِمُضَرَ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ الْخَمْرَ ؟ فَقَالَ: لِأَنِّي أَصَابَنِي عَطَشٌ شَدِيدٌ. وَقِيلَ لِرَبِيعَةَ فِيمَا قَالَ، فَذَكَرَ كَلَامًا، وَأَتَاهُمُ الْجُرْهُمِيُّ وَقَالَ: صِفُوا لِي صِفَتَكُمْ، فَقَصُّوا عَلَيْهِ قِصَّتَهُمْ، فَقَضَى بِالْقُبَّةِ الْحَمْرَاءِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْإِبِلِ، وَهِيَ حُمْرٌ، لِمُضَرَ، وَقَضَى بِالْخِبَاءِ الْأَسْوَدِ وَالْخَيْلِ الدُّهْمِ لِرَبِيعَةَ، وَقَضَى بِالْخَادِمِ، وَكَانَتْ شَمْطَاءَ، وَالْمَاشِيَةِ الْبُلْقِ لِإِيَادٍ، وَقَضَى بِالْأَرْضِ وَالدَّرَاهِمِ لِأَنْمَارَ. وَمُضَرُ أَوَّلُ مَنْ حَدَا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْ بَعِيرِهِ فَانْكَسَرَتْ يَدُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: يَا يَدَاهُ يَا يَدَاهُ، فَأَتَتْهُ الْإِبِلُ مِنَ الْمَرْعَى، فَلَمَّا صَلَحَ وَرَكِبَ حَدَا وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا. وَقِيلَ: بَلِ انْكَسَرَتْ يَدُ مَوْلًى لَهُ فَصَاحَ، فَاجْتَمَعَتِ الْإِبِلُ، فَوَضَعَ مُضَرُ الْحِدَاءَ وَزَادَ النَّاسَ فِيهِ. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَ حِينَئِذٍ: " بَصْبَصْنَ إِذْ حُدِينَ بِالْأَذْنَابِ "، فَذَهَبَ مَثَلًا. وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا تَسُبُّوا مُضَرَ وَرَبِيعَةَ فَإِنَّهُمَا مُسْلِمَانِ.
التاريخ 450لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ مُضَرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مُضَرُ بْنُ نِزَارٍ رَجُلَيْنِ: إلْيَاسَ بْنَ مُضَرَ، وَعَيْلَانَ بْنَ مُضَرَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأُمُّهُمَا جُرْهُمِيَّةٌ.
التاريخ 451لا حكم مسجّل
ابْنُ نِزَارٍ نِزَارٌ بِكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْأُمَوِيُّ: مَأْخُوذٌ مِنَ التَّنَزُّرِ لِأَنَّهُ كَانَ فَرِيدَ عَصْرِهِ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: مِنَ النَّزْرِ وَهُوَ الْقَلِيلُ، لِأَنَّ أَبَاهُ حِينَ وُلِدَ لَهُ وَنَظَرَ إِلَى النُّورِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَهُوَ نُورُ النُّبُوَّةِ الَّذِي كَانَ يُنْقَلُ فِي الْأَصْلَابِ، فَرِحَ بِهِ فَرَحًا شَدِيدًا وَنَحَرَ وَأَطْعَمَ شَيْئًا كَثِيرًا وَقَالَ: هَذَا نَزْرٌ قَلِيلٌ فِي حَقِّ هَذَا الْمَوْلُودِ. فَسُمِّيَ نِزَارًا لِذَلِكَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ "أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ" لَهُ: إِنَّ نِزَارًا كَانَ اسْمُهُ خِلْدَانَ وَكَانَ مُقَدَّمًا وَانْبَسَطَتْ لَهُ الْيَدُ عِنْدَ الْمُلُوكِ، وَكَانَ مَهْزُولَ الْبَدَنِ. فَقَالَ لَهُ مَلِكُ الْفُرْسِ: مَا لَكَ يَا نِزَارُ؟ قَالَ وَتَفْسِيرُهُ فِي لُغَةِ الْفُرْسِ: يَا مَهْزُولُ. فَغَلَبَ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمُحِبُّ ابْنُ شِهَابِ الدِّينِ بْنِ الْهَائِمِ: وَهُوَ غَرِيبٌ جِدًّا. وَقِيلَ: كَانَ يُكَنَّى أَبَا إِيَادٍ، وَقِيلَ: أَبَا رَبِيعَةَ، وَأُمُّهُ مُعَانَةُ ابْنَةُ جَوْشَمِ بْنِ جُلْهُمَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُرْهُمٍ، وَإِخْوَتُهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ: قَنَصٌ وَقَنَّاصَةُ وَسَنَامٌ وَجَنْدَةُ وَجُنَادٌ وَجُنَادَةُ وَالْقَحْمُ وَعُبَيْدُ الرَّمَّاحِ وَالْغَرْفُ وَالْعَوْفُ وَشَكٌّ وَقُضَاعَةُ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى مَعَدٌّ، وَعِدَّةٌ دَرَجُوا.
التاريخ 452لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وَلَدِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ [ أَوْلَادُهُ فِي رَأْيِ ابْنِ إسْحَاقَ وَابْنِ هِشَامٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ نِزَارُ بْنُ مَعَدٍّ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مُضَرَ بْنَ نِزَارٍ وَرَبِيعَةَ بْنَ نِزَارٍ وأَنْمَارَ بْنَ نِزَارٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَإِيَادَ بْنَ نِزَارٍ. قَالَ الْحَارِسُ بْنُ دَوْسٍ الْإِيَادِيُّ، وَيُرْوَى لِأَبِي دُوَادَ الْإِيَادِيِّ واسْمُهُ جَارِيَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ: : وَفُتُوٌّ حَسَنٌ أَوْجُهُهُمْ مِنْ إيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدٍّ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. فَأُمُّ مُضَرَ وَإِيَادٍ سَوْدَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ وَأُمُّ رَبِيعَةَ وأَنْمَارٍ شُفَيْقَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ، وَيُقَالُ جُمُعَةُ بِنْتُ عَكِّ بْنِ عَدْنَانَ.
التاريخ 453لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ أَنْمَارٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْمَارُ: أَبُو خَثْعَمَ وَبَجِيلَةَ. قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ وَكَانَ سَيِّدَ بَجِيلَةَ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ الْقَائِلُ: : لَوْلَا جَرِيرٌ هَلَكَتْ بَجِيلَهُ نِعْمَ الْفَتَى وَبِئْسَتِ الْقِبِيلَهْ وَهُوَ يُنَافِرُ الْفُرَافِصَةَ الْكَلْبِيَّ إلَى الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ التَّمِيمِيِّ ( بْنِ عِقَالِ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ ): : يَا أَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ يَا أَقْرَعُ إنَّكَ إنْ يُصْرَعْ أَخُوكَ تُصْرَعُ وَقَالَ: : ابْنَيْ نِزَارٍ اُنْصُرَا أَخَاكُمَا إنَّ أَبِي وَجَدْتَهُ أَبَاكُمَا لَنْ يُغْلَبَ الْيَوْمَ أَخٌ وَالَاكُمَا وَقَدْ تَيَامَنَتْ فَلَحِقَتْ بِالْيَمَنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَتْ الْيَمَنُ: وَبَجِيلَةُ: أَنْمَارُ بْنُ إرَاشِ بْنِ لِحْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ؛ وَيُقَالُ: إرَاشُ بْنُ عَمْرِو بْنِ لِحْيَانَ بْنِ الْغَوْثِ. وَدَارُ بَجِيلَةَ وَخَثْعَمَ: يَمَانِيَّةٌ.
التاريخ 454لا حكم مسجّل
ابْنُ مَعَدٍّ مَعَدٌّ: بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَفِيمَا هُوَ مَنْقُولٌ مِنْهُ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ مَفْعَلًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ قَوْلِكَ عَدَدْتُ الشَّيْءَ أُعِدُّهُ عَدًّا. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالزَّجَّاجِيُّ عَنْ قُطْرُبٍ. الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فَعَلًا بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ مَعَدَ الرَّجُلُ فِي الْأَرْضِ إِذَا ذَهَبَ. فِيمَا حَكَاهُ الزَّجَّاجِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الزَّاهِرِ وَحَكَاهُ أَيْضًا السُّهَيْلِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهُمْ مَعَدَ فِي الْأَرْضِ بِأَفْسَدَ فِيهَا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنَ الْأَسْمَاءِ غَيْرَ الْأَعْلَامِ مَا هُوَ عَلَى وَزْنِ فِعْلٍ إِلَّا مَعَ التَّضْعِيفِ فَإِنَّ التَّضْعِيفَ يُدْخِلُ فِي الْأَسْمَاءِ مَا لَيْسَ مِنْهَا. كَمَا قَالُوا: شَمَّرٌ وَقُشَعْرِيرَةٌ وَنَحْوَ ذَلِكَ. الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمَعْدِ وَهُوَ مَوْضِعُ رِجْلِ الْفَارِسِ مِنَ الْفَرَسِ وَمَوْضِعُ رِجْلِ الرَّاكِبِ مِنَ الْمَرْكُوبِ. حَكَاهُ الزَّجَّاجِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الزَّاهِرِ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ مِنَ الْمَعْدَيْنِ وَهُمَا مَوْضِعُ عَقِبَيِ الْفَارِسِ مِنَ الْفَرَسِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَأَصْلُهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مِنَ الْمَعْدِ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَهِيَ الْقُوَّةُ. وَمِنْهُ اشْتِقَاقُ الْمَعِدَةِ. وَذَكَرَ الزَّجَّاجِيُّ نَحْوَهُ فَقَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ: قَدْ تَمَعْدَدَ الرَّجُلُ إِذَا قَوِيَ وَاشْتَدَّ وَقَالَ أَبُو الْفَتْحِ بْنُ جِنِّيٍّ فِي شَرْحِ تَصْرِيفِ أَبِي عُثْمَانَ الْمَازِنِيِّ: وَيُقَالُ تَمَعْدَدَ الْغُلَامُ إِذَا صَلُبَ وَاشْتَدَّ. وَقَدْ يَكُونُ تَمَعْدَدَ بِمَعْنَى خَطَبَ وَتَعَبَّدَ وَتَكَلَّمَ. وَأَنْشَدَ قَوْلَ الرَّاجِزِ: رَبَّيْتُهُ حَتَّى إِذَا تَمَعْدَدَا وَصَارَ نَهْدًا كَالْحِصَانِ أَجْرَدَا وَكَانَ جَزَائِي بِالْعَصَا أَنْ أُجْلَدَا . قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ ؓ: "اخْشَوْشَنُوا وَتَمَعْدَدُوا" أَيْ كُونُوا عَلَى خُلُقِ مَعَدٍّ. وَكُنْيَتُهُ أَبُو قُضَاعَةَ. وَقِيلَ أَبُو نِزَارٍ. وَأَمُّهُ مَهْدَدُ بِنْتُ اللِّهْمِ بِكَسْرِ اللَّامِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَيُقَالُ بِالْحَاءِ بَدَلَ الْهَاءِ بْنِ حَجَبٍ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ابْنِ جَدِيسٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ مِنْ طَسَمٍ. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ. جَدِيسٌ بِالْجِيمِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ كَأَمِيرٍ طَسَمٌ بِالطَّاءِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ كَغَلَسٍ، قَبِيلَةٌ مِنْ عَادٍ انْقَرَضُوا. وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَنْدِ بْنِ يَرَى بْنِ أَعْرَاقِ الثَّرَى قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَزَنْدٌ هُوَ الْهَمَيْسَعُ وَالْيَرَى هُوَ نَبْتٌ، وَأَعْرَاقُ الثَّرَى هُوَ إِسْمَاعِيلُ; لِأَنَّهُ ابْنُ ابْرَاهِيمَ، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ تَأْكُلْهُ النَّارُ كَمَا أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ الثَّرَى وَأُمُّهُ مُهْدَةُ ابْنَةُ اللِّهْمِ، وَيُقَالُ اللَّهَمُ، وَيُقَالُ اللَّهْمُ بْنُ جَلْحَبِ بْنِ جَدِيسٍ وَقِيلَ بْنِ طَسْمٍ، وَإِخْوَتُهُ مِنْ أَبِيهِ: الدِّيثُ، وَقِيلَ: الدِّيثُ هُوَ عَكٌّ، وَعَدَنُ بْنُ عَدْنَانَ، قِيلَ: هُوَ صَاحِبُ عَدَنٍ وَأَبْيَنَ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ أَبْيَنُ، وَدَرَجَ نَسْلُهُ وَنَسْلُ عَدَنٍ، وَأُدٌّ وَأُبَيُّ بْنُ عَدْنَانَ، وَدَرْجٌ، وَالضَّحَّاكُ وَالْغَنِيُّ. فَلَحِقَ وَلَدُ عَدْنَانَ بِالْيَمَنِ عِنْدَ حَرْبِ بُخْتَ نَصَّرَ، وَحَمَلَ إِرْمِيَا وَبَرْخِيَا مَعَدًّا إِلَى حِرَّانَ فَأَسْكَنَاهُ بِهَا. فَلَمَّا سَكَنَتِ الْحَرْبُ رَدَّاهُ إِلَى مَكَّةَ فَرَأَى إِخْوَتَهُ قَدْ لَحِقُوا بِالْيَمَنِ. فَائِدَةٌ: قَالَ النَّحْوِيُّونَ الْأَغْلَبُ عَلَى مَعَدٍّ وَقُرَيْشٍ وَثَقِيفٍ التَّذْكِيرُ وَالصَّرْفُ. 0
التاريخ 455لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ مَعَدٍّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَ مَعَدُّ بْنُ عَدْنَانَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ: نِزَارَ بْنَ مَعَدٍّ، وَقُضَاعَةَ بْنَ مَعَدٍّ، وَكَانَ قُضَاعَةُ بِكْرَ مَعَدٍّ الَّذِي بِهِ يُكَنَّى فِيمَا يَزْعُمُونَ، وقُنُصُ بْنَ مَعَدٍّ، وَإِيَادَ بْنَ مَعَدٍّ. فَأَمَّا قُضَاعَةُ فَتَيَامَنَتْ إلَى حِمْيَرِ بْنِ سَبَأٍ - وَكَانَ اسْمُ سَبَأٍ عَبْدَ شَمْسٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ سَبَأً، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَبَى فِي الْعَرَبِ - ابْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ.
التاريخ 456لا حكم مسجّل
[ قُنُصُ بْنُ مَعَدٍّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا قُنُصُ بْنُ مَعَدٍّ فَهَلَكَتْ بَقِيَّتُهُمْ - فِيمَا يَزْعُمُ نُسَّابُ مَعَدٍّ - وَكَانَ مِنْهُمْ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ مَلِكُ الْحِيرَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ كَانَ مِنْ وَلَدِ قُنُصِ بْنِ مَعَدٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: قَنَصَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ، عَنْ شَيْخٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ؓ حِينَ أُتِيَ بِسَيْفِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ، دَعَا جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ - وَكَانَ جُبَيْرُ مِنْ أَنْسَبِ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشِ وَلِلْعَرَبِ قَاطِبَةً، وَكَانَ يَقُولُ: إنَّمَا أَخَذْتُ النَّسَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَنْسَبَ الْعَرَبِ - فَسَلَّحَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ قَالَ: مِمَّنْ كَانَ يَا جُبَيْرُ، النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ ؟ فَقَالَ: كَانَ مِنْ أَشْلَاءِ قُنُصِ بْنِ مَعَدٍّ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا سَائِرُ الْعَرَبِ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ مِنْ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
التاريخ 457لا حكم مسجّل
[ النعمان بن المنذر نَسَبُ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ ] فَمِنْ بَقِيَّةِ وَلَدِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ، فَهُوَ فِي نَسَبِ الْيَمَنِ وَعِلْمِهِمْ النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نَصْرٍ، ذَلِكَ الْمَلِكُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النُّعْمَانُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ الْمُنْذِرِ، فِيمَا أَخْبَرَنِي خَلَفٌ الْأَحْمَرُ.
التاريخ 458لا حكم مسجّل
عَدْنَانَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ ثُمَّ نُونَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ: مَأْخُوذٌ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ بِهِ. حَكَاهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَالزَّجَّاجِيُّ وَغَيْرُهُمَا. وَكُنْيَتُهُ أَبُو مَعَدٍّ عَدْنَانُ بْنُ أُدَدَ بْنِ مُقَوَّمِ بْنِ نَاحُورَ بْنِ تَيْرَحَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ نَابِتِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارَ فِي السِّيرَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ عَدْنَانُ بْنُ أُدٍّ يَعْنِي: عَدْنَانَ بْنِ أُدِّ بْنِ أُدَدَ، ثُمَّ سَاقَ أَبُو عُمَرَ بَقِيَّةَ النَّسَبِ إِلَى آدَمَ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قِصَّةِ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَأَمَّا الْأَنْسَابُ إِلَى عَدْنَانَ مِنْ سَائِرِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ فَمَحْفُوظَةٌ شَهِيرَةٌ جِدًّا لَا يَتَمَارَى فِيهَا اثْنَانِ وَالنَّسَبُ النَّبَوِيُّ إِلَيْهِ أَظْهَرُ وَأَوْضَحُ مِنْ فَلَقِ الصُّبْحِ. وَلِعَدْنَانَ أَخَوَانِ يُدْعَى أَحَدُهُمَا نَبْتًا، وَالْآخَرُ عَامِرًا، فَنَسَبُ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَخْتَلِفُ النَّاسِبُونَ فِيهِ إِلَى مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، عَلَى مَا ذَكَرْتُ، وَيَخْتَلِفُونَ فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا عَظِيمًا لَا يُحْصَلُ مِنْهُ عَلَى غَرَضٍ، فَتَارَةً يَجْعَلُ بَعْضُهُمْ بَيْنَ عَدْنَانَ وَبَيْنَ إِسْمَاعِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَرْبَعَةَ آبَاءٍ، وَيَجْعَلُ آخَرُ بَيْنَهُمَا أَرْبَعِينَ أَبًا، وَيَخْتَلِفُونَ أَيْضًا فِي الْأَسْمَاءِ أَشَدَّ مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَدَدِ، فَحَيْثُ رَأَيْتُ الْأَمْرَ كَذَلِكَ لَمْ أُعَرِّجْ عَلَى ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي نَسَبِهِ حَدِيثًا يَصِلْهُ بِإِسْمَاعِيلَ، وَلَا يَصِحُّ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ.
التاريخ 459لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُ عَدْنَانَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَمِنْ عَدْنَانَ تَفَرَّقَتْ الْقَبَائِلُ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، فَوَلَدَ عَدْنَانُ رَجُلَيْنِ: مَعَدَّ بْنَ عَدْنَانَ، وَعَكَّ بْنَ عَدْنَانَ. [ مَوْطِنُ عَكٍّ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَصَارَتْ عَكٌّ فِي دَارِ الْيَمَنِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَكَّا تَزَوَّجَ فِي الْأَشْعَرِيِّينَ فَأَقَامَ فِيهِمْ، فَصَارَتْ الدَّارُ وَاللُّغَةُ وَاحِدَةً، وَالْأَشْعَرِيُّونَ بَنُو أَشْعَرَ بْنِ نَبْتِ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ هُمَيْسِعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَرِيبِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ، وَيُقَالُ: أَشْعَرُ: نَبْتُ بْنُ أُدَدَ، وَيُقَالُ: أَشْعَرُ: ابْنُ مَالِكٍ. وَمَالِكٌ: مَذْحجُ بْنُ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ هُمَيْسِعِ. وَيُقَالُ أَشْعَرُ: ابْنُ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ. وَأَنْشَدَنِي أَبُو مُحْرِزٍ خَلَفٌ الْأَحْمَرُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ، لِعَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَحَدِ بَنِي سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ، يَفْخَرُ بِعَكِّ: وَعَكُّ بْنُ عَدْنَانَ الَّذِينَ تَلَقَّبُوا بِغَسَّانِ حَتَّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرِدِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَغَسَّانُ: مَاءٌ بِسَدِّ مَأْرِبَ بِالْيَمَنِ، كَانَ شِرْبًا لِوَلَدِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ فَسُمُّوا بِهِ، وَيُقَالُ: غَسَّانُ: مَاءٌ بِالْمُشَلَّلِ قَرِيبٌ مِنْ الْجُحْفَةِ، وَاَلَّذِينَ شَرِبُوا مِنْهُ فَسُمُّوا بِهِ قَبَائِلُ مِنْ وَلَدِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْتِ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأِ بْنِ يَشْجُبَ بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ - وَالْأَنْصَارُ بَنُو الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، ابْنَيْ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ: إمَّا سَأَلْتِ فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌ الْأَسْدُ نِسْبَتُنَا وَالْمَاءُ غَسَّانُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. فَقَالَتْ الْيَمَنُ: وَبَعْضُ عَكٍّ، وَهُمْ الَّذِينَ بِخُرَاسَانَ مِنْهُمْ، عَكُّ بْنُ عَدْنَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ، وَيُقَالُ: عُدْثَانَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَسْدِ بْنِ الْغَوْثِ.
التاريخ 471لا حكم مسجّل
ذِكْرُ أمهات الرسول ﷺ أُمَّهَاتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ النَّحْوِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ، وَأُمُّهَا: بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَأُمُّهَا: أُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ، وَأُمُّهَا: بَرَّةُ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ، وَأُمُّهَا: قِلَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حُبَاشَةَ، وَأُمُّهَا: أُمَيْمَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ لِحْيَانَ، وَأُمُّهَا دُبُّ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدٍ، [وَأُمُّهَا: عَاتِكَةُ بِنْتُ غَاضِرَةَ بْنِ حُطَيْطِ بْنِ جُشَمِ بْنِ ثَقِيفٍ ]. وَأُمُّهَا لَيْلَى بِنْتُ عَوْفٍ. وَأُمُّ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ جَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اسْمُهَا: قَيْلَةُ، وَيُقَالُ: هِنْدُ بِنْتُ أَبِي قَيْلَةَ، وَهُوَ وَجْزُ بْنُ غَالِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مِلْكَانَ، وَأُمُّهَا: سَلْمَى بِنْتُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ، وَأُمُّهَا: مَاوِيَّةُ بِنْتُ كَعْبٍ، وَأُمُّ وَجْزِ بْنِ غَالِبٍ: السَّلَامَةُ بِنْتُ وَاهِبِ بْنِ الْبُكَيْرِ، وَأُمُّهَا: بِنْتُ قَيْسِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُمُّ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ جُمْلُ بِنْتُ مَالِكٍ، وَأُمُّ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ أُمُّ قُصَيٍّ، وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ: كَتَبْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خَمْسَمِائَةِ أُمٍّ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِنَّ سِفَاحًا وَلَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ . ". نسبة قريش النبي ﷺ إلى أبي كبشة أَنْبَأَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرِ بْنُ الْمُسْلِمَةِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ الْمُخَلِّصُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ بْنِ دَاوُدَ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: وَلَدَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ زَهْرَةَ وَهْبًا، وَهُوَ جَدُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو آمِنَةَ، وَأُمُّهُ: قَيْلَةُ بِنْتُ قَيْلَةَ، وَاسْمُ أَبِي قَيْلَةَ: وَجْزُ بْنُ غَالِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ [وَهُوَ غُبْشَانُ]، وَوَجْزٌ هُوَ: أَبُو كَبْشَةَ الَّذِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْسُبُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهُ، لِأَنَّهُ جَدُّهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ، وَالْعَرَبُ تَظُنُّ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْمَلُ شَيْئًا لَا يُعْرَفُ مَنْزَعُهُ شَبَهَهُ، فَلَمَّا خَالَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دِينَ قُرَيْشٍ قَالَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ نَدْعُوهُ أَبَا كَبْشَةَ، لِأَنَّ أَبَا كَبْشَةَ خَالَفَ النَّاسَ بِعِبَادَةِ الشِّعْرَى، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ عَبَدَ الشِّعْرَى، وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الشِّعْرَى يَقْطَعُ السَّمَاءَ عَرْضًا وَلَا أَرَى فِي السَّمَاءِ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا نَجْمًا يَقْطَعُ السَّمَاءَ عَرْضًا غَيْرَهَا، وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهَا: الْعُبُورَ، لِأَنَّهَا تَعْبُرُ السَّمَاءَ عَرْضًا وَكَانَ أَبُو كَبْشَةَ سَيِّدًا فِي خُزَاعَةَ لَمْ يُعَيِّرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ نَقْصٍ كَانَ فِيهِ، وَلَكِنْ لَمَّا خَالَفَ دِينَهُمْ نَسَبُوهُ إِلَى خِلَافِ أَبِي كَبْشَةَ، فَقَالُوا: خَالَفَ كَمَا خَالَفَ.
التاريخ 472لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الفواطم والعواتك اللائي ولدن رسول الله ﷺ الْفَوَاطِمِ وَالْعَوَاتِكِ اللَّائِي وَلَدْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: وَالْعَاتِكَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الطَّاهِرَةُ. أَخْبَرَنَا ابْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ حَيَّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ السَّائِبُ الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أُمُّ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَقَدْ وَلَدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، هُضَيْبَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عُتْوَارَةَ بْنِ عَائِشِ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَأُمُّهَا لَيْلَى بِنْتُ هِلَالِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَأُمُّ عَمْرِو بْنِ عُتْوَارَةَ بْنِ عَائِشِ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَسِّيِّ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ بِلَالِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثُمَالَةَ مِنَ الْأَزْدِ، وَأُمُّ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَقَدْ وَلَدَ النَّبِيَّ ﷺ الْحُظَيَّا، وَهِيَ رَيْطَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ، وَأُمُّ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ نُعَمُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ بْنِ وَائِلَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ شَيْبَانَ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأُمُّهَا نَاهِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ، وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ ضِبَابِ بْنِ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَأُمُّهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدَةَ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ غَاضِرَةَ بْنِ صَعْصَعَةَ، وَأُمُّ ضِبَابِ بْنِ حُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصٍ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، وَأُمُّ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَقَدْ وَلَدَ النَّبِيَّ ﷺ مَخْشِيَّةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ، وَأُمُّهَا الرَّبْعَةُ بِنْتُ حُبْشِيَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ ﷺ. أقرب الفواطم إلى رسول الله ﷺ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَهِيَ أَقْرَبُ الْفَوَاطِمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمُّهَا صَخْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَأُمُّهَا تَخْمُرُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ عَامِرَةَ بْنِ عُمَيْرَةَ بْنِ وَدِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاثِلَةَ ابْنِ ظَرِبِ بْنِ عَيَاذَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرْبِ بْنِ وَائِلَةَ، وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَائِلَةَ بْنِ ظَرِبِ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ ظَرِبِ بْنِ عَيَاذَةَ، وَأُمُّ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ سُعْدَى بِنْتُ وَهَبِ بْنِ تَيْمِ بْنِ غَالِبٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ وُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ، وَأُمُّ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ عَاتِكَةُ بِنْتُ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، وَهِيَ أَقْرَبُ الْعَوَاتِكِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَأُمُّ هِلَالِ بْنِ فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ فَاطِمَةُ بِنْتُ بُجَيْدِ بْنِ رُؤَاسِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُمُّ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ مَجْدُ بِنْتُ تَيْمِ الْأَدْرَمِ بْنِ غَالِبٍ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَأُمُّ مُرَّةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ فَالِجٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَدِيِّ بْنِ سَهْمٍ مِنْ أَسْلَمَ، وَهُمْ إِخْوَةُ خُزَاعَةَ، وَأُمُّ وُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَأُمُّ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِزَامِ بْنِ حَجْوَشَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَأُمُّ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ عَاتِكَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ، وَأُمُّ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ فَاطِمَةُ بِنْتُ سَعْدِ بْنِ سَيَلٍ مِنَ الْجَدَرَةِ مِنَ الْأَزْدِ، وَأُمُّ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ حُبَّى بِنْتُ حُلَيْلِ بْنِ حُبْشِيَّةَ الْخُزَاعِيِّ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ نَصْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ مِنْ خُزَاعَةَ، وَأُمُّ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ مَاوِيَّةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ، وَهُوَ النُّعْمَانُ بْنُ جَسْرِ بْنِ شَيْعِ اللَّهِ بْنِ أَسَدِ بْنِ وَبْرَةَ بْنِ تَغْلِبِ بْنِ حُلْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافِ قُضَاعَةَ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ، وَأُمُّ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ عَاتِكَةُ بِنْتُ يَخْلُدَ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ، وَأُمُّ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ لَيْلَى بِنْتُ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ طَابِخَةَ بْنِ إِلْيَاسِ بْنِ مُضَرَ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ الْأَسَدِ بْنِ الْغَوْثِ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَأَنْبَأَنَا هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيُّ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَامِرِ بْنِ الظَّرِبِ مِنْ أُمَّهَاتِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: أُمُّ بَرَّةَ بِنْتِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ أُمَيْمَةُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ حُبْشِيِّ بْنِ عَادِيَةَ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ لِحْيَانَ، وَأُمُّهَا قِلَابَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ طَابِخَةَ بْنِ لِحْيَانَ، وَأُمُّهَا دُبُّ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ، وَأُمُّهَا لُبْنَى بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ نُمَيْرِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، وَأُمُّهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرْبِ بْنِ وَائِلَةَ، وَأُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَالِكِ بْنِ نَاضِرَةَ بْنِ غَاضِرَةَ بْنِ حُطَيْطِ بْنِ جُشَمِ بْنِ ثَقِيفٍ، وَأُمُّهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ ظَرِبِ، وَأُمُّهَا شَقِيقَةُ بِنْتُ مَعْنِ بْنِ مَالِكٍ مِنْ بَاهِلَةَ، وَأُمُّهَا سَوْدَةُ بِنْتُ أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ. فَهَؤُلَاءِ الْعَوَاتِكُ وَهُنَّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَالْفَوَاطِمُ وَهُنَّ عَشْرٌ.
التاريخ 479لا حكم مسجّل
ذِكْرُ نذر عبد المطلب ذبح ولده نَذْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ذَبْحَ وَلَدِهِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ - فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَدْ نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ، لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ، ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ حَتَّى يَمْنَعُوهُ، لَيَنْحَرَنَّ أَحَدَهُمْ لِلَّهِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ. فَلَمَّا تَوَافَى بَنُوهُ عَشَرَةً، وَعَرَفَ أَنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ، جَمَعَهُمْ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ، وَدَعَاهُمْ إلَى الْوَفَاء لِلَّهِ بِذَلِكَ، فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا ثُمَّ يَكْتُبُ فِيهِ اسْمَهُ، ثُمَّ ائْتُونِي. فَفَعَلُوا ثُمَّ أَتَوْهُ، فَدَخَلَ بِهِمْ عَلَى هُبَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ هُبَلُ عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ هِيَ الَّتِي يُجْمَعُ فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ.
التاريخ 480لا حكم مسجّل
[ الضَّرْبُ بِالْقِدَاحِ عِنْدَ الْعَرَبِ ] وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ قِدَاحٌ سَبْعَةٌ، كُلُّ قِدْحٍ مِنْهَا فِيهِ ( كِتَابٌ. قِدْحٌ فِيهِ ) ( الْعَقْلُ ) إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ، ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السَّبْعَةِ: فَإِنْ خَرَجَ الْعَقْلُ فَعَلَى مَنْ خَرَجَ حَمْلُهُ، وَقِدْحٌ فِيهِ نَعَمْ لِلْأَمْرِ إذَا أَرَادُوهُ يُضْرَبُ بِهِ فِي الْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَ قِدْحُ نَعَمْ عَمِلُوا بِهِ، وَقِدْحٌ فِيهِ لَا إذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ فِي الْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ الْقِدْحُ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ الْأَمْرَ؛ وَقِدْحٌ فِيهِ مِنْكُمْ؛ وَقِدْحٌ فِيهِ مُلْصَقٌ، وَقِدْحٌ فِيهِ مِنْ غَيْرِكُمْ؛ وَقِدْحٌ فِيهِ الْمِيَاهُ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ، وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْحُ، فَحَيْثُمَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ. وَكَانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا، أَوْ يُنْكِحُوا مُنْكَحًا، أَوْ يَدْفِنُوا مَيْتًا، أَوْ شَكَلُوا فِي نَسَبِ أَحَدِهِمْ، ذَهَبُوا بِهِ إلَى هُبَلَ وَبِمِئَةِ دِرْهَمٍ وَجَزُورٍ، فَأَعْطَوْهَا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الَّذِي يَضْرِبُ بِهَا، ثُمَّ قَرَّبُوا صَاحِبَهُمْ الَّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ، ثُمَّ قَالُوا: يَا إلَهَنَا، هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخْرِجْ الْحَقَّ فِيهِ. ثُمَّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ كَانَ مِنْهُمْ وَسِيطًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِكُمْ كَانَ حَلِيفًا، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مُلْصَقٌ كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ، لَا نَسَبَ لَهُ وَلَا حِلْفَ، وَإِنْ خَرَجَ فِيهِ شَيْءٌ، مِمَّا سِوَى هَذَا مِمَّا يَعْمَلُونَ بِهِ نَعَمْ عَمِلُوا بِهِ، وَإِنْ خَرَجَ لَا، أَخَّرُوهُ عَامَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوهُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى، يَنْتَهُونَ فِي أُمُورِهِمْ إلَى ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاحُ.
التاريخ 481لا حكم مسجّل
[ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَأَوْلَادُهُ بَيْنَ يَدَيْ صَاحِبِ الْقِدَاحِ ] فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ: اضْرِبْ عَلَى بَنِيَّ هَؤُلَاءِ بِقِدَاحِهِمْ هَذِهِ وَأَخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الَّذِي نَذَرَ، فَأَعْطَاهُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قِدْحَهُ الَّذِي فِيهِ اسْمُهُ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَصْغَرَ بَنِي أَبِيهِ، كَانَ هُوَ وَالزُّبَيْرُ وَأَبُو طَالِبٍ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنُ مَخْزُومٍ.
التاريخ 482لا حكم مسجّل
[ خُرُوجُ الْقَدَحِ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَشُرُوعُ أَبِيهِ فِي ذَبْحِهِ، وَمَنْعُ قُرَيْشٍ لَهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - أَحَبَّ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إلَيْهِ، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَرَى أَنَّ السَّهْمَ إذَا أَخَطَأَهُ فَقَدْ أَشْوَى. وَهُوَ أَبُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَلَمَّا أَخَذَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ الْقِدَاحَ لِيَضْرِبَ بِهَا، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِيَدِهِ وَأَخَذَ الشَّفْرَةَ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ إلَى إسَافٍ وَنَائِلَةٍ لِيَذْبَحَهُ، فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا، فَقَالُوا: مَاذَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ ؟ قَالَ: أَذْبَحُهُ؛ فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: وَاَللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ. لَئِنْ فَعَلْتَ هَذَا لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَأْتِي بِابْنِهِ حَتَّى يَذْبَحَهُ، فَمَا بَقَاءُ النَّاسِ عَلَى هَذَا وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ: وَاَللَّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا حَتَّى تُعْذِرَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ فِدَاؤُهُ بِأَمْوَالِنَا فَدَيْنَاهُ. وَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ: لَا تَفْعَلْ، وَانْطَلِقْ بِهِ إلَى الْحِجَازِ، فَإِنَّ بِهِ عَرَّافَةً لَهَا تَابِعٌ، فَسَلْهَا، ثُمَّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِكَ، إنْ أَمَرَتْكَ بِذَبْحِهِ ذَبَحْتَهُ، وإنْ أَمَرَتْكَ بِأَمْرٍ لَكَ وَلَهُ فِيهِ فَرَجٌ قَبِلْتُهُ.
التاريخ 483لا حكم مسجّل
[ عَرَّافَةُ الْحِجَازِ وَمَا أَشَارَتْ بِهِ عَلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] فَانْطَلَقُوا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَوَجَدُوهَا - فِيمَا يَزْعُمُونَ - بِخَيْبَرِ. فَرَكِبُوا حَتَّى جَاءُوهَا، فَسَأَلُوهَا، وَقَصَّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ، وَمَا أَرَادَ بِهِ وَنَذْرَهُ فِيهِ؛ فَقَالَتْ لَهُمْ: ارْجِعُوا عَنِّي الْيَوْمَ حَتَّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلُهُ. فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا، فَلَمَّا خَرَجُوا عَنْهَا، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ غَدَوْا عَلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ: قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ، كَمْ الدِّيَةُ فِيكُمْ ؟ قَالُوا: عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ، وَكَانَتْ كَذَلِكَ. قَالَتْ: فَارْجِعُوا إلَى بِلَادِكُمْ، ثُمَّ قَرِّبُوا صَاحِبَكُمْ، وَقَرِّبُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، ثُمَّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنْ الْإِبِلِ حَتَّى يَرْضَى رَبُّكُمْ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ، فَقَدْ رَضِيَ رَبُّكُمْ، وَنَجَا صَاحِبُكُمْ.
التاريخ 484لا حكم مسجّل
[ نجاة عبد الله من الذبح نَجَاةُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الذَّبْحِ ] فَخَرَجُوا حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَمَّا أَجَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ، قَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ وَعَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ؛ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ عِشْرِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ؛ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَلَاثِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ خَمْسِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ؛ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سِتِّينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سَبْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ؛ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَمَانِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ تِسْعِينَ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ، فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ مِئَةً، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، ثُمَّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ حَضَرَ: قَدْ انْتَهَى رِضَا رَبِّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فَزَعَمُوا أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ قَالَ: لَا وَاَللَّهِ حَتَّى أَضْرِبَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَضَرَبُوا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ وَعَلَى الْإِبِلِ، وَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَدْعُو اللَّهَ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، ثُمَّ عَادُوا الثَّانِيَةَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللَّهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، ثُمَّ عَادُوا الثَّالِثَةَ، وَعَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللَّهَ، فَضَرَبُوا، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ، فَنُحِرَتْ، ثُمَّ تُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إنْسَانٌ وَلَا يُمْنَعُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إنْسَانٌ وَلَا سَبُعٌ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَيْنَ أَضْعَافِ هَذَا الْحَدِيثِ رَجَزٌ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ.
التاريخ 485لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ آخِذًا بِيَدِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَمَرَّ بِهِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَهِيَ أُمُّ قَنَّالٍ أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَهِيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَنَظَرَتْ إِلَى وَجْهِهِ فَقَالَتْ: أَيْنَ تَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللَّهِ ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي قَالَتْ: لَكَ مِثْلُ الْإِبِلِ الَّتِي نُحِرَتْ عَنْكَ وَقَعْ عَلَيَّ الْآنَ. قَالَ: أَنَا مَعَ أَبِي وَلَا أَسْتَطِيعُ خِلَافَهُ وَلَا فِرَاقَهُ. فخرج به عبد الله حتى أتى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَأَتَى الْمَرْأَةَ الَّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ مَا عَرَضَتْ فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ لَا تَعْرِضِينَ عَلَيَّ الْيَوْمَ مَا كُنْتِ عَرَضْتِ بِالْأَمْسِ ؟ قَالَتْ لَهُ: فَارَقَكَ النُّورُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ بِالْأَمْسِ، فَلَيْسَ لِي بِكَ الْيَوْمَ حَاجَةٌ. وَقَدْ كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ - وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَاتَّبَعَ الْكُتُبَ - أَنَّهُ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ فَطَمِعَتْ أَنْ يَكُونَ مِنْهَا فَجَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَشْرَفِ عُنْصُرٍ وَأَكْرَمِ مَحْتَدٍ، وَأَطْيَبِ أَصْلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [ الْأَنْعَامِ: 124 ] وَسَنَذْكُرُ الْمَوْلِدَ مُفَصَّلًا. وَمِمَّا قَالَتْ أُمُّ قَنَّالٍ بِنْتُ نَوْفَلٍ مِنَ الشِّعْرِ تَتَأَسَّفُ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنَ الْأَمْرِ الَّذِي رَامَتْهُ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَلَيْكَ بَآلِ زُهْرَةَ حَيْثُ كَانُوا وَآمِنَةَ الَّتِي حَمَلَتْ غُلَامَا تَرَى الْمَهْدِيَّ حِينَ نَزَا عَلَيْهَا وَنُورًا قَدْ تَقَدَّمَهُ أَمَامَا إِلَى أَنْ قَالَتْ فَكُلُّ الْخَلْقِ يَرْجُوهُ جَمِيعًا يَسُودُ النَّاسَ مُهْتَدِيًا إِمَامَا بَرَاهُ اللَّهُ مِنْ نُورٍ صَفَاءً فَأَذْهَبَ نُورُهُ عَنَّا الظَّلَامَا وَذَلِكَ صُنْعُ رَبِّكَ إِذْ حَبَاهُ إِذَا مَا سَارَ يَوْمًا أَوْ أَقَامَا فَيَهْدِي أَهْلَ مَكَّةَ بَعْدَ كُفْرٍ وَيَفْرِضُ بَعْدَ ذَلِكُمُ الصِّيَامَا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَهْلٍ الْخَرَائِطِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْقُرَشِيُّ حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ الزَّنْجِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا انْطَلَقَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ لِيُزَوِّجَهُ مَرَّ بِهِ عَلَى كَاهِنَةٍ مِنْ أَهْلِ تَبَالَةَ مُتَهَوِّدَةٍ قَدْ قَرَأَتِ الْكُتُبَ يُقَالَ لَهَا: فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرٍّ الْخَثْعَمِيَّةُ فَرَأَتْ نُورَ النُّبُوَّةِ فِي وَجْهِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَتْ: يَا فَتَى هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ الْآنَ، وَأُعْطِيكَ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهْ وَالْحِلُّ لَا حِلٌّ فَأَسْتَبِينَهْ فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهْ يَحْمِي الْكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَهْ ثُمَّ مَضَى مَعَ أَبِيهِ فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بَنْتَ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ فَأَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّ نَفْسَهُ دَعَتْهُ إِلَى مَا دَعَتْهُ إِلَيْهِ الْكَاهِنَةُ فَأَتَاهَا فَقَالَتْ: مَا صَنَعْتَ بَعْدِي ؟ فَأَخْبَرَهَا فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَنَا بِصَاحِبَةِ رِيبَةٍ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ فِي وَجْهِكَ نُورًا فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ فِيَّ، وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ أَرَادَ، ثُمَّ أَنْشَأَتْ فَاطِمَةُ تَقُولُ: إِنِّي رَأَيْتُ مُخِيلَةً لَمَعَتْ فَتَلَأْلَأَتْ بِحَنَاتِمِ الْقَطْرِ فَلَمَأْتُهَا نُورًا يُضِيءُ لَهُ مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْبَدْرِ وَرَجَوْتُهَا فَخْرًا أَبُوءُ بِهِ مَا كُلُّ قَادِحِ زَنْدِهِ يُورِي لَلَّهِ مَا زُهْرِيَّةٌ سَلَبَتْ ثَوْبَيْكَ مَا اسْتَلَبَتْ وَمَا تَدْرِي وَقَالَتْ فَاطِمَةُ أَيْضًا: بَنِي هَاشِمٍ قَدْ غَادَرَتْ مِنْ أَخِيكُمْ أَمِينَةُ إِذْ لِلْبَاهِ يَعْتَرِكَانِ كَمَا غَادَرَ الْمِصْبَاحَ عِنْدَ خُمُودِهِ فَتَائِلُ قَدْ مِيثَتْ لَهُ بِدِهَانِ وَمَا كُلُّ ما يَحْوِي الْفَتَى مِنْ تِلَادِهِ بَحَزْمٍ وَلَا مَا فَاتَهُ لِتَوَانِي فَأَجْمِلْ إِذَا طَالَبْتَ أَمْرًا فَإِنَّهُ سَيَكْفِيكَهُ جِدَّانِ يَعْتَلِجَانِ سَيَكْفِيكَهُ إِمَّا يِدٌ مُقْفَعِلَّةٌ وَإِمَّا يَدٌ مَبْسُوطَةٌ بِبَنَانِ وَلَمَّا حَوَتْ مِنْهُ أَمِينَةُ مَا حَوَتْ حَوَتْ مِنْهُ فَخْرًا مَا لِذَلِكَ ثَانِ .
التاريخ 486لا حكم مسجّل
[ زواج عبد الله من آمنة بنت وهب زَوَاجُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ] فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حَتَّى أَتَى بِهِ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وَشَرَفًا، فَزَوَّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَفَضْلُ امْرَأَةٍ فِي قُرَيْشٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا.
التاريخ 487لا حكم مسجّل
سَبَبِ تَزْوِيجِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ امْرَأَةً مِنْ بَنِي زُهْرَةَ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ الْبَرْقِيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْنَا الْيَمَنَ فِي رِحْلَةِ الشِّتَاءِ فَنَزَلْتُ عَلَى حَبْرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الزَّبُورِ، يَعْنِي الْكِتَابَ: مِمَّنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ مِنْ قُرَيْشٍ. قَالَ مِنْ أَيِّهِمْ؟ قُلْتُ: مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى بَعْضِكَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، مَا لَمْ يَكُنْ عَوْرَةً. قَالَ فَفَتَحَ إِحْدَى مِنْخَرَيَّ فَنَظَرَ فِيهِ ثُمَّ نَظَرَ فِي الْآخَرِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ فِي إِحْدَى يَدَيْكَ مُلْكًا وَفِي الْأُخْرَى نُبُوَّةً وَإِنَّا نَجِدُ ذَلِكَ فِي بَنِي زُهْرَةَ فَكَيْفَ ذَلِكَ. قُلْتُ: لَا أَدْرِي قَالَ هَلْ لَكَ مِنْ شَاعَةٍ قُلْتُ: وَمَا الشَّاعَةُ؟ قَالَ الزَّوْجَةُ. قُلْتُ، أَمَّا الْيَوْمَ فَلَا. فَقَالَ: إِذَا رَجَعْتَ فَتَزَوَّجْ مِنْهُمْ فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ إِلَى مَكَّةَ تَزَوَّجَ هَالَةَ بِنْتَ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَزَوَّجَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فَوَلَدَتْ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: فَلَجَ عَبْدُ اللَّهِ عَلَى أَبِيهِ. الشَّاعَةُ: بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ: الزَّوْجَةُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُتَابَعَتِهَا الزَّوْجَ وَشِيعَةُ الرَّجُلِ أَتْبَاعُهُ وَأَنْصَارُهُ. فَلَجَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ: ظَفِرَ بِمَا طَلَبَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَحْسَنَ رَجُلٍ رُئِيَ قَطُّ، خَرَجَ يَوْمًا عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَيَّتُكُنَّ تَتَزَوَّجُ بِهَذَا الْفَتَى فَتَصْطَبُّ النُّورَ الَّذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَإِنِّي أَرَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ نُورًا؟ فَتَزَوَّجَتْهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ. تَصْطَبُّ: تَسْكُبُ وَتَدْخُلُ. وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ الْكَاهِنَةَ قَالَتْ يَوْمًا لِبَنِي زُهْرَةَ: إِنَّ فِيكُمْ نَذِيرًا أَوْ تَلِدُ نَذِيرًا فَاعْرِضُوا عَلَيَّ بَنَاتَكُمْ. فَعُرِضْنَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ قَوْلًا ظَهَرَ بَعْدَ حِينٍ، حَتَّى عَرَضَتْ عَلَيْهَا آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ فَقَالَتْ هَذِهِ: النَّذِيرَةُ أَوْ تَلِدُ نَذِيرًا لَهُ شَأْنٌ وَبُرْهَانٌ مُنِيرٌ. وَلِمَا سُئِلَتْ عَنْ جَهَنَّمَ قَالَتْ: سَيُخْبِرُكُمْ عَنْهَا النَّذِيرُ.
التاريخ 488لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً مَضَتْ مِنْ مُلْكِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَانَ، فَبَلَغَ سَبْعَ عَشْرَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَ آمِنَةَ فَلَمَّا حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ. وَأَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ خَيْثَمَةَ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ قَالَا: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ إِلَى الشَّامِ إِلَى غَزَّةَ فِي عِيرٍ مِنْ عِيرَاتِ قُرَيْشٍ يَحْمِلُونَ تِجَارَاتٍ، فَفَرَغُوا مِنْ تِجَارَاتِهِمْ ثُمَّ انْصَرَفُوا، فَمَرُّوا بِالْمَدِينَةِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَوْمَئِذٍ مَرِيضٌ، فَقَالَ: أَتَخَلَّفُ عِنْدَ أَخْوَالِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ مَرِيضًا شَهْرًا، وَمَضَى أَصْحَابُهُ فَقَدِمُوا مَكَّةَ، فَسَأَلَهُمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالُوا: خَلَّفْنَاهُ عِنْدَ أَخْوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ مَرِيضٌ. قَالَ: فَبَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَكْبَرَ وَلَدِهِ الْحَارِثَ فَوَجَدَهُ قَدْ تُوُفِّيَ وَدُفِنَ فِي دَارِ النَّابِغَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ، فِي الدَّارِ الَّتِي [إِذَا] دَخَلْتَهَا فَالدُّوَيْرَةُ عَنْ يَسَارِكَ. وَأَخْبَرَهُ أَخْوَالُهُ بِمَرَضِهِ، وَبِقِيَامِهِمْ عَلَيْهِ، وَمَا وَلُوا مِنْ أَمْرِهِ، وَأَنَّهُمْ قَبَرُوهُ، فَرَجَعَ إِلَى أَبِيهِ فَأَخْبَرَهُ، فَوَجَدَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَإِخْوَتُهُ [وَأَخَوَاتُهُ] وَجْدًا شَدِيدًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَوْمَئِذٍ حَمْلٌ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ يَوْمَ تُوُفِّيَ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً . قَالَ الْوَاقِدِيُّ: تَرَكَ عَبْدُ اللَّهِ أُمَّ أَيْمَنَ وَخَمْسَةَ أَجْمَالٍ أَوَارِكَ - يَعْنِي تَأْكُلُ الْأَرَاكَ - وَقِطْعَةَ غَنَمٍ، فَوَرِثَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ تَحْضُنُهُ، وَاسْمُهَا: بَرَكَةُ. قَالَ مُؤَلِّفُهُ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنِ الزُّهْرِيِّ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بَعَثَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ إِلَى الْمَدِينَةِ يَمْتَارُ لَهُ تَمْرًا فَمَاتَ. وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاةِ أَبِيهِ عبد الله، هَلْ تُوُفِّيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْلٌ ، أَوْ تُوُفِّيَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَصَحُّهُمَا: أَنَّهُ تُوُفِّيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْلٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ تُوُفِّيَ بَعْدَ وِلَادَتِهِ بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ.
التاريخ 633لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ بَعْدَ ذِكْرِ رُجُوعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِلَى أُمِّهِ آمِنَةَ بَعْدَ رَضَاعَةِ حَلِيمَةَ لَهُ : فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، مَعَ أُمِّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ وَجَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي كَلَاءَةِ اللَّهِ وَحِفْظِهِ، يُنْبِتُهُ اللَّهُ نَبَاتًا حَسَنًا لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فَلَمَّا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ تُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزَمٍ أَنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آمِنَةَ، تُوُفِّيَتْ وَهُوَ ابْنُ سِتِّ سِنِينَ، بِالْأَبْوَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ كَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ تُزِيرُهُ إِيَّاهُمْ فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إِلَى مَكَّةَ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِأَسَانِيدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَمَعَهُ أُمُّ أَيْمَنَ، وَلَهُ سِتُّ سِنِينَ فَزَارَتْ أَخْوَالَهُ قَالَتْ أُمُّ أَيْمَنَ: فَجَاءَنِي ذَاتَ يَوْمٍ رَجُلَانِ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ فَقَالَا لِي: أَخْرِجِي إِلَيْنَا أَحْمَدَ نَنْظُرُ إِلَيْهِ فَنَظَرا إِلَيْهِ وَقَلَّبَاهُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: هَذَا نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، وَسَيَكُونُ بِهَا مِنَ الْقَتْلِ وَالسَّبْيِ أَمْرٌ عَظِيمٌ فَلَمَّا سَمِعَتْ أُمُّهُ خَافَتْ وَانْصَرَفَتْ بِهِ فَمَاتَتْ بِالْأَبْوَاءِ وَهِيَ رَاجِعَةٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ جَابِرٍ عَنْ سِمَاكٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِوَدَّانَ قَالَ: مَكَانَكُمْ حَتَّى آتِيَكُمْ فَانْطَلَقَ ثُمَّ جَاءَنَا وَهُوَ سَقِيمٌ فَقَالَ: إِنِّي أَتَيْتُ قَبْرَ أُمِّ مُحَمَّدٍ فَسَأَلْتُ رَبِّي الشَّفَاعَةَ - يَعْنِي لَهَا - فَمَنَعَنِيهَا، وَإِنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْزِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا. وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِي بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَكُلُوا وَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ. وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ الْأَشْرِبَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ فَاشْرَبُوا مَا بَدَا لَكُمْ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ انْتَهَى النَّبِيُّ ﷺ إِلَى رَسْمِ قَبْرٍ فَجَلَسَ وَجَلَسَ النَّاسُ حَوْلَهُ كَثِيرٌ فَجَعَلَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ كَالْمُخَاطِبِ ثُمَّ بَكَى فَاسْتَقْبَلَهُ عُمَرُ ؓ فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: هَذَا قَبْرُ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَأَبَى عَلَيَّ، وَأَدْرَكَتْنِي رِقَّتُهَا فَبَكَيْتُ قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ سَاعَةً أَكْثَرَ بَاكِيًا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ. تَابَعَهُ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، ثُمَّ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ بَحْرِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ هَانِئٍ عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ فِي الْمَقَابِرِ وَخَرَجْنَا مَعَهُ فَأَمَرَنَا فَجَلَسْنَا، ثُمَّ تَخَطَّى الْقُبُورَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَبْرٍ مِنْهَا فَنَاجَاهُ طَوِيلًا، ثُمَّ ارْتَفَعَ نَحِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَاكِيًا فَبَكَيْنَا لِبُكَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الَّذِي أَبْكَاكَ ؟ لَقَدْ أَبْكَانَا وَأَفْزَعَنَا فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَيْنَا فَقَالَ: أَفْزَعَكُمْ بُكَائِي ؟ قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: إِنَّ الْقَبْرَ الَّذِي رَأَيْتُمُونِي أُنَاجِي قَبْرَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ، وَإِنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَتِهَا فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فِيهِ، وَنَزَلَ عَلَيَّ " مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ " فَأَخَذَنِي مَا يَأْخُذُ الْوَلَدُ لِلْوَالِدَةِ مِنَ الرِّقَّةِ فَذَلِكَ الَّذِي أَبْكَانِي غَرِيبٌ، وَلَمْ يُخْرِجُوهُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ زَارَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمِّي فَأَذِنَ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي الِاسْتِغْفَارِ لَهَا فَلَمْ يَأْذَنْ لِي فَزُورُوا الْقُبُورَ تُذَكِّرُكُمُ الْمَوْتَ
التاريخ 634لا حكم مسجّل
[ سَبَبُ خُؤُولَةِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ: سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو النَّجَّارِيَّةُ. فَهَذِهِ الْخُؤُولَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ.
التاريخ 635لا حكم مسجّل
الْبَابُ الثَّانِي فِي كفالة عبد المطلب للنبي كَفَالَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَعْرِفَتِهِ بِشَأْنِهِ. لَمَّا تُوُفِّيَتْ آمِنَةُ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَمَّهُ إِلَيْهِ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَرَقَّ عَلَيْهِ رِقَّةً لَمْ يَرِقَّهَا عَلَى وَلَدِهِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ: كَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَكَانَ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إِجْلَالًا لَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي حَتَّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ فَيَذْهَبَ أَعْمَامُهُ يُؤَخِّرُونَهُ فَيَقُولُ جَدُّهُ: دَعُوا ابْنِي. فَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ وَيَقُولُ: إِنَّ لِابْنِي هَذَا لَشَأْنًا. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ مِثْلَهُ. وَزَادَ: دَعُوا ابْنِي يَجْلِسُ فَإِنَّهُ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِشَيْءٍ، وَأَرْجُو أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الشَّرَفِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ عَرَبِيٌّ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَنَافِعٍ وَابْنِ جُبَيْرٍ قَالُوا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِسُ عَلَى فِرَاشِ جَدِّهِ فَيَذْهَبُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: دَعُوا ابْنِي لَيُؤْنِسُ مَلَكًا. وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ: احْتَفِظْ بِهِ فَإِنَّا لَمْ نَرَ قَدَمًا أَشْبَهَ بِالْقَدَمِ الَّتِي فِي الْمَقَامِ مِنْهُ. وَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأُمِّ أَيْمَنَ: يَا بَرَكَةُ احْتَفِظِي بِهِ لَا تَغْفَلِي عَنْهُ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَرَوَى الْمَحَامِلِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كَانَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِفْرَشٌ فِي الْحِجْرِ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَكَانَ حَرْبُ بْنُ أُمَيَّةَ فَمَنْ دُونَهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَهُ دُونَ الْمِفْرَشِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا وَهُوَ غُلَامٌ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ فَجَلَسَ عَلَى الْمِفْرَشِ فَجَذَبَهُ رَجُلٌ فَبَكَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ- وَذَلِكَ بَعْدَ مَا كُفَّ بَصَرُهُ: مَا لِابْنِي يَبْكِي ؟ قَالُوا لَهُ: أَرَادَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى الْمِفْرَشِ فَمَنَعُوهُ. دَعُوا ابْنِي يَجْلِسُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحِسُّ مِنْ نَفْسِهِ بِشَرَفٍ وَأَرْجُو أَنْ يَبْلُغَ مِنَ الشَّرَفِ مَا لَمْ يَبْلُغْهُ عَرَبِيٌّ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ كَانَ إِذَا أُتِيَ بِالطَّعَامِ أَجْلَسَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى جَنْبِهِ وَرُبَّمَا أَقْعَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَيُؤْثِرُهُ بِأَطْيَبِ طَعَامِهِ، وَكَانَ رَقِيقًا عَلَيْهِ بَرًّا بِهِ، فَرُبَّمَا أُتِيَ بِالطَّعَامِ وَلَيْسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاضِرًا فَلَا يَمَسُّ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى يُؤْتَى بِهِ. وَكَانَ يَفْرِشُ لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَيَجْلِسُ بَنُوهُ حَوْلَ فِرَاشِهِ إِلَى خُرُوجِهِ فَإِذَا خَرَجَ قَامُوا عَلَى رَأْسِهِ مَعَ عَبِيدِهِ إِجْلَالًا لَهُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي وَهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ فَيَجْلِسُ عَلَى الْفِرَاشِ فَيَأْخُذُهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخِّرُوهُ فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: دَعُوا ابْنِي مَا تُرِيدُونَ مِنْهُ ؟ إِنَّ لَهُ لَشَأْنًا. وَيُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَمْسَحُ صَدْرَهُ وَيُسَرُّ بِكَلَامِهِ وَمَا يُرَى مِنْهُ. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ قَالُوا: بَيْنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ وَعِنْدَهُ أَسْقُفُ نَجْرَانَ وَهُوَ يُحَادِثُهُ وَيَقُولُ: إِنَّا نَجِدُ صِفَةَ نَبِيٍّ بَقِيَ مَنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، هَذَا الْبَلَدُ مَوْلِدُهُ وَمِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا. وَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْأُسْقُفُ وَإِلَى عَيْنَيْهِ وَإِلَى ظَهْرِهِ وَإِلَى قَدَمَيْهِ فَقَالَ: هُوَ هَذَا، مَا هَذَا مِنْكَ ؟ قَالَ: هَذَا ابْنِي. قَالَ الْأَسْقُفَ: لَا، مَا نَجِدُ أَبَاهُ حَيًّا. قَالَ: هُوَ ابْنُ ابْنِي وَقَدْ مَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ. قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِبَنِيهِ: تَحَفَّظُوا بِابْنِ أَخِيكُمْ أَلَا تَسْمَعُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ ؟. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ كَنْدِيرِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ حَيْوَةَ وَيُقَالُ حَيْدَةُ، عَنْ أَبِيهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ الْأَوَّلُ: خَرَجْتُ حَاجًّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ الثَّانِي: خَرَجْتُ مُعْتَمِرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَالَا: فَإِذَا شَيْخٌ طَوِيلٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَهُوَ يَقُولُ: رُدَّ إِلَيَّ رَاكِبِي مُحَمَّدًا ارْدُدْهُ رَبِّي وَاتَّخِذْ عِنْدِي يَدًا فَسَأَلَا عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا سَيِّدُ قُرَيْشٍ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَةٌ فَإِذَا ضَلَّ مِنْهَا شَيْءٌ بَعَثَ فِيهِ بَنِيهِ يَطْلُبُونَهَا فَإِذَا غَابُوا بَعَثَ ابْنَ ابْنِهِ وَلَمْ يَبْعَثْهُ فِي حَاجَةٍ إِلَّا أَنْجَحَ فِيهَا، وَقَدْ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ أَعْيَا عَنْهَا بَنَوْهُ وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِ. قَالَا: فَلَمْ نَلْبَثْ حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْإِبِلِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: يَا بُنَيَّ حَزِنْتُ عَلَيْكَ حُزْنًا لَا تُفَارِقْنِي بَعْدُ أَبَدًا. وَرَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ ؓ قَالَتْ: كُنْتُ أَحْضِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَغَفَلْتُ عَنْهُ يَوْمًا فَلَمْ أَدْرِ إِلَّا بِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَائِمًا عَلَى رَأْسِهِ يَقُولُ: يَا بَرَكَةُ. قُلْتُ: لَبَّيْكَ. قَالَ: أَتَدْرِينَ أَيْنَ وَجَدْتُ ابْنِي ؟ قُلْتُ: لَا أَدْرِي. قَالَ: وَجَدْتُهُ مَعَ غِلْمَانٍ قَرِيبًا مِنَ السِّدْرَةِ، لَا تَغْفَلِي عَنْهُ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَا لَا آمَنُهُمْ عَلَيْهِ.
التاريخ 636لا حكم مسجّل
وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَا رُثِيَ بِهِ مِنْ الشِّعْرِ [ وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَمَا قِيلَ فِيهِ مِنَ الشِّعْرِ ] : فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِي سِنِينَ هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ. وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سِنِينَ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ تُوُفِّيَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَعَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ جَمَعَ بَنَاتِهِ وَكُنَّ سِتَّ نِسْوَةٍ: صَفِيَّةَ، وَبَرَّةَ، وَعَاتِكَةَ، وَأُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ، وَأُمَيْمَةَ، وَأَرْوَى، فَقَالَ لَهُنَّ: ابْكِينَ عَلَيَّ حَتَّى أَسْمَعَ مَا تَقُلْنَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشِّعْرَ، إلَّا أَنَّهُ لَمَّا رَوَاهُ عَنْ مُحَمِّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ كَتَبْنَاهُ.
التاريخ 637لا حكم مسجّل
[ رِثَاءُ صَفِيَّةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] فَقَالَتْ صَفِيَّةُ ابْنَةُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: : أَرِقْتُ لِصَوْتِ نَائِحَةٍ بِلَيْلٍ عَلَى رَجُلٍ بِقَارِعَةِ الصَّعِيدِ فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي عَلَى خَدِّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ عَلَى رَجُلٍ كَرِيمٍ غَيْرِ وَغْلٍ لَهُ الْفَضْلُ الْمُبِينُ عَلَى الْعَبِيدِ عَلَى الْفَيَّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي أَبِيكِ الْخَيْرِ وَارِثِ كُلِّ جُودِ صَدُوقٍ فِي الْمَوَاطِنِ غَيْرِ نِكْسٍ وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدٍ طَوِيلِ الْبَاعِ أَرْوَعَ شَيْظَمِيٌّ مُطَاعٍ فِي عَشِيرَتِهِ حَمِيدٍ رَفِيعِ الْبَيْتِ أَبْلَجَ ذِي فُضُولٍ وَغَيْثِ النَّاسِ فِي الزَّمَنِ الْحَرُودِ كَرِيمِ الْجَدِّ لَيْسَ بِذِي وُصُومِ يَرُوقُ عَلَى الْمُسَوَّدِ وَالْمَسُودِ عَظِيمِ الْحِلْمِ مِنْ نَفَرٍ كِرَامٍ خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَةٍ أُسُودٍ فَلَوْ خَلَدَ امْرُؤٌ لِقَدِيمِ مَجْدٍ وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْخُلُودِ لَكَانَ مُخَلِّدًا أُخْرَى اللَّيَالِي لِفَضْلِ الْمَجْدِ وَالْحَسَبِ التَّلِيدِ
التاريخ 638لا حكم مسجّل
[ رِثَاءُ بَرَّةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] وَقَالَتْ بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: : أَعَيْنَيَّ جُودَا بِدَمْعٍ دِرَرْ عَلَى طَيِّبِ الْخِيمِ وَالْمُعْتَصَرْ عَلَى مَاجِدِ الْجِدِّ وَارَى الزِّنَادَ جَمِيلِ الْمُحَيَّا عَظِيمِ الخَطَرْ عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ ذِي الْمَكْرُمَاتِ وَذِي الْمَجْدِ وَالْعِزِّ والمُفْتَخَرْ وَذِي الْحِلْمِ وَالْفَصْلِ فِي النَّائِبَاتِ كَثِيرِ الْمَكَارِمِ جَمِّ الْفَجَرْ لَهُ فَضْلُ مَجْدٍ عَلَى قَوْمِهِ مُنِيرٍ يَلُوحُ كَضَوْءِ القَمَرْ أَتَتْهُ الْمَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ بِصَرْفِ اللَّيَالِي وَرَيْبِ القَدَرْ
التاريخ 639لا حكم مسجّل
[ رِثَاءُ عَاتِكَةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: : أَعَيْنِيَّ جُودَا وَلَا تَبْخَلَا بِدَمْعِكُمَا بَعْدَ نَوْمِ النِّيَامِ أَعَيْنِيَّ وَاسْحَنْفِرَا وَاسْكُبَا وَشُوبَا بُكَاءَكُمَا بِالْتِدَامِ أَعَيْنِيَّ وَاسْتَخْرِطَا وَاسْجُمَا عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ نِكْسٍ كَهَامِ عَلَى الْجَحْفَلِ الْغَمْرِ فِي النَّائِبَاتِ كَرِيمِ الْمَسَاعِي وَفِيِّ الذِّمَامِ عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ وَارَى الزِّنَادِ وَذِي مَصْدَقٍ بَعْدُ ثَبْتِ الْمَقَامِ وَسَيْفٍ لَدَى الْحَرْبِ صَمْصَامَةٍ وَمُرْدَى الْمُخَاصِمِ عِنْدَ الخِصامِ وَسَهْلِ الْخَلِيقَةِ طَلْقِ الْيَدَيْنِ وَفِي عَدْمَلِيٍّ صَمِيمٍ لُهَامِ تَبَنَّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ رَفِيعُ الذُّؤَابَةِ صَعْبُ المَرَامِ
التاريخ 640لا حكم مسجّل
[ رِثَاءُ أُمِّ حَكِيمٍ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] وَقَالَتْ أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءِ بنتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: : أَلَا يَا عَيْنُ جُودِي وَاسْتَهِلِّي وَبَكِّي ذَا النَّدَى وَالْمَكْرُمَاتِ أَلَا يَا عَيْنُ وَيْحَكَ أَسْعِفِينِي بِدَمْعٍ مِنْ دُمُوعٍ هَاطِلَاتٍ وَبَكِّي خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا أَبَاكِ الْخَيْرُ تَيَّارَ الْفُرَاتِ طَوِيلَ الْبَاعِ شَيْبَةَ ذَا الْمَعَالِي كَرِيمَ الْخِيمِ مَحْمُودَ الْهِبَاتِ وَصُولًا لِلْقَرَابَةِ هِبْرَزِيّا وَغَيْثًا فِي السِّنِينَ الْمُمْحِلَاتِ وَلَيْثًا حَيْنَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي تَرُوقُ لَهُ عُيُونُ النَّاظِرَاتِ عَقِيلَ بَنِي كِنَانَةَ وَالْمُرَجَّى إذَا مَا الدَّهْرُ أَقْبَلَ بِالْهَنَاتِ وَمَفْزَعَهَا إذَا مَا هَاجَ هَيْجٌ بِدَاهِيَةٍ وَخَصْمَ الْمُعْضِلَاتِ فَبَكِّيهِ وَلَا تسمي بِحُزْنٍ وَبَكِّي، مَا بَقِيَتْ، الْبَاكِيَاتُ
التاريخ 641لا حكم مسجّل
[ رِثَاءُ أُمَيْمَةَ لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] وَقَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: : أَلَا هَلَكَ الرَّاعِي الْعَشِيرَةَ ذُو الْفَقْدِ وَسَاقِي الْحَجِيجِ وَالْمُحَامِي عَنْ الْمَجْدِ وَمَنْ يُؤْلَفُ الضَّيْفَ الْغَرِيبَ بُيُوتَهُ إذَا مَا سَمَاءُ النَّاسِ تَبْخَلُ بِالرَّعْدِ كَسَبْتَ وَلَيَدًا خَيْرَ مَا يَكْسِبُ الْفَتَى فَلَمْ تَنْفَكِكْ تَزْدَادُ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ أَبُو الْحَارِثِ الْفَيَّاضُ خَلَّى مَكَانَهُ فَلَا تُبْعِدَنْ فَكُلُّ حَيٍّ إلَى بُعْدٍ فَإِنِّي لَبَاكٍ مَا بَقِيتُ وَمُوجَعٌ وَكَانَ لَهُ أَهْلًا لِمَا كَانَ مِنْ وَجْدِي سَقَاكَ وَلِيُّ النَّاسِ فِي القَبرُ مُمْطِرًا فَسَوْفَ أُبَكِّيهِ وَإِنْ كَانَ فِي اللَّحْدِ فَقَدْ كَانَ زَيْنًا لِلْعَشِيرَةِ كُلِّهَا وَكَانَ حَمِيدًا حَيْثُ مَا كَانَ مِنْ حَمْدٍ
التاريخ 642لا حكم مسجّل
[ رِثَاءُ أَرِوَى لِأَبِيهَا عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] وَقَالَتْ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا: : بَكَتْ عَيْنَيَّ وَحُقَّ لَهَا الْبُكَاءُ عَلَى سَمْحٍ سَجِيَّتُهُ الْحَيَاءُ عَلَى سَهْلِ الْخَلِيقَةِ أبْطَحيٍّ كَرِيمِ الْخِيمِ نِيَّتُهُ الْعَلَاءُ عَلَى الْفَيَّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي أَبِيكِ الْخَيْرِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ طَوِيلِ الْبَاعِ أَمْلَسَ شَيْظميٌّ أَغَرَّ كَأَنَّ غُرَّتَهُ ضِيَاءُ أَقَبِّ الْكَشْحِ أَرُوعَ ذِي فُضُولٍ لَهُ الْمَجْدُ الْمُقَدَّمُ وَالسَّنَاءُ أَبِيِّ الضَّيْمِ أَبْلَجَ هِبْرَزِيٌّ قَدِيمِ الْمَجْدِ لَيْسَ لَهُ خَفَا وَمَعْقِلِ مَالِكٍ وَرَبِيعِ فِهْرٍ وَفَاصِلِهَا إذَا اُلْتُمِسَ الْقَضَاءُ وَكَانَ هُوَ الْفَتَى كَرَمًا وَجُودًا وَبَأْسًا حَيْنَ تَنْسَكِبُ الدِّمَاءُ إذَا هَابَ الْكُمَاةُ الْمَوْتَ حَتَّى كَأَنَّ قُلُوبَ أَكْثَرِهِمْ هَوَاءُ مَضَى قُدُمًا بِذِي رُبَدٍ خَشِيبٍ عَلَيْهِ حَيْنَ تُبْصِرهُ الْبَهَاءُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ أَشَارَ بِرَأْسِهِ وَقَدْ أَصْمَتَ: أَنَّ هَكَذَا فَابْكِينَنِي. [ نَسَبُ الْمُسَيِّبِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: [ وَ ] الْمُسَيِّبُ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ.
التاريخ 643لا حكم مسجّل
[ رِثَاءُ حُذَيْفَةَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ وَفَضْلَ قُصَيٍّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَفَضْلَ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُخِذَ بِغُرْمِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بِمَكَّةَ، فَوَقَفَ بِهَا فَمَرَّ بِهِ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَافْتَكَّهُ: : أَعَيْنِيَّ جُودَا بِالدُّمُوعِ عَلَى الصَّدْرِ وَلَا تَسْأَمَا أُسْقِيتُمَا سَبَلَ الْقَطْرِ وَجُودَا بِدَمْعٍ وَاسْفَحَا كُلَّ شَارِقٍ بُكَاءَ امْرِئٍ لَمْ يُشْوِهِ نَائِبُ الدَّهْرِ ( وَسُحَّا وَجُمَّا وَاسْجُمَا مَا بَقِيتُمَا عَلَى ذِي حَيَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَذِي سِتْرِ ) عَلَى رَجُلٍ جَلْدِ الْقُوَى ذِي حَفِيظَةٍ جَمِيلِ الْمُحَيَّا غَيْرِ نِكْسٍ وَلَا هَذْرِ عَلَى الْمَاجِدِ الْبُهْلُولِ ذِي الْبَاعِ وَالنَّدَى رَبِيعِ لُؤَى فِي الْقُحُوطِ وَفِي الْعُسْرِ عَلَى خَيْبَرِ حَافٍ مِنْ مُعَدٍّ وَنَاعِلٍ كَرِيمَ الْمَسَاعِي طَيِّبَ الْخِيمِ وَالنَّجْرِ وَخَيْرُهُمْ أَصْلًا وَفَرْعًا وَمَعْدِنًا وَأَحْظَاهُمْ بِالْمُكْرَمَاتِ وَبِالذِّكْرِ وَأَوْلَاهُمْ بِالْمَجْدِ وَالْحِلْمِ وَالنُّهَى وَبِالْفَضْلِ عِنْدَ الْمُجْحِفَاتِ مِنْ الْغُبْرِ عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ الَّذِي كَانَ وَجْهُهُ يُضِيءُ سَوَادَ اللَّيْلِ كَالْقَمَرِ الْبَدْرِ وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمَّ لِلْخَيْرِ هَاشِمٍ وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِكَ السَّيِّدُ الفِهْري طَوَى زَمزَما عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلِّ ذِي فَخْرٍ لِيَبْكِ عَلَيْهِ كُلُّ عَانٍ بِكُرْبَةٍ وَآلُ قُصَيٍّ مِنْ مُقِلٍّ وَذِي وَفْرٍ بَنُوهُ سَرَاةَ كَهْلُهُمْ وَشَبَابُهُمْ تَفَلَّقَ عَنْهُمْ بَيْضَةُ الطَّائِرِ الصَّقْرِ قُصَيُّ الَّذِي عَادَى كِنَانَةَ كُلَّهَا وَرَابَطَ بَيْتَ اللَّهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ فَإِنْ تَكُ غَالَتْهُ الْمَنَايَا وَصَرْفُهَا فَقَدْ عَاشَ مَيْمُونَ النَّقِيبَةِ وَالْأَمْرِ وَأَبْقَى رِجَالًا سَادَةً غَيْرَ عُزَّلٍ مَصَالِيتُ أَمْثَالَ الرُّدَيْنِيَّةِ السُّمْرِ أَبُو عُتْبَةَ الْمُلْقَى إلَيَّ حِبَاؤُهُ أَغَرُّ هِجَانُ اللَّوْنِ مِنْ نَفَرِ غُرٍّ وَحَمْزَةُ مِثْلُ الْبَدْرِ يَهْتَزُّ لِلنَّدَى نَقِيُّ الثِّيَابِ وَالذِّمَامِ مِنْ الْغَدْرِ وَعَبْدُ مَنَافٍ مَاجِدٌ ذُو حَفِيظَةٍ وَصُولٌ لِذِي الْقُرْبَى رَحِيمٌ بِذِي الصِّهْرِ كُهُولُهُمْ خَيْرُ الْكُهُولِ وَنَسْلُهُمْ كَنَسْلِ الْمُلُوكِ لَا تَبُورُ وَلَا تَحَرَّى مَتَى مَا تُلَاقِي مِنْهُمْ الدَّهْرَ نَاشِئًا تَجِدْهُ بِإِجْرِيَّا أَوَائِلِهِ بَجْرَى هُمْ مَلَئُوا الْبَطْحَاءَ مَجْدًا وَعِزَّةً إذَا اُسْتُبِقَ الْخَيْرَاتُ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ وَفِيهِمْ بُنَاةٌ لِلْعُلَا وَعِمَارَةٌ وَعَبْدُ مَنَافٍ جَدُّهُمْ جَابِرُ الْكَسْرِ بِإِنْكَاحِ عَوْفٍ بِنْتَهُ لِيُجِيرَنَا مِنْ أَعْدَائِنَا إذْ أَسْلَمَتْنَا بَنُو فِهْرِ فَسِرْنَا تهامي الْبِلَادِ وَنَجْدَهَا بِأَمْنِهِ حَتَّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ وَهُمْ حَضَرُوا وَالنَّاسُ بَادٍ فَرِيقُهُمْ وَلَيْسَ بِهَا إلَّا شُيُوخُ بَنِي عَمْرِو بَنَوْهَا دِيَارًا جَمَّةً وَطَوَوْا بِهَا بِئَارًا تَسُحُّ الْمَاءَ مِنْ ثَبَجِ بَحْرِ لَكَيْ يَشْرَبَ الْحُجَّاجُ مِنْهَا وَغَيْرُهُمْ إذَا ابْتَدَرُوهَا صُبْحَ تَابِعَةِ النَّحْرِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَظَلُّ رِكَابُهُمْ مُخَيَّسَةً بَيْنَ الْأَخَاشِبِ وَالْحِجْرِ وَقِدْمًا غَنِيّنَا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً وَلَا نَسْتَقِي إلَّا بِخُمَّ أَوْ الْحَفْرِ وَهُمْ يَغْفِرُونَ الذَّنْبَ يُنْقَمُ دُونَهُ وَيَعْفُونَ عَنْ قَوْلِ السَّفَاهَةِ وَالْهُجْرِ وَهُمْ جَمَعُوا حِلْفَ الْأَحَابِيشِ كلِّها وَهُمْ نَكَّلُوا عَنَّا غُوَاةَ بَنِي بَكْرِ فَخَارِجَ، إمَّا أَهْلكُنَّ فَلَا تَزَلْ لَهُمْ شَاكِرًا حَتَّى تُغَيَّبَ فِي الْقَبْرِ وَلَا تَنْسَ مَا أَسُدَى ابْنُ لُبْنَى فَإِنَّهُ قَدْ أَسْدَى يَدًا مَحْقُوقَةً مِنْكَ بِالشُّكْرِ وَأَنْتَ ابْنُ لُبْنَى مِنْ قُصَيٍّ إذَا انْتَمَوْا بِحَيْثُ انْتَهَى قَصْدُ الْفُؤَادِ مِنْ الصَّدْرِ وَأَنْتَ تَنَاوَلْتَ الْعُلَا فَجَمَعْتَهَا إلَى مَحْتِدٍ لِلْمَجْدِ ذِي ثَبَجِ جَسْرِ سَبَقْتَ وَفُتَّ الْقَوْمَ بَذْلًا وَنَائِلًا وَسُدْتُ وَلَيَدًا كُلَّ ذِي سُوْدُدِ غَمْرِ وَأُمُّكَ سِرٌّ مِنْ خُزَاعَةَ جَوْهَرِ إذَا حَصَّلَ الْأَنْسَابَ يَوْمًا ذَوُو الْخُبْرِ إلَى سَبَأِ الْأَبْطَالِ تُنَمَّى وَتَنْتَمِي فَأَكْرِمْ بِهَا مَنْسُوبَةً فِي ذُرَا الزُّهْرِ أَبُو شَمَرٍ مِنْهُمْ وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ وَذُو جَدَنٍ مِنْ قَوْمِهَا وَأَبُو الْجَبْرِ وَأَسْعَدُ قَادَ النَّاسَ عِشْرِينَ حِجَّةً يُؤَيَّدُ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ بِالنَّصْرِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أُمُّكَ سِرٌّ مِنْ خُزَاعَةَ، يَعْنِي أَبَا لَهَبٍ، أُمُّهُ لُبْنَى بِنْتُ هَاجِرٍ الْخُزاَعِيِّ. وَقَوْلُهُ: بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
التاريخ 644لا حكم مسجّل
[ رِثَاءُ مَطْرُودٍ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ وبني عَبْدِ مَنَافٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزاَعِيُّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطَّلِبِ وبَني عَبْدِ مَنَافٍ: : يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُحَوِّلُ رَحْلَهُ هَلَّا سَأَلْتَ عَنْ آلِ عَبْدِ مَنَافِ هَبَلَتْكَ أُمُّكَ لَوْ حَلَلْتَ بِدَارِهِمْ ضَمِنُوكَ مِنْ جُرْمٍ وَمِنْ إقْرَافِ الْخَالِطِينَ غَنِيَّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ حَتَّى يَعُودَ فَقِيرُهُمْ كَالْكَافِي الْمُنْعِمِينَ إذَا النُّجُومُ تَغَيَّرَتْ وَالظَّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ وَالْمُطْعِمِينَ إذَا الرِّيَاحُ تَنَاوَحَتْ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ فِي الرَّجَّافِ إمَّا هَلَكْتَ أَبَا الْفِعَالِ فَمَا جَرَى مِنْ فَوْقِ مِثْلِكَ عَقْدُ ذَاتِ نِطَافِ إلَّا أَبِيكَ أَخِي الْمَكَارِمِ وَحْدَهُ وَالْفَيْضِ مُطَّلِبٍ أَبِي الْأَضْيَافِ
التاريخ 645لا حكم مسجّل
[ وِلَايَةُ الْعَبَّاسِ عَلَى سِقَايَةِ زَمْزَمَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَلِيَ زَمْزَمَ وَالسِّقَايَةَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنًّا، فَلَمْ تَزَلْ إلَيْهِ حَتَّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ. فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ وِلَايَتِهِ، فَهِيَ إلَى آلِ الْعَبَّاسِ، بِوِلَايَةِ الْعَبَّاسِ إيَّاهَا، إلَى ( هَذَا ) الْيَوْمِ.
التاريخ 646لا حكم مسجّل
مِيلَادُ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَكَفَالَتُهُ: وَقَدْ أَخْبَرَتْ يَهُودُ بِمِيلَادِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ يَوْمَ مِيلَادِهِ، وَتَنَاقَلُوا ذَلِكَ، وَقَدْ وَقَعَ الْعَدِيدُ مِنَ الْآيَاتِ بِمِيلَادِهِ ﷺ، مِنْهَا انْكِفَاءُ الْأَصْنَامِ عَلَى وُجُوهِهَا انْبِثَاقُ دِجْلَةَ وَارْتِجَاسُ إِيوَانِ كِسْرَى وَسُقُوطُ شُرُفَاتِ قَصْرِهِ وَخُمُودُ النِّيرَانِ وَرَأَى الْمُوبِذَانُ إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا. وَقَدْ وُلِدَ ﷺ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، مِنْ عَامِ الْفِيلِ وَقِيلَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أُرْسِلَتْ فِيهِ طَيْرُ الْأَبَابِيلِ عَلَيْهِمْ. وَسَمَّاهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ مُحَمَّدًا، وَلَمَّا سُئِلَ عَنْ سَبَبِ التَّسْمِيَةِ، قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَحْمَدَهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَخَلْقُهُ فِي الْأَرْضِ. وَكَانَتْ حَاضِنَتُهُ أُمَّ أَيْمَنَ وَاسْمُهَا بَرَكَةُ، وَأَرْضَعَتْهُ ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ عَمِّهِ أَبِي لَهَبٍ قَبْلَ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، ثَمَّ أَرْضَعَتْهُ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ، وَقَدْ وَقَعَ لَهَا مِنَ الْآيَاتِ الْمُبَارَكَاتِ بِبَرَكَةِ أَخْذِهِ وَرِضَاعِهِ ﷺ فَعَمَّتِ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ دَارَهَا. وَقَدْ وَقَعَتْ لَهُ ﷺ حَادِثَةُ شَقِّ صَدْرِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَلِكِ وَهُوَ فِي رِعَايَتِهَا ﷺ فِي حِفْظٍ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَقَامَتْ بِرَدِّهِ ﷺ إِلَى أُمِّهِ. فَمَكَثَ فِي كَنَفِ أُمِّهِ ﷺ وَجَدِّهِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ سِتَّ سِنِينَ خَرَجَتْ بِهِ إِلَى أَخْوَالِهِ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ بِالْمَدِينَةِ فَتُوُفِّيَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِالْأَبْوَاءِ وَكَانَ مَعَهَا أُمُّ أَيْمَنَ ؓ. فَكَفَلَهُ مِنْ بَعْدِهَا جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ يَخْشَى عَلَيْهِ لِمَا بَلَغَهُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أَنَّهُ هُوَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِ سِنِينَ تُوُفِّيَ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَرَثَاهُ بَنَاتُهُ، وَوَلِيَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ زَمْزَمَ وَالسِّقَايَةَ وَكَانَ أَحْدَثَ أَخَوَاتِهِ سِنًّا وَظَلَّتْ مَعَهُ إِلَى أَنْ أَقَرَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ الْإِسْلَامِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ أَوْصَى بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى أَبِي طَالِبٍ عَمِّهِ فَوَلِيَ أَمْرَهُ وَأَحَبَّهُ حُبًّا شَدِيدًا. وَقَدْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ يَعْرِفُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَرَكَتَهُ فِي صِغَرِهِ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ وَرَآهُ مَعَهُ بُحَيْرَى الرَّاهِبُ وَكَانَتْ لَهُ مَعَهُ قِصَّةٌ فِيهَا الْبِشَارَةُ بِهِ ﷺ وَتَخَوُّفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ. وَقَدْ شَبَّ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ النُّبُوَّةِ عَلَى طَيِّبِ الْأَخْلَاقِ وَأَحْسَنِهَا فَكَانَ أَصْدَقَ الْقَوْمِ وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً وَأَبْعَدَهُمْ عَنِ الْفُحْشِ، قَدْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ مَا فِيهِ رَذِيلَةٌ، وَقَدْ عَرَفَ فَضْلَهُ أَهْلُ زَمَانِهِ فَكَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهِ ﷺ وَيَأْتَمِنُونَهُ. وَقَدِ اسْتَقَى بِهِ أَبُو طَالِبٍ يَوْمًا بَعْدَمَا قَحَطَتْ مَكَّةُ وَفِيهِ يَقُولُ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ وَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً عَاقِلَةً تَاجِرَةً تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ عَلَى مَالِهَا مُضَارَبَةً، فَلَمَّا بَلَغَهَا مِنْ أَمَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَصِدْقِهِ وَفَضْلِهِ رَغِبَتْ أَنْ يَتَّجِرَ لَهَا عَلَى أَنْ تُعْطِيَهُ أَفْضَلَ مَا تُعْطِي غَيْرَهُ فَقَبِلَ النَّبِيُّ ﷺ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مُتَاجِرًا لَهَا مَعَ غُلَامٍ لَهَا اسْمُهُ مَيْسَرَةُ فَرَآهُ مِنْهُ مِنَ الْآيَاتِ الْعَجَبَ الَّذِي بِهِ تَحَدَّثَ إِلَى خَدِيجَةَ ؓ، فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنْ خَدِيجَةَ ؓ مَوْقِعَهُ وَرَغِبَتْ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَوَسَّمَتْ فِيهِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ وَالشَّأْنَ الْعَظِيمَ فَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ ﷺ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا حَتَّى مَاتَتْ ؓ. وَرَزَقَهُ اللهَ مِنْهَا ؓ كُلَّ الْوَلَدِ إِلَّا إِبْرَاهِيمَ ابْنَهُ ﷺ.
التاريخ 647لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَا قِيلَ لِآمِنَةَ عِنْدَ حَمْلِهَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَزْعُمُونَ - فِيمَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَتْ تُحَدِّثُ: أَنَّهَا أُتِيَتْ، حِينَ حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقِيلَ لَهَا: إنَّكَ قَدْ حَمَلْتِ بِسَيِّدِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَإِذَا وَقَعَ إلَى الْأَرْضِ فَقُولِي: أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ، مِنْ شَرِّ كُلِّ حَاسِدٍ، ثُمَّ سَمِّيهِ مُحَمَّدًا. وَرَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرَى، مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.
التاريخ 648لا حكم مسجّل
ما وقع من الآيات ليلة ميلاد النبي ما وَقَعَ مِنَ الْآيَاتِ لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ هَوَاتِفِ الْجَانِّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ خُرُورِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَصْنَامِ لَيْلَتَئِذٍ لِوُجُوهِهَا وَسُقُوطِهَا عَنْ أَمَاكِنِهَا وَمَا رَآهُ النَّجَاشِيُّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَظُهُورِ النُّورِ مَعَهُ حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ حِينَ وُلِدَ وَمَا كَانَ مِنْ سُقُوطِهِ جَاثِيًا رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَانْفِلَاقِ تِلْكَ الْبُرْمَةِ عَنْ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَمَا شُوهِدَ مِنَ النُّورِ فِي الْمَنْزِلِ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ، وَدُنُوِّ النُّجُومِ مِنْهُمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. حَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ تَفْسِيرِ بَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ الْحَافِظِ: أَنَّ إِبْلِيسَ رَنَّ أَرْبَعَ رَنَّاتٍ; حِينَ لُعِنَ، وَحِينَ أُهْبِطَ، وَحِينَ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَحِينَ أُنْزِلَتِ الْفَاتِحَةُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَهُودِيٌّ قَدْ سَكَنَ مَكَّةَ يَتَّجِرُ بِهَا فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةَ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فِي مَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ وُلِدَ فِيكُمُ اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ ؟ فَقَالَ الْقَوْمُ: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُهُ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ أَمَا إِذَا أَخْطَأَكُمْ فَلَا بَأْسَ، انْظُرُوا وَاحْفَظُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ: وُلِدَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَامَةٌ فِيهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَاتِرَاتٌ كَأَنَّهُنَّ عُرْفُ فَرَسٍ، لَا يَرْضَعُ لَيْلَتَيْنِ; وَذَلِكَ أَنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ أَدْخَلَ أُصْبُعَهُ فِي فَمِهِ فَمَنَعَهُ الرَّضَاعَ فَتَصَدَّعَ الْقَوْمُ مِنْ مَجْلِسِهِمْ، وَهُمْ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ فَلَمَّا صَارُوا إِلَى مَنَازِلِهِمْ أَخْبَرَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ أَهْلَهُ فَقَالُوا: قَدْ وَاللَّهِ وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ غُلَامٌ سَمَّوْهُ مُحَمَّدًا فَالْتَقَى الْقَوْمُ فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتُمْ حَدِيثَ الْيَهُودِيِّ ؟ وَهَلْ بَلَغَكُمْ مَوْلِدُ هَذَا الْغُلَامِ ؟ فَانْطَلَقُوا حَتَّى جَاءُوا الْيَهُودِيَّ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ. قَالَ: فَاذْهَبُوا مَعِيَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ فَخَرَجُوا بِهِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ عَلَى آمِنَةَ فَقَالُوا: أَخْرِجِي إِلَيْنَا ابْنَكِ فَأَخْرَجَتْهُ، وَكَشَفُوا لَهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَرَأَى تِلْكَ الشَّامَةَ فَوَقَعَ الْيَهُودِيُّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالُوا لَهُ: مَا لَكَ ؟ وَيْلَكَ ! قَالَ: قَدْ ذَهَبَتْ وَاللَّهِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَفَرِحْتُمْ بِهَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؟ وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ خَبَرُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ شِئْتُ مِنْ رِجَالِ قَوْمِي مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: إِنِّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانِ سِنِينَ أَعْقِلُ مَا رَأَيْتُ وَسَمِعْتُ إِذَا بِيَهُودِيٍّ فِي يَثْرِبَ يَصْرُخُ ذَاتَ غَدَاةٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ. فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ فَقَالُوا: وَيْلَكَ مَا لَكَ ؟ قَالَ: قَدْ طَلَعَ نَجْمُ أَحْمَدَ الَّذِي يُولَدُ بِهِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ سُحَيْمٍ، وَرُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ يَقُولُ جِئْتُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَوْمًا; لِأَتَحَدَّثَ فِيهِمْ، وَنَحْنُ يَوْمئِذٌ فِي هُدْنَةٍ مِنَ الْحَرْبِ فَسَمِعْتُ يُوشَعَ الْيَهُودِيَّ: يَقُولُ أَظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُقَالَ لَهُ: أَحْمَدُ يُخْرُجُ مِنَ الْحَرَمِ. فَقَالَ لَهُ خَلِيفَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الْأَشْهَلِيُّ كَالْمُسْتَهْزِئِ بِهِ مَا صِفَتُهُ ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ يَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارِ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، وَهَذَا الْبَلَدَ مُهَاجَرُهُ. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْمِي بَنِي خُدْرَةَ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَتَعَجَّبُ مِمَّا يَقُولُ يُوشَعُ فَأَسْمَعُ رَجُلًا مِنَّا يَقُولُ: وَيُوشَعُ يَقُولُ هَذَا وَحْدَهُ؟! كُلُّ يَهُودَ يَثْرِبَ يَقُولُونَ هَذَا، قَالَ أَبِي مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ: فَخَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَجِدُ جَمْعًا فَتَذَاكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا: قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ الْأَحْمَرُ الَّذِي لَمْ يَطْلُعْ إِلَّا لِخُرُوجِ نَبِيٍّ وَظُهُورِهِ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ إِلَّا أَحْمَدُ، وَهَذَا مُهَاجَرُهُ. قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ أَخْبَرَهُ أَبِي هَذَا الْخَبَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ أَسْلَمَ الزُّبَيْرُ، وَذَوُوهُ مِنْ رُؤَسَاءِ الْيَهُودِ، إِنَّمَا هُمْ لَهُ تَبَعٌ وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ السِّنْدِيِّ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أُمِّ سَعْدٍ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ: كَانَ أَحْبَارُ يَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ، يَذْكُرُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا طَلَعَ الْكَوْكَبُ الْأَحْمَرُ أَخْبَرُوا أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى يَثْرِبَ فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ أَنْكَرُوا وَحَسَدُوا وَكَفَرُوا. وَقَدْ أَوْرَدَ هَذِهِ الْقِصَّةَ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: قَالَ لِي حَبْرٌ مِنْ أَحْبَارِ الشَّامِ: قَدْ خَرَجَ فِي بَلَدِكَ نَبِيٌّ أَوْ هُوَ خَارِجٌ قَدْ خَرَجَ نَجْمُهُ فَارْجِعْ فَصَدِّقْهُ، وَاتَّبِعْهُ.
التاريخ 649لا حكم مسجّل
إرهاصات حدثت وقت ميلاد النبي انْبِثَاقِ دِجْلَةَ وَارْتِجَاسِ الْإِيوَانِ وَسُقُوطِ الشُّرُفَاتِ وَخُمُودِ النِّيرَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُذْكَرُ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ أَنَّ كِسْرَى أَبْرَوِيزَ كَانَ قَدْ سَكَرَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا مَالًا عَظِيمًا، وَكَانَ طَاقَ مُلْكِهِ قَدْ بَنَاهُ بُنْيَانًا عَظِيمًا لَمَّا يُرَ مِثْلُهُ، وَكَانَ عِنْدَهُ ثَلَاثُمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ كَاهِنٍ وَسَاحِرٍ وَمُنَجِّمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ السَّائِبُ قَدْ بُعِثَ بِهِ بِأَذَانٍ مِنَ الْيَمَنِ، وَكَانَ كِسْرَى إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ جَمَعَهُمْ فَقَالَ: انْظُرُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ. فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْبَحَ كِسْرَى وَقَدِ انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِهِ مِنْ غَيْرِ ثِقَلٍ وَانْخَرَقَتْ دِجْلَةُ الْعَوْرَاءُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَحْزَنَهُ فَدَعَا كُهَّانَهُ وَسُحَّارَهُ وَمُنَجِّمِيهِ وَفِيهِمُ السَّائِبُ فَقَالَ لَهُمْ: قَدِ انْقَصَمَ طَاقُ مُلْكِي مِنْ غَيْرِ ثِقَلٍ فَانْظُرُوا فِي أَمْرِهِ بِمَا تَعْلَمُونَهُ مِنْ عِلْمِكُمْ فَأُخِذَتْ عَلَيْهِمْ أَقْطَارُ السَّمَاءِ وَأَظْلَمَتِ الْأَرْضُ فَلَمْ يَمْضِ لَهُمْ مَا رَأَوْهُ وَبَاتَ السَّائِبُ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ عَلَى رَبْوَةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَنْظُرُ فَرَأَى بَرْقًا مِنْ قِبَلِ الْحِجَازِ قَدِ اسْتَطَارَ فَبَلَغَ الْمَشْرِقَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى تَحْتَ قَدَمَيْهِ رَوْضَةً خَضْرَاءَ فَقَالَ فِيمَا يَعْتَافُ: إِنْ صَدَقَ مَا أَرَى لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الْحِجَازِ سُلْطَانٌ يَبْلُغُ الْمَشْرِقَ وَتُخْصِبُ الْأَرْضُ عَلَيْهِ كَأَفْضَلِ مَا أَخْصَبَتْ عَلَى مَلِكٍ. فَلَمَّا خَلَصَ الْكُهَّانُ وَالْمُنَجِّمُونَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَأَوْا مَا أَصَابَهُمْ وَرَأَى السَّائِبُ مَا رَأَى قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: وَاللَّهِ مَا حِيلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ عِلْمِكُمْ إِلَّا لِأَمْرٍ جَاءَ مِنَ السَّمَاءِ وَأَنَّهُ لَنَبِيٌّ يُبْعَثُ أَوْ هُوَ مَبْعُوثٌ يَسْلُبُ هَذَا الْمَلِكَ مُلْكَهُ وَيَكْسِرُ وَإِنْ نَعَيْتُمْ إِلَى كِسْرَى كَسْرَ مُلْكِهِ لَيَقْتُلَنَّكُمْ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَكْتُمُوهُ الْأَمْرَ وَقَالُوا لَهُ قَدْ نَظَرْنَا فَوَجَدْنَا وَضْعَ دِجْلَةَ الْعَوْرَاءِ وَطَاقِ الْمُلْكِ قَدْ وُضِعَ عَلَى النُّحُوسِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ فَوَقَعَتِ النُّحُوسُ مَوَاقِعَهَا زَالَ كُلُّ مَا وُضِعَ عَلَيْهَا، وَنَحْنُ نَحْسَبُ لَكَ حِسَابًا تَضَعُ عَلَيْهِ بُنْيَانَكَ فَلَا يَزُولُ. - فَحَسِبُوا فَأَمَرُوهُ بِالْبِنَاءِ فَبَنَى دِجْلَةَ الْعَوْرَاءَ فِي ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَأَنْفَقَ عَلَيْهَا أَمْوَالًا جَلِيلَةً حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَهُمْ: أَجْلِسُ عَلَى سُورِهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَجَلَسَ فِي أَسَاوِرَتِهِ وَمَرَازِبَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ انْشَقَّتْ دِجْلَةُ وَخَرَجَ ذَلِكَ الْبُنْيَانُ مِنْ تَحْتِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ، فَلَمَّا أَخْرَجُوهُ جَمَعَ كُهَّانَهُ وَسَحَرَتَهُ وَمُنَجِّمِيهِ وَقَتَلَ مِنْهُمْ نَحْوَ مِائَةٍ وَقَالَ لَهُمْ: أَقَرَّبْتُكُمْ وَأَجْرَيْتُ عَلَيْكُمُ الْأَمْوَالَ ثُمَّ إِنَّكُمْ تَخُونُونَنِي؟ فَقَالُوا: أَيُّهَا الْمَلِكُ أَخْطَأْنَا كَمَا أَخْطَأَ مَنْ قَبْلَنَا. ثُمَّ حَسِبُوا لَهُ وَأَمَرُوهُ بِالْبِنَاءِ فَبَنَاهُ وَفَرَغَ مِنْهُ وَأَمَرُوهُ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ فَخَافَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَيْهِ فَرَكِبَ وَسَارَ عَلَى الْبِنَاءِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ إِذِ انْشَقَّتْ أَيْضًا. فَلَمْ يُدْرَكْ إِلَّا بِآخِرِ رَمَقٍ. فَدَعَاهُمْ وَقَالَ: لَأَقْتُلَنَّكُمْ أَوْ لَتَصْدُقُنِّي. فَصَدَقُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِالْأَمْرِ فَقَالَ: وَيْحَكُمْ هَلَّا بَيَّنْتُمْ لِي ذَلِكَ فَأَرَى فِيهِ مَا أَرَى قَالُوا: مَنَعَنَا الْخَوْفُ. فَتَرَكَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَارِيخِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ كِلَاهُمَا فِي الدَّلَائِلِ، وَالْخَرَائِطِيُّ عَنْ مَخْزُومِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَتَتْ عَلَيْهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً قَالَ: لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْتَجَسَ فِيهَا إِيوَانُ كِسْرَى وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَ عَشَرَ شُرَافَةً وَخَمَدَتْ نَارُ فَارِسَ وَلَمْ تُخْمَدْ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَلْفِ عَامٍ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ وَرَأَى الْمُوبَذَانُ إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ كِسْرَى أَفْزَعَهُ ذَلِكَ وَتَصَبَّرَ عَلَيْهِ تَشَجُّعًا، ثُمَّ رَأَى أَنْ لَا يَدَّخِرَ ذَلِكَ عَنْ وُزَرَائِهِ وَمَرَازِبَتِهِ حِينَ عِيلَ صَبْرُهُ فَجَمَعَهُمْ وَلَبِسَ تَاجَ مُلْكِهِ وَقَعَدَ عَلَى سَرِيرِهِ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِمْ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قَالَ: تَدْرُونَ فِيمَا بَعَثْتُ؟ قَالُوا: لَا إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا بِذَلِكَ، فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَتَاهُ كِتَابٌ بِخُمُودِ نَارِ فَارِسَ فَازْدَادَ غَمًّا إِلَى غَمِّهِ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِمَا هَالَهُ، فَقَالَ الْمُوبَذَانُ: وَأَنَا أَصْلَحَ اللَّهُ الْمُلْكَ قَدْ رَأَيْتُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ. فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْيَاهُ فِي الْإِبِلِ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ هَذَا يَا مُوبَذَانُ؟ وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَالَ: حَدَثٌ يَكُونُ مِنْ نَاحِيَةِ الْعَرَبِ، فَكَتَبَ كِسْرَى عِنْدَ ذَلِكَ: مِنْ مَلِكِ الْمُلُوكِ كِسْرَى إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ: أَمَّا بَعْدُ فَوَجِّهْ إِلَيَّ عَالِمًا بِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْهُ فَوَجَّهَ إِلَيْهِ بِعَبْدِ الْمَسِيحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَّانَ بْنِ بُقَيْلَةَ - بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ - الْغَسَّانِيُّ. فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ قَالَ: أَلَكَ عِلْمٌ بِمَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْهُ؟ قَالَ: يَسْأَلُنِي الْمَلِكُ أَوْ يُخْبِرُنِي الْمَلِكُ، فَإِنْ كَانَ عِنْدِي عِلْمٌ مِنْهُ أَخْبَرْتُهُ وَإِلَّا دَلَلْتُهُ عَلَى مَنْ يُعْلِمُهُ. قَالَ: فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ: عِلْمُ ذَلِكَ عِنْدَ خَالٍ لِي يَسْكُنُ مَشَارِقَ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ سَطِيحٌ. قَالَ: فَاذْهَبْ إِلَيْهِ فَاسْأَلْهُ وَائْتِنِي بِتَأْوِيلِ مَا عِنْدَهُ. فَنَهَضَ عَبْدُ الْمَسِيحِ حَتَّى قَدِمَ عَلَى سَطِيحٍ وَقَدْ أَشَفَى عَلَى الْمَوْتِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَحَيَّاهُ فَلَمْ يَحِرْ جَوَابًا فَأَنْشَأَ عَبْدُ الْمَسِيحِ يَقُولُ: أَصُمَّ أَمْ يَسْمَعُ غِطْرِيفُ الْيَمَنِ.. فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا. فَلَمَّا سَمِعَ سَطِيحُ كَلَامَهُ فَتَحَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ: عَبْدُ الْمَسِيحِ عَلَى جَمَلٍ مُشِيحٍ، أَقْبَلَ إِلَى سَطِيحٍ، وَقَدْ أَوْفَى عَلَى الضَّرِيحِ، بَعَثَكَ - مَلِكُ بَنِي سَاسَانَ، لِارْتِجَاسِ الْإِيوَانِ وَخُمُودِ النِّيرَانِ، وَرُؤْيَا الْمُوبَذَانِ. رَأَى إِبِلًا صِعَابًا تَقُودُ خَيْلًا عِرَابًا، قَدْ قَطَعَتْ دِجْلَةَ وَانْتَشَرَتْ فِي بِلَادِهَا. يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ إِذَا أَكْثَرْتَ التِّلَاوَةَ. وَظَهَرَ صَاحِبُ الْهِرَاوَةِ، وَفَاضَ وَادِي سَمَاوَةَ، وَغَاضَتْ بُحَيْرَةُ سَاوَةَ، فَلَيْسَ الشَّامُ لِسَطِيحٍ شَامًا، يَمْلِكُ مِنْهُمْ مُلُوكٌ وَمَلِكَاتٌ عَلَى عَدَدِ الشُّرُفَاتِ، وَكُلُّ مَا هُوَ آتٍ آتٍ. ثُمَّ قَضَى سَطِيحٌ مَكَانَهُ فَأَتَى عَبْدُ الْمَسِيحِ إِلَى كِسْرَى فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: إِلَى أَنْ يَمْلِكَ مِنَّا أَرْبَعَةَ عَشَرَ مَلِكًا كَانَتْ أُمُورٌ وَأُمُورٌ. فَمَلَكَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فِي أَرْبَعِ سِنِينَ وَمَلَكَ الْبَاقُونَ إِلَى خِلَافَةِ عُثْمَانَ ؓ. وَيَرْحَمُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ عَلِيٍّ الشُّقْرَاطِسِيَّ حَيْثُ قَالَ: ضَاءَتْ لِمَوْلِدِهِ الْآفَاقُ وَاتَّصَلَتْ بُشْرَى الْهَوَاتِفُ فِي الْإِشْرَاقِ وَالطَّفَلِ وَصَرْحُ كِسْرَى تَدَاعَى مِنْ قَوَاعِدِهِ وَانْقَضَّ مُنْكَسِرَ الْأَرْجَاءِ ذَا مَيَلِ وَنَارُ فَارِسَ لَمْ تُوقَدْ وَمَا خَمَدَتْ مِنْ أَلْفِ عَامٍ وَنَهْرُ الْقَوْمِ لَمْ يَسِلِ خَرَّتْ لِمَوْلِدِهِ الْأَوْثَانُ وَانْبَعَثَتْ ثَوَاقِبُ الشُّهْبِ تَرْمِي الْجِنَّ بِالشُّعَلِ وَالْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ حَمَّادٍ الدَّلَاصِيَّ الشَّهِيرَ بِالْبُوصِيرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ قَالَ: أَبَانَ مَوْلِدُهُ عَنْ طِيبِ عُنْصُرِهِ يَا طِيبَ مُبْتَدَإِ مِنْهُ وَمُخْتَتَمِ يَوْمٌ تَفَرَّسَ فِيهِ الْفُرْسُ أَنَّهُمْ قَدْ أُنْذِرُوا بِحُلُولِ الْبُؤْسِ وَالنِّقَمِ وَبَاتَ إِيوَانُ كِسْرَى وَهُوَ مُنْصَدِعٌ كَشَمْلِ أَصْحَابِ كِسْرَى غَيْرِ مُلْتَئِمِ وَالنَّارُ خَامِدَةُ الْأَنْفَاسِ مِنْ أَسَفٍ عَلَيْهِ وَالنَّهْرُ سَاهِي الْعَيْنِ مُنْسَدِمِ وَسَاءَ سَاوَةَ أَنْ غَاضَتْ بُحَيْرَتُهَا وَرُدَّ وَارِدُهَا بِالْغَيْظِ حِينَ ظَمِي كَأَنَّ بِالنَّارِ مَا بِالْمَاءِ مِنْ بَلَلٍ حُزْنًا وَبِالْمَاءِ مَا بِالنَّارِ مِنْ ضَرَمِ وَالْجِنُّ تَهْتِفُ وَالْأَنْوَارِ سَاطِعَةٌ وَالْحَقُّ يَظْهَرُ مِنْ مَعْنَى وَمِنْ كَلِمِ عَمُوا وَصَمُّوا فَإِعْلَانُ الْبَشَائِرِ لَمْ يُسْمَعْ وَبَارِقَةُ الْإِنْذَارِ لَمْ تُشِمِ مِنْ بَعْدِ مَا أَخْبَرَ الْأَقْوَامَ كَاهِنُهُمْ بِأَنَّ دِينَهُمُ الْمُعْوَجَّ لَمْ يُقَمِ مِنْ بَعْدِ مَا عَايَنُوا فِي الْأُفُقِ مِنْ شُهُبٍ مُنْقَضَّةٍ وَفْقَ مَا فِي الْأَرْضِ مِنْ صَنَمِ حَتَّى غَدَا عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ مُنْهَزِمٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَقْفُو إِثْرَ مُنْهَزِمِ وَقَالَ أَيْضًا فِي قَصِيدَتِهِ الْهَمْزِيَّةِ: وَمُحَيًّا كَالشَّمْسِ مِنْكَ مُضِيءٌ أَسْفَرَتْ عَنْهُ لَيْلَةٌ غَرَّاءُ لَيْلَةُ الْمَوْلِدِ الَّذِي كَانَ لِلدِّي نِ سُرُورٌ بِيَوْمِهِ وَازْدِهَاءُ وَتَوَالَتْ بُشْرَى الْهَوَاتِفُ أَنْ قَدْ وُلِدَ الْمُصْطَفَى وَحَقَّ الْهَنَاءُ وَتَدَاعَى إِيوَانُ كِسْرَى وَلَوْ لَا آيَةٌ مِنْكَ مَا تَدَاعَى الْبِنَاءُ وَغَدَا كُلُّ بَيْتِ نَارٍ وَفِيهِ كُرْبَةٌ مِنْ خُمُودِهَا وَبَلَاءُ وَعُيُونٌ لِلْفُرْسِ غَارَتْ فَهَلْ كَا نَ لِنِيرَانِهِمْ بِهَا إِطْفَاءُ فَهَنِيئًا بِهِ لِآمِنَةَ الْفَضْ لُ الَّذِي شَرُفَتْ بِهِ حَوَّاءُ مَنْ لِحَوَّاءَ أَنَّهَا حَمَلَتْ أَحْ مَدًا وَأَنَّهَا بِهِ نُفَسَاءُ يَوْمَ نَالَتْ بِوَضْعِهِ ابْنَةُ وَهْ بٍ مِنْ فَخَارِ مَا لَمْ تَنُلْهُ النِّسَاءُ وَأَتَتْ قَوْمَهَا بِأَفْضَلَ مِمَّا حَمَلَتْ قَبْلُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ شَمَّتَتْهُ الْأَمْلَاكُ إِذْ وَضَعَتْهُ وَشَفَتْنَا بِقَوْلِهَا الشِّفَاءُ رَافِعًا رَأْسَهُ وَفِي ذَلِكَ الرَّفْ عِ إِلَى كُلِّ سُؤْدُدٍ إِيمَاءُ رَامِقًا طَرْفُهُ السَّمَاءَ وَمَرْمَى عَيْنٍ مِنْ شَأْنِهِ الْعُلُوُّ الْعَلَاءُ وَتَدَلَّتْ زُهْرُ النُّجُومِ إِلَيْهِ وَأَضَاءَتْ بِضَوْئِهَا الْأَرْجَاءُ وَتَرَاءَتْ قُصُورُ قَيْصَرَ بِالشَّا مِ يَرَاهَا مَنْ دَارُهُ الْبَطْحَاءُ تَفْسِيرُ الْغَرِيبِ كِسْرَى بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا: اسْمُ مَلِكِ الْفَرَسِ. وَالَّذِي وُلِدَ النَّبِيُّ ﷺ فِي زَمَانِهِ: أَنُوشِرْوَانُ بْنُ قَبَاذَ بْنِ فَيْرُوزَ بْنِ يَزْدَجِرْدَ بْنِ بَهْرَامَ جُورَ. وَالَّذِي كَتَبَ إِلَيْهِ الْكِتَابَ وَمَزَّقَهُ: أَبَرْوِيزُ بْنُ هُرْمُزَ أَنُوشُرْوَانَ. وَالَّذِي قُتِلَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَأَخَذَ مِنْهُ الْمُسْلِمُونَ الْبِلَادَ: يَزْدَجِرْدُ بْنُ شَهْرَيَارَ. دِجْلَةُ بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: نَهْرُ بَغْدَادَ. قَالَ ثَعْلَبٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تَقُولُ: عَبَرْتُ دِجْلَةَ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ. بَاذَانُ: بِذَالٍ مُعْجَمَةٍ. انْقَصَمَ: انْكَسَرَ وَانْفَصَلَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضِهِ. اعْتَافَ: قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْعِيَافَةُ: زَجْرُ الطَّيْرِ وَالتَّفَاؤُلُ بِأَسْمَائِهَا وَأَصْوَاتِهَا وَمَمَرِّهَا، يُقَالُ: عَافَ يَعِيفُ عَيْفًا إِذَا زَجَرَ وَحَدَسَ وَظَنَّ. قُلْتُ: وَالْمُرَادُ هُنَا الْحَدْسُ وَالظَّنُّ. ارْتَجَسَ: اضْطَرَبَ وَانْشَقَّ. وَالرَّجْسُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ: الصَّوْتُ الشَّدِيدُ مِنَ الرَّعْدِ وَمِنْ هَدِيرِ الْبَعِيرِ. الْإِيوَانُ: بِوَزْنِ الدِّيوَانِ وَيُقَالُ فِيهِ بِوَزْنِ كِتَابٍ بِنَاءٌ أَزَجُّ غَيْرُ مَسْدُودِ الْوَجْهِ. وَالْأَزَجُّ: بَيْتٌ. يُبْنَى طُولًا، وَجَمْعُهُ عَلَى الْأَوَّلِ: أَوَاوِينُ كَدَوَاوِينَ. وَإِيوَانَاتٌ. وَعَلَى الثَّانِي: أُوَنٌ كَخِوَانٍ وَخُوَنٌ: بِنَاءٌ مَشْهُورٌ بِالْمَدَائِنِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ، كَانَ بِنَاءً مُحْكَمًا مَبْنِيًّا بِالْآجُرِّ الْكِبَارِ وَالْجِصِّ، سُمْكُهُ مِائَةُ ذِرَاعٍ فِي طُولِ مِثْلِهَا، فَارْتَجَسَ حَتَّى سَمِعَ صَوْتَهُ وَانْشَقَّ وَسَقَطَتْ مِنْهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شُرَافَةً. لَيْسَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ خَلَلٍ فِي بِنَائِهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ آيَةً بَاقِيَةً عَلَى وَجْهِ الدَّهْرِ لِنَبِيِّهِ ﷺ. الْمُوبَذَانُ: بِضَمِّ الْمِيمِ ثُمَّ وَاوٍ سَاكِنَةٍ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ. وَحَكَى الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ نَاصِرِ الدَّيْنِ الدِّمَشْقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كَسْرَهَا أَيْضًا وَبِذَالٍ مُعْجَمَةٍ: اسْمٌ لِحَاكِمِ الْمَجُوسِ كَقَاضِي الْقُضَاةِ لِلْمُسْلِمِينَ. مُشِيحٌ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ وَزْنَ مُلِيحٍ يُقَالُ نَاقَةٌ مُشْحَاةٌ إِذَا كَانَتْ سَرِيعَةً. وَالْإِبِلُ كِنَايَةٌ عَنِ النَّاسِ هُنَا. الْهِرَاوَةُ. بِكَسْرِ الْهَاءِ: الْعَصَا. الشُّرُفَاتُ بِضَمِّ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وَسُكُونِهَا جَمْعُ شُرْفَةٍ - إِمَّا تَحْقِيرًا لَهَا أَوْ أَنَّ جَمْعَ الْقِلَّةِ قَدْ يَقَعُ مَوْضِعَ جَمْعِ الْكَثْرَةِ. خَمَدَتْ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا كَنَصَرَ وَسَمِعَ. غَاضَتْ بِغَيْنٍ وَضَادٍ مُعْجَمَتَيْنِ: غَارَتْ. خَيْلًا عِرَابًا، بِكَسْرِ الْعَيْنِ. الْخَيْلُ الْعِرَابُ خِلَافُ الْبَرَاذِينِ الْفَرَسُ إِنْ كَانَ أَبَوَاهُ عَرَبِيَّيْنِ فَهُوَ عَتِيقٌ، وَإِنْ كَانَا أَعْجَمِيَّيْنِ فَهُوَ بِرْذَوْنُ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَرَبِيًّا وَالْأُمُّ عَجَمِيَّةً فَهُوَ هَجِينٌ. وَإِنْ كَانَ بِالْعَكْسِ فَهُوَ مُقْرِفٌ. بُحَيْرَةُ سَاوَةَ بُحَيْرَةٌ مُتَّسِعَةُ الْأَكْنَافِ جِدًّا. وَقَدْ قَالَ فِيهَا الصَّرْصَرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي بَعْضِ قَصَائِدِهِ: غَارَتْ وَقَدْ كَانَتْ جَوَانِبُهَا تَفُوتُ الْمِيلَا وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ فَرَاسِخَ تُرْكَبُ فِيهَا السُّفُنُ وَيُسَافَرُ فِيهَا إِلَى مَا حَوْلَهَا مِنَ الْبِلَادِ وَالْمُدُنِ، فَأَصْبَحَتْ لَيْلَةُ الْمَوْلِدِ نَاشِفَةً كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ. تَنْبِيهٌ: وَقَعَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ: غَاضَتْ بُحَيْرَةُ طَبَرِيَّةَ. وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ. وَبُحَيْرَةُ طَبَرِيَّةَ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَاءَهَا غَاضَ وَهُوَ بَاقٍ إِلَى الْيَوْمِ. الْمَرَازِبَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ مَرْزُبَانَ بِضَمِّ الزَّايِ وَهُوَ الْفَارِسُ الشُّجَاعُ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْقَوْمِ دُونَ الْمُكْرَهِ. هَالَهُ: أَفْزَعَهُ. رُؤْيَا بِتَرْكِ التَّنْوِينِ. حَدَثَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَمُثَلَّثَةٌ أَيْ وَقَعَ. مَشَارِفُ بِمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ مُخَفَّفَةٍ فَأَلِفٍ فَرَاءٍ فَفَاءٍ. الْمَشَارِفُ: الْقُرَى الَّتِي تَقْرُبُ مِنَ الْمُدُنِ، وَقِيلَ الَّتِي بَيْنَ بِلَادِ الرِّيفِ وَجَزِيرَةِ الْعَرَبِ قِيلَ لَهَا ذَلِكَ لِأَنَّهَا أَشْرَفَتْ عَلَى السَّوَادِ. قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ: مَشَارِفُ الْأَرْضِ أَعَالِيهَا. أَشْفَى: أَشْرَفَ. أَنْشَأَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَوَّلُهُ وَآخِرُهُ أَيِ ابْتَدَأَ. أَصُمَّ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ثُمَّ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ فَتَشْدِيدِ الْمِيمِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ. الْغِطْرِيفُ: بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ فَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَرَاءٍ مَكْسُورَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَفَاءٍ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا السَّيِّدُ. عَبْدُ الْمَسِيحِ: بِالرَّفْعِ لِأَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ "عَلَى جَمَلٍ" الْخَبَرُ. أَوْفَى: أَشْرَفَ. سَاوَةُ مَدِينَةٌ بَيْنَ الرَّيِّ وَهَمَذَانَ. السَّمَاوَةُ بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَمِيمٍ مُخَفَّفَةٍ: بَادِيَةٌ لِبَنِي كَلْبٍ عِنْدَ الْكُوفَةِ، أَرْضٌ عَالِيَةٌ لَا حَجْرَ فِيهَا لَهَا طُولٌ وَلَا عَرْضَ لَهَا سُمِّيَتِ السَّمَاوَةَ لِسُمُوِّهَا أَيْ عُلُوِّهَا. الطَّفَلُ بِفَتْحَتَيْنِ: الْعَشِيُّ عِنْدَ تَطْفِيلِ الشَّمْسِ وَنُقْصَانِ ضَوْئِهَا. وَمَعْنَى تَطْفِيلِهَا دُنُوُّهَا مِنَ الْمَغِيبِ. أَنْقَاضٌ يُرْوَى بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ. وَيُرْوَى بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ. وَعَلَيْهِمَا فَمَعْنَاهُ سَقَطَ. الْأَرْجَاءُ: النَّوَاحِي. الْمَيَلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ: الْمَيْلُ أَيْ بِسُكُونِ الْيَاءِ فِي الْحَادِثِ. وَالْمَيَلُ فِي الْخِلْقَةِ. فَارِسُ: اسْمُ عَلَمٍ كَالْفُرْسِ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْعَجَمِ كَانُوا مَجُوسًا يَعْبُدُونَ النَّارَ وَكَانَ لِبُيُوتِ النَّارِ سَدَنَةٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا. وَيَتَنَاوَبُونَ إِيقَادَهَا فَلَمْ يَخْمُدْ لَهَا لَهَبٌ لَا لَيْلَ وَلَا نَهَارَ إِلَّا لَيْلَةَ مَوْلِدِهِ ﷺ، فَإِنَّهُمْ أَوْقَدُوهَا فَلَمْ تُقَدْ. وَإِنَّمَا انْتَفَى إِيقَادُهَا فِي نَفْسِهَا مَعَ كَوْنِهِمْ تَعَاطَوْا إِيقَادَهَا فَهَذَا مَوْضِعُ الْآيَةِ الْعَجِيبَةِ، وَلَوْ كَانُوا لَمْ يَتَعَاطَوْا إِيقَادَهَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ آيَةٌ لِمَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ ذَلِكَ وَقَعَ اتِّفَاقًا. وَخَمَدَتْ تِلْكَ النَّارُ مَعَ إِيقَادِهِمْ لَهَا وَلَهَا أَلْفُ سَنَةٍ لَمْ تَخْمُدْ وَتِلْكَ مُدَّةُ عِبَادَةِ الْمَجُوسِ لِلنَّارِ. الْمُحَيَّا: الْوَجْهُ. أَسْفَرَتِ: انْحَسَرَتْ. غَرَّاءُ: تَأْنِيثُ - الْأَغَرِّ وَهُوَ السَّيِّدُ وَالْأَبْيَضُ النَّيِّرُ. الِازْدِهَاءُ: الِافْتِخَارُ. تَوَالَتْ: تَتَابَعَتْ. الْهَوَاتِفُ: جَمْعُ هَاتِفٍ وَهُوَ مَا يُسْمَعُ صَوْتُهُ وَلَا يُرَى شَخْصُهُ. تَدَاعَى: تَهَ آدَمَ. غَدَا بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ: صَارَ. خُمُودُ النَّارِ: سُكُونُ لَهَبِهَا وَلَمْ يُطْفَ جَمْرُهَا، فَإِنِ انْطَفَأَ أَيْضًا قِيلَ: هَمَدَتْ. الْكُرْبَةُ بِالضَّمِّ: الْهَمُّ الَّذِي يَأْخُذُ النَّفْسَ. وَالِاسْتِفْهَامُ عَنِ انْطِفَاءِ نَارِ فَارِسَ بِمِيَاهِ الْعُيُونِ الَّتِي غَارَتْ يُفِيدُ التَّعَجُّبَ مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَتَأْكِيدَ وُقُوعِهَا وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ ﷺ. رَمَقَ الشَّيْءَ: نَظَرَ إِلَيْهِ نَظَرًا خَفِيًّا. الْمَرْمَى فِي الْأَصْلِ: الْغَرَضُ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ سَهْمُ الرَّامِي. وَالْمُرَادُ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ الْبَصَرُ. الشَّأْنُ: الْقَصْدُ. الْعُلُوُّ: الِارْتِفَاعُ فِي الْمَكَانِ. الْعَلَاءُ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: الرِّفْعَةُ وَالشَّرَفُ، وَالْعُلَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ بِمَعْنَاهُ. تَرَاءَتْ مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ. وَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ: رَأَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. قَيْصَرُ: أَحَدُ مُلُوكِ الرُّومِ. الْبَطْحَاءُ: الْأَبْطَحُ. وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَسِيلٌ وَاسِعٌ فِيهِ دِقَاقُ الْحَصَى وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا بَطْحَاءُ مَكَّةَ. التَّشْمِيتُ: بِالْمُعْجَمَةِ، وَيَجُوزُ إِهْمَالُهَا: أَنْ تَقُولَ لِلْعَاطِسِ: رَحِمَكَ اللَّهُ. الشِّفَاءُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْفَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَالتَّثْقِيلِ: أُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ؓ.
التاريخ 650لا حكم مسجّل
ميلاد النبي ﷺ تَارِيخِ مَوْلِدِهِ ﷺ وَمَكَانِهِ وَفِيهِ فَصْلَانِ: الْأَوَّلُ: فِي بَيَانِ يَوْمِهِ، وَشَهْرِهِ، وَعَامِهِ. الصَّوَابُ: أَنَّهُ ﷺ وُلِدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ. أَوْ قَالَ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ". وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَاسْتُنْبِئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَرَفَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَفِي بَعْضِ الطُّرُقِ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ: وَأُنْزِلَتْ سُورَةُ الْمَائِدَةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَكَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: الْمَحْفُوظُ أَنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ وَنُزُولَ: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ الْعِرَاقِيُّ فِي الْمَوْرِدِ: الصَّوَابُ أَنَّهُ ﷺ وُلِدَ فِي النَّهَارِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ. وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ مُصَرَّحٌ بِهِ. وَرَوَى الْأَرْبَعَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ إِبْهَارِ النَّهَارِ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ دِحْيَةَ، وَصَحَّحَهُ الزَّرْكَشِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ الْبُرْدَةِ وَلِبَعْضِهِمْ فِي ذَلِكَ. يَا سَاعَةً فَتَحَ الْهُدَى أَرْفَادَهَا لُطْفًا وَقَدْ مَنَحَ الْجَزَا إِسْعَادَهَا لَاحَتْ بِشَهْرِ رَبِيعٍ الزَّاكِي الَّذِي فَاقَ الشُّهُورَ جَلَالَةً إِذْ سَادَهَا حَيْثُ النُّبُوَّةُ أَشْرَقَتْ بِمَآثِرٍ كَالشُّهْبِ لَا يُحْصِي الْوَرَى تَعْدَادَهَا حَيْثُ الْأَمَانَةُ وَالرِّسَالَةُ قَدْ بَدَتْ يُعْلِي لِ مَكَّةَ غَوْرَهَا وَنِجَادَهَا قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ تَدَلِّي النُّجُومِ فَضَعِيفٌ، لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ الْوِلَادَةَ كَانَتْ لَيْلًا. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ تَعْلِيلًا فَإِنَّ زَمَانَ النُّبُوَّةِ صَالِحُ لِلْخَوَارِقِ، وَيَجُوزُ أَنْ تَسْقُطَ النُّجُومُ نَهَارًا. شِعْرٌ: يَا سَاعَةً نِلْنَا السَّعَادَةَ وَالْهَنَا فِيهَا بِخَيْرِ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدِ تَمَّتْ لَنَا أَفْرَاحُهَا بِظُهُورِهِ وَتَكَمَّلَتْ فِي شَهْرِ مَوْلِدِ أَحْمَدِ غَيَّرَهُ لِبَعْضِهِمْ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. تَوَالَتْ أُمُورُ السَّعْدِ فِي خَيْرِ سَاعَةٍ بِمَوْلِدِ خَيْرِ الرُّسْلِ فِي سَاعَةِ السَّعْدِ فَيَا طِيبَ أَوْقَاتٍ وَيَا طِيبَ مَوْلِدٍ وَيَا طِيبَ مَوْلُودٍ حَوَى سَائِرَ الْمَجْدِ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ وَالْحَافِظُ وَغَيْرُهُمَا: ثُمَّ إِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَهُوَ الْمَعْرُوفُ. وَنَقَلَ بَعْضُهُمْ فِيهِ الْإِجْمَاعَ. يَقُولُ لَنَا لِسَانُ الْحَالِ مِنْهُ وَقَوْلُ الْحَقِّ يَعْذُبُ لِلسَّمِيعِ فَوَجْهِي وَالزَّمَانُ وَشَهْرُ وَضْعِي رَبِيعٌ فِي رَبِيعٍ فِي رَبِيعِ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْمَعَانِي: كَانَ مَوْلِدُهُ ﷺ فِي فَصْلِ الرَّبِيعِ وَهُوَ أَعْدَلُ الْفُصُولِ لَيْلُهُ وَنَهَارُهُ مُعْتَدِلَانِ بَيْنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَنَسِيمُهُ مُعْتَدِلٌ بَيْنَ الْيُبُوسَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَشَمْسُهُ مُعْتَدِلَةٌ فِي الْعُلُوِّ وَالْهُبُوطِ، وَقَمَرُهُ مُعْتَدِلٌ فِي أَوَّلِ دَرَجَةٍ مِنَ اللَّيَالِي الْبَيْضِ، وَيَنْعَقِدُ فِي سِلْكِ هَذَا النِّظَامِ، مَا هَيَّأَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ﷺ مِنْ أَسْمَاءِ مُرَبِّيهِ فَفِي الْوَالِدَةِ وَالْقَابِلَةِ الْأَمْنُ وَالشِّفَاءُ وَفِي اسْمِ الْحَاضِنَةِ الْبَرَكَةُ وَالنَّمَاءُ، وَفِي مُرْضِعَيْهِ ﷺ الْآتِي ذِكْرُهُمَا الثَّوَابُ وَالْحِلْمُ وَالسَّعْدُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً [خَلَتْ] مِنْهُ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ فِي الْغُرَرِ: وَهُوَ الَّذِي عَمِلَ الْعَمَلَ. وَقِيلَ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْهُ وَقَدَّمَهُ فِي الْإِشَارَةِ، وَقِيلَ لِثَمَانٍ. وَنَقَلَ أَبُو عُمَرَ عَنْ أَصْحَابِ الزِّيجِ أَنَّهُمْ صَحَّحُوهُ وَرَجَّحَهُ ابْنُ دِحْيَةَ. وَقَالَ الْحَافِظُ: إِنَّهُ مُقْتَضَى أَكْثَرِ الْأَخْبَارِ. وَقِيلَ: لِعَشَرٍ. حَكَاهُ الدِّمْيَاطِيُّ عَنْ جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ وَصَحَّحَهُ. وَقِيلَ: لِسَبْعَ عَشْرَةَ. وَقِيلَ لِثَمَانِي عَشْرَةَ، وَقِيلَ: فِي أَوَّلِهِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: عَامَ الْفِيلِ. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامَيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَبَالَغَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَابْنُ الْجَزَّارِ وَابْنُ دِحْيَةَ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَابْنُ الْقَيِّمِ فَنَقَلُوا فِيهِ الْإِجْمَاعَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ وَأَقَرَّهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِيلِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي شَرْحِ الدُّرَرِ: وَالْمَحْفُوظُ لَفْظُ الْعَامِ. وَقِيلَ: يُطْلَقُ الْيَوْمُ وَيُرَادُ بِهِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ، كَمَا يُقَالُ يَوْمُ الْفَتْحِ، وَيَوْمُ بَدْرٍ، فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْيَوْمِ فَيَكُونُ أَخَصَّ مِنَ الْأَوَّلِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ ابْنُ حِبَّانَ فِي تَارِيخِهِ فَإِنَّهُ قَالَ: وُلِدَ عَامَ الْفِيلِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ فِيهِ الطَّيْرَ الْأَبَابِيلَ عَلَى أَصْحَابِ الْفِيلِ. قَالَ: ثُمَّ وَجَدْتُ الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ قَالَ: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفِيلِ يَعْنِي عَامَ الْفِيلِ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: وُلِدْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ كُنَّا لِدَيْنِ. وَسَأَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ قُبَاثَ بْنَ أَشْيَمَ الْكِنَانِيَّ ثُمَّ اللَّيْثِيَّ: يَا قُبَاثُ أَنْتَ أَكْبَرُ أَمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَكْبَرُ مِنِّي وَأَنَا أَسَنُّ مِنْهُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ وَوَقَفَتْ بِي أُمِّي عَلَى خَذْقِ الْفِيلِ أَخْضَرَ مُحِيلًا. مَخْرَمَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ. وَمَاتَ عَلَى دِينِهِ. لِدَيْنِ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ الْمَشْهُورُ فِيهِ: لِدَتَيْنِ بِالتَّاءِ يُقَالُ فُلَانٌ لِدَةُ فُلَانٍ إِذَا وُلِدَ مَعَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: لِدَةُ الرَّجُلِ تِرْبَهُ وَالْهَاءُ عِوَضٌ عَنِ الْوَاوِ الذَّاهِبَةِ مِنْهُ، لِأَنَّهُ مِنَ الْوِلَادَةِ. وَهُمَا لِدَانٍ وَالْجَمْعُ لِدَاتٌ وَلِدُونَ. التِّرْبُ بِكَسْرِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ: مَنْ وُلِدَ مَعَكَ. قُبَاثُ بِضَمِّ الْقَافِ وَيُقَالُ بِفَتْحِهَا، قَالَ الْحَافِظُ: وَهُوَ الْمَشْهُورُ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ خَفِيفَةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ. ابْنُ أَشْيَمَ بِمُعْجَمَةٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ وِزَانُ أَحْمَدَ. وَعَلَى هَذَا فَقِيلَ بَعْدَ الْفِيلِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهُوَ أَشْهَرُ. وَصَحَّحَهُ الْمَسْعُودِيُّ وَالسُّهَيْلِيُّ. وَزَادَ أَنَّهُ الْأَشْهَرُ وَالْأَكْثَرُ وَقِيلَ بِزِيَادَةِ خَمْسً. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْخَوَارِزْمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ قُدُومَ أَصْحَابِ الْفِيلِ مَكَّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنَ الْمُحَرَّمِ. وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ غَيْرُهُ. وَزَادَ يَوْمَ الْأَحَدِ. وَكَانَ أَوَّلُ الْمُحَرَّمِ تِلْكَ السَّنَةَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: كَانَ قُدُومُ أَصْحَابِ الْفِيلِ فِي النِّصْفِ مِنَ الْمُحَرَّمِ وَمَوْلِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ بِخَمْسٍ وَخَمْسِينَ لَيْلَةً. وَصَحَّحَ الْحَافِظُ الدِّمْيَاطِيُّ هَذَا الْقَوْلَ. وَقِيلَ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا. وَقِيلَ بِشَهْرٍ وَسِتَّةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ بِعَشْرِ سِنِينَ. وَقِيلَ بِثَلَاثِينَ عَامًا. وَقِيلَ بِأَرْبَعِينَ عَامًا. وَقِيلَ بِسَبْعِينَ عَامًا. وَقِيلَ لِثَنْتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ مِنْ غَزْوَةِ أَصْحَابِ الْفِيلِ. وَقِيلَ فِي صَفَرٍ. وَقِيلَ فِي رَبِيعٍ الْآخَرِ. وَقِيلَ فِي الْمُحَرَّمِ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْهُ. وَقِيلَ فِي عَاشُورَاءَ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَهْلُ الْحِسَابِ يَقُولُونَ وَافَقَ مَوْلِدُهُ مِنَ الشُّهُورِ الشَّمْسِيَّةِ نِيسَانَ، وَكَانَ لِعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْهُ. وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي تَارِيخِ الْإِسْلَامِ: نَظَرْتُ فِي أَنْ يَكُونَ ﷺ وُلِدَ فِي رَبِيعٍ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ نِيسَانَ فَرَأَيْتُهُ بَعِيدًا مِنَ الْحِسَابِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَوْلِدُهُ فِي نِيسَانَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَوْلِدُهُ فِي رَمَضَانَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَافَقَ شَهْرُ رَبِيعٍ مِنْ شُهُورِ الرُّومِ الْعِشْرِينَ مِنْ شُبَاطَ. انْتَهَى. وَيُقَالُ: شُبَاطُ بِالْإِعْجَامِ وَالْإِهْمَالِ. قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي بُرْجِ الْحَمَلِ. قَالَ فِي النُّورِ: وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَائِلِ نِيسَانَ وَأَنْ يَكُونَ فِي آذَارَ. ثُمَّ قَالَ السُّهَيْلِيُّ. وَوَلَدٌ بِالْغَفْرِ مِنَ الْمَنَازِلِ وَهُوَ مَوْلِدُ النَّبِيِّينَ، وَلِذَا قِيلَ: خَيْرُ مَنْزِلَتَيْنِ كَانَتْ فِي الْأَبَدِ هُوَ مَا بَيْنَ الزَّبَانِي وَالْأَسَدِ لِأَنَّ الْغَفْرَ يَلِيهِ مِنَ الْعَقْرَبِ زَبَانِيهَا، وَلَا ضَرَرَ فِي الزَّبَانَيْنِ إِنَّمَا تَضُرُّ الْعَقْرَبُ بِذَنَبِهَا، وَيَلِيهِ مِنَ الْأَسَدِ أَلْيَتُهُ وَهُوَ السِّمَاكُ وَالْأَسَدُ لَا يَضُرُّ بِأَلْيَتِهِ وَإِنَّمَا يَضُرُّ بِمِخْلَبِهِ وَنَابِهِ. وَقَالَ ابْنُ دِحْيَةَ: أَظُنُّ السُّهَيْلِيُّ نَسِيَ السُّنْبُلَةَ وَظَنَّ أَنَّ السِّمَاكَ مِنَ الْأَسَدِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَاجِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَدْخَلِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِ ﷺ خُصَّ مَوْلِدُهُ بِشَهْرِ رَبِيعٍ وَبِيَوْمِ الِاثْنَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ وَفِيهِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَاخْتُصَّ بِفَضَائِلَ عِدَّةٍ، وَلَا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَهَا الْحُرْمَةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، وَلَا فِي يَوْمِ الْجُمْعَةِ وَلَا فِي لَيْلَتِهَا؟ فَالْجَوَابُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: مَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ وَهُوَ أَنَّ خَلْقَ الْأَقْوَاتِ وَالْأَرْزَاقِ وَالْفَوَاكِهِ وَالْخَيْرَاتِ الَّتِي يَمْتَدُّ بِهَا بَنُو آدَمَ وَيَحْيَوْنَ وَيَتَدَاوَوْنَ وَتَنْشَرِحُ صُدُورُهُمْ لِرُؤْيَتِهَا وَتَطِيبُ بِهَا نُفُوسُهُمْ وَتَسْكُنُ خَوَاطِرُهُمْ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا لِاطْمِئْنَانِ نُفُوسِهِمْ لِتَحْصِيلِ مَا يُبْقِي حَيَاتَهُمْ، عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ حِكْمَةُ الْحَكِيمِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. فَوُجُودُهُ ﷺ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ قُرَّةُ عَيْنٍ بِسَبَبِ مَا وُجِدَ مِنَ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ وَالْبَرَكَةِ الشَّامِلَةِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ظُهُورَهُ ﷺ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ فِيهِ إِشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَنْ تَفَطَّنَ لَهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اشْتِقَاقِ لَفْظَةِ رَبِيعٍ إِذْ أَنَّ فِيهِ تَفَاؤُلًا حَسَنًا وَبِشَارَةً لِأُمَّتِهِ ﷺ. وَقَدْ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصِّقِلِّيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنِ اسْمِهِ نَصِيبٌ. هَذَا فِي الْأَشْخَاصِ وَكَذَلِكَ فِي غَيْرِهَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَفَصْلُ الرَّبِيعِ فِيهِ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ عَمَّا فِي بَاطِنِهَا مِنْ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَأَرْزَاقِهِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْعِبَادِ وَحَيَاتُهُمْ وَمَعَايِشُهُمْ وَصَلَاحُ أَحْوَالِهِمْ، فَتَنْفَلِقُ الْحَبَّةُ وَالنَّوَى وَأَنْوَاعُ النَّبَاتِ وَالْأَقْوَاتِ الْمُقَدَّرَةِ فِيهَا، فَتَبْهِجُ النَّاظِرَ عِنْدَ رُؤْيَتِهَا وَتُبَشِّرُهُ بِلِسَانِ حَالِهَا بِقُدُومِ يَنْعِهَا. وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ إِلَى الِاسْتِبْشَارِ بِابْتِدَاءِ نِعَمِ الْمَوْلَى سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أَلَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ إِلَى الْبُسْتَانِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَيَّامِ تَنْظُرُ إِلَيْهِ كَأَنَّهُ يَضْحَكُ لَكَ، وَتَجِدُ زَهْرَةً كَأَنَّ لِسَانَ حَالِهِ يُخْبِرُكَ بِمَا لَكَ مِنَ الْأَرْزَاقِ الْمُدَّخَرَةِ وَالْفَوَاكِهِ. وَكَذَلِكَ الْأَرْضُ إِذَا أَبْهَجَ نُوَّارُهَا كَأَنَّهُ يُحَدِّثُكَ بِلِسَانِ حَالِهِ كَذَلِكَ أَيْضًا. فَمَوْلِدُهُ ﷺ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ فِيهِ مِنَ الْإِشَارَاتِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهِ. وَذَلِكَ إِشَارَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنَ الْمَوْلَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى التَّنْوِيهِ بِعَظِيمِ قَدْرِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ﷺ، وَإِنَّهُ رَحْمَةٌ لِلْعَالَمِينَ. وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ. وَحِمَايَةٌ لَهُمْ مِنَ الْمَهَالِكِ وَالْمَخَاوِفِ فِي الدَّارَيْنِ وَحِمَايَةٌ لِلْكَافِرِينَ بِتَأْخِيرِ الْعَذَابِ عَنْهُمْ لِأَجْلِهِ ﷺ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ فَوَقَعَتِ الْبَرَكَاتُ وَإِدْرَارُ الْأَرْزَاقِ وَالْأَقْوَاتِ. وَمِنْ أَعْظَمِهَا مِنَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ لِهِدَايَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ إِلَى صِرَاطِ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: مَا فِي شَرِيعَتِهِ ﷺ مِنْ شَبَهِ الْحَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ فَصْلَ الرَّبِيعِ أَعْدَلُ الْفُصُولِ وَأَحْسَنُهَا إِذْ لَيْسَ فِيهِ بَرْدٌ مُزْعِجٌ وَلَا حَرٌّ مُقْلِقٌ، وَلَيْسَ فِي لَيْلِهِ وَلَا نَهَارِهِ طُولٌ خَارِقٌ، بَلْ كُلُّهُ مُعْتَدِلٌ وَفَصْلُهُ سَالِمٌ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْعَوَارِضِ الَّتِي يَتَوَقَّعُهَا النَّاسُ فِي أَبْدَانِهِمْ فِي زَمَانِ الْخَرِيفِ، بَلِ النَّاسُ فِيهِ تَنْتَعِشُ قُوَاهُمْ وَتَنْصَلِحُ أَمْزِجَتُهُمْ وَتَنْشَرِحُ صُدُورُهُمْ لِأَنَّ الْأَبْدَانَ يُدْرِكُهَا فِيهِ مِنْ أَمْدَادِ الْقُوَّةِ مَا يُدْرِكُ النَّبَاتَ حِينَ خُرُوجِهِ، إِذْ مِنْهَا خُلِقُوا، فَيَطِيبُ لَيْلُهُمْ لِلْقِيَامِ وَنَهَارُهُمْ لِلصِّيَامِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنِ اعْتِدَالِهِ فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ شَبَهُ الْحَالِ بِالشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ رَفْعِ الْإِصْرِ وَالْأَغْلَالِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى مَنْ قَبْلَنَا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ قَدْ شَاءَ الْحَكِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ ﷺ تَتَشَرَّفُ بِهِ الْأَزْمِنَةُ وَالْأَمْكِنَةُ لَا هُوَ يَتَشَرَّفُ بِهَا، بَلْ يَحْصُلُ لِلزَّمَانِ أَوِ الْمَكَانِ الَّذِي يُبَاشِرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْفَضِيلَةُ الْعُظْمَى وَالْمَزِيَّةُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ جِنْسِهِ إِلَّا مَا اسْتُثْنِيَ مِنْ ذَلِكَ لِأَجْلِ زِيَادَةِ الْأَعْمَالِ فِيهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَلَوْ وُلِدَ ﷺ فِي الْأَوْقَاتِ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا لَكَانَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ يَتَشَرَّفُ بِهَا فَجَعَلَ الْحَكِيمُ جَلَّ جَلَالُهُ مَوْلِدَهُ ﷺ فِي غَيْرِهَا لِيُظْهِرَ عَظِيمَ عِنَايَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَكَرَامَتِهِ عَلَيْهِ. الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي مَكَانِهِ: اخْتُلِفَ: هَلْ وُلِدَ بِمَكَّةَ أَوْ غَيْرِهَا؟ وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ. وَعَلَيْهِ فَاخْتُلِفَ فِي مَكَانِهِ مِنْ مَكَّةَ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: فِي الدَّارِ الَّتِي فِي الزُّقَاقِ الْمَعْرُوفِ بِزُقَاقِ الْمَوْلِدِ فِي شِعْبٍ مَشْهُورٍ بِشِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ. وَكَانَتْ بِيَدِ عَقِيلٍ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قِيلَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهَبَهَا عَقِيلَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَلَمْ تَزَلْ بِيَدِهِ حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا فَبَاعَهَا وَلَدُهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجَّاجِ، وَقِيلَ إِنَّ عَقِيلًا بَاعَهَا بَعْدَ الْهِجْرَةِ تَبَعًا لِقُرَيْشٍ حِينَ بَاعُوا دُورَ الْمُهَاجِرِينَ. الثَّانِي: أَنَّهُ ﷺ وُلِدَ فِي شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ. حَكَاهُ الزُّبَيْرُ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ وُلِدَ ﷺ بِالرَّدْمِ. الرَّابِعُ: بِعُسْفَانَ.
التاريخ 651لا حكم مسجّل
فَرَحِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِهِ ﷺ وَتَسْمِيَتِهِ لَهُ مُحَمَّدًا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا: لَمَّا وَضَعَتْ آمِنَةُ سَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَتْ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: أَنَّهُ قَدْ وُلِدَ لَكَ غُلَامٌ فَائْتِهِ فَانْظُرْ إِلَيْهِ. فَأَتَاهُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ. وَحَدَّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ وَمَا قِيلَ لَهَا وَمَا أُمِرَتْ بِهِ أَنْ تُسَمِّيَهُ، فَيَزْعُمُونَ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ أَخَذَهُ فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ فَقَامَ يَدْعُو اللَّهَ وَيَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَعْطَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ ﷺ إِلَى أُمِّهِ وَهُوَ يَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْطَانِي هَذَا الْغُلَامَ الطَّيِّبَ الْأَرْدَانِ قَدْ سَادَ فِي الْمَهْدِ عَلَى الْغِلْمَانِ أُعِيذُهُ بِالْبَيْتِ ذِي الْأَرْكَانِ حَتَّى يَكُونَ بُلْغَةَ الْفِتْيَانِ حَتَّى أَرَاهُ بَالِغَ التِّبْيَانِ أُعِيذُهُ مِنْ شَرِّ ذِي شَنَآنِ مِنْ حَاسِدٍ مُضْطَرِبِ الْعِيَانِ ذِي هِمَّةٍ لَيْسَ لَهُ عَيْنَانِ حَتَّى أَرَاهُ رَافِعًا لِلشَّانِ أَنْتَ الَّذِي سُمِّيتَ فِي الْفُرْقَانِ أَحْمَدَ مَكْتُوبٌ عَلَى اللِّسَانِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ التَّنُوخِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّابِعِ مِنْ وِلَادَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَبَحَ عَنْهُ جَدُّهُ وَدَعَا قُرَيْشًا ، فَلَمَّا أَكَلُوا قَالُوا: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ مَا سَمَّيْتُهُ؟ قَالَ: سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا. قَالُوا: لِمَ رَغِبْتَ بِهِ عَنْ أَسْمَاءِ أَهْلِ بَيْتِهِ. قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَحْمَدَهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَخَلْقُهُ فِي الْأَرْضِ. وَرَوَى أَبُو عُمَرَ وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ مَنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: لَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَّ عِنْدَهُ جَدُّهُ بِكَبْشٍ وَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا. فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَارِثِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تُسَمِّيَهُ مُحَمَّدًا وَلَمْ تُسَمِّهِ بِاسْمِ آبَائِهِ؟ قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ يَحْمَدَهُ اللَّهُ فِي السَّمَاءِ وَيَحْمَدَهُ النَّاسُ فِي الْأَرْضِ. وَذِكَرَ السُّهَيْلِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنَّمَا سَمَّاهُ مُحَمَّدًا لِرُؤْيَا رَآهَا. زَعَمُوا أَنَّهُ رَأَى مَنَامًا كَأَنَّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ خَرَجَتْ مَنْ ظَهْرِهِ وَلَهَا طَرَفٌ فِي السَّمَاءِ وَطَرَفٌ فِي الْأَرْضِ وَطَرَفٌ فِي الْمَشْرِقِ وَطَرَفٌ فِي الْمَغْرِبِ، ثُمَّ عَادَتْ كَأَنَّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلِّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ، وَإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَتَعَلَّقُونَ بِهَا. فَقَصَّهَا فَعُبِّرَتْ لَهُ بِمَوْلُودٍ يَكُونُ مِنْ صُلْبِهِ يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مُحَمَّدًا مَعَ مَا حَدَّثَتْهُ بِهِ أُمُّهُ ﷺ. وَيَرْحَمُ اللَّهُ تَعَالَى الْإِمَامَ الْعَلَّامَةَ الْعَارِفَ إِبْرَاهِيمَ بْنَ أَحْمَدَ الرَّقِّيَّ حَيْثُ قَالَ: لَوْ أَنَّ كُلَّ الْخَلْقِ لَيْلَةَ مَوْلِدِ الْ هَادِي عَلَى الْهَامَاتِ مِنْهُمْ قَامُوا شُكْرًا لِنِعْمَةِ رَبِّهِمْ فِيمَا حُبُوا فِيهَا بِعُشْرِ عُشَيْرِهَا مَا قَامُوا هِيَ نِعْمَةٌ مَا غَادَرَتْ مَنْ دِينُهُ كَفْرٌ وَلَا مَنْ دِينُهُ الْإِسْلَامُ عَمَّتْهُمُ بِبِحَارِهَا فَالْعَالَمُ الْ عُلْوِيُّ وَالسُّفْلِيُّ فِيهَا عَامُوا فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مِنْ فَضْلِهِ عَمِّ الْبَرِيَّةَ كُلَّهَا الْإِنْعَامُ نَظَرَ الرَّحِيمُ إِلَى الْوَرَى فَرَآهُمُ أَغْوَتْهُمُ الْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ وَتَحَيَّرُوا فِي ظُلْمَةِ الْكُفْرِ الَّذِي عُبِدَتْ بِهِ الْأَوْثَانُ وَالْأَصْنَامُ تَغْشَى الْفَوَاحِشُ فِي الْمَحَافِلِ جَهْرَةً لَا يُنْكِرُونَ كَأَنَّهُمْ أَنْعَامُ يَبْغِي الْقَوِيُّ عَلَى الضَّعِيفِ وَيَقْهَرُ الْ وَالِي الْيَتِيمَ وَتُقْطَعُ الْأَرْحَامُ فَأَغَاثَهُمْ رَبُّ الْعِبَادِ بِشِرْعَةٍ فِيهَا الْحُدُودُ عَلَى السَّدَادِ تُقَامُ دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ خَيْرِ الْوَرَى مَنْ فُصِّلَتْ فِي دِينِهِ الْأَحْكَامُ مُوسَى وَعِيسَى بَشَّرَا بِظُهُورِهِ وَدَعَا بِهِ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهَامُ شُكْرًا لِمُهْدِيهِ إِلَيْنَا نِعْمَةً لَيْسَتْ تُحِيطُ بِكُنْهِهَا الْأَوْهَامُ
التاريخ 652لا حكم مسجّل
ذِكْرُ حَوَاضِنِهِ، وَمَرَاضِعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَتْ أُمُّ أَيْمَنَ، وَاسْمُهَا بَرَكَةُ تَحْضُنُهُ وَكَانَ قَدْ وَرِثَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ أَبِيهِ فَلَمَّا كَبِرَ أَعْتَقَهَا وَزَوَّجَهَا مَوْلَاهُ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ فَوَلَدَتْ لَهُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ؓ، وَأَرْضَعَتْهُ مَعَ أُمِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، مَوْلَاةُ عَمِّهِ أَبِي لَهَبٍ ثُوَيْبَةُ قَبْلَ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ. أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْكِحْ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَلِمُسْلِمٍ: عَزَّةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ، وَأُحِبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرِ أُخْتِي فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي قَالَتْ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حِجْرِي مَا حَلَّتْ لِي; إِنَّهَا لَابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي، وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ زَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ عُرْوَةُ: وَثُوَيْبَةُ مَوْلَاةٌ لِأَبِي لَهَبٍ أَعْتَقَهَا فَأَرْضَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو لَهَبٍ أُرِيَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ بِشَرِّ خَيْبَةٍ فَقَالَ لَهُ: مَاذَا لَقِيتَ ؟ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ لَمْ أَلْقَ بَعْدَكُمْ خَيْرًا غَيْرَ أَنِّي سُقِيتُ فِي هَذِهِ بِعَتَاقَتِي ثُوَيْبَةَ، وَأَشَارَ إِلَى النُّقْرَةِ الَّتِي بَيْنَ الْإِبْهَامِ وَالَّتِي تَلِيهَا مِنَ الْأَصَابِعِ. وَذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الرَّائِيَ لَهُ هُوَ أَخُوهُ الْعَبَّاسُ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ سَنَةٍ مِنْ وَفَاةِ أَبِي لَهَبٍ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا لَهَبٍ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَيَّ فِي مِثْلِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَمَّا بَشَّرَتْهُ ثُوَيْبَةُ بِمِيلَادِ ابْنِ أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَعْتَقَهَا مِنْ سَاعَتِهِ فَجُوزِيَ بِذَلِكَ لِذَلِكَ.
التاريخ 653لا حكم مسجّل
ذِكْرُ رَضَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ السَّعْدِيَّةِ، وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَرَكَةِ، وَآيَاتِ النُّبُوَّةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَاسْتُرْضِعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ حَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ رِزَامِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ مُضَرَ. قَالَ: وَاسْمُ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي أَرْضَعَهُ - يَعْنِي زَوْجَ حَلِيمَةَ - الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رَفَاعَةِ بْنِ مَلَّانَ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ، وَإِخْوَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَعْنِي مِنَ الرَّضَاعَةِ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُنَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَحُذَافَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَهِيَ الشَّيْمَاءُ، وَذَكَرُوا أَنَّهَا كَانَتْ تَحْضُنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أُمِّهِ إِذْ كَانَ عِنْدَهُمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ مَوْلًى لِاِمْرَأَةٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ كَانَتْ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ، وَيُقَالَ لَهُ: مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ حَلِيمَةَ ابْنَةِ الْحَارِثِ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمْتُ مَكَّةَ فِي نِسْوَةٍ - وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُنَّ كُنَّ عَشْرَ نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ يَلْتَمِسْنَ بِهَا الرُّضَعَاءَ - مِنْ بَنِي سَعْدٍ نَلْتَمِسُ بِهَا الرُّضَعَاءَ، وَفِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ فَقَدِمْتُ عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ، كَانَتْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ، وَمَعِي صَبِيٌّ لَنَا، وَشَارِفٌ لَنَا وَاللَّهِ مَا تَبِضُّ بِقَطْرَةٍ وَمَا نَنَامُ لَيْلَتَنَا ذَلِكَ أَجْمَعَ مَعَ صَبِيِّنَا ذَاكَ، مَا نَجِدُّ فِي ثَدْيِي مَا يُغْنِيهِ وَلَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَذِّيهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ فَخَرَجْتُ عَلَى أَتَانِي تِلْكَ فَلَقَدْ أَذَمَّتْ بِالرَّكْبِ حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا فَقَدِمْنَا مَكَّةَ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ مِنَّا امْرَأَةً إِلَّا وَقَدْ عُرِضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَتَأْبَاهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ يَتِيمٌ تَرَكْنَاهُ، وَقُلْنَا: مَاذَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ إِلَيْنَا أُمُّهُ ؟ إِنَّمَا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الْوَلَدِ فَأَمَّا أُمُّهُ فَمَاذَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ إِلَيْنَا ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَقِيَ مِنْ صَوَاحِبِي امْرَأَةٌ إِلَّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي فَلَمَّا لَمْ نَجِدْ غَيْرَهُ، وَأَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْتُ لِزَوْجِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: وَاللَّهِ وَإِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي لَيْسَ مَعِيَ رَضِيعٌ، لَأَنْطَلِقَنَّ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلْآخُذَنَّهُ. فَقَالَ: لَا عَلَيْكِ أَنْ تَفْعَلِي فَعَسَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً فَذَهَبْتُ فَأَخَذَتْهُ فَوَاللَّهِ مَا أَخَذْتُهُ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ أَخَذْتُهُ فَجِئْتُ بِهِ رَحْلِي فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ حَتَّى رَوِيَ، وَشَرِبَ أَخُوهُ حَتَّى رَوِيَ، وَقَامَ صَاحِبِي إِلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا إِنَّهَا لَحَافِلٌ فَحَلَبَ مَا شَرِبَ، وَشَرِبْتُ حَتَّى رَوِينَا فَبِتْنَا بِخَيْرِ لَيْلَةٍ فَقَالَ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا: يَا حَلِيمَةُ وَاللَّهِ إِنِّي لِأَرَاكِ قَدْ أَخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً; أَلَمْ تَرَيْ مَا بِتْنَا بِهِ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ حِينَ أَخَذْنَاهُ ! فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَزِيدُنَا خَيْرًا، ثُمَّ خَرَجْنَا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِنَا فَوَاللَّهِ لَقَطَعَتْ أَتَانِي بِالرَّكْبِ حَتَّى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حِمَارٌ حَتَّى إِنَّ صَوَاحِبِي لَيَقُلْنَ: وَيْلَكِ يَا بِنْتَ أَبِي ذُؤَيْبٍ هَذِهِ أَتَانُكِ الَّتِي خَرَجْتِ عَلَيْهَا مَعَنَا ؟ فَأَقُولُ: نَعَمْ وَاللَّهِ إِنَّهَا لَهِيَ فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا حَتَّى قَدِمْنَا أَرْضَ بَنِي سَعْدٍ وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللَّهِ أَجْدَبَ مِنْهَا فَإِنْ كَانَتْ غَنَمِي لَتَسْرَحُ، ثُمَّ تَرُوحُ شِبَاعًا لَبَنًا، فَنَحْلِبُ مَا شِئْنَا وَمَا حَوَالَيْنَا أَوْ حَوْلَنَا أَحَدٌ تَبِضُّ لَهُ شَاةٌ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ، وَإِنَّ أَغْنَامَهُمْ لَتَرُوحَ جِيَاعًا حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ لِرُعَاتِهِمْ أَوْ لِرُعْيَانِهِمْ وَيْحَكُمُ انْظُرُوا حَيْثُ تَسْرَحُ غَنَمُ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ فَاسْرَحُوا مَعَهُمْ فَيَسَرَحُونَ مَعَ غَنَمِي حَيْثُ تَسْرَحُ فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا فِيهَا قَطْرَةُ لَبَنٍ، وَتَرُوحُ أَغْنَامِي شِبَاعًا لَبَنًا نَحْلِبُ مَا شِئْنَا فَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ يُرِينَا الْبَرَكَةَ نَتَعَرَّفُهَا حَتَّى بَلَغَ سَنَتَيْهِ فَكَانَ يَشِبُّ شَبَابًا لَا تَشِبُّهُ الْغِلْمَانُ فَوَاللَّهِ مَا بَلَغَ السَّنَتَيْنِ حَتَّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، وَنَحْنُ أَضَنُّ شَيْءٍ بِهِ مِمَّا رَأَيْنَا فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ. فَلَمَّا رَأَتْهُ أُمُّهُ قُلْنَا لَهَا: يَا ظِئْرُ دَعِينَا نَرْجِعُ بِابْنِنَا هَذِهِ السَّنَةَ الْأُخْرَى فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ فَوَاللَّهِ مَا زِلْنَا بِهَا حَتَّى قَالَتْ: فَنَعَمْ فَسَرَّحَتْهُ مَعَنَا
التاريخ 654لا حكم مسجّل
[ شق صدره الشريف ﷺ حَدِيثُ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ شَقَّا بَطْنَهُ ﷺ ] قَالَتْ: فَرَجَعْنَا بِهِ، فَوَاَللَّهِ إنَّهُ بَعْدَ مَقْدِمِنَا ( بِهِ ) بِأَشْهُرِ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بَهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا، إذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدُّ، فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ: ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيُّ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَاهُ، فَشَقَّا بَطْنَهُ، فَهُمَا يَسُوطَانِهِ. قَالَتْ: فَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُوهُ نَحْوَهُ، فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقَعَا وَجْهُهُ. قَالَتْ: فَالْتَزَمْتُهُ وَالْتَزَمَهُ أَبُوهُ، فَقُلْنَا لَهُ: مَا لَكَ يَا بُنَيَّ، قَالَ: جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، فَأَضْجَعَانِي وَشَقَّا بَطْنِي، فَالْتَمِسَا ( فِيهِ ) شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ. قَالَتْ: فَرَجَعْنَا ( بِهِ ) إلَى خِبَائِنَا.
التاريخ 655لا حكم مسجّل
[ رُجُوعُ حَلِيمَةَ بِهِ ﷺ إلَى أُمِّهِ ] قَالَتْ: وَقَالَ لِي أَبُوهُ يَا حَلِيمَةُ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ فَأَلْحِقِيهِ بِأَهْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ بِهِ، قَالَتْ: فَاحْتَمَلْنَاهُ، فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمِّهِ، فَفَالَتْ: مَا أَقْدَمَكَ بِهِ يَا ظِئْرُ وَقَدْ كُنْتِ حَرِيصَةً عَلَيْهِ، وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَكَ ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: قَدْ بَلَغَ اللَّهُ بِابْنِي وَقَضَيْتُ الَّذِي عَلَيَّ، وَتَخَوَّفْتُ الْأَحْدَاثَ، عَلَيْهِ، فَأَدَّيْتُهُ إلَيْكَ كَمَا تُحِبِّينَ، قَالَتْ: مَا هَذَا شَأْنُكَ، فَاصْدُقِينِي خَبَرَكَ. قَالَتْ: فَلَمْ تَدَعْنِي حَتَّى أَخْبَرْتُهَا. قَالَتْ: أَفَتَخَوَّفَتْ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ ؟ قَالَتْ: قُلْتُ نَعَمْ، قَالَتْ: كَلَّا، وَاَللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، وَإِنَّ لِبُنَيَّ لَشَأْنًا، أَفَلَا أُخْبِرُكِ خَبَرَهُ، قَالَتْ: ( قُلْتُ ) بَلَى، قَالَتْ: رَأَيْتُ حِينَ حَمَلْتُ بِهِ، أَنَّهُ خَرَجَ مِنِّي نُورٌ أَضَاءَ لِي قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، ثُمَّ حَمَلْتُ بِهِ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِنْ حَمْلٍ قَطُّ كَانَ أَخَفَّ ( عَلَيَّ ) وَلَا أَيْسَرَ مِنْهُ، وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْتُهُ وَإِنَّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ، رَافِعٌ رَأَسَهُ إلَى السَّمَاءِ، دَعِيهِ عَنْكَ وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً.
التاريخ 656لا حكم مسجّل
[ افْتَقَدَتْهُ حَلِيمَةُ ﷺ حِينَ رُجُوعِهَا بِهِ وَوَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ النَّاسُ فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: أَنَّ أُمَّهُ السَّعْدِيَّةَ لَمَّا قَدِمَتْ بِهِ مَكَّةَ أَضَلَّهَا فِي النَّاسِ وَهِيَ مُقْبِلَةٌ بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ، فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ لَهُ: إنِّي قَدْ قَدِمْتُ بِمُحَمَّدٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ. فَلَمَّا كُنْتُ بِأَعْلَى مَكَّةَ أَضَلَّنِي، فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ، فَقَامَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهُ؛ فَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَا لَهُ: هَذَا ابْنُكَ وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يُعَوِّذُهُ وَيَدْعُو لَهُ، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمِّهِ آمِنَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ مِمَّا هَاجَ أُمَّهُ السَّعْدِيَّةَ عَلَى رَدِّهِ إلَى أُمِّهِ، مَعَ مَا ذَكَرَتْ لِأُمِّهِ مِمَّا أَخْبَرَتْهَا عَنْهُ، أَنَّ نَفَرًا مِنْ الْحَبَشَةِ نَصَارَى، رَأَوْهُ مَعَهَا حِينَ رَجَعَتْ بِهِ بَعْدَ فِطَامِهِ، فَنَظَرُوا إلَيْهِ وَسَأَلُوهَا عَنْهُ وَقَلَّبُوهُ، ثُمَّ قَالُوا لَهَا: لَنَأْخُذَنَّ هَذَا الْغُلَامَ، فَلَنَذْهَبَنَّ بِهِ إلَى مَلِكِنَا وَبَلَدِنَا، فَإِنَّ هَذَا غُلَامٌ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ نَحْنُ نَعْرِفُ أَمْرَهُ، فَزَعَمَ الَّذِي حَدَّثَنِي أَنَّهَا لَمْ تَكَدْ تَنْفَلِتُ بِهِ مِنْهُمْ.
التاريخ 657لا حكم مسجّل
[ اعْتِزَازُهُ ﷺ بِقُرَشِيَّتِهِ وَاسْتِرْضَاعُهُ فِي بَنِي سَعْدٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: أَنَا أَعْرَبُكُمْ، أَنَا قُرَشِيٌّ، وَاسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
التاريخ 658لا حكم مسجّل
إِخْوَتِهِ ﷺ مِنَ الرَّضَاعَةِ عَمُّهُ حَمْزَةُ أَسَدُ اللَّهِ وَسَيِّدُ الشُّهَدَاءِ ؓ، رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ سَعْدٍ وَالشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ، قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَلَا تَتَزَوَّجُ ابْنَةَ حَمْزَةَ فَإِنَّهَا مِنْ أَحْسَنِ فَتَاةٍ فِي قُرَيْشٍ؟ قَالَ: «إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ » انْتَهَى. وَحَمْزَةُ ؓ رَضِيعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جِهَةِ حَلِيمَةَ. وَمِنْ جِهَةِ السَّعْدِيَّةِ السَّابِقَةِ. أَبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ. رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ، بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ؓ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا تَنْكِحُ أُخْتِي بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ. وَلِمُسْلِمٍ: عَزَّةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَتُحِبِّينَ ذَلِكَ؟ » قَالَتْ: نَعَمْ لَسْتُ لَكَ. بِمُخْلِيَةٍ وَأُحِبُّ مَنْ شَارَكَنِي فِي خَيْرِ أُخْتِي. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ لِي ». قَالَتْ: فَإِنَّا نُحَدَّثُ أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْكِحَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ. قَالَ: «بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ؟ » قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «إِنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا لِابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَا سَلَمَةَ ثُوَيْبَةُ ». وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. مُخْلِيَةٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَبِالتَّحْتِيَّةِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ لَمْ أَجِدْكَ خَالِيًا مِنَ الزَّوْجَاتِ غَيْرِي وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: الْمَعْنَى بِمُنْفَرِدَةٍ لِلْخَلْوَةِ بِكَ. نُحَدَّثُ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ. حَجْرِي بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا. عَزَّةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا زَايٌ. دُرَّةُ: بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ. مَسْرُوحٌ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ ؓ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَتَعَقَّبَهُ فِي الزَّهْرِ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّارِيخِ وَأَهْلُ الصَّحِيحِ لَا أَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا أَنَّ الرَّاضِعَ مَعَ حَمْزَةَ أَبُو سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ لَا ذِكْرَ لِابْنِ جَحْشٍ عِنْدَهُمْ. قُلْتُ: هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. وَمَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ سَبْقُ قَلَمٍ فَإِنَّ أَبَا سَلَمَةَ ذَكَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ رَضَعَ هُوَ وَإِيَّاهُ مِنْ ثُوَيْبَةَ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ السُّهَيْلِيُّ، وَذَكَرَ ابْنَ جَحْشٍ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنُ حَلِيمَةَ وَهُوَ الَّذِي شَرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، وَوَقَعَ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَائِي أَنَّ اسْمَهُ ضُمْرَةُ. فَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. حَفْصُ بْنُ الْحَارِثِ: ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ. أُمَيَّةُ بِنْتُ الْحَارِثِ ذَكَرَهَا أَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ فِي الشَّرَفِ وَأَقَرَّهُ الْحَافِظُ. خِذَامَةُ بِخَاءٍ مَكْسُورَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَتَيْنِ. وَيُقَالُ بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ، وَيُقَالُ حُذَافَةُ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ، قَالَ الْخُشَنِيُّ: وَهُوَ الصَّوَابُ وَهِيَ: الشَّيْمَاءُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّةِ. وَكَانَتْ تَحْضُنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أُمِّهَا إِذْ كَانَ عِنْدَهُمْ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ وَغَيْرِهِ: إِنَّ حُذَافَةَ وَهِيَ الشَّيْمَاءُ غَلَبَ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَذَكَرَ أَنَّ الشَّيْمَاءَ كَانَتْ تَحْضُنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَعَ أُمِّهَا. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ أَنَّ الشَّيْمَاءَ لَمَّا انْتَهَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَأُخْتُكَ مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَ: «وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ » قَالَتْ: عَضَّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي وَأَنَا مُتَوَرِّكَتُكَ. فَعَرِفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَلَامَةَ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ ثُمَّ قَالَ: هَا هُنَا فَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَخَيَّرَهَا فَقَالَ: «إِنْ أَحْبَبْتِ فَأَقِيمِي عِنْدِي مُحَبَّبَةً مُكَرَّمَةً وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتِّعَكِ فَتَرْجِعِي إِلَى قَوْمِكِ فَعَلْتُ ». فَقَالَتْ: بَلْ تُمَتِّعُنِي وَتُرْجِعُنِي إِلَى قَوْمِي. فَمَتَّعَهَا وَرَدَّهَا إِلَى قَوْمِهَا. فَزَعَمَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ أَنَّهُ ﷺ أَعْطَاهَا غُلَامًا يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ وَجَارِيَةً فَزَوَّجُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ فَلَمْ يَزَلْ مِنْ نَسْلِهِمَا بَقِيَّةٌ. أَبُو وَجْزَةَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ اسْمُهُ يَزِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ. وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى نَحْوَهُ. وَزَادَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهَا وَشْيًا أَيْ ثَوْبًا مُوَشَّى وَثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ وَجَارِيَةً. وَنُقِلَ فِي الزَّهْرِ وَالْإِصَابَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُعَلَّى قَالَ فِي كِتَابِ التَّرْقِيصِ: إِنَّ الشَّيْمَاءَ كَانَتْ تُرَقِّصُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ فِي تَرْقِيصِهِ هَذَا الْكَلَامَ: يَا رَبَّنَا أَبْقِ أَخِي مُحَمَّدَا حَتَّى أَرَاهُ يَافِعًا وَأَمْرَدَا وَأَكْبِتْ أَعَادِيهِ مَعًا وَالْحُسَّدَا وَأَعْطِهِ عِزًّا يَدُومُ أَبَدَا زَادَ فِي الزَّهْرِ فِي النَّقْلِ عَنْهُ. هَذَا أَخٌ لِي لَمْ تَلِدْهُ أُمِّي وَلَيْسَ مِنْ نَسْلِ أَبِي وَعَمِّي فَدَيْتُهُ مِنْ مُخَوَّلٍ مُعَمِّ فَأَنِمْهُ اللَّهُمَّ فِيمَا تُنَمِّي وَتَقُولُ أَيْضًا ؓ: مُحَمَّدٌ خَيْرُ الْبَشَرْ مِمَّنْ مَضَى وَمَنْ غَبَّرْ مَنْ حَجَّ مِنْهُمْ أَوِ اعْتَمَرْ أَحْسَنُ مِنْ وَجْهِ الْقَمَرْ مِنْ كُلِّ أُنْثَى وَذَكَرْ مِنْ كُلِّ مَشْبُوبٍ أَغَرَّ جَنَّبَنِي اللَّهُ الْغَيْرَ فِيهِ وَأَوْضَحَ لِي الْأَثَرْ .
التاريخ 659لا حكم مسجّل
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي وَفَاةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَوَصِيَّتِهِ لِأَبِي طَالِبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ اخْتُلِفَ فِي سِنِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ مَاتَ جَدُّهُ فَقِيلَ: وَلَهُ ثَمَانِي سِنِينَ وَقَدَّمَهُ فِي الْإِشَارَةِ. وَقِيلَ بِزِيَادَةِ شَهْرٍ وَعَشَرَةِ أَيَّامٍ. وَقِيلَ تِسْعٌ وَقِيلَ عَشْرٌ وَقِيلَ سِتٌّ. وَلِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَشْرٌ وَمِائَةُ سَنَةٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْإِشَارَةِ. وَقِيلَ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَيُقَالُ بَلَغَ مِائَةً وَأَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ سَنَةً. وَيُقَالُ خَمْسًا وَتِسْعِينَ سَنَةً. وَيُقَالُ مِائَةً وَعِشْرِينَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِثَبْتٍ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ أَنَّهَا حَدَّثَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْكِي خَلْفَ سَرِيرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ وَدُفِنَ بِالْحَجُونِ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الْوَاقِدِيِّ عَنْ شُيُوخِهِ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أَتَذْكُرُ مَوْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ قَالَ: نَعَمْ أَنَا يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: وَلَمَّا حَضَرَتْ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَبَا طَالِبٍ بِحِفْظِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحِيَاطَتِهِ وَالْقِيَامِ عَلَيْهِ، وَأَوْصَى بِهِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَأَبَا طَالِبٍ كَانَا لِأُمٍّ وَاحِدَةٍ، فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الَّذِي يَلِي أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ جَدِّهِ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ قَالُوا: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ قَبَضَ أَبُو طَالِبٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ يَكُونُ مَعَهُ، وَكَانَ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا لَا يُحِبُّهُ وَلَدَهُ وَكَانَ لَا يَنَامُ إِلَّا إِلَى جَنْبِهِ وَصَبَّ بِهِ صَبَابَةً لَمْ يُصِبْ مِثْلَهَا قَطُّ، وَكَانَ يَخُصُّهُ بِالطَّعَامِ وَكَانَ عِيَالُ أَبِي طَالِبٍ إِذَا أَكَلُوا جَمِيعًا أَوْ فُرَادَى لَمْ يَشْبَعُوا وَإِذَا أَكَلَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَبِعُوا. وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُغَدِّيَهُمْ أَوْ يُعَشِّيهِمْ يَقُولُ: كَمَا أَنْتُمْ حَتَّى يَحْضُرَ ابْنِي. فَيَأْتِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَأْكُلُ مَعَهُمْ فَيَفْضُلُونَ مِنْ طَعَامِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ لَمْ يُشْبِعْهُمْ، وَإِنْ كَانَ لَبَنًا شَرِبَ أَوَّلَهُمْ ثُمَّ يَتَنَاوَلُ الْعِيَالُ الْقَعْبَ فَيَشْرَبُونَ مِنْهُ فَيَرْوُونَ عَنْ آخِرِهِمْ مِنَ الْقَعْبِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَشْرَبُ قَعْبًا وَحْدَهُ فَيَقُولُ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّكَ لَمُبَارَكٌ. وَكَانَ الصِّبْيَانُ يَصِيحُونَ رُمْصًا شُعْثًا وَيُصْبِحُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَهِينًا كَحِيلًا. وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أُمِّ أَيْمَنَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَكَا جُوعًا وَلَا عَطَشًا لَا فِي كِبَرِهِ وَلَا فِي صِغَرِهِ، وَكَانَ يَغْدُو إِذَا أَصْبَحَ فَيَشْرَبُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ شَرْبَةً فَرُبَّمَا عَرَضْنَا عَلَيْهِ الْغَدَاءَ فَيَقُولُ: أَنَا شَبْعَانُ. وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: كَانَ أَبُو طَالِبٍ يُقَرِّبُ لِلصِّبْيَانِ تَصْبِيحَهُمْ فَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فَيَنْتَهِبُونَ وَيَكُفُّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ عَزَلَ لَهُ طَعَامَهُ. تَفْسِيرُ الْغَرِيبِ صَبَّ بِهِ: يُقَالُ صَبَّ يَصَبُّ بِالْفَتْحِ صَبَابَةً رَقَّ شَوْقُهُ. الْقَعْبُ: قَدَحٌ مِنْ خَشَبٍ : الرَّمَصُ بِالتَّحْرِيكِ وَسَخٌ يَجْتَمِعُ فِي الْمَوْقِ فَإِنْ سَالَ فَهُوَ غَمَصٌ وَإِنْ جَمُدَ فَهُوَ رَمَصٌ. الشَّعْثُ: تَلَبُّدُ الشَّعْرِ لِقِلَّةِ تَعَهُّدِهِ بِالدُّهْنِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
التاريخ 660لا حكم مسجّل
قصة بحيرى قِصَّةُ بَحِيرَى [ نُزُولُ أَبِي طَالِبٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبُحَيْرَى ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْبٍ تَاجِرًا إلَى الشَّامِ، فَلَمَّا تَهَيَّأَ لِلرَّحِيلِ، وَأَجْمَعَ الْمَسِيرَ صَبَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - فَرَقَّ لَهُ ( أَبُو طَالِبٍ ) وَقَالَ: وَاَللَّهِ لَأَخْرُجَنَّ بِهِ مَعِي، وَلَا يُفَارِقُنِي، وَلَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، أَوْ كَمَا قَالَ. فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ فَلَمَّا نَزَلَ الرَّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ، وَبِهِمَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ، وَكَانَ إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصَّوْمَعَةِ مُنْذُ قَطُّ رَاهِبٌ، إلَيْهِ يَصِيرُ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ فِيهَا فِيمَا يَزْعُمُونَ، يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ. فَلَمَّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ بِبَحِيرَى وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرُّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ. فَلَمَّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا، وَذَلِكَ فِيمَا يَزْعُمُونَ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ، فِي الرَّكْبِ حِينَ أَقْبَلُوا، وَغَمَامَةٌ تُظِلُّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ. قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلُوا فَنَزَلُوا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ. فَنَظَرَ إلَى الْغَمَامَةِ حَيْنَ أَظَلَّتْ الشَّجَرَةُ، وَتَهَصَّرَتْ أَغْصَانُ الشَّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى اسْتَظَلَّ تَحْتَهَا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ بَحِيرَى نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ: إنِّي قَدْ صَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ تَحْضُرُوا كُلُّكُمْ، صَغِيرُكُمْ وَكَبِيرُكُمْ، وَعَبْدُكُمْ وَحُرُّكُمْ: فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ: وَاَللَّهِ يَا بَحِيرَى إنَّ لَكَ لَشَأْنًا الْيَوْمَ، فَمَا كُنْتَ تَصْنَعُ هَذَا بِنَا، وَقَدْ كُنَّا نَمُرُّ بِكَ كَثِيرًا، فَمَا شَأْنُكَ الْيَوْمَ ؟ قَالَ لَهُ بَحِيرَى: صَدَقْتَ، قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ، وَلَكِنَّكُمْ ضَيْفٌ، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أُكْرِمَكُمْ وَأَصْنَعَ لَكُمْ طَعَامًا فَتَأْكُلُوا مِنْهُ كُلُّكُمْ. فَاجْتَمِعُوا إلَيْهِ، وَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ، لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ، فِي رِحَالِ الْقَوْمِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ. فَلَمَّا نَظَرَ بَحِيرَى فِي الْقَوْمِ لَمْ يَرَ الصِّفَةَ الَّتِي يَعْرِفُ وَيَجِدُ عِنْدَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا يَتَخَلَّفَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي؛ قَالُوا لَهُ: يَا بَحِيرَى، مَا تَخَلَّفَ عَنْكَ أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَكَ إلَّا غُلَامٌ، وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنًّا، فَتَخَلَّفَ فِي رِحَالِهِمْ؛ فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، اُدْعُوهُ فَلِيَحْضُرْ هَذَا الطَّعَامَ مَعَكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ الْقَوْمِ؛ وَاَللَّاتِ وَالْعُزَّى، إنْ كَانَ لَلُؤْمٌ بِنَا أَنْ يَتَخَلَّفَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَنْ طَعَامٍ مِنْ بَيْنَنَا، ثُمَّ قَامَ إلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَأَجْلَسَهُ مَعَ الْقَوْمِ. فَلَمَّا رَآهُ بَحِيرَى جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا وَيَنْظُرُ إلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ، قَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ، حَتَّى إذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَتَفَرَّقُوا، قَامَ إلَيْهِ بَحِيرَى، فَقَالَ ( لَهُ ): يَا غُلَامُ، أَسْأَلُكَ بِحَقِّ اللَّاتِ وَالْعُزَّى إلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؛ وَإِنَّمَا قَالَ لَهُ بَحِيرَى ذَلِكَ، لِأَنَّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا. فَزَعَمُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ ( لَهُ ): لَا تَسْأَلْنِي بِاَللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَوَاَللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا، فَقَالَ لَهُ بَحِيرَى: فَبِاَللَّهِ إلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ؛ فَقَالَ لَهُ: سَلْنِي عَمَّا بَدَا لَكَ. فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ فِي نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ؛ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ، فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَى مِنْ صِفَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَى ظَهْرِهِ، فَرَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْ صِفَتِهِ الَّتِي عِنْدَهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ مِثْلَ أَثَرِ الْمِحْجَمِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَرَغَ، أَقْبَلَ عَلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لَهُ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْكَ ؟ قَالَ: ابْنِي. قَالَ لَهُ بَحِيرَى: مَا هُوَ بِابْنِكَ، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيًّا؛ قَالَ: فَإِنَّهُ ابْنُ أَخِي؛ قَالَ: فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ ؟ قَالَ: مَاتَ وَأُمُّهُ حُبْلَى بِهِ؛ قَالَ: صَدَقْتَ، فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيكَ إلَى بَلَدِهِ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يَهُودَ، فَوَاَللَّهِ لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْتُ لَيَبْغُنَّهُ شَرًّا، فَإِنَّهُ كَائِنٌ لَابْنِ أَخِيكَ هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ، فَأَسْرِعْ بِهِ إلَى بِلَادِهِ. [ رُجُوعُ أَبِي طَالِبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا كَانَ مِنْ زُرَيْرٍ وَصَاحِبِيهِ ] فَخَرَجَ بِهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا حَتَّى أَقْدَمَهُ مَكَّةَ حَيْنَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشَّامِ؛ فَزَعَمُوا فِيمَا رَوَى النَّاسُ: أَنَّ زُرَيْرًا وَتَمَّامًا وَدَرِيسًا، وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَدْ كَانُوا رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ مَا رَآهُ بَحِيرَى فِي ذَلِكَ السَّفَرِ، الَّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَأَرَادُوهُ فَرَدَّهُمْ عَنْهُ بَحِيرَى، وَذَكَّرَهُمْ اللَّهَ وَمَا يَجِدُونَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَصِفَتِهِ، وَأَنَّهُمْ إنْ أَجْمَعُوا لِمَا أَرَادُوا بِهِ لَمْ يَخْلُصُوا إلَيْهِ وَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ، وَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ، فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا عَنْهُ: فَشَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ أَقْذَارِ الْجَاهِلِيَّةِ، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، حَتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا، وَأَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً، وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَكْرَمَهُمْ حَسَبًا، وَأَحْسَنَهُمْ جِوَارًا، وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً، وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ الْفُحْشِ وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ، تَنَزُّهًا وَتَكَرُّمًا، حَتَّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إلَّا الْأَمِينُ، لِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الصَّالِحَةِ.
التاريخ 661لا حكم مسجّل
حِفْظِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ فِي شَبَابِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ وَاشْتِهَارِهِ بِالْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ وَالْخِصَالِ الْحَمِيدَةِ قَبْلَ بَعْثَتِهِ وَتَعْظِيمِ قَوْمِهِ لَهُ ﷺ. قَالَ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ، فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ، وَابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: فَشَبَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَكْلَؤُهُ اللَّهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ أَقْذَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَمَعَايِبِهَا ، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرِسَالَتِهِ، حَتَّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا أَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً وَأَحْسَنِهِمْ خُلُقًا، وَأَكْرَمِهِمْ حَسَبًا وَأَحْسَنِهِمْ جِوَارًا، وَأَعْظَمِهِمْ حِلْمًا، وَأَصْدَقِهِمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمِهِمْ أَمَانَةً، وَأَبْعَدِهِمْ مِنَ الْفُحْشِ وَالْأَخْلَاقِ الَّتِي تُدَنِّسُ الرِّجَالَ تَنَزُّهًا وَتَكَرُّمًا. مَا رُئِيَ مُلَاحِيًا وَلَا مُمَارِيًا أَحَدًا حَتَّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إِلَّا الْأَمِينَ لِمَا جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الصَّالِحَةِ. وَذَكَرَ أَبُو هَاشِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ ظُفَرَ فِي «خَيْرِ الْبَشَرِ بِخَيْرِ الْبَشَرِ»: حَجَّ أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيٍّ حَكِيمُ الْعَرَبِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي سِنِّ الْحُلُمِ، فَرَآهُ أَكْثَمُ فَقَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: مَا أَسْرَعَ مَا شَبَّ أَخُوكَ. فَقَالَ لَيْسَ بِأَخِي وَلَكِنَّهُ ابْنُ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ أَكْثَمُ أَهُوَ ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَجَعَلَ يَتَوَسَّمُهُ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ مَا تَظُنُّونَ بِهِ ؟ قَالَ: نُحْسِنُ بِهِ الظَّنَّ وَإِنَّهُ لَوَفِيٌّ سَخِيٌّ. قَالَ ؟ هَلْ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنَّهُ لَذُو شِدَّةٍ وَلِينٍ وَمَجْلِسٍ رَكِينٍ وَفَضْلٍ مَتِينٍ. قَالَ فَهَلْ غَيْرُ هَذَا ؟ قَالَ: إِنَّا لَنَتَيَمَّنُ بِمَشْهَدِهِ وَنَتَعَرَّفُ الْبَرَكَةَ فِيمَا لَمَسَهُ بِيَدِهِ. فَقَالَ أَكْثَمُ: أَقُولُ غَيْرَ هَذَا إِنَّهُ لَيَضْرِبُ الْعَرَبَ قَامِطَةً- يَعْنِي جَامِعَةً- بِيَدٍ حَائِطَةٍ وَرِجْلٍ لَائِطَةٍ ثُمَّ يَنْعِقُ بِهِمْ إِلَى مَرْتَعٍ مَرِيعٍ وَوِرْدٍ سَرِيعٍ فَمَنِ اخْرَوْرَطَ إِلَيْهِ هَدَاهُ وَمَنِ احْرَوْرَفَ عَنْهُ أَرْدَاهُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ قَالَ: كَانَ يُتَحَاكَمُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ عَمَّا كَانَ اللَّهُ يَحْفَظُهُ فِي صِغَرِهِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي غِلْمَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لِبَعْضِ مَا يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيَانُ كُلُّنَا قَدْ تَعَرَّى وَأَخَذَ إِزَارَهُ وَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ فَإِنِّي لَأُقْبِلُ مَعَهُمْ وَأُدْبِرُ إِذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ لَكْمَةً شَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ: شُدَّ عَلَيْكَ إِزَارَكَ. قَالَ: فَأَخَذْتُهُ فَشَدَدْتُهُ عَلَيَّ ثُمَّ جَعَلْتُ أَنْقُلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عَلَى مَنْ بَيْنَ أَصْحَابِي. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةٌ بِمَا وَقَعَ عِنْدَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ. رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي التَّهْذِيبِ مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمَعْرِفَةِ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَفِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ خَالِدٍ، كُلُّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ، كِلَاهُمَا عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: لَمَّا بَنَتْ قُرَيْشٌ الْكَعْبَةَ انْفَرَدَتْ رَجِلِينَ يَنْقُلُونَ الْحِجَارَةَ، فَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ أَخِي فَجَعَلْنَا نَأْخُذُ أُزُرَنَا فَنَضَعُهَا عَلَى مَنَاكِبِنَا وَنَجْعَلُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ فَإِذَا دَنَوْنَا مِنَ النَّاسِ لَبِسْنَا أُزُرَنَا فَبَيْنَا هُوَ أَمَامِي إِذْ صُرِعَ فَسَعَيْتُ وَهُوَ شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقُلْتُ: يَا ابْنَ أَخِي مَا شَأْنُكَ ؟ قَالَ نُهِيتُ أَنْ أَمْشِيَ عُرْيَانًا. قَالَ: فَكَتَمْتُهُ حَتَّى أَظْهَرَهُ اللَّهُ بِنُبُوَّتِهِ. وَوَرَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي الطُّفَيْلِ. وَيَأْتِيَانِ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ بَحِيرَا حِينَ حَلَّفَ النَّبِيَّ ﷺ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: لَا تَسْأَلْنِي بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى شَيْئًا فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ بُغْضَهُمَا شَيْئًا. وَعَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَا هَمَمْتُ بِشَيْءٍ مِمَّا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَهُمُّونَ بِهِ مِنَ الْغِنَاءِ إِلَّا لَيْلَتَيْنِ كِلْتَاهُمَا عَصَمَنِي اللَّهُ مِنْهُمَا. قُلْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ فِتْيَانِ مَكَّةَ وَنَحْنُ فِي رِعَايَةِ غَنَمِ أَهْلِنَا فَقُلْتُ لِصَاحِبِي: أَبْصِرْ لِي غَنَمِي حَتَّى أَدْخُلَ مَكَّةَ فَأُسَمِّرَ بِهَا كَمَا يُسَمِّرُ الْفِتْيَانُ. فَقَالَ: بَلَى فَدَخَلْتُ حَتَّى إِذَا جِئْتُ أَوَّلَ دَارٍ مِنْ دُورِ مَكَّةَ سَمِعْتُ عَزْفًا وَغَرَابِيلَ وَمَزَامِيرَ. قُلْتُ مَا هَذَا ؟ قِيلَ: تَزَوَّجَ فُلَانٌ فُلَانَةَ. فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ. وَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِي، فَوَاللَّهِ مَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ ؟ فَقُلْتُ: مَا فَعَلْتُ شَيْئًا ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهُ لَيْلَةً أُخْرَى: أَبْصِرْ لِي غَنَمِي حَتَّى أُسَمِّرَ بِمَكَّةَ. فَفَعَلَ فَدَخَلْتُ فَلَمَّا جِئْتُ مَكَّةَ سَمِعْتُ مِثْلَ الَّذِي سَمِعْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ وَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أُذُنِي فَوَاللَّهِ مَا أَيْقَظَنِي إِلَّا مَسُّ الشَّمْسِ فَرَجَعْتُ إِلَى صَاحِبِي فَقَالَ: مَا فَعَلْتَ ؟ فَقُلْتُ لَا شَيْءَ ثُمَّ أَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي رَأَيْتُ فَوَاللَّهِ مَا هَمَمْتُ وَلَا عُدْتُ بَعْدَهُمَا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِنُبُوَّتِهِ. رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَالْبَزَّارُ وَابْنُ حِبَّانَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ مُتَّصِلٌ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشُّعَرَاءِ 214] نَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قُرَيْشٍ بَطْنًا بَطْنًا فَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ قُلْتُ لَكُمْ إِنَّ خَيْلًا بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟» قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَطُّ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَعَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ يَعِيبُ كُلَّ مَا ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَا ذُقْتُ شَيْئًا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ حَتَّى أَكْرَمَنِي اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ. رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ. وَعَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَلْ عَبَدْتَ وَثَنًا قَطُّ ؟ قَالَ: لَا. قَالُوا: فَهَلْ شَرِبْتَ خَمْرًا قَطُّ ؟ قَالَ: «لَا وَمَا زِلْتُ أَعْرِفُ أَنَّ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ كُفْرٌ وَمَا كُنْتُ أَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ». رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ. وَعَنْ أُمِّ أَيْمَنَ ؓ قَالَتْ: كَانَ بُوَانَةُ صَنَمًا تَحْضُرُهُ قُرَيْشٌ يَوْمًا فِي السَّنَةِ فَكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَحْضُرُهُ مَعَ قَوْمِهِ وَكَانَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَحْضُرَ ذَلِكَ مَعَهُ فَيَأْبَى حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا طَالِبٍ غَضَبِ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ عَمَّاتِهِ غَضِبْنَ عَلَيْهِ وَقُلْنَ يَا مُحَمَّدُ مَا تُرِيدُ أَنْ تَحْضُرَ لِقَوْمِكَ عِيدًا وَلَا تُكْثِرَ لَهُمْ جُمَحًا. فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى ذَهَبَ فَغَابَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ رَجَعَ مَرْعُوبًا فَزِعًا فَقَالَتْ عَمَّاتُهُ: مَا دَهَاكَ ؟ قَالَ: إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي لَمَمٌ فَقُلْنَ: مَا كَانَ اللَّهُ يَبْتَلِيكَ بِالشَّيْطَانِ وَفِيكَ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ مَا فِيكَ، فَمَا الَّذِي رَأَيْتَ ؟ قَالَ: إِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُ مِنْ صَنَمٍ مِنْهَا تَمَثَّلَ لِي رَجُلٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بِي: وَرَاءَكَ يَا مُحَمَّدُ لَا تَمَسَّهُ قَالَتْ: فَمَا عَادَ إِلَى عِيدٍ لَهُمْ. رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ. وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ يَقِفُ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ حَتَّى يَدْفَعَ مَعَهُمْ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ. وَعَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا وَهُمُ الْحُمْسُ يَقِفُونَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ قَطَنُ الْبَيْتِ. وَكَانَتْ بَقِيَّةُ النَّاسِ وَالْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ فَتَقَدَّمُوا فَوَقَفُوا مَعَ النَّاسِ. رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَرَوَى يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ قُرَيْشًا سَمَّتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْأَمِينَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَطَفِقُوا أَلَّا يَنْحَرُوا جَزُورًا إِلَّا الْتَمَسُوهُ فِيهِ فَيَدْعُو لَهُمْ فِيهَا. وَرَوَى الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ لَمَّا أَتَاهُ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ قَالَ لِخَدِيجَةَ: لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ. فَقَالَتْ لَهُ: كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ قِصَّةِ تَعَرِّيهِ ﷺ وَأَنَّهُ فِي صِغَرِهِ وَأَنَّهُ أُمِرَ بِالسَّتْرِ قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو الْفَتْحِ وَالْحَافِظُ: إِنْ صَحَّ حَمْلٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي حَالِ صِغَرِهِ وَمَرَّةً فِي أَوَّلِ اكْتِهَالِهِ عِنْدَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ. وَاسْتَبْعَدَ ذَلِكَ مُغَلْطَايْ فِي كِتَابَيْهِ «الزَّهْرِ» وَ «دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ» بِأَنَّهُ ﷺ إِذَا نُهِيَ عَنْ شَيْءٍ مَرَّةً لَا يَعُودُ إِلَيْهِ ثَانِيًا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَأَيْضًا فِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ- أَيِ الْآتِي فِي بَابِ بِنَاءِ الْبَيْتِ- أَنَّهُ لِأَوَّلِ مَا نُودِيَ. وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ النَّضْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ كَانَ أَبُو طَالِبٍ يُعَالِجُ زَمْزَمَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ وَهُوَ غُلَامٌ يَأْخُذُ إِزَارَهُ وَيَتَّقِي بِهِ الْحِجَارَةَ فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ سَأَلَهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: أَتَانِي آتٍ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ فَقَالَ لِي: اسْتَتِرْ فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ النُّبُوَّةِ أَنْ قِيلَ لَهُ اسْتَتِرْ وَهُوَ غُلَامٌ . قَالَ: فَمَا رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْ يَوْمِئِذٍ. فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إِنِ النَّضْرَ ضَعِيفٌ وَقَدْ خَبَطَ فِي إِسْنَادِهِ وَفِي مَتْنِهِ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْقِصَّةَ فِي مُعَالَجَةِ زَمْزَمَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْعَبَّاسَ وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ عِكْرِمَةَ وَالْحَكَمَ بْنَ أَبَانَ رَوَيَا الْقِصَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِيهِ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْبَيْتِ. الثَّانِي: رَوَى أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عَدِيٍّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ؓ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفَهُ وَأَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا حَتَّى نَقُومَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: كَيْفَ نَقُومُ خَلْفَهُ وَإِنَّمَا عَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ قُبَيْلُ ؟ فَلَمْ يَعُدْ بَعْدَ ذَلِكَ يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ. وَقَوْلُ الْمَلَكَيْنِ: وَإِنَّمَا عَهْدَهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ: يَعْنِي أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ مَنِ اسْتَلَمَهَا. وَالْمُرَادُ بِالْمَشَاهِدِ الَّتِي شَهِدَهَا مَشَاهِدُ الْحَلِفِ وَنَحْوِهَا لَا مَشَاهِدُ اسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ. وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْمَطَالِبِ الْعَالِيَةِ: هَذَا الْحَدِيثُ أَنْكَرَهُ النَّاسُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ فَبَالَغُوا، وَالْمُنْكَرُ مِنْهُ قَوْلُهُ عَنِ الْمَلَكِ: «عَهْدُهُ بِاسْتِلَامِ الْأَصْنَامِ» فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ بَاشَرَ الِاسْتِلَامَ. وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا، بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ شَهِدَ مُبَاشَرَةَ الْمُشْرِكِينَ اسْتِلَامَ أَصْنَامِهِمْ. انْتَهَى. الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ غَرِيبِ مَا سَبَقَ. مُلَاحِيًا: مُخَاصِمًا لِأَحَدٍ وَلَا سَابًّا لَهُ . أَكْثَمُ: بِثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ. رَكِينٌ: أَيْ لَهُ أَرْكَانٌ عَالِيَةٌ، أَرَادَ بِذَلِكَ شِدَّةَ قَوْمِهِ وَرُكْنُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ. قَامِطَةً: أَيْ جَامِعَةً. لَايِطَةٌ بِمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ مَكْسُورَةٍ وَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ: أَيْ لَاصِقَةٍ لَازِمَةٍ. يَنْعِقُ بِهِمْ: بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَصِيحُ. الْمَرْتَعُ. بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَكَانُ الْخِصْبِ وَالسَّعَةِ. مَرِيعٌ: أَيْ كَثِيرُ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ. وَرَدٌّ سَرِيعٌ: مَجِيءٌ قَرِيبٌ. اخْرَوْرَطَ: بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ فَرَاءٍ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَطَاءٍ مُهْمَلَةٍ: أَيْ مَالَ إِلَيْهِ وَتَبِعَهُ. احْرَوْرَفَ. عَنْهُ: بِحَاءٍ فَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ مُهْمَلَتَيْنِ فَوَاوٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ فَفَاءٍ أَيْ عَدَلَ عَنْهُ. أَرْدَاهُ: أَهْلَكَهُ. رَأَيْتُنِي، بِضَمِّ التَّاءِ: أَيْ رَأَيْتُ نَفْسِي. السَّمَرُ: الْحَدِيثُ بِاللَّيْلِ. غِنَاءٌ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْمَدِّ: مَعْرُوفٌ. الْعَزْفُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ: الْمَعَازِفُ الْمَلَاهِي وَالْعَازِفُ اللَّاعِبُ بِهَا وَالْمُغَنِّي، وَقَدْ عَزَفَ عَزْفًا. الْغَرَابِيلُ: جَمْعُ غِرْبَالٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدُّفُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الْغِرْبَالَ فِي اسْتِدَارَتِهِ. سَفْحُ الْجَبَلِ بِالسِّينِ، وَبِالصَّادِ أَجْوَادٌ، مُضْجِعَةٌ. بُوَانَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتُفْتَحُ ثُمَّ وَاوٍ مُخَفَّفَةٍ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ مَفْتُوحَةٌ ثُمَّ بَاءُ تَأْنِيثٍ. النُّصُبُ: الْأَصْنَامُ الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا الذَّبَائِحَ تَقَرُّبًا لَهَا. الْحُمْسُ. يُقَالُ حَمِسَ بِالْكَسْرِ فَهُوَ أَحْمَسُ أَيْ شَدِيدٌ صُلْبٌ فِي الدِّينِ وَالْقِتَالِ، وَمِنْهُ حُمْسُ قُرَيْشٍ وَمَنْ وَلَدَتْ وَكِنَانَةَ وَجَدِيلَةِ قَيْسٍ. قَطَنُ الْبَيْتِ: أَيْ سُكَّانُهُ جَمْعُ قَاطِنٍ.
التاريخ 662لا حكم مسجّل
اسْتِسْقَاءِ أَبِي طَالِبٍ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَطَشِ أَبِي طَالِبٍ وَشَكْوَاهُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ جُلْهُمَةَ بْنِ عَرْفَطَةَ قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ وَقُرَيْشٌ فِي قَحْطٍ، فَقَائِلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: اعْتَمِدُوا وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى. وَقَائِلٌ مِنْهُمْ يَقُولُ: اعْتَمِدُوا مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى فَقَالَ شَيْخٌ وَسِيمٌ حَسَنُ الْوَجْهِ جَيِّدُ الرَّأْيِ: أَنَّى تُؤْفَكُونَ وَفِيكُمْ بَقِيَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَسُلَالَةُ إِسْمَاعِيلَ. قَالُوا: كَأَنَّكَ عَنَيْتَ أَبَا طَالِبٍ ؟ قَالَ: إِيهًا. فَقَامُوا بِأَجْمَعِهِمْ وَقُمْتُ مَعَهُمْ فَدَقَقْنَا عَلَيْهِ بَابَهُ فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ عَلَيْهِ إِزَارٌ قَدِ اتَّشَحَ بِهِ فَثَارُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ أَقْحَطَ الْوَادِي وَأَجْدَبَ الْعِيَالُ فَهَلُمَّ فَاسْتَسْقِ لَنَا فَخَرَجَ أَبُو طَالِبٍ وَمَعَهُ غُلَامٌ كَأَنَّهُ شَمْسُ دُجُنَّةٍ تَجَلَّتْ عَلَيْهِ سَحَابَةٌ قَتْمَاءُ وَحَوْلَهُ أُغَيْلِمَةٌ فَأَخَذَهُ أَبُو طَالِبٍ فَأَلْصَقَ ظَهْرَهُ بِالْكَعْبَةِ وَلَاذَ بِإِصْبَعِهِ الْغُلَامُ وَمَا فِي السَّمَاءِ قَزْعَةٌ فَأَقْبَلَ السَّحَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا وَأَغْدَقَ وَاغْدَوْدَقَ وَانْفَجَرَ لَهُ الْوَادِي وَأَخْصَبَ النَّادِي وَالْبَادِي. وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ: وَأَبْيَضَ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضِلِ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنَا الْأَزْرَقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ بِذِي الْمَجَازِ مَعَ ابْنِ أَخِي، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، فَأَدْرَكَنِي الْعَطَشُ فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا ابْنَ أَخِي قَدْ عَطِشْتُ. وَمَا قُلْتُ لَهُ ذَلِكَ وَأَنَا أَرَى عِنْدَهُ شَيْئًا إِلَّا الْجَزَعَ قَالَ: فَثَنَى وَرِكَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا عَمُّ عَطِشْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَأَهْوَى بِعَقِبِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَإِذَا أَنَا بِالْمَاءِ فَقَالَ اشْرَبْ فَشَرِبْتُ. وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى رَوَاهَا الْخَطِيبُ وَابْنُ عَسَاكِرَ. تَفْسِيرُ الْغَرِيبِ جُلْهُمَةُ: بِجِيمٍ مَضْمُومَةٍ وَلَامٍ سَاكِنَةٍ وَهَاءٍ مَضْمُومَةٍ وَمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ . أَنَّى: بِمَعْنَى كَيْفَ. تُؤْفَكُونَ: تُصْرَفُونَ. ثَارُوا إِلَيْهِ: بِالْمُثَلَّثَةِ قَامُوا. دُجُنَةٌ بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ فَجِيمٍ مَضْمُومَتَيْنِ: الظُّلَّةُ وَالْجَمْعُ دُجُنَاتٌ. قَتْمَاءُ: بِقَافٍ فَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ: الْغَبْرَاءُ، مِنَ الْقَتَامِ بِالْفَتْحِ وَهُوَ الْغُبَارُ. لَاذَ بِهِ: طَافَ. قَزْعَةٌ: سَحَابَةٌ. أَغْدَقَ كَذَلِكَ. اغْدَوْدَقَ: كَذَلِكَ. الثِّمَالُ: تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي أَسْمَائِهِ ﷺ. ذُو الْمَجَازِ: مَكَانٌ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ عَرَفَةَ.
التاريخ 663لا حكم مسجّل
سَفَرِهِ ﷺ مَعَ عَمِّهِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي «الْوَفَا» لَمَّا أَتَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً خَرَجَ فِي سَفَرٍ مَعَ عَمِّهِ الزُّبَيْرِ ، فَمَرُّوا بِوَادٍ فِيهِ فَحْلٌ مِنَ الْإِبِلِ يَمْنَعُ مَنْ يَجْتَازُ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ بَرَكَ وَحَكَّ الْأَرْضَ بِكَلْكَلِهِ، فَنَزَلَ عَنْ بَعِيرِهِ وَرَكِبَهُ فَسَارَ حَتَّى جَاوَزَ الْوَادِيَ ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ، فَلَمَّا رَجَعُوا مِنْ سَفَرِهِمْ مَرُّوا بِوَادٍ مَمْلُوءٍ مَاءً يَتَدَفَّقُ فَوَقَفُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اتَّبِعُونِي. ثُمَّ اقْتَحَمَهُ فَاتَّبَعُوهُ فَأَيْبَسَ اللَّهُ الْمَاءَ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى مَكَّةَ تَحَدَّثُوا بِذَلِكَ فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّ لِهَذَا الْغُلَامِ شَأْنًا. الْكَلْكَلُ وَالْكَلْكَالُ: الصَّدْرُ.
التاريخ 664لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ عُمُرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً فِيمَا حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ: كَتَبْتُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمَوْصِلِيُّ حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ عَمْرَو بْنَ أَسَدٍ زَوَّجَ خَدِيجَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعُمُرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَقُرَيْشٌ تَبْنِي الْكَعْبَةَ، وَهَكَذَا نَقَلَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ كَانَ عُمُرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَزَوَّجَ خَدِيجَةَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ عُمُرُهَا إِذْ ذَاكَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ، وَقِيلَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً.
التاريخ 665لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتَ شَرَفٍ وَمَالٍ تَسْتَأْجِرُ الرِّجَالَ عَلَى مَالِهَا مُضَارَبَةً فَلَمَّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا بَلَغَهَا مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ بَعَثَتْ إِلَيْهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ لَهَا فِي مَالِهَا تَاجِرًا إِلَى الشَّامِ، وَتُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا تُعْطِي غَيْرَهُ مِنَ التُّجَّارِ مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالَ لَهُ: مَيْسَرَةُ فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَاكَ، وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ حَتَّى نَزَلَ الشَّامَ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنَ الرُّهْبَانِ فَاطَّلَعَ الرَّاهِبُ إِلَى مَيْسَرَةَ فَقَالَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي نَزَلَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ؟ فَقَالَ مَيْسَرَةُ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ. فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: مَا نَزَلْ تَحْتَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا نَبِيٌّ. ثُمَّ بَاعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِلْعَتَهُ - يَعْنِي تِجَارَتَهُ - الَّتِي خَرَجَ بِهَا، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ، ثُمَّ أَقْبَلَ قَافِلًا إِلَى مَكَّةَ، وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ فَكَانَ مَيْسَرَةُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - إِذَا كَانَتِ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدَّ الْحَرُّ يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلَّانِهِ مِنَ الشَّمْسِ وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا، وَحَدَّثَهَا مَيْسَرَةُ عَنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَعَمَّا كَانَ يَرَى مِنْ إِظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إِيَّاهُ
التاريخ 666لا حكم مسجّل
نِكَاحِهِ ﷺ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ ؓ وَأَرْضَاهَا وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا حَدَّثَهَا بِهِ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ وَمَا رَأَتْهُ مِنَ الْآيَاتِ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ قَالَ: كَانَ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ عِيدٌ يَجْتَمِعْنَ فِيهِ فِي الْمَسْجِدِ فَاجْتَمَعْنَ يَوْمًا فِيهِ فَجَاءَهُنَّ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ إِنَّهُ يُوشِكُ فَيُكِنُّ نَبِيٌّ فَأَيُّكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ فِرَاشًا لَهُ فَلْتَفْعَلْ. فَحَصَبَهُ النِّسَاءُ وَقَبَّحْنَهُ وَأَغْلَظْنَ لَهُ. وَأَغْضَتْ خَدِيجَةُ عَلَى قَوْلِهِ وَلَمْ تَعْرِضْ فِيمَا عَرَضَ فِيهِ النِّسَاءُ وَوَقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِهَا. فَلَمَّا أَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ بِمَا رَآهُ مِنَ الْآيَاتِ وَمَا رَأَتْهُ هِيَ قَالَتْ: إِنْ كَانَ مَا قَالَهُ الْيَهُودِيُّ حَقًّا مَا ذَلِكَ إِلَّا هَذَا. وَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ الْخِطْبَةِ. فَعِنْدَ أَبِي سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيِّ فِي «الشَّرَفِ» أَنَّ خَدِيجَةَ ؓ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اذْهَبْ إِلَى عَمِّكَ فَقُلْ لَهُ: عَجِّلْ إِلَيْنَا بِالْغَدَاةِ. فَلَمَّا جَاءَ قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ ادْخُلْ عَلَى عَمْرٍو عَمِّي فَكَلِّمْهُ يُزَوِّجُنِي مِنِ ابْنِ أَخِيكَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: يَا خَدِيجَةُ لَا تَسْتَهْزِئِي. فَقَالَتْ: هَذَا صُنْعُ اللَّهِ. فَقَامَ أَبُو طَالِبٍ مَعَ عَشَرَةٍ مِنْ قَوْمِهِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَعِنْدَ الزُّهْرِيِّ فِي سِيرَتِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ لِيَتَحَدَّثَ عِنْدَهَا فَلَمَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهَا جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: خَاطِبًا يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: كَلَّا. فَقَالَتْ: وَلِمَ؟ فَوَاللَّهِ مَا فِي قُرَيْشٍ امْرَأَةٌ وَإِنْ كَانَتْ خَدِيجَةُ إِلَّا تَرَاكَ كُفْئًا لَهَا. فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَاطِبًا لِخَدِيجَةَ مُسْتَحْيِيًا مِنْهَا. وَعِنْدَ يَعْقُوبَ بْنِ سُفْيَانَ فِي تَارِيخِهِ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ: مَرَرْتُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأُخْتِ خَدِيجَةَ فَنَادَتْنِي فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهَا وَوَقَفَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَتْ: أَمَا لِصَاحِبِكَ هَذَا مِنْ حَاجَةٍ فِي تَزْوِيجِ خَدِيجَةَ؟ فَقَالَ عَمَّارُ: فَأَخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: بَلَى لَعَمْرِي. فَذَكَرْتُ لَهَا، فَقَالَتْ: اغْدُوا عَلَيْنَا إِذَا أَصْبَحْنَا. فَغَدَوْنَا عَلَيْهِمْ فَوَجَدْنَاهُمْ قَدْ ذَبَحُوا بَقَرَةً وَأَلْبَسُوا خَدِيجَةَ حُلَّةً. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ أَلَا تَتَزَوَّجُ؟ قَالَ: وَمَنْ؟ قَالَتْ: أَنَا قَالَ: وَمَنْ لِي بِكِ، أَنْتِ أَيِّمُ قُرَيْشٍ وَأَنَا يَتِيمُ قُرَيْشٍ. قَالَتِ: اخْطُبْنِي. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَعِنْدَهُ فِي السِّيرَةِ: فَلَمَّا اسْتَقَرَّ عِنْدَهَا ذَلِكَ، أَيْ مَا أَخْبَرَهَا بِهِ مَيْسَرَةُ وَمَا رَأَتْهُ وَكَانَتِ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَوْسَطُ قُرَيْشٍ نَسَبًا وَأَعْظَمُهُنَّ شَرَفًا وَأَكْثَرُهُنَّ مَالًا، وَكُلُّ قَوْمِهَا حَرِيصٌ عَلَى نِكَاحِهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ لَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ: إِنِّي رَغِبْتُ فِيكَ لِقَرَابَتِكَ وَسِطَتَكَ فِي قَوْمِكَ وَأَمَانَتَكَ وَحُسْنَ خُلُقِكَ. فَلَمَّا قَالَتْ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ لِأَعْمَامِهِ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ نَفِيسَةَ بِنْتِ مُنْيَةً قَالَتْ: كَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً حَازِمَةً. جَلْدَةً شَرِيفَةً مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ، وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَوْسَطُ قُرَيْشٍ نَسَبًا وَأَعْظَمُهُمْ شَرَفًا وَأَكْثَرُهُمْ مَالًا وَكُلُّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى نِكَاحِهَا لَوْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ قَدْ طَلَبُوهَا وَبَذَلُوا لَهَا الْأَمْوَالَ، فَأَرْسَلَتْنِي دَسِيسًا إِلَى مُحَمَّدٍ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ فِي عِيرِهَا مِنَ الشَّامِ فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ فَقَالَ: مَا بِيَدِي مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ. قُلْتُ: فَإِنْ كُفِيتَ ذَلِكَ وَدُعِيتَ إِلَى الْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالشَّرَفِ وَالْكَفَاءَةِ أَلَا تُجِيبُ؟ قَالَ: فَمَنْ هِيَ؟ قُلْتُ: خَدِيجَةُ. قَالَ: وَكَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: عَلَيَّ. قَالَ: فَأَنَا أَفْعَلُ. فَذَهَبَتْ فَأَخْبَرَتْهَا فَذَكَرَتِ الْحَدِيثَ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنِ ائْتِ سَاعَةَ كَذَا وَكَذَا. فَحَضَرَ وَأَرْسَلَتْ إِلَى عَمِّهَا عَمْرِو بْنِ أَسَدٍ لِيُزَوِّجَهَا.
التاريخ 667لا حكم مسجّل
[ زواج النبي من خديجة زَوَاجُهُ ﷺ مِنْ خَدِيجَةَ ] فَلَمَّا قَالَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَعْمَامِهِ فَخَرَجَ مَعَهُ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، رَحِمَهُ اللَّهُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، فَخَطَبَهَا إلَيْهِ، فَتَزَوَّجَهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِشْرِينَ بَكْرَةً، وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا حَتَّى مَاتَتْ، ؓ.
التاريخ 668لا حكم مسجّل
[ صداق خديجة ؓ ]. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ وَالدِّمْيَاطِيُّ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ: ذَهَبًا. وَذَكَرَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ فَارِسٍ وَغَيْرُهُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَبَا طَالِبٍ خَطَبَ يَوْمَئِذٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنَا مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَزَرْعِ إِسْمَاعِيلَ وَضِئْضِئِ مَعَدِّ مُضَرَ، وَجَعَلَنَا حَضَنَةَ بَيْتِهِ وَسُوَّاسَ حَرَمِهِ وَجَعَلَ لَنَا بَيْتًا مَحْجُوجًا وَحَرَمًا آمِنًا وَجَعَلَنَا حُكَّامَ النَّاسِ ثُمَّ إِنَّ ابْنَ أَخِي هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَا يُوزَنُ بِهِ رَجُلٌ بِهِ شَرَفًا وَنُبْلًا وَفَضْلًا وَعَقْلًا وَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ قِلًّا فَإِنَّ الْمَالَ ظِلٌّ زَائِلٌ وَأَمْرٌ حَائِلٌ وَعَارِيَةٌ مُسْتَرْجِعَةٌ، وَهُوَ وَاللَّهِ بَعْدَ هَذَا لَهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ وَخَطَرٌ جَلِيلٌ، وَقَدْ خَطَبَ إِلَيْكُمْ رَغْبَةً فِي كَرِيمَتِكُمْ خَدِيجَةَ وَقَدْ بَذَلَ لَهَا مِنَ الصَّدَاقِ حُكْمَكُمْ عَاجِلُهُ وَآجِلُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ أُوقِيَّةً وَنَشًّا. فَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَسَدٍ عَمُّهَا: هُوَ الْفَحْلُ لَا يُقْدَعُ أَنْفُهُ. وَأَنْكَحَهَا مِنْهُ. وَيُقَالُ: إِنَّ وَرَقَةَ هُوَ الَّذِي قَالَهُ.
التاريخ 669لا حكم مسجّل
[ أَوْلَادُهُ ﷺ مِنْ خَدِيجَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَوَلَدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَدَهُ كُلَّهُمْ إلَّا إبْرَاهِيمَ الْقَاسِمَ، وَبَهْ كَانَ يُكَنَّى ﷺ، وَالطَّاهِرَ، وَالطَّيِّبَ، وَزَيْنَبَ، وَرُقَيَّةَ، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَفَاطِمَةَ، عَلَيْهِمْ السِّلَامُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَكْبَرُ بَنِيهِ الْقَاسِمُ، ثُمَّ الطَّيِّبُ، ثُمَّ الطَّاهِرُ؛ وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ رُقَيَّةُ، ثُمَّ زَيْنَبُ، ثُمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ، ثُمَّ فَاطِمَةُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا الْقَاسِمُ، وَالطَّيِّبُ، وَالطَّاهِرُ فَهَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ وَأَمَّا بَنَاتُهُ فَكُلُّهُنَّ أَدْرَكْنَ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمْنَ وَهَاجَرْنَ مَعَهُ ﷺ،
التاريخ 670لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَدْ كَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ذَكَرَتْ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّىِ بْنِ قُصَىٍّ - وَكَانَ ابْنَ عَمِّهَا وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدْ تَتَبَّعَ الْكُتُبَ، وَعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ - مَا ذَكَرَ لَهَا غُلَامُهَا مِنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ وَمَا كَانَ يُرَى مِنْهُ إِذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ فَقَالَ وَرَقَةُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا يَا خَدِيجَةُ إِنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، قَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ يُنْتَظَرُ هَذَا زَمَانُهُ أَوْ كَمَا قَالَ فَجَعَلَ وَرَقَةُ يَسْتَبْطِئُ الْأَمْرَ وَيَقُولُ حَتَّى مَتَى ؟ وَقَالَ فِي ذَلِكَ: لَجِجْتُ وَكُنْتُ فِي الذِّكْرَى لَجُوجًا لِهَمٍّ طَالَمَا بَعَثَ النَّشِيجَا وَوَصْفٍ مِنْ خَدِيجَةَ بَعْدَ وَصْفٍ فَقَدْ طَالَ انْتِظَارِي يَا خَدِيجَا بِبَطْنِ الْمَكَّتَيْنِ عَلَى رَجَائِي حَدِيثَكِ أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا بِمَا خَبَّرْتِنَا مِنْ قَوْلِ قَسٍّ مِنَ الرُّهْبَانِ أَكْرَهُ أَنْ يَعُوجَا بِأَنَّ مُحَمَّدًا سَيَسُودُ فِينَا وَيَخْصِمُ مَنْ يَكُونُ لَهُ حَجِيجَا وَيُظْهِرُ فِي الْبِلَادِ ضِيَاءَ نُورٍ يُقِيمُ بِهِ الْبَرِيَّةَ أَنْ تَمُوجَا فَيَلْقَى مَنْ يُحَارِبُهُ خَسَارًا وَيَلْقَى مَنْ يُسَالِمُهُ فُلُوجَا فَيَا لَيْتَنِي إِذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ شَهِدْتُ وَكُنْتُ أَوَّلَهُمْ وُلُوجَا وُلُوجًا فِي الَّذِي كَرِهَتْ قُرَيْشٌ وَلَوْ عَجَّتْ بَمَكَّتِهَا عَجِيجَا أُرَجِّي بِالَّذِي كَرِهُوا جَمِيعًا إِلَى ذِي الْعَرْشِ إِنْ سَفَلُوا عُرُوجًا وَهَلْ أَمْرُ السَّفَالَةِ غَيْرُ كُفْرٍ بِمَنْ يَخْتَارُ مَنْ سَمَكَ الْبُرُوجَا فَإِنْ يَبْقَوْا وَأَبْقَ يَكُنْ أُمُورٌ يَضِجُّ الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجِيجَا وَإِنْ أَهْلَكْ فَكُلُّ فَتًى سَيَلْقَى مِنَ الْأَقْدَارِ مَتْلَفَةً حَرُوجَا وَقَالَ وَرَقَةُ أَيْضًا فِيمَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْهُ: أَتُبْكِرُ أَمْ أَنْتَ الْعَشِيَّةَ رَائِحُ وَفِي الصَّدْرِ مِنْ إِضْمَارِكَ الْحُزْنَ قَادِحُ لِفُرْقَةِ قَوْمٍ لَا أُحِبُّ فِرَاقَهُمْ كَأَنَّكَ عَنْهُمْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ نَازِحُ وَأَخْبَارِ صِدْقٍ خَبَّرَتْ عَنْ مُحَمَّدٍ يُخَبِّرُهَا عَنْهُ إِذَا غَابَ نَاصِحُ فَتَاكِ الَّذِي وَجَّهْتِ يَا خَيْرَ حُرَّةٍ بِغَوْرٍ وَبِالنَّجْدَيْنِ حَيْثُ الصَّحَاصِحُ إِلَى سُوقِ بُصْرَى فِي الرِّكَابِ الَّتِي غَدَتْ وُهُنَّ مِنَ الْأَحْمَالِ قُعْصٌ دَوَالِحُ فَيُخْبِرُنَا عَنْ كُلِّ خَيْرٍ بِعِلْمِهِ وَلِلْحَقِّ أَبْوَابٌ لَهُنَّ مَفَاتِحُ بِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ مُرْسَلٌ إِلَى كُل?ِ مَنْ ضَمَّتْ عَلَيْهِ الْأَبَاطِحُ وَظَنِّي بِهِ أَنْ سَوْفَ يُبْعَثُ صَادِقًا كَمَا أُرْسِلَ الْعَبْدَانِ هُودٌ وَصَالِحُ وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمُ حَتَّى يُرَى لَهُ بَهَاءٌ وَمَنْشُورٌ مِنَ الذِّكْرِ وَاضِحُ وَيَتْبَعُهُ حَيَّا لُؤَيٍّ وَغَالِبٍ شَبَابُهُمْ وَالْأَشْيَبُونَ الْجَحَاجِحُ فَإِنْ أَبْقَ حَتَّى يُدْرِكَ النَّاسَ دَهْرُهُ فَإِنِّي بِهِ مَسْتَبْشِرُ الْوُدِّ فَارِحُ وَإِلَّا فَإِنِّي يَا خَدِيجَةُ فَاعْلَمِي عَنْ أَرْضِكِ فِي الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ سَائِحُ وَزَادَ الْأُمَوِيُّ فَمُتَّبِعٌ دِينَ الَّذِي أَسَّسَ الْبِنَا وَكَانَ لَهُ فَضْلٌ عَلَى النَّاسِ رَاجِحُ وَأَسَّسَ بُنْيَانًا بِمَكَّةَ ثَابِتًا تَلَأْلَأَ فِيهِ بِالظَّلَامِ الْمَصَابِحُ مُثَابًا لِأَفْنَاءِ الْقَبَائِلِ كُلِّهَا تَخُبُّ إِلَيْهِ الْيَعْمَلَاتُ الطَّلَائِحُ حَرَاجِيجُ أَمْثَالُ الْقِدَاحِ مِنَ السُّرَى يُعَلَّقُ فِي أَرْسَاغِهِنَّ السَّرَايِحُ وَمِنْ شَعْرِهِ فِيمَا أَوْرَدَهُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ فِي رَوْضِهِ لَقَدْ نَصَحْتُ لِأَقْوَامٍ وَقُلْتُ لَهُمْ أَنَا النَّذِيرُ فَلَا يَغْرُرْكُمُ أَحَدُ لَا تَعْبُدُنَّ إِلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ فَإِنْ دَعَوْكُمْ فَقُولُوا بَيْنَنَا حَدَدُ سُبْحَانَ ذِي الْعَرْشِ سُبْحَانًا يَدُومُ لَهُ وَقَبْلَنَا سَبَّحَ الْجُودِيُّ وَالْجُمُدُ مُسَخَّرٌ كُلُّ مَا تَحْتَ السَّمَاءِ لَهُ. لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَاوِي مُلْكَهُ أَحَدُ لَا شَيْءَ مِمَا نَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ يَبْقَى الْإِلَهُ وَيُودِي الْمَالُ وَالْوَلَدُ لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ وَالْخُلْدَ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا وَلَا سُلَيْمَانُ إِذْ تَجْرِي الرِّيَاحُ بِهِ وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ فِيمَا بَيْنَهَا مَرَدُ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّتِي كَانَتْ لِعِزَّتِهَا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ إِلَيْهَا وَافِدٌ يَفِدُ حَوْضٌ هُنَالِكَ مَوْرُودٌ بِلَا كَذِبٍ لَا بُدَّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وَرَدُوا ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا نَسَبَهُ أَبُو الْفَرَجِ إِلَى وَرَقَةَ. قَالَ: وَفِيهِ أَبْيَاتٌ تُنْسَبُ إِلَى أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ قُلْتُ: وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَشْهِدُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 671لا حكم مسجّل
بُنْيَانُ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ وَكَانَ سَبَبُ بِنَاءِ قُرَيْشٍ لَهَا هُوَ مَا أَصَابَهَا مِنْ حَرِيقٍ وَقَعَ فِيهَا بِسَبَبِ أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُجَمِّرُهَا فَطَارَ الشَّرَرُ فَوَقَعَ فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ فَاحْتَرَقَ وَجَاءَ السَّيْلُ فَزَادَ مِنْ وَهَنِهَا، وَكَانَ نَفَرٌ قَدْ سَرَقُوا مِنَ الْكَعْبَةِ وَنَهَبُوا فَأَرَادَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تُعِيدَ بِنَاءَهَا وَتَرْفَعَ بَابَهَا فَلَا يَدْخُلُ إِلَيْهَا إِلَّا مَنْ شَاءَتْ. وَقَدْ تَوَفَّرَ لَدَيْهَا الْخَشَبُ وَنَجَّارٌ مَاهِرٌ وَكَانَ بِهَا حَيَّةٌ يَهَابُونَهَا فَأَبْعَدَهَا اللَّهُ عَنْهُمْ، وَقَدْ أَنْفَقُوا عَلَيْهَا وَلَمْ يُدْخِلُوا فِيهَا مِنْ كَسْبِهِمْ إِلَّا مَا كَانَ طَيِّبًا. وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَدَأَ بِهَدْمِهَا الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ثُمَّ تَرَبَّصَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ يَنْظُرُونَ هَلْ يُصِيبُهُ شَيْءٌ فَلَمَّا لَمْ يُصَبْ بِشَيْءٍ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَادُوا. وَقَدْ جَمَعَتْ قَبَائِلُ قُرَيْشٍ الْحِجَارَةَ وَبَدَؤُوا فِي بِنَائِهَا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ فِي مَوْضِعِهِ حَتَّى كَادُوا يَقْتَتِلُونَ، وَتَشَاوَرُوا عَلَى أَنْ يُحَكِّمُوا أَوَّلَ دَاخِلٍ لِلْبَيْتِ فَكَانَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَرَضُوا بِهِ لِأَمَانَتِهِ وَصِدْقِهِ، فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يَأْتُوا بِثَوْبٍ وَتَأْخُذَ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِطَرَفٍ بَعَدَ أَنْ وَضَعَ فِيهِ الرَّكْنَ ثُمَّ رَفَعُوا الثَّوْبَ وَأَخَذَ الرُّكْنَ وَوَضَعَهُ فِي مَكَانِهِ وَبَنَى عَلَيْهِ ﷺ. وَظَلَّتْ عَلَى مَا بُنِيَتْ عَلَيْهِ حَتَّى كَانَ عَهْدُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ. كَمَا رَأَى عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فِي مَنَامِهِ مَكَانَ زَمْزَمٍ بَعْدَمَا طَمَّتْهَا جُرْهُمْ إِلَى زَمَانِهِ فَجَدَّدَ حَفْرَهَا وَوَجَدَ فِيهَا غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْيَافًا وَأَدْرُعًا فَضَرَبَ مِنَ الْأَسْيَافِ بَابًا وَجَعَلَ مِنَ الذَّهَبِ حِلْيَةً لِلْكَعْبَةِ، وَأَقَامَ عَلَى السِّقَايَةِ لِلْحَجِيجِ.
التاريخ 672لا حكم مسجّل
بنيان قريش للكعبة بُنْيَانِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ وَكَانَ بِنَاؤُهُمْ لَهَا لِأُمُورٍ: الْأَوَّلُ: تُوهِيَنُهَا مِنَ الْحَرِيقِ الَّذِي أَصَابَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ امْرَأَةً جَمَّرَتِ الْكَعْبَةَ فَطَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ مِجْمَرِهَا فِي ثِيَابِ الْكَعْبَةِ فَاحْتَرَقَتِ. الثَّانِي: أَنَّ السَّيْلَ دَخَلَهَا وَصَدَّعَ جُدْرَانَهَا بَعْدَ تَوْهِينِهَا. الثَّالِثُ: أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا حُلِيَّ الْكَعْبَةِ وَغَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبَ. وَقِيلَ غَزَالٌ وَاحِدٌ مُرَصَّعٌ بِدُرٍّ وَجَوْهَرٍ وَكَانَ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ عِنْدَهُ دُوَيْكٌ مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ. وَتَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنَّ الَّذِينَ سَرَقُوهُ وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ. فَأَرَادُوا أَنْ يَشُدُّوا بُنْيَانَهَا وَأَنْ يَرْفَعُوا بَابَهَا حَتَّى لَا يُدْخُلَهَا إِلَّا مَنْ شَاءُوا، وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بِسَفِينَةٍ إِلَى جَدَّةَ لِرَجُلٍ مَنْ تُجَّارِ الرُّومِ اسْمُهُ بَاقُومُ- بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ فَقَافٍ مَضْمُومَةٍ- وَكَانَ بَانِيًا فَتَحَطَّمَتْ، فَخَرَجَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى السَّفِينَةِ فَابْتَاعُوا خَشَبَهَا وَكَلَّمُوا الرُّومِيَّ بَاقُومَ فَقَدِمَ مَعَهُمْ فَأَخَذُوا خَشَبَهَا فَأَعَدُّوهُ لِتَسْقِيفِ الْكَعْبَةِ. قَالَ الْأُمَوِيُّ: كَانَتْ هَذِهِ السَّفِينَةُ لِقَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ تَحْمِلُ لَهُ آلَاتِ الْبِنَاءِ مِنَ الرُّخَامِ وَالْخَشَبِ وَالْحَدِيدِ، سَرَّحَهَا قَيْصَرٌ مَعَ بَاقُومَ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّتِي أَحْرَقَهَا الْفُرْسُ بِالْحَبَشَةِ، فَلَمَّا بَلَغَتْ مَرْسَاهَا مِنْ جَدَّةَ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا رِيحًا فَحَطَّمَتْهَا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ قِبْطِيٌّ نَجَّارٌ، فَتَهَيَّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضُ مَا يُصْلِحُهَا، وَكَانَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا فَتَشَرَّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا يَهَابُونَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا اخْزَأَلَّتْ وَكَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا فَكَانُوا يَهَابُونَهَا. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ عَنْ رَزِينٍ أَنَّ سَارِقًا دَخَلَ الْكَعْبَةَ فِي أَيَّامِ جُرْهُمٍ لِيَسْرِقَ كَنْزَهَا فَانْهَارَ الْبِئْرُ عَلَيْهِ حَتَّى جَاءُوا فَأَخْرَجُوهُ وَأَخَذُوا مَا كَانَ أَخَذَهُ. ثُمَّ سَكَنَتِ الْبِئْرَ حَيَّةٌ كَرَأْسِ الْجَدْيِ وَبَطْنُهَا أَبْيَضُ وَظَهْرُهَا أَسْوَدُ. فَأَقَامَتْ فِيهِ خَمْسَمِائَةِ سَنَةً، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ عُقْبَةَ: وَزَعَمُوا أَنَّهَا إِذَا أَحَاطَتْ بِالْبَيْتِ كَانَ رَأْسُهَا عِنْدَ ذَنَبِهَا. فَبَيْنَا هِيَ ذَاتَ يَوْمٍ تَشَرَّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا فَذَهَبَ بِهَا فَقَالَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ وَعِنْدَنَا خَشَبٌ، وَقَدْ كَفَانَا اللَّهُ تَعَالَى الْحَيَّةَ.
التاريخ 673لا حكم مسجّل
[ مَا حَدَثَ لِأَبِي وَهْبٍ عِنْدَ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ ] فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي هَدْمِهَا وَبِنَائِهَا، قَامَ أَبُو وَهْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ - فَتَنَاوَلَ مِنْ الْكَعْبَةَ حَجَرًا، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلَّا طَيِّبًا، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَهْرُ بِغَيٍّ، وَلَا بَيْعُ رِبًا، وَلَا مُظْلَمَةُ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ. وَالنَّاسُ يَنْحُلُونَ هَذَا الْكَلَامَ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُومٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ أَنَّهُ حُدِّثَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ: أَنَّهُ رَأَى ابْنًا لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرِو يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقِيلَ: هَذَا ابْنٌ لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوَانَ: عِنْدَ ذَلِكَ جَدُّ هَذَا، يَعْنِي أَبَا وَهْبٍ، الَّذِي أَخَذَ حَجَرًا مِنْ الْكَعْبَةِ حَيْنَ أَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ لِهَدْمِهَا فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلَّا طَيِّبًا، لَا تُدْخِلُوا فِيهَا مَهْرَ بِغَيٍّ، وَلَا بَيْعَ رِبًا، وَلَا مُظْلَمَةَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ.
التاريخ 674لا حكم مسجّل
[ قَرَابَةُ أَبِي وَهْبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو وَهْبٍ خَالُ أَبِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ شَرِيفًا، وَلَهُ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ: : وَلَوْ بِأَبِي وَهْبٍ أَنَخْتُ مَطِيَّتِي غَدَتْ مِنْ نَدَاهُ رَحْلُهَا غَيْرَ خَائِبٍ بِأَبْيَضَ مِنْ فَرْعَيْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ إذَا حُصِّلَتْ أَنْسَابُهَا فِي الذَّوَائِبِ أَبِيٍّ لِأَخْذِ الضَّيْمِ يَرْتَاحُ لِلنَّدَى تَوَسَّطَ جَدَّاهُ فُرُوعَ الْأَطَايِبِ عَظِيمِ رَمَادِ الْقِدْرِ يَمَلَّا جِفَانَهُ مِنْ الْخُبْزِ يَعْلُوهُنَّ مِثْلُ السَّبَائِبِ
التاريخ 675لا حكم مسجّل
[ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ وَهَدْمُ الْكَعْبَةِ، وَمَا وَجَدُوهُ تَحْتَ الْهَدْمِ ] ثُمَّ إنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرِقُوا مِنْهُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ، ثُمَّ قَامَ عَلَيْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَمْ تُرَعْ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: لَمْ نَزِغْ - اللَّهُمَّ إنَّا لَا نُرِيدُ إلَّا الْخَيْرَ. ثُمَّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنَيْنِ، فَتَرَبَّصَ النَّاسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَالُوا: نَنْظُرُ، فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ، فَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ صُنْعَنَا، فَهَدَمْنَا. فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ، فَهَدَمَ وَهَدَمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إلَى الْأَسَاسِ، أَسَاسِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَفْضَوْا إلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسْنِمَةِ آخِذٌ بَعْضُهَا بَعْضًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيُقْلِعَ بِهَا أَحَدَهُمَا، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ تَنَقَّضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرُّكْنِ كِتَابًا بِالسُّرْيَانِيَّةِ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ حَتَّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ، فَإِذَا هُوَ: أَنَا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، خَلَقْتهَا يَوْمَ خَلَقْتُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَصَوَّرْتُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، وَحَفَفْتهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ، لَا تَزُولُ حَتَّى يَزُولَ أَخْشَبَاهَا، مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللَّبَنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَخْشَبَاهَا: جَبَلَاهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ: مَكَّةُ بَيْتُ اللَّهِ الْحَرَامِ يَأْتِيهَا رِزْقُهَا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ، لَا يُحِلُّهَا أَوَّلُ مِنْ أَهْلِهَا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ أَنَّهُمْ وَجَدُوا حَجَرًا فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً، إنْ كَانَ مَا ذَكَرَ حَقًّا، مَكْتُوبًا فِيهِ: مَنْ يَزْرَعْ خَيْرًا يَحْصُدْ غِبْطَةً، وَمَنْ يَزْرَعْ شَرًّا يَحْصُدْ نَدَامَةً. تَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ، وَتُجْزَوْنَ الْحَسَنَاتِ أَجَلْ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنْ الشَّوْكِ الْعِنَبُ.
التاريخ 676لا حكم مسجّل
[ اخْتِلَافُ قُرَيْشٍ فِيمَنْ يَضَعُ الْحَجَرَ وَلُعْقَةَ الدَّمِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتْ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ بَنَوْهَا، حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانِ مَوْضِعَ الرُّكْنِ، فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرَى، حَتَّى تَحَاوَزُوا وَتَحَالَفُوا، وَأَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمَّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ، فَسُمُّوا لَعَقَّةَ الدَّمِ. فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ إنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ، وَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا.
التاريخ 677لا حكم مسجّل
[ إشَارَةُ أَبِي أُمِّيَّةَ بِتَحْكِيمِ أَوَّلِ دَاخِلٍ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ: أَ نَّ أَبَا أُمِّيَّةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانَ عَائِذٌ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا؛ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ، فَفَعَلُوا. فَكَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ، رَضِينَا، هَذَا مُحَمَّدٌ؛ فَلَمَّا انْتَهَى إلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ، قَالَ ﷺ: هَلُمَّ إلَيَّ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ، فَأَخَذَ الرُّكْنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ. ثُمَّ قَالَ: لِتَأْخُذَ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنْ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا: حَتَّى إذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ.
التاريخ 678لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ الزَّبِيرِ فِي الْحَيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا ] وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا: : عَجِبْتُ لِمَا تَصَوَّبَتْ الْعُقَابُ إلَى الثُّعْبَانِ وَهِيَ لَهَا اضْطِرَابُ وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ وَأَحْيَانًا يَكُونُ لَهَا وِثَابُ إذَا قُمْنَا إلَى التَّأْسِيسِ شَدَّتْ تُهَيِّبُنَا الْبِنَاءَ وَقَدْ تُهَابُ فَلَمَّا أَنَّ خَشِينَا الرِّجْزَ جَاءَتْ عُقَابٌ تَتْلَئِبُّ لَهَا انْصِبَابُ فَضَمَّتْهَا إلَيْهَا ثُمَّ خَلَّتْ لَنَا الْبُنْيَانَ لَيْسَ لَهُ حِجَابُ فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إلَى بِنَاءٍ لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُ وَالتُّرَابُ غَدَاةَ نَرْفَعُ التَّأْسِيسَ مِنْهُ وَلَيْسَ عَلَى مُسَوِّينَا ثِيَابُ أَعَزَّ بِهِ الْمَلِيكُ بَنِي لُؤَيٍّ فَلَيْسَ لِأَصْلِهِ مِنْهُمْ ذَهَابُ وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاكَ بَنُو عَدِيٍّ وَمُرَّةُ قَدْ تَقَدَّمَهَا كِلَابُ فَبَوَّأَنَا الْمَلِيكُ بِذَاكَ عِزًّا وَعِنْدَ اللَّهِ يُلْتَمَسُ الثَّوَابُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَلَيْسَ عَلَى مَسَاوِينَا ثِيَابُ
التاريخ 679لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيَّ، ثُمَّ كُسِيَتْ بَعْدُ الْبُرُودَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ. قُلْتُ: وَقَدْ كَانُوا أَخْرَجُوا مِنْهَا الْحِجْرَ وَهُوَ سِتَّةُ أَذْرُعٍ أَوْ سَبْعَةُ أَذْرُعٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ - وَذَلِكَ لَمَّا قَصَرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ أَيْ لَمْ يَتَمَكَّنُوا أَنْ يَبْنُوهُ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ، وَجَعَلُوا لِلْكَعْبَةِ بَابًا وَاحِدًا مِنْ نَاحِيَةِ الشَّرْقِ، وَجَعَلُوهُ مُرْتَفِعًا لِئَلَّا يَدْخُلَ إِلَيْهَا كُلُّ أَحَدٍ فَيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا، وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ قَصَرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ، وَلَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِكُفْرٍ لَنَقَضْتُ الْكَعْبَةَ، وَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، وَأَدْخَلْتُ فِيهَا الْحِجْرَ وَلِهَذَا لَمَّا تَمَكَّنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنَاهَا عَلَى مَا أَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَجَاءَتْ فِي غَايَةِ الْبَهَاءِ وَالْحُسْنِ وَالسَّنَاءِ كَامِلَةً عَلَى قَوَاعِدِ الْخَلِيلِ لَهَا بَابَانِ مُلْتَصِقَانِ بِالْأَرْضِ شَرْقِيًّا، وَغَرْبِيًّا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْ هَذَا، وَيَخْرُجُونَ مِنَ الْآخَرِ فَلَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ ابْنَ الزُّبَيْرِ كَتَبَ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ يَوْمَئِذٍ فِيمَا صَنَعَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ فَأَمَرَ بِإِعَادَتِهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فَعَمَدُوا إِلَى الْحَائِطِ الشَّامِيِّ فَحَصُّوهُ، وَأَخْرَجُوا مِنْهُ الْحِجْرَ، وَرَصُّوا حِجَارَتَهُ فِي أَرْضِ الْكَعْبَةِ فَارْتَفَعَ بَابُهَا، وَسَدُّوا الْغَرْبِيَّ، وَاسْتَمَرَّ الشَّرْقِيُّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ فِي زَمَنِ الْمَهْدِيِّ أَوْ أَبِيهِ الْمَنْصُورِ اسْتَشَارَ مَالِكًا فِي إِعَادَتِهَا عَلَى مَا كَانَ صَنَعَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا الْمُلُوكُ مَلْعَبَةً فَتَرَكَهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فَهِيَ إِلَى الْآنِ كَذَلِكَ.
التاريخ 680لا حكم مسجّل
ابْتِدَاعُ قُرَيْشٍ الْحَمْسَ وَالْحَمْسُ رَأْيٌ ارْتَأَتْهُ قُرَيْشٌ إِذْ قَالَتْ أَنَّهُمْ هُمْ قُطَّانُ الْحَرَمِ وَبَنُو إِبْرَاهِيمَ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَكُونَ كَغَيْرِنَا فَيَجِبُ أَلَّا نُعَظِّمَ شَيْئًا مِنَ الْحِلِّ كَتَعْظِيمِنَا لِلْحَرَمِ، وَمِنْ ثَمَّ تَرَكُوا الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا مَعَ كَوْنِهِمْ يُقِرُّونَ بِأَنَّهَا مِنَ الْمَنَاسِكِ إِلَّا أَنَّهُمْ رَأَوْا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِمْ. وَجَعَلُوا الْحَمْسَ أَهْلَ الْحَرَمِ يَنْسُبُ لَهَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الْعَرَبِ فِيهَا مِنْ سَاكِنِ الْحِلِّ أَوِ الْحَرَمِ. وَدَانَتْ بَعْضُ الْقَبَائِلِ مَعَ قُرَيْشٍ بِالْحَمْسِ، وَلَمْ يَقِفِ الْأَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ بَلِ ابْتَدَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَزَادُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ فَلَا يَأْتَقِطُوا الْأَقِطَ وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنَ الشَّعْرِ وَلَا يَسْتَظِلُّوا إِذَا أَرَادُوا إِلَّا فِي بُيُوتٍ مِنْ أَدَمٍ مَا كَانُوا حَرَمًا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْبِدَعِ. فَجَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْإِسْلَامِ فَأُبْطِلُ مَا ابْتَدَعَتْهُ قُرَيْشًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
التاريخ 681لا حكم مسجّل
حَدِيثُ الْحُمْسِ [ الْحُمْسُ عِنْدَ قُرَيْشٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ - لَا أَدْرِي أَقَبْلَ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ - ابْتَدَعَتْ رَأْيَ الْحُمْسِ رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ؛ فَقَالُوا: نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ وَأَهْلُ الْحُرْمَةِ، وَوُلَاةُ الْبَيْتِ، وَقُطَّانُ مَكَّةَ وَسَاكِنُهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقِّنَا، وَلَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ الْعَرَبُ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا، فَلَا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنْ الْحِلِّ كَمَا تُعَظِّمُونَ الْحَرَمَ، فَإِنَّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفَّتْ الْعَرَبُ بِحُرْمَتِكُمْ، وَقَالُوا قَدْ عَظَّمُوا مِنْ الْحِلِّ مِثْلَ مَا عَظَّمُوا مِنْ الْحَرَمِ. فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ، وَالْإِفَاضَةَ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرُّونَ أَنَّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجِّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَ ﷺ، وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يَقِفُوا عَلَيْهَا، وَأَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا، إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا نُعَظِّمُ غَيْرَهَا كَمَا نُعَظِّمُهَا نَحْنُ الْحُمْسُ، وَالْحُمْسُ أَهْلُ الْحَرَمِ، ثُمَّ جَعَلُوا لِمِنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الَّذِي لَهُمْ، بِوِلَادَتِهِمْ إيَّاهُمْ، يَحِلُّ لَهُمْ مَا يَحِلُّ لَهُمْ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ.
التاريخ 682لا حكم مسجّل
[ الْقَبَائِلُ الَّتِي دَانَتْ مَعَ قُرَيْشٍ بِالْحُمْسِ ] وَكَانَتْ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النَّحْوِيُّ: أَنَّ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَأَنْشَدَنِي لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: : أَعَبَّاسُ لَوْ كَانَتْ شِيَارًا جِيَادُنَا بِتَثْلِيثَ مَا نَاصَيْتَ بَعْدِي الْأَحَامِسَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَثْلِيثُ: مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِهِمْ. وَالشِّيَارُ: ( السِّمَانُ ) الْحِسَانُ. يَعْنِي بِالْأَحَامِسِ: بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَبِعَبَّاسٍ: عَبَّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، وَكَانَ أَغَارَ عَلَى بَنِي زُبَيْدٍ بِتَثْلِيثَ. وَهَذَا الْبَيْتُ مِنْ قَصِيدَةٍ لِعَمْرٍو. وَأَنْشَدَنِي لِلَقِيطِ بْنِ زُرَارَةَ الدَّارِمِيِّ فِي يَوْمِ جَبَلَةَ: : أَجْذِمْ إلَيْكَ إنَّهَا بَنُو عَبْسٍ الْمَعْشَرُ الْجِلَّةُ فِي الْقَوْمِ الْحُمْسُ لِأَنَّ بَنِي عَبْسٍ كَانُوا يَوْمَ جَبَلَةَ حُلَفَاءَ فِي بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ. [ يَوْمَ جَبَلَةَ ] وَيَوْمُ جَبَلَةَ: يَوْمٌ كَانَ بَيْنَ بَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَبَيْنَ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَكَانَ الظَّفَرُ فِيهِ لِبَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ عَلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، وَقُتِلَ يَوْمئِذٍ لَقِيطُ بْنُ زُرَارَةَ بْنُ عُدَسَ، وَأُسِرَ حَاجِبُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ وَانْهَزَمَ عَمْرُو بْنُ عَمْرِو بْنِ عُدَسَ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَارِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْظَلَةَ. فَفِيهِ يَقُولُ جَرِيرٌ لِلْفَرَزْدَقِ: : كَأَنَّكَ لَمْ تَشْهَدْ لَقِيطًا وَحَاجِبًا وَعَمْرَو بْنَ عَمْرٍو إذْ دَعَوْا يَا لَدَارِمِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
التاريخ 683لا حكم مسجّل
[ مَا زَادَتْهُ الْعَرَبُ فِي الْحُمْسِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ابْتَدَعُوا فِي ذَلِكَ أُمُورًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ، حَتَّى قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلْحُمْسِ أَنْ يَأْتَقِطُوا الْأَقِطَ، وَلَا يَسْلَئُوا السَّمْنَ وَهُمْ حُرُمٌ، وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعَرٍ، وَلَا يَسْتَظِلُّوا إنْ اسْتَظَلُّوا إلَّا فِي بُيُوتِ الْأَدَمِ مَا كَانُوا حُرُمًا، ثُمَّ رَفَعُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا بِهِ مَعَهُمْ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ، إذَا جَاءُوا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَلَا يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ إذَا قَدِمُوا أَوَّلَ طَوَافِهِمْ إلَّا فِي ثِيَابِ الْحُمْسِ، فَإِنَّ لَمْ يَجِدُوا مِنْهَا شَيْئًا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَإِنْ تَكَرَّمَ مِنْهُمْ مُتَكَرِّمٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ ثِيَابَ الْحُمْسِ، فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ، أَلْقَاهَا إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، وَلَمْ يَمَسَّهَا هُوَ، وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ أَبَدًا.
التاريخ 684لا حكم مسجّل
[ اللَّقَى عِنْدَ الْحُمْسِ وَشِعْرٌ فِيهِ ] فَكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّي تِلْكَ الثِّيَابَ اللَّقَى. فَحَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ الْعَرَبَ، فَدَانَتْ بِهِ. وَوَقَفُوا عَلَى عرفَاتٍ، وَأَفَاضُوا مِنْهَا، وَطَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً: أَمَّا الرِّجَالُ فَيَطُوفُونَ عُرَاةً، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَتَضَعُ إحْدَاهُنَّ ثِيَابَهَا كُلَّهَا إلَّا دِرْعًا مُفَرَّجًا عَلَيْهَا، ثُمَّ تَطُوفُ فِيهِ. فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ، وَهِيَ كَذَلِكَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ: : الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ وَمَنْ طَافَ مِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا مِنْ الْحِلِّ أَلْقَاهَا، فَلَمْ يَنْتَفِعُ بِهَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ. فَقَالَ قَائِلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَذْكُرُ شَيْئًا تَرَكَهُ مِنْ ثِيَابِهِ فَلَا يَقْرَبُهُ، وَهُوَ يُحِبُّهُ: : كَفَى حَزَنًا كَرَّى عَلَيْهَا كَأَنَّهَا لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ يَقُولُ: لَا تُمَسُّ.
التاريخ 685لا حكم مسجّل
[ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فِي الطَّوَافِ، وَإِبْطَالُ عَادَاتِ الْحُمْسِ فِيهِ ] فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ حَيْنَ أَحْكَمَ لَهُ دِينَهُ، وَشَرَعَ لَهُ سُنَنَ حَجِّهِ: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ يَعْنِي قُرَيْشًا. وَالنَّاسُ: الْعَرَبُ. فَرَفَعَهُمْ فِي سُنَّةِ الْحَجِّ إلَى عَرَفَاتٍ وَالْوُقُوفِ عَلَيْهَا وَالْإِفَاضَةِ مِنْهَا. وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيمَا كَانُوا حَرَّمُوا عَلَى النَّاسِ مِنْ طَعَامِهِمْ وَلَبُوسِهِمْ عِنْدَ الْبَيْتِ، حَيْنَ طَافُوا عُرَاةً، وَحَرَّمُوا مَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الْحِلِّ مِنْ الطَّعَامِ: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فَوَضَعَ اللَّهُ تَعَالَى أَمْرَ الْحُمْسِ، وَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ ابْتَدَعَتْ مِنْهُ عَلَى النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ، حَيْنَ بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عَمِّهِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَإِنَّهُ لَوَاقِفٌ عَلَى بَعِيرٍ لَهُ بِعَرَفَاتٍ مَعَ النَّاسِ مِنْ بَيْنَ قَوْمِهِ حَتَّى يَدْفَعُ مَعَهُمْ مِنْهَا تَوْفِيقًا مِنْ اللَّهِ لَهُ، ﷺ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
التاريخ 686لا حكم مسجّل
إخْبَارُ الْكُهَّانِ مِنْ الْعَرَبِ، وَالْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ وَالرُّهْبَانِ مِنْ النَّصَارَى [ مُعْرِفَةُ الْكُهَّانِ وَالْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ بِمَبْعَثِهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالرُّهْبَانُ مِنْ النَّصَارَى، وَالْكُهَّانُ مِنْ الْعَرَبِ، قَدْ تَحَدَّثُوا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، لَمَّا تَقَارَبَ مِنْ زَمَانِهِ. أَمَّا الْأَحْبَارُ مِنْ يَهُودَ، وَالرُّهْبَانُ مِنْ النَّصَارَى، فَعَمَّا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ زَمَانِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ إلَيْهِمْ فِيهِ. وَأَمَّا الْكُهَّانُ مِنْ الْعَرَبِ فَأَتَتْهُمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مِنْ الْجِنِّ فِيمَا تَسْتَرِقُ مِنْ السَّمْعِ، إذْ كَانَتْ وَهِيَ لَا تُحْجَبُ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ بِالنُّجُومِ. وَكَانَ الْكَاهِنُ وَالْكَاهِنَةُ لَا يَزَالُ يَقَعُ مِنْهُمَا ذِكْرُ بَعْضِ أُمُورِهِ، لَا تُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا، حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَ، فَعَرَفُوهَا.
التاريخ 687لا حكم مسجّل
[ قَذْفُ الْجِنِّ بِالشُّهُبِ، وَآيَةُ ذَلِكَ عَلَى مَبْعَثِهِ ﷺ ] فَلَمَّا تَقَارَبَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَضَرَ مَبْعَثُهُ، حُجِبَتْ الشَّيَاطِينُ عَنْ السَّمْعِ، وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقَاعِدِ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ لِاسْتِرَاقِ السَّمْعِ فِيهَا، فَرُمُوا بِالنُّجُومِ، فَعَرَفَتْ الْجِنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي الْعِبَادِ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ حَيْنَ بَعَثَهُ، وَهُوَ يَقُصُّ عَلَيْهِ خَبَرَ الْجِنِّ إذْ حُجِبُوا عَنْ السَّمْعِ، فَعَرَفُوا مَا عَرَفُوا، وَمَا أَنْكَرُوا مِنْ ذَلِكَ حَيْنَ رَأَوْا مَا رَأَوْا: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا إلَى قَوْلِهِ: وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا. فَلَمَّا سَمِعَتْ الْجِنُّ الْقُرْآنَ عَرَفَتْ أَنَّهَا إنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ السَّمْعِ قَبْلَ ذَلِكَ، لِئَلَّا يُشْكِلَ الْوَحْيُ بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ فَيَلْتَبِسُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ، لِوُقُوعِ الْحُجَّةِ، وَقَطْعِ الشُّبْهَةِ. فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا، ثُمَّ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ الْآيَةَ. وَكَانَ قَوْلُ الْجِنِّ: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا أَنَّهُ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْعَرَبِ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ إذَا سَافَرَ فَنَزَلَ بَطْنَ وَادٍ مِنْ الْأَرْضِ لِيَبِيتَ فِيهِ، قَالَ: إنِّي أَعُوذُ بِعَزِيزِ هَذَا الْوَادِي مِنْ الْجِنِّ اللَّيْلَةَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الرَّهَقُ: الطُّغْيَانُ وَالسَّفَهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: إذْ تَسْتَبِي الْهَيَّامَةُ الْمُرَهَّقَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَالرَّهَقُ أَيْضًا: طَلَبُكَ الشَّيْءِ حَتَّى تَدْنُوَ مِنْهُ، فَتَأْخُذُهُ أَوْ لَا تَأْخُذُهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ يَصِفُ حَمِيرِ وَحْشٍ: بَصْبَصْنَ وَاقْشَعْرَرْنَ مِنْ خَوْفِ الرَّهَقِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. وَالرَّهَقُ أَيْضًا: مَصْدَرٌ لِقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ: رَهِقْتُ الْإِثْمَ أَوْ الْعُسْرَ، الَّذِي أَرْهَقَتْنِي رَهَقًا شَدِيدًا، أَيْ حَمَلْتُ الْإِثْمَ أَوْ الْعُسْرَ الَّذِي حَمَلَتْنِي حَمْلًا شَدِيدًا، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَقَوْلُهُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا \
التاريخ 688لا حكم مسجّل
[ فَزَعُ ثَقِيفٍ مِنْ رَمْيِ الْجِنِّ بِالنُّجُومِ، وَسُؤَالُهُمْ عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنَّهُ حَدَّثَ أَنَّ أَوَّلَ الْعَرَبِ فَزِعَ لِلرَّمْيِ بِالنُّجُومِ حَيْنَ رُمِيَ بِهَا، هَذَا الْحَيُّ مِنْ ثَقِيفٍ، وَأَنَّهُمْ جَاءُوا إلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ عَمْرُو بْنُ أُمِّيَّةَ، أَحَدُ بَنِي عِلَاجٍ - قَالَ: وَكَانَ أَدْهَى الْعَرَبِ وَأَنْكَرَهَا رَأْيًا - فَقَالُوا لَهُ: يَا عَمْرُو: أَلَمْ تَرَ مَا حَدَثَ فِي السَّمَاءِ مِنْ الْقَذْفِ بِهَذِهِ النُّجُومِ ؟ قَالَ: بَلَى، فَانْظُرُوا، فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِمَ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَتُعْرَفُ بِهَا الْأَنْوَاءُ مِنْ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ، لِمَا يُصْلِحُ النَّاسَ فِي مَعَايِشِهِمْ، هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا، فَهُوَ وَاَللَّهِ طَيُّ الدُّنْيَا، وَهَلَاكُ هَذَا الْخَلْقِ الَّذِي فِيهَا؛ وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا غَيْرَهَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى حَالِهَا، فَهَذَا لِأَمْرٍ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ هَذَا الْخَلْقَ، فَمَا هُوَ ؟.
التاريخ 689لا حكم مسجّل
[ حَدِيثُهُ ﷺ مَعَ الْأَنْصَارِ فِي رَمْيِ الْجِنِّ بِالنُّجُومِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ، عَنْ نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُمْ: مَاذَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي هَذَا النَّجْمِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ ؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنَّا نَقُولُ حَيْنَ رَأَيْنَاهَا يُرْمَى بِهَا: مَاتَ مَلِكٌ مُلِّكَ مُلْكٌ، وُلِدَ مَوْلُودٌ مَاتَ مَوْلُودٌ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَلَكُنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ إذَا قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا سَمِعَهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، فَسَبَّحُوا، فَسَبَّحَ مَنْ تَحْتَهُمْ، فَسَبَّحَ لِتَسْبِيحِهِمْ مَنْ تَحْتَ ذَلِكَ، فَلَا يَزَالُ التَّسْبِيحُ يَهْبِطُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسَبِّحُوا ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِمَّ سَبَّحْتُمْ فَيَقُولُونَ سَبَّحَ مَنْ فَوْقَنَا فَسَبَّحْنَا لِتَسْبِيحِهِمْ؛ فَيَقُولُونَ: أَلَا تَسْأَلُونَ مَنْ فَوْقَكُمْ مِمَّ سَبَّحُوا ؟ فَيَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى يَنْتَهُوا إلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: مِمَّ سَبَّحْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: قَضَى اللَّهُ فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا، لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ؛ فَيَهْبِطُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ سَمَاءٍ إلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِي إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَتَسْتَرِقُهُ الشَّيَاطِينُ بِالسَّمْعِ، عَلَى تَوَهُّمٍ وَاخْتِلَافٍ، ثُمَّ يَأْتُوا بِهِ الْكُهَّانَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَيُحَدِّثُوهُمْ بِهِ فَيُخْطِئُونَ وَيُصِيبُونَ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ الْكُهَّانُ، فَيُصِيبُونَ بَعْضًا وَيُخْطِئُونَ بَعْضًا ثُمَّ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حَجَبَ الشَّيَاطِينَ بِهَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُقْذَفُونَ بِهَا، فَانْقَطَعَتْ الْكَهَانَةُ الْيَوْمَ، فَلَا كَهَانَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَبِيبَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ؓ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ.
التاريخ 690لا حكم مسجّل
[ الْغَيْطَلَةُ وَمَا حَدَّثَتْ بِهِ بَنِي سَهْمٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: إنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمٍ، يُقَالُ لَهَا الْغَيْطَلَةُ، كَانَتْ كَاهِنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ، جَاءَهَا صَاحِبُهَا لَيْلَةً مِنْ اللَّيَالِي، فَانْقَضَّ تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَدْرِ مَا أَدْرِ. يَوْمَ عَقْرٍ وَنَحْرٍ؛ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حَيْنَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: مَا يُرِيدُ ؟ ثُمَّ جَاءَهَا لَيْلَةً أُخْرَى، فَانْقَضَّ تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: شُعُوبُ مَا شُعُوبٌ، تُصْرَعُ فِيهِ كَعْبٌ لَجُوبُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا. قَالُوا: مَاذَا يُرِيدُ، إنَّ هَذَا لِأَمْرٍ هُوَ كَائِنٌ، فَانْظُرُوا مَا هُوَ ؟ فَمَا عَرَفُوهُ حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَأُحُدٍ بِالشِّعْبِ، فَعَرَفُوا أَنَّهُ الَّذِي كَانَ جَاءَ بِهِ إلَى صَاحِبَتِهِ. [ نَسَبُ الْغَيْطَلَةِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْغَيْطَلَةُ: مِنْ بَنِي مُرَّةَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ، إخْوَةِ مُدْلِجِ بْنِ مُرَّةَ، وَهِيَ أُمُّ الْغَيَاطِلِ الَّذِينَ ذَكَرَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَوْلِهِ: : لَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا وَالْغَيَاطِلِ فَقِيلَ لِوَلَدِهَا: الْغَيَاطِلُ؛ وَهُمْ مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصٍ.
التاريخ 691لا حكم مسجّل
[ حَدِيثُ كَاهِنِ جَنْبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ نَافِعٍ الْجُرَشِيُّ: أَنَّ جَنْبًا: بَطْنًا مِنْ الْيَمَنِ، كَانَ لَهُمْ كَاهِنٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا ذُكِرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَانْتَشَرَ فِي الْعَرَبِ، قَالَتْ لَهُ جَنْبٌ: اُنْظُرْ لَنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي أَسْفَلِ جَبَلِهِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِمْ حِينَ طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَوَقَفَ لَهُمْ قَائِمًا مُتَّكِئًا عَلَى قَوْسٍ لَهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ طَوِيلًا، ثُمَّ جَعَلَ يَنْزُو، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ مُحَمَّدًا وَاصْطَفَاهُ، وَطَهَّرَ قَلْبَهُ وَحَشَاهُ، وَمُكْثُهُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قَلِيلٌ، ثُمَّ أَسْنَدَ فِي جَبَلِهِ رَاجِعًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ.
التاريخ 692لا حكم مسجّل
[ مَا جَرَى بَيْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَسَوَادِ بْنِ قَارِبٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، أَنَّهُ حَدَّثَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، بَيْنَا هُوَ جَالِسٌ فِي النَّاسِ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، يُرِيدُ عُمْرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ عُمَرُ ؓ، قَالَ: إنَّ هَذَا الرَّجُلُ لَعَلَى شِرْكِهِ مَا فَارَقَهُ بَعْدُ، أَوْ لَقَدْ كَانَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ ؓ: هَلْ أَسْلَمْتَ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ لَهُ: فَهَلْ كُنْتَ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ خِلْتَ فِيَّ، وَاسْتَقْبَلْتنِي بِأَمْرٍ مَا أَرَاكَ قُلْتَهُ لِأَحَدٍ مِنْ رَعِيَّتِكَ مُنْذُ وُلِّيتَ مَا وُلِّيتَ؛ فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُمَّ غُفْرًا، قَدْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى شَرٍّ مِنْ هَذَا، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَعْتَنِقُ الْأَوْثَانَ، حَتَّى أَكْرَمْنَا اللَّهُ بِرَسُولِهِ وَبِالْإِسْلَامِ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَاَللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَقَدْ كُنْتُ كَاهِنًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ قَالَ: فَأَخْبرنِي مَا جَاءَكَ بِهِ صَاحِبُكَ، قَالَ: جَاءَنِي قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعِهِ، فَقَالَ: أَلَمْ تَرَ إلَى الْجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا، وَإِيَاسِهَا مِنْ دِينِهَا، وَلُحُوقِهَا بِالْقِلَاصِ وَأَحْلَاسِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا الْكَلَامُ سَجْعٌ، وَلَيْسَ بِشِعْرٍ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبٍ: فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَ ذَلِكَ يُحَدِّثُ النَّاسَ: وَاَللَّهِ إنِّي لَعِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ ذَبَحَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ عِجْلًا، فَنَحْنُ نَنْتَظِرُ قَسْمَهُ لِيَقْسِمَ لَنَا مِنْهُ، إذْ سَمِعْتُ مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ صَوْتًا مَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنْهُ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ الْإِسْلَامِ بِشَهْرٍ أَوْ شَيْعِهِ، يَقُولُ: يَا ذَرِيحُ، أَمْرٌ نَجِيحٌ، رَجُلٌ يَصِيحُ، يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رَجُلٌ يَصِيحُ، بِلِسَانٍ فَصِيحٍ، يَقُولُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ: : عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَإِبْلَاسِهَا وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا تَهْوِي إلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَأَنْجَاسِهَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَهَذَا مَا بَلَغَنَا مِنْ الْكُهَّانِ مِنْ الْعَرَبِ.
التاريخ 693لا حكم مسجّل
إنْذَارُ الْيَهُودِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ [ إنْذَارُ الْيَهُودِ بِهِ ﷺ، وَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: إنَّ مِمَّا دَعَانَا إلَى الْإِسْلَامِ، مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَدَاهُ لَنَا، لَمَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، ( وَ ) كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوَثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ لَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ، قَالُوا لَنَا: إنَّهُ ( قَدْ ) تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ فَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أَجَبْنَاهُ، حِينَ دَعَانَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعَّدُونَنَا بِهِ، فَبَادَرْنَاهُمْ إلَيْهِ، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ مِنْ الْبَقَرَةِ: وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَسْتَفْتِحُونَ: يَسْتَنْصِرُونَ، وَيَسْتَفْتِحُونَ ( أَيْضًا ): يَتَحَاكَمُونَ، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ.
التاريخ 694لا حكم مسجّل
حَدِيثُ إسلام سالمان الفارسي إسْلَامِ سَلْمَانَ ؓ [ كَانَ سَلْمَانُ مَجُوسِيًّا، فَمَرَّ بِكَنِيسَةٍ فَتَطَلَّعَ إلَى النَّصْرَانِيَّةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمْرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَأَنَا أَسْمَعُ مِنْ فِيهِ، قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ مِنْ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا جَيُّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ قَرْيَتِهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ، لَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إيَّايَ حَتَّى حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطْنَ النَّارِ الَّذِي يُوقِدُهَا، لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو سَاعَةً. قَالَ: وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ، فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، إنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ إلَيْهَا فَاطَّلَعَهَا. وَأَمَرَنِي فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَلَا تَحْتَبِسُ عَنِّي فَإِنَّكَ إنْ احْتَبَسْتَ عَنِّي كُنْتُ أَهَمَّ إلَيَّ مِنْ ضَيْعَتِي، وَشَغَلَتْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِي. قَالَ: فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ الَّتِي بَعَثَنِي إلَيْهَا، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ، لِحَبْسِ أَبِي إيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا سَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَتْنِي صَلَاتُهُمْ وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ وَقُلْتُ: هَذَا وَاَللَّهِ خَيْرٌ مِنْ الدِّينِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاَللَّهِ مَا بَرِحْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي فَلَمْ آتِهَا؛ ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ ؟ قَالُوا: بِالشَّامِ. فَرَجَعْتُ إلَى أَبِي، وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي، وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ أَيْنَ كُنْتَ ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إلَيْكَ مَا عَهِدْتُ ؟ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِأُنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ، فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاَللَّهِ مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ؛ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ؛ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: كَلَّا وَاَللَّهِ، إنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا، ثُمَّ حَبَسَنِي فِي بَيْتِهِ وَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَآذِنُونِي. قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ فَأَلْقَيْتُ الْحَدِيدَ مِنْ رِجْلِي، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ فَلَمَّا قَدِمْتُهَا قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ عِلْمًا ؟ قَالُوا: الْأُسْقُفُّ فِي الْكَنِيسَةِ قَالَ: فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ وَأَخْدِمُكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ فَأُصَلِّي مَعَكَ. قَالَ: ادْخُلْ فَدَخَلْتُ مَعَهُ فَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا فَإِذَا جَمَعُوا لَهُ شَيْئًا مِنْهَا كَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطَهِ الْمَسَاكِينَ حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَوَرِقٍ قَالَ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ ثُمَّ مَاتَ، وَاجْتَمَعَتْ لَهُ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِ الْمَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا قَالَ: فَقَالُوا لِي: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ قَالُوا: فَدَلَّنَا قَالَ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ فَاسْتَخْرَجُوا سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَوَرِقًا فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا قَالَ: فَصَلَبُوهُ وَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ، وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ. قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا لَا يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ أَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبُ فِي الْآخِرَةِ وَلَا أَدْأَبُ لَيْلًا وَنَهَارًا، قَالَ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًّا لَمْ أُحِبَّ شَيْئًا قَبْلَهُ مِثْلَهُ. قَالَ: فَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي قَدْ كُنْتُ مَعَكَ وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ شَيْئًا قَبْلَكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَبِمَ تَأْمُرُنِي بِهِ ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ الْيَوْمَ أَحَدًا عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ لَقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَتَرَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ وَهُوَ فُلَانٌ وَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ بِهِ قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ، لَحِقْتُ بِصَاحِبِ الْمَوْصِلِ فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فَلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْتِهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ فَقَالَ لِي أَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فَلَانَا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ، وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَبِمَ تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ وَهُوَ فُلَانٌ فَالْحَقْ بِهِ فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ، لَحِقْتُ بِصَاحِبِ نَصِيبِينَ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبَايَ فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ فَلَمَّا حَضَرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَبِمَ تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلَّا رَجُلًا بِعَمُّورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَائْتِهِ فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا. فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَ خَيْرِ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ. قَالَ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي بَقَرَاتٌ وَغَنِيمَةٌ. قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ فَلَمَّا حُضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ فَأَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي وَبِمَ تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُ نَبِيٍّ مَبْعُوثٍ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ. مُهَاجَرُهُ إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَخْلٌ بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى; يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ.
التاريخ 695لا حكم مسجّل
[ سَلْمَانُ وَنَقْلَتُهُ إلَى وَادِي الْقُرَى ثُمَّ إلَى الْمَدِينَةِ سَمَاعُهُ بِبَعْثَةِ الرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ: ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، وَمَكَثْتُ بِعَمُورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تُجَّارٌ، فَقُلْتُ لَهُمْ: احْمِلُونِي إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ؛ قَالُوا: نَعَمْ. فأعْطَيْتُهُمُوها وَحَمَلُونِي مَعَهُمْ، حَتَّى إذَا بَلَغُوا وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي، فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ عَبْدًا، فَكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقْ فِي نَفْسِي، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ، إذْ قَدِمَ عَلَيْهِ ابْنُ عَمٍّ لَهُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَابْتَاعَنِي مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتهَا بِصِفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا، وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ، لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذكَرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَفِي رَأْسِ عِذْقٍ لِسَيِّدِي أَعْمَلُ لَهُ فِيهِ بَعْضَ الْعَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ تَحْتِي، إذْ أَقْبَلَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا فُلَانُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ، وَاَللَّهِ إنَّهُمْ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ الْيَوْمَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. [ نَسَبُ قَيْلَةَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَيْلَةُ: بِنْتُ كَاهِلِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ سُودِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ، أُمُّ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. قَالَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيُّ يَمْدَحُ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ: : بَهَالِيلُ مِنْ أَوْلَادِ قَيْلَةَ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمْ خَلِيطٌ فِي مُخَالَطَةِ عَتْبَا مَسَامِيحُ أَبْطَالٌ يَرَاحُونَ لِلنَّدَى يَرَوْنَ عَلَيْهِمْ فِعْلَ آبَائِهِمْ نَحْبَا وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ. فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالْعُرَوَاءُ: الرِّعْدَةُ مِنْ الْبَرْدِ وَالِانْتِفَاضُ، فَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَرَقٌ فَهِيَ الرُّحَضَاءُ، وَكِلَاهُمَا مَمْدُودٌ - حَتَّى ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي، فَنَزَلْتُ عَنْ النَّخْلَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابْنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ ؟ ( مَاذَا تَقُولُ ) ؟ فَغَضِبَ سَيِّدِي، فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلِهَذَا ؟ أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: لَا شَيْءَ: إنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَهُ عَمَّا قَالَ.
التاريخ 696لا حكم مسجّل
[ سَلْمَانُ بَيْنَ يَدَيْ الرَّسُولِ ﷺ بِهَدِيَّتِهِ يَسْتَوْثِقُ ] ( قَالَ ): وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ ذَهَبْتُ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ قَدْ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ، قَالَ: فَقَرَّبْتُهُ إلَيْهِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا، وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ. قَالَ: ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ، فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِهِ فَقُلْتُ لَهُ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا. قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَاتَانِ ثِنْتَانِ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ، قَدْ تَبِعَ جِنَازَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، ( وَ ) عَلَيَّ شَمْلَتَانِ لِي، وَهُوَ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الْخَاتَمَ الَّذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي؛ فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدْبَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، فَأَلْقَى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إلَى الْخَاتَمِ فَعَرَفْتُهُ، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي؛ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تَحَوَّلْ، فَتَحَوَّلْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثِي كَمَا حَدَّثْتُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، فَأَعْجَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُسْمِعَ ذَلِكَ أَصْحَابَهُ. ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ.
التاريخ 697لا حكم مسجّل
[ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِسَلْمَانَ بِالْمُكَاتَبَةِ لِيَخْلُصَ مِنْ الرِّقِّ ] قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ؛ فَكَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِ ماِئَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقِيرِ، وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: أَعِينُوا أَخَاكُمْ، فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ، الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيَّةً، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَدِيَةً، وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ، يُعِينُ الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُ ماِئَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتِنِي أَكُنْ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ. قَالَ: فَفَقَّرْتُ وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إذَا فَرَغْتُ جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعِي إلَيْهَا، فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ إلَيْهِ الْوَدِيَّ، وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ، حَتَّى فَرَغْنَا. فَوَاَلَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ. مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ. قَالَ: فَأَدَّيْتُ النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ. فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ، مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ ؟ قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ خُذْ هَذِهِ، فَأَدِّهَا مِمَّا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ قَالَ: قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ ؟ فَقَالَ: خُذْهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ. قَالَ: فَأَخَذْتهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا، وَاَلَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ مِنْهَا، وَعَتَقَ سَلْمَانُ. فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَنْدَقَ حُرًّا، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ. عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ عَنْ سَلْمَانَ: أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ مِنْ الَّذِي عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ أَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَلَّبَهَا عَلَى لِسَانِهِ، ثُمَّ قَالَ: خُذْهَا فَأَوْفِهِمْ مِنْهَا، فَأَخَذْتهَا، فَأَوْفَيْتهمْ مِنْهَا حَقَّهُمْ كُلَّهُ، أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً.
التاريخ 698لا حكم مسجّل
ذِكْرُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَعُثْمَانَ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ [ بَحْثُهُمْ فِي الْأَدْيَانِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا فِي عِيدٍ لَهُمْ عِنْدَ صَنَمٍ مِنْ أَصْنَامِهِمْ، كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيَنْحَرُونَ لَهُ، وَيَعْكُفُونَ عِنْدَهُ، وَيُدِيرُونَ بِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِيدًا لَهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمًا، فَخَلَصَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ نَجِيًّا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَصَادَقُوا وَلْيَكْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ؛ قَالُوا: أَجَلْ. وَهُمْ: وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعُثْمَانِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَلَّمُوا وَاَللَّهِ مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ لَقَدْ أَخْطَئُوا دِينَ أَبِيهِمْ إبْرَاهِيمَ مَا حَجَرٌ نُطِيفُ بِهِ، لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ، يَا قَوْمِ الْتَمِسُوا لِأَنْفُسِكُمْ ( دِينًا )، فَإِنَّكُمْ وَاَللَّهِ مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ. فَتَفَرَّقُوا فِي الْبُلْدَانِ يَلْتَمِسُونَ الْحَنِيفِيَّةَ، دِينَ إبْرَاهِيمَ. [ مَا وَصَلَ إلَيْهِ وَرَقَةُ وَابْنُ جَحْشٍ ] فَأَمَّا وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ فَاسْتَحْكَمَ فِي النَّصْرَانِيَّةِ، وَاتَّبَعَ الْكُتُبَ مِنْ أَهْلِهَا، حَتَّى عَلِمَ عِلْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، فَأَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً؛ فَلَمَّا قَدِمَهَا تَنَصَّرَ، وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ حَتَّى هَلَكَ هُنَالِكَ نَصْرَانِيًّا.
التاريخ 699لا حكم مسجّل
صِفَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْإِنْجِيلِ [ تَبْشِيرٌ يَحْنُسَ الْحَوَارِيِّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ، فِيمَا بَلَغَنِي عَمَّا كَانَ وَضَعَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِيمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ فِي الْإِنْجِيلِ لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِمَّا أَثَبَتَ يُحَنَّسُ الْحَوَارِيُّ لَهُمْ، حِينَ نَسَخَ لَهُمْ الْإِنْجِيلَ عَنْ عَهْدِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَبْغَضَنِي فَقَدْ أَبْغَضَ الرَّبَّ، وَلَوْلَا أَنِّي صَنَعْتُ بِحَضْرَتِهِمْ صَنَائِعَ لَمْ يَصْنَعْهَا أَحَدٌ قَبْلِي، مَا كَانَتْ لَهُمْ خَطِيئَةٌ، وَلَكِنْ مِنْ الْآنَ بَطِرُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ يَعِزُّونَنِي، وَأَيْضًا لِلرَّبِّ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَتِمَّ الْكَلِمَةُ الَّتِي فِي النَّامُوسِ: أَنَّهُمْ أَبْغَضُونِي مَجَّانًا، أَيْ بَاطِلًا. فَلَوْ قَدْ جَاءَ الْمُنْحَمَنَّا هَذَا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْكُمْ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ، ( وَ ) رُوحُ الْقُدُسِ، هَذَا الَّذِي مِنْ عِنْدَ الرَّبِّ خَرَجَ، فَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيَّ وَأَنْتُمْ أَيْضًا، لِأَنَّكُمْ قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي فِي هَذَا قُلْتُ لَكُمْ: لِكَيْمَا لَا تَشْكُوَا. وَالْمُنْحَمَنَّا ( بِالسُّرْيَانِيَّةِ ): مُحَمَّدٌ: وَهُوَ بِالرُّومِيَّةِ: الْبَرْقَلِيطِسُ، ﷺ.
التاريخ 700لا حكم مسجّل
قِصَّةُ سَيْفِ بْنِ ذِي يَزَنَ الْحِمْيَرِيِّ، وَبِشَارَتُهُ بِالنَّبِيِّ الْأُمِّيِّ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ سَهْلٍ الْخَرَائِطِيُّ فِي كِتَابِهِ هَوَاتِفِ الْجَانِّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ - هُوَ ابْنُ بَكَّارٍ الْقَعْنَبِيُّ - عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا ظَهَرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ - قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَاسْمُهُ النُّعْمَانُ بْنُ قَيْسٍ - عَلَى الْحَبَشَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ مَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسَنَتَيْنِ، أَتَتْهُ وُفُودُ الْعَرَبِ وَشُعَرَاؤُهَا، تُهَنِّئُهُ وَتَمْدَحُهُ وَتَذْكُرُ مَا كَانَ مِنْ حُسْنِ بَلَائِهِ، وَأَتَاهُ فِيمَنْ أَتَاهُ وَفْدُ قُرَيْشٍ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُدْعَانَ، وَخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ فِي أُنَاسٍ مِنْ وُجُوهِ قُرَيْشٍ فَقَدِمُوا عَلَيْهِ صَنْعَاءَ فَإِذَا هُوَ فِي رَأْسِ غُمْدَانَ الَّذِي ذَكَرَهُ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ وَاشْرَبْ هَنِيئًا عَلَيْكَ التَّاجُ مُرْتَفِعًا فِي رَأْسِ غُمْدَانَ دَارًا مِنْكَ مِحْلَالَا فَدَخَلَ عَلَيْهِ الْآذِنُ فَأَخْبَرَهُ بِمَكَانِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْكَلَامِ فَقَالَ لَهُ: إِنْ كُنْتَ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُلُوكِ فَقَدْ أَذِنَّا لَكَ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَلَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ مَحَلًّا رَفِيعًا صَعْبًا مَنِيعًا شَامِخًا بَاذِخًا، وَأَنْبَتَكَ مَنْبَتًا طَابَتْ أَرُومَتُهُ، وَعَزَّتْ جُرْثُومَتُهُ، وَثَبَتَ أَصْلُهُ، وَبَسَقَ فَرْعُهُ، فِي أَكْرَمِ مَوْطِنٍ وَأَطْيَبِ مَعْدِنٍ فَأَنْتَ - أَبَيْتَ اللَّعْنَ - مَلِكُ الْعَرَبِ، وَرَبِيعُهَا الَّذِي تَخْصَبُ بِهِ الْبِلَادُ، وَرَأْسُ الْعَرَبِ الَّذِي لَهُ تَنْقَادُ، وَعَمُودُهَا الَّذِي عَلَيْهِ الْعِمَادُ، وَمَعْقِلُهَا الَّذِي يَلْجَأُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ، وَسَلَفُكَ خَيْرُ سَلَفٍ، وَأَنْتَ لَنَا مِنْهُمْ خَيْرُ خَلَفٍ فَلَنْ يَخْمُدَ مَنْ هُمْ سَلَفُهُ، وَلَنْ يَهْلِكَ مَنْ أَنْتَ خَلَفُهُ، وَنَحْنُ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَهْلُ حَرَمِ اللَّهِ، وَسَدَنَةُ بَيْتِهِ أَشْخَصَنَا إِلَيْكَ الَّذِي أَبْهَجَنَا مِنْ كَشْفِكَ الْكَرْبَ الَّذِي قَدْ فَدَحَنَا، وَفْدُ التَّهْنِئَةِ لَا وَفْدُ الْمَرْزِئَةِ. قَالَ: وَأَيُّهُمْ أَنْتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ ؟ قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ. قَالَ: ابْنُ أُخْتِنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ادْنُ. فَأَدْنَاهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا وَنَاقَةً وَرَحْلًا وَمُسْتَنَاخًا سَهْلًا، وَمَلِكًا رِبَحْلًا يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا، قَدْ سَمِعَ الْمَلِكُ مَقَالَتَكُمْ، وَعَرَفَ قَرَابَتَكُمْ وَقَبِلَ وَسِيلَتَكُمْ فَأَنْتُمْ أَهْلُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَكُمُ الْكَرَامَةُ مَا أَقَمْتُمْ وَالْحِبَاءُ إِذَا ظَعَنْتُمْ، ثُمَّ أُنْهِضُوا إِلَى دَارِ الْكَرَامَةِ وَالْوُفُودِ فَأَقَامُوا شَهْرًا لَا يَصِلُونَ إِلَيْهِ وَلَا يَأْذَنُ لَهُمْ بِالِانْصِرَافِ. ثُمَّ انْتَبَهَ لَهُمُ انْتِبَاهَةً فَأَرْسَلَ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَدْنَى مَجْلِسَهُ وَأَخْلَاهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ إِنِّي مُفْضٍ إِلَيْكَ مِنْ سِرِّ عِلْمِي، مَا أَنْ لَوْ يَكُونُ غَيْرُكَ لَمْ أَبُحْ بِهِ، وَلَكِنِّي رَأَيْتُكَ مَعْدِنَهُ; فَأَطْلَعْتُكَ طَلِيعَهُ فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَطْوِيًّا حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ فِيهِ فَإِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ: إِنِّي أَجِدُّ فِي الْكِتَابِ الْمَكْنُونِ وَالْعِلْمِ الْمَخْزُونِ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ لِأَنْفُسِنَا، وَاحْتَجَبْنَاهُ دُونَ غَيْرِنَا خَيْرًا عَظِيمًا، وَخَطَرًا جَسِيمًا فِيهِ شَرَفُ الْحَيَاةِ، وَفَضِيلَةُ الْوَفَاةِ لِلنَّاسِ عَامَّةً وَلِرَهْطِكَ كَافَّةً وَلَكَ خَاصَّةً. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ مِثْلُكَ سَرَّ وَبَرَّ فَمَا هُوَ ؟ فِدَاكَ أَهْلُ الْوَبَرِ زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ. قَالَ: إِذَا وُلِدَ مَوْلُودٌ بِتِهَامَةْ، غُلَامٌ بِهِ عَلَامَةْ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ شَامَةْ، كَانَتْ لَهُ الْإِمَامَةْ، وَلَكُمْ بِهِ الزَّعَامَةْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةْ. قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَبَيْتَ اللَّعْنَ، قَدْ أُبْتُ بِخَيْرِ مَا آبَ بِهِ وَافِدٌ، وَلَوْلَا هَيْبَةُ الْمَلِكِ وَإِجْلَالُهُ وَإِعْظَامُهُ; لَسَأَلْتُهُ مِنْ سَارِّهِ إِيَّايَ مَا أَزْدَادُ بِهِ سُرُورًا. قَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ: هَذَا حِينُهُ الَّذِي يُولَدُ فِيهِ، أَوْ قَدْ وُلِدَ وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ يَمُوتُ أَبُوهُ وَأُمُّهُ، وَيَكْفُلُهُ جَدُّهُ وَعَمُّهُ، وَلَدْنَاهُ مِرَارًا وَاللَّهُ بَاعِثُهُ جِهَارًا، وَجَاعِلٌ لَهُ مِنَّا أَنْصَارًا يُعِزُّ بِهِمْ أَوْلِيَاءَهُ، وَيُذِلُّ بِهِمْ أَعْدَاءَهُ، وَيَضْرِبُ بِهِمُ النَّاسَ عَنْ عُرْضٍ، وَيَسْتَبِيحُ بِهِمْ كَرَائِمَ الْأَرْضِ يَكْسِرُ الْأَوْثَانَ، وَيُخْمِدُ النِّيرَانَ، وَيَعْبُدُ الرَّحْمَنَ وَيَدْحَرُ الشَّيْطَانَ، قَوْلُهُ فَصْلٌ وَحُكْمُهُ عَدْلٌ، يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَفْعَلُهُ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُبْطِلُهُ. فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ عَزَّ جَدُّكَ، وَعَلَا كَعْبُكَ، وَدَامَ مُلْكُكَ، وَطَالَ عُمُرُكَ، فَهَذَا نِجَارِي فَهَلِ الْمَلِكُ سَارَّنِي بِإِفْصَاحٍ، فَقَدْ وَضَّحَ لِي بَعْضَ الْإِيضَاحِ. فَقَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ: وَالْبَيْتِ ذِي الْحُجُبِ وَالْعَلَامَاتِ عَلَى النُّقُبِ، إِنَّكَ يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ لَجَدُّهُ غَيْرَ كَذِبٍ. فَخَرَّ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَاجِدًا فَقَالَ: ارْفَعْ رَأْسَكَ ثَلَجَ صَدْرُكَ، وَعَلَا أَمْرُكَ فَهَلْ أَحْسَسْتَ شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْتُ لَكَ ؟ فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ كَانَ لِيَ ابْنٌ وَكُنْتُ بِهِ مُعْجَبًا، وَعَلَيْهِ رَفِيقَا فَزَوَّجْتُهُ كَرِيمَةً مَنْ كَرَائِمِ قَوْمِهِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فَجَاءَتْ بِغُلَامٍ سَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا فَمَاتَ أَبُوهُ وَأُمُّهُ وَكَفَلْتُهُ أَنَا وَعَمُّهُ. قَالَ ابْنُ ذِي يَزَنَ: إِنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكَ كَمَا قُلْتَ فَاحْتَفِظْ بِابْنِكَ، وَاحْذَرْ عَلَيْهِ الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَهُ أَعْدَاءٌ، وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِ سَبِيلًا، وَاطْوِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ دُونَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ مَعَكَ; فَإِنِّي لَسْتُ آمَنُ أَنْ تُدْخِلَهُمُ النَّفَاسَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكُمُ الرِّيَاسَةُ فَيَطْلُبُونَ لَهُ الْغَوَائِلَ، وَيَنْصِبُونَ لَهُ الْحَبَائِلَ فَهُمْ فَاعِلُونَ أَوْ أَبْنَاؤُهُمْ، وَلَوْلَا أَنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الْمَوْتَ مُجْتَاحِي قَبْلَ مَبْعَثِهِ; لَسِرْتُ بِخَيْلِي وَرَجِلِي حَتَّى أُصَيِّرَ يَثْرِبَ دَارَ مُلْكِي فَإِنِّي أَجِدُ فِي الْكِتَابِ النَّاطِقِ وَالْعِلْمِ السَّابِقِ أَنَّ بِيَثْرِبَ اسْتِحْكَامُ أَمْرِهِ، وَأَهْلُ نُصْرَتِهِ، وَمَوْضِعُ قَبْرِهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أَقِيهِ الْآفَاتِ، وَأَحْذَرُ عَلَيْهِ الْعَاهَاتِ لَأَعْلَنْتُ - عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ - أَمْرَهُ، وَلَأَوْطَأْتُ عَلَى أَسْنَانِ الْعَرَبِ عَقِبَهُ، وَلَكِنِّي صَادِفٌ ذَلِكَ إِلَيْكَ، عَنْ غَيْرِ تَقْصِيرٍ بِمَنْ مَعَكَ قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِعَشَرَةِ أَعْبُدٍ وَعَشْرِ إِمَاءٍ، وَبِمِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ، وَحُلَّتَيْنِ مِنَ الْبُرُودِ، وَبِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ مِنَ الذَّهَبِ وَعَشَرَةِ أَرْطَالِ فِضَّةٍ، وَكَرِشٍ مَمْلُوءٍ عَنْبَرًا، وَأَمَرَ لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ بِعَشْرَةِ أَضْعَافِ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُ: إِذَا حَالَ الْحَوْلُ فَأْتِنِي فَمَاتَ ابْنُ ذِي يَزَنَ قَبْلَ أَنْ يَحُولَ الْحَوْلُ. فَكَانَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ كَثِيرًا مَا يَقُولُ لَا يَغْبِطْنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ بِجَزِيلِ عَطَاءِ الْمَلِكِ فَإِنَّهُ إِلَى نَفَادٍ، وَلَكِنْ لِيَغْبِطْنِي بِمَا يَبْقَى لِي وَلِعَقِبِي مِنْ بَعْدِي ذِكْرُهُ وَفَخْرُهُ وَشَرَفُهُ. فَإِذَا قِيلَ لَهُ مَتَى ذَلِكَ ؟ قَالَ: سَيُعْلَمُ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ. قَالَ: وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ جَلَبْنَا النُّصْحَ تَحْقُبُهُ الْمَطَايَا عَلَى أَكْوَارِ أَجْمَالٍ وَنُوقِ مُغَلْغِلَةٌ مَرَاتِعُهَا تُعَالَى إِلَى صَنْعَاءَ مِنْ فَجٍّ عَمِيقِ تَؤُمُّ بِنَا ابْنَ ذِي يَزَنَ وَيُغْرِي بِذَاتِ بِطُونِهَا ذَمُّ الطَّرِيقِ وَتَرْعَى مِنْ مَخَائِلِهِ بُرُوقًا مُوَاصِلَةَ الْوَمِيضِ إِلَى بُرُوقِ فَلَمَّا وَاقَعَتْ صَنْعَاءَ حَلَّتْ بِدَارِ الْمُلْكِ وَالْحَسَبِ الْعَتِيقِ
التاريخ 701لا حكم مسجّل
قِصَّةُ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخُزَاعِيُّ الْأَهْوَازِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ بْنِ دِلْهَاثِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ يَاسِرِ بْنِ سُوَيْدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِيهِ دِلْهَاثٍ عَنْ أَبِيهِ إِسْمَاعِيلَ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ أَبَاهُ يَاسِرَ بْنَ سُوَيْدٍ حَدَّثَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ حَاجًّا فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَرَأَيْتَ فِي نَوْمِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ نُورًا سَاطِعًا مِنَ الْكَعْبَةِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى جَبَلِ يَثْرِبَ وَأَشْعَرِ جُهَيْنَةَ فَسَمِعْتُ صَوْتًا بَيْنَ النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: انْقَشَعَتِ الظَّلْمَاءُ، وَسَطَعَ الضِّيَاءُ، وَبُعِثَ خَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، ثُمَّ أَضَاءَ إِضَاءَةً أُخْرَى حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى قُصُورِ الْحِيرَةِ وَأَبْيَضِ الْمَدَائِنِ، وَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ النُّورِ وَهُوَ يَقُولُ: ظَهَرَ الْإِسْلَامُ وَكُسِرَتِ الْأَصْنَامُ، وَوُصِلَتِ الْأَرْحَامُ فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا فَقُلْتُ لِقَوْمِي: وَاللَّهِ لَيَحَدُثَنَّ لِهَذَا الْحَيِّ مَنْ قُرَيْشٍ حَدَثٌ، وَأَخْبَرْتُهُمْ بِمَا رَأَيْتُ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بِلَادِنَا جَاءَنِي رَجُلٌ يُقَالَ لَهُ: أَحْمَدُ قَدْ بُعِثَ فَأَتَيْتُهُ فَأُخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ أَنَا النَّبِيُّ الْمُرْسَلُ إِلَى الْعِبَادِ كَافَّةً أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَآمُرُهُمْ بِحَقْنِ الدِّمَاءِ وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَعِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَفْضِ الْأَصْنَامِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فَمَنْ أَجَابَ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ عَصَى فَلَهُ النَّارُ فَآمِنْ بِاللَّهِ يَا عَمْرُو يُؤَمِّنْكَ اللَّهُ مِنْ هَوْلِ جَهَنَّمَ فَقُلْتُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَإِنْ رَغَمَ ذَلِكَ كَثِيرًا مِنَ الْأَقْوَامِ، ثُمَّ أَنْشَدْتُهُ أَبْيَاتًا قُلْتُهَا حِينَ سَمِعْتُ بِهِ وَكَانَ لَنَا صَنَمٌ وَكَانَ أَبِي سَادِنًا لَهُ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَكَسَرْتُهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِالنَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَا أَقُولُ شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ حَقٌّ وَأَنَّنِي لِآلِهَةِ الْأَحْجَارِ أَوَّلُ تَارِكِ وَشَمَّرْتُ عَنْ سَاقِ الْإِزَارِ مُهَاجِرًا إِلَيْكَ أَجُوبُ الْقَفْرَ بَعْدَ الدَّكَادِكِ لِأَصْحَبَ خَيْرَ النَّاسِ نَفْسًا وَوَالِدًا رَسُولَ مَلِيكِ النَّاسِ فَوْقَ الْحَبَائِكِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَرْحَبًا بِكَ يَا عَمْرُو بْنَ مُرَّةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْنِي إِلَى قَوْمِي لَعَلَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِي كَمَا مَنَّ عَلَيَّ بِكَ فَبَعَثَنِي إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ وَالْقَوْلِ السَّدِيدِ وَلَا تَكُنْ فَظًّا وَلَا مُتَكَبِّرًا وَلَا حَسُودًا فَذَكَرَ أَنَّهُ أَتَى قَوْمَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمُوا كُلُّهُمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا مِنْهُمْ، وَأَنَّهُ وَفَدَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَحَّبَ بِهِمْ وَحَيَّاهُمْ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، هَذِهِ نُسْخَتُهُ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتَابٍ صَادِقٍ، وَحَقٍّ نَاطِقٍ، مَعَ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ الْجُهَنِيِّ لِجُهَيْنَةَ بْنِ زَيْدٍ: إِنَّ لَكُمْ بُطُونَ الْأَرْضِ وَسُهُولَهَا وَتِلَاعَ الْأَوْدِيَةِ وَظُهُورَهَا، تَزْرَعُونَ نَبَاتَهُ وَتَشْرَبُونَ صَافِيَهَ عَلَى أَنْ تُقِرُّوا بِالْخُمْسِ، وَتُصَلُّوا صَلَاةَ الْخَمْسِ، وَفِي التَّبِيعَةِ وَالصُّرَيْمَةِ إِنِ اجْتَمَعَتَا شَاتَانِ، وَإِنْ تَفَرَّقَتَا شَاةٌ شَاةٌ، لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْمِيرَةِ صَدَقَةٌ وَلَا عَلَى الْوَارِدَةِ لَبْقَةٌ، وَشَهِدَ عَلَى نَبِيِّنَا ﷺ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِكِتَابِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ،
التاريخ 711لا حكم مسجّل
الرَّابِعُ: فِي أَنَّهَا أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِرِجَالٍ ثِقَاتٍ عَنْ بُرَيْكٍ ؓ قَالَ: خَدِيجَةُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ لَا بَأْسَ بِهِ عَنْ قَتَادَةَ بْنِ دُعَامَةَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ ؓ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- قَالَ: كَانَتْ خَدِيجَةُ أَوَّلَ النَّاسِ إِيمَانًا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: كَانَتْ خَدِيجَةُ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وَصَدَّقَ رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ. رَوَاهُمَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ. وَقَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ خَدِيجَةَ ؓ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْأَثِيرِ: خَدِيجَةُ أَوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ إِسْلَامًا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، لَمْ يَتَقَدَّمْهَا رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ، وَأَقَرَّهُ الْحَافِظُ النَّاقِدُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ، وَحَكَى الْإِمَامُ الثَّعْلَبِيُّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَهَا بَعْدُ. وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: إِنَّهُ الصَّوَابُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، قَالَ: فَخَفَّفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَانَ لَا يَسْمَعُ بِشَيْءٍ يَكْرَهُهُ مِنَ الرَّدِّ عَلَيْهِ، فَيَرْجِعُ إِلَيْهَا، فَتُثْبِتُهُ وَتُهَوِّنُ عَلَيْهِ. وَبَادَرَ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ لَهُ ﷺ صِدِّيقَةُ النِّسَاءِ: خديجة بنت خويلد ، وَقَامَتْ بِأَعْبَاءِ الصِّدِّيقِيِّةِ وَقَالَ لَهَا: ( لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي، فَقَالَتْ لَهُ: أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا ) ثُمَّ اسْتَدَلَّتْ بِمَا فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُخْزَى أَبَدًا، فَعَلِمَتْ بِكَمَالِ عَقْلِهَا وَفِطْرَتِهَا أَنَّ الْأَعْمَالَ الصِّالِحَةَ وَالْأَخْلَاقَ الْفَاضِلَةَ وَالشِّيَمَ الشِّرِيفَةَ تُنَاسِبُ أَشْكَالَهَا مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَلَا تُنَاسِبُ الْخِزْيَ وَالْخِذْلَانَ، وَإِنَّمَا يُنَاسِبُهُ أَضْدَادُهَا، فَمَنْ رَكَّبَهُ اللَّهُ عَلَى أَحْسَنِ الصِّفَاتِ، وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ إِنَّمَا يَلِيقُ بِهِ كَرَامَتُهُ وَإِتْمَامُ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ، وَمَنْ رَكَّبَهُ عَلَى أَقْبَحِ الصِّفَاتِ وَأَسْوَأِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ إِنَّمَا يَلِيقُ بِهِ مَا يُنَاسِبُهَا، وَبِهَذَا الْعَقْلِ وَالصِّدِّيقِيِّة اسْتَحَقَّتْ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهَا رَبُّهَا بِالسَّلَامِ مِنْهُ مَعَ رَسُولَيْهِ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ ﷺ.
التاريخ 712لا حكم مسجّل
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ، مِنْ طَرِيقِ سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا أُرْسِلَ بِهِ، وَجَلَسَ يُحَدِّثُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذْ مَرَّتْ خَدِيجَةُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: مَنْ هَذِهِ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ: هَذِهِ صِدِّيقَةُ أُمَّتِي قَالَ جِبْرِيلُ: مَعِي إِلَيْهَا رِسَالَةٌ مِنَ الرَّبِّ، عَزَّ وَجَلَّ، يُقْرِئُهَا السَّلَامَ، وَيُبَشِّرُهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، بَعِيدٍ مِنَ اللَّهَبِ، لَا نَصَبَ فِيهِ وَلَا صَخَبَ. قَالَتِ: اللَّهُ السَّلَامُ، وَمِنْهُ السَّلَامُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمَا، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، مَا ذَلِكَ الْبَيْتُ الَّذِي مِنْ قَصَبٍ ؟ قَالَ: لُؤْلُؤَةٌ جَوْفَاءُ بَيْنَ بَيْتِ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَبَيْتِ آسِيَةَ بِنْتِ مُزَاحِمٍ، وَهُمَا مِنْ أَزْوَاجِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَصْلُ السَّلَامِ عَلَى خَدِيجَةَ مِنَ اللَّهِ وَبِشَارَتِهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ، مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ، فِي " الصَّحِيحِ ".
التاريخ 702لا حكم مسجّل
مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ لَقَدْ سَبَقَ الْمَبْعَثَ النَّبَوِيَّ الْعَدِيدُ مِنَ الْبِشَارَاتِ بِقُرْبِ مَبْعَثِهِ ﷺ وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْبِشَارَاتُ عَلَى لِسَانِ الْعَدِيدِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا كَانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَةِ صَحْبِهِ وَبَلَدِ هِجْرَتِهِ. كَمَا جَاءَتْ بَعْضُ هَذِهِ الْبِشَارَاتِ عَلَى يَدِ بَعْضِ الْكُهَّانِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ يَسْتَرِقُ السَّمْعَ وَيَأْتِي بِخَبَرِ السَّمَاءِ قَبْلَ أَنْ يُمْنَعَ الْجِنُّ مِنْ ذَلِكَ بِمَبْعَثِهِ ﷺ. كَمَا كَانَ مِنْ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ وَبِدَايَةِ الْبِشَارَةِ أَنَّهُ ﷺ مَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ ﷺ «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ» كَمَا كَانَ ﷺ يَرَى الرُّؤْيَا فَتَقَعُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. هَذَا وَقَدْ كَانَ مَبْعَثُهُ ﷺ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً مِنْ عُمْرِهِ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَا ابْتُدِئَ بِهِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ حَتَّى جَاءَهُ جِبْرِيلُ فِي غَارِ حِرَاءَ ثُمَّ مَا كَانَ مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ ؓ، وَقَدْ خَشِيَ ﷺ عَلَى نَفْسِهِ فَذَهَبَتْ خَدِيجَةُ ؓ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى ابْنِ عَمِّهَا وَرَقَةَ وَقَدْ قَصَّ عَلَيْهِ ﷺ مَا حَصَلَ فَأَخْبَرَهُ وَرَقَةُ بِأَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِنَّمَا هُوَ النَّامُوسُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ الْوَحْيُ الَّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِهِ وَتَمَنَّى لَوْ أَبْقَاهُ اللَّهُ حَتَّى يَنْصُرَهُ وَيُؤَازِرَهُ. ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ حَتَّى ظَنَّ النَّبِيُّ ﷺ الظُّنُونَا وَكَادَ أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ حُزْنًا فَظَهَرَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَدِيجَةَ ؓ فَقَالَ زَمِّلُونِي، فَدَثَّرُوهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ قَرَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِسْرَافِيلَ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَةَ بَعْدَ الْكَلِمَةِ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ ثُمَّ قَرَنَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْوَاعَ الْوَحْيِ: مِنْهَا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، وَالنَّفْثُ فِي الرَّوْعِ، وَأَنْ يَأْتِيَهُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لَهُ الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُهُ، أَوْ يَأْتِيهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْوَحْيِ إِلَيْهِ ﷺ. هَذَا وَقَدْ كَانَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَآزَرَهُ زَوْجَتُهُ خَدِيجَةُ ؓ، وَقَدْ بَشَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ لَا نَصَبَ فِيهِ وَلَا وَصَبَ. وَقَدْ ظَلَّ النَّبِيُّ ﷺ مُنْذُ مَبْعَثِهِ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ يَحُوطُهُ أَبُو طَالِبٍ فِي ذَلِكَ وَيَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ، وَبِزَوْجَتِهِ خَدِيجَةَ حَيْثُ تُعِينُهُ بِمَالِهَا، فَلَمَّا تُوُفِّيَا بَدَأَتْ قُرَيْشٌ بِالتَّشْدِيدِ فِي إِيذَائِهِ ﷺ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ يَلْتَمِسُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَيُؤْوِيهِ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عِنْدَهُمْ خَيْرًا بَلْ كَانُوا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ صُدُودًا عَنْهُ وَكَانَ مِنْ أَشَدِّهِمْ عَبْدُ يَالِيلَ وَمَسْعُودٌ وَحَبِيبٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَقَدْ أَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ. وَفِي مَرْجِعِهِ مِنَ الطَّائِفِ صَرَفَ اللهُ إِلَيْهِ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ثُمَّ دَخَلَ مَكَّةَ ﷺ فِي جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ.
التاريخ 703لا حكم مسجّل
كِتَابُ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَذِكْرُ شَيْءٍ مِنَ الْبِشَارَاتِ بِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَكَانَتِ الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى وَالْكُهَّانُ مِنَ الْعَرَبِ قَدْ تَحَدَّثُوا بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُهُ أَمَّا الْأَحْبَارُ مِنَ الْيَهُودِ وَالرُّهْبَانُ مِنَ النَّصَارَى فَعَمَّا وَجَدُوا فِي كُتُبِهِمْ مَنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ زَمَانِهِ وَمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ إِلَيْهِمْ فِيهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الْآيَةَ [ اَلْأَعْرَافِ: 157 ] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ اَلصَّفِّ: 6 ] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ الْآيَةَ [ اَلْفَتْحِ: 29 ] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ آلِ عِمْرَانَ: 81 ] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أُمَّتِهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ، وَهُمْ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرُنَّهُ وَلَيَتَّبِعُنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ بَشَّرُوا وَأَمَرُوا بِاتِّبَاعِهِ. وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيمَا دَعَا بِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ الْآيَةَ [ اَلْبَقَرَةِ: 129 ] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو النَّضْرِ حَدَّثَنَا الْفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ حَدَّثَنَا لُقْمَانُ بْنُ عَامِرٍ سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ قَالَ: دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ مِثْلَهُ. وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ أَرَادَ بَدْءَ أَمْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ، وَاشْتِهَارَ ذِكْرِهِ وَانْتِشَارَهُ فَذَكَرَ دَعْوَةَ إِبْرَاهِيمَ الَّذِي تُنْسَبُ إِلَيْهِ الْعَرَبُ، ثُمَّ بُشْرَى عِيسَى الَّذِي هُوَ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ مَنْ بَيْنَهُمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَشَّرُوا بِهِ أَيْضًا. أَمَّا فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَقَدْ كَانَ أَمْرُهُ مَشْهُورًا مَذْكُورًا مَعْلُومًا مِنْ قَبْلِ خَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ هِلَالٍ السُّلَمِيِّ عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنْبِئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ، دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمَّيِ الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ تَرَيْنَ وَقَدْ رَوَاهُ اللَّيْثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، وَقَالَ: إِنَّ أُمَّهُ رَأَتْ - حِينَ وَضَعَتْهُ - نُورًا أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ مَيْسَرَةَ الْفَجْرِ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا ؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ تَفَرَّدَ بِهِنَّ أَحْمَدُ. وَقَدْ رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاهِينَ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - يَعْنِي أَبَا الْقَاسِمِ الْبَغَوِيَّ - حَدَّثَنَا أَبُو هَمَّامٍ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ ؟ قَالَ: بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَرَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ بِهِ. وَقَالَ وَآدَمُ مُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ. وَرُوِيَ عَنِ الْبَغَوِيِّ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْمِقْدَامِ عَنْ بَقِيَّةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ [ الْأَحْزَابِ: 7 ] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُنْتُ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ فِي الْخَلْقِ، وَآخِرَهُمْ فِي الْبَعْثِ وَمِنْ حَدِيثِ ابْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى كُنْتَ نَبِيًّا ؟ قَالَ: وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ. وَأَمَّا الْكُهَّانُ مِنَ الْعَرَبِ فَأَتَتْهُمْ بِهِ الشَّيَاطِينُ مِنَ الْجِنِّ مِمَّا تَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ، إِذْ كَانَتْ لَا تُحْجَبُ عَنْ ذَلِكَ بِالْقَذْفِ بِالنُّجُومِ وَكَانَ الْكَاهِنُ وَالْكَاهِنَةُ لَا يَزَالُ يَقَعُ مِنْهُمَا بَعْضُ ذِكْرِ أُمُورِهِ وَلَا يُلْقِي الْعَرَبُ لِذَلِكَ فِيهِ بَالًا حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَوَقَعَتْ تِلْكَ الْأُمُورُ الَّتِي كَانُوا يَذْكُرُونَ فَعَرَفُوهَا فَلَمَّا تَقَارَبَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَضَرَ زَمَانُ مَبْعَثِهِ حُجِبَتِ الشَّيَاطِينُ عَنِ السَّمْعِ، وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَقَاعِدِ الَّتِي كَانَتْ تَقْعُدُ لِاسْتِرَاقِ السَّمْعِ فِيهَا فَرُمُوا بِالنُّجُومِ فَعَرَفَتِ الْجِنُّ أَنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ حَدَثَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ وَفِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا [ اَلْجِنِّ: 1، 2 ] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِنَا التَّفْسِيرِ، وَكَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ الْآيَاتِ [ اَلْأَحْقَافِ: 29، 30 ] ذَكَرْنَا تَفْسِيرَ ذَلِكَ كُلِّهِ هُنَاكَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ أَوَّلَ الْعَرَبِ فَزِعَ لِلرَّمْيِ بِالنُّجُومِ حِينَ رُمِيَ بِهَا هَذَا الْحَيُّ مِنْ ثَقِيفٍ، وَأَنَّهُمْ جَاءُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالَ لَهُ: عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ أَحَدُ بَنِي عِلَاجٍ وَكَانَ أَدْهَى الْعَرَبِ وَأَنْكَرَهَا رَأْيًا فَقَالُوا لَهُ: يَا عَمْرُو أَلَمْ تَرَ مَا حَدَثَ فِي السَّمَاءِ مِنَ الْقَذْفِ بِهَذِهِ النُّجُومِ ؟ قَالَ: بَلَى فَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِمُ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَيُعْرَفُ بِهَا الْأَنْوَاءُ مِنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ لِمَا يُصْلِحُ النَّاسَ فِي مَعَايِشِهِمْ هِيَ الَّتِي يُرْمَى بِهَا فَهُوَ وَاللَّهِ طَيُّ الدُّنْيَا، وَهَلَاكُ هَذَا الْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا غَيْرَهَا، وَهِيَ ثَابِتَةٌ عَلَى حَالِهَا فَهَذَا لِأَمْرٍ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ هَذَا الْخَلْقَ فَانْظُرُوا مَا هُوَ ؟ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهَا: الْغَيْطَلَةُ كَانَتْ كَاهِنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ جَاءَهَا صَاحِبُهَا لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَانْقَضَّ تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَدْرِ مَا أَدْرِ يَوْمُ عَقْرٍ وَنَحْرٍ. قَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ بَلَغَهَا ذَلِكَ: مَا يُرِيدُ ؟ ثُمَّ جَاءَهَا لَيْلَةً أُخْرَى فَانْقَضَّ تَحْتَهَا، ثُمَّ قَالَ: شُعُوبٌ مَا شُعُوبٌ ؟ يُصْرَعُ فِيهِ كَعْبٌ لِجُنُوبٍ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا قَالُوا: مَاذَا يُرِيدُ ؟ إِنَّ هَذَا لِأَمْرٍ هُوَ كَائِنٌ فَانْظُرُوا مَا هُوَ فَمَا عَرَفُوهُ حَتَّى كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَأُحُدٍ بِالشِّعْبِ فَعَرَفُوا أَنَّهُ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى صَاحِبَتِهِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ نَافِعٍ الْجُرَشِيُّ أَنَّ جَنْبًا - بَطْنًا مِنَ الْيَمَنِ - كَانَ لَهُمْ كَاهِنٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمَّا ذُكِرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَانْتَشَرَ فِي الْعَرَبِ قَالَتْ لَهُ جَنْبٌ: انْظُرْ لَنَا فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ، وَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي أَسْفَلِ جَبَلِهِ فَنَزَلَ إِلَيْهِمْ حِينَ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَوَقَفَ لَهُمْ قَائِمًا مُتَّكِئًا عَلَى قَوْسٍ لَهُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ طَوِيلًا ثُمَّ جَعَلَ يَنْزُو، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ مُحَمَّدًا وَاصْطَفَاهُ وَطَهَّرَ قَلَبَهُ وَحَشَاهُ وَمُكْثُهُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ قَلِيلٌ، ثُمَّ اشْتَدَّ فِي جَبَلِهِ رَاجِعًا مِنْ حَيْثُ جَاءَ، ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ قِصَّةَ سَوَادِ بْنِ قَارِبٍ وَقَدْ أَخَّرْنَاهَا إِلَى هَوَاتِفِ الْجَانِّ. بَابُ: ذِكْرِ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: مَا زَالَتِ الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَ ظُهُورِ نَبِيِّنَا ﷺ وَعُلَمَاءُ الْكُتُبِ تَعِدُ بِهِ، حَتَّى كَانُوا يَقُولُونَ: قَدْ قَرُبَ زَمَانُهُ، وَفِي هَذَا الزَّمَانِ يَظْهَرُ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ قَالَ: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنَ الْيَهُودِ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ قَالَ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ [بِيَسِيرٍ] حَتَّى وَقَفَ عَلَى [مَجْلِسِ] بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ - قَالَ سَلَمَةُ: وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سِنًّا عَلَيَّ بُرْدَةٌ مُضْطَجِعٌ فِيهَا بِفِنَاءِ أَهْلِي - فَذَكَرَ الْبَعْثَ وَالْقِيَامَةَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ. فَقَالَ: ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ وَأَصْحَابِ أَوْثَانٍ لَا يَرَوْنَ أَنَّ الْبَعْثَ [كَائِنًا] بَعْدَ الْمَوْتِ. فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ، تَرَى هَذَا كَائِنًا بِأَنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ يُجْزَوْنَ [فِيهَا] بِأَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي نَحْلِفُ بِهِ لَوَدَّ أَنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَعْظَمُ تَنُّورٍ فِي الدُّنْيَا تُحْمُونَهُ ثُمَّ تُدْخِلُونَهُ إِيَّاهُ، فَتُطْبِقُونَهُ عَلَيْهِ، وَأَنْ تَنْجُوَا مِنْ بَيْنِ [تِلْكَ] النَّارِ غَدًا. قَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبِلَادِ. وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ. قَالُوا: وَمَتَى نَرَاهُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ وَأَنَا أَحْدَثُهُمْ سِنًّا فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِذْ هَذَا الْغُلَامُ عُمْرَهُ يُدْرِكْهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَوَ اللَّهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ ﷺ، وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَآمَنَّا بِهِ وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا. فَقُلْنَا: وَيْلَكَ يَا فُلَانُ، أَلَسْتَ الَّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: بَلَى وَلَيْسَ بِهِ. أَنْبَأَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ بِشْرَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ الدَّقَّاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْبَرَاءِ قَالَ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ غَانِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ: إِنَّ مِمَّا دَعَانَا إِلَى الْإِسْلَامِ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ إِيَّانَا وَهُدَاهُ لَمَا كُنَّا نَسْمَعُ مِنْ يَهُودَ، كُنَّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا: إِنَّهُ قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ، فَنَقْتُلَكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ، وَكُنَّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إِلَى اللَّهِ، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَاعَدُونَا، فَبَادَرْنَاهُمْ إِلَيْهِ، وَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرُوا، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَاتُ، وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ. وَعَنْ عَاصِمٍ عَنْ شَيْخٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ: قَالَ لِي: هَلْ تَدْرُونَ عَمَّا كَانَ إِسْلَامُ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَأُسَيْدِ بْنِ سَعِيدٍ، وَأَسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ، نَفَرٍ مِنْ بَنِي ذُهْلٍ أُخْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، كَانُوا مَعَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ ثُمَّ كَانُوا سَادَاتِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ، قُلْتُ: لَا أَدْرِي. قَالَ: فَإِنَّ رَجُلًا مِنْ يَهُودَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الْهَيَّبَانِ، قَدِمَ عَلَيْنَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِسِنِينَ، فَحَلَّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، لَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ كَانَ يُصَلِّي الْخَمْسَ أَفْضَلَ مِنْهُ، فَأَقَامَ عِنْدَنَا، فَكُنَّا إِذَا قَحَطَ عَنَّا الْمَطَرُ قُلْنَا لَهُ: اخْرُجْ يَا بْنَ الْهَيَّبَانِ فَاسْتَسْقِ لَنَا. فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ مَخْرَجِكُمْ صَدَقَةً [فَنَقُولُ لَهُ: كَمْ؟ فَيَقُولُ:] صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ مُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ: فَيُخْرَجُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَخْرُجُ بِنَا إِلَى ظَاهِرِ حَرَّتِنَا فَيَسْتَسْقِي لَنَا، فَوَ اللَّهِ مَا يَبْرَحُ مَجْلِسَهُ حَتَّى يَمُرَّ السَّحَابُ وَيُسْقَى، قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا. قَالَ: ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ عِنْدَنَا، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ مَيِّتٌ قَالَ، يَا مَعْشَرَ يَهُودَ مَا تَرَوْنَهُ أَخْرَجَنِي مِنْ أَرْضِ الْخَمْرِ وَالْخَمِيرِ إِلَى أَرْضِ الْجُوعِ وَالْبُؤْسِ؟ قَالَ: قُلْنَا: أَنْتَ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنِّي إِنَّمَا قَدِمْتُ هَذِهِ الْبَلْدَةَ أَتَوَكَّفُ خُرُوجَ نَبِيٍّ قَدْ أَظَلَّكُمْ [زَمَانُهُ، هَذِهِ الْبَلْدَةُ مُهَاجَرُهُ، فَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ يُبْعَثَ فَأَتَّبِعُهُ وَقَدْ أَظَلَّكُمْ] زَمَانُهُ فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ أَحَدٌ إِلَيْهِ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وَيَسْبِي الذَّرَارِيَّ وَالنِّسَاءَ، مِمَّنْ خَالَفَهُ فَلَا يَمْنَعَنَّكُمْ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ وَحَاصَرَ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةُ وَكَانُوا شَبَابًا أَحْدَاثًا: يَا بَنِي قُرَيْظَةَ، وَاللَّهِ إِنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي عَهِدَ إِلَيْكُمْ فِيهِ ابْنُ الْهَيَّبَانِ. قَالُوا: لَيْسَ بِهِ. قَالُوا: بَلَى وَاللَّهِ إِنَّهُ لَهُوَ بِصِفَتِهِ. فَنَزَلُوا فَأَسْلَمُوا فَأَحْرَزُوا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَهَالِيَهُمْ. وَمِنَ الْأَمَارَاتِ رَجْفَةٌ عَظِيمَةٌ أَصَابَتِ الشَّامَ قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: كَانَ الرُّهْبَانُ يَعُدُّونَهَا لِعَلَامَةِ ظُهُورِهِ، وَكَانُوا يَقُولُونَ إِنَّهُ شَابٌّ قَدْ دَخَلَ فِي الْكُهُولَةِ يَجْتَنِبُ الْمَحَارِمَ وَالْمَظَالِمَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَأْمُرُ بِصِلَتِهَا، وَهُوَ مُتَوَسِّطٌ فِي الْعَشِيرَةِ [صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ]. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ نَاصِرٍ [الْحَافِظُ] قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَحَامِلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ الْمَخْزُومِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ الْمَدَنِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ الْعَدَوِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ الضَّحَّاكِ الْحِزَامِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. حَضَرْتُ سُوقَ بُصْرَى، فَإِذَا بِرَاهِبٍ فِي صَوْمَعَتِهِ يَقُولُ: اسْأَلُوا أَهْلَ الْمَوْسِمِ، هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ؟ قَالَ طَلْحَةُ: فَقُلْتُ نَعَمْ أَنَا. قَالَ لِي: هَلْ ظَهَرَ بِمَكَّةَ بَعْدُ أَحْمَدُ؟ قُلْتُ: وَمَا أَحْمَدُ ؟ قَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَخْرَجُهُ مِنَ الْحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى نَخْلٍ وَحَرَّةٍ وَسِبَاخٍ. قَالَ طَلْحَةُ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَمِينُ تَنَبَّأَ، وَتَابَعَهُ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ. فَخَرَجْتُ حَتَّى أَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَأَخْبَرْتُهُ وَقُلْتُ لَهُ: هَلْ تَابَعْتَ الرَّجُلَ [قَالَ: نَعَمْ] فَانْطَلِقْ فَبَايِعْهُ، فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ ؓ مَعَهُ قَالَ طَلْحَةُ: فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرَ الرَّاهِبِ وَمَا قَالَ لِي. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي طَاهِرٍ الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلْمَانُ بْنُ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ تُبَّعٌ الْمَدِينَةَ وَنَزَلَ بِقَنَاةَ بَعَثَ إِلَى أَحْبَارِ يَهُودَ وَقَالَ: إِنِّي مُخَرِّبٌ هَذَا الْبَلَدَ حَتَّى لَا يَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةُ وَيَرْجِعَ الْأَمْرُ إِلَى [دِينِ] الْعَرَبِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ سَامُولٌ الْيَهُودِيُّ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَعْلَمُهُمْ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إِنَّ هَذَا بَلَدٌ يَكُونُ إِلَيْهِ مُهَاجَرَةُ نَبِيٍّ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، وَإِنَّ مَنْزِلَكَ هَذَا الَّذِي أَنْتَ بِهِ [يَكُونُ] مِنَ الْقَتْلَى وَالْجِرَاحِ أَمْرٌ كَثِيرٌ فِي أَصْحَابِهِ وَفِي عَدُوِّهِمْ قَالَ تُبَّعٌ: وَمَنْ يُقَاتِلُهُ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ نَبِيٌّ كَمَا تَزْعُمُونَ؟ قَالَ: يَسِيرُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ فَيَقْتَتِلُونَ هَاهُنَا. قَالَ: فَأَيْنَ قَبْرُهُ؟ قَالَ: بِهَذَا الْبَلَدِ، قَالَ: فَإِذَا قُوبِلَ فَلِمَنْ تَكُونُ الدَّبْرَةُ ؟ قَالَ: تَكُونُ لَهُ مَرَّةٌ وَعَلَيْهِ مَرَّةٌ، وَبِهَذَا الْمَكَانِ الَّذِي أَنْتَ بِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ، وَيُقْتَلُ بِهِ أَصْحَابُهُ مَقْتَلَةً لَمْ يُقْتُلُوا فِي مَوْطِنٍ، ثُمَّ يَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ، وَيَظْهَرُ وَلَا يُنَازِعُهُ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ أَحَدٍ. قَالَ: وَمَا صِفَتُهُ؟ قَالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَرْكَبُ الْبَعِيرَ، وَيَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، سَيْفُهُ عَلَى عَاتِقِهِ، لَا يُبَالِي مَنْ لَاقَى مِنْ أَخٍ، أَوِ ابْنِ عَمٍّ، أَوْ عَمٍّ، حَتَّى يَظْهَرَ أَمْرُهُ. قَالَ تُبَّعٌ: مَا إِلَى هَذِهِ الْبَلْدَةِ مِنْ سَبِيلٍ، وَمَا كَانَ لِيَكُونَ خَرَابُهَا إِلَّا عَلَى يَدَيَّ. فَخَرَجَ تُبَّعٌ مُنْصَرِفًا إِلَى الْيَمَنِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا أَعْلَمَ الْيَهُودِ، يَقُولُ: إِنِّي وَجَدْتُ سِفْرًا كَانَ يَخْتِمُهُ عَلَيَّ فِيهِ ذِكْرُ أَحْمَدَ، نَبِيٌّ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْقَرَظِ، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَتَحَدَّثَ بِهِ الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا بَعْدَ أَبِيهِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ [يَوْمَئِذٍ] لَمْ يُبْعَثْ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعُ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ [حَتَّى] عَمَدَ إِلَى ذَلِكَ السِّفْرِ فَمَحَاهُ، وَكَتَمَ شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَصِفَتَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ بِهِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ يَهُودُ قُرَيْظَةَ، وَالنَّضِيرِ، وَفَدَكَ، وَخَيْبَرَ، يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ، قُبَيْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَأَنَّ دَارَ هِجْرَتِهِ الْمَدِينَةُ. فَلَمَّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَتْ أَحْبَارُ الْيَهُودِ: وُلِدَ أَحْمَدُ اللَّيْلَةَ، هَذَا الْكَوْكَبُ قَدْ طَلَعَ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ قَالُوا: تَنَبَّأَ أَحْمَدُ، قَدْ طَلَعَ الْكَوْكَبُ، كَانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيُقِرُّونَ بِهِ وَيَصِفُونَهُ، وَمَا مَنَعَهُمْ مِنَ اتِّبَاعِهِ إِلَّا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ: وَحَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ حَبِيبٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا فِي عِيرٍ لَنَا إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا كُنَّا بَيْنَ الزَّرْقَاءِ وَمَعَانَ، وَقَدْ عَرَّسْنَا مِنَ اللَّيْلِ إِذَا بِفَارِسٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النِّيَامُ هُبُّوا فَلَيْسَ هَذَا بِحِينِ رُقَادٍ، قَدْ خَرَجَ أَحْمَدُ، وَطُرِّدَتِ الْجِنُّ كُلَّ مُطَرَّدٍ، فَفَزِعْنَا وَنَحْنُ رُفْقَةٌ [جَرَّارَةٌ] كُلُّهُمْ قَدْ سَمِعَ هَذَا، فَرَجَعْنَا إِلَى أَهْلِنَا فَإِذَا هُمْ يَذْكُرُونَ اخْتِلَافًا بِمَكَّةَ بَيْنَ قُرَيْشٍ بِنَبِيٍّ خَرَجَ فِيهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اسْمُهُ أَحْمَدُ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرُهُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: سَكَنَ يَهُودِيٌّ بِمَكَّةَ يَبِيعُ بِهَا تِجَارَاتٍ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قُرَيْشٍ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ مَوْلُودٍ وُلِدَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالُوا، لَا نَعْلَمُهُ، قَالَ: انْظُرُوا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَأَحْصُوا مَا أَقُولُ لَكُمْ: وُلِدَ اللَّيْلَةَ نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ: أَحْمَدُ، بِهِ شَامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ فِيهَا شَعَرَاتٌ. فَتَصَدَّعَ الْقَوْمُ مِنْ مَجَالِسِهِمْ وَهُمْ يَتَعَجَّبُونَ مِنْ حَدِيثِهِ، فَلَمَّا صَارُوا فِي مَنَازِلِهِمْ وَذَكَرُوا لِأَهَالِيهِمْ، فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ اللَّيْلَةَ غُلَامٌ سَمَّاهُ مُحَمَّدًا فَأَتَوُا الْيَهُودِيَّ فِي مَنْزِلِهِ، فَقَالُوا: أَعَلِمْتَ أَنَّهُ وُلِدَ فِينَا مَوْلُودٌ؟ فَقَالَ: أَبَعْدَ خَبَرِي أَمْ قَبْلَهُ؟ قَالُوا: قَبْلَهُ، وَاسْمُهُ أَحْمَدُ. قَالَ: فَاذْهَبُوا بِنَا إِلَيْهِ فَخَرَجُوا مَعَهُ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى أُمِّهِ فَأَخْرَجَتْهُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى شَامَةً فِي ظَهْرِهِ، فَغُشِيَ عَلَى الْيَهُودِيِّ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَخَرَجَ الْكِتَابُ مِنْهُمْ، وَهَذَا مَكْتُوبٌ يَقْتُلُهُمْ وَيَبُزُّ أَخْبَارَهُمْ، فَازَتِ الْعَرَبُ بِالنُّبُوَّةِ، أَفَرِحْتُمْ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكُمْ سَطْوَةً يَخْرُجُ نَبَؤُهَا مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. قَالَ: وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كَانَتِ الْعَرَبُ تَسْمَعُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمِنَ الْكُهَّانِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ مِنَ الْعَرَبِ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ، [فَسَمَّى مَنْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنَ الْعَرَبِ وَلَدَهُ مُحَمَّدًا] طَمَعًا فِي النُّبُوَّةِ. أَخْبَرَنَا أَبُو غَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ هَمَّامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَيْلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانَ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حَجَرٍ الشَّامِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مَنْصُورٍ الْأَنْبَارِيُّ، عَنْ غِيَاثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّقَاشِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَعْرِفُ الْمَارَّ ؟ قَالَ: فَمَنْ هُوَ؟ قَالَ: سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ، [وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ لَهُ فِيهِمْ شَرَفٌ وَمَوْضِعٌ، وَهُوَ الَّذِي أَتَاهُ رِيبَةٌ بِظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ. فَقَالَ عُمَرُ: عَلَيَّ بِهِ. فَدُعِيَ بِهِ، فَقَالَ، أَنْتَ سَوَادُ بْنُ قَارِبٍ؟] قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَنْتَ عَلَى مَا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ. فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَا اسْتَقْبَلَنِي بِهَذَا أَحَدٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ أَعْظَمَ مِمَّا كُنْتَ عَلَيْهِ مِنْ كَهَانَتِكَ، أَخْبِرْنِي بِإِشَارَاتٍ أَتَتْكَ بِظُهُورِ النَّبِيِّ [ ﷺ ]. قَالَ: نَعَمْ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَا أَنَا [ذَاتَ لَيْلَةٍ] بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ أَتَانِي آتٍ، فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: قُمْ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ [فَافْهَمْ] وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ [الْجِنِّيُّ] يَقُولُ: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَجْسَاسِهَا وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَحْلَاسِهَا تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا خَيْرُ الْجِنِّ كَأَرْجَاسِهَا فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَاسْمُ بِعَيْنَيْكَ إِلَى رَأْسِهَا قَالَ: فَلَمْ أَرْفَعْ لِقَوْلِهِ رَأْسًا، وَقُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ، فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا، فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ أَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ قُمْ فَافْهَمْ، وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، قَدْ بُعِثَ نَبِيٌّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ [الْجِنِّيُّ] يَقُولُ: [عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَتَطْلَابِهَا وَشَدِّهَا الْعِيسَ بِأَقْتَابِهَا] تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا صَادِقُ الْجِنِّ كَكَذَّابِهَا فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ لَيْسَ قُدَّامَاهَا كَأَذْنَابِهَا قَالَ: فَلَمْ أَرْفَعْ بِقَوْلِهِ رَأْسًا. فَقُلْتُ: دَعْنِي أَنَامُ فَإِنِّي أَمْسَيْتُ نَاعِسًا، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَتَانِي فَضَرَبَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يَا سَوَادُ بْنَ قَارِبٍ، قُمْ فَافْهَمْ وَاعْقِلْ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ، إِنَّهُ قَدْ بُعِثَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَإِلَى عِبَادَتِهِ، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ: عَجِبْتُ لِلْجِنِّ وَأَخْبَارِهَا وَشَدِّهَا الْعِيسَ بَأَكْوَارِهَا تَهْوِي إِلَى مَكَّةَ تَبْغِي الْهُدَى مَا مُؤْمِنُو الْجِنِّ كَكُفَّارِهَا فَارْحَلْ إِلَى الصَّفْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ بَيْنَ رَوَابِيهَا وَأَحْجَارِهَا قَالَ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي حُبُّ الْإِسْلَامِ، وَرَغِبْتُ فِيهِ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ شَدَدْتُ عَلَيَّ رَاحِلَتِي وَانْطَلَقْتُ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا كُنْتُ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ أُخْبِرْتُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْتُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. فَقِيلَ لِي: فِي الْمَسْجِدِ، فَأَتْيَتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَعَقَلْتُ نَاقَتِي، وَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَقُلْتُ: تَسْمَعُ مَقَالَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: ادْنُهْ ادْنُهْ، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى صِرْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: اسْمَعْ مَقَالَتِي يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: هَاتِ، فَأَخْبِرْنِي بِإِتْيَانِكَ رَئِيَّكَ. فَقُلْتُ: أَتَانِي نَجِيٌّ بَعْدَ هَدْءٍ وَرَقْدَةٍ وَلَمْ أَكُ فِيمَا قَدْ بَلَوْتُ بِكَاذِبِ ثَلَاثَ لَيَالٍ قَوْلُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ أَتَاكَ رَسُولٌ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ فَشَمَّرْتُ عَنْ ذَيْلِي الْإِزَارَ وَوَسَّطَتْ بِيَ الذِّعْلِبُ الْوَجْنَاءُ بَيْنَ السَّبَاسِبِ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَأَنَّكَ مَأْمُونٌ عَلَى كُلِّ غَائِبِ وَأَنَّكَ أَدْنَى الْمُرْسَلِينَ وَسِيلَةً إِلَى اللَّهِ يَا بْنَ الْأَكْرَمِينَ الْأَطَايِبِ فَمُرْنَا بِمَا يَأْتِيكَ يَا خَيْرَ مُرْسَلٍ وَإِنْ كَانَ فِيمَا جَاءَ شَيْبُ الذَّوَائِبِ وَكُنْ لِي شَفِيعًا يَوْمَ لَا ذُو شَفَاعَةٍ سِوَاكَ لَمُغْنٍ عَنْ سَوَادِ بْنِ قَارِبِ قَالَ: فَفَرِحَ رَسَوُلُ اللَّهِ ﷺ بِإِسْلَامِي فَرَحًا شَدِيدًا وَأَصْحَابُهُ حَتَّى رُئِيَ الْفَرَحُ فِي وُجُوهِهِمْ. قَالَ: فَوَثَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ فَالْتَزَمَهُ وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَ هَذَا مِنْكَ. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْحُصَيْنِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُذْهِبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا أَتَوْا كَاهِنَةً، فَقَالُوا: أَخْبِرِينَا بِأَقْرَبِنَا شَبَهًا بِصَاحِبِ هَذَا الْمَقَامِ. فَقَالَتْ: إِنْ أَنْتُمْ جَرَرْتُمْ كِسَاءً عَلَى هَذِهِ السَّهْلَةِ، ثُمَّ مَشَيْتُمْ عَلَيْهَا نَبَّأْتُكُمْ. فَجَرُّوا، ثُمَّ مَشَى النَّاسُ عَلَيْهَا، فَأَبْصَرَتْ أَثَرَ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَتْ: هَذَا أَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِهِ، فَمَكَثُوا بَعْدَ ذَلِكَ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بُعِثَ ﷺ. الْبَابُ التَّاسِعُ فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ الْأَحْبَارُ وَالرُّهْبَانُ وَالْكُهَّانُ بِأَنَّهُ النَّبِيُّ الْمَبْعُوثُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عَنْ سَلْمَانَ ؓ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَنْ أَهْلِ فَارِسَ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ أَهْلِ جَيٍّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ رَامَهُرْمُزَ، أَيْ رَئِيسَهَا، وَكَانَ يُحِبُّنِي حُبًّا شَدِيدًا، حَتَّى حَبَسَنِي فِي الْبَيْتِ كَمَا تُحْبَسُ الْجَارِيَةُ، وَاجْتَهَدْتُ فِي الْمَجُوسِيَّةِ حَتَّى كُنْتُ قَطَنَ النَّارِ، أَيْ خَازِنَهَا وَخَادِمَهَا. وَفِي لَفْظٍ: وَكَانَ أَهْلُ قَرْيَتِي يَعْبُدُونَ الْخَيْلَ الْبُلْقَ، فَكُنْتُ كَذَلِكَ لَا أَعْلَمَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا إِلَّا مَا أَنَا فِيهِ، وَأَعْرِفُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَكَانَ لِي أَخٌ أَكْبَرُ مِنِّي. وَفِي لَفْظٍ: ابْنُ صَاحِبِ رَامَهُرْمُزَ، فَكَانَ إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ خَرَجَ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ ثُمَّ صَعِدَ الْجَبَلَ، وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا، فَقُلْتُ: أَمَا إِنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، فَلِمَ لَا تَذْهَبُ بِي مَعَكَ؟ قَالَ: إِنَّكَ غُلَامٌ وَأَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ شَيْءٌ. قُلْتُ: لَا تَخَفْ. قَالَ: فَإِنَّ فِي هَذَا الْجَبَلِ قَوْمًا فِي بِرْطِيلٍ لَهُمْ عِبَادَةٌ وَصَلَاحٌ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى وَيَذْكُرُونَ الْآخِرَةَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّا عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَعَبَدَةُ النِّيرَانِ وَأَنَّا عَلَى غَيْرِ دِينٍ. قُلْتُ: فَاذْهَبْ بِي مَعَكَ. قَالَ: حَتَّى أَسْتَأْمِرَهُمْ وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ شَيْءٌ فَيَعْلَمُ أَبِي فَيَقْتُلَهُمْ فَيَجْرِي هَلَاكُهُمْ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ: قُلْتُ لَا يَظْهَرُ مِنِّي ذَلِكَ. فَاسْتَأْمَرَهُمْ. فَقَالُوا جِئْ بِهِ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَانْتَبَهْتُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا هُمْ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ، وَكَأَنَّ الرُّوحَ خَرَجَتْ مِنْهُمْ مِنَ الْعِبَادَةِ، يَصُومُونَ النَّهَارَ وَيَقُومُونَ اللَّيْلَ يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ وَمَا وَجَدُوا، فَقَعَدْنَا إِلَيْهِمْ فَحَمِدُوا اللَّهَ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ وَذَكَرُوا مَنْ مَضَى مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ حَتَّى خَلَصُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فَقَالُوا: بَعَثَهُ اللَّهُ وَوُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، بَعَثَهُ رَسُولًا وَسَخَّرَ لَهُ مَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَخَلْقِ الطَّيْرِ وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهِ وَالْأَبْرَصِ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ وَتَبِعَهُ قَوْمٌ، وَإِنَّمَا كَانَ عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ ابْتَلَى بِهِ خَلْقَهُ. ثُمَّ قَالُوا: يَا غُلَامُ إِنَّ لَكَ رَبًّا وَإِنَّ لَكَ مَعَادًا، وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً وَنَارًا إِلَيْهَا تَصِيرُ، وَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النِّيرَانَ أَهْلُ كُفْرٍ وَضَلَالَةٍ لَا يَرْضَى اللَّهُ بِمَا يَصْنَعُونَ، وَلَيْسُوا عَلَى دِينٍ. ثُمَّ انْصَرَفْنَا ثُمَّ عُدْنَا إِلَيْهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَأَحْسَنَ، فَلَزِمْتُهُمْ فَقَالُوا لِي: يَا سَلْمَانُ إِنَّكَ غُلَامٌ، وَإِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصْنَعَ مَا نَصْنَعُ، فَصَلِّ وَنَمْ وَكُلْ وَاشْرَبْ. قَالَ: فَاطَّلَعَ الْمَلِكُ عَلَى صَنِيعِ ابْنِهِ فَرَكِبَ فِي الْخَيْلِ حَتَّى أَتَاهُمْ فِي بِرْطِيلِهِمْ فَقَالَ: يَا هَؤُلَاءِ قَدْ جَاوَرْتُمُونِي فَأَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ وَلَمْ تَرَوْا مِنِّي سُوءًا فَعَمَدْتُمْ إِلَى ابْنِي فَأَفْسَدْتُمُوهُ عَلَيَّ قَدْ أَجَّلْتُكُمْ ثَلَاثًا، فَإِنْ قَدَرْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَحْرَقْتُ عَلَيْكُمْ بِرْطِيلَكُمْ هَذَا، فَالْحَقُوا بِبِلَادِكُمْ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مِنِّي إِلَيْكُمْ سُوءٌ. قَالُوا: نَعَمْ مَا تَعَمَّدْنَا مَسَاءَتَكَ، وَمَا أَرَدْنَا إِلَّا الْخَيْرَ. فَكَفَّ ابْنَهُ عَنْ إِتْيَانِهِمْ فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، إِنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ دِينُ اللَّهِ، وَإِنَّ أَبَاكَ وَنَحْنُ عَلَى غَيْرِ دِينٍ، إِنَّمَا هُمْ عَبَدَةُ النِّيرَانِ لَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ، وَلَا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَا غَيْرِكَ. قَالَ: يَا سَلْمَانُ هُوَ كَمَا تَقُولُ، وَإِنَّمَا أَتَخَلَّفُ عَنِ الْقَوْمِ بُقْيًا عَلَيْهِمْ، إِنْ تَبِعْتُ الْقَوْمَ طَلَبَنِي أَبِي فِي الْخَيْلِ، وَقَدْ جَزِعَ مِنْ إِتْيَانِي إِيَّاهُمْ حَتَّى طَرَدَهُمْ، وَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَيْدِيهِمْ. قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ. ثُمَّ لَقِيتُ أَخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَنَا مُشْتَغِلٌ بِنَفْسِي فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ. فَأَتَيْتُهُمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُرِيدُونَ أَنْ يَرْتَحِلُوا فِيهِ فَقَالُوا: يَا سَلْمَانُ قَدْ كُنَّا نَحْذَرُ فَكَانَ مَا رَأَيْتَ، فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّينَ مَا أَوْصَيْنَاكَ بِهِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ لَا يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَلَا يَذْكُرُونَهُ وَلَا يَخْدَعَنَّكَ أَحَدٌ عَنْ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ لِأَبِي ضَيْعَةٌ عَظِيمَةٌ فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ إِنِّي قَدْ شُغِلْتُ فِي بُنْيَانِي هَذَا الْيَوْمَ عَنْ ضَيْعَتِي، وَلَا بُدَّ لِي مِنَ اطِّلَاعِهَا، فَانْطَلِقْ إِلَيْهَا فَمُرْهُمْ بِكَذَا وَكَذَا وَلَا تَحْتَبِسُ عَنِّي تَشْغَلْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةِ النَّصَارَى فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: هَؤُلَاءِ النَّصَارَى يُصَلُّونَ. فَدَخَلْتُ أَنْظُرُ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ حَالِهِمْ، فَوَ اللَّهِ مَا زِلْتُ جَالِسًا عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَبَعَثَ أَبِي فِي طَلَبِي فِي كُلِّ وَجْهٍ حَتَّى جِئْتُهُ حِينَ أَمْسَيْتُ، وَلَمْ أَذْهَبْ إِلَى ضَيْعَتِهِ، فَقَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُقَالُ لَهُمُ النَّصَارَى فَأَعْجَبَنِي صَلَاتُهُمْ وَدُعَاؤُهُمْ فَجَلَسْتُ أَنْظُرُ كَيْفَ يَفْعَلُونَ: فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِمْ. فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِخَيْرٍ مِنْ دِينِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَيَدْعُونَهُ وَنَحْنُ إِنَّمَا نَعْبُدُ نَارًا نُوقِدُهَا بِأَيْدِينَا إِذَا تَرَكْنَاهَا مَاتَتْ. فَخَافَنِي فَجَعَلَ فِي رِجْلِي حَدِيدًا وَحَبَسَنِي عِنْدَهُ، فَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينَ الَّذِي أَرَاكُمْ عَلَيْهِ؟ قَالُوا بِالشَّامِ. فَقُلْتُ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ مِنْ هُنَاكَ نَاسٌ وَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ فَآذِنُونِي أَيْ أَعْلِمُونِي: فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ نَاسٌ وَقَضَوْا حَوَائِجَهُمْ بَعَثُوا إِلَيَّ بِذَلِكَ فَطَرَحْتُ الْحَدِيدَ الَّذِي كَانَ فِي رِجْلِي وَلَحِقْتُ بِهِمْ. ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ اطَّلَعَ عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ فِي الْجَبَلِ فَأَمَرَهُمْ بِالْخُرُوجِ مِنْ بِلَادِهِ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ. فَقَالُوا إِنَّكَ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ مَعَنَا نَحْنُ نَصُومُ النَّهَارَ وَنَقُومُ اللَّيْلَ وَنَأْكُلُ الشَّجَرَ وَمَا أَصَبْنَا، وَأَنْتَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ. قُلْتُ: لَا أُفَارِقُكُمْ. قَالُوا: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَدْ أَعْلَمْنَاكَ حَالَنَا فَإِذًا جِئْتَ. فَاطْلُبْ أَحَدًا يَكُونُ مَعَكَ وَاحْمِلْ مَعَكَ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، فَإِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَا نَسْتَطِيعُ نَحْنُ. فَفَعَلْتُ وَلَقِيتُ أَخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَأَبَى، فَأَتَيْتُهُمْ فَتَحَمَّلُوا، فَكَانُوا يَمْشُونَ وَأَمْشِي مَعَهُمْ، فَرَزَقَ اللَّهُ السَّلَامَةَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمَوْصِلَ، فَأَتَيْنَا بَيْعَةً بِالْمَوْصِلِ، فَلَمَّا دَخَلُوا حَفُّوا بِهِمْ وَقَالُوا: أَيْنَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا فِي بِلَادٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى عَبَدَةُ النِّيرَانِ، فَطَرَدُونَا فَقَدِمْنَا عَلَيْكُمْ. فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ قَالُوا: يَا سَلْمَانُ إِنَّ هَا هُنَا قَوْمًا فِي هَذِهِ الْجِبَالِ هُمْ أَهْلُ دِينٍ وَإِنَّا نُرِيدُ لِقَاءَهُمْ فَكُنْ أَنْتَ هَا هُنَا مَعَ هَؤُلَاءِ فَإِنَّهُمْ أَهْلُ دِينٍ وَسَتَرَى مِنْهُمْ مَا تُحِبُّ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ قَالَ: وَأَوْصَوْا بِي أَهْلَ الْبَيْعَةِ فَقَالَ أَهْلُ الْبَيْعَةِ: أَقِمْ مَعَنَا يَا غُلَامُ فَإِنَّهُ لَا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ بِبَيْعَتِنَا. قَالَ: قُلْتُ مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ. فَخَرَجُوا وَأَنَا مَعَهُمْ فَأَصْبَحْنَا بَيْنَ جِبَالٍ، فَإِذَا صَخْرَةٌ وَمَاءٌ كَثِيرٌ فِي جِرَارٍ وَخُبْزٌ كَثِيرٌ، فَقَعَدْنَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْجِبَالِ: يُخْرِجُ رَجُلٌ رَجُلًا مِنْ مَكَانِهِ، كَأَنَّ الْأَرْوَاحَ انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ حَتَّى كَثُرُوا فَرَحَّبُوا بِهِمْ وَحَفُّوا وَقَالُوا: أَيْنَ كُنْتُمْ؟ قَالُوا: كُنَّا بِبِلَادٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعَالَى، فِيهَا عَبَدَةُ النَّارِ وَمَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فِيهَا، فَطَرَدُونَا. فَقَالُوا: مَا هَذَا الْغُلَامُ؟ فَطَفِقُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ وَقَالُوا صَحِبَنَا مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ فَلَمْ نَرَ مِنْهُ إِلَّا خَيْرًا. قَالَ: فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمْ لَكَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنْ كَهْفٍ طِوَالٍ، فَجَاءَ حَتَّى سَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَجَلَسَ فَحَفُّوا بِهِ وَعَظَّمَهُ أَصْحَابِي الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ وَأَحْدَقُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ كُنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ. فَقَالَ: مَا هَذَا الْغُلَامُ مَعَكُمْ؟ فَأَثْنَوْا عَلَيَّ خَيْرًا وَأَخْبَرُوهُ بِاتِّبَاعِي إِيَّاهُمْ، وَلَمْ أَرَ مِثْلَ إِعْظَامِهِمْ إِيَّاهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ أَرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَمَا لَقُوا وَمَا صَنَعَ بِهِمْ حَتَّى ذَكَرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأَنَّهُ وُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا وَأَجْرَى عَلَى يَدَيْهِ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءَ الْأَعْمَى وَالْأَبْرَصِ، وَأَنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْإِنْجِيلَ وَعَلَّمَهُ التَّوْرَاةَ، وَبَعَثَهُ رَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ وَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ. وَذَكَرَ بَعْضَ مَا لَقِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ عَبْدًا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَشَكَرَهُ ذَلِكَ لَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ. ثُمَّ وَعَظَهُمْ وَقَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَالْزَمُوا مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى وَلَا تُخَالِفُوا فَيُخَالَفُ بِكُمْ. ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ فَقَالَ: يَا غُلَامُ إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنَّ تَكُونَ مَعِي، إِنِّي لَا أَخْرُجُ مِنْ كَهْفِي هَذَا إِلَّا كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ. قُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ. قَالَ: فَتَبِعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ الْكَهْفَ فَمَا رَأَيْتُهُ نَائِمًا وَلَا طَاعِمًا، إِلَّا رَاكِعًا وَسَاجِدًا إِلَى الْأَحَدِ الْآخَرِ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجْنَا وَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَتَكَلَّمَ نَحْوَ الْمَرَّةِ الْأُولَى ثُمَّ رَجَعَ إِلَى كَهْفِهِ وَرَجَعْتُ مَعَهُ. فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ، يَخْرُجُ كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ وَيَخْرُجُونَ إِلَيْهِ وَيَعِظُهُمْ، وَيُوصِيهِمْ. فَخَرَجَ فِي أَحَدٍ فَقَالَ مِثْلَ مَا كَانَ يَقُولُ ثُمَّ قَالَ: يَا هَؤُلَاءِ إِنِّي كَبِرَتْ سِنِّي وَرَقَّ عَظْمِي وَاقْتَرَبَ أَجَلِي وَإِنَّهُ لَا عَهْدَ لِي بِهَذَا الْبَيْتِ مِنْ مُنْذُ كَذَا كَذَا، وَلَا بُدَّ لِي مِنْ إِتْيَانِهِ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ. وَخَرَجْتُ مَعَهُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَدَخَلَ فَجَعَلَ يُصَلِّي، وَكَانَ فِيمَا يَقُولُ لِي: يَا سَلْمَانُ إِنَّ اللَّهَ سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُولًا اسْمُهُ أَحْمَدُ يَخْرُجُ بِتِهَامَةَ، وَإِنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ وَهَذَا زَمَانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ قَدْ تَقَارَبَ، فَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَلَا أَحْسِبُنِي أُدْرِكُهُ، فَإِذَا أَدْرَكْتَهُ أَنْتَ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ. قُلْتُ وَإِنْ أَمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعَلَى بَابِهِ مُقْعَدٌ، فَقَالَ: نَاوِلْنِي يَدَكَ. فَنَاوَلَهُ، فَقَالَ: قُمْ بِاسْمِ اللَّهِ. فَقَامَ كَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَخَلَّى عَنْ يَدِهِ، فَانْطَلَقَ ذَاهِبًا وَكَانَ لَا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ. فَقَالَ الْمُقْعَدَ: يَا غُلَامُ احْمِلْ عَلَيَّ ثِيَابِي حَتَّى أَنْطَلِقَ. فَحَمَلَتْ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ وَانْطَلَقَ الرَّاهِبُ. فَكُلَّمَا سَأَلْتُ عَنْهُ قَالُوا: أَمَامَكَ فَسِرْتُ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَقُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ هَذَا الدِّينِ؟ فَقِيلَ الْأُسْقُفُ صَاحِبُ الْكَنِيسَةِ، فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ فِي كَنِيسَتِكَ وَأَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا مَعَكَ وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ الْخَيْرَ. قَالَ: فَكُنْ مَعِي، فَكُنْتُ مَعَهُ، وَكَانَ رَجُلَ سُوءٍ، كَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا حَتَّى إِذَا جَمَعُوهَا إِلَيْهِ لَمْ يُعْطِهَا لِلْمَسَاكِينِ، فَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حَالِهِ، فَلَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا جَاءُوا لِيَدْفِنُوهُ قُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ، كَانَ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا حَتَّى إِذَا جَمَعْتُمُوهَا إِلَيْهِ اكْتَنَزَهَا وَلَمْ يُعْطِهَا لِلْمَسَاكِينِ، فَقَالُوا: وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ؟ قُلْتُ: أَنَا أُخْرِجُ لَكُمْ كَنْزَهُ. فَقَالُوا: هَاتِهِ. فَأَخْرَجْتُ لَهُمْ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةٍ ذَهَبًا وَوَرِقًا، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ رَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ وَقَالُوا: لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا فَصَلَبُوهُ عَلَى خَشَبَةٍ وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ. وَجَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ فَجَعَلُوهُ مَكَانَهُ، فَلَا وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ رَجُلًا قَطُّ يُصَلِّي الْخَمْسَ أَرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَشَدُّ اجْتِهَادًا وَلَا زَهَادَةً فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَدْأَبَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا مِنْهُ وَمَا أَعْلَمُنِي أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ حُبَّهُ، فَلَمْ أَزَلْ مَعَهُ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ لَهُ يَا فُلَانُ قَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَحْبَبْتُ شَيْئًا قَطُّ حُبَّكَ فَمَاذَا تَأْمُرُنِي وَإِلَى مَنْ تُوصِينِي؟ فَقَالَ لِي: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَجُلًا بِالْمَوْصِلِ فَائْتِهِ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِي. فَلَمَّا مَاتَ لَحِقْتُ بِالْمَوْصِلِ فَأَتَيْتُ صَاحِبَهُ فَوَجَدْتُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ مِنَ الِاجْتِهَادِ وَالزَّهَادَةِ فِي الدُّنْيَا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ أَنْ آتِيَكَ وَأَكُونَ مَعَكَ. فَقَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِ صَاحِبِهِ، حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ: إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَيْ بُنَيَّ إِلَّا رَجُلًا بِنَصِيبِينَ، وَهُوَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ فَالْحَقْ بِهِ. فَلَمَّا دَفَنَّاهُ لَحِقْتُ بِالْآخَرِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ وَفُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ. قَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ حَتَّى حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ إِنَّهُ قَدْ حَضَرَكَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا تَرَى، وَقَدْ كَانَ فُلَانٌ أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ وَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، وَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي. فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِعَمُورِيَّةَ مِنْ أَرْضِ الرُّومِ ائْتِهِ فَإِنَّكَ سَتَجِدُهُ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ. فَلَمَّا مَاتَ وَوَارَيْتُهُ خَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى صَاحِبِ عَمُورِيَّةَ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِمْ فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَتْ لِي غُنَيْمَةٌ وَبَقَرَاتٌ، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، فَقُلْتُ: يَا فُلَانُ إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، وَفُلَانٌ إِلَيْكَ وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِينِي؟ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ بَقِيَ أَحَدٌ عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِنَ الْحَرَمِ، مُهَاجَرُهُ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ إِلَى أَرْضٍ سَبْخَةٍ ذَاتِ نَخْلٍ، وَإِنَّ فِيهِ عَلَامَاتٍ لَا تَخْفَى: بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَخْلُصَ إِلَى تِلْكَ الْبِلَادِ فَافْعَلْ، فَإِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُهُ. فَلَمَّا وَارَيْنَاهُ أَقَمْتُ حَتَّى مَرَّتْ رِجَالٌ مِنْ تُجَّارِ الْعَرَبِ مِنْ كَلْبٍ، فَقُلْتُ لَهُمُ: احْمِلُونِي مَعَكُمْ حَتَّى تَقْدَمُوا بِي أَرْضَ الْعَرَبِ فَأُعْطِيكُمْ غُنَيْمَتِي هَذِهِ وَبَقَرَاتِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا فَحَمَلُونِي حَتَّى إِذَا جَاءُوا بِي وَادِيَ الْقُرَى ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي عَبْدًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِوَادِي الْقُرَى. فَوَ اللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّخْلَ وَطَمِعْتُ أَنْ تَكُونَ الْبَلَدَ الَّذِي نَعَتَ لِي صَاحِبِي، وَمَا خَفِيَتْ عَنِّي، حَتَّى قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ مِنْ يَهُودَ بِوَادِي الْقُرَى فَابْتَاعَنِي مِنْ صَاحِبِي الَّذِي كُنْتُ عِنْدَهُ، فَخَرَجَ بِي حَتَّى قَدِمَ بِيَ الْمَدِينَةَ. وَفِي لَفْظٍ: فَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ: اسْمُهَا خُلَيْسَةُ بِنْتُ فُلَانٍ حَلِيفِ بَنِي النَّجَّارِ. فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا عَرَفْتُهَا، فَعَرَفْتُ نَعْتَهُ فَأَقَمْتُ فِي رِقِّي مَعَ صَاحِبِي فِي نَخْلِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ مَكَثَ كَذَلِكَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. قَالَ: فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَفِيهَا إِذْ جَاءَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ، فَوَ اللَّهِ إِنَّهُمُ الْآنَ لَفِي قُبَاءٍ يَجْتَمِعُونَ عَلَى رَجُلٍ جَاءَهُمْ مِنْ مَكَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ. فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُهَا فَأَخَذَتْنِي الْعُرَوَاءُ يَعْنِي الرَّعْدَةَ حَتَّى ظَنَنْتُ لَأَسْقُطَنَّ عَلَى صَاحِبِي وَنَزَلْتُ أَقُولُ: مَا هَذَا الْخَبَرُ؟ مَا هُوَ؟ فَرَفَعَ مَوْلَايَ يَدَهُ فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: مَالَكَ وَلِهَذَا؟ أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. فَقُلْتُ: لَا شَيْءَ إِلَّا أَنَّنِي سَمِعْتُ خَبَرًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَهُ. فَخَرَجْتُ وَسَأَلْتُ فَلَقِيتُ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ بِلَادِي فَسَأَلْتُهَا، فَإِذَا أَهْلُ بَيْتِهَا قَدْ أَسْلَمُوا، فَدَلَّتْنِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمْسَيْتُ وَكَانَ عِنْدِي شَيْءٌ مِنْ طَعَامٍ فَحَمَلْتُهُ وَذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِقُبَاءٍ فَقُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَأَنَّ مَعَكَ أَصَحَابًا غُرَبَاءَ، وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ مِنْ هَذِهِ الْبِلَادِ فَهَا هُوَ ذَا فَكُلْ. فَأَمْسَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ وَقَالَ: لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ. فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ خَلَّةٌ مِمَّا وَصَفَ لِي صَاحِبِي. وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنَّ سَلْمَانَ جَاءَ بِمَائِدَةِ بَطٍّ وَفِي رِوَايَةٍ: بِلَحْمِ جَزُورٍ مَثْرُودٍ وَفِي رِوَايَةٍ: بِخَلَالٍ. فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ؟» قَالَ: صَدَقَةٌ عَلَيْكَ وَعَلَى أَصْحَابِكَ. قَالَ: «ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». وَجَاءَهُ مِنَ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ قَالَ: هَدِيَّةٌ لَكَ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «انْشَطُوا». وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ جَاءَهُ بِتَمْرٍ وَأَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ صَدَقَةٌ يَأْكُلُهُ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ فَجَمَعْتُ شَيْئًا كَانَ عِنْدِي ثُمَّ جِئْتُ بِهِ فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ وَلَيْسَتْ بِصَدَقَةٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ سَلْمَانُ: كُنْتُ عَبْدًا لِامْرَأَةٍ فَسَأَلْتُ سَيِّدَتِي أَنْ تَهَبَ لِي يَوْمًا، فَعَمِلْتُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى صَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ مِنْ تَمْرٍ، فَجِئْتُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَلَمَّا رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ سَأَلْتُ سَيِّدَتِي أَنْ تَهَبَ لِي يَوْمًا آخَرَ، فَعَمِلْتُ فِيهِ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ جِئْتُ بِهِ هَدِيَّةً لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَبِلَهُ وَأَكَلَ مِنْهُ. وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ أَتَى بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ. فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: هَذِهِ خَلَّتَانِ. ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَتْبَعُ جَنَازَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَلَيْهِ شَمْلَتَانِ وَهُوَ فِي أَصْحَابِهِ فَاسْتَدَرْتُ لِأَنْظُرَ الْخَاتَمَ الَّذِي فِي ظَهْرِهِ، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَدْبَرْتُهُ عَرَفَ أَنِّي اسْتَثْبَتُّ شَيْئًا قَدْ وُصِفَ لِي، فَرَفَعَ رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ كَمَا وَصَفَ لِي صَاحِبِي، فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ وَأَبْكِي، فَقَالَ: تَحَوَّلْ يَا سَلْمَانُ هَكَذَا فَتَحَوَّلْتُ فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ أَصْحَابُهُ حَدِيثِي. فَحَدَّثْتُهُ بِمَنْزِلِ كُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ ؓ فَقَالَ: حَدِّثْنِي. فَحَدَّثْتُهُ. ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرٌ وَأُحُدٌ.
التاريخ 704لا حكم مسجّل
وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ بَرَّةَ بِنْتِ أَبِي تِجْرَاةَ- بِكَسْرِ الْفَوْقَانِيَّةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ- قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَابْتَدَأَهُ بِالنُّبُوَّةِ كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتَّى لَا يَرَى بَيْتًا وَيُفْضِي إِلَى الشِّعَابِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ فَلَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَكَانَ يَلْتَفِتُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ وَخَلْفَهُ فَلَا يَرَى أَحَدًا. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ» . وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الْعَلَاءُ بْنُ جَارِيَةَ- بِجِيمٍ وَرَاءٍ- الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ وَاعِيَةً، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى كَرَامَتَهُ وَابْتَدَأَهُ بِالنُّبُوَّةِ كَانَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ أَبْعَدَ حَتَّى تُحْسَرُ عَنْهُ الْبُيُوتُ وَيُفْضِي إِلَى شِعَابِ مَكَّةَ وَأَوْدِيَتِهَا فَلَا يَمُرُّ بِحَجَرٍ وَلَا شَجَرٍ إِلَّا قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَيَلْتَفِتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَلْفَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا الشَّجَرَ وَمَا حَوْلَهُ مِنَ الْحِجَارَةِ وَهِيَ تُحَيِّيهِ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: يَا خَدِيجَةُ إِنِّي أَرَى ضَوْءًا وَأَسْمَعُ صَوْتًا لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أَكُونَ كَاهِنًا. قَالَتْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَ إِنَّكَ تَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتُؤَدِّي الْأَمَانَةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ. وَرَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً: سَبْعًا يَرَى الضَّوْءَ وَالنُّورَ وَيَسْمَعُ الصَّوْتَ، وَثَمَانِي سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ. وَقَالَ الْخَازِنُ: وَهَذَا إِنْ صَحَّ فَيُحْمَلُ عَلَى سَنَتَيْنِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فِيمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَرَاهُ مِنْ تَبَاشِيرِ النُّبُوَّةِ، وَثَلَاثِ سِنِينَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ قَبْلَ إِظْهَارِ الدَّعْوَةِ وَعَشْرِ سِنِينَ مُعْلِنًا بِالدَّعْوَةِ بِمَكَّةَ. تَنْبِيهَانِ الْأَوَّلُ: قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي بَعْضٍ الْمُسْنَدَاتِ: إِنَّ هَذَا الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ هُوَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ. وَهَذَا التَّسْلِيمُ الْأَظْهَرُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ حَقِيقَةً وَيَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْطَقَهُ إِنْطَاقًا، كَمَا خَلَقَ الْحَنِينَ فِي الْجِذْعِ. وَلِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ فِي الْمُعْجِزَاتِ. الثَّانِي: قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّمَا ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالرُّؤْيَا لِئَلَّا يَفْجَأَهُ الْمَلَكُ وَيَأْتِيَهُ بِصَرِيحِ النُّبُوَّةِ بَغْتَةً فَلَا تَحْمِلُهَا الْقُوَى الْبَشَرِيَّةُ، فَبُدِئَ بِأَوَائِلِ خِصَالِ النُّبُوَّةِ وَتَبَاشِيرِ الْكَرَامَةِ وَمِنْ صَدْقِ الرُّؤْيَا وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ رُؤْيَةِ الْضَوْءَةِ وَسَمَاعِ الصَّوْتِ وَتَسْلِيمِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ حَتَّى اسْتَشْعَرَ عَظِيمَ مَا يُرَادُ بِهِ وَاسْتَعَدَّ لِمَا يَنْتَظِرُهُ فَلَمْ يَأْتِهِ الْمَلَكُ إِلَّا بِأَمْرٍ عِنْدَهُ مُقَدَّمَاتُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 705لا حكم مسجّل
الْبَابُ الْخَامِسُ فِي قَدْرِ عُمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقْتَ بِعْثَتِهِ وَتَارِيخِهَا قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الصَّوَابُ أَنَّهُ ﷺ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ السَّيَرِ وَالْعِلْمِ بِالْأَثَرِ. وَحَكَى الْقَاضِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رِوَايَةً شَاذَّةً أَنَّهُ بُعِثَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْبُلْقِينِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَانَ سِنُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فِي غَارِ حِرَاءَ أَرْبَعِينَ سَنَةً عَلَى الْمَشْهُورِ. وَقِيلَ وَيَوْمًا. وَقِيلَ وَعَشَرَةَ أَيَّامٍ. وَقِيلَ وَشَهْرَيْنِ وَقِيلَ وَسَنَتَيْنِ وَقِيلَ وَثَلَاثَةً. وَقِيلَ وَخَمْسًا. قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ نَهَارًا. وَاخْتُلِفَ فِي الشَّهْرِ. فَقِيلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي سَابِعَ عَشْرِهِ وَقِيلَ سَابِعِهِ. وَقِيلَ رَابِعَ عَشْرِهِ. وَقَالَ الْحَافِظُ: وَرَمَضَانُ هُوَ الرَّاجِحُ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي جَاوَرَ فِيهِ فِي حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ سِنُّهُ حِينَئِذٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَقِيلَ فِي سَابِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَجَبٍ. وَقِيلَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ فِي ثَامِنِهِ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ مَا يَقْتَضِي أَنَّ مَجِيءَ جِبْرِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حِرَاءَ كَانَ فِي آخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَعَلَّهُ الرَّاجِحُ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. أخذ الله الميثاق على الأنبياء للإيمان بالنبي ﷺ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ تَسْلِيمًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَلَغَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعِينَ سَنَةً بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا، وَكَانَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى كُلِّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ قَبْلَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ لَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ، وَأَخَذَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا ذَلِكَ إلَى كُلِّ مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ، فَأَدَّوْا مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقِّ فِيهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي أَيْ ثِقَلَ مَا حَمَّلْتُكُمْ مِنْ عَهْدِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَأَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ جَمِيعًا بِالتَّصْدِيقِ لَهُ، وَالنَّصْرِ لَهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، وَأَدَّوْا ذَلِكَ إلَى مَنْ آمَنْ بِهِمْ وَصَدَّقَهُمْ مِنْ أَهْلِ هَذَيْنِ الْكِتَابَيْنِ.
التاريخ 706لا حكم مسجّل
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ الْوَحْيِ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ قَالَتْ عَائِشَةُ - ؓ: كَانَ أَوَّلَ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، كَانَتْ تَجِيءُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَكَانَ بِغَارِ حِرَاءَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى فَجْأَةِ الْحَقِّ، فَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ: فَجَثَوْتُ لِرُكْبَتِي ثُمَّ رَجَعْتُ تَرْجُفُ بَوَادِرِي، فَدَخَلْتُ عَلَى خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ! ثُمَّ ذَهَبَ عَنِّي الرَّوْعُ، ثُمَّ أَتَانِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: فَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَطْرَحَ نَفْسِي مِنْ حَالِقٍ، فَتَبَدَّى لِي حِينَ هَمَمْتُ بِذَلِكَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنَا جِبْرَائِيلُ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: اقْرَأْ. قُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ ؟ قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَتَّنِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدُ، ثُمَّ قَالَ: ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ )، فَقَرَأْتُ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلْتُ: لَقَدْ أَشْفَقْتُ عَلَى نَفْسِي، وَأَخْبَرْتُهَا خَبَرِي، فَقَالَتْ: أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتُؤَدِّي الْأَمَانَةَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتُقِرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِي إِلَى وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وَكَانَ قَدْ تَنَصَّرَ، وَقَرَأَ الْكُتُبَ، وَسَمِعَ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَقَالَتْ: اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ. فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ خَبَرِي. فَقَالَ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، لَيْتَنِي كُنْتُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ. قُلْتُ: أَمُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّهُ لَمْ يَجِئْ أَحَدٌ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَلَئِنْ أَدْرَكَنِي يَوْمُكَ لَأَنْصُرَنَّكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. وَقَالَ وَرَقَةُ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا مِنْهَا قَوْلُهُ: يَا لِلرِّجَالِ وَصَرْفِ الدَّهْرِ وَالْقَدَرِ وَمَا لِشَيْءٍ قَضَاهُ اللَّهُ مِنْ غِيَرِ حَتَّى خَدِيجَةُ تَدْعُونِي لِأُخْبِرَهَا أَمْرًا أَرَاهُ سَيَأْتِي النَّاسَ مِنْ أُخَرِ وَخَبَّرَتْنِي بِأَمْرٍ قَدْ سَمِعْتُ بِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ قَدِيمِ الدَّهْرِ وَالْعُصُرِ بِأَنَّ أَحْمَدَ يَأْتِيهِ وَيُخْبِرُهُ جِبْرِيلُ أَنَّكَ مَبْعُوثٌ إِلَى الْبَشَرِ فَقُلْتُ عَلَّ الَّذِي تَرْجِينَ يُنْجِزُهُ لَكِ الْإِلَهُ فَرَجِّي الْخَيْرَ وَانْتَظِرِي وَأَرْسِلِيهِ إِلَيْنَا كَيْ نُسَائِلَهُ عَنْ أَمْرِهِ مَا يَرَى فِي النَّوْمِ وَالسَّهَرِ فَقَالَ حِينَ أَتَانَا مَنْطِقًا عَجَبًا يَقِفُّ مِنْهُ أَعَالِي الْجِلْدِ وَالشَّعَرِ إِنِّي رَأَيْتُ أَمِينَ اللَّهِ وَاجَهَنِي فِي صُورَةٍ أُكْمِلَتْ مِنْ أَعْظَمِ الصُّوَرِ ثُمَّ اسْتَمَرَّ فَكَادَ الْخَوْفُ يُذْعِرُنِي مِمَّا يُسَلِّمُ مِنْ حَوْلِي مِنَ الشَّجَرِ فَقُلْتُ ظَنِّي وَمَا أَدْرِي أَيَصْدُقُنِي أَنْ سَوْفَ تُبْعَثُ تَتْلُو مُنْزَلَ السُّوَرِ وَسَوْفَ أُنْبِيكَ إِنْ أَعْلَنْتَ دَعْوَتَهُمْ مِنَ الْجِهَادِ بِلَا مَنٍّ وَلَا كَدِرِ. وَقَوْلُهُ: فَإِنْ يَكُ حَقًّا يَا خَدِيجَةُ فَاعْلَمِي حَدِيثُكِ إِيَّانَا فَأَحْمَدُ مُرْسَلُ وَجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ وَمِيكَالُ مَعْهُمَا مِنَ اللَّهِ وَحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلُ يَفُوزُ بِهِ مَنْ فَازَ فِيهَا بِتَوْبَةٍ وَيَشْقَى بِهِ الْغَالِي الْقَوِيُّ الْمُضَلَّلُ فَرِيقَانِ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ فِي جَنَانِهِ وَأُخْرَى بَأَحْوَازِ الْجَحِيمِ تُعَلَّلُ فَسُبْحَانَ مَنْ تَهْوِي الرِّيَاحُ بِأَمْرِهِ وَمَنْ هُوَ فِي الْأَيَّامِ مَا شَاءَ يَفْعَلُ وَمَنْ عَرْشُهُ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ كُلِّهَا وَأَقْضَاؤُهُ فِي خَلْقِهِ لَا تُبَدَّلُ وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ابْتُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالتَّنْزِيلِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ. وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حم وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَقَالَ تَعَالَى: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَذَلِكَ مُلْتَقَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ بِبَدْرٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، صَبِيحَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ تَتَامَّ الْوَحْيُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِاَللَّهِ مُصَّدِّقٌ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، قَدْ قَبِلَهُ بِقَبُولِهِ، وَتَحَمَّلَ مِنْهُ مَا حَمَلَهُ عَلَى رِضَا الْعِبَادِ وَسَخَطِهِمْ، وَالنُّبُوَّةُ أَثْقَالٌ وَمُؤْنَةٌ، لَا يَحْمِلُهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ بِهَا إلَّا أَهْلُ الْقُوَّةِ وَالْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيقِهِ، لَمَا يَلْقَوْنَ مِنْ النَّاسِ وَمَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ مِمَّا جَاءُوا بِهِ عَنْ اللَّهِ سُبْحَانِهِ وَتَعَالَى. قَالَ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، عَلَى مَا يَلْقَى مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْخِلَافِ وَالْأَذَى.
التاريخ 707لا حكم مسجّل
وَفَتَرَ الْوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُءُوسِ [شَوَاهِقِ] الْجِبَالِ فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ كَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ وَتَقِرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْيِ غَدَا بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذِرْوَةٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ عِيسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُظَفَّرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْفِرَبْرِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ قَالَهُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بَكْرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ [جَالِسٌ] عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَجُثِّيتُ مِنْهُ رُعْبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي [زَمِّلُونِي] فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ 74: 1. قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ: هَذَا حَدِيثٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَالَّذِي قَبْلَهُ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ مَوْلَى الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ خَدِيجَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: فِيمَا يُثْبِتُهُ فِيمَا أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ - يَا بْنَ عَمِّ، أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ إِذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَإِذَا جَاءَكَ فَأَخْبِرْنِي بِهِ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا خَدِيجَةُ، هَذَا جِبْرِيلُ. قَالَتْ: فَقُمْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى فَقَامَ فَجَلَسَ فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ إِلَى فَخِذِي الْيُمْنَى فَتَحَوَّلَ فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ نَعَمْ. [قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي. فَجَلَسَ فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ] فَأَلْقَتْ خِمَارَهَا وَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: لَا. قَالَتْ: يَا بْنَ عَمِّ اثْبُتْ وَأَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْبَزَّازُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ بْنُ حَيَّوَيْهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مَعْرُوفٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ بِالْحَجُونِ وَهُوَ مُكْتَئِبٌ حَزِينٌ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَرِنِي [الْيَوْمَ] آيَةً لَا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي بَعْدَهَا مِنْ قَوْمِي" فَإِذَا شَجَرَةٌ مِنْ قِبَلِ عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ فَنَادَاهَا فَجَاءَتْ تَشُقُّ الْأَرْضَ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَهَا فَرَجَعَتْ. فَقَالَ: "مَا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي بَعْدَهَا مِنْ قَوْمِي". أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ السَّمَّاكُ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الطَّيِّبِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ يُوسُفَ الْعَلَّافُ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ النَّجَّادُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو رَبِيعَةَ وَدَاوُدُ بْنُ شَبِيبٍ قَالُوا: أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عُمَرَ ؓ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَجُونِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَرِنِي آيَةً لَا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي بَعْدَهَا مِنْ قُرَيْشٍ فَقِيلَ لَهُ: ادْعُ هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَدَعَاهَا فَأَقْبَلَتْ تَجُرُّ عُرُوقَهَا تُقَطِّعُهَا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ تَجُزُّ الْأَرْضَ [حَتَّى] وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا تَشَاءُ؟ مَا تُرِيدُ؟ قَالَ: "ارْجِعِي إِلَى مَكَانِكِ" فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ: "وَاللَّهِ مَا أُبَالِي مَنْ كَذَّبَنِي مِنْ قُرَيْشٍ". [ فَتْرَةُ الْوَحْيِ وَنُزُولُ سُورَةِ الضُّحَى ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتْرَةً مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَحْزَنَهُ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الضُّحَى، يُقْسِمُ لَهُ رَبُّهُ، وَهُوَ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ، مَا وَدَّعَهُ وَمَا قَلَاهُ، فَقَالَ تَعَالَى: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى يَقُولُ: مَا صَرَمَكَ فَتَرَكَكَ، وَمَا أَبْغَضَكَ مُنْذُ أَحَبَّكَ. وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى أَيْ لِمَا عِنْدِي مِنْ مَرْجِعِكَ إلَيَّ، خَيْرٌ لَكَ مِمَّا عَجَّلْتَ لَكَ مِنْ الْكَرَامَةِ فِي الدُّنْيَا. وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى مِنْ الْفُلْجِ فِي الدُّنْيَا، وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى يُعَرِّفُهُ اللَّهُ مَا ابْتَدَأَهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، وَمَنِّهِ عَلَيْهِ فِي يُتْمِهِ وَعَيْلَتِهِ وَضَلَالَتِهِ، وَاسْتِنْقَاذِهِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بِرَحْمَتِهِ.
التاريخ 708لا حكم مسجّل
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إِسْرَافِيلُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَكَانَ يُعَلِّمُهُ الْكَلِمَةَ وَالشَّيْءَ، وَلَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلُ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ عِشْرِينَ سَنَةً، عَشْرًا بِمَكَّةَ وَعَشْرًا بِالْمَدِينَةِ، فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ إِسْرَافِيلَ قُرِنَ مَعَهُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو شَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ- أَيِ الْآتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ- لَا يُنَافِي هَذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ أَمْرِهِ الرُّؤْيَا، ثُمَّ وُكِّلَ بِهِ إِسْرَافِيلُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ يَخْلُو فِيهَا بِحِرَاءَ فَكَانَ يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَةَ بِسُرْعَةٍ وَلَا يُقِيمُ مَعَهُ تَدْرِيجًا وَتَمْرِينًا، إِلَى أَنْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ بَعْدَ مَا غَطَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَحَكَتْ عَائِشَةُ مَا جَرَى لَهُ مَعَ جِبْرِيلَ وَلَمْ تَحْكِ مَا جَرَى لَهُ مَعَ إِسْرَافِيلَ اخْتِصَارًا لِلْحَدِيثِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ وَقَفَتْ عَلَى قِصَّةِ إِسْرَافِيلَ. انْتَهَى. وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي حِكْمَةِ مَجِيءِ إِسْرَافِيلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ الْمُوَكَّلُ بِالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بُعِثَ قُرْبَ السَّاعَةِ وَكَانَتْ بِعْثَتُهُ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فَبُعِثَ إِسْرَافِيلُ لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَى نَبِيٍّ قَبْلَهُ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرَ الشَّعْبِيِّ وَقَالَ: لَمْ يَقْرِنْ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا جِبْرِيلُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْمُثْبَتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي إِلَّا إِنْ صَحِبَ النَّافِيَ دَلِيلُ نَفْيِهِ فَيُقَدَّمُ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَتَاوِيهِ: قَدْ وَرَدَ مَا يُوهِي أَثَرَ الشَّعْبِيِّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ فَرَفَعَ جِبْرِيلَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ لَمْ يَنْزِلْ إِلَى الْأَرْضِ قَطُّ. قَالَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيَتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهَا إِلَّا أُوتِيَتَهُ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّ هَذَا الْمَلَكُ إِسْرَافِيلُ. انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَجِبْرِيلَ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا جِبْرِيلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْسَى لِآلِ مُحَمَّدٍ سَفَّهُ دَقِيقٌ وَلَا كَفٌّ مِنْ سَوِيقٍ. فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ سَمِعَ هَدَّةً مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَرَ اللَّهُ الْقِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ أَمَرَ إِسْرَافِيلَ فَنَزَلَ إِلَيْكَ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَكَ فَأَتَاهُ إِسْرَافِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي إِلَيْكَ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْرِضَ إِلَيْكَ أُسَيِّرُ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُّدًا وَيَاقُوتًا وَذَهَبًا وَفِضَّةً. فَقُلْتُ: فَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا؟ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ تَوَاضَعَ. فَقَالَ بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا. ثَلَاثًا. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا الْمَلَكُ مَا نَزَلَ مُنْذُ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
التاريخ 709لا حكم مسجّل
الْبَابُ الْحَادِي عَشَرَ فِي أَنْوَاعِ الْوَحْيِ قَالَ الْعُلَمَاءُ ؓ: كَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ. الْأَوَّلُ: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي الْمَنَامِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ [الصَّافَّاتُ 102] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْوَحْيَ كَانَ يَأْتِيهِمْ فِي الْمَنَامِ كَمَا كَانَ يَأْتِيهِمْ فِي الْيَقَظَةِ. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: «رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ» وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. الثَّانِي: أَنْ يَنْفُثَ الْمَلَكُ فِي رُوعِهِ وَقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ، كَمَا قَالَ ﷺ: إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي: لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمَلُوا فِي الطَّلَبِ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَنْ يُنَالَ إِلَّا بِطَاعَتِهِ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقَنَاعَةِ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا [الشُّورَى 51]: هُوَ أَنْ يَنْفُثَ فِي رُوعِهِ بِالْوَحْيِ. قَالَ الْحَلِيمِيُّ: هَذَا هُوَ الْوَحْيُ الَّذِي يَخُصُّ الْقَلْبَ دُونَ السَّمْعِ. الثَّالِثُ: أَنْ يَأْتِيَهُ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيْهِ، فَيَتَلَبَّسُ بِهِ الْمَلَكُ حَتَّى إِنَّ جَبِينَهُ لِيَتَفَصَّدُ عَرَقًا فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ وَحَتَّى إِنَّ رَاحِلَتَهُ لَتَبْرُكُ عَلَى الْأَرْضِ. رَوَى الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ؓ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ ؓ سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ». وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «كَانَ الْوَحْيُ يَأْتِينِي عَلَى نَحْوَيْنِ: يَأْتِينِي بِهِ جِبْرِيلُ فَيُلْقِيهِ عَلَيَّ كَمَا يَلْقَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَذَاكَ يَتَفَلَّتُ مِنِّي، وَيَأْتِينِي فِي شَيْءٍ مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ حَتَّى يُخَالِطَ قَلْبِي فَذَاكَ لَا يَتَفَلَّتُ مِنِّي». قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْمَلَكَ قَدْ تَمَثَّلَ رَجُلًا فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ وَلَمْ يَتَفَلَّتْ مَا أَتَاهُ بِهِ، كَمَا فِي قِصَّةِ مَجِيئِهِ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ وَفِي صُورَةِ أَعْرَابِيٍّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكُلُّهَا فِي الصَّحِيحِ. الرَّابِعُ: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَا وَاسِطَةٍ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ فِي الْيَقَظَةِ كَمَا فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ. الْخَامِسُ: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كِفَاحًا بِغَيْرِ حِجَابٍ عَلَى الْقَوْلِ بِالرُّؤْيَةِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ. وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا النَّوْعِ شَيْءٌ فِيمَا أَعْلَمُ، نَعَمْ يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّ مِنْهُ آخَرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَبَعْضُ سُورَةِ الضُّحَى وَأَلَمْ نَشْرَحْ، فَقَدَ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأَلْتُ رَبِّي مَسْأَلَةً وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ اتَّخَذْتَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَكَلَّمْتَ مُوسَى تَكْلِيمًا، فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُ وَضَالًّا فَهَدَيْتُ وَعَائِلًا فَأَغْنَيْتُ، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ وَحَطَطْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ فَلَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي». السَّادِسُ: أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي النَّوْمِ، كَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ فَقَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى» وَيَأْتِي بِتَمَامِهِ فِي أَبْوَابِ مَنَامَاتِهِ. وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا سُورَةَ الْكَوْثَرِ لِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ بَصَرَهُ مُبْتَسِمًا فَقَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ إِلَى آخِرِهَا. وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَمَالِيهِ: فَهُمْ فَاهِمُونَ مِنَ الْأَحَادِيثِ أَنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ فِي تِلْكَ الْإِغْفَاءَةِ وَقَالُوا مِنَ الْوَحْيِ مَا كَانَ يَأْتِيهِ فِي النَّوْمِ لِأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ. قَالَ: وَهَذَا صَحِيحٌ لَكِنَّ الْأَشْبَهَ أَنْ يُقَالَ: الْقُرْآنُ كُلُّهُ نَزَلَ فِي الْيَقَظَةِ وَكَأَنَّهُ خَطَرَ لَهُ فِي النَّوْمِ سُورَةُ الْكَوْثَرِ الْمُنَزَّلَةِ فِي الْيَقَظَةِ، أَوْ عُرِضَ عَلَيْهِ الْكَوْثَرُ الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ السُّورَةُ فَقَرَأَهَا عَلَيْهِمْ وَفَسَّرَهَا لَهُمْ. قَالَ: وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ أُغْمِيَ عَلَيْهِ وَقَدْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي تَعْتَرِيهِ عِنْدَ نُزُولِ الْوَحْيِ وَيُقَالُ لَهَا بُرَحَاءُ الْوَحْيِ. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ فِي غَايَةِ الِاتِّجَاهِ، وَهُوَ الَّذِي كُنْتُ أَمِيلُ إِلَيْهِ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَالتَّأْوِيلُ الْأَخِيرُ أَصَحُّ مِنَ الْأَوَّلِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: أُنْزِلَ عَلَيَّ آنِفًا يَدْفَعُ كَوْنَهَا نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، بَلْ نَقُولُ: نَزَلَتْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَيْسَ الْإِغْفَاءُ إِغْفَاءَةَ نَوْمٍ بَلِ الْحَالَةُ الَّتِي كَانَتْ تَعْتَرِيهِ عِنْدَ الْوَحْيِ، فَقَدْ ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ كَانَ يُؤْخَذُ عَنِ الدُّنْيَا. انْتَهَى. السَّابِعُ: مَجِيءُ الْوَحْيِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ يَسْمَعُ عِنْدَ وَجْهِهِ كَدَوِيِّ النَّحْلِ». الثَّامِنُ: الْعِلْمُ الَّذِي يُلْقِيِهِ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ وَعَلَى لِسَانِهِ عِنْدَ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ. لِأَنَّهُ اتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ إِذَا اجْتَهَدَ أَصَابَ قَطْعًا وَكَانَ مَعْصُومًا عَنِ الْخَطَأِ وَهَذَا خَرْقٌ لِلْعَادَةِ فِي حَقِّهِ ﷺ دُونَ الْأُمَّةِ، وَهُوَ يُفَارِقُ النَّفْثَ فِي الرُّوعِ مِنْ حَيْثُ حُصُولُهُ بِالِاجْتِهَادِ وَالنَّفْثِ بِدُونِهِ. قَالَ فِي إِرْشَادِ السَّارِي: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ كَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ اجْتِهَادَهُ ﷺ وَالْوَحْيُ قِسْمَانِ. انْتَهَى. هَذَا مَا وَقَفَتْ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ الْوَحْيِ. وَأَمَّا صِفَةُ حَامِلِهِ: فَمَجِيءُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ يَتَنَاثَرُ مِنْ أَجْنِحَتِهِ اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً فِي السَّمَاءِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَمَرَّةً فِي الْأَرْضِ، كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْمِعْرَاجِ. وَمَجِيئُهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ شَدِيدٍ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدِ سَوَادِ الشَّعَرِ. وَفِي صُورَةِ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ. وَمَجِيئُهُ فِي صُورَةِ رَجُلٍ غَيْرِ دَحْيَةَ. نُزُوُلُ الْوَحْيِ عَلَى لِسَانِ مَلَكِ الْجِبَالِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي بَابِ سَفَرِهِ إِلَى الطَّائِفِ وَنُزُولِهِ عَلَى لِسَانِ إِسْرَافِيلَ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ.
التاريخ 710لا حكم مسجّل
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُدُوثِ الرُّجُومِ وَحَجْبِ الشَّيَاطِينِ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: أُوحِيَ أَخْبَرَتْ بِالْوَحْيِ إِلَيَّ أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ اسْتَمَعَ لِقُرْآنِي نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ جِنِّ نَصِيبِينَ أَوْ نِينَوَى، وَكَانُوا سَبْعَةً أَوْ تِسْعَةً وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الْأَحْقَافُ 29] وَالنَّفَرُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالْعَشَرَةِ. «فَقَالُوا» لِقَوْمِهِمْ لَمَّا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ هُوَ عَجَبٌ فِي نَفْسِهِ لِفَصَاحَةِ لَفْظِهِ وَحَسُنِ مَبَانِيهِ وَدِقَّةِ مَعَانِيهِ وَغَرَابَةِ أُسْلُوبِهِ وَبَلَاغَةِ مَوَاعِظِهِ وَكَوْنِهِ مُبَايِنًا لِسَائِرِ الْكُتُبِ، وَالْعَجَبُ مَا خَرَجَ عَنْ أَشْكَالِهِ وَنَظَائِرِهِ. "يَهْدِي" يَدْعُو إِلَى "الرُّشْدِ" الْإِيمَانِ وَالصَّوَابِ "فَآمَنَّا بِهِ" أَيِ الْقُرْآنِ. وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بِهِ مُتَضَمِّنًا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِوَحْدَانِيَّتِهِ وَبَرَاءَتِهِ مِنَ الشِّرْكِ. قَالُوا: "وَلَنْ نُشْرِكَ" بَعْدَ الْيَوْمِ "بِرَبِّنَا أَحَدًا. وَأَنَّهُ" الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ فِيهِ وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ بَعْدَهُ "تَعَالَى" تَعَاظَمَ "جَدُّ رَبِّنَا" جَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ عَمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ "مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً" زَوْجَةً "وَلَا وَلَدًا". بَيَانٌ ذَلِكَ كَأَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنَ الْقُرْآنِ مَا نَبَّهَهُمْ عَلَى خَطَأِ مَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وَاتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ. وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا جَاهِلُنَا إِبْلِيسُ أَوْ مَرَدَةُ الْجِنِّ. عَلَى اللَّهِ شَطَطًا غُلُوٌّ فِي الْكَذِبِ بِوَصْفِهِ بِالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ. ثُمَّ أَخَذُوا يَعْتَذِرُونَ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ لِلسَّفِيهِ فِي ذَلِكَ: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ مُخَفِّفَةٌ أَنَّهُ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ، حَتَّى تَبَيَّنَّا كَذِبَهُمْ بِذَلِكَ. وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ يَسْتَعِيذُونَ. بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ حِينَ يَنْزِلُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ بِمَكَانٍ مَخُوفٍ فَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ: أَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْمَكَانِ مِنْ شَرِّ سُفَهَائِهِ. "فَزَادُوهُمْ" بِعَوْذِهِمْ بِهِمْ "رَهَقًا" طُغْيَانًا، فَقَالُوا: سُدْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَأَنَّهُمْ أَيِ الْجِنُّ: ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ يَا إِنْسُ أَوْ بِالْعَكْسِ. وَالْآيَتَانِ مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَوِ اسْتِئْنَافٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ فَتَحَ "أَنَّ" فِيهِمَا جَعَلَهُمَا مِنَ الْمُوحَى بِهِ أَيْ: أَنَّهُ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ رَسُولًا. قَالَ الْجِنَّ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ طَلَبْنَا اسْتِرَاقَ السَّمْعِ مِنْهَا. وَاللَّمْسُ مُسْتَعَارٌ مِنَ الْمَسِّ لِلطَّلَبِ: فَوَجَدْنَاهَا صَادَفْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا حُرَّاسًا اسْمُ جَمْعٍ كَخَدَمٍ: شَدِيدًا قَوِيًّا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَمْنَعُونَهُمْ عَنْهَا وَشُهُبًا جَمْعُ شِهَابٍ وَهُوَ الْمُضِيءُ الْمُتَوَلِّدُ مِنَ النَّارِ: وَأَنَّا كُنَّا قَبْلَ مَبْعَثِهِ نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ خَالِيَةً عَنِ الْحَرَسِ وَالشُّهُبِ أَوْ صَالِحَةً لِلرَّصْدِ وَالِاسْتِمَاعِ لِلسَّمْعِ صِلَةُ نَقْعُدُ أَوْ صِفَةٌ لِمَقَاعِدَ. وَفَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ قُعُودِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ كَانُوا وَاحِدًا فَوْقَ وَاحِدٍ فَمَتَى احْتَرَقَ الْأَعْلَى طَلَعَ الَّذِي تَحْتَهُ مَكَانَهُ وَكَانُوا يَسْتَرِقُونَ الْكَلِمَةَ فَيُلْقُونَهَا إِلَى الْكُهَّانِ وَيَزِيدُونَ فِيهَا وَيَزِيدُ الْكَاهِنُ مِائَةَ كِذْبَةٍ. فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ ظَرْفٌ لِلْحَالِ وَيَسْتَمِعْ ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ فَاتُّسِعَ فِي الظَّرْفِ وَاسْتُعْمِلَ لِلِاسْتِقْبَالِ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا أَيْ: أَرُصِدَ لَهُ لِيُرْمَى بِهِ. هَذَا لِمَنِ اسْتَمَعَ وَأَمَّا السَّمْعُ فَقَدِ انْقَطَعَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشُّعَرَاءُ 212]. وَلَمَّا رَأَوْا مَا حَدَثَ مِنْ كَثْرَةِ الرَّجْمِ وَمَنْعِ الِاسْتِرَاقِ قَالُوا: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِعَدَمِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا خَيْرًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا سَمِعَتِ الْجِنُّ الْقُرْآنَ عَرَفَتْ أَنَّهَا مُنِعَتْ مِنَ السَّمْعِ قَبْلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُشْكِلَ الْوَحْيُ بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ فَيَلْتَبِسَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ لِوُقُوعِ الْحُجَّةِ وَقَطْعِ الشُّبْهَةِ. فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا ثُمَّ وَلَّوْا رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ مُخَوِّفِينَ قَوْمَهُمُ الْعَذَابَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وَكَانُوا يَهُودًا. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ الْإِسْلَامِ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ: طَرِيقَةٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الْإِيمَانِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أَيْ: بَعْضَهَا وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمَظَالِمَ لَا تُغْفَرُ بِالْإِيمَانِ. وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ مُؤْلِمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ [الْأَحْقَافُ: 32] أَيْ: لَا يُعْجِزُ اللَّهَ بِالْهَرَبِ مِنْهُ فَيَفُوتُهُ وَلَيْسَ لَهُ لِمَنْ لَا يُجِبْ مِنْ دُونِهِ أَيِ اللَّهِ أَوْلِيَاءُ أَنْصَارًا يَدْفَعُونَ عَنْهُ الْعَذَابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُجِيبُوا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بَيِّنٍ ظَاهِرٍ. لَطِيفَةٌ: مُنَاسِبَةُ سُورَةِ الْجِنِّ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا حُكِيَ تَمَادِيَ قَوْمِ نُوحٍ ﷺ فِي الْكُفْرِ وَعُكُوفِهِمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، كَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ آخَرَ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَالْعَرَبُ الَّذِينَ هُوَ مِنْهُمْ كَانُوا عُبَّادَ أَصْنَامٍ كَقَوْمِ نُوحٍ حَتَّى أَنَّهُمْ عَبَدُوا أَصْنَامًا مِثْلَ أَصْنَامِ أُولَئِكَ فِي الْأَسْمَاءِ، وَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، مِنَ الْقُرْآنِ هَادِيًا إِلَى الرُّشْدِ. وَقَدْ سَمِعَتْهُ الْعَرَبُ وَتَوَقَّفَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سُورَةَ الْجِنِّ إِثْرَ سُورَةِ نُوحٍ تَبْكِيتًا لِقُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ فِي كَوْنِهِمْ تَبَاطَأُوا عَنِ الْإِيمَانِ، إِذْ كَانَتِ الْجِنُّ خَيْرًا مِنْهُمْ وَأَقْبَلَ إِلَى الْإِيمَانِ، هَذَا وَهُمْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ ذَلِكَ فَعِنْدَ مَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَعْظَمُوهُ وَآمَنُوا بِهِ لِلْوَقْتِ وَعَرَفُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُكَذِّبُونَ لَهُ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاءِ فَيَسْتَمِعُونَ الْكَلِمَةَ مِنَ الْوَحْيِ فَيَهْبِطُونَ إِلَى الْأَرْضِ فَيَزِيدُونَ فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ فَمَنَعُوا تِلْكَ الْمَقَاعِدَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْلِيسَ فَقَالَ: لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ، فَبَعَثَهُمْ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتْلُوا الْقُرْآنَ قَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الْحَدَثُ. وَإِنَّهُمْ لَيُرْمَوْنَ فَإِذَا تَوَارَى النَّجْمُ عَنْكُمْ فَقَدْ أَدْرَكَهُ لَا يُخْطِئُ أَبَدًا وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ، يُحْرِقُ جَنْبَهُ وَجِهَةَ يَدِهِ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ قَالَ: كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنَ الْجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّمَاءِ يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ الْوَحْيَ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَةَ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ دُحِرُوا مِنْهُ، فَقَالَتِ الْعَرَبُ حِينَ لَمْ تُخْبِرْهُمُ الْجِنُّ: هَلَكَ أَهْلُ السَّمَاءِ. فَجَعَلَ صَاحِبُ الْإِبِلِ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ بَعِيرًا وَصَاحِبُ الْبَقَرِ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ بَقَرَةً وَصَاحِبُ الْغَنَمِ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً، وَقَالَ إِبْلِيسُ: لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ فَأْتُونِي مِنْ تُرْبَةِ كُلِّ أَرْضٍ. فَأَتَوْهُ بِهَا فَجَعَلَ يَشُمُّهَا فَلَمَّا شَمَّ تُرْبَةَ مَكَّةَ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا الْحَدَثُ فَنَصَتُوا فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بُعِثَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنْهُ قَالَ: لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ تُحْرَسُ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَانُوا يَقْعُدُونَ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ حُرِسَتِ السَّمَاءُ حَرَسًا شَدِيدًا وَرُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي تَنَبَّأَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِعَتِ الشَّيَاطِينُ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَرُمُوا بِالشُّهُبِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْلِيسَ فَقَالَ: بُعِثَ نَبِيٌّ عَلَيْكُمْ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ. فَذَهَبُوا ثُمَّ رَجَعُوا فَقَالُوا: لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ. فَخَرَجَ إِبْلِيسُ يَطْلُبُهُ بِمَكَّةَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِرَاءَ مُنْحَدِرًا مَعَهُ جِبْرِيلُ فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: قَدْ بُعِثَ أَحْمَدُ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؓ قَالَ: لَمْ يُرْمَ بِنَجْمٍ مُنْذُ رُفِعَ عِيسَى حَتَّى تَنَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَمْرًا لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَجَعَلُوا يُسَيِّبُونَ أَنْعَامَهُمْ وَيُعْتِقُونَ أَرِقَّاءَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ الْفَنَاءُ وَفَعَلَتْ ثَقِيفٌ مِثْلَ ذَلِكَ، فَبَلَغَ عَبْدَ يَالِيلَ فَقَالَ: لَا تَعْجَلُوا. وَانْظُرُوا فَإِنْ تَكُنْ نُجُومًا تُعْرَفُ فَهُوَ عِنْدَ فَنَاءٍ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا لَا تُعْرَفُ فَهُوَ عِنْدَ أَمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَا تُعْرَفُ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: هَذَا عِنْدَ ظُهُورِ نَبِيٍّ فَمَا مَكَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَدِمَ الطَّائِفَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: ظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَدَّعِي أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. فَقَالَ عَبْدُ يَالِيلَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رُمِيَ بِهَا. عَبْدُ يَالِيلَ- بِمُثَّنَاتَيْنِ تَحْتِيَّتَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى، وَذَكَرُهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَنْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَتِ النُّجُومُ لَا يُرْمَى بِهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ فَرُمِيَ بِهَا فَسَيَّبُوا أَنْعَامَهُمْ وَأَعْتَقُوا رَقِيقَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ يَالِيلَ: انْظُرُوا. وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ الْعَرَبِ فَزِعَ لِرَمْيِ النُّجُومِ ثَقِيفٌ فَأَتَوْا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَحَدَ بَنِي عِلَاجٍ فَقَالُوا: أَلَمْ تَرَ مَا حَدَثَ؟ قَالَ: بَلَى، فَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِمُ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا وَيُعْرَفُ بِهَا أَنْوَاءُ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ انْتَثَرَتْ فَهِيَ طَيُّ الدُّنْيَا وَذَهَابُ هَذَا الْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا غَيْرَهَا فَأَمْرٌ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَبِيٌّ يُبْعَثُ فِي الْعَرَبِ. فَقَدْ تَحَدَّثَ بِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ هَذَا. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْوَحْيُ يُسْتَمَعُ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ مُنِعُوا وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا سَعِيرٌ لَهَا تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ فَلَمَّا رَأَى الْوَحْيَ لَا يُسْتَطَاعُ أَتَاهَا فَدَخَلَ فِي صَدْرِهَا وَجَعَلَ يَصِيحُ: وُضِعُ الْعِنَاقُ وَرُفِعَ الشِّقَاقُ وَجَاءَ أَمْرٌ لَا يُطَاقُ، أَحْمَدُ حَرَّمَ الزِّنَا. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ فِي الْفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلَا تُرْمَى فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ. وَرَوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُجَاهِدٍ. وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ. وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَطَرٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ يَسْتَمِعُونَ الْوَحْيَ قَالُوا: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مُنِعُوا فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى إِبْلِيسَ فَقَالَ: لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ. فَرَقَى فَوْقَ أَبِي قُبَيْسٍ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي خَلْفَ الْمَقَامِ فَقَالَ: أَذْهَبُ فَأَكْسِرُ عُنُقَهُ. فَجَاءَ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ فَأَلْقَاهُ بِوَادِي الْأُرْدُنِّ. وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ فِي الْهَوَاتِفِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ حَدَّثَ عَنْ بَدْءِ إِسْلَامِهِ فَقَالَ: إِنِّي لِأَسِيرٍ بِرَمْلٍ عَالِجٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ غَلَبَنِي النَّوْمُ وَنِمْتُ فَنَزَلْتُ عَنْ رَاحِلَتِي وَأَنَخْتُهَا وَنِمْتُ وَقَدْ تَعَوَّذْتُ قَبْلَ نَوْمِي. فَقُلْتُ أُعُوذُ بِعَظِيمِ هَذَا الْوَادِي مِنَ الْجِنِّ. فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي رَجُلًا بِيَدِهِ حَرْبَةٌ يُرِيدُ أَنْ يَضَعَهَا فِي نَحْرِ نَاقَتِي، فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا فَنَظَرْتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَقُلْتُ. هَذَا حُلْمٌ. ثُمَّ عُدْتُ فَغَفَوْتُ فَرَأَيْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَانْتَبَهْتُ فَدُرْتُ حَوْلَ نَاقَتِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَإِذَا نَاقَتِي تُرْعِدُ، ثُمَّ غَفَوْتُ فَرَأَيْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَانْتَبَهْتُ فَرَأَيْتُ نَاقَتِي تَضْطَرِبُ وَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بَرْجَلٍ شَابٍّ كَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ وَرَجُلٌ شَيْخٌ مُمْسِكٌ بِيَدِهِ يَرُدُّهُ عَنْهَا، فَبَيْنَمَا هَمَّا يَتَنَازَعَانِ إِذْ طَلَعَتْ ثَلَاثَةُ أَثْوَارٍ مِنَ الْوَحْشِ فَقَالَ الشَّيْخُ لِلْفَتَى: قُمْ فَخُذْ أَيَّهَا شِئْتَ فَدَاءً لِنَاقَةِ جَارِي الْإِنْسِيِّ. فَقَامَ الْفَتَى فَأَخَذَ مِنْهَا ثَوْرًا وَانْصَرَفَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ الشَّيْخُ وَقَالَ: يَا فَتًى إِذَا نَزَلْتَ وَادِيًا مِنَ الْأَوْدِيَةِ فَخِفْتَ هَوْلَهُ فَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ مِنْ هَوْلِ هَذَا الْوَادِي. وَلَا تَعُذْ بِأَحَدٍ مِنَ الْجِنِّ فَقَدْ بَطَلَ أَمْرُهَا. فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَبِيٌّ عَرَبِيٌّ لَا شَرْقِيٌّ وَلَا غَرْبِيٌّ، بُعِثَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. قُلْتُ: أَيْنَ مَسْكَنُهُ؟ قَالَ: يَثْرِبُ. ذَاتُ النَّخْلِ. فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي حِينَ بَرَقَ لِيَ الصُّبْحُ وَجَدَّيْتُ السَّيْرَ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَنِي قَبْلَ أَنْ أَذْكُرَ لَهُ شَيْئًا وَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمْتُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ: «مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي هَذَا النَّجْمِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنَّا نَقُولُ حِينَ رَأَيْنَاهَا يُرْمَى بِهَا: مَاتَ مَلِكٌ، مَلَكَ مَلِكٌ، وُلِدَ مَوْلُودٌ مَاتَ مَوْلُودٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَانَ إِذَا قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا سَمِعَهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ فَسَبَّحَ مَنْ تَحْتَهُمْ لِتَسْبِيحِهِمْ، فَسَبَّحَ مَنْ تَحْتَ ذَلِكَ، فَلَا يَزَالُ التَّسْبِيحُ يَهْبِطُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسَبِّحُوا. ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مِمَّ سَبَّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: سَبَّحَ مَنْ فَوْقَنَا فَسَبَّحْنَا لِتَسْبِيحِهِمْ فَيَقُولُونَ: أَلَا تَسْأَلُونَ مَنْ فَوْقَكُمْ مِمَّ سَبَّحُوا؟ فَيَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَيُقَالُ لَهُمْ: مِمَّ سَبَّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ فَيَهْبِطُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَتَحَدَّثُونَ بِهِ، فَتَسْرِقُهُ فَتَسْتَرِقُهُ الشَّيَاطِينُ بِالسَّمْعِ عَلَى تَوَهُّمٍ وَاخْتِلَافٍ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِهِ الْكُهَّانَ فَيُحَدِّثُونَهُمْ فَيُخَطِّئُونَ بَعْضًا ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَجَبَ الشَّيَاطِينَ بِهَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُقْذَفُونَ بِهَا فَانْقَطَعَتِ الْكِهَانَةُ الْيَوْمَ فَلَا كِهَانَةَ». وَيُرْوَى عَنْ لُهَيْبِ بْنِ مَالِكٍ اللَّهْبِيِّ قَالَ: حَضَرْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي نَحْنُ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ حِرَاسَةَ السَّمَاءِ وَالشَّيَاطِينَ وَمِنْهُمْ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَذْفِ النُّجُومِ، وَذَلِكَ أَنَّا اجْتَمَعْنَا إِلَى كَاهِنٍ يُقَالُ لَهُ خَطَرُ بْنُ مَالِكٍ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً فَقُلْنَا: يَا خَطَرُ هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِ هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا فَإِنَّا قَدْ فَزِعْنَا لَهَا وَخِفْنَا سُوءَ عَاقِبَتِهَا. فَقَالَ: ائْتُونِي بِسَحَرٍ، أُخْبِرُكُمُ الْخَبَرَ، الْخَيْرُ أَمِ الضَّرَرُ وَالْأَمْنُ أَمِ الْحَذَرُ. قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ يَوْمَنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ فِي وَجْهِ السَّحَرِ أَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَادَيْنَاهُ: يَا خَطَرُ يَا خَطَرُ. فَأَوْمَأَ إِلَيْنَا أَنْ أَمْسِكُوا فَأَمْسَكْنَا، فَانْقَضَّ نَجْمٌ عَظِيمٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَصَرَخَ الْكَاهِنُ رَافِعًا صَوْتَهُ. أَصَابَهُ أَصَابَهُ خَامَرَهُ عِقَابَهُ عَاجَلَهُ عَذَابَهُ أَحْرَقَهُ شِهَابُهُ زَايَلَهُ جَوَابُهُ يَا وَيْحَهُ مَا حَالُهُ بَلْبَلَهُ بَلْبَالُهُ عَاوَدَهُ خَبَالُهُ تَقَطَّعَتْ حِبَالُهُ وَغُيِّرَتْ أَحْوَالُهُ ثُمَّ أَمْسَكَ طَوِيلًا وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي قَحْطَانِ أُخْبِرُكُمْ بِالْحَقِّ وَالْعِيَانِ أَقْسَمْتُ بِالْكَعْبَةِ ذَاتِ الْأَرْكَانِ [وَالْبَلَدِ] الْمُؤْتَمَنِ السُّدَّانِ لَقَدْ مُنِعَ السَّمْعَ عُنَاةُ الْجَانِّ بِثَاقِبٍ بِكَفِّ ذِي سُلْطَانِ مِنْ أَجْلِ مَبْعُوثٍ عَظِيمِ الشَّانِ يُبْعَثُ بِالتَّنْزِيلِ وَالْقُرْآنِ وَبِالْهُدَى وَفَاصِلِ الْفُرْقَانِ تَبْطُلُ بِهِ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ فَقُلْنَا: يَا خَطَرُ مَا تَرَى لِقَوْمِكَ؟ فَقَالَ: أَرَى لِقَوْمِي مَا أَرَى لِنَفْسِي أَنْ يُتْبِعُوا خَيْرَ بَنِي الْإِنْسِ بُرْهَانُهُ مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ يُبْعَثُ فِي مَكَّةَ دَارِ الْحُمْسِ بِمُحْكَمِ التَّنْزِيلِ غَيْرِ اللَّبْسِ فَقُلْنَا: يَا خَطَرُ وَمِمَّنْ هُوَ؟ فَقَالَ: وَالْحَيَاةِ وَالْعَيْشِ، إِنَّهُ لَمِنْ قُرَيْشِ، مَا فِي حُكْمِهِ طَيْشٌ، وَلَا فِي خُلُقِهِ هَيْشٌ، يَكُونُ فِي جَيْشٍ وَأَيِّ جَيْشٍ، مِنْ آلِ قَحْطَانَ وَآلِ أَيْشِ. فَقُلْنَا: بَيِّنْ لَنَا مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ هُوَ؟ فَقَالَ: وَالْبَيْتِ ذِي الدَّعَائِمِ، إِنَّهُ لِمَنْ نَجْلِ هَاشِمِ، مِنْ مَعْشَرٍ أَكَارِمِ، يُبْعَثُ بِالْمَلَاحِمِ، وَقَتْلِ كُلِّ ظَالِمِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْبَيَانُ أَخْبَرَنِي بِهِ رَئِيسُ الْجَانِّ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرْ. وَانْقَطَعَ عَنِ الْجِنِّ الْخَبَرْ، ثُمَّ سَكَتَ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَمَا أَفَاقَ إِلَّا بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ نَطَقَ عَنْ مِثْلِ نُبُوَّةٍ وَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً». رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ. وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَفِيمَا ذُكِرَ كِفَايَةٌ.
التاريخ 713لا حكم مسجّل
أَوَائِلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصَّحَابَةِ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النِّسَاءِ وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ ؓ كَمَا أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ ؓ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمَوَالِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ؓ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ تَبِعَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ الصَّحَابَةُ وَقَدْ أَسْلَمَ عَدَدٌ مِنْهُمْ عَلَى يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ؓ مِنْهُمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَسَعْدٌ وَغَيْرُهُمْ ؓ جَمِيعًا، كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ قَامَ خَطِيبًا مُظْهِرًا لِدِينِهِ حَتَّى أُوذِيَ فِي اللَّهِ وَضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا ثُمَّ أَسْلَمَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَأَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ.
التاريخ 714لا حكم مسجّل
ذِكْرُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ؓ أَوَّلُ ذَكَرٍ أَسْلَمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ مِنْ النَّاسِ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَلَّى مَعَهُ وَصَدَّقَ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ. [ نَشَأَتْهُ فِي حِجْرِ الرَّسُولِ ﷺ وَسَبَبُ ذَلِكَ ] وَكَانَ مِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ ( بِهِ ) عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، أَنَّهُ كَانَ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهَدِ بْنِ جَبْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ قَالَ: كَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُ، وَأَرَادَهُ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ، أَنَّ قُرَيْشًا أَصَابَتْهُمْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ عَمِّهِ، وَكَانَ مِنْ أَيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ، يَا عَبَّاسُ: إنَّ أَخَاكَ أَبَا طَالِبٍ كَثِيرُ الْعِيَالِ، وَقَدْ أَصَابَ النَّاسَ مَا تَرَى مِنْ هَذِهِ الْأَزْمَةِ، فَانْطَلِقْ بِنَا إلَيْهِ، فَلْنُخَفِّفْ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وَتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا، فَنَكِلُهُمَا عَنْهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: نَعَمْ. فَانْطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أَبَا طَالِبٍ، فَقَالَا لَهُ: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفِّفَ عَنْكَ مِنْ عِيَالِكَ حَتَّى يَنْكَشِفَ عَنْ النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ؛ فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلًا فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَقِيلًا وَطَالِبًا. فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا، فَضَمَّهُ إلَيْهِ، وَأَخَذَ الْعَبَّاسُ جَعْفَرًا فَضَمَّهُ إلَيْهِ؛ فَلَمْ يَزَلْ عَلِيٌّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَبِيًّا، فَاتَّبَعَهُ عَلِيٌّ ؓ، وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ؛ وَلَمْ يَزَلْ جَعْفَرٌ عِنْدَ الْعَبَّاسِ حَتَّى أَسْلَمَ وَاسْتَغْنَى عَنْهُ. وفي الكامل عن ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ عَلِيٌّ وَعُمْرُهُ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. وقَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ عُمْرُهُ تِسْعَ سِنِينَ، وَقِيلَ: إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً. وفي زاد المعاد: وَبَادَرَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ ، وَكَانَ ابْنَ ثَمَانِ سِنِينَ، وَقِيلَ: أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ فِي كَفَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ؓ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ، وَهُمَا يُصَلِّيَانِ، فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا مُحَمَّدُ مَا هَذَا ؟ قَالَ: " دِينُ اللَّهِ الَّذِي اصْطَفَى لِنَفْسِهِ، وَبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، فَأَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَإِلَى عِبَادَتِهِ، وَأَنْ تَكْفُرَ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى ". فَقَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَمْرٌ لَمْ أَسْمَعْ بِهِ قَبْلَ الْيَوْمِ، فَلَسْتُ بِقَاضٍ أَمْرًا حَتَّى أُحَدِّثَ بِهِ أَبَا طَالِبٍ. فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُفْشِيَ عَلَيْهِ سَرَّهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَعْلِنَ أَمْرُهُ. فَقَالَ لَهُ: " يَا عَلِيُّ إِذَا لَمْ تُسْلِمْ فَاكْتُمْ ". فَمَكَثَ عَلِيٌّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَوْقَعَ فِي قَلْبِ عَلِيٍّ الْإِسْلَامَ، فَأَصْبَحَ غَادِيًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهُ، فَقَالَ: مَاذَا عَرَضْتَ عَلَيَّ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَكْفُرُ بِاللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَتَبْرَأُ مِنَ الْأَنْدَادِ ". فَفَعَلَ عَلِيٌّ وَأَسْلَمَ، وَمَكَثَ يَأْتِيهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ أَبِي طَالِبٍ وَكَتَمَ عَلِيٌّ إِسْلَامَهُ، وَلَمْ يُظْهِرْهُ. [ خُرُوجُ عَلِيٍّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى شِعَابِ مَكَّةَ يُصَلِّيَانِ ، وَوُقُوفُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَمْرِهِمَا ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إلَى شِعَابِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَخْفِيًا مِنْ أَبِيهِ أَبِي طَالِبٍ. وَمِنْ جَمِيعِ أَعْمَامِهِ وَسَائِرِ قَوْمِهِ، فَيُصَلِّيَانِ الصَّلَوَاتِ فِيهَا، فَإِذَا أَمْسَيَا رَجَعَا. فَمَكَثَا كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَمْكُثَا. ثُمَّ إنَّ أَبَا طَالِبٍ عَثَرَ عَلَيْهِمَا يَوْمًا وَهُمَا يُصَلِّيَانِ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا ابْنَ أَخِي مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَرَاكَ تَدِينُ بِهِ ؟ قَالَ: أَيْ عَمِّ، هَذَا دِينُ اللَّهِ، وَدِينُ مَلَائِكَتِهِ، وَدِينُ رُسُلِهِ، وَدِينُ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ - أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ - بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ رَسُولًا إلَى الْعِبَادِ، وَأَنْتَ أَيْ عَمِّ، أَحَقُّ مَنْ بَذَلْتُ لَهُ النَّصِيحَةَ، وَدَعَوْتُهُ إلَى الْهُدَى، وَأَحَقُّ مَنْ أَجَابَنِي إلَيْهِ وَأَعَانَنِي عَلَيْهِ، أَوْ كَمَا قَالَ؛ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: أَيْ ابْنَ أَخِي، إنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُفَارِقَ دِينَ آبَائِي وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ وَاَللَّهِ لَا يَخْلُصُ إلَيْكَ بِشَيْءٍ تَكْرَهُهُ مَا بَقِيتُ وَذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ: أَيْ بُنَيَّ، مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ: يَا أَبَتِ، آمَنْتُ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِ اللَّهِ، وَصَدَّقْتُهُ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ لِلَّهِ وَاتَّبَعْتُهُ. فَزَعَمُوا أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَمَا إنَّهُ لَمْ يَدْعُكَ إلَّا إلَى خَيْرٍ فَالْزَمْهُ. عَنْ حَيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلَامُ ضَحِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ لَمْ أَرَهُ ضَحِكَ ضَحِكًا قَطُّ أَكْثَرَ مِنْهُ، حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: ذَكَرْتُ قَوْلَ أَبِي طَالِبٍ ظَهَرَ عَلَيْنَا أَبُو طَالِبٍ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ نُصَلِّي بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَقَالَ: مَاذَا تَصْنَعَانِ يَا بْنَ أَخِي؟ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: مَا بِالَّذِي تَصْنَعَانِ مِنْ بَاسٍ - أَوْ مَا بِالَّذِي تَقُولَانِ بَأْسٌ - وَلَكِنِّي لَا وَاللَّهِ لَا تَعْلُونِي اسْتِي أَبَدًا، وَضَحِكَ تَعَجُّبًا بِقَوْلِ أَبِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لَا أَعْرَفُ أَنَّ عَبْدًا لَكَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَبَدَكَ قَبْلِي غَيْرَ نَبِيِّكَ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - لَقَدْ صَلَّيْتُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ النَّاسُ سَبْعًا. وعَنْ عُفَيِّفٍ وَكَانَ عُفَيِّفٌ أَخَا الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ لِأُمِّهِ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا، فَقَدِمْتُ مِنًى أَيَّامَ الْحَجِّ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ امْرَأً تَاجِرًا، فَأَتَيْتُهُ أَبْتَاعُ مِنْهُ وَأَبِيعُهُ، قَالَ: فَبَيْنَا نَحْنُ إِذْ خَرَجَ رَجُلٌ مَنْ خِبَاءٍ فَقَامَ يُصَلِّي تِجَاهَ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ خَرَجَتِ امْرَأَةٌ فَقَامَتْ تُصَلِّي، وَخَرَجَ غُلَامٌ فَقَامَ يُصَلِّي مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا عَبَّاسُ مَا هَذَا الدِّينُ ؟ إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَا نَدْرِي مَا هُوَ ؟ فَقَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ، وَأَنَّ كُنُوزَ كِسْرَى وَقَيْصَرَ سَتُفْتَحُ عَلَيْهِ، وَهَذِهِ امْرَأَتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ آمَنَتْ بِهِ، وَهَذَا الْغُلَامُ ابْنُ عَمِّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ آمَنَ بِهِ. قَالَ عُفَيِّفٌ: فَلَيْتَنِي كُنْتُ آمَنْتُ يَوْمَئِذٍ فَكُنْتُ أَكُونُ ثَانِيًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ خَدِيجَةُ، وَأَوَّلُ رَجُلَيْنِ أَسْلَمَا أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَأَسْلَمَ عَلِيٌّ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ وَكَانَ عَلِيٌّ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ خَوْفًا مِنْ أَبِيهِ، حَتَّى لَقِيَهُ أَبُوهُ، قَالَ: أَسْلَمْتَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَآزِرِ ابْنَ عَمِّكَ وَانْصُرْهُ. قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ. وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَصَلَّى عَلِيٌّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ . وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا أَنَّ خَدِيجَةَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ النِّسَاءِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقَاتِ، وَقَبْلَ الرِّجَالِ أَيْضًا. وَأَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْمَوَالِي زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَأَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْغِلْمَانِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ كَانَ صَغِيرًا دُونَ الْبُلُوغِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَهَؤُلَاءِ كَانُوا إِذْ ذَاكَ أَهْلَ الْبَيْتِ، وَأَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَإِسْلَامُهُ كَانَ أَنْفَعَ مِنْ إِسْلَامِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ ; إِذْ كَانَ صَدْرًا مُعَظَّمًا، وَرَئِيسًا فِي قُرَيْشٍ مُكَرَّمًا، وَصَاحِبَ مَالٍ، وَدَاعِيَةً إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ مُحَبَّبًا مُتَأَلِّفًا يَبْذُلُ الْمَالَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
التاريخ 715لا حكم مسجّل
إسْلَامُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ الْكَلْبِيُّ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ أَوَّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ، وَصَلَّى بَعْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. [ نَسَبُهُ وَسَبَبُ تَبَنِّي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ عَوْفِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُذْرَةَ بْنِ زَيْدِ اللَّاتِ بْنِ رُفَيْدَةَ بْنِ ثَوْرِ بْنِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ. وَكَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ قَدِمَ مِنْ الشَّامِ بِرَقِيقٍ، فِيهِمْ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَصِيفٌ فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهَا: اخْتَارِي يَا عَمَّةُ أَيَّ هَؤُلَاءِ الْغِلْمَانِ شِئْتِ فَهُوَ لَكَ؛ فَاخْتَارَتْ زَيْدًا فَأَخَذَتْهُ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَهَا، فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فَأَعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَبَنَّاهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ. [ شِعْرُ حَارِثَةَ حِينَ فَقَدْ ابْنَهُ زَيْدًا وَقُدُومُهُ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ يَسْأَلُهُ رَدَّهُ عَلَيْهِ ] وَكَانَ أَبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزِعَ عَلَيْهِ جَزَعًا شَدِيدًا، وَبَكَى عَلَيْهِ حِينَ فَقَدَهُ، فَقَالَ: : بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ وَلَمْ أَدْرِ مَا فَعَلْ أَحَيٌّ فَيُرْجَى أَمْ أَتَى دُونَهُ الْأَجَلْ فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي وَإِنِّي لَسَائِلٌ أَغَالَكَ بَعْدِي السَّهْلُ أَمْ غَالَكَ الْجَبَلْ وَيَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرُ أَوْبَةٌ فَحَسْبِي مِنْ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لِي بَجَلْ تُذَكِّرْنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إذَا غَرْبُهَا أَفَلْ وَإِنْ هَبَّتْ الْأَرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ سَأُعْمِلُ نَصَّ الْعِيسِ فِي الْأَرْضِ جَاهِدًا وَلَا أُسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الْإِبِلْ حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الْأَمَلُ ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِ وَهُوَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنْ شِئْتَ فَأَقِمْ عِنْدِي، وَإِنْ شِئْتَ فَانْطَلِقْ مَعَ أَبِيكَ، فَقَالَ: بَلْ أُقِيمُ عِنْدَكَ. فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ فَصَدَّقَهُ وَأَسْلَمَ، وَصَلَّى مَعَهُ؛ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ قَالَ: أَنَا زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ.
التاريخ 716لا حكم مسجّل
إسْلَامُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ وَشَأْنُهُ [ نَسَبُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَاسْمُهُ عَتِيقٌ، وَاسْمُ أَبِي قُحَافَةَ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي بَكْرٍ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَتِيقٌ: لَقَبٌ لِحَسَنٍ وَجْهُهُ وَعِتْقُهُ [ إِسْلَامُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ ؓ: أَظْهَرَ إسْلَامَهُ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ. [ مَنْزِلَتُهُ فِي قُرَيْشٍ وَدَعْوَتُهُ لِلْإِسْلَامِ ] وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مَأْلَفًا لِقَوْمِهِ، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وَكَانَ أَنْسَبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ، وَأَعْلَمَ قُرَيْشٍ بِهَا، وَبِمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ؛ وَكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا، ذَا خُلُقٍ وَمَعْرُوفٍ، وَكَانَ رِجَالُ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ وَيَأْلَفُونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرِ، لِعِلْمِهِ وَتِجَارَتِهِ وَحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ وَثِقَ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، مِمَّنْ يَغْشَاهُ وَيَجْلِسُ إلَيْهِ. عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ثُمَّ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: أَحَقٌّ مَا تَقُولُ قُرَيْشٌ يَا مُحَمَّدُ مِنْ تَرْكِكَ آلِهَتَنَا، وَتَسْفِيهِكَ عُقُولَنَا، وَتَكْفِيرِكَ آبَاءَنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بَلَى، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَنَبِيُّهُ بَعَثَنِي ; لِأُبَلِّغَ رِسَالَتَهُ، وَأَدْعُوَكَ إِلَى اللَّهِ بِالْحَقِّ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَلْحَقُّ، أَدْعُوكَ يَا أَبَا بَكْرٍ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا تَعْبُدْ غَيْرَهُ، وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ. وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ. فَلَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ يُنْكِرْ، فَأَسْلَمَ وَكَفَرَ بِالْأَصْنَامِ، وَخَلَعَ الْأَنْدَادَ، وَأَقَرَّ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ مُؤْمِنٌ مُصَدِّقٌ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُصَيْنِ التَّمِيمِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ مَا عَكَمَ عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ، وَلَا تَرَدَّدَ فِيهِ ". عَكَمَ، أَيْ تَلَبَّثَ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ: فَلَمْ يُقِرَّ وَلَمْ يُنْكِرْ، مُنْكَرٌ ; فَإِنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ وَغَيْرَهُ ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ، وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ، وَأَمَانَتِهِ، وَحُسْنِ سَجِيَّتِهِ، وَكَرْمِ أَخْلَاقِهِ، مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى الْخَلْقِ، فَكَيْفَ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ ؟ ! وَلِهَذَا بِمُجَرَّدِ مَا ذَكَرَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَلَمْ يَتَلَعْثَمْ، وَلَا عَكَمَ عَنِ الْحَارِثِ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الرِّجَالِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ شُعْبَةُ: عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ شعر حسان في مدح أبي بكر ؓ عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ رَجُلٍ، قَالَ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَنْ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ، فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَوْفَاهَا وَأَعْدَلَهَا بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْلَاهَا بِمَا حَمَلَا وَالتَّالِيَ الثَّانِيَ الْمَحْمُودَ مَشْهَدُهُ وَأَوَّلَ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا عَاشَ حَمِيدًا لِأَمْرِ اللَّهِ مُتَّبِعًا بِأَمْرِ صَاحِبِهِ الْمَاضِي وَمَا انْتَقَلَا وعن يُوسُفُ بْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ: أَدْرَكْتُ مَشْيَخَتَنَا مِنْهُمْ ; مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ لَا يَشُكُّونَ أَنَّ أَوَّلَ الْقَوْمِ إِسْلَامًا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ. قُلْتُ: وَهَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَسَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ. وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا اجْتَمَعَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانُوا ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ رَجُلًا، أَلَحَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الظُّهُورِ، فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّا قَلِيلٌ ". فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُلِحُّ حَتَّى ظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ فِي نَوَاحِي الْمَسْجِدِ، كُلُّ رَجُلٍ فِي عَشِيرَتِهِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ، فَكَانَ أَوَّلَ خَطِيبٍ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ وَثَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَضُرِبُوا فِي نَوَاحِي الْمَسْجِدِ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَوُطِئَ أَبُو بَكْرٍ وَضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا، وَدَنَا مِنْهُ الْفَاسِقُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِنَعْلَيْنِ مَخْصُوفَيْنِ وَيُحَرِّفُهُمَا لِوَجْهِهِ، وَنَزَا عَلَى بَطْنِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى مَا يُعْرَفُ وَجْهُهُ مِنْ أَنْفِهِ، وَجَاءَ بَنُو تَيْمٍ يَتَعَادَوْنَ، فَأَجْلَتِ الْمُشْرِكِينَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَحَمَلَتْ بَنُو تَيْمٍ أَبَا بَكْرٍ فِي ثَوْبٍ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَنْزِلَهُ، وَلَا يَشُكُّونَ فِي مَوْتِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ بَنُو تَيْمٍ فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ مَاتَ أَبُو بَكْرٍ لَنَقْتُلَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ. فَرَجَعُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَعَلَ أَبُو قُحَافَةَ وَبَنُو تَيْمٍ يُكَلِّمُونَ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَجَابَ، فَتَكَلَّمَ آخِرَ النَّهَارِ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَمَسُّوا مِنْهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَعَذَلُوهُ، ثُمَّ قَامُوا، وَقَالُوا لِأُمِّهِ أُمِّ الْخَيْرِ: انْظُرِي أَنْ تُطْعِمِيهِ شَيْئًا، أَوْ تَسْقِيهِ إِيَّاهُ. فَلَمَّا خَلَتْ بِهِ أَلَحَّتْ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَقُولُ: مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي عَلْمٌ بِصَاحِبِكَ. فَقَالَ: اذْهَبِي إِلَى أُمِّ جَمِيلِ بِنْتِ الْخَطَّابِ فَاسْأَلِيهَا عَنْهُ. فَخَرَجَتْ حَتَّى جَاءَتْ أُمَّ جَمِيلٍ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ يَسْأَلُكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. فَقَالَتْ: مَا أَعْرِفُ أَبَا بَكْرٍ وَلَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَإِنْ كُنْتِ تُحِبِّينَ أَنْ أَذْهَبَ مَعَكِ إِلَى ابْنِكِ ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَمَضَتْ مَعَهَا حَتَّى وَجَدَتْ أَبَا بَكْرٍ صَرِيعًا دَنِفًا، فَدَنَتْ أُمُّ جَمِيلٍ وَأَعْلَنَتْ بِالصِّيَاحِ، وَقَالَتْ: وَاللَّهِ إِنَّ قَوْمَا نَالُوا هَذَا مِنْكَ لَأَهْلُ فِسْقٍ وَكُفْرٍ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَنْتَقِمَ اللَّهُ لَكَ. قَالَ: فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَتْ: هَذِهِ أَمُّكَ تَسْمَعُ. قَالَ: فَلَا شَيْءَ عَلَيْكِ مِنْهَا. قَالَتْ: سَالِمٌ صَالِحٌ. قَالَ: أَيْنَ هُوَ ؟ قَالَتْ: فِي دَارِ ابْنِ الْأَرْقَمِ. قَالَ: فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ لَا أَذُوقَ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبَ شَرَابًا أَوْ آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَأَمْهَلَتَا حَتَّى إِذَا هَدَأَتِ الرِّجْلُ وَسَكَنَ النَّاسُ، خَرَجَتَا بِهِ يَتَّكِئُ عَلَيْهِمَا حَتَّى أَدْخَلَتَاهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَأَكَبَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ، وَأَكَبَّ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، وَرَقَّ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رِقَّةً شَدِيدَةً. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ بِي بَأْسٌ إِلَّا مَا نَالَ الْفَاسِقُ مِنْ وَجْهِي، وَهَذِهِ أُمِّي بَرَّةٌ بِوَلَدِهَا، وَأَنْتَ مُبَارَكٌ، فَادْعُهَا إِلَى اللَّهِ، وَادْعُ اللَّهَ لَهَا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَسْتَنْقِذَهَا بِكَ مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَدَعَا لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَدَعَاهَا إِلَى اللَّهِ، فَأَسْلَمَتْ، وَأَقَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الدَّارِ شَهْرًا، وَهُمْ تِسْعَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا.
التاريخ 717لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِدَعْوَةِ أَبِي بَكْرٍ ؓ [ إسْلَامُ عُثْمَانَ وَالزَّبِيرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ وَطَلْحَةَ ] قَالَ: فَأَسْلَمَ بِدُعَائِهِ - فِيمَا بَلَغَنِي - عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ. بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ أُهَيْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَجَاءَ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ فَأَسْلَمُوا وَصَلَّوْا. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إلَى الْإِسْلَامِ إلَّا كَانَتْ فِيهِ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ، وَنَظَرٌ وَتَرَدُّدٌ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، مَا عَكَمَ عَنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ لَهُ، وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: بِدُعَائِهِ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ: عَكَمَ: تَلَبَّثَ، قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: وَانْصَاعَ وَثَّابٌ بِهَا وَمَا عَكَمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الثَّمَانِيَةُ الَّذِينَ سَبَقُوا النَّاسَ بِالْإِسْلَامِ، فَصَلَّوْا وَصَدَّقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ. إسلام طلحة بن عبيد الله وعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: حَضَرْتُ سُوقَ بُصْرَى، فَإِذَا رَاهِبٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، يَقُولُ سَلُوا أَهْلَ الْمَوْسِمِ: أَفِيهِمْ رَجُلٌ مَنْ أَهْلِ الْحَرَمِ ؟ قَالَ طَلْحَةُ: قُلْتُ: نَعَمْ أَنَا. فَقَالَ: هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بَعْدُ ؟ قُلْتُ: وَمَنْ أَحْمَدُ ؟ قَالَ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، مَخْرَجُهُ مِنَ الْحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إِلَى نَخْلٍ، وَحَرَّةٍ، وَسِبَاخٍ، فَإِيَّاكَ أَنْ تُسْبَقَ إِلَيْهِ. قَالَ طَلْحَةُ: فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ. فَخَرَجْتُ سَرِيعًا حَتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ. فَقُلْتُ: هَلْ كَانَ مِنْ حَدَثٍ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَمِينُ تَنَبَّأَ، وَقَدِ اتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ. قَالَ: فَخَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَقُلْتُ: أَتَبِعْتَ هَذَا الرَّجُلَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَادْخُلْ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْهُ ; فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْحَقِّ، فَأَخْبَرَهُ طَلْحَةُ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ بِطَلْحَةَ فَدَخَلَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَ طَلْحَةُ وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَا قَالَ الرَّاهِبُ، فَسُّرَ بِذَلِكَ ، فَلَمَّا أَسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ أَخَذَهُمَا نَوْفَلُ بْنُ خُوَيْلِدِ بْنِ الْعَدَوِيَّةِ وَكَانَ يُدْعَى أَسَدَ قُرَيْشٍ فَشَدَّهُمَا فِي حَبْلٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَمْنَعْهُمَا بَنُو تَيْمٍ ; فَلِذَلِكَ سُمِّي أَبُو بَكْرٍ وَطَلْحَةُ الْقَرِينَيْنِ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّهُمَّ اكْفِنَا شَرَّ ابْنِ الْعَدَوِيَّةِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
التاريخ 718لا حكم مسجّل
[ إسْلَامُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَأَبِي سَلَمَةَ، وَالْأَرْقَمِ، وَأَبْنَاءِ مَظْعُونٍ، وَعُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَامْرَأَتِهِ، وَأَسْمَاءَ، وَعَائِشَةَ، وَخَبَّابٍ ] ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. وَأَبُو سَلَمَةُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَالْأَرْقَمُ بْنُ أَبِي الْأَرْقَمِ. وَاسْمُ أَبِي الْأَرْقَمِ عَبْدُ مَنَافِ بْنِ أَسَدٍ - وَكَانَ أَسَدٌ يُكَنَّى أَبَا جُنْدُبِ - بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَأَخَوَاهُ قَدَامَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ. وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِيَاحِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أُخْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ. وَعَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَهِيَ يَوْمئِذٍ صَغِيرَةٌ. وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَيُقَالُ: هُوَ مِنْ خُزَاعَةَ. [ إسْلَامُ عُمَيْرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الْقَارِّيِّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُمَيْرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَخُو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ. بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ وَمَسْعُودُ بْنُ الْقَارِّيِّ، وَهُوَ مَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَمَالَةَ بْنِ غَالِبِ بْنِ مُحَلِّمِ بْنِ عَائِذَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ الْقَارَّةِ. [ شَيْءٌ عَنْ الْقَارَّةِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَالْقَارَّةُ: لَقَبٌ ( لَهُمْ ) وَلَهُمْ يُقَالُ: قَدْ أَنْصَفَ الْقَارَّةَ مَنْ رَامَاهَا وَكَانُوا قَوْمًا رُمَاةً. [ إسْلَامُ سَلِيطٍ وَأَخِيهِ، وَعَيَّاشٍ وَامْرَأَتِهِ، وَخُنَيْسٍ، وَعَامِرٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَلِيطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ( حِسْلِ بْنِ ) عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: ( وَأَخُوهُ حَاطِبُ بْنُ عَمْرٍو ) وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَامْرَأَتُهُ أَسَمَاءُ بِنْتُ سَلَامَةَ بْنِ مُخَرَّبَةِ التَّمِيمِيَّةُ. وَخُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ، حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنْزُ بْنُ وَائِلِ أَخُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، مِنْ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ. [ إسْلَامُ ابْنَيْ جَحْشٍ، وَجَعْفَرٍ وَامْرَأَتِهِ، وَأَوْلَادِ الْحَارِثِ وَنِسَائِهِمْ، وَالسَّائِبِ، وَالْمُطَّلِبِ وَامْرَأَتِهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ. وَأَخُوهُ أَبُو أَحَمْدَ بْنُ جَحْشٍ، حَلِيفَا بَنِي أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ. وَجَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ؛ وَامْرَأَتُهُ أَسَمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ، مِنْ خَثْعَمَ: وَحَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ وَامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلَّلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ وَأَخُوهُ حَطَّابُ بْنُ الْحَارِثِ؛ وَامْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ. وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالسَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبٍ. وَالْمُطَّلَبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَامْرَأَتُهُ: رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ صُبَيْرَةَ بْنِ سَعِيدِ ( بْنِ سَعْدِ ) بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالنَّحَّامُ، وَاسْمُهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ، أَخُو بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. [ إسْلَامُ نُعَيْمٍ وَنَسَبُهُ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَوِيجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّحَّامَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ نَحْمَهُ فِي الْجَنَّةِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نَحْمُهُ: صَوْتُهُ. ( وَنَحْمُهُ ): حِسُّهُ. [ إسْلَامُ عَامِرِ بْنِ فَهَيْرَةَ وَنَسَبُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مُوَلَّدٌ مِنْ مُوَلَّدِي الْأَسْدِ، أَسْوَدُ اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ ؓ مِنْهُمْ. [ إسْلَامُ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَامْرَأَتُهُ أَمِينَةُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ وَامْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسَعْدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ جُعْثُمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفٍ. [ إسْلَامُ حَاطِبٍ وَأَبِي حُذَيْفَةَ وَإِسْلَامُ وَاقِدٍ، وَشَيْءٌ عَنْهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِبْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ وَأَبُو حُذَيْفَةَ، وَاسْمُهُ مُهَشَّمٌ - فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِبْنِ عَرِينَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: جَاءَتْ بِهِ بَاهِلَةُ، فَبَاعُوهُ مِنْ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلٍ، فَتَبَنَّاهُ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ قَالَ: أَنَا وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فِيمَا قَالَ أَبُو عَمْرٍو الْمَدَنِيُّ. [ إسْلَامُ بَنِي الْبَكِيرِ، وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَالِدٌ وَعَامِرٌ وَعَاقِلٌ وَإِيَاسٌ بَنُو الْبَكِيرِ ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ نَاشِبِ بْنِ غَيْرَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ لَيْثِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةِ بْنِ كِنَانَةِ حَلْفَاءُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَنْسِيٌّ مِنْ مَذْحِجَ. [ إسْلَامُ صُهَيْبٍ وَنَسَبُهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ، أَحَدُ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، حَلِيفُ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: النَّمِرُ بْنُ قَاسِطِ بْنِ هِنْبٍ بْنِ أَفْصَى بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ، وَيُقَالُ: أَفْصَى بْنُ دُعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدٍ، وَيُقَالُ: صُهَيْبٌ: مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وَيُقَالُ: إنَّهُ رُومِيٌّ. فَقَالَ بَعْضُ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ النَّمِرِ بْنِ قَاسِطٍ، إنَّمَا كَانَ أَسِيرًا فِي أَرْضِ الرُّومِ، فَاشْتُرِيَ مِنْهُمْ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ: صُهَيْبٌ سَابِقُ الرُّومِ
التاريخ 719لا حكم مسجّل
إسْلَامُ حَمْزَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ [ أَذَاةُ أَبِي جَهْلٍ لِلرَّسُولِ ﷺ، وَوُقُوفُ حَمْزَةَ عَلَى ذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، كَانَ وَاعِيَةً: أَنَّ أَبَا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الصَّفَا، فَآذَاهُ وَشَتَمَهُ، وَنَالَ مِنْهُ بَعْضَ مَا يَكْرَهُ مِنْ الْعَيْبِ لِدِينِهِ، وَالتَّضْعِيفِ لِأَمْرِهِ؛ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَوْلَاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ فِي مَسْكَنٍ لَهَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَعَمَدَ إلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ. فَلَمْ يَلْبَثْ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؓ أَنْ أَقْبَلَ مُتَوَشِّحًا قَوْسَهُ، رَاجِعًا مِنْ قَنْصٍ لَهُ، وَكَانَ صَاحِبَ قَنْصٍ يَرْمِيهِ وَيَخْرُجُ لَهُ، وَكَانَ إذَا رَجَعَ مِنْ قَنْصِهِ لَمْ يَصِلْ إلَى أَهْلِهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ، وَكَانَ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَمُرَّ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَّا وَقَفَ وَسَلَّمَ وَتَحَدَّثَ مَعَهُمْ، وَكَانَ أَعَزَّ فَتًى فِي قُرَيْشٍ، وَأَشَدَّ شَكِيمَةً. فَلَمَّا مَرَّ بِالْمَوْلَاةِ، وَقَدْ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ، قَالَتْ لَهُ: يَا أَبَا عُمَارَةَ، لَوْ رَأَيْتَ مَا لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ: وَجَدَهُ هَاهُنَا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ، وَبَلَغَ مِنْهُ مَا يَكْرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ ﷺ. [ إيقَاعُ حَمْزَةَ بِأَبِي جَهْلٍ وَإِسْلَامُهُ ] فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ الْغَضَبُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ، فَخَرَجَ يَسْعَى وَلَمْ يَقِفْ عَلَى أَحَدٍ، مُعِدًّا لِأَبِي جَهْلٍ إذَا لَقِيَهُ أَنْ يُوقِعَ بِهِ؛ فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إلَيْهِ جَالِسًا فِي الْقَوْمِ، فَأَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ الْقَوْسَ فَضَرَبَهُ بِهَا فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، ثُمَّ قَالَ: أَتَشْتِمُهُ وَأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ مَا يَقُولُ ؟ فَرُدَّ ذَلِكَ عَلَيَّ إنْ اسْتَطَعْتُ. فَقَامَتْ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أَبَا جَهْلٍ؛ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أَبَا عُمَارَةَ، فَإِنِّي وَاَللَّهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أَخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا، وَتَمَّ حَمْزَةُ ؓ عَلَى إسْلَامِهِ، وَعَلَى مَا تَابَعَ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ. فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ عَزَّ وَامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ، فَكَفُّوا عَنْ بَعْضِ مَا كَانُوا يَنَالُونَ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ رَجَعَ حَمْزَةُ إِلَى بَيْتِهِ، فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: أَنْتَ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، اتَّبَعْتَ هَذَا الصَّابِئَ، وَتَرَكْتَ دِينَ آبَائِكَ، لَلْمَوْتُ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا صَنَعْتَ. فَأَقْبَلَ عَلَى حَمْزَةَ بَثُّهُ، وَقَالَ: مَا صَنَعْتُ ! اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ رُشْدًا فَاجْعَلْ تَصْدِيقَهُ فِي قَلْبِي، وَإِلَّا فَاجْعَلْ لِي مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ مَخْرَجًا. فَبَاتَ بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ بِمِثْلِهَا مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ، حَتَّى أَصْبَحَ فَغَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ يَا بْنَ أَخِي، إِنِّي قَدْ وَقَعْتُ فِي أَمْرٍ لَا أَعْرِفُ الْمَخْرَجَ مِنْهُ، وَإِقَامَةُ مِثْلِي عَلَى مَا لَا أَدْرِي مَا هُوَ أَرُشْدٌ هُوَ أَمْ غَيٌّ، شَدِيدٌ، فَحَدِّثْنِي حَدِيثًا فَقَدِ اشْتَهَيْتُ يَا بْنَ أَخِي أَنْ تُحَدِّثَنِي. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَذَكَّرَهُ وَوَعَظَهُ، وَخَوَّفَهُ وَبَشَّرَهُ، فَأَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانَ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الصَّادِقُ شَهَادَةَ الصِّدْقِ، فَأَظْهِرْ يَا بْنَ أَخِي دِينَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ وَأَنِّي عَلَى دِينِيَ الْأَوَّلِ. فَكَانَ حَمْزَةُ مِمَّنْ أَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ حَمْزَةُ حِينَ أَسْلَمَ: حَمِدْتُ اللَّهَ حِينَ هَدَى فُؤَادِي إِلَى الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ الْحَنِيفِ لِدِينٍ جَاءَ مِنْ رَبٍّ عَزِيزٍ خَبِيرٍ بِالْعِبَادِ بِهِمْ لَطِيفِ إِذَا تُلِيَتْ رَسَائِلُهُ عَلَيْنَا تَحَدَّرْ دَمْعُ ذِي اللُّبِّ الْحَصِيفِ رَسَائِلُ جَاءَ أَحْمَدُ مِنْ هُدَاهَا بِآيَاتٍ مُبَيِّنَةِ الْحُرُوفِ وَأَحْمَدُ مُصْطَفَى فِينَا مُطَاعٌ فَلَا تَغْشُوهُ بِالْقَوْلِ الضَّعِيفِ فَلَا وَاللَّهِ نُسْلِمُهُ لِقَوْمٍ وَلَمَّا نَقْضِ فِيهِمْ بِالسُّيُوفِ وَنَتْرُكُ مِنْهُمُ قَتْلَى بِقَاعٍ عَلَيْهَا الطَّيْرُ كَالْوِرْدِ الْعُكُوفِ وَقَدْ خُبِّرَتْ مَا صَنَعَتْ ثَقِيفُ بِهِ فَجَزَى الْقَبَائِلَ مِنْ ثَقِيفِ إِلَهُ النَّاسِ شَرَّ جَزَاءِ قَوْمٍ وَلَا أَسْقَاهُمُ صَوْبَ الْخَرِيفِ
التاريخ 720لا حكم مسجّل
مُبَادَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ: لَقَدْ بَدَأَ النَّبِيُّ ﷺ بِالصَّدْعِ بِأَمْرِ اللَّهِ وَعَيْبِ آلِهَةِ الْمُشْرِكِينَ وَإِظْهَارِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَاطِلٍ فَبَدَأَ عَدَاؤُهُمْ لَهُ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَكَلُّ وَلَا يَمَلُّ عَنْ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ وَتَسْفِيهِ أَصْنَامِ الشِّرْكِ وَطَوَاغِيتِهَا وَلَا يَسْتَجِيبُ لِأَشْرَافِ قَوْمِهِ مِنْ طَلَبِهِمْ الِامْتِنَاعَ عَنْ سَبِّ آلِهَتِهِمْ مَشَوْا إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى يَمْنَعَهُ إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَمْتَنِعْ وَعَزَمَ عَلَى الْمُضِيِّ فِي دَعْوَتِهِ حَتَّى وَلَوْ كَلَّفَهُ ذَلِكَ نَفْسَهُ ﷺ، وَقَدْ حَدَبَ عَلَيْهِ عَمُّهُ وَقَدْ حَاوَلَ الْقَوْمُ مِرَارًا أَنْ يُثْنُوا أَبَا طَالِبٍ عَنِ الدِّفَاعِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا أَنَّ جَمِيعَ مُحَاوَلَاتِهِمْ بَاءَتْ بِالْفَشَلِ فَمَا كَانَ مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ تَعَاهَدُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى تَعْذِيبِ كُلِّ مَنْ يَسْتَطِيعُونَ مِمَّنْ يُسْلِمُ وَجْهَهُ لِلَّهِ تَعَالَى. وَقَدِ اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ لَمَّا عَلِمُوا انْتِشَارَ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَرَبِ فَتَعَاقَدُوا عَلَى مَا يَنْعَتُونَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ حَتَّى لَا تَخْتَلِفَ كَلِمَتُهُمْ فَاتَّفَقُوا عَلَى رَأْيِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بَعْدَ أَنْ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ بِأَنْ يَقُولُوا: إِنَّهُ سَاحِرٌ. وَلَمَّا كَانَ مَنْطِقُ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بِمَنْطِقِ السَّاحِرِ وَلَا الْكَاهِنِ فَإِنَّ ثُلَّةً مِنَ الْعَرَبِ عَرَفَتْ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ وَبَدَأَ يَنْتَشِرُ ذِكْرُهُ فِي الْآفَاقِ. وَكُلَّمَا انْتَشَرَ ذِكْرُهُ ﷺ وَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ كُلَّمَا ازْدَاتْ قُرَيْشٌ نِكَايَةً لَهُ وَلِأَتْبَاعِهِ إِلَّا أَنَّا اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ عَصَمَ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ أَنْ يَطَالَهُ أَذًى حِسِّيًّا بِسَبَبِ وُقُوفِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى جِوَارِهِ فَكَانَ غَايَةُ مَا تَسْتَطِيعُ قُرَيْشٌ أَنْ تَفْعَلَهُ أَنْ تُؤْذِيَهُ بِالسَّبِّ أَحْيَانًا وَكَانُوا إِنَّمَا يَسُبُّونَ مُذَمَّمًا وَهُوَ مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَكَانَ أَكْثَرُ الْأَذَى إِنَّمَا يَأْتِي مِنْ عَمِّهِ أَبِي لَهَبٍ وَزَوْجِهِ حَمَّالَةِ الْحَطَبِ.
التاريخ 721لا حكم مسجّل
[ خُرُوجُ الرَّسُولِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ إلَى شِعَابِ مَكَّةَ، وَمَا فَعَلَهُ سَعْدٌ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذَا صَلَّوْا، ذَهَبُوا فِي الشِّعَابِ، فَاسْتَخْفَوْا بِصَلَاتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَبَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ، إذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ، فَنَاكَرُوهُمْ، وَعَابُوا عَلَيْهِمْ مَا يَصْنَعُونَ حَتَّى قَاتَلُوهُمْ، فَضَرَبَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَئِذٍ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ بِلَحْيِ بَعِيرٍ، فَشَجَّهُ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ أُهْرِيقَ فِي الْإِسْلَامِ.
التاريخ 722لا حكم مسجّل
[ إظْهَارُ قَوْمِهِ ﷺ الْعَدَاوَةَ لَهُ، وَحَدَبُ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا بَادَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ بِالْإِسْلَامِ وَصَدَعَ بَهْ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ - فِيمَا بَلَغَنِي - حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا؛ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَعْظَمُوهُ وَنَاكَرُوهُ، وَأَجْمَعُوا خِلَافَهُ وَعَدَاوَتَهُ، إلَّا مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ، وَحَدِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ، مُظْهِرًا لِأَمْرِهِ، لَا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ. فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَا يَعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ، مِنْ فِرَاقِهِمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ، وَرَأَوْا أَنَّ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ قَدْ حَدِبَ عَلَيْهِ، وَقَامَ دُونَهُ، فَلَمْ يُسْلِمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ، عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ. وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ، وَاسْمُهُ الْعَاصِ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: الْعَاصِ بْنُ هَاشِمٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَأَبُو جَهْلٍ - وَاسْمُهُ عَمْرٌو، وَكَانَ يُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ - بْنَ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. [ وَفْدُ قُرَيْشٍ مَعَ أَبِي طَالِبٍ فِي شَأْنِ الرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَوْ مَنْ مَشَى مِنْهُمْ. فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ سَبَّ آلِهَتَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَسَفَّهُ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا؛ فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا، وَإِمَّا أَنَّ تُخِلِّي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فَنَكْفِيكَهُ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا، وَرَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلًا، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. [ اسْتِمْرَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي دَعْوَتِهِ، وَرُجُوعُ وَفْدِ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ ثَانِيَةً ] وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، يُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ، وَيَدْعُو إلَيْهِ، ثُمَّ شَرَى الْأَمْرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ حَتَّى تَبَاعَدَ الرِّجَالُ وَتَضَاغَنُوا، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهَا، فَتَذَامَرُوا فِيهِ، وَحَضَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ، ثُمَّ إنَّهُمْ مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّ لَكَ سِنًّا وَشَرَفًا وَمَنْزِلَةً فِينَا، وَإِنَّا قَدْ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَلَمْ تَنْهَهُ عَنَّا، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نَصْبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَعَيْبِ آلِهَتِنَا، حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا، أَوْ نُنَازِلَهُ وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ، أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُ. ( ثُمَّ ) انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُمْ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُمْ وَلَا خِذْلَانِهِ.
التاريخ 723لا حكم مسجّل
[ طَلَبُ أَبِي طَالِبٍ إلَى الرَّسُولِ ﷺ الْكَفَّ عَنْ الدَّعْوَةِ وَجَوَابُهُ لَهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنَّهُ حُدِّثَ: أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ قَالُوا لِأَبِي طَالِبٍ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، بَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَاءُونِي، فَقَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي كَانُوا قَالُوا لَهُ، فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ، وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنْ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ؛ قَالَ: فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ فِيهِ بَدَاءٌ أَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ، وَأَنَّهُ قَدْ ضَعُفَ عَنْ نُصْرَتِهِ وَالْقِيَامِ مَعَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا عَمُّ، وَاَللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ، أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، مَا تَرَكْتُهُ قَالَ: ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَكَى ثُمَّ قَامَ، فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: أَقْبِلْ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: اذْهَبْ يَا ابْنَ أَخِي، فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ، فَوَاَللَّهِ لَا أُسْلِمُكَ لِشَيْءِ أَبَدًا.
التاريخ 724لا حكم مسجّل
[ مَشْيُ قُرَيْشٍ إلَى أَبِي طَالِبٍ ثَالِثَةً بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ الْمَخْزُومِيِّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا حِينَ عَرَفُوا أَنَّ أَبَا طَالِبٍ قَدْ أَبَى خِذْلَانَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِسْلَامَهُ، وَإِجْمَاعَهُ لِفِرَاقِهِمْ فِي ذَلِكَ وَعَدَاوَتِهِمْ، مَشَوْا إلَيْهِ بِعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالُوا لَهُ - فِيمَا بَلَغَنِي - يَا أَبَا طَالِبٍ، هَذَا عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَنْهَدُ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنَصْرُهُ، وَاِتَّخِذْهُ وَلَدًا فَهُوَ لَكَ، وَأَسْلِمْ إلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ هَذَا، الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ، وَفَرَّقَ جَمَاعَةَ قَوْمِكَ، وَسَفَّهُ أَحْلَامَهُمْ، فَنَقْتُلَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ بِرَجُلِ؛ فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَبِئْسَ مَا تَسُومُونَنِي أَتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ، وَأُعْطِيكُمْ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ هَذَا وَاَللَّهِ مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا. قَالَ: فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ: وَاَللَّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وَجَهَدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُهُ، فَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا؛ فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِلْمُطْعِمِ: وَاَللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي، وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيَّ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، أَوْ كَمَا قَالَ. فَحَقَبَ الْأَمْرُ، وَحَمِيَتْ الْحَرْبُ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ، وَبَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا. [ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي التَّعْرِيضِ بِالْمُطْعِمِ وَمَنْ خَذَلَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ] فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ عِنْدَ ذَلِكَ، يُعَرِّضُ بِالْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، وَيَعُمُّ مَنْ خَذَلَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَمَنْ عَادَاهُ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، وَيَذْكُرُ مَا سَأَلُوهُ، وَمَا تَبَاعَدَ مِنْ أَمْرِهِمْ: : أَلَا قُلْ لِعَمْرٍو وَالْوَلِيدِ وَمُطْعِمٍ أَلَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ بَكْرُ مِنْ الْخُورِ حَبْحَابٌ كَثِيرٌ رُغَاؤُهُ يَرُشُّ عَلَى السَّاقَيْنِ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرُ تَخَلَّفَ خَلْفَ الْوِرْدِ لَيْسَ بِلَاحِقِ إذَا مَا عَلَا الْفَيْفَاءَ قِيلَ لَهُ وَبْرُ أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمِّنَا إذَا سُئِلَا قَالَا إلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ بَلَى لَهُمَا أَمْرٌ وَلَكِنْ تَجَرْجَمَا كَمَا جُرْجِمَتْ مِنْ رَأْسِ ذِي عَلَقِ الصَّخْرِ أَخُصُّ خُصُوصًا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا هُمَا نَبَذَانَا مِثْلَ مَا يُنْبَذُ الْجَمْرُ هُمَا أَغْمَزَا لِلْقَوْمِ فِي أَخَوَيْهِمَا فَقَدْ أَصْبَحَا مِنْهُمْ أَكُفُّهُمَا صِفْرُ هُمَا أَشْرَكَا فِي الْمَجْدِ مَنْ لَا أَبَا لَهُ مِنْ النَّاسِ إلَّا أَنْ يُرَسَّ لَهُ ذِكْرُ وَتَيْمٌ وَمَخْزُومٌ وَزُهْرَةُ مِنْهُمْ وَكَانُوا لَنَا مَوْلًى إذَا بُغِيَ النَّصْرُ فَوَاَللَّهِ لَا تَنْفَكُّ مِنَّا عَدَاوَةٌ وَلَا مِنْهُمْ مَا كَانَ مِنْ نَسْلِنَا شَفْرُ فَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُهُمْ وَعُقُولُهُمْ وَكَانُوا كَجَفْرٍ بِئْسَ مَا صَنَعَتْ جَفْرُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتَيْنِ أَقْذَعَ فِيهِمَا.
التاريخ 725لا حكم مسجّل
[ ذِكْرُ مَا فَتَنَتْ بَهْ قُرَيْشٌ الْمُؤْمِنِينَ وَعَذَّبَتْهُمْ عَلَى الْإِيمَانِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ قُرَيْشًا تَذَامَرُوا بَيْنَهُمْ عَلَى مَنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مَعَهُ، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَهُمْ، وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَمَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْهُمْ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَدْ قَامَ أَبُو طَالِبٍ، حِينَ رَأَى قُرَيْشًا يَصْنَعُونَ مَا يَصْنَعُونَ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ، فَدَعَاهُمْ إلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، مِنْ مَنْعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَالْقِيَامِ دُونَهُ؛ فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ. وَقَامُوا مَعَهُ، وَأَجَابُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ، عَدُوِّ اللَّهِ الْمَلْعُونِ. [ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي مَدْحِ قَوْمِهِ لِحَدَبِهِمْ عَلَيْهِ ] فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ مِنْ قَوْمِهِ مَا سَرَّهُ فِي جَهْدِهِمْ مَعَهُ، وَحَدَبِهِمْ عَلَيْهِ، جَعَلَ يَمْدَحُهُمْ وَيَذْكُرُ قَدِيمَهُمْ، وَيَذْكُرُ فَضْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِمْ، وَمَكَانَهُ مِنْهُمْ، لِيَشُدَّ لَهُمْ رَأْيَهُمْ، وَلِيَحْدَبُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرِهِ، فَقَالَ: : إذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا قُرَيْشٌ لِمَفْخَرٍ فَعَبْدُ مَنَافٍ سِرُّهَا وَصَمِيمُهَا وَإِنْ حَصَلَتْ أَشْرَافُ عَبْدِ مَنَافِهَا فَفِي هَاشِمٍ أَشْرَافُهَا وَقَدِيمُهَا وَإِنْ فَخَرَتْ يَوْمًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ الْمُصْطَفَى مَنْ سِرِّهَا وَكَرِيمُهَا تَدَاعَتْ قُرَيْشٌ غَثَّهَا وَسَمِينُهَا عَلَيْنَا فَلَمْ تَظْفَرْ وَطَاشَتْ حُلُومُهَا وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً إذَا مَا ثَنَوْا صُعْرَ الْخُدُودِ نُقِيمُهَا وَنَحْمِي حِمَاهَا كُلَّ يَوْمٍ كَرِيهَةً وَنَضْرِبُ عَنْ أَجْحَارِهَا مَنْ يَرُومُهَا بِنَا انْتَعَشَ الْعُودُ الذَّوَاءُ وَإِنَّمَا بِأَكْنَافِنَا تَنْدَى وَتَنْمَى أُرُومُهَا
التاريخ 726لا حكم مسجّل
تَحَيُّرُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِيمَا يَصِفُ بِهِ الْقُرْآنَ [ اجْتِمَاعُهُ بِنَفَرِ مِنْ قُرَيْشٍ لِيَبِيتُوا ضِدَّ النَّبِيِّ ﷺ وَاتِّفَاقُ قُرَيْشٍ أَنْ يَصِفُوا الرَّسُولَ ﷺ بِالسَّاحِرِ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ] ثُمَّ إنَّ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ اجْتَمَعَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ ذَا سِنٍّ فِيهِمْ، وَقَدْ حَضَرَ الْمَوْسِمَ فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّهُ قَدْ حَضَرَ هَذَا الْمَوْسِمُ، وَإِنَّ وُفُودَ الْعَرَبِ سَتَقْدَمُ عَلَيْكُمْ فِيهِ، وَقَدْ سَمِعُوا بِأَمْرِ صَاحِبِكُمْ هَذَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا وَاحِدًا، وَلَا تَخْتَلِفُوا فَيُكَذِّبَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَيَرُدَّ قَوْلُكُمْ بَعْضُهُ بَعْضًا؛ قَالُوا: فَأَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقُلْ وَأَقِمْ لَنَا رَأْيًا نَقُولُ بِهِ، قَالَ: بَلْ أَنْتُمْ فَقُولُوا أَسْمَعْ؛ قَالُوا: نَقُولُ كَاهِنٌ، قَالَ: لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنِ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْكُهَّانَ فَمَا هُوَ بِزَمْزَمَةِ الْكَاهِنِ وَلَا سَجْعِهِ؛ قَالُوا: فَنَقُولُ: مَجْنُونٌ، قَالَ: مَا هُوَ بِمَجْنُونِ لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ وَعَرَفْنَاهُ، فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ، وَلَا تَخَالُجِهِ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ، قَالُوا: فَنَقُولُ: شَاعِرٌ؛ قَالَ: مَا هُوَ بِشَاعِرِ، لَقَدْ عَرَفْنَا الشِّعْرَ كُلَّهُ رَجَزَهُ وَهَزَجَهُ وَقَرِيضَهُ وَمَقْبُوضَهُ وَمَبْسُوطَهُ، فَمَا هُوَ بِالشِّعْرِ؛ قَالُوا: فَنَقُولُ: سَاحِرٌ؛ قَالَ: مَا هُوَ بِسَاحِرِ، لَقَدْ رَأَيْنَا السُّحَّارَ وَسِحْرَهُمْ، فَمَا هُوَ بِنَفْثِهِمْ وَلَا عَقْدِهِمْ؛ قَالُوا: فَمَا نَقُولُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ ؟ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ لِقَوْلِهِ لَحَلَاوَةً، وَإِنَّ أَصْلَهُ لَعَذِقٌ، وَإِنَّ فَرْعَهُ لَجُنَاةٌ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ لَغَدِقٌ - وَمَا أَنْتُمْ بِقَائِلِينَ مِنْ هَذَا شَيْئًا إلَّا عُرِفَ أَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِنَّ أَقْرَبَ الْقَوْلِ فِيهِ لَأَنْ تَقُولُوا سَاحِرٌ، جَاءَ بِقَوْلٍ هُوَ سِحْرٌ يُفَرِّقُ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَأَبِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجَتِهِ، وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَعَشِيرَتِهِ. فَتُفَرِّقُوا عَنْهُ بِذَلِكَ، فَجَعَلُوا يَجْلِسُونَ بِسُبُلِ النَّاسِ حِينَ قَدِمُوا الْمَوْسِمَ، لَا يَمُرُّ بِهِمْ أَحَدٌ إلَّا حَذَّرُوهُ إيَّاهُ، وَذَكَرُوا لَهُمْ أَمْرَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَفِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا وَبَنِينَ شُهُودًا وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا أَيْ خَصِيمًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَنِيدٌ: مُعَانِدٌ مُخَالِفٌ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: وَنَحْنُ ضَرَّابُونَ رَأْسَ الْعُنَّدِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَسَرَ: كَرَّهَ وَجْهَهُ. قَالَ الْعَجَّاجُ: مُضَبَّرُ اللَّحْيَيْنِ بَسْرًا مِنْهَسَا يَصِفُ كَرَاهِيَةَ وَجْهِهِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ: ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ الْمُغِيرَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فِي النَّفَرِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ يُصَنِّفُونَ الْقَوْلَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى: كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاحِدَةُ الْعِضِينَ: عِضَةٌ، يَقُولُ: عَضَّوْهُ: فَرَّقُوهُ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: وَلَيْسَ دِينُ اللَّهِ بِالْمُعَضَّى وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. [ تَفَرُّقُ النَّفَرِ فِي قُرَيْشٍ يُشَوِّهُونَ رِسَالَةَ الرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَعَلَ أُولَئِكَ النَّفَرُ يَقُولُونَ ذَلِكَ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ لَقُوا مِنْ النَّاسِ، وَصَدَرَتْ الْعَرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْسِمِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَانْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا.
التاريخ 727لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي اسْتِعْطَافِ قُرَيْشٍ ] فَلَمَّا خَشِيَ أَبُو طَالِبٍ دَهْمَاءَ الْعَرَبِ أَنْ يَرْكَبُوهُ مَعَ قَوْمِهِ، قَالَ قَصِيدَتَهُ الَّتِي تَعَوَّذَ فِيهَا بِحَرَمِ مَكَّةَ وَبِمَكَانِهِ مِنْهَا، وَتَوَدَّدَ فِيهَا أَشْرَافُ قَوْمِهِ، وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ يُخْبِرُهُمْ وَغَيْرَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ شِعْرِهِ أَنَّهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَلَا تَارِكُهُ لِشَيْءِ أَبَدًا حَتَّى يَهْلِكَ دُونَهُ، فَقَالَ: : وَلَمَّا رَأَيْتُ الْقَوْمَ لَا وُدَّ فِيهِمْ وَقَدْ قَطَعُوا كُلَّ الْعُرَى وَالْوَسَائِلِ وَقَدْ صَارَحُونَا بِالْعَدَاوَةِ وَالْأَذَى وَقَدْ طَاوَعُوا أَمْرَ الْعَدُوِّ الْمُزَايِلِ وَقَدْ حَالَفُوا قَوْمًا عَلَيْنَا أَظِنَّةً يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفَنَا بِالْأَنَامِلِ صَبَرْتُ لَهُمْ نَفْسِي بِسَمْرَاءَ سَمْحَةٍ وَأَبْيَضَ عَضْبٍ مِنْ تُرَاثِ الْمَقَاوِلِ وَأَحْضَرْتُ عِنْدَ الْبَيْتِ رَهْطِي وَإِخْوَتِي وَأَمْسَكْتُ مِنْ أَثْوَابهِ بِالْوَصَائِلِ قِيَامًا مَعًا مُسْتَقْبِلِينَ رِتَاجَهُ لُدًى حَيْثُ يَقْضِي حَلْفَهُ كُلُّ نَافِلِ وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ بِمُفْضَى السُّيُولِ مِنْ إسَافٍ وَنَائِلِ مُوَسَّمَةُ الْأَعْضَادِ أَوْ قَصَرَاتُهَا مُخَيَّسَةٌ بَيْنَ السَّدِيسِ وَبَازِلِ تَرَى الْوَدْعَ فِيهَا وَالرُّخَامَ وَزِينَةً بِأَعْنَاقِهَا مَعْقُودَةٌ كَالْعَثَاكِلِ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِلِ وَمِنْ كَاشِحٍ يَسْعَى لَنَا بِمَعِيبَةٍ وَمِنْ مُلْحِقٍ فِي الدِّينِ مَا لَمْ نُحَاوِلْ وَثَوْرٍ وَمَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا مَكَانَهُ وَرَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءٍ وَنَازِلِ وَبِالْبَيْتِ، حَقُّ الْبَيْتِ، مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ وَبِاَللَّهِ إنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ وَبِالْحَجَرِ الْمُسْوَدِّ إذْ يَمْسَحُونَهُ إذَا اكْتَنَفُوهُ بِالضُّحَى وَالْأَصَائِلِ وَمَوْطِئِ إبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ وَأَشْوَاطٌ بَيْنَ الْمَرْوَتَيْنِ إلَى الصّفَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ صُورَةٍ وَتَمَاثُلِ وَمنْ حَجَّ بَيْتِ اللّهِ مِنْ كُلِّ رَاكِبٍ وَمِنْ كُلِّ ذِي نَذْرٍ وَمِنْ كُلِّ رَاجِلِ وَبِالْمُشْعِرِ الْأَقْصَى، إذَا عَمَدُوا لَهُ إلَالٌ إلَى مُفْضَى الشِّرَاجِ الْقَوَابِلِ وَتَوْقَافِهِمْ فَوْقَ الْجِبَالِ عَشِيَّةً يُقِيمُونَ بِالْأَيْدِي صُدُورَ الرَّوَاحِلِ وَلَيْلَةِ جَمْعٍ وَالْمَنَازِلِ مِنْ مِنًى وَهَلْ فَوْقَهَا مِنْ حُرْمَةٍ وَمَنَازِلِ وَجَمْعٍ إذَا مَا الْمُقْرَبَاتِ أَجَزْنَهُ سِرَاعًا كَمَا يَخْرُجْنَ مِنْ وَقْعِ وَابِلِ وَبِالْجَمْرَةِ الْكُبْرَى إذَا صَمَدُوا لَهَا يَؤُمُّونَ قَذْفًا رَأْسَهَا بِالْجَنَادِلِ وَكِنْدَةُ إذَا هُمْ بِالْحِصَابِ عَشِيَّةً تُجِيزُ بِهِمْ حُجَّاجُ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ حَلِيفَانِ شَدَّا عَقْدَ مَا احْتَلَفَا لَهُ وَرَدَّا عَلَيْهِ عَاطِفَاتِ الْوَسَائِلِ وَحَطْمِهِمْ سُمْرَ الصَّفَاحِ وَسَرْحُهُ وَشَبْرِقَهٌ وَخْدَ النَّعَامِ الْجَوَافِلِ فَهَلْ بَعْدَ هَذَا مِنْ مُعَاذٍ لِعَائِذٍ وَهَلْ مِنْ مُعِيذٍ يَتَّقِي اللَّهَ عَاذِلِ يُطَاعُ بِنَا الْعُدَّى وَوَدُّوا لَوْ انَّنَا تُسَدُّ بِنَّا أَبْوَابُ تُرْكٍ وَكَابُلِ كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَتْرُكُ مَكَّةَ وَنَظْعَنُ إلَّا أَمْرُكُمْ فِي بَلَابِلِ كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْزَى مُحَمَّدًا وَلَمَّا نُطَاعِنُ دُونَهُ وَنُنَاضِلْ وَنُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ وَنَذْهَلَ عَنْ أَبْنَائِنَا وَالْحَلَائِلِ وَيَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الْحَدِيدِ إلِيْكُمُ نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ وَحَتَّى تَرَى ذَا الضِّغْنِ يَرْكَبُ رَدْعَهُ مِنْ الطَّعْنِ فِعْلَ الْأَنْكَبِ الْمُتَحَامِلِ وَإِنَّا لَعَمْرُ اللَّهِ إنْ جَدَّ مَا أَرَى لَتَلْتَبِسَنَّ أَسْيَافُنَا بِالْأَمَاثِلِ بِكَفَّيْ فَتًى مِثْلَ الشِّهَابِ سَمَيْدَعِ أَخِي ثِقَةٍ حَامِي الْحَقِيقَةِ بَاسِلِ شُهُورًا وَأَيَّامًا وَحَوْلًا مُجَرَّمًا عَلَيْنَا وَتَأْتِي حَجَّةٌ بَعْدَ قَابِلِ وَمَا تَرْكُ قَوْمٍ، لَا أَبَا لَكَ، سَيِّدًا يَحُوطُ الذِّمَارَ غَيْرَ ذَرْبٍ مُوَاكِلِ وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ يَلُوذُ بِهِ الْهُلَّافُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاصِلِ لَعَمْرِي لَقَدْ أَجْرَى أُسَيْدٌ وَبِكْرُهُ إلَى بُغْضِنَا وَجَزَّآنَا لِآكُلْ وَعُثْمَانُ لَمْ يَرْبَعْ عَلَيْنَا وَقُنْفُذٌ وَلَكِنْ أَطَاعَا أَمْرَ تِلْكَ الْقَبَائِلِ أَطَاعَا أُبَيًّا وَابْنَ عَبْدِ يُغِوثْهُمْ وَلَمْ يَرْقُبَا فِينَا مَقَالَةَ قَائِلِ كَمَا قَدْ لَقِينَا مِنْ سُبَيْعٍ وَنَوْفَلٍ وَكُلٌّ تَوَلَّى مُعْرِضًا لَمْ يُجَامِلْ فَإِنْ يُلْقِيَا أَوْ يُمْكِنْ اللَّهُ مِنْهُمَا نَكِلْ لَهُمَا صَاعًا بِصَاعِ الْمُكَايِلِ وَذَاكَ أَبُو عَمْرٍو أَبَى غَيْرَ بُغْضِنَا لِيَظْعَنَنَا فِي أَهْلِ شَاءٍ وَجَامِلِ يُنَاجِي بِنَا فِي كُلِّ مُمْسًى وَمُصْبَحٍ فَنَاجِ أَبَا عَمْرٍو بِنَا ثُمَّ خَاتِلِ وَيُؤْلَى لَنَا بِاَللَّهِ مَا إنْ يَغُشُّنَا بَلَى قَدْ نَرَاهُ جَهْرَةً غَيْرَ حَائِلِ أَضَاقَ عَلَيْهِ بُغْضُنَا كُلَّ تَلْعَةٍ مِنْ الْأَرْضِ بَيْنَ أَخْشُبٍ فَمُجَادِلِ وَسَائِلْ أَبَا الْوَلِيدِ مَاذَا حَبَوْتَنَا بِسَعْيِكَ فِينَا مُعْرِضًا كَالْمُخَاتِلِ وَكُنْتَ امْرَأً مِمَّنْ يُعَاشُ بِرَأْيِهِ وَرَحْمَتُهُ فِينَا وَلَسْتَ بِجَاهِلِ فَعُتْبَةُ لَا تَسْمَعْ بِنَا قَوْلَ كَاشِحٍ حَسُودٍ كَذُوبٍ مُبْغِضٍ ذِي دَغَاوِلِ وَمَرَّ أَبُو سُفْيَانَ عَنِّي مُعْرِضًا كَمَا مَرَّ قَيْلٌ مِنْ عِظَامِ الْمَقَاوِلِ يَفِرُّ إلَى نَجْدٍ وَبَرْدِ مِيَاهِهِ وَيَزْعُمُ أَنِّي لَسْتُ عَنْكُمْ بِغَافِلِ وَيُخْبِرُنَا فِعْلَ الْمُنَاصِحِ أَنَّهُ شَفِيقٌ وَيُخْفِي عَارِمَاتِ الدَّوَاخِلِ أَمُطْعِمُ لَمْ أَخْذُلْكَ فِي يَوْمٍ نَجْدَةٍ وَلَا مُعْظِمٍ عِنْدَ الْأُمُورِ الْجَلَائِلِ وَلَا يَوْمَ خَصْمٍ إذَا أَتَوْكَ أَلِدَّةً أُولِي جَدَلٍ مِنْ الْخُصُومِ الْمَسَاجِلِ أَمُطْعِمُ إنَّ الْقَوْمَ سَامُوكَ خُطَّةً وَإِنِّي مَتَى أُوكَلْ فَلَسْتُ بِوَائِلِ جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا عُقُوبَةَ شَرٍّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلِ بِمِيزَانِ قِسْطٍ لَا يُخِسُّ شَعِيرَةً لَهُ شَاهِدٌ مِنْ نَفْسِهِ غَيْرَ عَائِلٍ لَقَدْ سَفُهَتْ أَحْلَامُ قَوْمٍ تَبَدَّلُوا بَنِي خَلَفٍ قَيْضًا بِنَا وَالْغَيَاطِلِ وَنَحْنُ الصَّمِيمُ مِنْ ذُؤَابَةِ هَاشِمٍ وَآلِ قُصَيٍّ فِي الْخُطُوبِ الْأَوَائِلِ وَسَهْمٌ وَمَخْزُومٌ تَمَالَوْا وَأَلَّبُوا عَلَيْنَا الْعِدَا مِنْ كُلِّ طِمْلٍ وَخَامِلٍ فَعَبْدُ مَنَافٍ أَنْتُمْ خَيْرُ قَوْمِكُمْ فَلَا تُشْرِكُوا فِي أَمْرِكُمْ كُلَّ وَاغِلِ لَعَمْرِي لَقَدْ وَهَنْتُمْ وَعَجَزْتُمْ وَجِئْتُمْ بِأَمْرٍ مُخْطِئٍ لِلْمَفَاصِلِ وَكُنْتُمْ حَدِيثًا حَطْبَ قِدْرٍ وَأَنْتُمْ الْآنَ حِطَابُ أَقْدُرٍ وَمَرَاجِلِ لِيَهْنِئْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عُقُوقُنَا وَخِذْلَانُنَا وَتَرْكُنَا فِي الْمَعَاقِلِ فَإِنْ نَكُ قَوْمًا نَتَّئِرْ مَا صَنَعْتُمْ وَتَحْتَلِبُوهَا لِقْحَةً غَيْرَ بَاهِلِ وَسَائِطُ كَانَتْ فِي لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ نَفَاهُمْ إلَيْنَا كُلُّ صَقْرٍ حُلَاحِلِ وَرَهْطُ نُفَيْلٍ شَرُّ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى وَأَلْأَمُ حَافٍ مِنْ مَعَدِّ وَنَاعِلِ فَأَبْلِغْ قُصَيًّا أَنْ سَيُنْشَرُ أَمْرُنَا وَبَشِّرْ قُصَيًّا بَعْدَنَا بِالتَّخَاذُلِ وَلَوْ طَرَقَتْ لَيْلًا قُصَيًّا عَظِيمَةٌ إذًا مَا لَجَأْنَا دُونَهُمْ فِي الْمَدَاخِلِ وَلَوْ صَدَقُوا ضَرْبًا خِلَالَ بُيُوتِهِمْ لَكُنَّا أُسًى عِنْدَ النِّسَاءِ الْمَطَافِلِ فَكُلُّ صَدِيقٍ وَابْنِ أُخْتٍ نَعُدُّهُ لَعَمْرِي وَجَدْنَا غِبَّهُ غَيْرَ طَائِلِ سِوَى أَنَّ رَهْطًا مِنْ كِلَابِ بْنِ مُرَّةٍ بَرَاءٌ إلَيْنَا مِنْ مَعَقَّةِ خَاذِلِ وَهَنَّا لَهُمْ حَتَّى تَبَدَّدَ جَمْعُهُمْ وَيَحْسُرَ عَنَّا كُلَّ بَاغٍ وَجَاهِلِ وَكَانَ لَنَا حَوْضُ السِّقَايَةِ فِيهِمْ وَنَحْنُ الْكُدَى مِنْ غَالِبٍ وَالْكَوَاهِلِ شَبَابٌ مِنْ الْمُطَيِّبِينَ وَهَاشِمٍ كَبِيضِ السُّيُوفِ بَيْنَ أَيْدِي الصَّيَاقِلِ فَمَا أَدْرَكُوا ذَحْلًا وَلَا سَفَكُوا دَمًا وَلَا حَالَفُوا إلَّا شِرَارَ الْقَبَائِلِ بِضَرْبٍ تَرَى الْفِتْيَانَ فِيهِ كَأَنَّهُمْ ضَوَارِي أُسُودٍ فَوْقَ لَحْمٍ خَرَادِلِ بَنِي أَمَةٍ مَحْبُوبَةٍ هِنْدِكِيَّةٍ بَنِي جُمَحٍ عُبَيْدِ قَيْسِ بْنِ عَاقِلِ وَلَكِنَّنَا نَسْلٌ كِرَامٌ لِسَادَةٍ بِهِمْ نُعِيَ الْأَقْوَامُ عِنْدَ الْبَوَاطِلِ وَنِعْمَ ابْنِ أُخْتِ الْقَوْمِ غَيْرَ مُكَذَّبٍ زُهَيْرٌ حُسَامًا مُفْرَدًا مِنْ حَمَائِلِ أَشَمُّ مِنْ الشُّمِّ الْبَهَالِيلِ يَنْتَمِي إلَى حَسَبٍ فِي حَوْمَةِ الْمَجْدِ فَاضِلِ لَعَمْرِي لَقَدْ كُلِّفْتُ وَجْدًا بِأَحْمَدَ وَإِخْوَتِهِ دَأْبَ الْمُحِبِّ الْمُوَاصِلِ فَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا جَمَالًا لِأَهْلِهَا وَزِيَنًا لِمَنْ وَالَاهُ رَبُّ الْمَشَاكِلِ فَمَنْ مِثْلُهُ فِي النَّاسِ أَيُّ مُؤَمَّلٍ إذَا قَاسَهُ الْحُكَّامُ عِنْدَ التَّفَاضُلِ حَلِيمٌ رَشِيدٌ عَادِلٌ غَيْرُ طَائِشٍ يُوَالِي إلَاهًا لَيْسَ عَنْهُ بِغَافِلِ فَوَاَللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَجِيءَ بِسُنَّةٍ تَجُرُّ عَلَى أَشْيَاخِنَا فِي الْمَحَافِلِ لَكِنَّا اتَّبَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ مِنْ الدَّهْرِ جِدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ فَأَصْبَحَ فِينَا أَحَمْدٌ فِي أَرُومَةٍ تُقَصِّرُ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ حَدِبْتُ بِنَفْسِي دُونَهُ وَحَمَيْتُهُ وَدَافَعْتُ عَنْهُ بِالذُّرَا وَالْكَلَاكِلِ فَأَيَّدَهُ رَبُّ الْعِبَادِ بِنَصْرِهِ وَأَظْهَرَ دِينًا حَقُّهُ غَيْرُ بَاطِلِ رِجَالٌ كِرَامٌ غَيْرُ مِيلٍ نَمَاهُمْ إلَى الْخَيْرِ آبَاءٌ كِرَامُ الْمَحَاصِلِ فَإِنْ تَكُ كَعْبٌ مِنْ لُؤَيٍّ صُقَيْبَةً فَلَا بُدَّ يَوْمًا مَرَّةً مِنْ تَزَايُلِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هَذَا مَا صَحَّ لِي مِنْ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ يُنْكِرُ أَكْثَرَهَا. [ دَعَا ﷺ لِلنَّاسِ حِينَ أَقْحَطُوا، فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَوَدَّ لَوْ أَنَّ أَبَا طَالِبٍ حَيٌّ، فَرَأَى ذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ، قَالَ: أَقْحَطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمِنْبَرَ فَاسْتَسْقَى، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ مِنْ الْمَطَرِ مَا أَتَاهُ أَهْلُ الضَّوَاحِي يَشْكُونَ مِنْهُ الْغَرَقَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، فَانْجَابَ السَّحَابُ عَنْ الْمَدِينَةِ فَصَارَ حَوَالَيْهَا كَالْإِكْلِيلِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ أَدْرَكَ أَبُو طَالِبٍ هَذَا الْيَوْمَ لَسَرَّهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتَ قَوْلَهُ: : وَأَبْيَضُ يُسْتَسْقَى الْغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ قَالَ: أَجَلْ
التاريخ 728لا حكم مسجّل
[ انْتِشَارُ ذِكْرِ الرَّسُولِ فِي الْقَبَائِلِ، وَلَا سِيَّمَا فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ] فَلَمَّا انْتَشَرَ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَرَبِ، وَبَلَغَ الْبُلْدَانَ، ذُكِرَ بِالْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَكُنْ حَيٌّ مِنْ الْعَرَبِ أَعْلَمَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذُكِرَ، وَقَبْلَ أَنْ يُذْكَرَ مِنْ هَذَا الْحَيِّ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ لِمَا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، وَكَانُوا لَهُمْ حُلَفَاءَ، وَمَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ. فَلَمَّا وَقَعَ ذِكْرُهُ بِالْمَدِينَةِ، وَتَحَدَّثُوا بِمَا بَيْنَ قُرَيْشٍ فِيهِ مِنْ الِاخْتِلَافِ. قَالَ أَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ. أَخُو بَنِي وَاقِفٍ. قَصِيدَةً يُعَظِّمُ فِيهَا الْحُرْمَةَ، وَيَنْهَى قُرَيْشًا فِيهَا عَنْ الْحَرْبِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُمْ وَأَحْلَامَهُمْ، وَيَأْمُرُهُمْ بِالْكَفِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيُذَكِّرُهُمْ بَلَاءَ اللَّهِ عِنْدَهُمْ، وَدَفْعَهُ عَنْهُمْ الْفِيلَ وَكَيْدَهُ عَنْهُمْ، فَقَالَ: : يَا رَاكِبًا إمَّا عَرَضَتْ فَبَلِّغْنَ مُغَلْغِلَةً عَنِّي لُؤَيَّ بْنَ غَالِبِ رَسُولُ امْرِئٍ قَدْ رَاعَهُ ذَاتُ بَيْنِكُمْ عَلَى النَّأْيِ مَحْزُونٍ بِذَلِكَ نَاصِبِ وَقَدْ كَانَ عِنْدِي لِلْهُمُومِ مَعَرَّسٌ فَلَمْ أَقْضِ مِنْهَا حَاجَتِي وَمَآرِبِي نُبَيِّتُكُمْ شَرْجَيْنِ كُلَّ قَبِيلَةٍ لَهَا أَزْمَلٌ مِنْ بَيْنِ مُذْكٍ وَحَاطِبِ أُعِيذُكُمْ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّ صُنْعِكُمْ وَشَرِّ تَبَاغِيكُمْ وَدَسِّ الْعَقَارِبِ وَإِظْهَارِ أَخْلَاقٍ وَنَجْوَى سَقِيمَةٍ كَوَخْزِ الْأَشَافِي وَقْعُهَا حَقُّ صَائِبِ فَذَكِّرْهُمْ بِاَللَّهِ أَوَّلَ وَهْلَةٍ وَإِحْلَالِ أَحْرَامِ الظِّبَاءِ الشَّوَازِبِ وَقُلْ لَهُمْ وَاَللَّهُ يَحْكُمُ حُكْمَهُ ذَرُوا الْحَرْبَ تَذْهَبُ عَنْكُمْ فِي الْمَرَاحِبِ مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً هِيَ الْغُولُ لِلْأَقْصَيْنَ أَوْ لِلْأَقَارِبِ تُقَطِّعُ أَرْحَامًا وَتُهْلِكُ أُمَّةً وَتَبْرِي السَّدِيفَ مِنْ سَنَامٍ وَغَارِبِ وَتَسْتَبْدِلُوا بِالْأَتْحَمِيَّةِ بَعْدَهَا شَلِيلًا وَأَصْدَاءً ثِيَابَ الْمُحَارِبِ وَبِالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ غُبْرًا سَوَابِغًا كَأَنَّ قَتِيرَيْهَا عُيُونُ الْجَنَادِبِ فَإِيَّاكُمْ وَالْحَرْبَ لَا تَعْلَقَنَّكُمْ وَحَوْضًا وَخِيمَ الْمَاءِ مُرَّ الْمَشَارِبِ تَزَيَّنُ لِلْأَقْوَامِ ثُمَّ يَرَوْنَهَا بِعَاقِبَةٍ إذْ بَيَّنَتْ، أُمَّ صَاحِبِ تُحَرِّقُ لَا تُشْوِي ضَعِيفًا وَتَنْتَحِي ذَوِي الْعِزِّ مِنْكُمْ بِالْحُتُوفِ الصَّوَائِبِ أَلَمْ تَعْلَمُوا مَا كَانَ فِي حَرْبِ دَاحِسٍ فَتَعْتَبِرُوا أَوْ كَانَ فِي حَرْبِ حَاطِبِ وَكَمْ قَدْ أَصَابَتْ مِنْ شَرِيفٍ مُسَوَّدٍ طَوِيلِ الْعِمَادِ ضَيْفُهُ غَيْرُ خَائِبِ 287 عَظِيمِ رَمَادِ النَّارِ يُحْمَدُ أَمْرُهُ وَذِي شِيمَةٍ مَحْضٍ كَرِيمٍ الْمَضَارِبِ وَمَاءِ هُرِيقَ فِي الضَّلَالِ كَأَنَّمَا أَذَاعَتْ بِهِ رِيحُ الصَّبَا وَالْجَنَائِبِ يُخَبِّرُكُمْ عَنْهَا امْرُؤٌ حَقُّ عَالِمٌ بِأَيَّامِهَا وَالْعِلْمُ عِلْمُ التَّجَارِبِ فَبِيعُوا الْحِرَابَ مِلْمُحَارِبِ وَاذْكُرُوا حِسَابَكُمْ وَاَللَّهُ خَيْرُ مُحَاسِبِ وَلِيُّ امْرِئٍ فَاخْتَارَ دِينًا فَلَا يَكُنْ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا غَيْرَ رَبِّ الثَّوَاقِبِ أَقِيمُوا لَنَا دِينًا حَنِيفًا فَأَنْتُمْ لَنَا غَايَةٌ قَدْ يُهْتَدَى بِالذَّوَائِبِ وَأَنْتُمْ لِهَذَا النَّاسِ نُورٌ وَعِصْمَةٌ تُؤَمُّونَ، وَالْأَحْلَامُ غَيْرُ عَوَازِبِ وَأَنْتُمْ، إذَا مَا حُصِّلَ النَّاسُ، جَوْهَرٌ لَكُمْ سُرَّةُ الْبَطْحَاءِ شُمُّ الْأَرَانِبِ تَصُونُونَ أَجْسَادًا كِرَامًا عَتِيقَةً مُهَذَّبَةَ الْأَنْسَابِ غَيْرَ أَشَائِبِ تَرَى طَالِبَ الْحَاجَاتِ نَحْوَ بُيُوتِكُمْ عَصَائِبَ هَلْكَى تَهْتَدِي بِعَصَائِبِ لَقَدْ عَلِمَ الْأَقْوَامُ أَنَّ سَرَاتَكُمْ عَلَى كُلِّ حَالٍ خَيْرُ أَهْلِ الْجَبَاجِبِ وَأَفْضَلُهُ رَأْيًا وَأَعْلَاهُ سُنَّةً وَأَقْوَلُهُ لِلْحَقِّ وَسْطَ الْمَوَاكِبِ فَقُومُوا فَصَلُّوا رَبَّكُمْ وَتَمَسَّحُوا بِأَرْكَانِ هَذَا الْبَيْتِ بَيْنَ الْأَخَاشِبِ فَعِنْدَكُمْ مِنْهُ بَلَاءٌ وَمَصْدَقٌ غَدَاةَ أَبِي يَكْسُومَ هَادِي الْكَتَائِبِ كَتِيبَتُهُ بِالسَّهْلِ تُمْسِي وَرَجْلُهُ عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ فَلَمَّا أَتَاكُمْ نَصْرُ ذِي الْعَرْشِ رَدَّهُمْ جُنُودُ الْمَلِيكِ بَيْنَ سَافٍ وَحَاصِبِ فَوَلَّوْا سِرَاعًا هَارِبِينَ وَلَمْ يَؤُبْ إلَى أَهْلِهِ مِلْحُبْشِ غَيْرُ عَصَائِبِ فَإِنْ تَهْلِكُوا نَهْلِكْ وَتَهْلِكْ مَوَاسِمٌ يُعَاشُ بِهَا، قَوْلُ امْرِئٍ غَيْرِ كَاذِبِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي بَيْتَهُ: وَمَاءٌ هُرِيقَ، وَبَيْتَهُ: فَبِيعُوا الْحِرَابَ وَقَوْلَهُ: وَلِيُّ امْرِئِ فَاخْتَارَ، وَقَوْلَهُ: عَلَى الْقَاذِفَاتِ فِي رُءُوسِ الْمَنَاقِبِ أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَأَبُو قَيْسِ بْنِ الْأَسْلَتِ: مِنْ بَنِي وَائِلٍ؛ وَوَائِلٌ، وَوَاقِفٌ، وَخَطْمَةُ إخْوَةٌ مِنْ الْأَوْسِ. [ شِعْرُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ فِي صَدِّ قَوْمِهِ عَنْ عَدَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَكِيمُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السُّلَمِيُّ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ وَقَدْ أَسْلَمَ، يُوَرِّعُ قَوْمَهُ عَمَّا أَجَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ فِيهِمْ شَرِيفًا مُطَاعًا: : هَلْ قَائِلٌ قَوْلًا هُوَ الْحَقُّ قَاعِدٌ عَلَيْهِ وَهَلْ غَضْبَانُ لِلرُّشْدِ سَامِعُ وَهَلْ سَيِّدٌ تَرْجُو الْعَشِيرَةُ نَفْعَهُ لِأَقْصَى الْمَوَالِي وَالْأَقَارِبِ جَامِعُ تَبَرَّأْتُ إلَّا وَجْهَ مَنْ يَمْلِكُ الصِّبَا وَأَهْجُرُكُمْ مَا دَامَ مُدْلٍ وَنَازِعُ وَأُسْلِمُ وَجْهِي لِلْإِلَهِ وَمَنْطِقِي وَلَوْ رَاعَنِي مِنْ الصَّدِيقِ رَوَائِعُ
التاريخ 729لا حكم مسجّل
[ حَدِيثُ ابْنِ الْعَاصِ عَنْ أَكْثَرِ مَا رَأَى قُرَيْشًا نَالَتْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا كَانُوا يُظْهِرُونَ مِنْ عَدَاوَتِهِ ؟ قَالَ: حَضَرْتُهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ، سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا، لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَمَا قَالُوا: فَبَيْنَا هُمْ فِي ذَلِكَ إذْ طَلَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ الْقَوْلِ. قَالَ: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: ثُمَّ مَضَى، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَوَقَفَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ. قَالَ: فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ، حَتَّى إنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ، حَتَّى إنَّهُ لِيَقُولَ: انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَوَاَللَّهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا. قَالَ: فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إذَا كَانَ الْغَدُ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ وَأَنَا مَعَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: ذَكَرْتُمْ مَا بَلَغَ مِنْكُمْ، وَمَا بَلَغَكُمْ عَنْهُ، حَتَّى إذَا بَادَاكُمْ بِمَا تَكْرَهُونَ تَرَكْتُمُوهُ. فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ طَلَعَ ( عَلَيْهِمْ ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَوَثَبُوا إلَيْهِ وَثْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأَحَاطُوا بِهِ، يَقُولُونَ: أَنْتَ الَّذِي تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، لِمَا كَانَ يَقُولُ مِنْ عَيْبِ آلِهَتِهِمْ وَدِينِهِمْ؛ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ: أَنَا الَّذِي أَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْهُمْ أَخَذَ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ. قَالَ: فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ؓ دُونَهُ، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ ؟ ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَأَشَدُّ مَا رَأَيْتُ قُرَيْشًا نَالُوا مِنْهُ قَطُّ. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْمَلَأَ مِنْ قُرَيْشٍ اجْتَمَعُوا فِي الْحِجْرِ فَتَعَاهَدُوا بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى: لَوْ قَدْ رَأَيْنَا مُحَمَّدًا قُمْنَا إِلَيْهِ قِيَامَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَلَمْ نُفَارِقْهُ حَتَّى نَقْتُلَهُ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَبْكِي حَتَّى دَخَلَتْ عَلَى أَبِيهَا رَسُولِ اللَّهِ [ ﷺ ] فَقَالَتْ: هَؤُلَاءِ الْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ قَوْمِكَ فِي الْحِجْرِ قَدْ تَعَاهَدُوا أَنْ لَوْ رَأَوْكَ قَامُوا إِلَيْكَ يَقْتُلُونَكَ، فَلَيْسَ مَعَهُمْ رَجُلٌ إِلَّا قَدْ عَرَفَ نَصِيبَهُ مِنْ بَدَنِكَ. فَقَالَ: "يَا بُنَيَّةُ أَرِنِي وَضُوءًا" فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمُ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هُوَ هَذَا، هُوَ هَذَا. فَخَفَضُوا أَبْصَارَهُمْ وَعُقِرُوا فِي مَجَالِسِهِمْ فَلَمْ يَرْفَعُوا إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ، وَلَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قَامَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَأَخَذَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ فَحَصَبَهُمْ بِهَا. وَقَالَ: "شَاهَتِ الْوُجُوهَ" فَمَا أَصَابَ رَجُلًا مِنْهُمْ حَصَاةً إِلَّا قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا. وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا عَلَى قُرَيْشٍ غَيْرَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَرَهْطٌ مِنْ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ وَسَلَا جَزُورٍ قَرِيبٌ مِنْهُمْ فَقَالُوا: مَنْ يَأْخُذُ هَذَا السَّلَا فَيُلْقِيهِ عَلَى ظَهْرِهِ؟ فَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ: أَنَا. فَأَخَذَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى ظَهْرِهِ فَلَمْ يَزَلْ سَاجِدًا حَتَّى جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَخَذَتْهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِالْمَلَإِ مِنْ قُرَيْشٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ. اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِعُقَبْةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ" - أَوْ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ". فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ جَمِيعًا، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ غَيْرَ أُبَيٍّ - أَوْ أُمَيَّةَ - فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ضَخْمًا فَتَقَطَّعَ. زَادَ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ فَلَقِيَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ وَمَعَ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ سَوْطٌ يَتَخَصَّرُ بِهِ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْكَرَ وَجْهَهُ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: خَلِّ عَنِّي قَالَ: عَلِمَ اللَّهُ لَا أُخَلِّي عَنْكَ أَوْ تُخْبِرُنِي مَا شَأْنُكَ فَلَقَدْ أَصَابَكَ شَيْءٌ. فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ غَيْرُ مُخَلٍّ عَنْهُ أَخْبَرَهُ قَالَ: إِنَّ أَبَا جَهْلٍ أَمَرَ فَطُرِحَ عَلَيَّ فَرْثٌ. قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: هَلُمَّ إِلَى الْمَسْجِدِ. فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ فَدَخَلَا الْمَسْجِدِ ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ عَلَى أَبِي جَهْلٍ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَكَمِ أَنْتَ الَّذِي أَمَرْتَ بِمُحَمَّدٍ فَطُرِحَ عَلَيْهِ الْفَرْثُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَرَفَعَ السَّوْطَ. فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهُ فَثَارَ الرِّجَالُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَصَاحَ أَبُو جَهْلٍ: وَيْحَكُمْ إِنَّمَا أَرَادَ مُحَمَّدٌ أَنْ يُلْقِيَ بَيْنَنَا الْعَدَاوَةَ وَيَنْجُوَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ. [ بَعْضُ مَا نَالَ أَبَا بَكْرٍ فِي سَبِيلِ الرَّسُولِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: ( لَقَدْ ) رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ وَقَدْ صَدَعُوا فَرْقَ رَأْسِهِ، مِمَّا جَبَذُوهُ بِلِحْيَتِهِ وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعْرِ. [ أَشَدُّ مَا أُوذِيَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَشَدَّ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا فَلَمْ يَلْقَهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا كَذَّبَهُ وَآذَاهُ، لَا حُرٌّ وَلَا عَبْدٌ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَنْزِلِهِ، فَتَدَثَّرَ مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ
التاريخ 730لا حكم مسجّل
مَا دَارَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ: لَقَدْ حَاوَلَتْ قُرَيْشٌ مِرَارًا أَنْ تُثْنِيَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ دَعْوَتِهِ وَكَانَ مِمَّا حَاوَلُوهُ أَنِ اجْتَمَعَ عَدَدٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَذَهَبُوا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ أَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَوْ أَنْ يُزَوِّجُوهُ مَنْ يَشَاءُ أَوْ يَجْمَعُوا لَهُ مَا يُرِيدُ مِنْ مَالٍ إِنْ كَانَ مَا يَدْعُو إِلَيْهِ لِأَجْلِ الْمَالِ أَوْ يُطَبِّبُوهُ إِنْ كَانَ مَا بِهِ مَرَضٌ. إِلَّا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَا كَانَ يُجِيبُهُمْ بِأَكْثَرَ مِنْ دَعْوَتِهِمْ إِلَى التَّوْحِيدِ بِأَنْ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا. وَقَدْ تَدَبَّرُوا أَمْرَهُمْ وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ يَسْأَلُوهُمْ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِمْ بِأَسْئِلَةٍ لَا يَعْرِفُ إِجَابَتَهَا إِلَّا نَبِيٌّ، وَقَدْ سَأَلُوا قُرَيْشًا هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ، وَكَانَ مِنْهَا سُؤَالُهُمْ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَذِي الْقَرْنَيْنِ وَعَنِ الرُّوحِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ أَجَابَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْرَةِ انْقِطَاعٍ مِنَ الْوَحْيِ كَانَتْ أَشَدَّ مَا يَكُونُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ إِذْ كَانَتْ فِي انْتِظَارِ الْإِجَابَةِ الَّتِي تُوحِي إِلَيْهِ لِيُجِيبَ بِهَا الْقَوْمَ. وَرَغْمَ كُلِّ هَذَا لَمْ تُؤْمِنْ قُرَيْشٌ مَعَ كَوْنِ رُؤَسَائِهَا يَحْرِصُونَ سِرًّا عَلَى الِاسْتِمَاعِ إِلَى الْقُرْآنِ وَيَتَعَجَّبُونَ مِمَّا يَسْمَعُونَ، يَأْخُذُ بِنُفُوسِهِمْ فَيَبْعَثُ فِيهَا مَعَانٍ تَشُدُّهُمْ إِلَى الْحَقِّ بَيْنَمَا يُبْعِدُهُمْ عَنْهُ الْفَخْرُ بِالْآبَاءِ وَالْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ.
التاريخ 731لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ الْإِسْلَامَ جَعَلَ يَفْشُو بِمَكَّةَ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَقُرَيْشٌ تَحْبِسُ مَنْ قَدَرَتْ عَلَى حَبْسِهِ، وَتَفْتِنُ مَنْ اسْتَطَاعَتْ فِتْنَتَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ إنَّ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: [ حَدِيثُ رُؤَسَاءِ قُرَيْشٍ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ ] اجْتَمَعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ ( بْنِ كَلَدَةَ )، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ ا?ْأَسْوَدِ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ السَّهْمِيَّانِ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، أَوْ مَنْ اجْتَمَعَ مِنْهُمْ. قَالَ: اجْتَمِعُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عِنْدَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: ابْعَثُوا إلَى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وَخَاصِمُوهُ حَتَّى تُعْذِرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أَشْرَافَ قَوْمِكَ قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ، فَأْتِهِمْ؛ فَجَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا، وَهُوَ يَظُنُّ أَنْ قَدْ بَدَا لَهُمْ فِيمَا كَلَّمَهُمْ فِيهِ بَدَاءٌ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَرِيصًا يُحِبُّ رُشْدَهُمْ، وَيَعِزُّ عَلَيْهِ عَنَتُهُمْ، حَتَّى جَلَسَ إلَيْهِمْ؛ فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّا قَدْ بَعَثْنَا إلَيْكَ لِنُكَلِّمَكَ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ أَدْخَلَ عَلَى قَوْمِهِ مِثْلَ مَا أَدْخَلْتَ عَلَى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الْآبَاءَ، وَعِبْتَ الدِّينَ، وَشَتَمْتَ الْآلِهَةَ، وَسَفَّهْتَ الْأَحْلَامَ، وَفَرَّقْتَ الْجَمَاعَةَ، فَمَا بَقِيَ أَمْرٌ قَبِيحٌ إلَّا قَدْ جِئْتَهُ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ - أَوْ كَمَا قَالُوا لَهُ - فَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا جِئْتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ إنَّمَا تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فِينَا، فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رِئْيًا تَرَاهُ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ - وَكَانُوا يُسَمُّونَ التَّابِعَ مِنْ الْجِنِّ رِئْيًا - فَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ، بَذَلْنَا لَكَ أَمْوَالَنَا فِي طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، أَوْ نُعْذِرَ فِيكَ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا بِي مَا تَقُولُونَ مَا جِئْتُ بِمَا جِئْتُكُمْ بِهِ أَطْلُبُ أَمْوَالَكُمْ، وَلَا الشَّرَفَ فِيكُمْ، وَلَا الْمُلْكَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ كِتَابًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أَكُونَ لَكُمْ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي، وَنَصَحْتُ لَكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوا مِنِّي مَا جِئْتُكُمْ بِهِ، فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا شَيْئًا مِمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَيْكَ فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَضْيَقَ بَلَدًا، وَلَا أَقَلَّ مَاءً، وَلَا أَشَدَّ عَيْشًا مِنَّا، فَسَلْ لَنَا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنَّا هَذِهِ الْجِبَالَ الَّتِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا، وَلْيَبْسُطْ لَنَا بِلَادَنَا، وَلْيُفَجِّرْ لَنَا فِيهَا أَنَهَارًا كَأَنْهَارِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، وَلْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، وَلْيَكُنْ فِيمَنْ يُبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخَ صِدْقٍ، فَنَسْأَلَهُمْ عَمَّا تَقُولُ: أَحَقُّ هُوَ أَمْ بَاطِلٌ، فَإِنْ صَدَّقُوكَ وَصَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ صَدَّقْنَاكَ، وَعَرَفْنَا بِهِ مَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ، وَأَنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ. فَقَالَ لَهُمْ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ -: مَا بِهَذَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ، إنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنْ اللَّهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، وَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ إلَيْكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قَالُوا: فَإِذَا لَمْ تَفْعَلْ هَذَا لَنَا، فَخُذْ لِنَفْسِكَ، سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، وَيُرَاجِعُنَا عَنْكَ وَسَلْهُ فَلْيَجْعَلْ لَكَ جَنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ يُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ كَمَا نَقُومُ، وَتَلْتَمِسُ الْمَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُهُ، حَتَّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا أَنَا بِفَاعِلِ، وَمَا أَنَا بِاَلَّذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا، وَمَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ بِهَذَا، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا وَنَذِيرًا - أَوْ كَمَا قَالَ - فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أَصْبِرْ لِأَمْرِ اللَّهِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قَالُوا: فَأَسْقِطْ السَّمَاءَ عَلَيْنَا كِسَفًا كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إنْ شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّا لَا نُؤْمِنُ لَكَ إلَّا أَنْ تَفْعَلَ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ إلَى اللَّهِ، إنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكُمْ فَعَلَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَفَمَا عَلِمَ رَبُّكَ أَنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ وَنَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ، وَنَطْلُبُ مِنْكَ مَا نَطْلُبُ، فَيَتَقَدَّمَ إلَيْكَ فَيُعَلِّمَكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، وَيُخْبِرُكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا، إذْ لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتنَا بِهِ إنَّهُ قَدْ بَلَغْنَا أَنَّكَ إنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ: الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بِالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أَعْذَرْنَا إلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ، وَإِنَّا وَاَللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ وَمَا بَلَغْتَ مِنَّا حَتَّى نُهْلِكَكَ، أَوْ تُهْلِكَنَا. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ. وَقَالَ قَائِلُهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِاَللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا. [ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ ] فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَنْهُمْ، وَقَامَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ - وَهُوَ ابْنُ عَمَّتِهِ، فَهُوَ لِعَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ. عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ مَا عَرَضُوا فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا لِيَعْرِفُوا بِهَا مَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، وَيُصَدِّقُوكَ وَيَتَّبِعُوكَ فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تَأْخُذَ لِنَفْسِكَ مَا يَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَكَ عَلَيْهِمْ، وَمَنْزِلَتَكَ مِنْ اللَّهِ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ بَعْضَ مَا تُخَوِّفُهُمْ بِهِ مِنْ الْعَذَابِ، فَلَمْ تَفْعَلْ - أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ - فَوَاَللَّهِ لَا أُومِنُ بِكَ أَبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إلَى السَّمَاءِ سُلَّمًا، ثُمَّ تَرْقَى فِيهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إلَيْكَ حَتَّى تَأْتِيَهَا، ثُمَّ تَأْتِي مَعَكَ أَرْبَعَةٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ، وَاَيْمُ اللَّهِ، لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَا ظَنَنْتُ أَنِّي أُصَدِّقُكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى أَهْلِهِ حَزِينًا آسِفًا لِمَا فَاتَهُ مِمَّا كَانَ يَطْمَعُ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ إيَّاهُ. عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الْجِبَالُ فَيَزْدَرِعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أُهْلِكَتْ مَنْ قَبْلَهُمْ. قَالَ: " لَا، بَلْ أَسَتَأْنِي بِهِمْ ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا [ الْإِسْرَاءِ: 59 ] الْآيَةَ وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ بِهِ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ عِمْرَانَ أَبِي الْحَكَمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا وَنُؤْمِنُ بِكَ. قَالَ: " وَتَفْعَلُونَ ؟ ". قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَدَعَا، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: إِنْ شِئْتَ أَصْبَحَ الصَّفَا لَهُمْ ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهُمْ بَابَ الرَّحْمَةِ وَالتَّوْبَةِ. قَالَ: " بَلِ التَّوْبَةُ وَالرَّحْمَةُ ". وَهَذَانَ إِسْنَادَانِ جَيِّدَانِ. [ مَا تَوَعَّدَ بِهِ أَبُو جَهْلٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] فَلَمَّا قَامَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إلَّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا، وَشَتْمِ آبَائِنَا، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا، وَشَتْمِ آلْهِتَتَا، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ مَا أُطِيقُ حَمْلَهُ - أَوْ كَمَا قَالَ - فَإِذَا سَجَدَ فِي صَلَاتِهِ فَضَخْتُ بِهِ رَأْسَهُ، فَأَسْلِمُونِي عِنْدَ ذَلِكَ أَوْ امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ؛ قَالُوا: وَاَللَّهِ لَا نُسْلِمُكَ لِشَيْءِ أَبَدًا، فَامْضِ لِمَا تُرِيدُ. [ مَا حَدَثَ لِأَبِي جَهْلٍ حِينَ هَمَّ بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ ] فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو جَهْلٍ أَخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُهُ، وَغَدَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَمَا كَانَ يَغْدُو. وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ وَقِبْلَتُهُ إلَى الشَّامِ، فَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَّى بَيْنَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي وَقَدْ غَدَتْ قُرَيْشٌ فَجَلَسُوا فِي أَنْدِيَتِهِمْ يَنْتَظِرُونَ مَا أَبُو جَهْلٍ فَاعِلٌ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ مَرْعُوبًا قَدْ يَبِسَتْ يَدَاهُ عَلَى حَجَرِهِ، حَتَّى قَذَفَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِهِ. وَقَامَتْ إلَيْهِ رِجَالُ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ: مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ ؟ قَالَ: قُمْتُ إلَيْهِ لِأَفْعَلَ بِهِ مَا قُلْتُ لَكُمْ الْبَارِحَةَ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنْ الْإِبِلِ، لَا وَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتهِ، وَلَا مِثْلَ قَصَرَتِهِ وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، فَهَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَوْ دَنَا لَأَخَذَهُ. [ نَصِيحَةُ النَّضْرِ لِقُرَيْشِ بِالتَّدَبُّرِ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ] فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ، قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّهُ وَاَللَّهِ قَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ مَا أَتَيْتُمْ لَهُ بِحِيلَةِ بَعْدُ، قَدْ كَانَ مُحَمَّدٌ فِيكُمْ غُلَامًا حَدَثًا أَرْضَاكُمْ فِيكُمْ، وَأَصْدَقَكُمْ حَدِيثًا، وَأَعْظَمَكُمْ أَمَانَةً، حَتَّى إذَا رَأَيْتُمْ فِي صُدْغَيْهِ الشَّيْبَ، وَجَاءَكُمْ بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ، قُلْتُمْ سَاحِرٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِسَاحِرٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا السَّحَرَةَ وَنَفْثَهُمْ وَعَقْدَهُمْ؛ وَقُلْتُمْ كَاهِنٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِكَاهِنٍ، قَدْ رَأَيْنَا الْكَهَنَةَ وَتَخَالُجَهُمْ وَسَمِعْنَا سَجْعَهُمْ؛ وَقُلْتُمْ شَاعِرٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِشَاعِرٍ، قَدْ رَأَيْنَا الشِّعْرَ، وَسَمِعْنَا أَصْنَافَهُ كُلَّهَا: هَزَجَهُ وَرَجَزَهُ، وَقُلْتُمْ مَجْنُونٌ، لَا وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِمَجْنُونٍ، لَقَدْ رَأَيْنَا الْجُنُونَ فَمَا هُوَ بِخَنْقِهِ، وَلَا وَسْوَسَتِهِ، وَلَا تَخْلِيطِهِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، فَانْظُرُوا فِي شَأْنِكُمْ، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَقَدْ نَزَلَ بِكُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ. [ مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] وَكَانَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيْشٍ، وَمِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَنْصِبُ لَهُ الْعَدَاوَةَ، وَكَانَ قَدْ قَدِمَ الْحِيرَةَ، وَتَعَلَّمَ بِهَا أَحَادِيثَ مُلُوكِ الْفُرْسِ، وَأَحَادِيثَ رُسْتُمَ وَاسْبِنْدِيَارَ. فَكَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا فَذَكَّرَ فِيهِ بِاَللَّهِ، وَحَذَّرَ قَوْمَهُ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ الْأُمَمِ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ، خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ، ثُمَّ قَالَ: أَنَا وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ، فَهَلُمَّ إلَيَّ، فَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أَحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسَ وَرُسْتُمَ وَاسْبِنْدِيَارَ، ثُمَّ يَقُولُ: بِمَاذَا مُحَمَّدٌ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنِّي ؟. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيمَا بَلَغَنِي: سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ؓ يَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: نَزَلَ فِيهِ ثَمَانِ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ: قَوْلُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ -: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ. وَكُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ مِنْ الْأَسَاطِيرِ مِنْ الْقُرْآنِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ، وَعَرَفُوا صِدْقَهُ فِيمَا حَدَّثَ وَمَوْقِعَ نُبُوَّتِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُ، حَالَ الْحَسَدُ مِنْهُمْ لَهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قَائِلُهُمْ: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ أَيِ اجْعَلُوهُ لَغْوًا بَاطِلًا وَهُزُؤًا لَعَلَّكُمْ تُغْلَبُونَ بِذَلِكَ فَإِنَّكُمْ إِنْ نَاظَرْتُمُوهُ وَخَاصَمْتُمُوهُ غَلَبَكُمْ بِذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمًا، هُوَ يَهْزَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَا أَتَى بِهِ مِنَ الْحَقِّ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ إِنَّمَا جُنُودُ اللَّهِ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَكُمْ فِي النَّارِ وَيَحْبِسُونَكُمْ فِيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ، وَأَنْتُمُ النَّاسُ عَدَدًا وَكَثْرَةً، فَيَعْجِزُ كُلُّ مِائَةٍ مِنْكُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلا مَلائِكَةً فَلَا يُطَاقُونَ كَمَا تَتَوَهَّمُونَ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلا فِتْنَةً ضَلَالًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنْ يَقُولُوا: لِمَ كَانُوا تِسْعَةَ عَشَرَ، لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ أَيِ الْيَهُودُ صِدْقَ النَّبِيِّ ﷺ فِي كَوْنِهِمْ تِسْعَةَ عَشَرَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي كِتَابِهِمْ، وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِيمَانًا تَصْدِيقًا لِمُوَافَقَةِ مَا أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِمَا فِي كِتَابِهِمْ. وَلا يَرْتَابَ يَشُكَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ فِي عَدَدِ الْمَلَائِكَةِ ، وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ شَكٌّ بِالْمَدِينَةِ وَالْكَافِرُونَ بِمَكَّةَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا الْعَدَدِ مَثَلا سَمَّوْهُ مَثَلًا لِغَرَابَتِهِ وَأُغْرِبَ حَالًا. كَذَلِكَ أَيْ مِثْلِ إِضْلَالِ مُنْكِرِ هَذَا الْعَدَدِ وَهَدَى مُصَدِّقَهُ، يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ أَيِ الْمَلَائِكَةَ فِي قُوَّتِهِمْ وَأَعْوَانِهِمْ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
التاريخ 732لا حكم مسجّل
[ أَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ النَّضْرَ وَابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى أَحْبَارِ يَهُودَ يَسْأَلَانِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ] فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بَعَثُوهُ، وَبَعَثُوا مَعَهُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ إلَى أَحْبَارِ يَهُودَ بِالْمَدِينَةِ، وَقَالُوا لَهُمَا: سَلَاهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَصِفَا لَهُمْ صِفَتَهُ، وَأَخْبِرَاهُمْ بِقَوْلِهِ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ الْأُوَلِ، وَعِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ عِنْدَنَا مِنْ عِلْمِ الْأَنْبِيَاءِ، فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، فَسَأَلَا أَحْبَارَ يَهُودَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَصَفَا لَهُمْ أَمْرَهُ، وَأَخْبَرَاهُمْ بِبَعْضِ قَوْلِهِ، وَقَالَا لَهُمْ: إنَّكُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ، وَقَدْ جِئْنَاكُمْ لِتُخْبِرُونَا عَنْ صَاحِبِنَا هَذَا. فَقَالَتْ لَهُمَا أَحْبَارُ يَهُودَ: سَلُوهُ عَنْ ثَلَاثٍ نَأْمُرُكُمْ بِهِنَّ، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِنَّ فَهُوَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ. سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ مَا كَانَ أَمْرُهُمْ؛ فَإِنَّهُ قَدْ كَانَ لَهُمْ حَدِيثٌ عَجَبٌ، وَسَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ طَوَّافٍ قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا مَا كَانَ نَبَؤُهُ، وَسَلُوهُ عَنْ الرُّوحِ مَا هِيَ ؟ فَإِذَا أَخْبَرَكُمْ بِذَلِكَ فَاتَّبِعُوهُ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَهُوَ رَجُلٌ مُتَقَوَّلٌ، فَاصْنَعُوا فِي أَمْرِهِ مَا بَدَا لَكُمْ. فَأَقْبَلَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ حَتَّى قَدِمَا مَكَّةَ عَلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، قَدْ جِئْنَاكُمْ بِفَصْلِ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ، قَدْ أَخْبَرَنَا أَحْبَارُ يَهُودَ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ أَمَرُونَا بِهَا، فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ عَنْهَا فَهُوَ نَبِيٌّ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَالرَّجُلُ مُتَقَوِّلٌ، فَرَوْا فِيهِ رَأْيَكُمْ. [ سُؤَالُ قُرَيْشٍ لَهُ ﷺ عَنْ أَسْئِلَةٍ وَإِجَابَتُهُ لَهُمْ ] فَجَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ فِتْيَةٍ ذَهَبُوا فِي الدَّهْرِ الْأَوَّلِ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ قِصَّةٌ عَجَبٌ؛ وَعَنْ رَجُلٍ كَانَ طَوَّافًا قَدْ بَلَغَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا؛ وَأَخْبِرْنَا عَنْ الرُّوحِ مَا هِيَ ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَأَلْتُمْ عَنْهُ غَدًا وَلَمْ يَسْتَثْنِ، فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ فِيمَا يَذْكُرُونَ - خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُحْدِثُ اللَّهُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَحْيًا، وَلَا يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ، حَتَّى أَرْجَفَ أَهْلُ مَكَّةَ، وَقَالُوا: وَعَدَنَا مُحَمَّدٌ غَدًا، وَالْيَوْمَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، قَدْ أَصْبَحْنَا مِنْهَا لَا يُخْبِرُنَا بِشَيْءِ مِمَّا سَأَلْنَاهُ عَنْهُ، وَحَتَّى أَحْزَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُكْثُ الْوَحْيِ عَنْهُ، وَشَقَّ عَلَيْهِ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ أَهْلُ مَكَّةَ: ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ مِنْ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - بِسُورَةِ أَصْحَابِ الْكَهْفِ، فِيهَا مُعَاتَبَتُهُ إيَّاهُ عَلَى حُزْنِهِ عَلَيْهِمْ، وَخَبَرُ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الْفِتْيَةَ، وَالرَّجُلِ الطَّوَّافِ، وَالرُّوحِ. [ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي قُرَيْشٍ حِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَغَابَ عَنْهُ الْوَحْيُ مُدَّةً ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِجِبْرِيلَ حِينَ جَاءَهُ: لَقَدْ احْتَبَسْتَ عَنِّي يَا جِبْرِيلُ حَتَّى سُؤْتُ ظَنًّا فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا فَافْتَتَحَ السُّورَةَ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - بِحَمْدِهِ وَذِكْرِ نُبُوَّةِ رَسُولِهِ، لِمَا أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ إنَّكَ رَسُولٌ مِنِّي: أَيْ تَحْقِيقٌ لِمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ نُبُوَّتِكَ. وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّمًا أَيْ مُعْتَدِلًا، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ. لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ أَيْ عَاجِلَ عُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا. وَعَذَابًا أَلِيمًا فِي الْآخِرَةِ: أَيْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ الَّذِي بَعَثَ رَسُولًا. وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا أَيْ دَارُ الْخُلْدِ. لَا يَمُوتُونَ فِيهَا الَّذِينَ صَدَّقُوكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا كَذَّبَكَ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرْتهمْ بِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ. وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا يَعْنِي قُرَيْشًا فِي قَوْلِهِمْ: إنَّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ. مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ الَّذِينَ أَعْظَمُوا فِرَاقَهُمْ وَعَيْبَ دِينِهِمْ. كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ أَيْ لِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ. إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ يَا مُحَمَّدُ عَلَى آثَارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا: أَيْ لِحُزْنِهِ عَلَيْهِمْ حِينَ فَاتَهُ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْهُمْ: أَيْ لَا تَفْعَلْ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: بَاخِعٌ نَفْسَكَ، أَيْ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ، فِيمَا حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ: : أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ وَجَمْعُهُ: بَاخِعُونَ وَبَخَعَةٌ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَتَقُولُ الْعَرَبُ: قَدْ بَخَعْتُ لَهُ نُصْحِي وَنَفْسِي، أَيْ جَهَدْتُ لَهُ. إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: أَيْ أَيُّهُمْ أَتْبَعُ لِأَمْرِي، وَأَعْمَلُ بِطَاعَتِي. وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا أَيْ الْأَرْضِ، وَإِنَّ مَا عَلَيْهَا لَفَانٍ وَزَائِلٌ، وَإِنَّ الْمَرْجِعَ إلَيَّ، فَأَجْزِي كُلًّا بِعَمَلِهِ، فَلَا تَأْسَ وَلَا يَحْزُنْكَ مَا تَسْمَعُ وَتَرَى فِيهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الصَّعِيدُ: الْأَرْضُ، وَجَمْعُهُ: صُعُدٌ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ ظَبْيًا صَغِيرًا: كَأَنَّهُ بِالضُّحَى تَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ دَبَّابَةٌ فِي عِظَامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالصَّعِيدُ ( أَيْضًا ): الطَّرِيقُ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: إيَّاكُمْ وَالْقُعُودَ عَلَى الصُّعَدَاتِ يُرِيدُ الطُّرُقَ. وَالْجُرُزُ: الْأَرْضُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا، وَجَمْعُهَا: أَجْرَازٌ. وَيُقَالُ: سَنَةٌ جُرُزٌ، وَسُنُونَ أَجْرَازٌ، وَهِيَ الَّتِي لَا يَكُونُ فِيهَا مَطَرٌ، وَتَكُونُ فِيهَا جُدُوبَةٌ وَيُبْسٌ وَشِدَّةٌ. قَالَ ذُو الرُّمَّةِ يَصِفُ إبِلًا: طَوَى النَّحْرُ وَالْأَجْرَازُ مَا فِي بُطُونِهَا فَمَا بَقِيَتْ إلَّا الضُّلُوعُ الْجَرَاشِعُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
التاريخ 733لا حكم مسجّل
قَوْلُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [ مَا دَارَ بَيْنَ عُتْبَةَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَكَانَ سَيِّدًا، قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحْدَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَلَا أَقُومُ إلَى مُحَمَّدٍ فَأُكَلِّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلَّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا فَنُعْطِيهِ أَيَّهَا شَاءَ، وَيَكُفُّ عَنَّا ؟ وَذَلِكَ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ، وَرَأَوْا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَزِيدُونَ وَيَكْثُرُونَ؛ فَقَالُوا: بَلَى يَا أَبَا الْوَلِيدِ، قُمْ إلَيْهِ فَكَلِّمْهُ فَقَامَ إلَيْهِ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنْ السِّطَةِ فِي الْعَشِيرَةِ، وَالْمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ قَدْ أَتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرِ عَظِيمٍ فَرَّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ وَسَفَّهْتَ بِهِ أَحْلَامَهُمْ وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ وَدِينَهُمْ وَكَفَّرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنِّي أَعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا. قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قُلْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ، أَسْمَعْ؛ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إنْ كُنْتَ إنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، حَتَّى لَا نَقْطَعَ أَمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا؛ وَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي يَأْتِيكَ رِئْيًا تَرَاهُ لَا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ، طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ، وَبَذَلْنَا فِيهِ أَمْوَالَنَا حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا غَلَبَ التَّابِعُ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُدَاوَى مِنْهُ أَوْ كَمَا قَالَ لَهُ. حَتَّى إذَا فَرَغَ عُتْبَةُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَمِعُ مِنْهُ، قَالَ: أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْمَعْ مِنِّي؛ قَالَ: أَفْعَلُ؛ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ. فَلَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ عُتْبَةُ، أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِمَا يَسْمَعُ مِنْهُ؛ ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا، فَسَجَدَ ثُمَّ قَالَ: قَدْ سَمِعْتَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ، فَأَنْتَ وَذَاكَ [ مَا أَشَارَ بِهِ عُتْبَةُ عَلَى أَصْحَابِهِ ] فَقَامَ عُتْبَةُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: نَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الْوَلِيدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ. فَلَمَّا جَلَسَ إلَيْهِمْ قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ ؟ قَالَ: وَرَائِي أَنِّي قَدْ سَمِعْتُ قَوْلًا وَاَللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، وَلَا بِالسِّحْرِ، وَلَا بِالْكِهَانَةِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، أَطِيعُونِي وَاجْعَلُوهَا بِي، وَخَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ فَاعْتَزِلُوهُ، فَوَاَللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ تُصِبْهُ الْعَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى الْعَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وَعِزُّهُ عِزُّكُمْ، وَكُنْتُمْ أَسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، قَالُوا: سَحَرَكَ وَاَللَّهِ يَا أَبَا الْوَلِيدِ بِلِسَانِهِ، قَالَ: هَذَا رَأْيِي فِيهِ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ. ومن طريق الْأَجْلَحِ عن جابر. زَادَ: وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا بِكَ الرِّيَاسَةُ عَقَدْنَا أَلْوِيَتَنَا لَكَ، فَكُنْتَ رَأْسَنَا مَا بَقِيتَ. وَعِنْدَهُ: أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ أَمْسَكَ عُتْبَةُ عَلَى فِيهِ، وَنَاشَدَهُ الرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ، وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى أَهْلِهِ، وَاحْتَبَسَ عَنْهُمْ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاللَّهِ مَا نَرَى عُتْبَةَ إِلَّا صَبَأَ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَعْجَبَهُ طَعَامُهُ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ أَصَابَتْهُ، انْطَلِقُوا بِنَا إِلَيْهِ. فَأَتَوْهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ يَا عُتْبَةُ مَا جِئْنَا إِلَّا أَنَّكَ صَبَوْتَ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَأَعْجَبَكَ أَمْرُهُ، فَإِنْ كَانَ بِكَ حَاجَةٌ جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا يُغْنِيكَ عَنْ طَعَامِ مُحَمَّدٍ. فَغَضِبَ وَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَا يُكَلِّمُ مُحَمَّدًا أَبَدًا، وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، وَلَكِنِّي أَتَيْتُهُ وَقَصَّ عَلَيْهِمُ الْقِصَّةَ فَأَجَابَنِي بِشَيْءٍ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِسِحْرٍ وَلَا بِشِعْرٍ وَلَا كِهَانَةٍ، قَرَأَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ حَتَّى بَلَغَ فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ [ فُصِّلَتْ: 113 ] فَأَمْسَكْتُ بِفِيهِ، وَنَاشَدْتُهُ الرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا إِذَا قَالَ شَيْئًا لَمْ يَكْذِبْ، فَخِفْتُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْكُمُ الْعَذَابُ.
التاريخ 735لا حكم مسجّل
ذِكْرُ بَعْضِ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْأَذَى: لَقَدْ لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْأَذَى الْكَثِيرَ لَاسِيَّمَا مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَزُعَمَائِهِمْ سَوَاءٌ كَانَ بِأَنْفُسِهِمْ أَوْ بِتَحْرِيضِهِمْ سُفَهَاءَهُمْ. وَمِنْ أَشَدِّ النَّاسِ أَذِيَّةٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَبُو لَهَبٍ وَزَوْجَتُهُ وَأَبُو جَهْلٍ وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَفَاهُ إِيَّاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ جَمِيعًا فِي وَقْتٍ مُتَقَارِبٍ شَرَّ مِيتَةٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِنَفْسِهِ حَرْبًا وَمِنْهُمْ مَنْ قَتَلَهُمْ صَبْرًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ.
التاريخ 736لا حكم مسجّل
[ تَهَكُّمُ أَبِي لَهَبٍ بِالرَّسُولِ ﷺ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَبَا لَهَبٍ لَقِيَ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، حِينَ فَارَقَ قَوْمَهُ، وَظَاهَرَ عَلَيْهِمْ قُرَيْشًا، فَقَالَ: يَا بِنْتَ عُتْبَةَ؛ هَلْ نَصَرْتِ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَفَارَقْتِ مَنْ فَارَقَهُمَا وَظَاهَرَ عَلَيْهِمَا ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا يَا أَبَا عُتْبَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُ: يَعِدُنِي مُحَمَّدٌ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا، يَزْعُمُ أَنَّهَا كَائِنَةٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَمَاذَا وَضَعَ فِي يَدَيَّ بَعْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِي يَدَيْهِ وَيَقُولُ: تَبًّا لَكُمَا، مَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا مِمَّا يَقُولُ مُحَمَّدٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَبَّتْ: خَسِرَتْ. وَالتَّبَابُ: الْخُسْرَانُ. قَالَ حَبِيبُ بْنُ خُدْرَةَ الْخَارِجِيُّ: أَحَدُ بَنِي هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ: : يَا طَيِّبُ إنَّا فِي مَعْشَرٍ ذَهَبَتْ مَسْعَاتُهُمْ فِي التَّبَارِ وَالتَّبَبِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَرَوَى الشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا نَزَلَتْ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: يَا بَنِي فِهْرٍ، يَا بَنِي عَدِيٍّ لِبُطُونٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى اجْتَمَعُوا فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا قَالَ: فَإِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ. فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تَبَّتْ ، يَدَا أَبِي لَهَبٍ، وَتَبَّ. ووما كان يفعله عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أنه كَانَ شَدِيدًا عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، عَظِيمَ التَّكْذِيبِ لَهُ، دَائِمَ الْأَذَى، فَكَانَ يَطْرَحُ الْعَذِرَةَ وَالنَّتَنَ عَلَى بَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ جَارَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَيُّ جِوَارٍ هَذَا يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ! فَرَآهُ يَوْمًا حَمْزَةُ فَأَخَذَ الْعَذِرَةَ وَطَرَحَهَا عَلَى رَأْسِ أَبِي لَهَبٍ فَجَعَلَ يَنْفُضُهَا عَنْ رَأْسِهِ وَيَقُولُ: " صَاحِبِي أَحْمَقُ ! " وَأَقْصَرَ عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ، لَكِنَّهُ يَضَعُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ. ذِكْرُ مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْأَذَى [ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَبِي لَهَبٍ ] فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهَا، وَقَامَ عَمُّهُ وَقَوْمُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ دُونَهُ، وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَرَادُوا مِنْ الْبَطْشِ بِهِ، يَهْمِزُونَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَيُخَاصِمُونَهُ، وَجَعَلَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِي قُرَيْشٍ بِأَحْدَاثِهِمْ، وَفِيمَنْ نُصِبَ لِعَدَاوَتِهِ مِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ سُمِّيَ لَنَا، وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فِي عَامَّةِ مَنْ ذُكِرَ اللَّهُ مِنْ الْكُفَّارِ، فَكَانَ مِمَّنْ سُمِّيَ لَنَا مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عَمُّهُ أَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَامْرَأَتُهُ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ - فِيمَا بَلَغَنِي - تَحْمِلُ الشَّوْكَ فَتَطْرَحَهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ يَمُرُّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْجِيدُ: الْعُنُقُ. قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ: : يَوْمَ تُبْدَى لَنَا قُتَيْلَةُ عَنْ جِيدٍ أَسِيلٍ تُزَيِّنُهُ الْأَطْوَاقُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُهُ: أَجْيَادٌ. وَالْمَسَدُّ: شَجَرٌ يُدَقُّ كَمَا يُدَقُّ الْكَتَّانُ فَتُفْتَلُ مِنْهُ حِبَالٌ. قَالَ النَّابِغَةُ الذُّبْيَانِيُّ، وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ: : مَقْذُوفَةٍ بِدَخِيسِ النَّحْضِ بَازِلُهَا لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ الْقَعْوِ بِالْمَسَدِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَوَاحِدَتُهُ: مَسَدَةٌ. [ أُمُّ جَمِيلٍ وَرَدُّ اللَّهِ كَيْدَهَا عَنْ الرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي: أَنَّ أُمَّ جَمِيلٍ: حَمَّالَةَ الْحَطَبِ، حِينَ سَمِعَتْ مَا نَزَلَ فِيهَا، وَفِي زَوْجِهَا مِنْ الْقُرْآنِ، أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ، فَلَمَّا وَقَفَتْ عَلَيْهِمَا أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَا تَرَى إلَّا أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ: أَيْنَ صَاحِبُكَ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ يَهْجُونِي، وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَضَرَبْتُ بِهَذَا الْفِهْرِ فَاهُ، أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لَشَاعِرَةٌ، ثُمَّ قَالَتْ: : مُذَمَّمًا عَصَيْنَا وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا : وَدِينَهُ قَلَيْنَا ثُمَّ انْصَرَفَتْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمَا تَرَاهَا رَأَتْكَ ؟ فَقَالَ: مَا رَأَتْنِي، لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا عَنِّي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهَا وَدِينَهُ قَلَيْنَا عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا تُسَمِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مُذَمَّمًا، ثُمَّ يَسُبُّونَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أَلَا تَعْجَبُونَ لِمَا يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ، يَسُبُّونَ وَيَهْجُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ
التاريخ 737لا حكم مسجّل
[ ذِكْرُ مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ كَانَ إذَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَمَزَهُ وَلَمَزَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ الْهُمَزَةُ: الَّذِي يَشْتُمُ الرَّجُلَ عَلَانِيَةً، وَيَكْسِرُ عَيْنَيْهِ عَلَيْهِ، وَيَغْمِزُ بِهِ. قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: : هَمَزْتُكَ فَاخْتَضَعْتُ لِذُلِّ نَفْسٍ بِقَافِيَةٍ تَأَجَّجُ كَالشُّوَاظِ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَجَمْعُهُ: هَمَزَاتٌ. وَاللُّمَزَةُ: الَّذِي يَعِيبُ النَّاسَ سِرًّا وَيُؤْذِيهِمْ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ. : فِي ظِلِّ عَصْرِي بَاطِلِي وَلَمْزِي وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ، وَجَمْعُهُ: لَمَزَاتٌ.
التاريخ 738لا حكم مسجّل
[ مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ الْعَاصِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمَا نَزَلَ فِيهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، كَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَيْنًا بِمَكَّةَ يَعْمَلُ السُّيُوفَ، وَكَانَ قَدْ بَاعَ مِنْ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ سُيُوفًا عَمِلَهَا لَهُ حَتَّى كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ، فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا خَبَّابُ أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ صَاحِبُكُمْ هَذَا الَّذِي أَنْتَ عَلَى دِينِهِ أَنَّ فِي الْجَنَّةِ مَا ابْتَغَى أَهْلُهَا مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ ثِيَابٍ، أَوْ خَدَمٍ قَالَ خَبَّابٌ: بَلَى. قَالَ: فَأَنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَا خَبَّابُ حَتَّى أَرْجِعَ إلَى تِلْكَ الدَّارِ فَأَقْضِيَكَ هُنَالِكَ حَقَّكَ، فَوَاَللَّهِ لَا تَكُونُ أَنْتَ وَصَاحِبُكَ يَا خَبَّابُ آثَرَ عِنْدَ اللَّهِ مِنِّي، وَلَا أَعْظَمَ حَظًّا فِي ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا
التاريخ 739لا حكم مسجّل
[ مَا كَانَ يُؤْذِي بِهِ النَّضْرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَمَا نَزَلَ فِيهِ ] وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ، قُصَيٍّ، كَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا، فَدَعَا فِيهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَتَلَا فِيهَا الْقُرْآنَ، وَحَذَّرَ ( فِيهِ ) قُرَيْشًا مَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ، خَلَفَهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ، فَحَدَّثَهُمْ عَنْ رُسْتُمَ السِّنْدِيدِ، وَعَنْ أَسْفِنْدِيَارَ، وَمُلُوكِ فَارِسَ، ثُمَّ يَقُولُ وَاَللَّهِ مَا مُحَمَّدٌ بِأَحْسَنَ حَدِيثًا مِنِّي، وَمَا حَدِيثُهُ إلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ، اكْتَتَبَهَا كَمَا اكْتَتَبْتهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا وَنَزَلَ فِيهِ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ وَنَزَلَ فِيهِ: وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْأَفَّاكُ: الْكَذَّابُ. وَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى: أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ وَقَالَ رُؤْبَةُ ( بْنُ الْعَجَّاجِ ) : مَا لِامْرِئٍ أَفَّكَ قَوْلًا إفْكًا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا - فِيمَا بَلَغَنِي - مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ، وَفِي الْمَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ، فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، فَكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى أَفْحَمَهُ، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَصَبُ جَهَنَّمَ: كُلُّ مَا أُوقِدَتْ بِهِ. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ، وَاسْمُهُ خُوَيْلِدِ بْنُ خَالِدٍ: : فَأَطْفِئْ وَلَا تُوقِدْ وَلَا تَكُ مِحْضَأً لِنَارِ الْعُدَاةِ أَنْ تَطِيرَ شَكَاتُهَا وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَيُرْوَى وَلَا تَكُ مِحْضَأً. قَالَ الشَّاعِرُ: : حَضَأْتُ لَهُ نَارِي فَأَبْصَرَ ضَوْءَهَا وَمَا كَانَ لَوْلَا حَضْأَةِ النَّارِ يَهْتَدِي [ مَقَالَةُ ابْنِ الزِّبَعْرَى، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى: وَاَللَّهِ مَا قَامَ النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لَابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ آنِفًا وَمَا قَعَدَ، وَقَدْ زَعَمَ مُحَمَّدٌ أَنَّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ؛ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ، فَسَلُوا مُحَمَّدًا: أَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِي جَهَنَّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ، وَالْيَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، وَالنَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ( عَلَيْهِمَا السَّلَامُ )، فَعَجِبَ الْوَلِيدُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزِّبَعْرَى، وَرَأَوْا أَنَّهُ قَدْ احْتَجَّ وَخَاصَمَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الزِّبَعْرَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( إنَّ ) كُلَّ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، إنَّهُمْ إنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ، وَمَنْ أَمَرَتْهُمْ بِعِبَادَتِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ: إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ أَيْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَعُزَيْرًا، وَمَنْ عُبِدُوا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ الَّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَاِتَّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ، أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ، وَأَنَّهَا بَنَاتُ اللَّهِ: وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إلَى قَوْلِهِ: وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ وَنَزَلَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنَّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَعَجَبِ الْوَلِيدِ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجَّتِهِ وَخُصُومَتِهِ: وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ أَيْ يَصُدُّونَ عَنْ أَمْرِكَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَقَالَ: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ أَيْ مَا وَضَعْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السَّاعَةِ، يَقُولُ: فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ فائدة قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وَهَذَا الْجَدَلُ الَّذِي سَلَكُوهُ بَاطِلٌ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ وَمِنْ لُغَتِهِمْ أَنَّ " مَا " لِمَا لَا يَعْقِلُ، فَقَوْلُهُ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ. إِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَهُ مِنَ الْأَحْجَارِ الَّتِي كَانَتْ صُوَرَ أَصْنَامٍ، وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ، وَلَا الْمَسِيحَ، وَلَا عُزَيْرًا وَلَا أَحَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ ; لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُمْ، لَا لَفْظًا وَلَا مَعْنًى، فَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا ضَرَبُوهُ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مِنَ الْمَثَلِ جَدَلٌ بَاطِلٌ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ ثُمَّ قَالَ إِنْ هُوَ أَيْ عِيسَى إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ أَيْ بِنُبُوَّتِنَا وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ [ الزُّخْرُفِ: 59 ] أَيْ دَلِيلًا عَلَى تَمَامِ قُدْرَتِنَا عَلَى مَا نَشَاءُ حَيْثُ خَلَقْنَاهُ مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ، وَقَدْ خَلَقْنَا حَوَّاءَ مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى، وَخَلَقْنَا آدَمَ لَا مِنْ هَذَا وَلَا مِنْ هَذَا، وَخَلَقْنَا سَائِرَ بَنِي آدَمَ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ أَيْ أَمَارَةً وَدَلِيلًا عَلَى قُدْرَتِنَا الْبَاهِرَةِ وَرَحْمَةٍ مِنَّا [ مَرْيَمَ: 21 ] نَرْحَمُ بِهَا مَنْ نَشَاءُ. وفي الكامل قال: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، يُكَنَّى أَبَا قَائِدٍ، وَكَانَ أَشَدَّ قُرَيْشٍ فِي تَكْذِيبِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْأَذَى لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ. وَكَانَ يَنْظُرُ فِي كُتُبِ الْفُرْسِ وَيُخَالِطُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، وَسَمِعَ بِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقُرْبِ مَبْعَثِهِ، فَقَالَ: إِنْ جَاءَنَا نَذِيرٌ لَنَكُونَنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ، فَنَزَلَتْ: ( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ )، الْآيَةَ.
التاريخ 740لا حكم مسجّل
[ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ] ( قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ ): وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثَّقَفِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْقَوْمِ وَمِمَّنْ يُسْتَمَعُ مِنْهُ، فَكَانَ يُصِيبُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: زَنِيمٍ وَلَمْ يَقُلْ: زَنِيمٍ لِعَيْبِ فِي نَسَبِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ لَا يَعِيبُ أَحَدًا بِنَسَبِ، وَلَكِنَّهُ حَقَّقَ بِذَلِكَ نَعْتَهُ لِيُعْرَفَ. وَالزَّنِيمُ: الْعَدِيدُ لِلْقَوْمِ. وَقَدْ قَالَ الْخَطِيمُ التَّمِيمِيُّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ: : زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرِّجَالُ زِيَادَةً كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الْأَدِيمِ الْأَكَارِعُ.
التاريخ 741لا حكم مسجّل
[ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ] وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: أَيُنَزَّلُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأُتْرَكُ وَأَنَا كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيِّدُهَا وَيُتْرَكُ أَبُو مَسْعُودٍ عَمْرُو بْنُ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ سَيِّدُ ثَقِيفٍ، وَنَحْنُ عَظِيمَا الْقَرْيَتَيْنِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، فِيمَا بَلَغَنِي: وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مِمَّا يَجْمَعُونَ
التاريخ 742لا حكم مسجّل
[ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمَا ] وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَكَانَا مُتَصَافِيَيْنِ، حَسَّنَا مَا بَيْنَهُمَا. فَكَانَ عُقْبَةُ قَدْ جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعَ مِنْهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيًّا، فَأَتَى عُقْبَةَ فَقَالَ ( لَهُ ): أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّكَ جَالَسْتَ مُحَمَّدًا وَسَمِعْتَ مِنْهُ وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ أَنْ أُكَلِّمَكَ - وَاسْتَغْلَظَ مِنْ الْيَمِينِ - إنْ أَنْتَ جَلَسْتَ إلَيْهِ أَوْ سَمِعْتَ مِنْهُ، أَوْ لَمْ تَأْتِهِ فَتَتْفُلَ فِي وَجْهِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ لَعَنَهُ اللَّهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا وَمَشَى أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعَظْمٍ بَالٍ قَدْ ارْفَتَّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرَمَّ، ثُمَّ فَتَّهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ نَفَخَهُ فِي الرِّيحِ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ، أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ وَإِيَّاكَ بَعْدَ مَا تَكُونَانِ هَكَذَا، ثُمَّ يُدْخِلُكَ اللَّهُ النَّارَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَانَ -ابن أبي معيط- لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا أَهْلَ مَكَّةَ كُلَّهُمْ فَصَنَعَ طَعَامًا ثُمَّ دَعَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَى طَعَامِهِ فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي آكُلُ مِنْ طَعَامِكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ: اطْعَمْ يَا ابْنَ أَخِي. فَقَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَفْعَلُ حَتَّى تَقُولَ، فَشَهِدَ بِذَلِكَ وَطَعِمَ مِنْ طَعَامِهِ. وَقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشَّامِ لَيْلًا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ مَا فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَتْ: أَشَدُّ مَا كَانَ أَمْرًا. فَقَالَ: مَا فَعَلَ خَلِيلِي أَبُو مُعَيْطٍ ؟ فَقَالَتْ: صَبَأَ. فَبَاتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَاهُ أَبُو مُعَيْطٍ فَحَيَّاهُ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ فَقَالَ: مَا لَكَ لَا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي. فَقَالَ: كَيْفَ أَرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وَقَدْ صَبَأْتَ. قَالَ: أَوَقَدْ فَعَلَتْهَا قُرَيْشٌ ؟ لَا وَاللَّهِ مَا صَبَأْتُ وَلَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِي إِلَّا أَنْ أَشْهَدَ لَهُ. فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ بَيْتِي قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ، فَشَهِدْتُ لَهُ قَالَ: مَا أَنَا بِالَّذِي أَرْضَى عَنْكَ حَتَّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقُ فِي وَجْهِهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: مَا يُبْرِئُ صُدُورَهُمْ إِنْ أَنَا فَعَلْتُ؟ قَالَ: تَأْتِيهِ فِي مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ فِي وَجْهِهِ وَتَشْتُمُهُ بِأَخْبَثِ مَا تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ. فَفَعَلَ فَلَمْ يَزِدِ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ مَسَحَ وَجْهَهُ مِنَ الْبُزَاقِ. قال في الكامل عن المستهزئين ومنهم عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَاسْمُ أَبِي مُعَيْطٍ أَبَانُ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وَيُكَنَّى أَبَا الْوَلِيدِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ أَذًى لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَدَاوَةً لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، عَمَدَ إِلَى مِكْتَلٍ فَجَعَلَ فِيهِ عَذِرَةً وَجَعَلَهُ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَصُرَ بِهِ طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأُمُّهُ أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَأَخَذَ الْمِكْتَلَ مِنْهُ وَضَرَبَ بِهِ رَأْسَهُ وَأَخَذَ بِأُذُنَيْهِ، فَشَكَاهُ عُقْبَةُ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ: قَدْ صَارَ ابْنُكِ يَنْصُرُ مُحَمَّدًا. فَقَالَتْ: وَمَنْ أَوْلَى بِهِ مِنَّا ؟ أَمْوَالُنَا وَأَنْفُسُنَا دُونَ مُحَمَّدٍ. وَأُسِرَ عُقْبَةُ بِبَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، قَتَلَهُ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَلَمَّا أَرَادَ قَتْلَهُ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ لِلصِّبْيَةِ ؟ قَالَ: النَّارُ.
التاريخ 743لا حكم مسجّل
نُزُولُ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ [ مَقَالَةُ الْوَلِيدِ وَصَحْبِهِ، وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - فِيمَا بَلَغَنِي - بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَهَمَزُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَغَاظَهُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ قَالَ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ: كَانُوا -المستهزؤون- خَمْسَةً. وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ: كَانُوا ثَمَانِيَةً وَصَحَّحَهُ فِي الْغُرَرِ وَجَزَمَ بِهِ أَبُو عَمْرٍو الْعِرَاقِيُّ فِي الدُّرَرِ. كِفَايَةُ اللَّهِ أَمْرَ الْمُسْتَهْزِئِينَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُؤَدِّيًا إلَى قَوْمِهِ النَّصِيحَةَ عَلَى مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ التَّكْذِيبِ وَالْأَذَى ( وَالِاسْتِهْزَاءِ ). وَكَانَ عُظَمَاءُ الْمُسْتَهْزِئِينَ، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِمْ وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ وَشَرَفٍ فِي قَوْمِهِمْ. [ الْمُسْتَهْزِئُونَ بِالرَّسُولِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ] مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ أَبُو زَمَعَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - فِيمَا بَلَغَنِي - قَدْ دَعَا عَلَيْهِ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتِهْزَائِهِ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَعْمِ بَصَرَهُ، وَأَثْكِلْهُ وَلَدَهُ. [ الْمُسْتَهْزِئُونَ بِالرَّسُولِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ ] وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ. [ الْمُسْتَهْزِئُونَ بِالرَّسُولِ مِنْ مَخْزُومٍ ] وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. [ الْمُسْتَهْزِئُونَ بِالرَّسُولِ مِنْ سَهْمٍ ] وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ سُعَيْدِ بْنِ سَهْمٍ. [ الْمُسْتَهْزِئُونَ بِالرَّسُولِ مِنْ خُزَاعَةَ ] وَمِنْ بَنِي خُزَاعَةَ: الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ ( لُؤَيِّ بْنِ ) مَلَكَانَ فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الشَّرِّ، وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِهْزَاءَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.
التاريخ 744لا حكم مسجّل
[ مَا أَصَابَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةِ خَضْرَاءَ، فَعَمِيَ. وَمَرَّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَأَشَارَ إلَى بَطْنِهِ، فَاسْتَسْقَى ( بَطْنُهُ ) فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَشَارَ إلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ، كَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ وَهُوَ يَجُرُّ سَبَلَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلِ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ، فَخَدَشَ فِي رِجْلِهِ ذَلِكَ الْخَدْشَ، وَلَيْسَ بِشَيْءِ، فَانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ. وَمَرَّ بَهْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، فَأَشَارَ إلَى أَخْمَصِ رِجْلِهِ وَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطَّائِفَ، فَرَبَضَ بِهِ عَلَى شُبَارِقَةٍ فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ. وَمَرَّ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ، فَأَشَارَ إلَى رَأْسِهِ، فَامْتَخَضَ قَيْحًا، فَقَتَلَهُ. ما أصاب الأسود بن عبد يغوث بن وهب وقال في الكامل: الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَهُوَ ابْنُ خَالِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ مِنَ الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَكَانَ إِذَا رَأَى فَقُرَاءَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: هَؤُلَاءِ مُلُوكُ الْأَرْضِ الَّذِينَ يَرِثُونَ مُلْكَ كِسْرَى. وَكَانَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ: أَمَا كُلِّمْتَ الْيَوْمَ مِنَ السَّمَاءِ يَا مُحَمَّدُ ! وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. فَخَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ فَأَصَابَهُ السَّمُومُ فَاسْوَدَّ وَجْهُهُ، فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَعْرِفُوهُ وَأَغْلَقُوا الْبَابَ دُونَهُ، فَرَجَعَ مُتَحَيِّرًا حَتَّى مَاتَ عَطَشًا. وَقِيلَ: إِنَّ جِبْرَائِيلَ أَوْمَأَ إِلَى السَّمَاءِ فَأَصَابَتْهُ الْأَكَلَةُ فَامْتَلَأَ قَيْحًا فَمَاتَ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْبَلَاذُرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ جِبْرِيلَ حَنَى ظَهْرَ الْأَسْوَدِ حَتَّى احْقَوْقَفَ صَدْرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِي خَالِي. فَقَالَ: دَعْهُ عَنْكَ يَا مُحَمَّدُ فَقَدْ كُفِيتَهُ. ما أصاب الحارث بن قيس السهمي وَفِيهِ نَزَلَتْ: أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَيْ مَهْوِيَّهُ قَدَّمَ الْمَفْعُولَ الثَّانِيَ لِأَنَّهُ أَهَمُّ وَجُمْلَةَ مَنِ مَفْعُولٌ أَوَّلُ لِأَرَأَيْتَ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا [الْفُرْقَانِ 43] حَافِظًا تَحْفَظُهُ مِنِ اتِّبَاعِ هَوَاهُ لَا. وَكَانَ يَقُولُ: لَقَدْ غَرَّ مُحَمَّدٌ نَفْسَهُ وَأَصْحَابَهُ أَنْ وَعَدَهُمْ أَنْ يَحْيَوْا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَاللَّهِ مَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمُرُورُ الْأَيَّامِ وَالْأَحْدَاثِ. فَأَكَلَ حُوتًا مَمْلُوحًا فَلَمْ يَزَلْ يَشْرَبُ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى انْقَدَّ بَطْنُهُ. وَيُقَالُ إِنَّهُ أَصَابَتْهُ الذَّبْحَةُ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: امْتَخَضَ رَأْسُهُ قَيْحًا. ما أصاب الأسود بن المطلب بن أسد قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: كَانَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَتَغَامَزُونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَيَقُولُونَ: قَدْ جَاءَكُمْ مُلُوكُ الْأَرْضِ وَمَنْ يَغْلِبُ عَلَى كُنُوزِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ ثُمَّ يَمُكُّونَ وَيُصَفِّرُونَ. وَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِكَلَامٍ شَقَّ عَلَيْهِ فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْمِيَ اللَّهُ بَصَرَهُ وَيُثْكِلَهُ وَلَدَهُ فَخَرَجَ يَسْتَقْبِلُ ابْنَهُ وَقَدْ قَدِمَ مِنَ الشَّامِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ جَلَسَ فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ فَجَعَلَ جِبْرِيلُ ﷺ يَضْرِبُ وَجْهَهُ وَعَيْنَيْهِ بِوَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِهَا خَضْرَاءَ وَبِشَوْكٍ مِنْ شَوْكِهَا حَتَّى عَمِيَ فَجَعَلَ يَسْتَغِيثُ بِغُلَامِهِ. فَقَالَ لَهُ غُلَامُهُ: مَا أَرَى أَحَدًا يَصْنَعُ بِكَ شَيْئًا غَيْرَ نَفْسِكَ. وَيُقَالُ إِنَّ جِبْرِيلَ ﷺ أَوْمَأَ إِلَى عَيْنَيْهِ فَعَمِيَ فَشُغِلَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قُتِلَ ابْنُهُ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، قَتَلَهُ أَبُو دُجَانَةَ وَيُقَالُ قَتَلَهُ ثَابِتُ بْنُ الْجِذْعِ، قُتِلَ ابْنُهُ عَقِيلٌ أَيْضًا، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَلِيٌّ ؓ اشْتَرَكَا فِيهِ. وَقِيلَ قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَحْدَهُ ؓ. ما أصاب مالك بن الطلاطلة مَالِكُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ - بِطَائَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ الْأَوْلَى مَضْمُومَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ- ابْنِ عَمْرِو بْنِ غُبْشَانَ - بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ- ذَكَرَهُ فِيهِمُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ وَالْبَلَاذُرِيُّ، وَكَانَ سَفِيهًا فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ فَعَصَرَ جِبْرِيلُ بَطْنَهُ حَتَّى خَرَجَ خَلَاؤُهُ مِنْ بَطْنِهِ فَمَاتَ. ما جاء فيما أصاب الحكم بن أبي العاصي بن أمية الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِي بْنِ أُمَيَّةَ . قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: كَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَشْتُمُهُ وَيُسْمِعُهُ مَا يَكْرَهُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ خَلْفَهُ يَخْلَجُ بِأَنْفِهِ وَفَمِهِ فَبَقِيَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَكَانَ مَغْمُوصًا عَلَيْهِ فِي دِينِهِ، - فَاطَّلَعَ يَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِعَنَزَةٍ وَقَالَ: مَنْ عَذِيرِي مِنْ هَذَا الْوَزَغَةِ؟ لَوْ أَدْرَكْتُهُ لَفَقَأْتُ عَيْنَهُ أَوْ كَمَا قَالَ ﷺ. وَلَعَنَهُ وَمَا وَلَدَ وَغَرَّبَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَزَلْ خَارِجًا مِنْهَا إِلَى أَنْ مَاتَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ. قُلْتُ: وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ؓ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ يُحَاكِيهِ وَيَلْمَضُ فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ كَذَلِكَ كُنْ. فَرَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ فَلُبِطَ بِهِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ شَهْرًا ثُمَّ أَفَاقَ حِينَ أَفَاقَ وَهُوَ كَمَا يُحَاكِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا الْمُبْهَمُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْحَكَمُ. وَذَكَرَ الْبَلَاذُرِيُّ مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَبُو الْأَصْدَاءِ وَكَانَ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا يُعَلِّمُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَسَاطِيرَهُمْ وَيَقُولُ النَّاسُ هُوَ مُعَلِّمٌ مَجْنُونٌ فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهُ لَعَلَى جَبَلٍ إِذِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْأَرْوَى فَنَطَحَتْهُ حَتَّى قَتَلَتْهُ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيهِمْ: أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ الْجُمَحِيَّ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ إِذَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَمَزَهُ وَلَمَزَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الَّذِي جَمَعَ مَالا وَعَدَّدَهُ .
التاريخ 745لا حكم مسجّل
قِصَّةُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدَّوْسِيِّ [ وُصَاتُهُ -الوليد بن المغيرة- لِبَنِيهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا حَضَرَتْ الْوَلِيدَ الْوَفَاةُ دَعَا بَنِيهِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً: هِشَامَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْ بَنِيَّ أُوصِيكُمْ بِثَلَاثِ، فَلَا تُضَيِّعُوا فِيهِنَّ دَمِي فِي خُزَاعَةَ فَلَا تَطُلُّنَّهُ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُمْ مِنْهُ بُرَآءُ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُسَبُّوا بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ؛ وَرِبَايَ فِي ثَقِيفٍ، فَلَا تَدَعُوهُ حَتَّى تَأْخُذُوهُ ؟ وَعُقْرِي عِنْدَ أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَلَا يَفُوتَنَّكُمْ بِهِ. وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ قَدْ زَوَّجَهُ بِنْتًا، ثُمَّ أَمْسَكَهَا عَنْهُ، فَلَمْ يُدْخِلْهَا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ. [ مُطَالَبَةُ بَنِي مَخْزُومٍ خُزَاعَةَ بِدَمِ أَبِي أُزَيْهِرٍ ] فَلَمَّا هَلَكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَثَبَتْ بَنُو مَخْزُومٍ عَلَى خُزَاعَةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ عَقْلَ الْوَلِيدِ وَقَالُوا: إنَّمَا قَتَلَهُ سَهْمُ صَاحِبِكُمْ - وَكَانَ لِبَنِي كَعْبٍ حِلْفٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ - فَأَبَتْ عَلَيْهِمْ خُزَاعَةُ ذَلِكَ، حَتَّى تَقَاوَلُوا أَشْعَارًا، وَغَلُظَ بَيْنَهُمْ الْأَمْرُ - وَكَانَ الَّذِي أَصَابَ الْوَلِيدَ سَهْمُهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ - فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ: : إنِّي زَعِيمٌ أَنْ تَسِيرُوا فَتَهْرُبُوا وَأَنْ تَتْرُكُوا الظَّهْرَانَ تَعْوِي ثَعَالِبُهُ وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا وَأَنْ تَسْأَلُوا: أَيُّ الْأَرَاكِ أَطَايِبُهُ ؟ فَإِنَّا أَنَاسٌ لَا تُطَلُّ دِمَاؤُنَا وَلَا، يَتَعَالَى صَاعِدًا مَنْ نُحَارِبُهُ وَكَانَتْ الظَّهْرَانُ وَالْأَرَاكُ مَنَازِلَ بَنِي كَعْبٍ، مِنْ خُزَاعَةَ. فَأَجَابَهُ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ، أَخُو بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرِو الْخُزَاعِيِّ، فَقَالَ: : وَاَللَّهِ لَا نُؤْتِي الْوَلِيدَ ظُلَامَةً وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا تَزُولُ كَواكِبُهْ وَيُصْرَعُ مِنْكُمْ مُسْمِنٌ بَعْدَ مُسْمِنٍ وَتُفْتَحُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَسْرًا مَشَارِبُهْ إذَا مَا أَكَلْتُمْ خُبْزَكُمْ وَخَزِيرَكُمْ فَكُلُّكُمْ بَاكِي الْوَلِيدِ، وَنَادِبُهْ ثُمَّ إنَّ النَّاسَ تَرَادُّوا وَعَرَفُوا أَنَّمَا يَخْشَى الْقَوْمُ السُّبَّةَ، فَأَعْطَتْهُمْ خُزَاعَةُ بَعْضَ الْعَقْلِ، وَانْصَرَفُوا عَنْ بَعْضٍ. فَلَمَّا اصْطَلَحَ الْقَوْمُ قَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ: : وَقَائِلَةٍ لَمَّا اصْطَلَحْنَا تَعَجُّبًا لِمَا قَدْ حَمَلْنَا لِلْوَلِيدِ وَقَائِلِ أَلَمْ تُقْسِمُوا تُؤْتُوا الْوَلِيدَ ظُلَامَةً وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا كَثِيرَ الْبَلَابِلِ فَنَحْنُ خَلَطْنَا الْحَرْبَ بِالسِّلْمِ فَاسْتَوَتْ فَأَمَّ هَوَاهُ آمِنًا كُلُّ رَاحِلِ ثُمَّ لَمْ يَنْتَهِ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ حَتَّى افْتَخَرَ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَصَابُوهُ وَكَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا. فَلَحِقَ بِالْوَلِيدِ ( وَ ) بِوَلَدِهِ وَقَوْمِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا حَذَّرَهُ. فَقَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ: : أَلَا زَعَمَ الْمُغِيرَةُ أَنَّ كَعْبًا بِمَكَّةَ مِنْهُمْ قَدْرٌ كَثِيرُ فَلَا تَفْخَرْ مُغِيرَةُ أَنْ تَرَاهَا بِهَا يَمْشِي الْمُعَلْهَجُ وَالْمَهِيرُ بِهَا آبَاؤُنَا وَبِهَا وُلِدْنَا كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ وَمَا قَالَ الْمُغِيرَةُ ذَاكَ إلَّا لِيَعْلَمَ شَأْنَنَا أَوْ يَسْتَثِيرُ فَإِنَّ دَمَ الْوَلِيدِ يُطَلُّ إنَّا نَطُلُّ دِمَاءً أَنْتَ بِهَا خَبِيرُ كَسَاهُ الْفَاتِكُ الْمَيْمُونُ سَهْمًا زُعَافًا وَهْوَ مُمْتَلِئٌ بَهِيرُ فَخَرَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مُسْلَحِبًّا كَأَنَّهُ عِنْدَ وَجْبَتِهِ بَعِيرُ سَيَكْفِينِي مِطَالَ أَبِي هِشَامٍ صِغَارٌ جَعْدَةُ الْأَوْبَارِ خُورُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا أُقْذِعَ فِيهِ [ مَقْتَلُ أَبِي أُزَيْهِرٍ وَثَوْرَةُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لِذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عَدَا هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى أَبِي أُزَيْهِرٍ. وَهُوَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ( عَاتِكَةُ ) بِنْتُ أَبِي أُزَيْهِرٍ وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ رَجُلًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ - فَقَتَلَهُ بِعُقْرِ الْوَلِيدِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، لِوَصِيَّةِ أَبِيهِ إيَّاهُ. وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَمَضَى بَدْرٌ، وَأُصِيبَ بَهْ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ فَجَمَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ. وَأَبُو سُفْيَانَ بِذِي الْمَجَازِ، فَقَالَ النَّاسُ: أَخْفَرَهُ أَبُو سُفْيَانَ فِي صِهْرِهِ، فَهُوَ ثَائِرٌ بِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بِاَلَّذِي صَنَعَ ابْنُهُ يَزِيدُ - وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلًا حَلِيمًا مُنْكَرًا يُحِبُّ قَوْمَهُ حُبًّا شَدِيدًا - انْحَطَّ سَرِيعًا إلَى مَكَّةَ. وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حَدَثٌ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَأَتَى ابْنَهُ وَهُوَ فِي الْحَدِيدِ، فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُطَيِّبِينَ، فَأَخَذَ الرُّمْحَ مِنْ يَدِهِ. ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً هَدَّهُ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ؛ قَبَّحَكَ اللَّهُ أَتُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَ قُرَيْشًا بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ. سَنُؤْتِيهِمْ الْعَقْلَ إنْ قَبِلُوهُ، وَأَطْفَأَ ذَلِكَ الْأَمْرَ. فَانْبَعَثَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ فِي دَمِ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَيُعَيِّرُ أَبَا سُفْيَانَ خُفْرَتَهُ وَيُجْبِنُهُ. فَقَالَ: : غَدَا أَهْلُ ضَوْجَيْ ذِي الْمَجَازِ كِلَيْهِمَا وَجَارَ ابْنُ حَرْبٍ بِالْمُغَمَّسِ مَا يَغْدُو وَلَمْ يَمْنَعْ الْعَيْرُ الضَّرُوطُ ذِمَارَهُ وَمَا مَنَعَتْ مَخْزَاةَ وَالِدِهَا هِنْدُ كَسَاكَ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ ثِيَابَهُ فَأَبْلِ وَأَخْلِفْ مِثْلَهَا جُدُدًا بَعْدُ قَضَى وَطَرًا مِنْهُ فَأَصْبَحَ مَاجِدًا وَأَصْبَحْتَ رَخْوًا مَا تُخِبُّ وَمَا تَعْدُو فَلَوْ أَنَّ أَشْيَاخًا بِبَدْرٍ تَشَاهَدُوا لَبَلَّ نِعَالَ الْقَوْمِ مُعْتَبِطٌ وَرْدُ فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ قَوْلُ حَسَّانَ قَالَ: يُرِيدُ حَسَّانُ أَنْ يَضْرِبَ بَعْضَنَا بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ بِئْسَ وَاَللَّهِ مَا ظَنَّ [ ثَوْرَةُ دَوْسٍ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَحَدِيثُ أُمِّ غَيْلَانَ ] وَلَمْ يَكُنْ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ ثَأْرٌ نَعْلَمُهُ، حَتَّى حَجَزَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ النَّاسِ، إلَّا أَنَّ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْفِهْرِيَّ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَرْضِ دَوْسٍ، فَنَزَلُوا عَلَى امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ غَيْلَانَ، مَوْلَاةٌ لِدَوْسٍ، وَكَانَتْ تَمْشُطُ النِّسَاءَ وَتُجَهِّزُ الْعَرَائِسَ، فَأَرَادَتْ دَوْسٌ قَتْلَهُمْ بِأَبِي أُزَيْهِرٍ، فَقَامَتْ دُونَهُمْ أُمُّ غَيْلَانَ وَنِسْوَةٌ مَعَهَا حَتَّى مَنَعَتْهُمْ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ: : جَزَى اللَّهُ عَنَّا أُمَّ غَيْلَانَ صَالِحًا وَنِسْوَتَهَا إذْ هُنَّ شُعْثٌ عَوَاطِلُ فَهُنَّ دَفَعْنَ الْمَوْتَ بَعْدَ اقْتِرَابِهِ وَقَدْ بَرَزَتْ لِلثَّائِرِينَ الْمَقَاتِلُ دَعَتْ دَعْوَةً دَوْسًا فَسَالَتْ شِعَابُهَا بِعِزٍّ وَأَدَّتْهَا الشَّرَاجُ الْقَوَابِلُ وَعَمْرًا جًزًاهُ اللهُ خَيْرًا فَمَا وَنَى وَمَا بَردَتْ مِنْهُ لَدَيَّ الْمَفَاصِلُ فَجَرَّدْتُ سَيْفِي ثُمَّ قُمْتُ بِنَصْلِهِ وَعَنْ أَيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقَاتِلُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ الَّتِي قَامَتْ دُونَ ضِرَارٍ أُمُّ جَمِيلٍ. وَيُقَالُ أُمُّ غَيْلَانَ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ غَيْلَانَ قَامَتْ مَعَ أُمِّ جَمِيلٍ فِيمَنْ قَامَ دُونَهُ. [ أُمُّ جَمِيلٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ] فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَتَتْهُ أُمُّ جَمِيلٍ، وَهِيَ تُرَى أَنَّهُ أَخُوهُ: فَلَمَّا انْتَسَبَتْ لَهُ عَرَفَ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ بِأَخِيهِ إلَّا فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ غَازٍ وَقَدْ عَرَفْتُ مِنَّتَكَ عَلَيْهِ فَأَعْطَاهَا عَلَى أَنَّهَا ابْنَةُ سَبِيلٍ. [ ضِرَارٌ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ] قَالَ الرَّاوِي: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ ضِرَارٌ لَحِقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ أُحُدٍ. فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِعَرْضِ الرُّمْحِ وَيَقُولُ: اُنْجُ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ لَا أَقْتُلُكَ فَكَانَ عُمَرُ يَعْرِفُهَا لَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ. [ مُطَالَبَةُ خَالِدٍ بِرِبَا أَبِيهِ، وَمَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ ] وَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي رِبَا الْوَلِيدِ، الَّذِي كَانَ فِي ثَقِيفٍ لِمَا كَانَ أَبُوهُ أَوْصَاهُ بِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا بِأَيْدِي النَّاسِ نَزَلْنَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَلَبِ خَالِدٍ الرِّبَا يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فِيهَا.
التاريخ 746لا حكم مسجّل
مَا جَاءَ فِي إِيذَاءِ قُرَيْشٍ لِلْمُؤْمِنِينَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ كَانَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَقَدْ أُوذِيَ فِي ذَلِكَ إِيذَاءً شَدِيدًا وَقَدْ كَانَ هَذَا دَأْبُ قُرَيْشٍ فِي كُلٍّ مَنْ يُظْهِرُ دِينَهُ أَوْ أَنْ يَعْلَمُوا بِأَنَّهُ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ وَقَدْ كَانَ مِمَّا أُوذِيَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ وَأَبُوهُ يَاسِرٌ ؓ جَمِيعًا، وَقَدِ اسْتُشْهِدَتْ سُمَيَّةُ وَيَاسِرٌ وَبَقِيَ عَمَّارٌ يُعَذَّبُ وَقَدْ حَاوَلَ أَبُو بَكْرٍ ؓ التَّخْفِيفَ عَنِ الْعَدِيدِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ بِشِرَائِهِمْ وَعِتْقِهِمْ لِلَّهِ تَعَالَى وَلَمْ يَقْبَلْ لَوْمَ أَبِيهِ فِي ذَلِكَ ؓ وَأَرْضَاهُ.
التاريخ 747لا حكم مسجّل
أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ [ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَمَا نَالَهُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي سَبِيلِ جَهْرِهِ بِالْقُرْآنِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ؓ قَالَ: اجْتَمَعَ يَوْمًا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا الْقُرْآنَ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ قَطُّ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَنَا؛ قَالُوا: إنَّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْكَ، إنَّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ مِنْ الْقَوْمِ إنْ أَرَادُوهُ، قَالَ: دَعُونِي فَإِنَّ اللَّهَ سَيَمْنَعُنِي. قَالَ: فَغَدَا ابْنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى الْمَقَامَ فِي الضُّحَى، وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا، حَتَّى قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ ثُمَّ قَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قَالَ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا يَقْرَؤُهَا. قَالَ: فَتَأَمَّلُوهُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَاذَا قَالَ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ ؟ قَالَ: ثُمَّ قَالُوا: إنَّهُ لَيَتْلُو بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، فَقَامُوا إلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ فِي وَجْهِهِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ حَتَّى بَلَغَ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنَّ يَبْلُغَ. ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى أَصْحَابِهِ وَقَدْ أَثَّرُوا فِي وَجْهِهِ، فَقَالُوا لَهُ: هَذَا الَّذِي خَشِينَا عَلَيْكَ؛ فَقَالَ: مَا كَانَ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْهُمْ الْآنَ، وَلَئِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنَّهُمْ بِمِثْلِهَا غَدًا؛ قَالُوا: لَا، حَسْبُكَ، قَدْ أَسْمَعْتَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ.
التاريخ 748لا حكم مسجّل
ذِكْرُ عُدْوَانِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِمَّنْ أَسْلَمَ بِالْأَذَى وَالْفِتْنَةِ [ قَسْوَةُ قُرَيْشٍ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ. ثُمَّ إنَّهُمْ عَدَوْا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَاتَّبَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهُمْ وَيُعَذِّبُونَهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ، وَبِرَمْضَاءِ مَكَّةَ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، مَنْ اُسْتُضْعِفُوا مِنْهُمْ، يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُفْتَنُ مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ الَّذِي يُصِيبُهُ، وَمِنْهُمْ مِنْ يَصْلُبُ لَهُمْ، وَيَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنْهُمْ. [ مَا كَانَ يَلْقَاهُ بِلَالٌ بَعْدَ إسْلَامِهِ، وَمَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي تَخْلِيصِهِ ] وَكَانَ بَلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ؓ، لِبَعْضِ بَنِي جُمَحٍ، مُوَلَّدًا مِنْ مُوَلَّدِيهِمْ، وَهُوَ بَلَالُ بْنُ رَبَاحٍ، وَكَانَ اسْمُ أُمِّهِ حَمَامَةَ، وَكَانَ صَادِقَ الْإِسْلَامِ طَاهِرَ الْقَلْبِ، وَكَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ يُخْرِجُهُ إذَا حَمِيَتْ الظَّهِيرَةُ، فَيَطْرَحَهُ عَلَى ظَهْرِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعَ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: ( لَا وَاَللَّهِ ) لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدِ، وَتَعْبُدَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، فَيَقُولُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ: أَحَدٌ أَحَدٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَمُرُّ بِهِ وَهُوَ يُعَذَّبُ بِذَلِكَ، وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ؛ فَيَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ وَاَللَّهِ يَا بِلَالُ، ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَمَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِهِ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَيَقُولُ أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا لَأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا، حَتَّى مَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ( ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ) ؓ يَوْمًا، وَهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ بِهِ، وَكَانَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي جُمَحٍ، فَقَالَ لِأُمَيَّةِ بْنِ خَلَفٍ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ ؟ حَتَّى مَتَى ؟ قَالَ: أَنْتَ الَّذِي أَفْسَدْتَهُ فَأَنْقِذْهُ مِمَّا تَرَى؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ. أَفْعَلُ، عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ مِنْهُ وَأَقْوَى، عَلَى دِينِكَ، أُعْطِيكَهُ بِهِ؛ قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ فَقَالَ: هُوَ لَكَ. فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ غُلَامَهُ ذَلِكَ، وَأَخَذَهُ فَأَعْتَقَهُ وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ؓ قَالَ: حَجَجْتُ- أَوْ قَالَ اعْتَمَرْتُ- فَرَأَيْتُ بِلَالًا فِي حَبْلٍ طَوِيلٍ يَمُدُّهُ الصِّبْيَانُ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ أَنَا أَكْفُرُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَهُبَلٍ وَنَائِلَةَ وَبُوَانَةَ، فَأَضْجَعَهُ أُمَيَّةُ فِي الرَّمْضَاءِ. وَقَالَ وَرَقَةُ فِي ذَلِكَ شِعْرًا وَهُوَ: لَقَدْ نَصَحْتُ لِأَقْوَامٍ وَقُلْتُ لَهُمْ أَنَا النَّذِيرُ فَلَا يَغْرُرْكُمُ أَحَدُ لَا تَعْبُدُنَّ إِلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ فَإِنْ دَعَوْكُمْ فَقُولُوا بَيْنَنَا حَدَدُ سُبْحَانَ ذِي الْعَرْشِ سُبْحَانًا نَعُودُ لَهُ رَبُّ الْبَرِيَّةِ فَرْدٌ وَاحِدٌ صَمَدُ سُبْحَانَهُ ثُمَّ سُبْحَانًا نَعُودُ لَهُ وَقَبْلُ سَبَّحَهُ الْجُودِيُّ وَالْحَمَدُ مُسَخَّرٌ كُلُّ مَا تَحْتَ السَّمَاءِ لَهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاوِيَ مُلْكَهُ أَحَدُ لَا شَيْءَ مِمَّا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ يَبْقَى الْإِلَهُ وَيُودِي الْمَالُ وَالْوَلَدُ لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ وَالْخُلْدَ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا وَلَا سُلَيْمَانُ إِذْ تَجْرِي الرِّيَاحُ لَهُ وَالْإِنْسُ وَالْجِنُّ فِيمَا بَيْنَهَا بَرَدُ أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّتِي كَانَتْ لِعِزَّتِهَا مِنْ كُلِّ أَوْبٍ إِلَيْهَا وَافِدٌ يَفِدُ حَوْضٌ هُنَالِكَ مَوْرُودٌ بِلَا كَذِبٍ لَا بُدَّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وَرَدُوا. [ مَنْ أَعْتَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ مَعَ بِلَالٍ ] ثُمَّ أَعْتَقَ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِينَةِ سِتَّ رِقَابٍ، بِلَالٌ سَابِعُهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا؛ وَأُمُّ عُبَيْسٍ وَزِنِّيرَةُ، وَأُصِيبَ بَصَرُهَا حِينَ أَعْتَقَهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: مَا أَذْهَبَ بَصَرَهَا إلَّا اللَّاتُ وَالْعُزَّى؛ فَقَالَتْ: كَذَبُوا وَبَيْتِ اللَّهِ مَا تَضُرُّ اللَّاتُ وَالْعُزَّى وَمَا تَنْفَعَانِ، فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرَهَا. وَأَعْتَقَ النَّهْدِيَّةَ وَبِنْتَهَا، وَكَانَتَا لِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَمَرَّ بِهِمَا وَقَدْ بَعَثَتْهُمَا سَيِّدَتُهُمَا بِطَحِينٍ لَهَا، وَهِيَ تَقُولُ: وَاَللَّهِ لَا أُعْتِقُكُمَا أَبَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ؓ: حِلِّ يَا أُمَّ فُلَانٍ؛ فَقَالَتْ: حِلَّ، أَنْتَ أَفْسَدْتَهُمَا فَأَعْتِقْهُمَا، قَالَ: فَبِكَمْ هُمَا ؟ قَالَتْ: بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُمَا وَهُمَا حُرَّتَانِ، أَرْجِعَا إلَيْهَا طَحِينَهَا، قَالَتَا: أَوَنَفْرُغُ مِنْهُ يَا أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ نَرُدُّهُ إلَيْهَا ؟ قَالَ: وَذَلِكَ إنْ شِئْتُمَا. وَمَرَّ بِجَارِيَةِ بَنِي مُؤَمِّلٍ، حَيٌّ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُعَذِّبُهَا لِتَتْرُكَ الْإِسْلَامَ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَهُوَ يَضْرِبُهَا، حَتَّى إذَا مَلَّ قَالَ: إنِّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ، إنِّي لَمْ أَتْرُكْ إلَّا مَلَالَةً، فَتَقُولُ: كَذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ. فَابْتَاعَهَا أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْتَقَهَا. [ لَامَ أَبُو قُحَافَةَ ابْنَهُ لِعِتْقِهِ مِنْ أَعْتَقَ فَرَدَّ عَلَيْهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا بُنَيَّ، إنِّي أَرَاكَ تُعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أَنَّكَ إذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ دُونَكَ ؟ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ؓ: يَا أَبَتْ، إنِّي إنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ، لِلَّهِ ( عَزَّ وَجَلَّ ) قَالَ: فَيُتَحَدَّثُ أَنَّهُ مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إلَّا فِيهِ، وَفِيمَا قَالَ لَهُ أَبُوهُ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ؓ يَذْكُرُ بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَكَانَ اسْمُ أَبِي بَكْرٍ عَتِيقًا: جَزَى اللَّهُ خَيْرًا عَنْ بِلَالِ وَصَحْبِهِ عَتِيقًا وَأَخْزَى فَاكِهًا وَأَبَا جَهْلِ عَشِيَّةَ هَمَّا فِي بِلَالٍ وَصَحْبِهِ وَلَمْ يَحْذَرَا مَا يَحْذَرُ الْمَرْءُ ذُو الْعَقْلِ بِتَوْحِيدِهِ رَبَّ الْأَنَامِ وَقَوْلِهِ شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي عَلَى مَهْلِ فَإِنْ تَقْتُلُونِي تَقْتُلُونِي وَلَمْ أَكُنْ لِأُشْرِكَ بِالرَّحْمَنِ مِنْ خِيفَةِ الْقَتْلِ فَيَا رَبَّ إِبْرَاهِيمَ وَالْعَبْدِ يُونُسَ وَمُوسَى وَعِيسَى نَجِّنِي ثُمَّ لَا تُمْلِ لِمَنْ ظَلَّ يَهْوَى الْعِزَّ مِنْ آلِ غَالِبٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ كَانَ مِنْهُ وَلَا عَدْلِ
التاريخ 749لا حكم مسجّل
[ مَا كَانَ يُعَذِّبُ بِهِ أَبُو جَهْلٍ مَنْ أَسْلَمَ ] وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ الَّذِي يُغْرِي بِهِمْ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، إذَا سَمِعَ بِالرَّجُلِ قَدْ أَسْلَمَ، لَهُ شَرَفٌ وَمَنَعَةٌ، أَنَّبَهُ وَأَخْزَاهُ وَقَالَ: تَرَكْتَ دِينَ أَبِيكَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، لَنُسَفِّهَنَّ حِلْمَكَ، وَلَنُفَيِّلَنَّ رَأْيَكَ، وَلَنَضَعَنَّ شَرَفَكَ؛ وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا قَالَ: وَاَللَّهِ لَنُكَسِّدَنَّ تِجَارَتَكَ، وَلَنُهْلِكَنَّ مَالَكَ؛ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وَأَغْرَى بِهِ.
التاريخ 750لا حكم مسجّل
[ تَعْذِيبُ قُرَيْشٍ لَابْنِ يَاسِرٍ، وَتَصْبِيرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ يَخْرُجُونَ بِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَبِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ إسْلَامٍ، إذَا حَمِيَتْ الظَّهِيرَةُ، يُعَذِّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ مَكَّةَ، فَيَمُرُّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ، فِيمَا بَلَغَنِي: صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ، مَوْعِدُكُمْ الْجَنَّةُ فَأَمَّا أُمُّهُ فَقَتَلُوهَا، وَهِيَ تَأْبَى إلَّا الْإِسْلَامَ. وَكَانَ يَاسِرٌ حَلِيفًا لِبَنِي مَخْزُومٍ، فَكَانُوا يُخْرِجُونَ عَمَّارًا وَأَبَاهُ وَأُمَّهُ إِلَى الْأَبْطَحِ إِذَا حَمِيَتِ الرَّمْضَاءُ يُعَذِّبُونَهُمْ بِحَرِّ الرَّمْضَاءِ، فَمَرَّ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: " صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ ". فَمَاتَ يَاسِرٌ فِي الْعَذَابِ، وَأَغْلَظَتِ امْرَأَتُهُ سُمَيَّةُ الْقَوْلَ لِأَبِي جَهْلٍ، فَطَعَنَهَا فِي قُبُلِهَا بِحَرْبَةٍ فِي يَدَيْهِ فَمَاتَتْ، وَهِيَ أَوَّلُ شَهِيدٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَشَدَّدُوا الْعَذَابَ عَلَى عَمَّارٍ، بِالْحَرِّ تَارَةً، وَبِوَضْعِ الصَّخْرِ عَلَى صَدْرِهِ أُخْرَى، وَبِالتَّغْرِيقِ أُخْرَى فَقَالُوا: لَا نَتْرُكُكَ حَتَّى تَسُبَّ مُحَمَّدًا وَتَقُولَ فِي اللَّاتِ وَالْعُزَّى خَيْرًا، فَفَعَلَ، فَتَرَكُوهُ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَبْكِي. فَقَالَ: مَا وَرَاءَكَ ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَ الْأَمْرُ كَذَا وَكَذَا. قَالَ فَكَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ ؟ قَالَ: أَجِدُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ. فَقَالَ: يَا عَمَّارُ فَعُدْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ( إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ) من امتنع عن الإسلام ظاهرا لسبب تعذيبه [ سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ عُذْرِ مَنْ امْتَنَعَ عَنْ الْإِسْلَامِ لِسَبَبِ تَعْذِيبِهِ فَأَجَازَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْعَذَابِ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِي تَرْكِ دِينِهِمْ ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، إنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أَحَدَهُمْ وَيُجِيعُونَهُ وَيُعَطِّشُونَهُ حَتَّى مَا يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ، حَتَّى يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوهُ مِنْ الْفِتْنَةِ، حَتَّى يَقُولُوا لَهُ؛ آللَّاتُ وَالْعُزَّى إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، حَتَّى إنَّ الْجُعَلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَهَذَا الْجُعَلُ إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، افْتِدَاءً مِنْهُمْ مِمَّا يَبْلُغُونَ مِنْ جَهْدِهِ. [ رَفْضُ هِشَامٍ تَسْلِيمَ أَخِيهِ لِقُرَيْشِ لِيَقْتُلُوهُ عَلَى إسْلَامِهِ، وَشِعْرِهِ فِي ذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّبَيْرُ بْنُ عُكَاشَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنَّهُ حُدِّثَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ مَشَوْا إلَى هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ، حِينَ أَسْلَمَ أَخُوهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ ( بْنِ الْمُغِيرَةِ )، وَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا فِتْيَةً مِنْهُمْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا، مِنْهُمْ: سَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ. قَالَ: فَقَالُوا لَهُ. وَخَشُوا شَرَّهُمْ: إنَّا قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نُعَاتِبَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةِ عَلَى هَذَا الدِّينِ الَّذِي أَحْدَثُوا، فَإِنَّا نَأْمَنُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ. قَالَ: هَذَا، فَعَلَيْكُمْ بِهِ، فَعَاتِبُوهُ وَإِيَّاكُمْ وَنَفْسَهُ، وَأَنْشَأَ يَقُولُ: : أَلَا لَا يُقْتَلَنَّ أَخِي عُيَيْسٍ فَيَبْقَى بَيْنَنَا أَبَدًا تَلَاحِي احْذَرُوا عَلَى نَفْسِهِ، فَأُقْسِمُ اللَّهَ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأَقْتُلَنَّ أَشْرَفَكُمْ رَجُلًا. قَالَ: فَقَالُوا: اللَّهُمَّ الْعَنْهُ، مَنْ يُغَرِّرُ بِهَذَا الْحَدِيثِ، فَوَاَللَّهِ لَوْ أُصِيبَ فِي أَيْدِينَا لَقُتِلَ أَشْرَفُنَا رَجُلًا. ( قَالَ )، فَتَرَكُوهُ وَنَزَعُوا عَنْهُ. قَالَ: وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا دَفَعَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُمْ. ما جاء في تعذيب خباب بن الأرت وَخَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ، كَانَ أَبُوهُ سَوَادِيًّا مِنْ كَسْكَرَ، فَسَبَاهُ قَوْمٌ مِنْ رَبِيعَةَ، وَحَمَلُوهُ إِلَى مَكَّةَ فَبَاعُوهُ مِنْ سِبَاعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْخُزَاعِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ، وَسِبَاعٌ هُوَ الَّذِي بَارَزَهُ حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَخَبَّابٌ تَمِيمِيٌّ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَدِيمًا، قِيلَ: سَادِسُ سِتَّةٍ قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، فَأَخَذَهُ الْكُفَّارُ وَعَذَّبُوهُ عَذَابًا شَدِيدًا، فَكَانُوا يُعَرُّونَهُ وَيُلْصِقُونَ ظَهْرَهُ بِالرَّمْضَاءِ ثُمَّ بِالرَّضْفِ، وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ بِالنَّارِ، وَلَوَوْا رَأْسَهُ، فَلَمْ يُجِبْهُمْ إِلَى شَيْءٍ مِمَّا أَرَادُوا مِنْهُ. وَعَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ قَالَ، جَاءَ خَبَّابٌ إِلَى عُمَرَ ؓ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ادْنُهْ، ادْنُهْ. فَأَجْلَسَهُ عَلَى مُتَّكَئِهِ وَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْكَ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ. قَالَ: وَمَنْ هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بِلَالٌ - وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ قَالَ: مَا هُوَ بِأَحَقَّ مِنِّي إِنَّ بِلَالًا كَانَ لَهُ فِي الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمْنَعُهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا وَقَدْ أَوْقَدُوا لِي نَارًا ثُمَّ سَلَقُونِي فِيهَا ثُمَّ وَضَعَ رَجُلٌ رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي فَمَا اتَّقَيْتُ الْأَرْضَ إِلَّا بِظَهْرِي ثُمَّ كَشَفَ خَبَّابٌ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرَصَ. وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الْأَرَتِّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وَكَانَ لِي عَلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: لَا وَاللَّهِ لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتَّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: فَإِنِّي إِذَا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ، جِئْتَنِي وَلِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأُعْطِيكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا إِلَى قَوْلِهِ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا [ مَرْيَمَ: 77 - 80 ] أَخْرَجَاهُ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " ذكر بعض مَن كان يُعذب من المؤمنين رَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَ صُهَيْبٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ . وَمِنْهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: قَالُوا كَانَ عَامِرٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَكَانَ يُعَذَّبُ بِمَكَّةَ لِيَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ حَتَّى اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَعْتَقَهُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ - بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمُعْجَمَةِ- قَالَ: كَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يُعَذَّبُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ مَا يَقُولُ. وَمِنْهُمْ أَبُو فُكَيْهَةَ وَاسْمُهُ أَفْلَحُ وَيُقَالُ يَسَارٌ . وَكَانَ عَبْدًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَأَسْلَمَ حِينَ أَسْلَمَ بِلَالٌ، فَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ؓ وَقَدْ أَخَذَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَرَبَطَ فِي رِجْلِهِ حَبْلًا وَأَمَرَ بِهِ فَجُرَّ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي الرَّمْضَاءِ فَمَرَّ بِهِ جُعَلٌ فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا رَبُّكَ فَقَالَ: اللَّهُ رَبِّي خَلَقَنِي وَخَلَقَكَ وَخَلَقَ هَذَا الْجُعْلَ فَغَلِطَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَخْنُقُهُ وَمَعَهُ أَخُوهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَقُولُ: زِدْهُ عَذَابًا حَتَّى يَأْتِيَ مُحَمَّدٌ فَيُخَلِّصُهُ بِسِحْرِهِ. فَأَخْرَجَهُ نِصْفَ النَّهَارِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ مُقَيَّدًا إِلَى الرَّمْضَاءِ وَوَضَعَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةً فَدَلَعَ لِسَانَهُ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ أَفَاقَ فَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ؓ فَاشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو فُكَيْهَةَ يُعَذَّبُ حَتَّى- لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ.
التاريخ 751لا حكم مسجّل
الْهِجْرَةُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَمَا جَاءَ فِيهَا: لَمَّا اشْتَدَّ الْمُشْرِكُونَ فِي أَذَى الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأَنْ مَنَعَهُ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ أَذِنَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ فَذَهَبَ إِلَيْهَا الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَرُقَيَّةُ زَوْجَتُهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ النَّجْمِ وَسَجَدَ الْمُشْرِكُونَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي آخِرِهَا بَلَغَ الْخَبَرَ الْمُهَاجِرُونَ فِي الْحَبَشَةِ بِأَنَّ قُرَيْشًا قَدْ أَسْلَمَتْ فَعَادُوا مِنَ الْحَبَشَةِ، وَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِ مَا ظَنُّوا فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ وَدَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي جِوَارِ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى خَرَجُوا بَعْدَ ذَلِكَ وَمَعَهُمْ بَعْضُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الْحَبَشَةِ مَرَّةً أُخْرَى، وَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ خَلْفَهُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يُفْلِحُوا فِي إِعَادَتِهِمْ وَأَكْرَمَ اللَّهُ النَّجَاشِيَّ بِالْإِسْلَامِ. وَقَدْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْحَبَشَةُ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَفَاهُ إِيَّاهُمْ وَخَرَجَ عَلَيْهِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَزِعَ الْمُلْكَ مِنْهُ فَنَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَكَّنَ لِلنَّجَاشِيِّ وَسُرَّ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ.
التاريخ 752لا حكم مسجّل
وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ أَنَّ خُرُوجَهُمْ إِلَيْهَا فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْبِعْثَةِ، وَأَنَّ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ، وَأَنَّهُمُ انْتَهَوْا إِلَى الْبَحْرِ مَا بَيْنَ مَاشٍ وَرَاكِبٍ، فَاسْتَأْجَرُوا سَفِينَةً بِنِصْفِ دِينَارٍ إِلَى الْحَبَشَةِ، ذِكْرُ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ [ إشَارَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ، قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ. فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ، وَفِرَارًا إلَى اللَّهِ بِدِينِهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ. [ مَنْ هَاجَرُوا الْهِجْرَةَ الْأُولَى إلَى الْحَبَشَةِ ] وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ: سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ. وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ. وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ ( بْنِ ) الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفُ آلِ الْخَطَّابِ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ - ( قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مِنْ عَنَزَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ ) - مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ ( بْنِ حُذَافَةَ ) بْنِ غَانِمِ ( بْنِ عَامِرِ ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ، بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ؛ وَيُقَالُ: بَلْ أَبُو حَاطِبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ ( بْنِ لُؤَيٍّ ) وَيُقَالُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ قَدِمَهَا. وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ. فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْعَشْرَةِ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فِيمَا بَلَغَنِي. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ، وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى اجْتَمَعُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَكَانُوا بِهَا، مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِأَهْلِهِ مَعَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ لَا أَهْلَ لَهُ مَعَهُ. [ مَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ] ( و ) مِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ: جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ بْنِ خَثْعَمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ، رَجُلٌ. [ مَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ ] وَمِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثِ ( بْنِ خُمْلِ ) بْنِ شِقِّ بْنِ رَقَبَةَ بْنِ مُخْدِجٍ الْكِنَانِيُّ، وَأَخُوهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَمِينَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ جُعْثُمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ، وَأَمَةَ بِنْتَ خَالِدٍ، فَتَزَوَّجَ أَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرُو بْنُ الزُّبَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الزُّبَيْرِ. [ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ] وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ، مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ؛ وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ؛ وَقَيْسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ بَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ، مَوْلَاةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ. وَهَؤُلَاءِ آلُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ، سَبْعَةُ نَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مُعَيْقِيبُ مِنْ دَوْسٍ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ؛ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ آلِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، رَجُلَانِ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ ] وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ نَسِبْ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، رَجُلٌ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ] وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، وَيَزِيدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ. وَعَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، أَرْبَعَةُ نَفَرٍ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ ] وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ: طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَبِيرِ بْنِ عَبْدِ ( بْنِ قُصَيٍّ )، رَجُلٌ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ ] وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ؛ وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْلَةَ بْنِ السَّبَّاقِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ؛ وَجَهْمُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ حَرْمَلَةَ بِنْتُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ بْنِ جُذَيْمَةَ بْنِ أُقَيْشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ جُعْثُمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ؛ وَابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ جَهْمٍ؛ وَأَبُو الرُّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ؛ وَفِرَاسُ بْنُ النَّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ، خَمْسَةُ نَفَرٍ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ ] وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبُو وَقَّاصٍ، مَالِكُ بْنُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ؛ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُطَّلِبِ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي هُذَيْلٍ ] وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ هُذَيْلٍ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ. وَأَخُوهُ: عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَهْرَاءَ ] وَمِنْ بَهْرَاءَ: الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ مَطْرُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الشَّرِّيدِ بْنِ أَبِي أَهْوَزَ بْنِ أَبِي فَائِشِ بْنِ دُرَيْمِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ أَهْوَدَ بْنِ بَهْرَاءَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ هَزْلُ بْنُ فَاسِ بْنِ ذَرِّ، وَدُهَيْرُ بْنُ ثَوْرٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ ( بْنِ وَهْبِ ) بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَبَنَّاهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَالَفَهُ سِتَّةُ نَفَرٍ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي تَيْمٍ ] وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ: الْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ ( بْنِ عَمْرِو ) بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُوسَى بْنَ الْحَارِثِ، وَعَائِشَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَزَيْنَبَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَفَاطِمَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ، وَعَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ، رَجُلَانِ. [ مَنْ رَحَلَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ] وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللَّهِ، وَاسْمُ أُمِّ سَلَمَةَ: هِنْدٌ: وَشَمَّاسُ ( بْنُ ) عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِّيدِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ هَرْمِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ. [ اسْمُ الشَّمَّاسِ وَشَيْءٌ عَنْهُ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ شَمَّاسٍ: عُثْمَانُ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ شَمَّاسًا، لِأَنَّ شَمَّاسًا مِنْ الشَّمَامِسَةِ، قَدِمَ مَكَّةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ جَمِيلًا فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ جَمَالِهِ، فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَانَ خَالَ شَمَّاسٍ: أَنَا آتِيكُمْ بِشَمَّاسِ أَحْسَنَ مِنْهُ، فَجَاءَ بِابْنِ أُخْتِهِ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ، فَسُمِّيَ شَمَّاسًا. فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَبَّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُفْيَانَ؛ وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ؛ وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ. [ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي مَخْزُومٍ ] وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: مُعَتِّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ حَبَشِيَّةَ ابْنُ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: عَيْهَامَةُ، ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ حَبَشِيَّةُ بْنُ سَلُولَ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ مُعَتِّبُ بْنُ حَمْرَاءَ. [ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي جُمَحٍ ] وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ؛ وَابْنُهُ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ؛ وَأَخَوَاهُ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَظْعُونٍ؛ وَحَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلَّلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ؛ وَابْنَاهُ: مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ، وَهُمَا لِبِنْتِ الْمُجَلَّلِ؛ وَأَخُوهُ حَطَّابُ بْنُ الْحَارِثِ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ؛ وَسُفْيَانُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، مَعَهُ ابْنَاهُ جَابِرُ بْنُ سُفْيَانَ، وَجُنَادَةُ بْنُ سُفْيَانَ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ حَسَنَةُ، وَهِيَ أُمُّهُمَا، وَأَخُوهُمَا مِنْ أُمِّهِمَا شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، أَحَدُ الْغَوْثِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: شُرَحْبِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ الْغَوْثِ بْنِ مُرٍّ، أَخِي تَمِيمِ بْنِ مُرٍّ. [ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي سَهْمٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أَهْبَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا. وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ، خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْلٍ وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَالْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَأَخٌ لَهُ مِنْ أُمِّهِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، يُقَالُ لَهُ: سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَالسَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ؛ وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ مُهَشَّمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ. وَمَحْمِيَّةُ بْنُ الْجَزَاءِ، حَلِيفٌ لَهُمْ، مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا. [ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ ] وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيٍّ وَعُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيٍّ؛ وَعَدِيُّ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ حَرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيٍّ وَابْنُهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَدِيٍّ؛ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لِآلِ الْخَطَّابِ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمٍ خَمْسَةُ نَفَرٍ. [ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ] وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ؛ وَسُلَيْطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ؛ وَأَخُوهُ السَّكْرَانُ بْنُ عَمْرٍو، مَعَهُ امْرَأَتُهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ؛ وَمَالِكُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ؛ مَعَهُ امْرَأَتُهُ عَمْرَةُ بِنْتُ السَّعْدِيِّ بْنِ وَقْدَانَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ؛ وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ؛ وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةُ، حَلِيفٌ لَهُمْ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ مِنْ الْيَمَنِ. [ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ؛ وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَلَكُنَّ أُمَّهُ غَلَبَتْ عَلَى نَسَبِهِ، فَهُوَ يُنْسَبُ إلَيْهَا، وَهِيَ دَعْدُ بِنْتُ جَحْدَمِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ، وَكَانَتْ تُدْعَى بَيْضَاءَ؛ وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ؛ وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَيُقَالُ: بَلْ رَبِيعَةُ بْنُ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبَّةَ ( بْنِ الْحَارِثِ )؛ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ غَنْمِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ ( بْنِ فِهْرٍ ) وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ. ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ. [ عَدَدُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الْحَبَشَةِ ] فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَهَاجَرَ إلَيْهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ، سِوَى أَبْنَائِهِمْ الَّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ مَعَهُمْ صِغَارًا وَوُلِدُوا بِهَا، ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، إنْ كَانَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِيهِمْ، وَهُوَ يُشَكُّ فِيهِ.
التاريخ 753لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ فِي الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ ] وَكَانَ مِمَّا قِيلَ مِنْ الشِّعْرِ فِي الْحَبَشَةِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ، حِينَ أَمِنُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَحَمِدُوا جِوَارَ النَّجَاشِيِّ، وَعَبَدُوا اللَّهَ لَا يَخَافُونَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدًا، وَقَدْ أَحْسَنَ النَّجَاشِيُّ جِوَارَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِهِ، قَالَ: : يَا رَاكِبًا بَلِّغَنْ عَنَّى مُغَلْغِلَةً مَنْ كَانَ يَرْجُو بَلَاغَ اللَّهِ وَالدِّينِ كُلُّ امْرِئِ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مُضْطَهَدٌ بِبَطْنِ مَكَّةَ مَقْهُورٍ وَمَفْتُونِ أَنَّا وَجَدْنَا بِلَادَ اللَّهِ وَاسِعَةً تُنْجِي مِنْ الذُّلِّ وَالْمَخْزَاةِ وَالْهُونِ فَلَا تُقِيمُوا عَلَى ذُلِّ الْحَيَاةِ وَخِزْ يٍ فِي الْمَمَاتِ وَعَيْبٍ غَيْرِ مَأْمُونِ إنَّا تَبِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ وَاطَّرَحُوا قَوْلَ النَّبِيِّ وَعَالُوا فِي الْمَوَازِينِ فَاجْعَلْ عَذَابَكَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ بَغَوْا وَعَائِذًا بِكَ أَنْ يَعْلُوَا فَيُطْغُونِي وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا، يَذْكُرُ نَفْيَ قُرَيْشٍ إيَّاهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، وَيُعَاتِبُ بَعْضَ قَوْمِهِ فِي ذَلِكَ: : أَبَتْ كَبِدِي، لَا أَكْذِبَنْكَ، قِتَالَهُمْ عَلَيَّ وَتَأْبَاهُ عَلَيَّ أَنَامِلِي وَكَيْفَ قِتَالِي مَعْشَرًا أَدَّبُوكُمْ عَلَى الْحَقِّ أَنْ لَا تَأْشِبُوهُ بِبَاطِلِ نَفَتْهُمْ عِبَادُ الْجِنِّ مِنْ حُرِّ أَرْضِهِمْ فَأَضْحَوْا عَلَى أَمْرٍ شَدِيدِ الْبَلَابِلِ فَإِنْ تَكُ كَانَتْ فِي عَدِيٍّ أَمَانَةٌ عَدِيِّ بْنِ سَعْدٍ عَنْ تُقًى أَوْ تَوَاصُلِ فَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنَّ ذَلِكَ فِيكُمْ بِحَمْدِ الَّذِي لَا يُطَّبَى بِالْجَعَائِلِ وَبُدِّلْتُ شِبْلًا شِبْلَ كُلِّ خَبِيثَةٍ بِذِي فَجْرٍ مَأْوَى الضِّعَافِ الْأَرَامِلِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا: : وَتِلْكَ قُرَيْشٌ تَجْحَدُ اللَّهَ حَقَّهُ كَمَا جَحَدَتْ عَادٌ وَمَدْيَنُ وَالْحِجْرُ فَإِنْ أَنَا لَمْ أُبْرِقْ فَلَا يَسَعَنَّنِي مِنْ الْأَرْضِ بَرٌّ ذُو فَضَاءٍ وَلَا بَحْرُ بِأَرْضٍ بِهَا عَبَدَ الْإِلَهَ مُحَمَّدٌ أُبَيِّنُ مَا فِي النَّفْسِ إذْ بُلِغَ النَّقْرُ فَسُمِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ - يَرْحَمُهُ اللَّهُ - لَبَيْتِهِ الَّذِي قَالَ: الْمُبْرِقُ. [ شِعْرُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي ذَلِكَ ] وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ يُعَاتِبُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّهِ، وَكَانَ يُؤْذِيهِ فِي إسْلَامِهِ، وَكَانَ أُمَيَّةُ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ: : أَتَيْمَ بْنَ عَمْرٍو لِلَّذِي جَاءَ بِغْضَةً وَمِنْ دُونِهِ الشَّرْمَانُ وَالْبَرْكُ أَكْتَعُ أَأَخْرَجْتَنِي مِنْ بَطْنِ مَكَّةَ آمِنًا وَأَسْكَنْتنِي فِي صَرْحِ بَيْضَاءَ تَقْذَعُ تَرِيشُ نِبَالًا لَا يُوَاتِيكَ رِيشُهَا وَتُبْرَى نِبَالًا رِيشُهَا لَكَ أَجْمَعُ وَحَارَبْتَ أَقْوَامًا كِرَامًا أَعِزَّةً وَأَهْلَكْتَ أَقْوَامًا بِهِمْ كُنْتَ تَفْزَعُ سَتَعْلَمُ إنْ نَابَتْكَ يَوْمًا مُلِمَّةٌ وَأَسْلَمَكَ الْأَوْبَاشُ مَا كُنْتَ تَصْنَعُ وَتَيْمُ بْنُ عَمْرٍو، الَّذِي يَدْعُو عُثْمَانَ، جُمَحُ، كَانَ اسْمُهُ تَيْمًا.
التاريخ 754لا حكم مسجّل
إرْسَالُ قُرَيْشٍ إلَى الْحَبَشَةِ فِي طَلَبِ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهَا [ رَسُولَا قُرَيْشٍ إِلَى النَّجَاشِيِّ لِاسْتِرْدَادِ الْمُهَاجِرِينَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ أَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَأَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا بِهَا دَارًا وَقَرَارًا، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنَّ يَبْعَثُوا فِيهِمْ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ جَلْدَيْنِ إلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ، لِيَفْتِنُوهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دَارِهِمْ، الَّتِي اطْمَأَنُّوا بِهَا وَأَمِنُوا فِيهَا؛ فَبَعَثُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَجَمَعُوا لَهُمَا هَدَايَا لِلنَّجَاشِيِّ وَلِبَطَارِقَتِهِ، ثُمَّ بَعَثُوهُمَا إلَيْهِ فِيهِمْ. [ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّجَاشِيِّ يَحُضُّهُ عَلَى الدَّفْعِ عَنْ الْمُهَاجِرِينَ ] فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ، حِينَ رَأَى ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِمْ وَمَا بَعَثُوهُمَا فِيهِ، أَبْيَاتًا لِلنَّجَاشِيِّ يَحُضُّهُ عَلَى حُسْنِ جِوَارِهِمْ وَالدَّفْعِ عَنْهُمْ: : أَلَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ فِي النَّأْيِ جَعْفَرٌ وَعَمْرٌو وَأَعْدَاءُ الْعَدُوِّ الْأَقَارِبُ وَهَلْ نَالَتْ أَفْعَالُ النَّجَاشِيِّ جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ أَوْ عَاقَ ذَلِكَ شَاغِبُ تَعَلَّمْ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ، أَنَّكَ مَاجِدٌ كَرِيمٌ فَلَا يَشْقَى لَدَيْكَ الْمُجَانِبُ تَعَلَّمْ بِأَنَّ اللَّهَ زَادَكَ بَسْطَةً وَأَسْبَابَ خَيْرٍ كُلُّهَا بِكَ لَازِبُ وَأَنَّكَ فَيْضٌ ذُو سِجَالٍ غَزِيرَةٍ يَنَالُ الْأَعَادِي نَفْعَهَا وَالْأَقَارِبُ [ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ رَسُولَيْ قُرَيْشٍ مَعَ النَّجَاشِيِّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَتْ: لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ تَعَالَى لَا نُؤْذَى وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ؛ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأُدْمُ، فَجَمَعُوا لَهُ أُدْمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَأَمَرُوهُمَا بِأَمْرِهِمْ، وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعَا إلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمَا إلَى النَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلَاهُ أَنْ يُسَلِّمَهُمْ إلَيْكُمَا قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجَا حَتَّى قَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ، فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بِطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إلَّا دَفَعَا إلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ، وَقَالَا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إنَّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينِ مُبْتَدَعٍ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافَ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَلِّمَهُمْ إلَيْنَا وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ. ثُمَّ إنَّهُمَا قَدَّمَا هَدَايَاهُمَا إلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ فَقَالَا لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ ابْتَدَعُوهُ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ النَّجَاشِيُّ. قَالَتْ: فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقَا أَيُّهَا الْمَلِكُ قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَأَسْلِمْهُمْ إلَيْهِمَا فَلْيَرُدَّاهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ. قَالَتْ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: لَاهَا اللَّهِ، إذَنْ لَا أُسْلِمُهُمْ إلَيْهِمَا، وَلَا يَكَادُ قَوْمٌ جَاوَرُونِي، وَنَزَلُوا بِلَادِي، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ، حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ عَمَّا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتهمْ إلَيْهِمَا، وَرَدَدْتُهُمْ إلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي.
التاريخ 755لا حكم مسجّل
قِصَّةُ تَمَلُّكِ النَّجَاشِيِّ عَلَى الْحَبَشَةِ [ قَتْلُ أَبِي النَّجَاشِيِّ، وَتَوْلِيَةُ عَمِّهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَحَدَّثْتُ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ حَدِيثَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ: مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَ النَّاسَ فِيهِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا؛ قَالَ: فَإِنَّ عَائِشَةَ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَتْنِي أَنَّ أَبَاهُ كَانَ مَلِكَ قَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إلَّا النَّجَاشِيَّ، وَكَانَ لِلنَّجَاشِيِّ عَمٌّ، لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ مَمْلَكَةِ الْحَبَشَةِ، فَقَالَتْ الْحَبَشَةُ بَيْنَهَا: لَوْ أَنَّا قَتَلْنَا أَبَا النَّجَاشِيِّ وَمَلَّكْنَا أَخَاهُ فَإِنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْغُلَامِ، وَإِنَّ لِأَخِيهِ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَتَوَارَثُوا مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ، بَقِيَتْ الْحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْرًا؛ فَغَدَوْا عَلَى أَبِي النَّجَاشِيِّ فَقَتَلُوهُ، وَمَلَّكُوا أَخَاهُ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ حِينًا. [ غَلَبَةُ النَّجَاشِيِّ عَمَّهُ عَلَى أَمْرِهِ، وَسَعْيُ الْأَحْبَاشِ لِإِبْعَادِهِ ] وَنَشَأَ النَّجَاشِيُّ مَعَ عَمِّهِ، وَكَانَ لَبِيبًا حَازِمًا مِنْ الرِّجَالِ، فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ، وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلِّ مَنْزِلَةٍ، فَلَمَّا رَأَتْ الْحَبَشَةُ مَكَانَهُ ( مِنْهُ ) قَالَتْ بَيْنَهَا: وَاَللَّهِ لَقَدْ غَلَبَ هَذَا الْفَتَى عَلَى أَمْرِ عَمِّهِ، وَإِنَّا لَنَتَخَوَّفُ أَنْ يُمَلِّكَهُ عَلَيْنَا، وَإِنْ مَلَّكَهُ عَلَيْنَا لَيَقْتُلنَا أَجْمَعِينَ، لَقَدْ عَرَفَ أَنَّا نَحْنُ قَتَلْنَا أَبَاهُ. فَمَشَوْا إلَى عَمِّهِ فَقَالُوا: إمَّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الْفَتَى، وَإِمَّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَإِنَّا قَدْ خِفْنَاهُ عَلَى أَنْفُسِنَا، قَالَ: وَيْلَكُمْ قَتَلْتُ أَبَاهُ بِالْأَمْسِ، وَأَقْتُلهُ الْيَوْمَ بَلْ أُخْرِجُهُ مِنْ بِلَادِكُمْ. قَالَتْ: فَخَرَجُوا بِهِ إلَى السُّوقِ، فَبَاعُوهُ مِنْ رَجُلٍ مِنْ التُّجَّارِ بِسِتِّ ماِئَةِ دِرْهَمٍ؛ فَقَذَفَهُ فِي سَفِينَةٍ فَانْطَلَقَ بِهِ، حَتَّى إذَا كَانَ الْعَشِيُّ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ، هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَائِبِ الْخَرِيفِ فَخَرَجَ عَمُّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا، فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ. قَالَتْ: فَفَزِعَتْ الْحَبَشَةُ إلَى وَلَدِهِ، فَإِذَا هُوَ مُحَمَّقٌ، لَيْسَ فِي وَلَدِهِ خَيْرٌ، فَمَرَجَ عَلَى الْحَبَشَةِ أَمْرُهُمْ. [ تَوَلِّيهِ الْمُلْكَ بِرِضَا الْحَبَشَةِ ] فَلَمَّا ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: تَعْلَمُوا وَاَللَّهِ أَنَّ مَلِكَكُمْ الَّذِي لَا يُقِيمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ لَلَّذِي بِعْتُمْ غَدْوَةً، فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ الْحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوهُ ( الْآنَ ). قَالَتْ: فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ، وَطَلَبِ الرَّجُلِ الَّذِي بَاعُوهُ مِنْهُ حَتَّى أَدْرَكُوهُ، فَأَخَذُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ جَاءُوا بِهِ، فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التَّاجَ، وَأَقْعَدُوهُ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ، فَمَلَّكُوهُ. [ حَدِيثُ التَّاجِرِ الَّذِي ابْتَاعَ النَّجَاشِيَّ ] فَجَاءَهُمْ التَّاجِرُ الَّذِي كَانُوا بَاعُوهُ مِنْهُ، فَقَالَ: إمَّا أَنْ تُعْطُونِي مَالِي، وَإِمَّا أَنْ أُكَلِّمَهُ فِي ذَلِكَ ؟ قَالُوا: لَا نُعْطِيكَ شَيْئًا، قَالَ: إذَنْ وَاَللَّهِ أُكَلِّمُهُ؛ قَالُوا: فَدُونَكَ وَإِيَّاهُ. قَالَتْ: فَجَاءَهُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، ابْتَعْتُ غُلَامًا مِنْ قَوْمٍ بِالسُّوقِ بِسِتِّ ماِئَةِ دِرْهَمٍ، فَأَسْلَمُوا إلَيَّ غُلَامِي وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي، حَتَّى إذَا سِرْتُ بِغُلَامِي أَدْرَكُونِي، فَأَخَذُوا غُلَامِي، وَمَنَعُونِي دَرَاهِمِي. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُمْ النَّجَاشِيُّ: لَتُعْطُنَّهُ دَرَاهِمَهُ، أَوْ لَيَضَعَنَّ غُلَامُهُ يَدَهُ فِي يَدِهِ، فَلَيَذْهَبَنَّ بِهِ حَيْثُ شَاءَ؛ قَالُوا: بَلْ نُعْطِيهِ دَرَاهِمُهُ. قَالَتْ: فَلِذَلِكَ يَقُولُ: مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي رِشْوَةً حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَ النَّاسَ فِيهِ. قَالَتْ: وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ مَا خُبِرَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي دِينِهِ، وَعُدَّ لَهُ فِي حُكْمِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ، كَانَ يُتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ
التاريخ 756لا حكم مسجّل
[ إحْضَارُ النَّجَاشِيِّ الْمُهَاجِرِينَ، وَسُؤَالُهُ لَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَجَوَابُهُمْ عَنْ ذَلِكَ ] قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إذَا جِئْتُمُوهُ قَالُوا: نَقُولُ: وَاَللَّهِ مَا عَلِمْنَا، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا جَاءُوا، وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ، فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي قَدْ فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا ( بِهِ ) فِي دِينِي، وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْمِلَلِ ؟ قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ( رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ )، فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَاتِ؛ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ - قَالَتْ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ - فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ، وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لِيَرُدُّونَا إلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الْخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيَّقُوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إلَى بِلَادِكَ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ؛ وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ؛ فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ؛ قَالَتْ: فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ: كهيعص قَالَتْ: فَبَكَى وَاَللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضَلَّتْ لِحْيَتُهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُّوا مَصَاحِفَهُمْ، حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ ( لَهُمْ ) النَّجَاشِيُّ: إنَّ هَذَا وَاَلَّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا، فَلَا وَاَللَّهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إلَيْكُمَا، وَلَا يُكَادُونَ. [ مَقَالَةُ الْمُهَاجِرِينَ فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ ] قَالَتْ: فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاَللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا عَنْهُمْ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَيْنِ فِينَا: لَا نَفْعَلُ، فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا؛ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ. قَالَتْ: ثُمَّ غَدًا عَلَيْهِ ( مِنْ ) الْغَدِ فَقَالَ ( لَهُ ): أَيُّهَا الْمَلِكُ، إنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسِلْ إلَيْهِمْ فَسَلْهُمْ عَمَّا يَقُولُونَ فِيهِ. قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ. قَالَتْ: وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا قَطُّ. فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ ؟ قَالُوا: نَقُولُ وَاَللَّهِ مَا قَالَ اللَّهُ، وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ؟ قَالَتْ: فَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا ﷺ، ( يَقُولُ ): هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ. قَالَتْ: فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا عَدَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا الْعُودَ، قَالَتْ: فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاَللَّهِ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالشُّيُومُ: الْآمِنُونَ - مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ. مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ، وَيُقَالُ: فَأَنْتُمْ سُيُومٌ وَالدَّبَرُ: ( بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ ): الْجَبْلُ - رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا، فَوَاَللَّهِ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنِّي الرِّشْوَةَ حِينَ رَدَّ عَلَيَّ مُلْكِي، فَآخُذَ الرِّشْوَةَ فِيهِ، وَمَا أَطَاعَ النَّاسَ فِيَّ فَأُطِيعَهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحَيْنِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ، وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، مَعَ خَيْرِ جَارٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ النَّجَاشِيَ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: أَيُؤْذِيكُمْ أَحَدٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي: مَنْ آذَى أَحَدًا مِنْهُمْ فَأَغْرِمُوهُ أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ. ثُمَّ قَالَ: أَيَكْفِيكُمْ؟ قُلْنَا: لَا. قَالَ: فَأَضْعِفُوهَا. وَعِنْدَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ: مَنْ نَظَرَ إِلَى هَؤُلَاءِ نَظْرَةً تُؤْذِيهِمْ فَقَدْ غَرِمَ. أَيْ فَقَدْ عَصَانِي. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قُرَيْشًا بَعَثَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِي أَمْرِ الْمُهَاجِرِينَ مَرَّتَيْنِ ; الْأُولَى مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُمَارَةَ وَالثَّانِيَةُ مَعَ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَبُو نُعَيْمٍ فِي " الدَّلَائِلِ " وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْبِعْثَةَ الثَّانِيَةَ كَانَتْ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ لِيَنَالُوا مِمَّنْ هُنَاكَ ثَأْرًا فَلَمْ يُجِبْهُمُ النَّجَاشِيُّ ؓ وَأَرْضَاهُ، إِلَى شَيْءٍ مِمَّا سَأَلُوا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 757لا حكم مسجّل
[ فَرَحُ الْمُهَاجِرِينَ بِنُصْرَةِ النَّجَاشِيِّ عَلَى عَدُوِّهِ ] قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ إنَّا لِعَلَى ذَلِكَ، إذْ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ الْحَبَشَةِ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ. قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْتُنَا حَزِنَّا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ ( عَلَيْنَا ) مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِي رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ. قَالَتْ: وَسَارَ إلَيْهِ النَّجَاشِيُّ، وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَنْ رَجُلٌ يَخْرَجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقِيعَةَ الْقَوْمِ ثُمَّ يَأْتِينَا بِالْخَبَرِ ؟ قَالَتْ: فَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ: أَنَا. قَالُوا: فَأَنْتَ. وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنًّا. قَالَتْ: فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سَبَحَ عَلَيْهَا حَتَّى خَرَجَ إلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ الَّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ. قَالَتْ: فَدَعَوْنَا اللَّهَ تَعَالَى لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، وَالتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ. قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ إنَّا لَعَلَى ذَلِكَ مُتَوَقِّعُونَ لِمَا هُوَ كَائِنٌ، إذْ طَلَعَ الزُّبَيْرُ وَهُوَ يَسْعَى، فَلَمَعَ بِثَوْبِهِ وَهُوَ يَقُولُ: أَلَا أَبْشِرُوا، فَقَدْ ظَفِرَ النَّجَاشِيُّ، وَأَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُ، وَمَكَّنَّ لَهُ فِي بِلَادِهِ. قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْتنَا فَرِحْنَا فَرْحَةً قَطُّ مِثْلَهَا. قَالَتْ: وَرَجَعَ النَّجَاشِيُّ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُ، وَمَكَّنَ لَهُ فِي بِلَادِهِ، وَاسْتَوْسَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ، فَكُنَّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ.
التاريخ 758لا حكم مسجّل
خُرُوجُ الْحَبَشَةِ عَلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اجْتَمَعَتْ الْحَبَشَةُ فَقَالُوا لِلنَّجَاشِيِّ: إنَّكَ قَدْ فَارَقْتَ دِينَنَا وَخَرَجُوا عَلَيْهِ. فَأَرْسَلَ إلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، فَهَيَّأَ لَهُمْ سُفُنًا وَقَالَ: ارْكَبُوا فِيهَا وَكُونُوا كَمَا أَنْتُمْ، فَإِنْ هُزِمْتُ فَامْضُوا حَتَّى تَلْحَقُوا بِحَيْثُ شِئْتُمْ، وَإِنْ ظَفِرْتُ فَاثْبُتُوا. ثُمَّ عَمَدَ إلَى كِتَابٍ فَكَتَبَ فِيهِ: هُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَيَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ؛ ثُمَّ جَعَلَهُ فِي قُبَائِهِ عِنْدَ الْمَنْكِبِ الْأَيْمَنِ، وَخَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ، وَصُفُّوا لَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْحَبَشَةِ، أَلَسْتُ أَحَقَّ النَّاسِ بِكُمْ ؟ قَالُوا: بَلَى؛ قَالَ: فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ سِيرَتِي فِيكُمْ ؟ قَالُوا: خَيْرَ سِيرَةٍ، قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ ؟ قَالُوا: فَارَقْتَ دِينَنَا، وَزَعَمْتَ أَنَّ عِيسَى عَبْدٌ؛ قَالَ: فَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِي عِيسَى ؟ قَالُوا: نَقُولُ هُوَ ابْنُ اللَّهِ؛ فَقَالَ النَّجَاشِيُّ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ عَلَى قُبَائِهِ: هُوَ يَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَعْنِي مَا كَتَبَ، فَرُضُّوا وَانْصَرَفُوا ( عَنْهُ ). فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ صَلَّى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ فائدة وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ يَوْمَ مَاتَ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ ; فَلِهَذَا صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ قَالُوا: فَالْغَائِبُ إِنْ كَانَ قَدْ صُلِّيَ عَلَيْهِ بِبَلَدِهِ، لَا تُشْرَعُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بِبَلَدٍ أُخْرَى، وَلِهَذَا لَمْ يُصَلَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ الْمَدِينَةِ لَا أَهْلُ مَكَّةَ وَلَا غَيْرُهُمْ، وَهَكَذَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صُلِّيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ الْبَلْدَةِ الَّتِي صُلِّيَ عَلَيْهِ فِيهَا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 759لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ عَادَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ لَمَّا بَلَغَهُمْ إسْلَامُ أَهْلِ مَكَّةَ [ سَبَبُ رُجُوعِ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، الَّذِينَ خَرَجُوا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، إسْلَامُ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأَقْبَلُوا لِمَا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إذَا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ، بَلَغَهُمْ أَنَّ مَا كَانُوا تَحَدَّثُوا بِهِ مِنْ إسْلَامِ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ بَاطِلًا، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا بِجِوَارٍ أَوْ مُسْتَخْفِيًا وَكَانَ سَبَبُ ذلك، وَهُوَ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحِ " وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ [ النَّجْمِ: 1، 2 ] يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِمْ حَتَّى خَتَمَهَا وَسَجَدَ، فَسَجَدَ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ. وَكَانَ لِذَلِكَ سَبَبٌ ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [ الْحَجِّ: 52 ] وَذَكَرُوا قِصَّةَ الْغَرَانِيقِ، وَقَدْ أَحْبَبْنَا الْإِضْرَابَ عَنْ ذِكْرِهَا صَفْحًا ; لِئَلَّا يَسْمَعَهَا مَنْ لَا يَضَعُهَا عَلَى مَوَاضِعِهَا، إِلَّا أَنَّ أَصْلَ الْقِصَّةِ فِي " الصَّحِيحِ ". قَالَ الْبُخَارِيُّ بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ النَّاقِلَ لَمَّا رَأَى الْمُشْرِكِينَ قَدْ سَجَدُوا مُتَابَعَةً لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ اعْتَقَدَ أَنَّهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا، وَاصْطَلَحُوا مَعَهُ، وَلَمْ يَبْقَ نِزَاعٌ بَيْنَهُمْ، فَطَارَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ وَانْتَشَرَ حَتَّى بَلَغَ مُهَاجِرَةَ الْحَبَشَةِ بِهَا، فَظَنُّوا صِحَّةَ ذَلِكَ، فَأَقْبَلَ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ طَامِعِينَ بِذَلِكَ، وَثَبَتَتْ جَمَاعَةٌ، وَكِلَاهُمَا مُحْسِنٌ مُصِيبٌ فِيمَا فَعَلَ.
التاريخ 760لا حكم مسجّل
[ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَحُلَفَائِهِمْ ] فَكَانَ مِمَّنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا ( وَأُحُدًا ) وَمَنْ حُبِسَ عَنْهُ حَتَّى فَاتَهُ بَدْرٌ وَغَيْرُهُ، وَمَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ( وَ ) مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، ( وَ ) امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ ( بْنِ عَمْرٍو ) وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ. [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ ] وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، مِنْ قَيْسِ ( بْنِ ) عَيْلَانَ. [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ ] وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ: الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ. [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ] وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ، ( بْنِ عَبْدِ الدَّارِ ) وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ ] وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ: طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدٍ. وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ ( بْنِ ) الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو. حَلِيفٌ لَهُمْ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ. [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ وَحُلَفَائِهِمْ ] وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَشَمَّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ هَرْمِيِّ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، حَبَسَهُ عَمُّهُ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَقْدَمْ إلَّا بَعْدَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ، هَاجَرَ مَعَهُ إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَحِقَ بَهْ أَخَوَاهُ لِأُمِّهِ: أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَرَجَعَا بِهِ إلَى مَكَّةَ فَحَبَسَاهُ بِهَا حَتَّى مَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ. وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عُمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، يُشَكُّ فِيهِ، أَكَانَ خَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ أَمْ لَا ؟ وَمُعَتِّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرٍ مِنْ خُزَاعَةَ. [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي جُمَحٍ ] وَمِنْ بَنِي جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ. وَابْنُهُ السَّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ، وَقُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَظْعُونٍ. [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ ] وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، حُبِسَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى قَدِمَ بَعْدَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ. [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ ] وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ ( بْنِ حُذَافَةَ ) بْنِ غَانِمٍ. [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي عَامِرٍ وَحُلَفَائِهِمْ ] وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ أَبِي قَيْسٍ: وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ حُبِسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، فَانْحَازَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ كُلْثُومِ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَالسَّكْرَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ، مَاتَ بِمَكَّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، فَخَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَتِهِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ [ مَنْ عَادَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ ] وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ وَسُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ. [ عَدَدُ الْعَائِدِينَ مِنْ الْحَبَشَةِ، وَمَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي جِوَارٍ ] فَجَمِيعُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا
التاريخ 761لا حكم مسجّل
كَانَ مَنْ دَخَلَ من مهاجرة الحبشة بِجِوَارٍ فِيمَنْ سُمِّيَ لَنَا: عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ الْجُمَحِيُّ دَخَلَ بِجِوَارِ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، دَخَلَ بِجِوَارٍ مِنْ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَكَانَ خَالَهُ. وَأُمُّ أَبِي سَلَمَةَ: بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قِصَّةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي رَدِّ جِوَارِ الْوَلِيدِ [ تَأَلُّمُهُ لِمَا يُصِيبُ إِخْوَانَهُ فِي اللَّهِ وَمَا حَدَثَ لَهُ فِي مَجْلِسِ لَبِيدَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فَإِنَّ صَالِحَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدَّثَنِي عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: لَمَّا رَأَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مَا فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْبَلَاءِ، وَهُوَ يَغْدُو وَيَرُوحُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ غُدُوِّي وَرَوَاحِي آمِنًا بِجِوَارِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَأَصْحَابِي وَأَهْلُ دِينِي يَلْقَوْنَ مِنْ الْبَلَاءِ وَالْأَذَى فِي اللَّهِ مَا لَا يُصِيبُنِي، لَنَقْصٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِي فَمَشَى إلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، وَفَّتْ ذِمَّتُكَ، قَدْ رَدَدْتُ إلَيْكَ جِوَارَكَ فَقَالَ لَهُ: ( لِمَ ) يَا ابْنَ أَخِي ؟ لَعَلَّهُ آذَاكَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي، قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِهِ ؟ قَالَ: فَانْطَلِقْ إلَى الْمَسْجِدِ، فَارْدُدْ عَلَيَّ جِوَارِي عَلَانِيَةً كَمَا أَجَرْتُكَ عَلَانِيَةً. قَالَ: فَانْطَلَقَا فَخَرَجَا حَتَّى أَتَيَا الْمَسْجِدَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: هَذَا عُثْمَانُ قَدْ جَاءَ يَرُدُّ عَلَيَّ جِوَارِي، قَالَ: صَدَقَ، قَدْ وَجَدْتُهُ وَفِيًّا كَرِيمَ الْجِوَارِ، وَلَكِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ لَا أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِ اللَّهِ، فَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ جِوَارَهُ؛ ثُمَّ انْصَرَفَ عُثْمَانُ، وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ فِي مَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُنْشِدُهُمْ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ فَقَالَ لَبِيدٌ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ قَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ. قَالَ ( لَبِيدٌ ) : وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ قَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ، نَعِيمُ الْجَنَّةِ لَا يَزُولُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللَّهِ مَا كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ، فَمَتَى حَدَثَ هَذَا فِيكُمْ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إنَّ هَذَا سَفِيهٌ فِي سُفَهَاءَ مَعَهُ، قَدْ فَارَقُوا دِينَنَا، فَلَا تَجِدَنَّ فِي نَفْسِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حَتَّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا، فَقَامَ إلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلَطَمَ عَيْنَهُ فَخَضَّرَهَا وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَرِيبٌ يَرَى مَا بَلَغَ مِنْ عُثْمَانَ، فَقَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي إنْ كَانَتْ عَيْنُكَ عَمَّا أَصَابَهَا لَغَنِيَّةٌ، لَقَدْ كُنْتَ فِي ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ. قَالَ: يَقُولُ عُثْمَانُ: بَلْ وَاَللَّهِ إنَّ عَيْنِي الصَّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إلَى مِثْلِ مَا أَصَابَ أُخْتَهَا فِي اللَّهِ، وَإِنِّي لَفِي جِوَارِ مَنْ هُوَ أَعَزُّ مِنْكَ وَأَقْدَرُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: هَلُمَّ يَا ابْنَ أَخِي، إنْ شِئْتَ فَعُدْ إلَى جِوَارِكَ فَقَالَ: لَا. فَقَامَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى الَّذِي لَطَمَ عَيْنَ عُثْمَانَ فَكَسَرَ أَنْفَهُ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ أُرِيقَ فِي الْإِسْلَامِ فِي قَوْلٍ.
التاريخ 762لا حكم مسجّل
قِصَّةُ أَبِي سَلَمَةَ ؓ فِي جِوَارِهِ [ ضَجَرُ الْمُشْرِكِينَ بِأَبِي طَالِبٍ لِإِجَارَتِهِ، وَدِفَاعُ أَبِي لَهَبٍ، وَشِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي ذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، فَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ: أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمَّا اسْتَجَارَ بِأَبِي طَالِبٍ، مَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالُوا ( لَهُ ) يَا أَبَا طَالِبٍ، لَقَدْ مَنَعْتَ مِنَّا ابْنَ أَخِيكَ مُحَمَّدًا، فَمَا لَكَ وَلِصَاحِبِنَا تَمْنَعُهُ مِنَّا ؟ قَالَ: إنَّهُ اسْتَجَارَ بِي، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِي، وَإِنْ أَنَا لَمْ أَمْنَعْ ابْنَ أُخْتِي لَمْ أَمْنَعْ ابْنَ أَخِي، فَقَامَ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَاَللَّهِ لَقَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَى هَذَا الشَّيْخِ، مَا تَزَالُونَ تَوَثَّبُونَ عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ، وَاَللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ عَنْهُ أَوْ لَنَقُومَنَّ مَعَهُ فِي كُلِّ مَا قَامَ فِيهِ، حَتَّى يَبْلُغَ مَا أَرَادَ. قَالَ: فَقَالُوا: بَلْ نَنْصَرِفُ عَمَّا تَكْرَهُ يَا أَبَا عُتْبَةَ، وَكَانَ لَهُمْ وَلِيًّا وَنَاصِرًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَبْقَوْا عَلَى ذَلِكَ. فَطَمِعَ فِيهِ أَبُو طَالِبٍ حَيْنَ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا يَقُولُ، وَرَجَا أَنْ يَقُومَ مَعَهُ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ يُحَرِّضُ أَبَا لَهَبٍ عَلَى نُصْرَتِهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: : وَإِنَّ امْرَأً أَبُو عُتَيْبَةَ عَمُّهُ لَفِي رَوْضَةٍ مَا إنْ يُسَامُ الْمَظَالِمَا أَقُولُ لَهُ، وَأَيْنَ مِنْهُ نَصِيحَتِي أَبَا مُعْتِبٍ ثَبِّتْ سَوَادَكَ قَائِمًا وَلَا تَقْبَلَنَّ الدَّهْرَ مَا عِشْتَ حظَّةً تُسَبُّ بِهَا إمَّا هَبَطْتَ الْمَوَاسِمَا وَوَلِّ سَبِيلَ الْعَجْزِ غَيْرَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّكَ لَمْ تُخْلَقْ عَلَى الْعَجْزِ لَازِمَا وَحَارِبْ فَإِنَّ الْحَرْبَ نُصْفٌ وَلَنْ تَرَى أَخَا الْحَرْبِ يُعْطَى الْخَسْفَ حَتَّى يُسَالَمَا وَكَيْفَ وَلَمْ يَجْنُوا عَلَيْكَ عَظِيمَةً وَلَمْ يَخْذُلُوكَ غَانِمًا أَوْ مُغَارِمَا جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا وَتَيْمًا وَمَخْزُومًا عُقُوقًا وَمَأْثَمَا بِتَفْرِيقِهِمْ مِنْ بَعْدِ وُدٍّ وَأُلْفَةٍ جَمَاعَتَنَا كَيْمَا يَنَالُوا الْمَحَارِمَا كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نُبْزَى مُحَمَّدًا وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا لَدَى الشِّعْبِ قَائِمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: نُبْزَى: نُسْلَبُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَبَقِيَ مِنْهَا بَيْتٌ تَرَكْنَاهُ.
التاريخ 763لا حكم مسجّل
فَصْلٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي " الدَّلَائِلِ ": بَابُ مَا جَاءَ فِي كِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ . ثُمَّ رَوَى عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: " هَذَا كِتَابٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى النَّجَاشِيِّ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمِ عَظِيمِ الْحَبَشَةِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَدْعُوكَ بِدَعَايَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُهُ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ آلِ عِمْرَانَ: 64 ] فَإِنْ أَبَيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ النَّصَارَى مِنْ قَوْمِكَ ". هَكَذَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ قِصَّةِ هِجْرَةِ الْحَبَشَةِ. وَفِي ذِكْرِهِ هَاهُنَا نَظَرٌ ; فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ إِنَّمَا هُوَ إِلَى النَّجَاشِيِّ الَّذِي كَانَ بَعْدَ الْمُسْلِمِ صَاحِبِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ حِينَ كَتَبَ إِلَى مُلُوكِ الْأَرْضِ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قُبَيْلَ الْفَتْحِ، كَمَا كَتَبَ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ قَيْصَرِ الشَّامِ، وَإِلَى كِسْرَى مَلِكِ الْفُرْسِ، وَإِلَى صَاحِبِ مِصْرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَتْ كُتُبُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِمْ وَاحِدَةً، يَعْنِي نُسْخَةً وَاحِدَةً، وَكُلُّهَا فِيهَا هَذِهِ الْآيَةُ، وَهِيَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، بِلَا خِلَافٍ ; فَإِنَّهُ مِنْ صَدْرِ السُّورَةِ، وَقَدْ نَزَلَ ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ آيَةً مِنْ أَوَّلِهَا فِي وَفْدِ نَجْرَانَ، كَمَا قَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي " التَّفْسِيرِ "، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. فَهَذَا الْكِتَابُ إِلَى الثَّانِي، لَا إِلَى الْأَوَّلِ، وَقَوْلُهُ فِيهِ: " إِلَى النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمِ " لَعَلَّ " الْأَصْحَمَ " مُقْحَمٌ مِنَ الرَّاوِي بِحَسَبِ مَا فَهِمَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَأَنْسَبُ مِنْ هَذَا هَاهُنَا مَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، عَنِ الْحَاكِمِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْفَقِيهِ بِمُرْوَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِي شَأْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، إِلَى النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمِ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الْمَلِكَ الْقُدُّوسَ الْمُؤْمِنَ الْمُهَيْمِنَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ الطَّيِّبَةِ الْحَصِينَةِ، فَحَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ، كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَنَفَخَهُ، وَإِنِّي أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَنْ تَتَّبِعَنِي فَتُؤْمِنَ بِي، وَبِالَّذِي جَاءَنِي ; فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمُ ابْنَ عَمِّي جَعْفَرًا وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا جَاؤُوكَ فَاقْرِهِمْ، وَدَعِ التَّجَبُّرَ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ، فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى ". فَكَتَبَ النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ مِنَ النَّجَاشِيِّ الْأَصْحَمِ بْنِ أَبْجَرَ: سَلَامٌ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الَّذِي هَدَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فِيمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ عِيسَى مَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ، وَقَدْ عَرَفْنَا مَا بَعَثْتَ بِهِ إِلَيْنَا، وَقَدْ قَرَيْنَا ابْنَ عَمِّكَ وَأَصْحَابَهُ، فَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ صَادِقًا مُصَدَّقًا، وَقَدْ بَايَعْتُكَ وَبَايَعْتُ ابْنَ عَمِّكَ، وَأَسْلَمْتُ عَلَى يَدَيْهِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَرِيحَا بْنِ الْأَصْحَمِ بْنِ أَبْجَرَ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ آتِيَكَ، فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ مَا تَقُولُ حَقٌّ. وكَتَبَ -النبي ﷺ - إِلَيْهِ -النجاشي- أَنْ يُزَوِّجَهُ أم حبيبة بنت أبي سفيان وَكَانَتْ فِيمَنْ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عبيد الله بن جحش، فَتَنَصَّرَ هُنَاكَ وَمَاتَ، فَزَوَّجَهُ النَّجَاشِيُّ إِيَّاهَا وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ، وَكَانَ الَّذِي وَلِيَ تَزْوِيجَهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ. وَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَحْمِلَهُمْ، فَفَعَلَ وَحَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضَّمْرِيِّ، فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَتَحَهَا، فَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُدْخِلُوهُمْ فِي سِهَامِهِمْ فَفَعَلُوا.
التاريخ 764لا حكم مسجّل
ذِكْرُ مَنْ وُلِدَ بِالْحَبَشَةِ لِلْمُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ، وَعَوْفٌ، وَمُحَمَّدٌ: أَوْلَادُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. سَعِيدٌ وَأُمُّهُ: ابْنَا خَالِدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُطَّلِبِ، مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، مُحَمَّدُ بْنُ حَاطِبٍ، زَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ، مُوسَى، وَعَائِشَةُ، وَزَيْنَبُ: أَوْلَادُ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَ جَمِيعُ مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ أَبْنَاؤُهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ صِغَارًا أَوْ وُلِدُوا بِهَا نَيِّفًا وَثَمَانِينَ رَجُلًا [إِنْ كَانَ عَمَّارٌ مِنْهُمْ، وَابْنُ إِسْحَاقَ يَشُكُّ فِي عَمَّارٍ. وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ ] أَنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، وَمِنَ النِّسَاءِ إِحْدَى عَشْرَةَ قُرَشِيَّةً، وَسَبْعٌ غَرَائِبُ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِمُهَاجَرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، وَثَمَانُ نِسْوَةٍ، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ مِنْهُمْ سَبْعَةٌ، وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا.
التاريخ 765لا حكم مسجّل
إِسْلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: وَبَيْنَمَا الْمُسْلِمُونَ يَسْعَوْنَ لِلْخَلَاصِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى دِيَارِ الْحَبَشَةِ، وَبَيْنَمَا يَسْعَوْنَ بِكُلِّ مَا أُوتُوا مِنْ قُوَّةٍ فِي إِيذَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أَسْلَمَ عُمَرُ ؓ، وَقَدْ تَعَدَّدَتِ الرِّوَايَاتُ حَوْلَ إِسْلَامِهِ وَإِنْ كَانَ أَشْهَرُهَا أَنَّهُ بَيْنَمَا كَانَ يُرِيدُ قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ عَلِمَ بِإِسْلَامِ أُخْتِهِ وَزَوْجِهَا فَعَادَ إِلَيْهَا لِيَتَأَكَّدَ لَدَيْهِ الْخَبَرُ وَيَسْمَعُهَا وَهِيَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَرِقُّ لَهُ قَلْبُهُ وَيَذْهَبُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَا لِيَقْتُلَهُ وَإِنَّمَا لِيُسْلِمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ تَعَالَى وَيَنْصُرُهُ فَأَعَزَّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ. خَبَرُ الصَّحِيفَةِ وَمَا جَاءَ فِي قِصَّتِهَا وَنَقْضِهَا: لَمَّا وَجَدَ الْكُفَّارُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لِلْعَدِيدِ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مَخْرَجًا فِي بَلَدٍ يَأْمَنُونَ فِيهِ عِنْدَ مَلِكٍ لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ فِي الْحَبَشَةِ تَعَاقَدُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى أَنْ يَنَالُوا مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلِّ مَنْ نَاصَرَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا تَعَاقَدُوا فِيهِ عَلَى قَطِيعَتِهِمْ فَلَا يَشْتَرُونَ وَلَا يَبِيعُونَ وَلَا يَتَزَوَّجُونَ مِنْهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا لَهُمُ النَّبِيَّ ﷺ، وَحُوصِرَ النَّبِيُّ ﷺ وَمَنْ نَاصَرَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْكَافِرِينَ حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً. حَتَّى أَكْرَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ أَطْلَعَ نَبِيَّهُ عَلَى مَا حَصَلَ فِي الصَّحِيفَةِ مِنْ تَسْلِيطِ اللَّهِ تَعَالَى الْقَرَضَةَ عَلَيْهَا فَقَرَضَتْ مَا فِيهَا مِنَ الظُّلْمِ وَالْقَطِيعَةِ وَلَمْ تَقْرَبِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا سَعَى فِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو وَضَمَّ إِلَيْهِ بَعْضَ النَّفَرِ فَقَامُوا وَتَعَاقَدُوا عَلَى نَقْضِهَا فَتَمَّ لَهُمْ مَا أَرَادُوا فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً عَلَى عِبَادِهِ.
التاريخ 766لا حكم مسجّل
إسْلَامُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ [ اعْتِزَازُ الْمُسْلِمِينَ بِإِسْلَامِ عُمَرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُدْرِكُوا مَا طَلَبُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَدَّهُمَا النَّجَاشِيُّ بِمَا يَكْرَهُونَ، وَأَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَكَانَ رَجُلًا ذَا شَكِيمَةٍ لَا يُرَامُ مَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ، امْتَنَعَ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبِحَمْزَةِ حَتَّى عَازُوا قُرَيْشًا، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَا كُنَّا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نُصَلِّيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ ( بْنُ الْخَطَّابِ )، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتَّى صَلَّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ بَعْدَ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى الْحَبَشَةِ. قَالَ الْبُكَائِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ إسْلَامَ عُمَرَ كَانَ فَتْحًا، وَإِنَّ هِجْرَتَهُ كَانَتْ نَصْرًا، وَإِنَّ إمَارَتَهُ كَانَتْ رَحْمَةً، وَلَقَدْ كُنَّا مَا نُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتَّى صَلَّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ قَالَ فِي «الزَّهْرِ»: وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْمَبْعَثِ وَلَهُ سِتٌّ وَعِشْرُونَ سَنَةً فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: سَنَةَ خَمْسٍ. قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: بَعْدَ إِسْلَامِ حَمْزَةَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. [ حَدِيثُ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أُمِّهِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ أَبِي حَثْمَةَ، قَالَتْ: وَاَللَّهِ إنَّا لَنَتَرَحَّلُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامِرٌ فِي بَعْضِ حَاجَاتِنَا، إذْ أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ - قَالَتْ: وَكُنَّا نَلْقَى مِنْهُ الْبَلَاءَ أَذًى لَنَا وَشِدَّةً عَلَيْنَا - قَالَتْ: فَقَالَ: إنَّهُ لَلِانْطِلَاقُ يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، لَنَخْرُجَنَّ فِي أَرْضِ اللَّهِ، آذَيْتُمُونَا وَقَهَرْتُمُونَا، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ مَخْرَجًا. قَالَتْ: فَقَالَ: صَحِبَكُمْ اللَّهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ رِقَّةً لَمْ أَكُنْ أَرَاهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ أَحْزَنَهُ - فِيمَا أَرَى - خُرُوجُنَا. قَالَتْ: فَجَاءَ عَامِرٌ بِحَاجَتِهِ تِلْكَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، لَوْ رَأَيْتَ عُمَرَ آنِفًا وَرِقَّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَيْنَا. قَالَ: أَطَمِعْتِ فِي إسْلَامِهِ ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا يُسْلِمُ الَّذِي رَأَيْتِ حَتَّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطَّابِ؛ قَالَتْ: يَأْسًا مِنْهُ، لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ غِلْظَتِهِ وَقَسْوَتِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ. [ حَدِيثٌ آخَرُ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنَّ أُخْتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطَّابِ، وَكَانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ بَعْلُهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَهُمَا مُسْتَخْفِيَانِ بِإِسْلَامِهِمَا مِنْ عُمَرَ، وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، مِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَانَ أَيْضًا يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِ فَرَقًا مِنْ قَوْمِهِ، وَكَانَ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ يَخْتَلِفُ إلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخَطَّابِ يُقْرِئُهَا الْقُرْآنَ، فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَرَهْطًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ ذُكِرُوا لَهُ أَنَّهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ، وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ الصِّدِّيقُ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ؓ، مِمَّنْ كَانَ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يَخْرَجْ فِيمَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا عُمَرُ ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ مُحَمَّدًا هَذَا الصَّابِئَ، الَّذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ، وَسَفَّهُ أَحْلَامَهَا، وَعَابَ دِينَهَا، وَسَبَّ آلِهَتَهَا، فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ: وَاَللَّهِ لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ مِنْ نَفْسِكَ يَا عُمَرُ، أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيكَ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى أَهْلِ بَيْتِكَ فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ ؟ قَالَ. وَأَيُّ أَهْلِ بَيْتِي ؟ قَالَ: خَتَنُكَ وَابْنُ عَمِّكَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَأُخْتُكَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَسْلَمَا، وَتَابَعَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، فَعَلَيْكَ بِهِمَا؛ قَالَ: فَرَجَعَ عُمَرُ عَامِدًا إلَى أُخْتِهِ وَخَتَنِهِ، وَعِنْدَهُمَا خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ مَعَهُ صَحِيفَةٌ، فِيهَا: طَه يُقْرِئُهُمَا إيَّاهَا، فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ، تَغَيَّبْ خَبَّابٌ فِي مِخْدَعٍ لَهُمْ، أَوْ فِي بَعْضِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ الصَّحِيفَةَ فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِهَا. وَقْدَ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إلَى الْبَيْتِ قِرَاءَةَ خَبَّابٍ عَلَيْهِمَا ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُ ؟ قَالَا لَهُ: مَا سَمِعْتَ شَيْئًا؛ قَالَ: بَلَى وَاَللَّهِ، لَقَدْ أُخْبِرْتُ أَنَّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينِهِ، وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ؛ فَقَامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطَّابِ لَتَكُفَّهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَضَرَبَهَا فَشَجَّهَا؛ فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وَخَتَنُهُ: نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا وَآمَنَّا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ. فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنْ الدَّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ، فَاِرْعَوى، وَقَالَ لِأُخْتِهِ: أَعْطِينِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ الَّتِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَءُونَ آنِفًا أَنْظُرْ مَا هَذَا الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا؛ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ: إنَّا نَخْشَاكَ عَلَيْهَا؛ قَالَ: لَا تَخَافِي. وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ لَيَرُدَّنَّهَا إذَا قَرَأَهَا إلَيْهَا؛ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، طَمِعَتْ فِي إسْلَامِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: يَا أَخِي، إنَّكَ نَجِسٌ، عَلَى شِرْكِكَ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهَا إلَّا الطَّاهِرُ، فَقَامَ عُمَرُ فَاغْتَسَلَ، فَأَعْطَتْهُ الصَّحِيفَةَ، وَفِيهَا: طَه فَقَرَأَهَا؛ فَلَمَّا قَرَأَ مِنْهَا صَدْرًا، قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَكْرَمَهُ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبَّابٌ خَرَجَ إلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عُمَرُ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَصَّكَ بِدَعْوَةِ نَبِيَّهُ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ أَمْسِ وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَيِّدْ الْإِسْلَامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، أَوْ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطَّابِ، فَاَللَّهَ اللَّهَ يَا عُمَرُ. فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُمَرُ: فَدُلَّنِي يَا خَبَّابُ عَلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ خَبَّابٌ: هُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفَا، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشَّحَهُ، ثُمَّ عَمَدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْبَابَ؛ فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ، قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فَزِعٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ ؟ فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فَأْذَنْ لَهُ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ ( جَاءَ ) يُرِيدُ شَرًّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ائْذَنْ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ الرَّجُلُ، وَنَهَضَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى لَقِيَهُ فِي الْحُجْرَةِ، فَأَخَذَ حُجْزَتَهُ، أَوْ بِمِجْمَعِ رِدَائِهِ، ثُمَّ جَبَذَهُ ( بِهِ ) جَبْذَةً شَدِيدَةً، وَقَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَنْتَهِيَ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ قَارِعَةً ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُكَ لِأُومِنَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَكْبِيرَةً عَرَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ فَتَفَرَّقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَانِهِمْ، وَقَدْ عَزُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ مَعَ إسْلَامِ حَمْزَةَ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمَا سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَيَنْتَصِفُونَ بِهِمَا مِنْ عَدُوِّهِمْ. فَهَذَا حَدِيثُ الرُّوَاةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ أَسْلَمَ. وَقَدْ رَوَى قِصَّةَ إِسْلَامِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ سَعْدٍ، وَأَبُو يَعْلَى، وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ، وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ عَنْهُ، وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ أَسْلَمُ مَوْلَاهُ عَنْهُ: أَتُحِبُّونَ أَنْ أُعْلِمَكُمْ بِإِسْلَامِي؟ قُلْنَا: نَعَمْ قَالَ: كُنْتُ أَشَدَّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَلَسْتُ يَوْمًا مَعَ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ شَتَمَ آلِهَتَكُمْ وَسَفَّهَ أَحْلَامَكُمْ وَزَعَمَ أَنَّ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِكُمْ يَتَهَافَتُونَ فِي النَّارِ، أَلَّا وَمَنْ قَتَلَ مُحَمَّدًا فَلَهُ عَلَيَّ مِائَةُ نَاقَةٍ حَمْرَاءَ وَسَوْدَاءَ وَأَلْفُ أُوقِيَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ. قَالَ عُمَرُ: فَخَرَجْتُ مُتَقَلِّدًا السَّيْفَ مُتَنَكِّبًا كِنَانَتِي أُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ، فَمَرَرْتُ عَلَى عَجَلٍ وَهُمْ يُرِيدُونَ ذَبْحَهُ فَقُمْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ فَإِذَا صَائِحٌ يَصِيحُ مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ: يَا لَذُرَيْحٍ، رَجُلٌ يَصِيحُ، بِلِسَانٍ فَصِيحٍ، يَدْعُو إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي إِنَّ هَذَا لَأَمْرٌ مَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا أَنَا. قَالَ: ثُمَّ مَرَرْتُ بِغَنَمٍ فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ذَوُو الْأَجْسَامِ مَا أَنْتُمْ وَطَائِشُ الْأَحَلَامِ وَمُسْنِدُ الْحُكْمِ إِلَى الْأَصْنَامِ فَكُلُّكُمْ أَوْرَهُ كَالْكَهَامِ أَمَا تَرَوْنَ مَا أَرَى أَمَامِي مِنْ سَاطِعٍ يَجْلُو دُجَى الظَّلَامِ قَدْ لَاحَ لِلنَّاظِرِ مِنْ تِهَامِ أَكْرَمَهُ الرَّحْمَنُ مِنْ إِمَامِ قَدْ جَاءَ بَعْدَ الْكُفْرِ بِالْإِسْلَامِ وَالْبِرِّ وَالصِّلَاتِ لِلْأَرْحَامِ وَيَزْجُرُ النَّاسَ عَنِ الْآثَامِ فَبَادِرُوا سَبْقًا إِلَى الْإِسْلَامِ بِلَا فُتُورٍ وَبِلَا إِحْجَامِ قَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ وَاللَّهِ مَا أَرَاهُ إِلَّا أَرَادَنِي. ثُمَّ مَرَرْتُ بِالضِّمَارِ فَإِذَا هَاتِفٌ يَهْتِفُ مِنْ جَوْفِهِ: تُرِكَ الضِّمَارُ وَكَانَ يُعْبَدُ مَرَّةً قَبْلَ الصَّلَاةِ مَعَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ إِنَّ الَّذِي وَرِثَ النُّبُوَّةَ وَالْهُدَى بَعْدَ ابْنِ مَرْيَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مُهْتَدِي سَيَقُولُ مَنْ عَبَدَ الضِّمَارَ وَمِثْلَهُ لَيْتَ الضِّمَارَ وَمِثْلَهُ لَمْ يُعْبَدِ فَاصْبِرْ أَبَا حَفْصٍ فَإِنَّكَ امْرُؤٌ يَأْتِيكَ عِزٌّ غَيْرُ عِزِّ بَنِي عَدِي لَا تَعْجُلَنَّ فَأَنْتَ نَاصِرُ دِينِهِ حَقًّا يَقِينًا بِاللِّسَانِ وَبِالْيَدِ قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَرَادَنِي.... ثم ذكر قصته مع نعيم بن عبد الله النحام وأخته وختنه وخباب السابق ذكرها. [ رِوَايَةُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ أَصْحَابِهِ: عَطَاءٍ، وَمُجَاهِدٍ، أَوْ عَمَّنْ رَوَى ذَلِكَ: أَنَّ إسْلَامَ عُمَرَ فِيمَا تَحَدَّثُوا بِهِ عَنْهُ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كُنْتُ لِلْإِسْلَامِ مُبَاعِدًا، وَكُنْتُ صَاحِبَ خَمْرٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، أُحِبُّهَا وَأُسِرُّ بِهَا، وَكَانَ لَنَا مَجْلِسٌ يَجْتَمِعُ فِيهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِالْحَزْوَرَةِ، عِنْدَ دُورَ آلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيِّ، قَالَ: فَخَرَجْتُ لَيْلَةً أُرِيدُ جُلَسَائِي أُولَئِكَ فِي مَجْلِسِهِمْ ذَلِكَ، قَالَ: فَجِئْتهمْ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَدًا. قَالَ: فَقُلْتُ: لَوْ أَنِّي جِئْتُ فُلَانًا الْخَمَّارَ، وَكَانَ بِمَكَّةَ يَبِيعُ الْخَمْرَ، لَعَلِّي أَجِدُ عِنْدَهُ خَمْرًا فَأَشْرَبَ مِنْهَا. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَجِئْتُهُ فَلَمْ أَجِدْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: فَلَوْ أَنِّي جِئْتُ الْكَعْبَةَ فَطُفْتُ بِهَا سَبْعًا أَوْ سَبْعِينَ. قَالَ: فَجِئْتُ الْمَسْجِدَ أُرِيدُ أَنْ أَطُوِّفَ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي، وَكَانَ إذَا صَلَّى اسْتَقْبَلَ الشَّامَ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّامِ، وَكَانَ مُصَلَّاهُ بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ: الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ. قَالَ: فَقُلْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ، وَاَللَّهِ لَوْ أَنِّي اسْتَمَعْتُ لِمُحَمَّدٍ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَسْمَعَ مَا يَقُولُ ( قَالَ ) فَقُلْتُ: لَئِنْ دَنَوْتُ مِنْهُ أَسْتَمِعُ مِنْهُ لَأُرَوِّعَنَّهُ؛ فَجِئْتُ مِنْ قِبَلِ الْحِجْرِ، فَدَخَلْتُ تَحْتَ ثِيَابِهَا، فَجَعَلْتُ أَمْشِي رُوَيْدًا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، حَتَّى قُمْتُ فِي قِبْلَتِهِ مُسْتَقْبِلَهُ، مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إلَّا ثِيَابُ الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَلَمَّا سَمِعْتُ الْقُرْآنَ رَقَّ لَهُ قَلْبِي، فَبَكَيْتُ وَدَخَلَنِي الْإِسْلَامُ، فَلَمْ أَزَلْ قَائِمًا فِي مَكَانِي ذَلِكَ، حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَكَانَ إذَا انْصَرَفَ خَرَجَ عَلَى دَارِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، وَكَانَتْ طَرِيقَهُ، حَتَّى يَجْزَعَ الْمَسْعَى، ثُمَّ يَسْلُكُ بَيْنَ دَارِ عَبَّاسِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَبَيْنَ دَارِ ابْنِ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ، ثُمَّ عَلَى دَارِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ. وَكَانَ مَسْكَنُهُ ﷺ فِي الدَّارِ الرَّقْطَاءِ، الَّتِي كَانَتْ بِيَدَيْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. قَالَ عُمَرُ ؓ: فَتَبِعْتُهُ حَتَّى إذَا دَخَلَ بَيْنَ دَارِ عَبَّاسٍ، وَدَارِ بْنِ أَزْهَرَ، أَدْرَكْتُهُ؛ فَلَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِسِّي عَرَفَنِي، فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي إنَّمَا تَبِعْتُهُ لِأُوذِيَهُ فَنَهَمَنِي، ثُمَّ قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ هَذِهِ السَّاعَةَ ؟ قَالَ: قُلْتُ: ( جِئْتُ ) لِأُومِنَ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ قَالَ: فَحَمِدَ اللَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: قَدْ هَدَاكَ اللَّهُ يَا عُمَرُ، ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي، وَدَعَا لِي بِالثَّبَاتِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ. [ ذِكْرُ قُوَّةِ عُمَرَ فِي الْإِسْلَامِ وَجَلَدِهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ أَبِي عُمَرُ قَالَ: أَيُّ قُرَيْشٍ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ ؟ فَقِيلَ لَهُ: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيُّ. قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: فَغَدَوْتُ أَتْبَعُ أَثَرَهُ، وَأَنْظُرُ مَا يَفْعَلُ، وَأَنَا غُلَامٌ أَعْقِلُ كُلَّ مَا رَأَيْتُ، حَتَّى جَاءَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَعَلِمْتَ يَا جَمِيلُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ: وَدَخَلْتُ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا رَاجَعَهُ حَتَّى قَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَاتَّبَعَهُ عُمَرُ، وَاتَّبَعْتُ أَبِي، حَتَّى إذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، وَهُمْ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، أَلَا إنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ. قَالَ: ( و ) يَقُولُ عُمَرُ مِنْ خَلْفِهِ: كَذَبَ، وَلَكِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، وَشَهِدْتُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَثَارُوا إلَيْهِ، فَمَا بَرِحَ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتَّى قَامَتْ الشَّمْسُ عَلَى رُءُوسِهِمْ. قَالَ: وَطَلِحَ، فَقَعَدَ وَقَامُوا عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ: افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ، فَأَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنْ لَوْ قَدْ كُنَّا ثَلَاثَ ماِئَةِ رَجُلٍ ( لَقَدْ ) تَرَكْنَاهَا لَكُمْ، أَوْ تَرَكْتُمُوهَا لَنَا، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، إذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ، عَلَيْهِ حُلَّةٌ حِبْرَةٌ، وَقَمِيصٌ مُوَشًّى، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا: صَبَا عُمَرُ، فَقَالَ: فَمَهْ، رَجُلٌ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا فَمَاذَا تُرِيدُونَ ؟ أَتَرَوْنَ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ يُسْلِمُونَ لَكُمْ صَاحِبَهُمْ هَكَذَا خَلُّوا عَنْ الرَّجُلِ. قَالَ: فَوَاَللَّهِ لَكَأَنَّمَا كَانُوا ثَوْبًا كُشِطَ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ: يَا أَبَتْ، مَنْ الرَّجُلُ: الَّذِي زَجَرَ الْقَوْمَ عَنْكَ بِمَكَّةَ يَوْمَ أَسْلَمْتُ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَكَ ؟ فَقَالَ: ذَاكَ، أَيْ بُنَيَّ، الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا أَبَتْ، مَنْ الرَّجُلُ الَّذِي زَجَرَ الْقَوْمَ عَنْكَ ( بِمَكَّةَ ) يَوْمَ أَسْلَمْتَ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَكَ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. قَالَ: يَا بُنَيَّ، ذَاكَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ، لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَعْضِ آلِ عُمَرَ، أَوْ بَعْضِ أَهْلِهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَمَّا أَسْلَمْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، تَذَكَّرْتُ أَيَّ أَهْلِ مَكَّةَ أَشَدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَدَاوَةً حَتَّى آتِيَهُ فَأُخْبِرَهُ أَنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ؛ قَالَ: قُلْتُ: أَبُو جَهْلٍ - وَكَانَ عُمَرُ لِحَنْتَمَةَ بِنْتِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ - قَالَ: فَأَقْبَلْتُ حِينَ أَصْبَحْتُ حَتَّى ضَرَبْتُ عَلَيْهِ بَابَهُ. قَالَ: فَخَرَجَ إلَيَّ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا بِابْنِ أُخْتِي، مَا جَاءَ بِكَ ؟ قَالَ: جِئْتُ لِأُخْبِرَكَ أَنِّي قَدْ آمَنْتُ بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وَصَدَّقْتُ بِمَا جَاءَ بِهِ؛ قَالَ: فَضَرَبَ الْبَابَ فِي وَجْهِي وَقَالَ: قَبَّحَكَ اللَّهُ، وَقَبَّحَ مَا جِئْتَ بِهِ.
التاريخ 769لا حكم مسجّل
أَمْرُ الْإِرَاشِيِّ الَّذِي بَاعَ أَبَا جَهْلٍ إبِلَهُ [ مُمَاطَلَةُ أَبِي جَهْلٍ لَهُ، وَاسْتِنْجَادُهُ بِقُرَيْشِ، وَاسْتِخْفَافُهُمْ بِالرَّسُولِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ وَاعِيَةً، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إرَاشٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إرَاشَةَ - بِإِبِلِ لَهُ مَكَّةَ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ، فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا. فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَنْ رَجُلٌ يُؤَدِّينِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ، ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقِّي ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ: أَتَرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الْجَالِسَ - لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَهْزَءُونَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ - اذْهَبْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيكَ عَلَيْهِ.
التاريخ 770لا حكم مسجّل
[ إنْصَافُ الرَّسُولِ لَهُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ ] فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إنَّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقٍّ لِي قِبَلَهُ، وَأَنَا ( رَجُلٌ ) غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ سَأَلْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدِّينِي عَلَيْهِ، يَأْخُذُ لِي حَقِّي مِنْهُ، فَأَشَارُوا لِي إلَيْكَ، فَخُذْ لِي حَقِّي مِنْهُ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ قَالَ: انْطَلِقْ إلَيْهِ، وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ قَالُوا لِرَجُلِ مِمَّنْ مَعَهُمْ: اتْبَعْهُ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ. قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ: فَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَاخْرُجْ إلَيَّ، فَخَرَجَ إلَيْهِ، وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ قَدْ اُنْتُقِعَ لَوْنُهُ، فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ قَالَ نَعَمْ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُعْطِيَهُ الَّذِي لَهُ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. ( قَالَ ): ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ لِلْإِرَاشِيِّ: الْحَقْ بِشَأْنِكَ، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَخَذَ لِي حَقِّي.
التاريخ 771لا حكم مسجّل
[ مَا رَوَاهُ أَبُو جَهْلٍ عَنْ سَبَبِ خَوْفِهِ مِنْ الرَّسُولِ ] قَالَ: وَجَاءَ الرَّجُلُ الَّذِي بَعَثُوا مَعَهُ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ مَاذَا رَأَيْتُ ؟ قَالَ: عَجَبًا مِنْ الْعَجَبِ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا مَعَهُ رُوحُهُ فَقَالَ لَهُ: أَعْطِ هَذَا حَقَّهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُخْرِجَ إلَيْهِ حَقَّهُ، فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ. قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَبُو جَهْلٍ أَنْ جَاءَ، فَقَالُوا ( لَهُ ) وَيْلَكَ مَا لَكَ ؟ وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتُ قَطُّ قَالَ: وَيْحَكُمْ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيَّ بَابِي، وَسَمِعْتُ صَوْتَهُ، فَمُلِئَتْ رُعْبًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إلَيْهِ، وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلًا مِنْ الْإِبِلِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ، وَلَا قَصَرَتِهِ وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، وَاَللَّهِ لَوْ أَبَيْتُ لَأَكَلَنِي. [ ذُلُّ أَبِي جَهْلٍ لِلرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ مَعَ عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبُغْضِهِ إيَّاهُ، وَشِدَّتِهِ عَلَيْهِ، يُذِلُّهُ اللَّهُ لَهُ إذَا رَآهُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ، وَأَبَى فَرْعَةَ الْبَاهِلِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ زُبَيْدٍ يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ كَيْفَ تُدْخَلُ عَلَيْكُمُ الْمَادَّةُ أَوْ يُجْلَبُ إِلَيْكُمْ جَلَبٌ أَوْ يَحِلُّ تَاجِرٌ بِسَاحَتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَظْلِمُونَ مَنْ دَخَلَ عَلَيْكُمْ فِي حَرَمِكُمْ ؟ يَقِفُ عَلَى الْحَلَقِ حَلْقَةً حَلْقَةً، حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَنْ ظَلَمَكَ؟ فَذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ قَدِمَ بِثَلَاثَةِ أَجْمَالٍ كَانَتْ خَيْرَ إِبِلِهِ فَسَامَهُ أَبُو جَهْلٍ ثُلْثَ أَثْمَانِهَا، ثُمَّ لَمْ يَسْمَعْهُ بِهَا لِأَجْلِ أَبِي جَهْلٍ أَحَدٌ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ: فَأَكْسَدَ عَلَيَّ سِلْعَتِي وَظَلَمَنِي. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَيْنَ جِمَالُكَ؟ قَالَ هِيَ هَذِهِ بِالْحَزْوَرَةِ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَامَ أَصْحَابُهُ فَنَظَرَ إِلَى الْجِمَالِ فَرَأَى جِمَالًا فُرْهًا فَسَاوَمَ الزُّبَيْدِيَّ حَتَّى أَلْحَقَهُ بِرِضَاهُ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَاعَ جَمَلَيْنِ مِنْهَا بِالثَّمَنِ وَأَفْضَلَ بَعِيرًا بَاعَهُ وَأَعْطَى أَرَامِلَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثَمَنَهُ، وَأَبُو جَهْلٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ السُّوقِ لَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا عَمْرَو إِيَّاكَ أَنْ تَعُودَ لِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيِّ فَتَرَى مِنِّي مَا تَكْرَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: لَا أَعُودُ يَا مُحَمَّدُ لَا أَعُودُ يَا مُحَمَّدُ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَأَقْبَلَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ وَمَنْ حَضَرَ فَقَالُوا: ذَلَلْتَ فِي يَدَيْ مُحَمَّدٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ تُرِيدُ أَنْ تَتْبَعَهُ وَإِمَّا رُعْبٌ دَخَلَكَ مِنْهُ. فَقَالَ: لَا أَتْبَعُهُ أَبَدًا إِنَّ الَّذِي رَأَيْتَ مِنِّي لِمَا رَأَيْتُ مَعَهُ، قَدْ رَأَيْتُ رِجَالًا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مَعَهُمْ رِمَاحٌ يَشْرَعُونَهَا إِلَيَّ لَوْ خَالَفْتُهُ لَكَانَتْ إِيَّاهَا. أَيْ لَأَتَوْا عَلَى نَفْسِي.
التاريخ 775لا حكم مسجّل
[ سَعْيُ هِشَامٍ فِي ضَمِّ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ لَهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّهُ مَشَى إلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا زُهَيْرُ، أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ، وَتَنْكِحَ النِّسَاءَ، وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَلَا يَنْكِحُونَ وَلَا يُنْكَحُ إلَيْهِمْ ؟ أَمَا إنِّي أَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنْ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، ثُمَّ دَعَوْتَهُ إلَى ( مِثْلِ ) مَا دَعَاكَ إلَيْهِ مِنْهُمْ، مَا أَجَابَكَ إلَيْهِ أَبَدًا؛ قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ فَمَاذَا أَصْنَعُ ؟ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاَللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا حَتَّى أَنْقُضَهَا، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ رَجُلًا قَالَ: فَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ أَبْغِنَا رَجُلًا ثَالِثًا
التاريخ 776لا حكم مسجّل
حَدِيثُ نَقْضِ الصَّحِيفَةِ [ بَلَاءُ هِشَامِ بْنِ عَمْرٍو فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي مَنْزِلِهِمْ الَّذِي تَعَاقَدَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَيْهِمْ فِي الصَّحِيفَةِ الَّتِي كَتَبُوهَا، ثُمَّ إنَّهُ قَامَ فِي نَقْضِ تِلْكَ الصَّحِيفَةِ الَّتِي تَكَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَلَمْ يُبْلَ فِيهَا أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ ( جَذِيمَةَ ) بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ لِأُمِّهِ، فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصَلًا، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ، فَكَانَ - فِيمَا بَلَغَنِي - يَأْتِي بِالْبَعِيرِ، وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ فِي الشِّعْبِ لَيْلًا، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا، حَتَّى إذَا أَقْبَلَ بِهِ فَمَ الشِّعْبِ خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ، فَيَدْخُلُ الشِّعْبَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ يَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بَزًّا، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
التاريخ 777لا حكم مسجّل
[ سَعْيُ هِشَامٍ فِي ضَمِّ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ لَهُ ] فَذَهَبَ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ ( بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ) فَقَالَ لَهُ: يَا مُطْعِمُ أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، مُوَافِقٌ لِقُرَيْشِ فِيهِ أَمَا وَاَللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنَّهُمْ إلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا؛ قَالَ وَيْحَكَ فَمَاذَا أَصْنَعُ إنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتَ ثَانِيًا؛ قَالَ: مَنْ هُوَ ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: أَبْغِنَا ثَالِثًا، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: مَنْ هُوَ ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: أَبْغِنَا رَابِعًا.
التاريخ 778لا حكم مسجّل
[ سَعْيُ هِشَامٍ فِي ضَمِّ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ إلَيْهِ ] فَذَهَبَ إلَى الْبَخْتَرِيِّ بْنِ هِشَامٍ، فَسَأَلَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هُوَ ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَنَا مَعَكَ، قَالَ: أَبْغِنَا خَامِسًا. [ سَعْيُ هِشَامٍ فِي ضَمِّ زَمْعَةَ لَهُ ] فَذَهَبَ إلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدٍ، فَكَلَّمَهُ، ذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي تَدْعُونِي إلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ سَمَّى لَهُ الْقَوْمَ.
التاريخ 779لا حكم مسجّل
[ مَا حَدَثَ بَيْنَ هِشَامٍ وَزُمَلَائِهِ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ حِينَ اعْتَزَمُوا تَمْزِيقَ الصَّحِيفَةِ ] فَاتَّعَدُوا خَطْمَ الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ. فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَتَعَاقَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إلَى أَنْدِيَتِهِمْ، وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ ؟ أَنَأْكُلُ الطَّعَامَ وَنَلْبَسُ الثِّيَابَ، وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يُبَاعُ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ، وَاَللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ. الْقَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ. قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ: كَذَبْتَ وَاَللَّهِ لَا تُشَقُّ، قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاَللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حَيْثُ كُتِبَتْ، قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ، لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا، وَلَا نُقِرُّ بِهِ، قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ: صَدَقْتُمَا وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إلَى اللَّهِ مِنْهَا، وَمِمَّا كُتِبَ فِيهَا، قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلِ، تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ ( قَالَ ): وَأَبُو طَالِبٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَامَ الْمُطْعِمُ إلَى الصَّحِيفَةِ لِيَشُقَّهَا، فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا، إلَّا بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ. [ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ وَشَلُّ يَدِهِ ] وَكَانَ كَاتِبَ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ. فَشُلَّتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ.
التاريخ 780لا حكم مسجّل
[ إخْبَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَكْلِ الْأَرَضَةِ لِلصَّحِيفَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ الْقَوْمِ بَعْدَ ذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ: يَا عَمِّ، إنَّ رَبِّي اللَّهَ قَدْ سَلَّطَ الْأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا هُوَ لِلَّهِ إلَّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا، وَنَفَتْ مِنْهُ الظُّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتَانَ، فَقَالَ: أَرَبُّكَ أَخْبَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا يَدْخُلُ عَلَيْكَ أَحَدٌ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إنَّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا، فَهَلُمَّ صَحِيفَتُكُمْ، فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي فَانْتَهُوا عَنْ قَطِيعَتِنَا، وَانْزِلُوا عَمَّا فِيهَا ؟ وَإِنْ يَكُنْ كَاذِبًا دَفَعْتُ إلَيْكُمْ ابْنَ أَخِي، فَقَالَ الْقَوْمُ: رَضِينَا، فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ نَظَرُوا، فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ شَرًّا. فَعِنْدَ ذَلِكَ صَنَعَ الرَّهْطُ مِنْ قُرَيْشٍ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ مَا صَنَعُوا.
التاريخ 781لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي مَدْحِ النَّفَرِ الَّذِينَ نَقَضُوا الصَّحِيفَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا مُزِّقَتْ الصَّحِيفَةُ وَبَطَلَ مَا فِيهَا. قَالَ أَبُو طَالِبٍ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أُولَئِكَ النَّفَرِ الَّذِينَ قَامُوا فِي نَقْضِهَا يَمْدَحُهُمْ: : أَلَا هَلْ أَتَى بَحْرِيَّنَا صُنْعُ رَبِّنَا عَلَى نَأْيِهِمْ وَاَللَّهُ بِالنَّاسِ أَرْوَدُ فَيُخْبِرَهُمْ أَنَّ الصَّحِيفَةَ مُزِّقَتْ وَأَنْ كُلُّ مَا لَمْ يَرْضَهُ اللَّهُ مُفْسَدُ تُرَاوِحُهَا إفْكٌ وَسِحْرٌ مُجَمَّعٌ وَلَمْ يُلْفَ سِحْرٌ آخِرَ الدَّهْرِ يَصْعَدُ تَدَاعَى لَهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِقَرْقَرٍ فَطَائِرُهَا فِي رَأْسِهَا يَتَرَدَّدُ وَكَانَتْ كِفَاءً رَقْعَةٌ بِأَثِيمَةٍ لِيُقْطَعَ مِنْهَا سَاعِدٌ وَمُقَلَّدُ وَيَظْعَنُ أَهْلُ الْمَكَّتَيْنِ فَيَهْرُبُوا فَرَائِصُهُمْ مِنْ خَشْيَةِ الشَّرِّ تُرْعَدُ وَيُتْرَكُ حَرَّاثٌ يُقَلِّبُ أَمْرَهُ أَيُتْهِمُ فِيهِمْ عِنْدَ ذَاكَ وَيُنْجِدُ وَتَصْعَدُ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ كَتِيبَةٌ لَهَا حُدُجٌ سَهْمٌ وَقَوْسٌ وَمِرْهَدُ فَمَنْ يَنْشَ مِنْ حُضَّارِ مَكَّةَ عِزُّهُ فَعِزَّتُنَا فِي بَطْنِ مَكَّةَ أَتْلَدُ نَشَأْنَا بِهَا وَالنَّاسُ فِيهَا قَلَائِلُ فَلَمْ نَنْفَكِكْ نَزْدَادُ خَيْرًا وَنَحْمَدُ وَنُطْعِمُ حَتَّى يَتْرُكَ النَّاسُ فَضْلَهُمْ إذَا جُعِلَتْ أَيْدِي الْمُفِيضِينَ تُرْعَدُ جَزَى اللَّهُ رَهْطًا بِالْحَجُونِ تَبَايَعُوا عَلَى مَلَأٍ يُهْدِي لِحَزْمٍ وَيُرْشِدُ قُعُودًا لَدَى خَطْمِ الْحَجُونِ كَأَنَّهُمْ مَقَاوِلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزُّ وَأَمْجَدُ أَعَانَ عَلَيْهَا كُلُّ صَقْرٍ كَأَنَّهُ إذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدِّرْعِ أَحْرَدُ جَرِيٌّ عَلَى جُلَّى الْخُطُوبِ كَأَنَّهُ شِهَابٌ بِكَفَّيْ قَابِسٍ يَتَوَقَّدُ مِنْ الْأَكْرَمِينَ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ إذَا سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ يَتَرَبَّدُ طَوِيلُ النِّجَادِ خَارِجٌ نِصْفُ سَاقِهِ عَلَى وَجْهِهِ يُسْقَى الْغَمَامُ وَيُسْعِدُ عَظِيمُ الرَّمَادِ سَيِّدٌ وَابْنُ سَيِّدٍ يَحُضُّ عَلَى مَقْرَى الضُّيُوفِ وَيَحْشِدُ وَيَبْنِي لِأَبْنَاءِ الْعَشِيرَةِ صَالِحًا إذَا نَحْنُ طُفْنَا فِي الْبِلَادِ وَيَمْهَدُ أَلَظَّ بِهَذَا الصُّلْحِ كُلُّ مُبَرَّأٍ عَظِيمِ اللِّوَاءِ أَمْرُهُ ثَمَّ يُحْمَدُ قَضَوْا مَا قَضَوْا فِي لَيْلِهِمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا عَلَى مَهَلٍ وَسَائِرُ النَّاسِ رُقَّدُ هُمٌ رَجَعُوا سَهْلَ بْنَ بَيْضَاءَ رَاضِيًا وَسُرَّ أَبُو بَكْرٍ بِهَا وَمُحَمَّدُ مَتَى شُرِّكَ الْأَقْوَامُ فِي جُلِّ أَمْرِنَا وَكُنَّا قَدِيمًا قَبْلَهَا نُتَوَدَّدُ وَكُنَّا قَدِيمًا لَا نُقِرُّ ظُلَامَةً وَنُدْرِكُ مَا شِئْنَا وَلَا نَتَشَدَّدُ فَيَالَقُصَىٍّ هَلْ لَكُمْ فِي نُفُوسِكُمْ وَهَلْ لَكُمْ فِيمَا يَجِيءُ بَهْ غَدُ فَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ قَائِلٌ لَدَيْكَ الْبَيَانُ لَوْ تَكَلَّمْتَ أَسْوَدُ
التاريخ 782لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ حَسَّانَ فِي رِثَاءِ الْمُطْعِمِ، وَذِكْرُ نَقْضِهِ الصَّحِيفَةَ ] وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: يَبْكِي الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ حِينَ مَاتَ، وَيَذْكُرُ قِيَامَهُ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ: : أَيَا عَيْنُ فَابْكِي سَيِّدَ الْقَوْمِ وَاسْفَحِي بِدَمْعٍ وَإِنْ أَنْزَفْتِهِ فَاسْكُبِي الدَّمَا وَبَكِّي عَظِيمَ الْمَشْعَرَيْنِ كِلَيْهِمَا عَلَى النَّاسِ مَعْرُوفًا لَهُ مَا تَكَلَّمَا فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلَدُ الدَّهْرَ وَاحِدًا مِنْ النَّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمَا أَجَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا عَبِيدَكَ مَا لَبَّى مُهِلٌّ وَأَحْرَمَا فَلَوْ سُئِلَتْ عَنْهُ مَعَدٌّ بِأَسْرِهَا وَقَحْطَانُ أَوْ بَاقِي بَقِيَّةِ جُرْهُمَا لَقَالُوا هُوَ الْمُوفِي بِخُفْرَةِ جَارِهِ وَذِمَّتِهِ يَوْمًا إذَا مَا تَذَمَّمَا فَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ فَوْقَهُمْ عَلَى مِثْلِهِ فِيهِمْ أَعَزَّ وَأَعْظَمَا وَآبَى إذَا يَأْبَى، وَأَلْيَنَ شِيمَةً وَأَنْوَمَ عَنْ جَارٍ إذَا اللَّيْلُ أَظْلَمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ كِلَيْهِمَا، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ. [ كَيْفَ أَجَارَ الْمُطْعِمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَجَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهُمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا انْصَرَفَ عَنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَلَمْ يُجِيبُوهُ إلَى مَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، مِنْ تَصْدِيقِهِ وَنُصْرَتِهِ صَارَ إلَى حِرَاءٍ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ: أَنَا حَلِيفٌ، وَالْحَلِيفُ لَا يُجِيرُ. فَبَعَثَ إلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فَقَالَ: إنَّ بَنِي عَامِرٍ لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ. فَبَعَثَ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ، ثُمَّ تَسَلَّحَ الْمُطْعِمُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَخَرَجُوا حَتَّى أَتَوْا الْمَسْجِدَ، ثُمَّ بَعَثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ اُدْخُلْ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى عِنْدَهُ. ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى مَنْزِلِهِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَعْنِي حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ. [ مَدْحُ حَسَّانَ لِهِشَامِ بْنِ عَمْرٍو لِقِيَامِهِ فِي الصَّحِيفَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ( الْأَنْصَارِيُّ ) أَيْضًا: يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَمْرٍو لِقِيَامِهِ فِي الصَّحِيفَةِ: : هَلْ يُوَفِّيَنَّ بَنُو أُمَيَّةَ ذِمَّةً عَقْدًا كَمَا أَوْفَى جِوَارُ هِشَامِ مِنْ مَعْشَرٍ لَا يَغْدِرُونَ بِجَارِهِمْ لِلْحَارِثِ بْنِ حُبَيِّبِ بْنِ سُخَامِ وَإِذَا بَنُو حِسْلٍ أَجَارُوا ذِمَّةً أَوْفَوْا وَأَدَّوْا جَارَهُمْ بِسَلَامِ وَكَانَ هِشَامٌ أَحَدَ سُحَامِ ( بِالضَّمِّ ) قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: سُخَامٌ
التاريخ 772لا حكم مسجّل
[ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ فِي قُرَيْشٍ حِينَ تَظَاهَرُوا عَلَى الرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ، وَصَنَعُوا فِيهِ الَّذِي صَنَعُوا. قَالَ أَبُو طَالِبٍ: : أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي عَلَى ذَاتِ بَيْنِنَا لُؤَيًّا وَخُصَّا مِنْ لُؤَيٍّ بَنِي كَعْبِ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّا وَجَدْنَا مُحَمَّدًا نَبِيًّا كَمُوسَى خُطَّ فِي أَوَّلِ الْكُتُبِ وَأَنَّ عَلَيْهِ فِي الْعِبَادِ مَحَبَّةً وَلَا خَيْرَ مِمَّنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِالْحُبِّ وَأَنَّ الَّذِي أَلْصَقْتُمْ مِنْ كِتَابكُمْ لَكُمْ كَائِنٌ نَحْسًا كَرَاغِيَةِ السَّقْبِ أَفِيقُوا أَفِيقُوا قَبْلَ أَنْ يُحْفَرَ الثَّرَى وَيُصْبِحَ مَنْ لَمْ يَجْنِ ذَنْبًا كَذِي الذَّنْبِ وَلَا تَتْبَعُوا أَمْرَ الْوُشَاةِ وَتَقْطَعُوا أَوَاصِرَنَا بَعْدَ الْمَوَدَّةِ وَالْقُرْبِ وَتَسْتَجْلِبُوا حَرْبًا عَوَانًا وَرُبَّمَا أَمُرُّ عَلَى مَنْ ذَاقَهُ جَلَبُ الْحَرْبِ فَلَسْنَا وَرَبِّ الْبَيْتِ نُسْلِمُ أَحْمَدًا لِعَزَّاءِ مَنْ عَضَّ الزَّمَانُ وَلَا كَرْبِ وَلَمَّا تَبِنْ مِنَّا وَمِنْكُمْ سَوَالِفُ وَأَيْدٍ أُتِرَّتْ بِالْقَسَاسِيَّةِ الشُّهْبِ بِمُعْتَرَكٍ ضَيْقٍ تَرَى كَسْرَ الْقَنَا بِهِ وَالنُّسُورَ الطُّخْمَ يَعْكُفْنَ كَالشَّرْبِ كَأَنَّ مُجَالَ الْخَيْلِ فِي حَجَرَاتِهِ وَمَعْمَعَةَ الْأَبْطَالِ مَعْرَكَةُ الْحَرْبِ أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدَّ أَزْرَهُ وَأَوْصَى بَنِيهِ بِالطِّعَانِ وَبِالضَّرْبِ وَلَسْنَا نَمَلُّ الْحَرْبَ حَتَّى تَمَلَّنَا وَلَا نَشْتَكِي مَا قَدْ يَنُوبُ مِنْ النَّكْبِ وَلَكِنَّنَا أَهْلُ الْحَفَائِظِ وَالنُّهَى إذَا طَارَ أَرْوَاحُ الْكُمَاةِ مِنْ الرُّعْبِ فَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، حَتَّى جَهَدُوا لَا يَصِلُ إلَيْهِمْ شَيْءٌ، إلَّا سِرًّا مُسْتَخْفِيًا ( بِهِ ) مَنْ أَرَادَ صِلَتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ.
التاريخ 773لا حكم مسجّل
خَبَرُ الصَّحِيفَةِ [ تَحَالُفُ الْكُفَّارِ ضِدَّ الرَّسُولِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْ نَزَلُوا بَلَدًا أَصَابُوا بِهِ أَمْنًا وَقَرَارًا، وَأَنَّ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَنَعَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ، فَكَانَ هُوَ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَجَعَلَ الْإِسْلَامُ يَفْشُو فِي الْقَبَائِلِ، اجْتَمَعُوا وَائْتَمَرُوا ( بَيْنَهُمْ ) أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِيَّ الْمُطَّلِبِ، عَلَى أَنْ لَا يُنْكِحُوا إلَيْهِمْ وَلَا يُنْكَحُوهُمْ، وَلَا يَبِيعُوهُمْ شَيْئًا، وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ؛ فَلَمَّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةٍ، ثُمَّ تَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّقُوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ - فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَشُلَّ بَعْضُ أَصَابِعِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ انْحَازَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ إلَى أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي شِعْبِهِ وَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَخَرَجَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبُو لَهَبٍ، عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إلَى قُرَيْشٍ، فَظَاهَرَهُمْ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ: ثُمَّ إِنَّ الْمُشْرِكِينَ اشْتَدُّوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَشَدِّ مَا كَانُوا، حَتَّى بَلَغَ الْمُسْلِمِينَ الْجُهْدُ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ، وَاجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ فِي مَكْرِهَا أَنْ يَقْتُلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَانِيَةً، فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ عَمَلَ الْقَوْمِ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شِعْبَهُمْ، وَأَمَرَهَمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادُوا قَتْلَهُ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، مُسْلِمُهُمْ وَكَافِرُهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ حَمِيَّةً، وَمِنْهُمْ مَنْ فَعَلَهُ إِيمَانًا وَيَقِينًا، فَلَمَّا عَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ الْقَوْمَ قَدْ مَنَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ، اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ لَا يُجَالِسُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يَدْخُلُوا بُيُوتَهُمْ، حَتَّى يُسَلِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلْقَتْلِ، وَكَتَبُوا فِي مَكْرِهِمْ صَحِيفَةً وَعُهُودًا وَمَوَاثِيقَ، لَا يَقْبَلُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ أَبَدًا صُلْحًا، وَلَا تَأْخُذُهُمْ بِهِمْ رَأْفَةٌ، حَتَّى يُسْلِمُوهُ لِلْقَتْلِ. فَلَبِثَ بَنُو هَاشِمٍ فِي شِعْبِهِمْ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الْبَلَاءُ وَالْجَهْدُ، وَقَطَعُوا عَنْهُمُ الْأَسْوَاقَ، فَلَا يَتْرُكُوا لَهُمْ طَعَامًا يَقَدَمُ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوهُمْ إِلَيْهِ فَاشْتَرَوْهُ ; يُرِيدُونَ بِذَلِكَ أَنْ يُدْرِكُوا سَفْكَ دَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ إِذَا أَخَذَ النَّاسُ مَضَاجِعَهُمْ، أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِهِ ; حَتَّى يَرَى ذَلِكَ مَنْ أَرَادَ بِهِ مَكْرًا وَاغْتِيَالًا لَهُ، فَإِذَا نَوَّمَ النَّاسُ، أَمَرَ أَحَدَ بَنِيهِ أَوْ إِخْوَتِهِ أَوْ بَنِي عَمِّهِ فَاضْطَجَعَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَنَامَ عَلَيْهِ.
التاريخ 774لا حكم مسجّل
[ تَعَرُّضُ أَبِي جَهْلٍ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَتَوَسُّطُ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ ] وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ - فِيمَا يَذْكُرُونَ لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ، مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَعَهُ فِي الشِّعْبِ، فَتَعَلَّقَ بِهِ وَقَالَ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إلَى بَنِي هَاشِمٍ ؟ وَاَللَّهِ لَا تَبْرَحُ أَنْتَ وَطَعَامُكَ حَتَّى أَفْضَحَكَ بِمَكَّةَ. فَجَاءَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ، فَقَالَ: مَا لَكَ وَلَهُ ؟ فَقَالَ: يَحْمِلُ الطَّعَامَ إلَى بَنِي هَاشِمٍ، فَقَالَ ( لَهُ ) أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ بَعَثَتْ إلَيْهِ ( فِيهِ ) أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ؛ فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَخَذَ ( لَهُ ) أَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَحْيَ بَعِيرٍ فَضَرَبَهُ بِهِ فَشَجَّهُ، وَوَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَرِيبٌ يَرَى ذَلِكَ، وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ، فَيَشْمَتُوا بِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَسِرًّا وَجَهَارًا، مُبَادِيًا بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَتَّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ. [ أَبُو جَهْلٍ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ] وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَخْوِيفًا بِهَا لَهُمْ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَلْ تَدْرُونَ مَا شَجَرَةُ الزَّقُّومِ الَّتِي يُخَوِّفُكُمْ بِهَا مُحَمَّدٌ ؟ قَالُوا: لَا؛ قَالَ: عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزُّبْدِ، وَاَللَّهِ لَئِنْ اسْتَمْكَنَّا مِنْهَا لَنَتَزَقَّمَنَّها تَزَقُّمًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ أَيْ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُهْلُ: كُلُّ شَيْءٍ أَذَبْتُهُ، مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ.
التاريخ 783لا حكم مسجّل
ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَنُزُولُ سُورَةِ عَبَسَ: وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى سُورَةَ عَبَسَ مُعَاتِبًا بِهَا نَبِيَّهُ ﷺ فِي تَوَلِّيهِ عَنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَأَكْرَمَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكَانَ غَالِبًا مَا يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ نِيَابَةً عَنْهُ ﷺ.
التاريخ 784لا حكم مسجّل
[ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَنُزُولُ سُورَةِ عَبَسَ ] وَوَقَفَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُهُ، وَقَدْ طَمِعَ فِي إسْلَامِهِ، فَبَيْنَا هُوَ فِي ذَلِكَ، إذْ مَرَّ بِهِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَجَعَلَ يَسْتَقْرِئُهُ الْقُرْآنَ، فَشَقَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أَضْجَرَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ شَغَلَهُ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْوَلِيدِ، وَمَا طَمِعَ فِيهِ مِنْ إسْلَامِهِ. فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ انْصَرَفَ عَنْهُ عَابِسًا وَتَرَكَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ أَيْ إنَّمَا بَعَثْتُكَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، لَمْ أَخُصَّ بِكَ أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ، فَلَا تَمْنَعُهُ مِمَّنْ ابْتَغَاهُ. وَلَا تَتَصَدَّيَنَّ بِهِ لِمَنْ لَا يُرِيدُهُ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَيُقَالُ: عَمْرٌو. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَفِي ذِكْرِهِ إِيَّاهُ بِالْعَمَى مِنَ الْحِكْمَةِ وَالْإِشَارَةِ اللَّطِيفَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى مَوْضِعِ الْعَتْبِ لِأَنَّهُ قَالَ: أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى فَذَكَرَ الْمَجِيءَ مَعَ الْعَمَى، وَذَلِكَ كُلُّهُ يُنْبِئُ عَنْ تَجَشُّمِ كُلْفَةٍ وَمَنْ تَجَشَّمَ الْقَصْدَ إِلَيْكَ عَلَى ضَعْفِهِ فَحَقُّكَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ لَا الْإِعْرَاضُ عَنْهُ. وَفَائِدَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَتَى وُجِدَتْ وَجَبَ تَرْكُ الْإِعْرَاضِ، فَإِذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَعْتُوبًا عَلَى تَوَلِّيهِ عَنِ الْأَعْمَى فَغَيْرُهُ أَحَقُّ بِالْعَتْبِ. وَمَا يُدْرِيكَ يُعْلِمُكَ لَعَلَّهُ أَيِ الْأَعْمَى أَوِ الْكَافِرُ يَزَّكَّى فِيهِ إِدْغَامُ التَّاءِ فِي الْأَصْلِ فِي الزَّايِ أَوْ يَذَّكَّرُ أَيْ يَتَّعِظُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى الْعِظَةُ الْمَسْمُوعَةُ مِنْكَ. وَفِي قِرَاءَةٍ بِنَصْبِ تَنْفَعُهُ جَوَابُ التَّرَجِّي. أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى بِالْمَالِ. فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى. وَفِي قِرَاءَةٍ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَبِإِدْغَامِ الثَّانِيَةِ فِي الْأَصْلِ فِيهَا، أَيْ تُقْبِلُ وَتَتَعَرَّضُ، وَمَا عَلَيْكَ أَلا يَزَّكَّى يُؤْمِنُ وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى حَالٌ مِنْ فَاعِلِ جَاءَ، وَهُوَ يَخْشَى اللَّهَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ يَسْعَى وَهُوَ الْأَعْمَى. فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى فِيهِ حَذْفُ التَّاءِ الْأُخْرَى فِي الْأَصْلِ أَيْ تَتَشَاغَلُ، كَلا لَا تَفْعَلْ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَكْرَمَهُ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ.
التاريخ 785لا حكم مسجّل
إِسْلَامُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ: وَقَدْ أَسْلَمَ أَيْضًا الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَقَدْ كَانَ شَاعِرًا، وَقَدْ حَذَّرَتْهُ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْ يَسْتَمِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَخَوَّفُوهُ بِأَنَّهُ سَاحِرٌ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، حَتَّى وَصَلَ بِهِ الْأَمْرُ أَنْ وَضَعَ فِي أُذُنِهِ مَا يُصِمُّهَا عَنِ الِاسْتِمَاعِ. إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ لَهُ الْهِدَايَةَ وَالرَّشَادَ جَعَلَهُ يَسْتَمِعُ إِلَى بَعْضِ مَا يَقْرَأُ النَّبِيُّ ﷺ فَعَادَ إِلَى نَفْسِهِ وَلَامَهَا كَيْفَ يَكُونُ شَاعِرًا لَبِيبًا ثُمَّ لَا يَنْظُرُ فِيمَا يَقُولُ الرَّسُولُ ﷺ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا عَلِمَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ تَرَكَهُ وَلَمْ يَسْتَمِعْ لَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ كَلَامَ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلِمَ أَنَّهُ الْحَقُّ طَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُ آيَةً، فَجَعَلَ لَهُ نُورًا فِي سَوْطِهِ، وَقَدْ عَادَ إِلَى قَوْمِهِ وَظَلَّ فِيهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ حَتَّى أَسْلَمُوا.
التاريخ 786لا حكم مسجّل
قِصَّةُ إسْلَامِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ [ تَحْذِيرُ قُرَيْشٍ لَهُ مِنْ الِاسْتِمَاعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَلَى مَا يَرَى مِنْ قَوْمِهِ، يَبْذُلُ لَهُمْ النَّصِيحَةَ، وَيَدْعُوهُمْ إلَى النَّجَاةِ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ، حِينَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، يُحَذِّرُونَهُ النَّاسَ وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَرَبِ. وَكَانَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا، فَمَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ الطُّفَيْلُ رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا، فَقَالُوا لَهُ: يَا طُفَيْلُ، إنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أَعْضَلَ بِنَا، وَقَدْ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتْ أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ كَالسِّحْرِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قَوْمِكَ مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا، فَلَا تُكَلِّمَنَّهُ وَلَا تَسْمَعَنَّ مِنْهُ شَيْئًا. [ اسْتِمَاعُهُ لِقَوْلِ قُرَيْشٍ ثُمَّ عُدُولُهُ وَسَمَاعُهُ مِنَ الرَّسُولِ ] قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا زَالُوا بِي حَتَّى أَجْمَعْتُ أَنْ لَا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أُكَلِّمَهُ، حَتَّى حَشَوْتُ فِي أُذُنَيَّ حِينَ غَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ. قَالَ: فَغَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَقُمْتُ مِنْهُ قَرِيبًا فَأَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ. قَالَ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاثُكْلَ أُمِّي، وَاَللَّهِ إنِّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عَلَيَّ الْحَسَنُ مِنْ الْقَبِيحِ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقُولُ فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَأْتِي بَهْ حَسَنًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْتُهُ [ الْتِقَاؤُهُ بِالرَّسُولِ وَقَبُولُهُ الدَّعْوَةَ ] قَالَ: فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، حَتَّى إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ قَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي قَالُوا، فَوَاَللَّهِ مَا بَرِحُوا يُخَوِّفُونَنِي أَمْرَكَ حَتَّى سَدَدْتُ أُذُنَيَّ بِكُرْسُفٍ لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ، ثُمَّ أَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي قَوْلَكَ،، فَسَمِعْتُهُ قَوْلًا حَسَنًا، فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ. قَالَ: فَعَرَضَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيَّ الْقُرْآنَ، فَلَا وَاَللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ. قَالَ: فَأَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَأَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِمْ، وَدَاعِيهمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً [ الْآيَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ ] قَالَ: فَخَرَجْتُ إلَى قَوْمِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةٍ تُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ وَجْهِي، إنِّي أَخْشَى، أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلَةٌ وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِي دِينَهُمْ. قَالَ: فَتَحَوَّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي. قَالَ: فَجَعَلَ الْحَاضِرُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ، وَأَنَا أَهْبِطُ إلَيْهِمْ مِنْ الثَّنِيَّةِ، قَالَ: حَتَّى جِئْتُهُمْ فَأَصْبَحْتُ فِيهِمْ. [ دَعْوَتُهُ أَبَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ ] قَالَ: فَلَمَّا نَزَلْتُ أَتَانِي أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَالَ: فَقُلْتُ: إلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَتِ، فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي قَالَ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَسْلَمْتُ وَتَابَعْت دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، فَدِينِي دِينُكَ ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: فَاذْهَبْ فَاغْتَسِلْ وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَعَالَ حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا عُلِّمْتُ. قَالَ: فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ. [ دَعْوَتُهُ زَوْجَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ ] ( قَالَ ) ثُمَّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي، فَقُلْتُ: إلَيْكَ عَنِّي، فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي، قَالَتْ: لِمَ ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: ( قُلْتُ: قَدْ ) فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْإِسْلَامُ، وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ ؟ قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ، قَالَ: قُلْتُ فَاذْهَبِي إلَى حِنَا ذِي الشَّرَى - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حِمَى ذِي الشَّرَى - فَتَطَهَّرِي مِنْهُ. ( قَالَ ): وَكَانَ ذُو الشَّرَى صَنَمًا لِدَوْسٍ، وَكَانَ الْحِمَى حِمَى حَمَوْهُ لَهُ، ( وَ ) بِهِ وَشَلٌ مِنْ مَاءٍ يَهْبِطُ مِنْ جَبَلٍ. قَالَ: فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَتَخْشَى عَلَى الصَّبِيَّةِ مِنْ ذِي الشَّرَى شَيْئًا، قَالَ: قُلْتُ: لَا، أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فَذَهَبَتْ فَاغْتَسَلَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَتْ. [ دَعْوَتُهُ قَوْمَهِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ وَلِحَاقُهُمْ بِالرَّسُولِ ] ثُمَّ دَعَوْتُ دَوْسًا إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبْطَئُوا عَلَيَّ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهُ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى دَوْسٍ الرِّنَا فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا ارْجِعْ إلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعِي مِنْ قَوْمِي وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرِ. حَتَّى نَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، ثُمَّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرِ، فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ [ ذَهَابُهُ إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ لِيَحْرِقَهُ ] ثُمَّ لَمْ أَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْنِي إلَى ذِي الْكَفَّيْنِ صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ حَتَّى أُحْرِقَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ طُفَيْلٌ يُوقِدُ عَلَيْهِ النَّارَ وَيَقُولُ: : يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا: إنِّي حَشَوْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا [ جِهَادُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ قَبْضِ الرَّسُولِ، ثُمَّ رُؤْيَاهُ وَمَقْتَلُهُ ] قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ. فَلَمَّا ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ، خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ طُلَيْحَةَ، وَمِنْ أَرْضِ نَجْدٍ كُلِّهَا. ثُمَّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْيَمَامَةِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ، فَرَأَى رُؤْيَا وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْيَمَامَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا فَاعْبُرُوهَا لِي، رَأَيْتُ أَنَّ رَأْسِي حُلِقَ، وَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ، وَأَنَّهُ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَأَدْخَلَتْنِي فِي فَرْجِهَا، وَأَرَى ابْنِي يَطْلُبُنِي حَثِيثًا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ حُبِسَ عَنِّي، قَالُوا: خَيْرًا، قَالَ: أَمَّا أَنَا وَاَللَّهِ فَقَدْ أَوَّلْتُهَا ؟ قَالُوا: مَاذَا ؟ قَالَ: أَمَّا حَلْقُ رَأْسِي فَوَضْعُهُ، وَأَمَّا الطَّائِرُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَرُوحِي، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَدَخَلَتْنِي فَرْجَهَا فَالْأَرْضُ تُحْفَرُ لِي، فَأُغَيَّبُ فِيهَا، وَأَمَّا طَلَبُ ابْنِي إيَّايَ ثُمَّ حَبْسُهُ عَنِّي، فَإِنِّي أُرَاهُ سَيَجْهَدُ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَنِي. فَقُتِلَ رَحِمَهُ اللَّهُ شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ، وَجُرِحَ ابْنُهُ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ اسْتَبَلَّ مِنْهَا، ثُمَّ قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي زَمَنِ عُمَرَ ؓ شَهِيدًا. وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنَعَةٍ ؟ قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضِ فَجَزِعَ فَأَخَذَ مَشَاقِصَ فَقَطَعَ بِهَا بِرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ. قَالَ: فَمَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ يُصْلَحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. قَالَ: فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فائدة قال ابن كثير رحمه الله تعالى: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ، وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ جُنْدَبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: عَبْدِي بَادَرَنِي بِنَفْسِهِ، فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ". فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ ; أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَاكَ مُشْرِكًا، وَهَذَا مُؤْمِنٌ، وَيَكُونُ قَدْ جُعِلَ هَذَا الصَّنِيعُ سَبَبًا مُسْتَقِلًّا فِي دُخُولِهِ النَّارَ، وَإِنْ كَانَ شِرْكُهُ مُسْتَقِلًّا، إِلَّا أَنَّهُ نَبَّهَ عَلَى هَذَا لِتَعْتَبِرَ أُمَّتُهُ. الثَّانِي: قَدْ يَكُونُ هَذَاكَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَهَذَا غَيْرُ عَالِمٍ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالْإِسْلَامِ. الثَّالِثُ: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِلًّا، بَلْ مُخْطِئًا. الرَّابِعُ: قَدْ يَكُونُ أَرَادَ ذَاكَ بِصَنِيعِهِ الْمَذْكُورِ، أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، بِخِلَافِ هَذَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ. الْخَامِسُ: قَدْ يَكُونُ هَذَاكَ قَلِيلَ الْحَسَنَاتِ، فَلَمْ تُقَاوِمْ كِبَرَ ذَنْبِهِ الْمَذْكُورِ، فَدَخَلَ النَّارَ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ الْحَسَنَاتِ، فَقَاوَمَتِ الذَّنْبَ، فَلَمْ يَلِجِ النَّارَ، بَلْ غُفِرَ لَهُ بِالْهِجْرَةِ إِلَى نَبِيِّهِ ﷺ وَلَكِنْ بَقِيَ الشَّيْنُ فِي يَدِهِ فَقَطْ، وَحَسُنَتْ هَيْئَةُ سَائِرِهِ، فَغَطَّى الشَّيْنَ مِنْهُ، فَلَمَّا رَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، قَالَ لَهُ: مَا لَكَ ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ يُصْلَحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَلَمَّا قَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ دَعَا لَهُ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ ". أَيْ فَأَصْلِحْ مِنْهَا مَا كَانَ فَاسِدًا. وَالْمُحَقَّقُ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي صَاحِبِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. شعر الطفيل لما أسلم وَقَالَ الطُّفَيْلُ لَمَّا أَسْلَمَ: أَلَا بَلِّغْ لَدَيْكَ بَنِي لُؤَيٍّ عَلَى الشَّنَآنِ وَالْغَضَبِ الْمُرَدِّي بِأَنَّ اللَّهَ رَبَّ النَّاسِ فَرْدٌ تَعَالَى جَدُّهُ عَنْ كُلِّ نِدِّ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدٌ رَسُولٌ دَلِيلُ هُدًى وَمُوضِحُ كُلِّ رُشْدِ رَأَيْتُ لَهُ دَلَائِلَ أَنْبَأَتْنِي بِأَنَّ سَبِيلَهُ يَهْدِي لِقَصْدِ وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّلَهُ بِهَاءً وَأَعْلَى جَدَّهُ فِي كُلِّ جِدِّ وَقَالَتْ لِي قُرَيْشٌ عَدِّ عَنْهُ فَإِنَّ مَقَالَهُ كَالْغُرِّ يُعْدِي فَلَمَّا أَنْ أَمَلْتُ إِلَيْهِ سَمْعِي سَمِعْتُ مَقَالَهُ كَمَشْهُورِ شَهْدِ وَأَلْهَمَنِي هَدَايَا اللَّهُ عَنْهُ وَبَدَّلَ طَالِعِي نَحْسِي بِسَعْدِي فَفُزْتُ بِمَا حَبَاهُ اللَّهُ قَلْبِي وَفَازَ مُحَمَّدٌ بِصَفَاءِ وُدِّي
التاريخ 789لا حكم مسجّل
وَفْدُ النَّصَارَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا وَمَا جَاءَ فِي اسْتِهْزَاءِ قُرَيْشٍ بِهِمْ وَبِالْمُؤْمِنِينَ: لَمَّا هَاجَرَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْحَبَشَةِ وَوَصَلَ خَبَرُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهَا خَرَجَ عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ نَصَارَى الْحَبَشَةِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا أَتَوْهُ وَسَمِعُوا مِنْهُ فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ وَاسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ﷺ وَأَسْلَمُوا وَظَلَّ أَبُو جَهْلٍ وَالْمُشْرِكُونَ يَسُبُّونَهُمْ وَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ وَيَتَهَكَّمُونَ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُجَاهِلُوهُمْ بِمِثْلِ جَهْلِهِمْ.
التاريخ 790لا حكم مسجّل
أَمْرُ وَفْدِ النَّصَارَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا [ مُحَاوَلَةُ أَبِي جَهْلٍ رَدَّهَمُ عَنِ الْإِسْلَامِ وَإِخْفَاقِهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ النَّصَارَى، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنْ الْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسُوا إلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ؛ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ فَاضَتْ أَعَيْنُهُمْ مِنْ الدَّمْعِ، ثُمَّ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ، وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ. فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ، حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ. أَوْ كَمَا قَالُوا. فَقَالُوا لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا خَيْرًا [ مَوَاطِنُهُمْ وَمَا نَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ ] وَيُقَالُ: إنَّ النَّفَرَ مِنْ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ. فَيُقَالُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ إلَى قَوْلِهِ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِيمَنْ أُنْزِلْنَ فَقَالَ لِي: مَا أَسْمَعُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُنَّ أُنْزِلْنَ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ. وَالْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ إلَى قَوْلِهِ: فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ [ تَهَكُّمُ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَنُزُولُ آيَاتٍ فِي ذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ إلَيْهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَبَّابٌ، وَعَمَّارٌ، وَأَبُو فَكِيهَةَ يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثٍ، وَصُهَيْبٌ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هَزِئَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ كَمَا تَرَوْنَ، أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالْهُدَى وَالْحَقِّ لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بَهْ مُحَمَّدٌ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إلَيْهِ، وَمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ دُونَنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. [ ادِّعَاءُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ بِتَعْلِيمِ جَبْرٍ لَهُ، وَمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ ] وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - فِيمَا بَلَغَنِي - كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إلَى مَبْيَعَةِ غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ يُقَالُ لَهُ: جَبْرٌ، عَبْدٌ لِبَنِي الْحَضْرَمِيِّ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَاَللَّهِ مَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مِمَّا يَأْتِي بَهْ إلَّا جَبْرٌ النَّصْرَانِيُّ، غُلَامُ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُلْحِدُونَ إلَيْهِ: يَمِيلُونَ إلَيْهِ. وَالْإِلْحَادُ: الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ. قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: إذَا تَبِعَ الضَّحَّاكَ كُلُّ مُلْحِدٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي الضَّحَّاكَ الْخَارِجِيَّ، وَهَذَا الْبَيْتُ: أُرْجُوزَةٌ لَهُ.
التاريخ 796لا حكم مسجّل
[ صِفَةُ النِّسَاءِ اللَّاتِي يُدْخِلْنَ عَلَى الْأَزْوَاجِ مَا لَيْسَ مِنْهُمْ ] قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ نِسَاءً مُعَلَّقَاتٍ بِثُدِيِّهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ اللَّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَأَكَلَ حَرَائِبَهُمْ وَاطَّلَعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ
التاريخ 797لا حكم مسجّل
[ صِفَةُ الزُّنَاةِ ] قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ ثَمِينٌ طَيِّبٌ، إلَى جَنْبِهِ لَحْمٌ غَثٌّ مُنْتِنٌ، يَأْكُلُونَ مِنْ الْغَثِّ الْمُنْتِنِ، وَيَتْرُكُونَ السَّمِينَ الطَّيِّبَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَذْهَبُونَ إلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُنَّ. وفي رواية ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ نَضِيجٌ فِي قُدُورٍ، وَلَحْمٌ آخَرُ نِيءٌ خَبِيثٌ، فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنَ النِّيءِ الْخَبِيثِ وَيَدْعُونَ النَّضِيجَ. فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ تَكُونُ عِنْدَهُ الْمَرْأَةُ الْحَلَالُ الطَّيِّبُ، فَيَأْتِي امْرَأَةً خَبِيثَةً، فَيَبِيتُ عِنْدَهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَالْمَرْأَةُ تَقُومُ مِنْ عِنْدِ زَوْجِهَا حَلَالًا طَيِّبًا، فَتَأْتِي رَجُلًا خَبِيثًا فَتَبِيتُ مَعَهُ حَتَّى تُصْبِحَ.
التاريخ 798لا حكم مسجّل
[ صِفَةُ أَكَلَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ] قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ، فِي أَيْدِيهمْ قِطَعٌ مِنْ نَارٍ كَالْأَفْهَارِ، يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا. ثُمَّ مَضَى هُنَيْهَةً فَإِذَا هُوَ بِأَقْوَامٍ مَشَافِرُهُمْ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ، فَتُفْتَحُ أَفْوَاهُهُمْ وَيُلْقَمُونَ حَجَرًا، وَفِي رِوَايَةٍ: يُجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْرٌ مِنْ جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، فَسَمِعَهُمْ يَضِجُّونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [النِّسَاءُ: 10]
التاريخ 799لا حكم مسجّل
[ صِفَةُ أَكَلَةِ الرِّبَا ] قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ يَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ كَالْإِبِلِ الْمَهْيُومَةِ حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ يَطَئُونَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا. وَرَأَى رَجُلًا يَسْبَحُ فِي نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، يُلْقَمُ الْحِجَارَةَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: آكِلُ الرِّبَا. التَّنْبِيهُ الْأَرْبَعُونَ: إِنَّمَا رَأَى أَكْلَةَ الرِّبَا مُنْتَفِخَةً بُطُونُهُمْ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ مُشَاكِلَةٌ لِلذَّنْبِ، فَآكِلُ الرِّبَا يَرْبُو بَطْنُهُ كَمَا أَرَادَ أَنْ يَرْبُوَ مَالُهُ بِأَكْلِ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ فَمُحِقَتِ الْبَرَكَةُ مِنْ مَالِهِ وَجُعِلَتْ نَفْخًا فِي بَطْنِهِ حَتَّى يَقُومَ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ. وَإِنَّمَا جُعِلُوا بِطَرِيقِ آلِ فِرْعَوْنَ يَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ غُدُوًّا وَعَشِيًّا، لِأَنَّ آلَ فِرْعَوْنَ هُمْ أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ، وَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْقِيَامَ. وَمَعْنَى كَوْنِهِمْ فِي طَرِيقِ جَهَنَّمَ بِحَيْثُ يُمَرُّ بِالْكُفَّارِ عَلَيْهِمْ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَدْ أَوْقَفَ أَمْرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَنْتَهُوا فَيَكُونَ خَيْرًا لَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَعُودُوا وَيُصِرُّوا فَيُدْخِلَهُمُ النَّارَ، وَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ هُوَ فِي طَرِيقِ النَّارِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الْبَقَرَةُ: 275] وَفِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ رَأَى بُطُونَهُمْ كَالْبُيُوتِ يَعْنِي أَكْلَةَ الرِّبَا، وَفِيهَا حَيَّاتٌ تُرَى مِنْ خَارِجِ الْبُطُونِ.
التاريخ 800لا حكم مسجّل
[ عَدَمُ ضَحِكِ خَازِنِ النَّارِ لِلرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: تَلَقَّتْنِي الْمَلَائِكَةُ حِينَ دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَلْقَنِي مَلَكٌ ؟ إلَّا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، يَقُولُ خَيْرًا وَيَدْعُو بِهِ حَتَّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا، وَدَعَا بِمِثْلِ مَا دَعَوْا بِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَضْحَكْ وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ مَا رَأَيْتُ مِنْ غَيْرِهِ. فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الْمَلَكُ الَّذِي قَالَ لِي كَمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ وَلَمْ يَضْحَكْ ( إلَيَّ )، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ ؟ قَالَ: فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: أَمَا إنَّهُ لَوْ ضَحِكَ إلَى أَحَدٍ كَانَ قَبْلَكَ، أَوْ كَانَ ضَاحِكًا إلَى أَحَدٍ بَعْدَكَ، لَضَحِكَ إلَيْكَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَضْحَكُ هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ وَهُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَكَانِ الَّذِي وُصِفَ لَكُمْ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ: أَلَا تَأْمُرُهُ أَنْ يُرِيَنِي النَّارَ ؟ فَقَالَ: بَلَى، يَا مَالِكُ، أَرِ مُحَمَّدًا النَّارَ. قَالَ: فَكَشَفَ عَنْهَا غِطَاءَهَا فَفَارَتْ وَارْتَفَعَتْ. حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَأْخُذَنَّ مَا أَرَى قَالَ: فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ مُرْهُ فَلْيَرُدَّهَا إلَى مَكَانِهَا. قَالَ: فَأَمَرَهُ، فَقَالَ لَهَا: اُخْبِي فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ. فَمَا شَبَّهْتُ رُجُوعَهَا إلَّا وُقُوعَ الظِّلِّ حَتَّى إذَا دَخَلَتْ مِنْ حَيْثُ خَرَجَتْ رَدَّ عَلَيْهَا غِطَاءَهَا. - [ عَوْدٌ إلَى حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ عَنْ الْمِعْرَاجِ ] ( وَ ) قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا رَأَيْتُ بِهَا رَجُلًا جَالِسًا تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ، فَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَيُسَرُّ بِهِ، وَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ. وَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ: أُفٍّ، وَيَعْبِسُ بِوَجْهِهِ وَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ، فَإِذَا مَرَّتْ بِهِ رُوحُ الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ سُرَّ بِهَا. وَقَالَ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ. وَإِذَا مَرَّتْ بَهْ رُوحُ الْكَافِرِ مِنْهُمْ أَفَّفَ مِنْهَا وَكَرِهَهَا، وَسَاءَ ذَلِكَ، وَقَالَ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ.
التاريخ 801لا حكم مسجّل
وَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ عَلَى الْبُرَاقِ إِذْ رَأَى عِفْرِيتًا مِنَ الْجِنِّ، يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ، كُلَّمَا الْتَفَتَ رَآهُ. فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَلَا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ، فَإِذَا قُلْتَهُنَّ طُفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لَفِيهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلَى، فَقَالَ جِبْرِيلُ: «قُلْ أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ طَوَارِقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ». فَانْكَبَّ لَفِيهِ وَانْطَفَأَتْ شُعْلَتُهُ.
التاريخ 802لا حكم مسجّل
فَسَارُوا حَتَّى أَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَزْرَعُونَ فِي يَوْمٍ وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمٍ، كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُضَاعَفُ لَهُمُ الْحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَا أَنْفَقُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ.
التاريخ 803لا حكم مسجّل
وَوَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا، بَيْنَا هِيَ تُمَشِّطُ بِنْتَ فِرْعَوْنَ إِذْ سَقَطَ الْمُشْطُ، فَقَالَتْ: بِسْمِ اللَّهِ، تَعِسَ فِرْعَوْنُ. فَقَالَتِ ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَوَلَكِ رَبٌّ غَيْرُ أَبِي؟ قُلْتُ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ. وَكَانَ لِلْمَرْأَةِ ابْنَانِ وَزَوْجٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَرَاوَدَ الْمَرْأَةَ وَزَوْجَهَا أَنْ يَرْجِعَا عَنْ دِينِهِمَا، فَقَالَ: إِنِّي قَاتِلُكُمَا، فَقَالَا: إِحْسَانًا مِنْكَ إِنْ قَتَلْتَنَا أَنْ تَجْعَلَنَا فِي بَيْتٍ- وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً. قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَتْ: تَجْمَعُ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدَيَّ، فَتَدْفِنَّا جَمِيعًا. قَالَ: ذَلِكَ لَكِ بِمَا لَكِ عَلَيْنَا مِنَ الْحَقِّ، فَأَمَرَ بِنُقْرَةٍ مِنْ نُحَاسٍ فَأُحْمِيَتْ، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا لِتُلْقَى فِيهَا هِيَ وَأَوْلَادُهَا، فَأُلْقُوا وَاحِدًا، وَاحِدًا، حَتَّى بَلَغُوا أَصْغَرَ رَضِيعٍ فِيهِمْ، فَقَالَ: يَا أُمَّهْ قَعِي وَلَا تَقَاعَسِي فَإِنَّكِ عَلَى الْحَقِّ. قَالَ: وَتَكَلَّمَ أَرْبَعَةٌ وَهُمْ صِغَارٌ: هَذَا، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
التاريخ 804لا حكم مسجّل
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُرْضَخُ رُؤُوسُهُمْ، كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ. وَلَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَتَشَاغَلُ رُؤُوسُهُمْ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ.
التاريخ 805لا حكم مسجّل
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ وَعَلَى أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ، يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ، وَيَأْكُلُونَ الضَّرِيعَ وَالزَّقُّومَ وَرَضْفَ جَهَنَّمَ وَحِجَارَتَهَا. فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ شَيْئًا
التاريخ 806لا حكم مسجّل
ثُمَّ أَتَى عَلَى خَشَبَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ لَا يَمُرُّ بِهَا ثَوْبٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا خَرَقَتْهُ. فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ فَقَالَ: هَذَا مَثَلُ أَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ، وَتَلَا: وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ [الْأَعْرَافُ: 76]
التاريخ 807لا حكم مسجّل
وَأَتَى عَلَى قَوْمٍ قَدْ جَمَعَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ حُزْمَةً عَظِيمَةً لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا، وَهُوَ يَزِيدُ عَلَيْهَا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ تَكُونُ عِنْدَهُ أَمَانَاتُ النَّاسِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا، وَيُرِيدُ أَنْ يَتَحَمَّلَ عَلَيْهَا.
التاريخ 808لا حكم مسجّل
ثُمَّ أَتَى عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَ، لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ الْفِتْنَةِ مِنْ أُمَّتِكَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ.
التاريخ 809لا حكم مسجّل
وَمَرَّ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ.
التاريخ 810لا حكم مسجّل
وَأَتَى عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ، فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ فَلَا يَسْتَطِيعُ، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ الْعَظِيمَةِ ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهَا فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرُدَّهَا.
التاريخ 811لا حكم مسجّل
وَأَتَى عَلَى وَادٍ فَوَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً بَارِدَةً كَرِيحِ الْمِسْكِ، وَسَمِعَ صَوْتًا، فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا صَوْتُ الْجَنَّةِ تَقُولُ: يَا رَبِّ ايتِنِي بِمَا وَعَدْتَنِي، فَقَدْ كَثُرَتْ غُرَفِي وَإِسْتَبْرَقِي وَحَرِيرِي وَسُنْدُسِي، وَعَبْقَرِيَّ وَلُؤْلُؤِي وَمَرْجَانِي وَفِضَّتِي وَذَهَبِي، وَأَكْوَابِي وَصِحَافِي وَأَبَارِيقِي وَمَرَاكِبِي وَعَسَلِي وَمَائِي، وَلَبَنِي وَخَمْرِي. قَالَ: لَكِ كُلُّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٌ وَمُؤْمِنٌ وَمُؤْمِنَةٌ، وَمَنْ آمَنَ بِي وَبِرُسُلِي، وَعَمِلَ صَالِحًا، وَلَمْ يُشْرِكْ بِي، وَلَمْ يَتَّخِذْ مِنْ دُونِي أَنْدَادًا، وَمَنْ خَشِيَنِي فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْتُهُ، وَمَنْ أَقْرَضَنِي جَزَيْتُهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيَّ كَفَيْتُهُ، إِنِّي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لَا أُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَقَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، وَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. قَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ.
التاريخ 812لا حكم مسجّل
وَأَتَى عَلَى وَادٍ فَسَمِعَ صَوْتًا مُنْكَرًا وَوَجَدَ رِيحًا مُنْتِنَةً، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَذَا صَوْتُ جَهَنَّمَ تَقُولُ: يَا رَبِّ ايتِني بِمَا وَعَدْتَنِي، فَقَدْ كَثُرَتْ سَلَاسِلِي وَأَغْلَالِي وَسَعِيرِي وَحَمِيمِي وَضَرِيعِي وَغَسَّاقِي وَعَذَابِي، وَقَدْ بَعُدَ قَعْرِي وَاشْتَدَّ حَرِّي، فَأْتِنِي بِمَا وَعَدْتَنِي. فَقَالَ: لَكِ كُلُّ مُشْرِكٍ وَمُشْرِكَةٍ، وَكَافِرٍ وَكَافِرَةٍ، وَخَبِيثٍ وَخَبِيثَةٍ، وَكُلُّ جَبَّارٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ: قَالَتْ: قَدْ رَضِيتُ.
التاريخ 813لا حكم مسجّل
وَرَأَى الدَّجَّالَ فِي صُورَتِهِ رُؤْيَةَ عَيْنٍ لَا رُؤْيَا مَنَامٍ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ رَأَيْتَهُ؟ فَقَالَ: «رَأَيْتُهُ فَيْلَمَانِيًّا أَقْمَرَ هِجَانًا إِحْدَى عَيْنَيْهِ قَائِمَةٌ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، كَأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةٍ، أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ».
التاريخ 814لا حكم مسجّل
وَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ، إِذَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعِهَا وَعَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى. فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ أَنْظِرْنِي أَسْأَلْكَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: تِلْكَ الدُّنْيَا، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَجَبْتَهَا لَاخْتَارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ.
التاريخ 815لا حكم مسجّل
وَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ فَإِذَا هُوَ بِشَيْءٍ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ، يَقُولُ: هَلُمَّ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ، سِرْ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ هَذَا عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ، أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ.
التاريخ 816لا حكم مسجّل
ذِكْرُ الْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّيْبَانِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَوَّلِ بْنُ أَحْمَدَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَعْيَنَ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ مَالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِحَدِيثِ الْمِعْرَاجِ، قَالَ: "ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ الْيَزِيدِ، قُلْتُ لَهُ: حَدَّثَكُمْ مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ الْأَوْدِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "نَهْرَانِ مِنَ الْجَنَّةِ النِّيلُ وَالْفُرَاتُ " . أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَتْحِ ابْنُ أَبِي الْفَوَارِسِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: "فُجِّرَتْ أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ مِنَ الْجَنَّةِ: النِّيلُ، وَالْفُرَاتُ، وَسَيْحَانُ وَجَيْحَانُ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَنْزِلُ فِي الْفُرَاتِ كُلَّ يَوْمٍ مَثَاقِيلُ مِنْ بَرَكَةِ الْجَنَّةِ" . وَرَوَى أَبُو عُمَيْسٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: مَدَّ الْفُرَاتُ فَجَاءَ بِرِهَانُهُ مِثْلَ الْبَصِيرِ وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ أَنَّهَا مِنَ الْجَنَّةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ ثَابِتٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْوَاعِظُ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّعْرَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَدَنِيِّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَوْصَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَى دَانْيَالَ أَنِ احْفِرْ لِي سَيْبَيْنِ نَهْرَيْنِ بِالْعِرَاقِ، قَالَ دَانْيَالُ: إِلَهِي بِأَيِّ مَكَاتِلَ وَبِأَيِّ مِسَاحِيَ، وَبِأَيِّ رِجَالٍ وَبِأَيِّ قُوَّةٍ أَحْفِرُ لَكَ هَذَيْنِ النَّهْرَيْنِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ أَعِدَّ سَكَّةً مِنْ حَدِيدٍ وَاجْعَلْهَا فِي خَشَبَةٍ وَأَلْقِهَا خَلْفَ ظَهْرِكَ فَإِنِّي بَاعِثٌ إِلَيْكَ الْمَلَائِكَةَ يُعِينُونَكَ عَلَى حَفْرِ هَذَيْنِ السَّيْبَيْنِ. فَحَفَرَ، وَكَانَ إِذَا انْتَهَى إِلَى أَرْضِ أَرْمَلَةٍ أَوْ يَتِيمٍ حَادَ عَنْهَا حَتَّى حَفْرَ دِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَعْقُوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْرِ، قَالَ: قَالَ كَعْبٌ: نَهْرُ النِّيلِ نَهْرُ الْعَسَلِ فِي الْجَنَّةِ، وَنَهْرُ دِجْلَةَ نَهْرُ اللَّبَنِ فِي الْجَنَّةِ، وَنَهْرُ الْفُرَاتِ نَهْرُ الْخَمْرِ فِي الْجَنَّةِ، وَنَهْرُ سَيْحَانَ نَهْرُ الْمَاءِ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ: نُورُهُنَّ لِيُصَيِّرُهُنَّ إِلَى الْجَنَّةِ. أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ السُّلَمِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَابِقٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ مُقَابِلِ بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الْأَرْضِ خَمْسَةَ أَنْهَارٍ : سَيْحُونَ وَهُوَ نَهْرُ الْهِنْدِ، وَجَيْحُونَ وَهُوَ نَهْرُ بَلْخٍ، وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتَ وَهُمَا نَهْرَا الْعِرَاقِ، وَالنِّيلُ، وَهُوَ نَهْرُ مِصْرَ. أَنْزَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ وَاحِدَةٍ مِنْ عُيُونِ الْجَنَّةِ مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِهَا عَلَى جَنَاحَيْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَاسْتَوْدَعَهَا الْجِبَالَ وَأَجْرَاهَا فِي الْأَرْضِ، وَجَعَلَ فِيهَا مَنَافِعَ لِلنَّاسِ فِي أَصْنَافِ مَعَايِشِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ. فَإِذَا كَانَ عِنْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى جِبْرِيلَ فَرَفَعَ مِنَ الْأَرْضِ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ كُلَّهُ وَالْحَجَرَ مِنْ رُكْنِ الْبَيْتِ وَمَقَامَ إِبْرَاهِيمَ وَتَابُوتَ مُوسَى بِمَا فِيهِ. وَهَذِهِ الْأَنْهَارَ الْخَمْسَةَ، فَرَفَعَ كُلَ ذَلِكَ إِلَى السَّمَاءَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ . فَإِذَا رُفِعَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنَ الْأَرْضِ فُقِدَ خَيْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ آَخَرَ: "نَهْرَانِ مُؤْمِنَانِ وَنَهْرَانِ كَافِرَانِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ، وَأَمَّا الْكَافِرَانُ فَدِجْلَةُ وَنَهْرُ بَلْخٍ ". قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَالَ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ النِّيلَ وَالْفُرَاتَ يُعْرَضَانِ عَلَى الْأَرْضِ وَيَسْقِيَانِ بِلَا تَعَبٍ وَلَا مَئُونَةٍ، وَدِجْلَةُ وَنَهْرُ بِلْخٍ لَا يَسْقِيَانِ إِلَّا قَلِيلًا بِتَعَبٍ وَمَئُونَةٍ، فَهَذَانِ فِي قِلَّةِ النَّفْعِ كَالْكَافِرِينَ، وَهَذَانَ فِي كَثْرَةِ النَّفْعِ كَالْمُؤْمِنِينَ.
التاريخ 792لا حكم مسجّل
الْإِسْرَاءُ وَالْمِعْرَاجُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ الْإِسْرَاءِ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِي أَيِّ عَامٍ كَانَ وَفِي أَيِّ شَهْرٍ كَانَ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَعَنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. وَعَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ يَكُونُ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ يَكُونُ فِي شَهْرِ ذِي الْقَعْدَةِ. وَقَدْ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبُرَاقِ وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَحْمِلُ الْأَنْبِيَاءَ وَتَضَعُ حَافِرَهَا فِي مُنْتَهَى طَرَفِهَا فَجَاءَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّى فِيهِ بِالْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ وَجِيءَ إِلَيْهِ ﷺ بِلَبَنٍ وَخَمْرٍ وَمَاءٍ فَشَرِبَ اللَّبَنَ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "هُدِيتَ وَهُدِيَتْ أُمَّتُكَ". ثُمَّ صُعِدَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى السَّمَوَاتِ الْعُلَى مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَقَدْ وَصَفَ النَّبِيُّ ﷺ فِي كُلِّ سَمَاءٍ مَا وَجَدَ فِيهَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ حَتَّى بَلَغَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى. وَفِي رِحْلَةِ الْمِعْرَاجِ شُرِعَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ وَمَا زَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَطْلُبُ التَّخْفِيفَ حَتَّى صَارَتْ خَمْسًا فِي الْعَمَلِ وَخَمْسِينَ فِي الْأَجْرِ. وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي رِحْلَتِهِ الْعَدِيدَ مِنَ الْآيَاتِ وَالَّتِي مِنْ أَبْرَزِهَا: رُؤْيَةُ عُقُوبَةِ الزُّنَاةِ، وَعُقُوبَةِ النِّسَاءِ اللَّوَاتِي يُدْخِلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِنَّ، وَآكِلِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى، وَآكِلِي الرِّبَا، وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَعُقُوبَةِ الْمُتَثَاقِلِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَخُطَبَاءِ الْفِتْنَةِ، وَمَنْ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُ فِي أَعْرَاضِهِمْ وَمَنْ لَمْ يُؤَدِّ الْأَمَانَةَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ عُقُوبَاتِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ. وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ النَّارَ وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ فِيهَا لِلْكَافِرِينَ وَالْعُصَاةِ الظَّالِمِينَ. كَمَا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ الْجَنَّةَ وَزِينَتَهَا وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ فِيهَا لِلْمُؤْمِنِينَ، كَمَا رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا أَعَدَّهُ اللَّهُ مِنَ النَّعِيمِ لِمَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَوْنَ، وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الْإِيمَانِ. هَذَا وَقَدْ حَكَى النَّبِيُّ ﷺ مَا رَآهُ لِقُرَيْشٍ فِي رِحْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجُ فَكَذَّبُوهُ وَهَلَكَ فِي ذَلِكَ الْمَفْتُونُونَ وَثَبَتَ الْمُؤْمِنُونَ. وَمِمَّا تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَنَّ ثَمَّةَ نِقَاشًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ حَوْلَ هَلِ الْإِسْرَاءُ وَالْمِعْرَاجُ كَانَ بِالْجَسَدِ وَالرُّوحِ مَعًا أَمْ بِالرُّوحِ فَقَطْ وَهَلْ كَانَ حَقِيقَةً أَوْ مَنَامًا، وَهَلْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ، كَمَا بَحَثَ الْعُلَمَاءُ شُبَهَ مُنْكِرِي الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ وَقَامُوا بِالرَّدِّ عَلَيْهَا رَدًّا شَافِيًا وَافِيًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ.
التاريخ 793لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِي الْإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ عُرُوجِهِ مِنْ هُنَاكَ إِلَى السَّمَاوَاتِ، وَمَا رَأَى هُنَالِكَ مِنَ الْآيَاتِ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَحَادِيثَ الْإِسْرَاءِ فِي أَوَائِلِ الْبَعْثَةِ، وَأَمَّا ابْنُ إِسْحَاقَ فَذَكَرَهَا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ بِنَحْوٍ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أُسَرِي بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ. قَالَ: وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ. ثُمَّ رَوَى عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ أَنَّهُ قَالَ: فُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْخَمْسُ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ، قَبْلَ مُهَاجَرِهِ بِسِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا. فَعَلَى قَوْلِ السُّدِّيِّ يَكُونُ الْإِسْرَاءُ فِي شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ، وَعَلَى قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَعُرْوَةَ يَكُونُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مِينَا عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفِيلِ، يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِيَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَفِيهِ بُعِثَ، وَفِيهِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفِيهِ هَاجَرَ وَفِيهِ مَاتَ. فِيهِ انْقِطَاعٌ. وَقَدِ اخْتَارَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سُرُورٍ الْمَقْدِسِيُّ فِي " سِيرَتِهِ "، وَقَدْ أَوْرَدَ حَدِيثًا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ، ذَكَرْنَاهُ فِي " فَضَائِلِ شَهْرِ رَجَبٍ "، أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ لَيْلَةَ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ أَوَّلَ لَيْلَةِ جُمْعَةٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ، وَهِيَ لَيْلَةُ الرَّغَائِبِ الَّتِي أُحْدِثَتْ فِيهَا الصَّلَاةُ الْمَشْهُورَةُ، وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَنْشُدُ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ عُرِّجَ بِالنَّبِيِّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَوَّلَ رَجَبِ وَهَذَا الشِّعْرُ عَلَيْهِ رَكَاكَةٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهُ اسْتِشْهَادًا لِمَنْ يَقُولُ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ مُسْتَقْصَاةً، عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الْإِسْرَاءِ: 1 ] فَلْتُكْتَبْ مِنْ هُنَاكَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَسَانِيدِ وَالْعَزْوِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهَا، وَمَعَهَا، فَفِيهَا مَقْنَعٌ وَكِفَايَةٌ. وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. [ حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ ] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ؓ، وَاسْمُهَا هِنْدٌ، فِي مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي، نَامَ عِنْدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِي، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ نَامَ وَنِمْنَا، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبَّنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، قَالَ: يَا أُمَّ هَانِئٍ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمْ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، ثُمَّ قَدْ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمْ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَأَخَذْتُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ، فَتَكَشَّفَ عَنْ بَطْنِهِ كَأَنَّهُ قُبْطِيَّةٌ مَطْوِيَّةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا تُحَدِّثْ بِهَذَا النَّاسَ فَيُكَذِّبُوكَ وَيُؤْذُوكَ، قَالَ: وَاَللَّهِ لِأُحَدِّثَنَّهُمُوهُ. قَالَتْ: فَقُلْتُ لِجَارِيَةٍ لِي حَبَشِيَّةٍ: وَيْحَكَ اتْبَعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَسْمَعِي مَا يَقُولُ لِلنَّاسِ، وَمَا يَقُولُونَ لَهُ. ....
التاريخ 794لا حكم مسجّل
وَلْنَذْكُرْ مُلَخَّصَ كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْفُصُولِ: ثُمَّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ إِيلِيَاءَ، وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ، فِي قُرَيْشٍ وَفِي الْقَبَائِلِ كُلِّهَا، قَالَ: وَكَانَ مِنَ الْحَدِيثِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَعَائِشَةَ، وَمُعَاوِيَةَ وَأُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ؓ وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، كُلٌّ يُحَدِّثُ عَنْهُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ لِي مِنْ أَمْرِهِ وَكَانَ فِي مَسْرَاهُ ﷺ وَمَا ذُكِرَ لِي مِنْهُ بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ، وَأَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فِي قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَثَبَاتٌ لِمَنْ آمَنَ وَصَدَّقَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ عَلَى يَقِينٍ، فَأُسْرِيَ بِهِ كَيْفَ شَاءَ، وَكَمَا شَاءَ، لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ مَا أَرَادَ، حَتَّى عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِهِ، وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَقُدْرَتِهِ الَّتِي يَصْنَعُ بِهَا مَا يُرِيدُ، فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِيمَا بَلَغَنِي، يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبُرَاقِ، وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، تَضَعُ حَافِرَهَا فِي مُنْتَهَى طَرْفِهَا، فَحُمِلَ عَلَيْهَا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ صَاحِبُهُ، يَرَى الْآيَاتِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، قَدْ جُمِعُوا لَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ ; مِنْ لَبَنٍ، وَخَمْرٍ، وَمَاءٍ. فَذَكَرَ أَنَّهُ شَرِبَ إِنَاءَ اللَّبَنِ، " فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: هُدِيتَ وَهُدِيَتْ أُمَّتُكَ ". وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سِيَاقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مُرْسَلًا.، أَنَّ جِبْرِيلَ أَيْقَظَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَأَرْكَبَهُ الْبُرَاقَ ، وَهُوَ " دَابَّةٌ أَبْيَضُ، بَيْنَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، وَفِي فَخِذَيْهِ جَنَاحَانِ يَحْفِزُ بِهِمَا رِجْلَيْهِ، يَضَعُ حَافِرَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفِهِ، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعِي لَا يَفُوتُنِي وَلَا أَفُوتُهُ ". قُلْتُ: وَفِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ عَنْ قَتَادَةَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ رُكُوبَ الْبُرَاقِ، شَمَسَ بِهِ، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحِيَ يَا بُرَاقُ مِمَّا تَصْنَعُ ! فَوَاللَّهِ مَا رَكِبَكَ عَبْدٌ لِلَّهِ قَبِلَ مُحَمَّدٍ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ. قَالَ: فَاسْتَحَى حَتَّى ارْفَضَّ عَرَقًا، ثُمَّ قَرَّ حَتَّى رَكِبْتُهُ. قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَضَى مَعَهُ جِبْرِيلُ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى، فِي نَفَرٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِيَارَهُ إِنَاءَ ال?َّبَنِ عَلَى إِنَاءِ الْخَمْرِ ، وَقَوْلَ جِبْرِيلَ لَهُ: هُدِيتَ وَهُدِيَتْ أُمَّتُكَ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْخَمْرُ. أَنْكَرَ حُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ ؓ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَ عَلَيْكُمُ الصَّلَاةُ فِيهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ: وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، يَعْنِي مَنْ أَثْبَتَ الصَّلَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى مَنْ نَفَى ذَلِكَ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ. وَالْجَوَابُ عَمَّا اسْتَنَدَ إِلَيْهِ حُذَيْفَةُ ؓ مَنْعُ التَّلَازُمِ فِي الصَّلَاةِ إِنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفَرْضَ، وَإِنْ أُرِيدَ التَّشْرِيعُ فَيَلْتَزِمُهُ، وَقَدْ شَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَرَنَهُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَام وَمَسْجِدِهِ فِي شَدِّ الرَّاحِلَةِ وَذَكَرَ فَضِيلَةَ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ. تَظَافَرَتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ الْعُرُوجِ وَهُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ لِلْقَاضِي، وَقَالَ الْحَافِظُ: «إِنَّهُ الْأَظْهَرُ»، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِهِمْ بَعْدَ أَنْ هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ أَيْضًا فَهَبَطُوا. وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَقَالَ صَاحِبُ السِّرَاجِ: «وَمَا الْمَانِعُ مِنْ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى بِهِمْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ ذِكْرَ الصَّلَاةِ بِهِمْ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمِعْرَاجَ».
التاريخ 795لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ، وَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّ إِلَيْهِ مَيِّتُكُمْ عَيْنَيْهِ إِذَا حُضِرَ، فَأَصْعَدَنِي فِيهِ صَاحِبِي، حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، يُقَالُ لَهُ: بَابُ الْحَفَظَةِ. عَلَيْهِ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُ: إِسْمَاعِيلُ. تَحْتَ يَدِهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكَ ". قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودُ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ [ الْمُدَّثِّرِ: 31 ] ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ، وَهُوَ مُطَوَّلٌ جِدًّا، وَقَدْ سُقْنَاهُ بِإِسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ بِكَمَالِهِ فِي " التَّفْسِيرِ " وَتَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ مِنْ غَرَائِبِ الْأَحَادِيثِ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَكَذَا فِي سِيَاقِ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ ; فَإِنَّ الثَّابِتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ "، مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ مِنَ الْمَسْجِدِ مِنْ عِنْدِ الْحِجْرِ. وَفِي سِيَاقِهِ غَرَابَةٌ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ، قَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا هُنَاكَ، وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ. وَالْجَوَابُ أَنَّ مَجِيئَهُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، فَكَانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ، ثُمَّ جَاءَهُ الْمَلَائِكَةُ لَيْلَةً أُخْرَى وَلَمْ يَقُلْ فِي ذَلِكَ: وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ. بَلْ جَاءَهُ بَعْدَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَكَانَ الْإِسْرَاءُ قَطْعًا بَعْدَ الْإِيحَاءِ ; إِمَّا بِقَلِيلٍ كَمَا زَعَمَهُ طَائِفَةٌ، أَوْ بِكَثِيرٍ نَحْوٍ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ، كَمَا زَعَمَهُ آخَرُونَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَغُسِلَ صَدْرُهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ غَسْلًا ثَانِيًا، أَوْ ثَالِثًا، عَلَى قَوْلٍ ; لِأَنَّهُ مَطْلُوبٌ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَالْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ. ثُمَّ رَكِبَ الْبُرَاقَ رِفْعَةً لَهُ وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا، فَلَمَّا جَاءَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ رَبَطَهُ بِالْحَلَقَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّى فِي قِبْلَتِهِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ. وَأَنْكَرَ حُذَيْفَةُ ؓ دُخُولَهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَبْطَهُ الدَّابَّةَ وَصَلَاتَهُ فِيهِ. وَهَذَا غَرِيبٌ، وَالنَّصُّ الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي اجْتِمَاعِهِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَصَلَاتِهِ بِهِمْ ; أَكَانَ قَبْلَ عُرُوجِهِ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ، أَوْ بَعْدَ نُزُولِهِ مِنْهَا. كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ بَعْضُ السِّيَاقَاتِ، وَهُوَ أَنْسَبُ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: إِنَّ صَلَاتَهُ بِالْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ فِي السَّمَاءِ. وَهَكَذَا تَخَيُّرُهُ مِنَ الْآنِيَةِ اللَّبَنِ وَالْخَمْرِ وَالْمَاءِ ; هَلْ كَانَتْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ فِي السَّمَاءِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ نُصِبَ لَهُ الْمِعْرَاجُ، وَهُوَ السُّلَّمُ، فَصَعِدَ فِيهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَلَمْ يَكُنِ الصُّعُودُ عَلَى الْبُرَاقِ، كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ النَّاسِ، بَلْ كَانَ الْبُرَاقُ مَرْبُوطًا عَلَى بَابِ مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ; لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَعِدَ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ فِي الْمِعْرَاجِ حَتَّى جَاوَزَ السَّابِعَةَ، وَكُلَّمَا جَاءَ سَمَاءً، تَلَقَّتْهُ مِنْهَا مُقَرَّبُوهَا، وَمَنْ فِيهَا مِنْ أَكَابِرِ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ، وَذَكَرَ أَعْيَانَ مَنْ رَآهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ; كَآدَمَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَيَحْيَى وَعِيسَى فِي الثَّانِيَةِ، وَإِدْرِيسَ فِي الرَّابِعَةِ، وَمُوسَى فِي السَّادِسَةِ، عَلَى الصَّحِيحِ، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّابِعَةِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ الَّذِي يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يَتَعَبَّدُونَ فِيهِ صَلَاةً وَطَوَافًا، ثُمَّ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ جَاوَزَ مَرَاتِبَهُمْ كُلَّهُمْ، حَتَّى ظَهَرَ لِمُسْتَوًى يَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، وَرُفِعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَنَبْقُهَا كَقِلَالِ هَجَرَ، وَغَشِيَهَا عِنْدَ ذَلِكَ أُمُورٌ عَظِيمَةٌ ; أَلْوَانٌ مُتَعَدِّدَةٌ بَاهِرَةٌ، وَرَكِبَتْهَا الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ الْغِرْبَانِ عَلَى الشَّجَرِ كَثْرَةً، وَفَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ، وَغَشِيَهَا مِنْ نُورِ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَرَأَى هُنَاكَ جِبْرِيلَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ كُلِّ جَنَاحَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [ النَّجْمِ: 13 - 17 ] أَيْ: مَا زَاغَ يَمِينًا وَلَا شِمَالًا، وَلَا ارْتَفَعَ عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي حُدَّ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الثَّبَاتُ الْعَظِيمُ، وَالْأَدَبُ الْكَرِيمُ، وَهَذِهِ الرُّؤْيَا الثَّانِيَةُ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو ذَرٍّ وَعَائِشَةُ، ؓ أَجْمَعِينَ. وَالْأُولَى هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى [ النَّجْمِ: 5 - 10 ] وَكَانَ ذَلِكَ بِالْأَبْطَحِ تَدَلَّى جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي " التَّفْسِيرِ " كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ ؓ. فَأَمَّا قَوْلُ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ: ثُمَّ دَنَا الْجَبَّارُ رَبُّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى. فَقَدْ يَكُونُ مِنْ فَهْمِ الرَّاوِي فَأَقْحَمَهُ فِي الْحَدِيثِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، فَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ لِلْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، بَلْ هُوَ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، عَلَى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى أُمَّتِهِ الصَّلَوَاتِ لَيْلَتَئِذٍ، خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ بَيْنَ مُوسَى وَبَيْنَ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ. حَتَّى وَضَعَهَا الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ، وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، إِلَى خَمْسٍ. وَقَالَ: " هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ: الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ". فَحَصَلَ لَهُ التَّكْلِيمُ مِنَ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ لَيْلَتَئِذٍ، وَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ كَالْمُطْبِقِينَ عَلَى هَذَا، وَاخْتَلَفُوا فِي الرُّؤْيَةِ ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَائِفَةٌ، وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ الرُّؤْيَةَ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّقْيِيدِ. وَمِمَّنْ أَطْلَقَ الرُّؤْيَةَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ؓ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِالرُّؤْيَةِ بِالْعَيْنَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَبَالَغَ فِيهِ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ آخَرُونَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَمِمَّنْ نَصَّ عَلَى الرُّؤْيَةِ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ: الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ عَنْهُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ فِي " فَتَاوِيهِ ". وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ ; لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ: " نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ " وَفِي رِوَايَةٍ: " رَأَيْتُ نُورًا ". قَالُوا: وَلَمْ يُمْكِنْ رُؤْيَةُ الْبَاقِي بِالْعَيْنِ الْفَانِيَةِ، وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى فِيمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ: يَا مُوسَى، إِنَّهُ لَا يَرَانِي حَيٌّ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ. وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَشْهُورٌ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 817لا حكم مسجّل
ثُمَّ هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ هَبَطُوا مَعَهُ تَكْرِيمًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْعَظِيمَةِ، كَمَا هِيَ عَادَةُ الْوَافِدِينَ ; لَا يَجْتَمِعُونَ بِأَحَدٍ قَبْلَ الَّذِي طُلِبُوا إِلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ كُلَّمَا مَرَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، يَقُولُ لَهُ جِبْرِيلُ عِنْدَ مَقْدَمِ ذَاكَ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ: هَذَا فُلَانٌ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَلَوْ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ بِهِمْ قَبْلَ صُعُودِهِ، لَمَا احْتَاجَ إِلَى تَعَرُّفٍ بِهِمْ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُ قَالَ: " فَلَمَّا حَانَتِ الصَّلَاةُ أَمَمْتُهُمْ ". وَلَمْ يَحِنْ وَقْتٌ إِذْ ذَاكَ إِلَّا صَلَاةُ الْفَجْرِ فَتَقَدَّمَهُمْ إِمَامًا بِهِمْ عَنْ أَمْرِ جِبْرِيلَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَاسْتَفَادَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا، أَنَّ الْإِمَامَ الْأَعْظَمَ يُقَدَّمُ فِي الْإِمَامَةِ عَلَى رَبِّ الْمَنْزِلِ ; حَيْثُ كَانَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مَحَلَّتَهُمْ وَدَارَ إِقَامَتِهِمْ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ فَرَكِبَ الْبُرَاقَ. وَعَادَ إِلَى مَكَّةَ فَأَصْبَحَ بِهَا، وَهُوَ فِي غَايَةِ الثَّبَاتِ وَالسَّكِينَةِ وَالْوَقَارِ، وَقَدْ عَايَنَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأُمُورِ الَّتِي لَوْ رَآهَا أَوْ بَعْضَهَا غَيْرُهُ، لَأَصْبَحَ مُنْدَهِشًا أَوْ طَائِشَ الْعَقْلِ، وَلَكِنَّهُ ﷺ أَصْبَحَ وَاجِمًا، أَيْ سَاكِنًا، يَخْشَى إِنْ بَدَأَ فَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِمَا رَأَى، أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى تَكْذِيبِهِ، فَتَلْطَّفَ بِإِخْبَارِهِمْ أَوَّلًا بِأَنَّهُ جَاءَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهُوَ جَالِسٌ وَاجِمٌ، فَقَالَ لَهُ: هَلْ مِنْ خَبَرٍ ؟ فَقَالَ: " نَعَمْ ". فَقَالَ: وَمَا هُوَ ؟ فَقَالَ: " إِنِّي أُسْرِيَ بِي اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ". قَالَ: إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ؟ ! قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ لَكَ لِتُخْبِرَهُمْ، أَتُخْبِرُهُمْ بِمَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". فَأَرَادَ أَبُو جَهْلٍ جَمْعَ قُرَيْشٍ لِيَسْمَعُوا مِنْهُ ذَلِكَ، وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمْعَهُمْ لِيُخْبِرَهُمْ ذَلِكَ وَيُبَلِّغَهُمْ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَيَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ . فَاجْتَمَعُوا مِنْ أَنْدِيَتِهِمْ، فَقَالَ: أَخْبِرْ قَوْمَكَ بِمَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ. فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، وَأَنَّهُ جَاءَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَصَلَّى فِيهِ، فَمِنْ بَيْنِ مُصَفِّقٍ، وَبَيْنَ مُصَفِّرٍ، تَكْذِيبًا لَهُ وَاسْتِبْعَادًا لِخَبَرِهِ، وَطَارَ الْخَبَرُ بِمَكَّةَ، وَجَاءَ النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ؓ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ. فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَيَقُولُهُ. فَقَالَ: إِنْ كَانَ قَالَهُ فَلَقَدْ صَدَقَ. ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَحَوْلَهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ، فَاسْتَعْلَمَهُ عَنْ صِفَاتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ; لِيَسْمَعَ الْمُشْرِكُونَ وَيَعْلَمُوا صِدْقَهُ فِيمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ. وَفِي " الصَّحِيحِ " أَنَّ الْمُشْرِكِينَ هُمُ الَّذِينَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: " فَجَعَلْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، فَالْتَبَسَ عَلَيَّ بَعْضَ الشَّيْءِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، حَتَّى جَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ وَأَنْعَتُهُ لَهُمْ ". فَقَالُوا: أَمَّا الصِّفَةُ فَقَدْ أَصَابَ. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِخْبَارِهِ لَهُمْ بِمُرُورِهِ بِعِيرِهِمْ، وَمَا كَانَ مِنْ شُرْبِهِ مَاءَهُمْ. فَأَقَامَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، وَاسْتَنَارَتْ لَهُمُ الْمَحَجَّةُ، فَآمَنَ مَنْ آمَنَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ رَبِّهِ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [ الْإِسْرَاءِ: 60 ] أَيِ ; اخْتِبَارًا لَهُمْ وَامْتِحَانًا. [سيرة] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، مِنْ أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ظَاهِرُ السِّيَاقَاتِ مِنْ رُكُوبِهِ وَصُعُودِهِ فِي الْمِعْرَاجِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى [ الْإِسْرَاءِ: 1 ] وَالتَّسْبِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْآيَاتِ الْعَظِيمَةِ الْخَارِقَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَالْعَبْدُ عِبَارَةٌ عَنْهُمَا، وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمَا بَادَرَ كَفَّارُ قُرَيْشٍ إِلَى التَّكْذِيبِ بِهِ وَالِاسْتِبْعَادِ لَهُ، إِذْ لَيْسَ فِي ذَلِكَ كَبِيرُ أَمْرٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ بِأَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا. وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ: " ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ فَإِذَا أَنَا فِي الْحِجْرِ ". مَعْدُودٌ فِي غَلَطَاتِ شَرِيكٍ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ يُسَمَّى يَقَظَةً، كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ؓ، حِينَ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ فَكَذَّبُوهُ. قَالَ " فَرَجَعْتُ مَهْمُومًا، فَلَمِ اسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ ". وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَيْدٍ حِينَ جَاءَ بِابْنِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاشْتَغَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْحَدِيثِ مَعَ النَّاسِ، فَرَفَعَ أَبُو أُسَيْدٍ ابْنَهُ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَجِدِ الصَّبِيَّ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: رُفِعَ. فَسَمَّاهُ الْمُنْذِرَ وَهَذَا الْحَمْلُ أَحْسَنُ مِنَ التَّغْلِيطِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ حَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ فَقَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَسْرَى بِرُوحِهِ قَالَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَتْ رُؤْيَا مِنَ اللَّهِ صَادِقَةً. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا ; لِقَوْلِ الْحَسَنِ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، وَكَمَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ [ الصَّافَّاتِ: 102 ] وَفِي الْحَدِيثِ: تَنَامُ عَيْنِي وَقَلْبِي يَقْظَانُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ، وَعَايَنَ فِيهِ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى أَيِّ حَالَيْهِ كَانَ، نَائِمًا أَوْ يَقْظَانَ، كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ. قُلْتُ: وَقَدْ تَوَقَّفَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ، وَجَوَّزَ كُلًّا مِنَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، وَلَكِنَّ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ وَلَا يُتَمَارَى، أَنَّهُ كَانَ يَقْظَانَ لَا مَحَالَةَ ; لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ مُقْتَضَى كَلَامِ عَائِشَةَ ؓ أَنَّ جَسَدَهُ ﷺ مَا فُقِدَ، وَإِنَّمَا كَانَ الْإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنَامًا كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بَلْ قَدْ يَكُونُ وَقَعَ الْإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ حَقِيقَةً، وَهُوَ يَقْظَانُ لَا نَائِمٌ، وَرَكِبَ الْبُرَاقَ، وَجَاءَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَصَعِدَ السَّمَاوَاتِ، وَعَايَنَ مَا عَايَنَ، حَقِيقَةً وَيَقَظَةً لَا مَنَامًا، لَعَلَّ هَذَا مُرَادُ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ؓ، وَمُرَادُ مَنْ تَابَعَهَا عَلَى ذَلِكَ، لَا مَا فَهِمَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ الْمَنَامَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. تَنْبِيهٌ: وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ وُقُوعَ مَنَامٍ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ، طِبْقَ مَا وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ ﷺ كَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ بَدْءِ الْوَحْيِ، أَنَّهُ رَأَى مِثْلَ مَا وَقَعَ لَهُ يَقَظَةً، مَنَامًا قَبْلَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْإِرْهَاصِ وَالتَّوْطِئَةِ وَالتَّثْبِيتِ وَالْإِينَاسِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ هَلْ كَانَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ كُلٌّ فِي لَيْلَةٍ عَلَى حِدَةٍ ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْإِسْرَاءَ فِي الْيَقَظَةِ، وَالْمِعْرَاجَ فِي الْمَنَامِ. وَقَدْ حَكَى الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ فِي " شَرْحِهِ الْبُخَارِيَّ " عَنْ طَائِفَةٍ، أَنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْإِسْرَاءَ مَرَّتَانِ، مَرَّةٌ بِرُوحِهِ مَنَامًا، وَمَرَّةٌ بِبَدَنِهِ وَرُوحِهِ يَقَظَةً. وَقَدْ حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ الْفَقِيهِ الْمَالِكِيِّ. وَهَذَا الْقَوْلُ يَجْمَعُ الْأَحَادِيثَ ; فَإِنَّ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ: وَذَلِكَ فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ، وَتَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: " ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ، فَإِذَا أَنَا فِي الْحِجْرِ ". وَهَذَا مَنَامٌ، وَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى الْيَقَظَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَدَّعِي تَعَدُّدَ الْإِسْرَاءِ فِي الْيَقَظَةِ أَيْضًا، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهَا أَرْبَعُ إِسْرَاءَاتٍ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ بَعْضَهَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ. وَقَدْ حَاوَلَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ اخْتِلَافِ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَاتِ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ بِالْجَمْعِ بِالتَّعَدُّدِ، فَجَعَلَ ثَلَاثَ إِسْرَاءَاتٍ، مَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَطْ عَلَى الْبُرَاقِ، وَمَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاوَاتِ عَلَى الْبُرَاقِ أَيْضًا، لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَمَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ إِلَى السَّمَاوَاتِ. فَنَقُولُ: إِنْ كَانَ إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذِهِ الثَّلَاثِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ صِفَاتٍ، وَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوفَ عَلَى ذَلِكَ، فَلْيَنْظُرْ فِيمَا جَمَعْنَاهُ مُسْتَقْصًى فِي كِتَابِنَا " التَّفْسِيرِ " عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا، وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا حَمَلَهُ، أَنَّ التَّقْسِيمَ انْحَصَرَ فِي ثَلَاثِ صِفَاتٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَى السَّمَاوَاتِ، فَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْحَصْرِ الْعَقْلِيِّ الْوُقُوعُ كَذَلِكَ فِي الْخَارِجِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْعَجَبُ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ، ذَكَرَ الْإِسْرَاءَ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَوْتَ أَبِي طَالِبٍ فَوَافَقَ ابْنَ إِسْحَاقَ فِي ذِكْرِهِ الْمِعْرَاجَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ، وَخَالَفَهُ فِي ذِكْرِهِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ أَخَّرَ ذِكْرَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الْإِسْرَاءِ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ فَرَّقَ بَيْنَ الْإِسْرَاءِ وَبَيْنَ الْمِعْرَاجِ، فَبَوَّبَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بَابًا عَلَى حِدَةٍ، فَقَالَ: بَابُ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ، كُنْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ ". وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ بِهِ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ: حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ قَالَ: " بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ وَرُبَّمَا قَالَ: فِي الْحِجْرِ مُضْطَجِعًا إِذْ أَتَانِي آتٍ فَقَدَّ قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ ". فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِي مَا يَعْنِي بِهِ ؟ قَالَ: مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ. وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مِنْ قَصِّهِ إِلَى شِعْرَتِهِ. " فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إِيمَانًا ، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ، وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ ". فَقَالَ لَهُ الْجَارُودُ: وَهُوَ الْبُرَاقُ يَا أَبَا حَمْزَةَ ؟ قَالَ أَنَسٌ: نَعَمْ. يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ، فَانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ. فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: " مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ " ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفَتَحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ، إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ، قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا. فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَفَتَحَ فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قَالَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ قَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. فَلَمَّا تَجَاوَزْتُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ: أَبْكِي ; لِأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ رُفِعَتْ لِي سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ. ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَوَاتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ ؟ قَالَ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ. فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَ أُمِرْتَ ؟ فَقُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ. قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَانِي مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي ". هَكَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ هَاهُنَا، وَقَدْ رَوَاهُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ مِنْ " صَحِيحِهِ " وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ. وَرُوِّينَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَمِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُسْتَقْصًى بِطُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ فِي التَّفْسِيرِ. وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذَا السِّيَاقِ ذِكْرُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَانَ بَعْضُ الرُّوَاةِ يَحْذِفُ بَعْضَ الْخَبَرِ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَوْ يَنْسَاهُ أَوْ يَذْكُرُ مَا هُوَ الْأَهَمُّ عِنْدَهُ، أَوْ يَبْسُطُ تَارَةً فَيَسُوقُهُ كُلَّهُ، وَتَارَةً يُحَدِّثُ مُخَاطِبَهُ بِمَا هُوَ الْأَنْفَعُ لَهُ. وَمَنْ جَعَلَ كُلَّ رِوَايَةٍ إِسْرَاءً عَلَى حِدَةٍ - كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِهِمْ - فَقَدْ أَبْعَدَ جِدًّا ; وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ السِّيَاقَاتِ فِيهَا السَّلَامُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا تَعْرِيفُهُ بِهِمْ. وَفِي كُلِّهَا يُفْرَضُ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يُدَّعَى تَعَدُّدُ ذَلِكَ ؟ هَذَا فِي غَايَةِ الْبُعْدِ وَالِاسْتِحَالَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ قَالَ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ، أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالَ: هِيَ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. فَصْلٌ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي قَوْمِهِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى، فَاشْتَدَّ تَكْذِيبُهُمْ لَهُ، وَأَذَاهُمْ وَضَرَاوَتُهُمْ عَلَيْهِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَجَلَّاهُ اللَّهُ لَهُ حَتَّى عَايَنَهُ، فَطَفِقَ يُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ شَيْئًا. وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ عِيرِهِمْ فِي مَسْرَاهُ وَرُجُوعِهِ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ وَقْتِ قُدُومِهَا، وَأَخْبَرَهُمْ عَنِ الْبَعِيرِ الَّذِي يَقْدُمُهَا، وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ، فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا نُفُورًا، وَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا.
التاريخ 818لا حكم مسجّل
[ وَصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَفَ لِأَصْحَابِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى حِينَ رَآهُمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ: أَمَّا إبْرَاهِيمُ، فَلَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ ( قَطُّ ) بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ أَقْنَى كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَأَمَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَرَجُلٌ أَحْمَرُ، بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، سَبْطُ الشَّعَرِ، كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ، كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ، تَخَالُ رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً، وَلَيْسَ بِهِ مَاءٌ، أَشْبَهُ رِجَالِكُمْ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ. وَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ إِذْ لَقِيَهُ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَوَّلُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا آخِرُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَاشِرُ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: ارْدُدِ السَّلَامَ، فَرَدَّ، ثُمَّ لَقِيَهُ الثَّانِيَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَقِيَهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ. فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: إِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى. وَمَرَّ عَلَى مُوسَى وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ الْكَثِيبُ الْأَحْمَرُ، رَجُلٌ طُوَالٌ سَبْطٌ آدَمُ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَهُوَ يَقُولُ يَرْفَعُ صَوْتَهُ: أَكْرَمْتَهُ وَفَضَّلْتَهُ، فَدُفِعَ إِلَيْهِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَقَالَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ فَقَالَ: هَذَا أَحْمَدُ، فَقُلْ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الَّذِي نَصَحَ لِأُمَّتِهِ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ وَقَالَ: سَلْ لِأُمَّتِكَ الْيُسْرَ. فَسَارُوا فَقَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، قَالَ: وَمَنْ يُعَاتِبُ؟ قَالَ: يُعَاتِبُ رَبَّهُ. قَالَ: أَوَيَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَى رَبِّهِ؟ قَالَ جِبْرِيلُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَرَفَ لَهُ حِدَّتَهُ ثُمَّ مَرَّ بِرَجُلٍ قَائِمٍ يُصَلِّي قَالَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا أَخُوكَ مُحَمَّدٌ، فَرَحَّبَ بِهِ وَدَعَا لَهُ بِبَرَكَةٍ فَقَالَ: سَلْ لِأُمَّتِكَ الْيُسْرَ، فَقَالَ مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَذَا أَخُوكَ عِيسَى. وَمَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ كَانَ ثَمَرُهَا السَّرْحَ، تَحْتَهَا شَيْخٌ وَعِيَالُهُ، فَرَأَى مَصَابِيحَ وَضَوْءًا. فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ. فَسَلِّمْ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ. وَقَالَ: مَنْ هَذَا مَعَكَ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ أَحْمَدُ. فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الْعَرَبِيِّ الَّذِي بَلَّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ لِأُمَّتِهِ، يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَاقٍ رَبَّكَ اللَّيْلَةَ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَضْعَفُهَا، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ حَاجَتُكَ أَوْ جُلُّهَا فِي أُمَّتِكَ فَافْعَلْ.
التاريخ 819لا حكم مسجّل
وَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً. فَرَجَعَ حَتَّى مَرَّ عَلَى مُوسَى فَقَالَ لَهُ: بِمَ أُمِرْتَ ؟ قَالَ: بِخَمْسِينَ صَلَاةً، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَالْتَفَتَ إِلَى جِبْرِيلَ كَأَنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ، فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَعَلَا بِهِ جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى بِهِ الْجَبَّارَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَهُوَ فِي مَكَانِهِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي بَعْضِ الطُّرُقِ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ أَنْزَلَ حَتَى مَرَّ بِمُوسَى فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ مُوسَى وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حَتَى جَعَلَهَا خَمْسًا، فَأَمَرَهُ مُوسَى بِالرُّجُوعِ وَسُؤَالِ التَّخْفِيفِ، فَقَالَ: قَدِ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلِّمُ، فَلَمَّا بَعُدَ نَادَى مُنَادٍ: قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي. فَصْلٌ وَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ صَبِيحَةِ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، جَاءَهُ جِبْرِيلُ عِنْدَ الزَّوَالِ، فَبَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ وَأَوْقَاتَهَا، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ فَاجْتَمَعُوا، وَصَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَى الْغَدِ، وَالْمُسْلِمُونَ يَأْتَمُّونَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَقْتَدِي بِجِبْرِيلَ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ، أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَبَيَّنَ لَهُ الْوَقْتَيْنِ، فَهُمَا الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ، وَمَا بَيْنَهُمَا الْوَقْتُ الْمُوَسَّعُ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَوْسِعَةً فِي وَقْتِ الْمَغْرِبِ. وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى وَبُرَيْدَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَكُلُّهَا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " وَمَوْضِعُ بَسْطِ ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا الْأَحْكَامِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَأَمَّا مَا ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ " مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ. وَكَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْهَا. وَهَذَا مُشْكِلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، وَكَذَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ النِّسَاءِ: 101 ]. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: وَقَدْ ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ إِلَى أَنَّ صَلَاةَ الْحَضَرِ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ أَرْبَعًا، كَمَا ذَكَرَهُ مُرْسَلًا مِنْ صِلَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا، وَالْمَغْرِبَ ثَلَاثًا، يَجْهَرُ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَالْعِشَاءَ أَرْبَعًا يَجْهَرُ فِي الْأُولَيَيْنِ، وَالصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ يَجْهَرُ فِيهِمَا. قُلْتُ: فَلَعَلَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ تَكُونُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لَمَّا فُرِضَتِ الْخَمْسُ فُرِضَتْ حَضَرًا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَرُخِّصَ فِي السَّفَرِ أَنَّ يُصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، كَمَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَعَلَى هَذَا لَا يَبْقَى إِشْكَالٌ بِالْكُلِّيَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 820لا حكم مسجّل
فِصَلٌ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عائشة ومعاوية أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّمَا كَانَ الْإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ، وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ، وعائشة ومعاوية لَمْ يَقُولَا: كَانَ مَنَامًا، وَإِنَّمَا قَالَا: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ، وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ فِي الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ، فَيَرَى كَأَنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ وَأَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ وَلَمْ تَذْهَبْ، وَإِنَّمَا مَلَكُ الرُّؤْيَا ضَرَبَ لَهُ الْمِثَالَ، وَالَّذِينَ قَالُوا: عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَائِفَتَانِ: طَائِفَةٌ قَالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَفْقِدْ بَدَنَهُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُرِيدُوا أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ مَنَامًا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ الرُّوحَ ذَاتَهَا أُسْرِيَ بِهَا وَعُرِجَ بِهَا حَقِيقَةً، وَبَاشَرَتْ مِنْ جِنْسِ مَا تُبَاشِرُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ، وَكَانَ حَالُهَا فِي ذَلِكَ كَحَالِهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فِي صُعُودِهَا إِلَى السَّمَاوَاتِ سَمَاءً سَمَاءً حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَتَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَأْمُرُ فِيهَا بِمَا يَشَاءُ، ثُمَّ تَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَالَّذِي كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَكْمَلُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلرُّوحِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ فَوْقَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَقَامِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ حَتَّى شُقَّ بَطْنُهُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَتَأَلَّمُ بِذَلِكَ عُرِجَ بِذَاتِ رُوحِهِ الْمُقَدَّسَةِ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ إِمَاتَةٍ، وَمَنْ سِوَاهُ لَا يَنَالُ بِذَاتِ رُوحِهِ الصُّعُودَ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمُفَارَقَةِ، فَالْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا اسْتَقَرَّتْ أَرْوَاحُهُمْ هُنَاكَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَبْدَانِ، وَرُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَعِدَتْ إِلَى هُنَاكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ثُمَّ عَادَتْ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مَعَ أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمَعَ هَذَا فَلَهَا إِشْرَافٌ عَلَى الْبَدَنِ وَإِشْرَاقٌ وَتَعَلُّقٌ بِهِ، بِحَيْثُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا التَّعَلُّقِ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَرَآهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَجْ بِمُوسَى مِنْ قَبْرِهِ، ثُمَّ رُدَّ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَقَامُ رُوحِهِ وَاسْتِقْرَارِهَا، وَقَبْرُهُ مَقَامُ بَدَنِهِ وَاسْتِقْرَارُهُ إِلَى يَوْمِ مَعَادِ الْأَرْوَاحِ إِلَى أَجْسَادِهَا، فَرَآهُ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَرَآهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، كَمَا أَنَّهُ ﷺ فِي أَرْفَعِ مَكَانٍ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مُسْتَقَرًّا هُنَاكَ، وَبَدَنُهُ فِي ضَرِيحِهِ غَيْرُ مَفْقُودٍ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ الْمُسَلِّمُ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَلَمْ يُفَارِقِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَمَنْ كَثُفَ إِدْرَاكُهُ وَغَلُظَتْ طِبَاعُهُ عَنْ إِدْرَاكِ هَذَا فَلْيُنْظَرْ إِلَى الشَّمْسِ فِي عُلُوِّ مَحِلِّهَا، وَتَعَلُّقِهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَرْضِ، وَحَيَاةِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ بِهَا، هَذَا وَشَأْنُ الرُّوحِ فَوْقَ هَذَا فَلَهَا شَأْنٌ، وَلِلْأَبْدَانِ شَأْنٌ، وَهَذِهِ النَّارُ تَكُونُ فِي مَحِلِّهَا وَحَرَارَتُهَا تُؤَثِّرُ فِي الْجِسْمِ الْبَعِيدِ عَنْهَا، مَعَ أَنَّ الِارْتِبَاطَ وَالتَّعَلُّقَ الَّذِي بَيْنَ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ أَقْوَى وَأَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ وَأَتَمُّ، فَشَأْنُ الرُّوحِ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَأَلْطَفُ. فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ إِيَّاكِ أَنْ تَرَيْ سَنَا الشَّمْسِ فَاسْتَغْشِي ظَلَامَ اللَّيَالِيَا فَصْلٌ قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: عُرِجَ بِرُوحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: كَانَ بَيْنَ الْإِسْرَاءِ وَالْهِجْرَةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ انْتَهَى. وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً يَقَظَةً، وَمَرَّةً مَنَامًا، وَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ حَدِيثِ شريك، وَقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ، وَبَيْنَ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ كَانَ هَذَا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً قَبْلَ الْوَحْيِ؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ شريك: " وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ "، وَمَرَّةً بَعْدَ الْوَحْيِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ: مَرَّةً قَبْلَ الْوَحْيِ، وَمَرَّتَيْنِ بَعْدَهُ، وَكُلُّ هَذَا خَبْطٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ الَّذِينَ إِذَا رَأَوْا فِي الْقِصَّةِ لَفْظَةً تُخَالِفُ سِيَاقَ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جَعَلُوهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَكُلَّمَا اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الرِّوَايَاتُ عَدَّدُوا الْوَقَائِعَ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْلِ أَنَّ الْإِسْرَاءِ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ. وَيَا عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ مِرَارًا، كَيْفَ سَاغَ لَهُمْ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُفْرَضُ عَلَيْهِ الصّلَاةُ خَمْسِينَ، ثُمَّ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ رَبِّهِ وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى تَصِيرَ خَمْسًا، ثُمَّ يَقُولُ: " أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي "، ثُمَّ يُعِيدُهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إِلَى خَمْسِينَ، ثُمَّ يَحُطُّهَا عَشْرًا عَشْرًا، وَقَدْ غَلَّطَ الْحُفُّاظُ شريكا فِي أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، ومسلم أَوْرَدَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ، وَلَمْ يَسْرُدِ الْحَدِيثَ، فَأَجَادَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
التاريخ 821لا حكم مسجّل
وَاخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ: هَلْ رَأَى رَبَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَمْ لَا ؟ فَصَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ، وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: ( رَآهُ بِفُؤَادِهِ ). وَصَحَّ عَنْ عائشة وَابْنِ مَسْعُودٍ إِنْكَارُ ذَلِكَ، وَقَالَا: إِنَّ قَوْلَهُ: ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ) [ النَّجْمِ: 13 ] إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ. وَصَحَّ عَنْ ( أبي ذر أَنَّهُ سَأَلَهُ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ فَقَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ )، أَيْ: حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النُّورُ، كَمَا قَالَ فِي لَفْظٍ آخَرَ: ( رَأَيْتُ نُورًا ). وَقَدْ حَكَى عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ اتّفَاقَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابن تيمية قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: " إِنَّهُ رَآهُ " مُنَاقِضًا لِهَذَا، وَلَا قَوْلُهُ: ( رَآهُ بِفُؤَادِهِ )، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " رَأَيْتُ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الْإِسْرَاءِ، وَلَكِنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ لَمَّا احْتُبِسَ عَنْهُمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي مَنَامِهِ، وَعَلَى هَذَا بَنَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَالَ: نَعَمْ رَآهُ حَقًّا، فَإِنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ وَلَا بُدَّ، وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ يَقَظَةً، وَمَنْ حَكَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قَالَ مَرَّةً: رَآهُ، وَمَرَّةً قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، فَحُكِيَتْ عَنْهُ رِوَايَتَانِ، وَحُكِيَتْ عَنْهُ الثَّالِثَةُ مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ: أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ، وَهَذِهِ نُصُوصُ أحمد مَوْجُودَةٌ، لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ. وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ( مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى ) [ النِّجْمِ: 11 ] ثُمَّ قَالَ: ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى ) [ النَّجْمِ: 13 ] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَنَدُهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﷺ أَنَّ هَذَا الْمَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ: ( رَآهُ بِفُؤَادِهِ )، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ( ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) [ النَّجْمِ: 8 ] فَهُوَ غَيْرُ الدُّنُوِّ وَالتَّدَلِّي فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، فَإِنَّ الَّذِي فِي ( سُورَةِ النَّجْمِ ) هُوَ دُنُوُّ جِبْرِيلَ وَتَدَلِّيهِ، كَمَا قَالَتْ عائشة وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ) [ النَّجْمِ: 5 ] وَهُوَ جِبْرِيلُ: ( ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى ) [ النَّجْمِ: 6 - 8 ] فَالضَّمَائِرُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى هَذَا الْمُعَلِّمِ الشَّدِيدِ الْقُوَى، وَهُوَ ذُو الْمِرَّةِ، أَيْ: الْقُوَّةُ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَوَى بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، وَهُوَ الَّذِي دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَمَّا الدُّنُوُّ وَالتَّدَلِّي الَّذِي فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ دُنُوُّ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَدَلِّيهِ، وَلَا تَعَرُّضَ فِي ( سُورَةِ النَّجْمِ ) لِذَلِكَ، بَلْ فِيهَا أَنَّهُ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهَذَا هُوَ جِبْرِيلُ، رَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ عَلَى صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً فِي الْأَرْضِ، وَمَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. اعْلَمْ أَنَّ الصَّوَابَ الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ [أَنَّ] رُؤْيَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُمْكِنَةٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا، وَأَجْمَعُوا أَيْضًا عَلَى وُقُوعِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعَالَى. وَزَعَمَتْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ، وَأَنَّ رُؤْيَتَهُ مُسْتَحِيلَةٌ عَقْلًا. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَجَهْلٌ قَبِيحٌ. وَقَدْ تَظَاهَرَتْ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ. وَرَوَاهَا أَحَدٌ وَعِشْرُونَ صَحَابِيًّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَآيَاتُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِيهَا مَشْهُورَةٌ، وَاعْتِرَاضَاتُ الْمُبْتَدِعَةِ عَلَيْهَا، لَهَا أَجْوِبَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَأَمَّا رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا فَمُمْكِنَةٌ عَقْلًا وَسَمْعًا ، وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الرُّؤْيَةَ قُوَّةٌ يَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا اتِّصَالُ الْأَشِعَّةِ وَلَا مُقَابَلَةُ الْمَرْئِيِّ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَلَكِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ فِي رُؤْيَةِ بَعْضِنَا بَعْضًا بِوُجُودِ ذَلِكَ عَلَى جِهَةِ الِاتِّفَاقِ لَا عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ. وَقَدْ قَرَّرَ أَئِمَّتُنَا الْمُتَكَلِّمُونَ ذَلِكَ بِالدَّلَائِلِ الْجَلِيَّةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى إِثْبَاتُ جِهَةِ اللَّهِ -تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ- بَلْ يَرَاهُ الْمُؤْمِنُونَ لَا فِي جِهَةٍ، كَمَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا فِي جِهَةٍ. وَبَيَانُ الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ عَلَى جَوَازِهَا بِطَرِيقِ الِاخْتِصَارِ أَنَّ الْبَارِيَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مَوْجُودٌ، وَكُلُّ مَوْجُودٍ يَصِحُّ أَنْ يُرَى، فَالْبَارِي عَزَّ وَجَلَّ يَصِحُّ أَنْ يُرَى. أَمَّا الصُّغْرَى فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الْكُبْرَى، فَلِأَنَّ الْحُكْمَ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا. وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَوْجُودَ هُوَ الْعِلَّةُ لِصِحَّةِ الرُّؤْيَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَوَازِهَا وُقُوعُهَا وَعَدَمُ تَعَلُّقِهَا، إِنَّمَا هُوَ لِجَرْيِ عَادَتِهِ تَعَالَى بِعَدَمِ خَلْقِهَا فِينَا الْآنَ، مَعَ جَوَازِ خَلْقِهَا فِينَا، إِذْ هِيَ غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ وَهُنَا أَبْحَاثٌ مَحَلُّهَا الْكُتُبُ الْكَلَامِيَّةُ. وَبَيَانُ الدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ عَلَى جَوَازِهَا فِي الدُّنْيَا أَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ، رَسُولَ اللَّهِ وَكَلِيمَهُ، الْعَارِفَ بِهِ سَأَلَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الرُّؤْيَةَ، فَقَالَ: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ [الْأَعْرَافُ: 143] مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّهُ تَعَالَى يُرَى، فَسَأَلَهَا. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلَانِ. الْأَوَّلُ: مُحَالٌ أَنْ يَجْهَلَ نَبِيٌّ مَا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَمَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، بَلْ لَمْ يَسْأَلْ إِلَّا جَائِزًا غَيْرَ مُحَالٍ، لِاسْتِحَالَةِ سُؤَالِ الْمُحَالِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَكِنَّ وُقُوعَهُ وَمُشَاهَدَتَهُ مِنَ الْغَيْبِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنْ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ وَأَطْلَعَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ تَعَالَى غَيْرَ نَافٍ لِلْجَوَازِ: لَنْ تَرَانِي »، دُونَ لَنْ أَرَى الْمُؤْذِنَةَ بِنَفْيِهِ أَيْ لَنْ تُطِيقَ وَلَا تَحْتَمِلُ رُؤْيَتِي الْآنَ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى مُعَدٍّ لَهَا فِي الرَّائِي لَمْ يُوجَدْ فِيكَ بَعْدُ. وَمَثَّلَ لَهُ مِثَالًا بِمَا هُوَ أَقْوَى مِنْ نَبِيِّهِ مُوسَى ﷺ وَأَثْبَتُ، وَهُوَ الْجَبَلُ فِي قَوْلِهِ: وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الْأَعْرَافُ: 143]. وَهَذَا هُوَ الدَّلِيلُ الثَّانِي: وَبَيَانُهُ أَنَّهُ تَعَالَى عَلَّقَ رُؤْيَةَ مُوسَى إِيَّاهُ تَعَالَى بِاسْتِقْرَارِ جَبَلِ الْمُنَاجَاةِ فِي مَكَانِهِ وَقْتَ التَّجَلِّي لَهُ، وَالشَّيْءُ الْمُعَلَّقُ بِالْمُمْكِنِ مُمْكِنٌ، إِذْ مَعْنَى التَّعْلِيقِ الْإِخْبَارُ بِثُبُوتِ الْمُعَلَّقِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْمُعَلَّقِ بِهِ. وَعَلَى هَذَا فَالشَّرْطِيَّةُ خَبَرِيَّةٌ إِذَا كَانَ الْجَزَاءُ فِي الْأَصْلِ خَبَرِيًّا كَمَا هُنَا. فَثَبَتَ إِمْكَانُ الرُّؤْيَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِوُقُوعِهَا عَلَى بَعْضِ التَّقَادِيرِ، وَالْمُحَالُ لَا يَقَعُ عَلَى شَيْءٍ مِنَ التَّقَادِيرِ أَصْلًا، وَإِذَا ثَبَتَ الْإِمْكَانُ انْتَفَى الِامْتِنَاعُ وَبِالْعَكْسِ وَهُنَا أَبْحَاثٌ مَحَلُّهَا الْكُتُبُ الْكَلَامِيَّةُ. وَقَوْلُ مُوسَى ﷺ: تُبْتُ إِلَيْكَ، أَيْ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى سُؤَالِي إِيَّاهُ فِي الدُّنْيَا مَا لَمْ تُقَدِّرْهُ لِي. وَقِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ تُبْتُ إِلَيْكَ [الْأَعْرَافُ: 143] إِنَّمَا كَانَ لِمَا غَشِيَهُ مِنْ شِدَّةِ مَا أَفْضَى بِهِ إِلَى أَنَّ صُعِقَ، كَمَا تَقُولُ مِنْ فِعْلٍ جَائِرٍ عَرَاكَ مِنْهُ مَشَقَّةٌ: تُبْتُ عَنْ فِعْلِ مِثْلِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَنْ تَرَانِي [الْأَعْرَافُ: 143] أَيْ لَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يُطِيقَ النَّظَرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّ مَنْ نَظَرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا مَاتَ، أَيْ فِي الْحَالِ، بِشَهَادَةِ صَعْقِ مُوسَى إِذْ رَأَى الْجَبَلَ» وَقَالَ الْقَاضِي: «وَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ السَّلَفِ وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ رُؤْيَتَهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا مُمْتَنِعَةٌ، لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتُهَا، لِثُبُوتِ جَوَازِهَا فِيهَا بِمَا مَرَّ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ فِيهَا لِضَعْفِ تَرَاكِيبِ أَهْلِ الدُّنْيَا وَقُوَاهُمْ، وَكَوْنِهَا مُتَغَيِّرَةً عُرْضَةً لِلْآفَاتِ مِنْ نَوَائِبَ مُقَلْقِلَةٍ وَنَوَاكِبَ لِلْأَكْبَادِ مُعَلَّقَةٍ تُنْذِرُ بِالْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا. فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ وَرُكِّبُوا تَرْكِيبًا آخَرَ وَرُزِقُوا قُوًى ثَابِتَةً بَاقِيَةً وَأُتِمَّتْ أَنْوَارُ أَبْصَارِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ حَصَلَ بِذَلِكَ قُوَّةٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ فِي الْآخِرَةِ». وَقَدْ رَأَيْتُ نَحْوَ هَذَا لِلْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: «لَمْ يُرَ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ وَلَا يُرَى الْبَاقِي بِالْفَانِي. فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ وَرُزِقُوا أَبْصَارًا بَاقِيَةً رُئِيَ الْبَاقِي بِالْبَاقِي» وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ كَلَامٌ حَسَنٌ مَلِيحٌ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الِاسْتِحَالَةِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ ضَعْفُ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا قَوَّى اللَّهُ تَعَالَى مَنْ شَاءَ أَقْدَرَهُ عَلَى حَمْلِ أَعْبَاءِ الرُّؤْيَةِ فِي حَقِّهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ. قَالَ الْحَافِظُ: «وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ فِيهِ: «وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا». وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ - بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَضْمُومَةٍ فَزَايٍ مَفْتُوحَةٍ. مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ. فَإِذَا جَازَتِ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا. عَقْلًا، فَقَدِ امْتَنَعَتْ سَمْعًا. لَكِنْ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَنْ يَقُولَ إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ خِطَابِهِ». قَالَ الْقَاضِي: «وَلَا حُجَّةَ لِمَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى مَنْعِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الْأَنْعَامُ: 103] لِاخْتِلَافِ التَّأْوِيلَاتِ فِي الْآيَةِ، فَقَدْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالْإِدْرَاكِ الْإِحَاطَةُ، فَلَا نَفْيَ فِيهَا لِمُطْلَقِ الرُّؤْيَةِ، وَقِيلَ: لَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُ الْكُفَّارِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَالْجَوَابُ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا النَّفْيِ عَلَى عُمُومِ الْأَوْقَاتِ وَلَا حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لِأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ. فَمِنْ أَيْنَ أَنَّ الْمُرَادَ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَلَا حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ؟ بَلْ يَتَعَيَّنُ الْحَمْلُ عَلَى النَّفْيِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ». وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ: «الْأَبْصَارُ» جَمْعٌ مُحَلًّى بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ، فَيَقْبَلُ التَّخْصِيصَ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ سَمْعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [الْمُطَفِّفِينَ: 15] فَيَكُونُ الْمُرَادُ الْكُفَّارُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ [الْقِيَامَةُ: 22، 23] قَالَ: فَإِذَا جَازَتْ فِي الْآخِرَةِ جَازَتْ فِي الدُّنْيَا لِتَسَاوِي الْوَقْتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّائِي» انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ: «وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ جَيِّدٌ». وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى جَوَازِ إِمْكَانِ الرُّؤْيَةِ، إِذْ لَوِ امْتَنَعَتِ الرُّؤْيَةُ لَمَا حَصَلَ التَّمَدُّحُ فِي الْآيَةِ بِنَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَوَجْهُ الْمُلَازَمَةِ أَنَّ الْمُمْتَنِعَ مُنْتَفٍ فِي حَدِّ ذَاتِهِ، فَلَا يَكُونُ نَفْيُهُ صِفَةَ مَدْحٍ، لِأَنَّهُ ضَرُورِيٌّ كَالْمَعْدُومِ الْمُمْتَنِعِ الرُّؤْيَةِ، لَا يُمْدَحُ بِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ، إِذْ لَا يَكُونُ: «الْمَعْدُومُ لَا يُرَى» تَمَدُّحًا، لِامْتِنَاعِ رُؤْيَةِ الْمَعْدُومِ. وَقَدْ ثَبَتَ التَّمَدُّحُ بِنَفْيِ عَدَمِ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى فَتَكُونُ رُؤْيَتُهُ مُمْكِنَةٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّمَدُّحَ بِنَفْيِ عَدَمِ الرُّؤْيَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي إِمْكَانِ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ لَا يُرَى لِلِامْتِنَاعِ وَتَعَذُّرِ الْإِبْصَارِ وَالتَّحَجُّبِ بِحِجَابِ الْكِبْرِيَاءِ وَالْجَلَالِ لَا فِي أَنَّهُ لَا يُرَى لِامْتِنَاعِ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى. لَكِنَّ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةَ عَلَى هَذَا، صِفَاتُ تَمَدُّحٍ، وَإِنْ جَعَلْنَا الْإِدْرَاكَ فِي الْآيَةِ عِبَارَةً عَنِ الرُّؤْيَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ بِجَوَانِبِ الْمَرْئِيِّ وَحُدُودِهِ. فَدَلَالَةُ الْآيَةِ حِينَئِذٍ عَلَى جَوَازِ الرُّؤْيَةِ بَلْ عَلَى تَحَقُّقِهَا بِالْوُقُوعِ، أَظْهَرُ مِنْ دَلَالَتِهَا عَلَى الْجَوَازِ بِمَا ذُكِرَ مِنَ التَّمَدُّحِ. إِذِ الْمَعْنَى عَلَى هَذَا لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ، إِذْ نَظَرْتَ إِلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ، لِأَنَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، مَعَ كَوْنِهِ مَرْئِيًّا بِالْأَبْصَارِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ عَلَى وَجْهِ الْإِحَاطَةِ، لِتَعَالِيهِ قَطْعًا عَنِ التَّنَاهِي وَعَنِ الِاتِّصَافِ بِالْحُدُودِ الَّتِي هِيَ النِّهَايَاتُ وَالْجَوَانِبُ عَلَى مَا تَبَيَّنَ فِي كُتُبِ الْكَلَامِ. وَالْإِحَاطَةُ بِمَا لَا يَتَنَاهَى مُحَالٌ. وَلِهَذَا مَزِيدُ بَيَانٍ يَأْتِي فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ؓ. وَمَعَ الْقَوْلِ بِجَوَازِهَا فِي الدُّنْيَا، لَمْ يَحْصُلْ لِبَشَرٍ غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ، عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ، وَمَنِ ادَّعَاهَا غَيْرُهُ فَهُوَ ضَالٌّ. كَمَا جَزَمَ بِكُفْرِهِ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ الْكَوَاشِيُّ - بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ وَبِالْمُعْجَمَةِ- وَالْإِمَامُ الْمَهْدَوِيُّ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا، وَالْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْأَرْدُبِيلِيُّ - بِالْفَتْحِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ- فِي كِتَابِ «الْأَنْوَارِ» إِذْ قَدْ سَأَلَهَا نَبِيُّ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِيمُهُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ، أَفَتَحْصُلُ لِآحَادِ النَّاسِ؟ هَذَا مِمَّا يُتَوَقَّفُ فِيهِ. فَصْلٌ: وَإِذَا عُلِمَ مَا تَقَرَّرَ فَفِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِرَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مَذْهَبَانِ: فَنَفَتْهَا عَائِشَةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَجَاءَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَبَالَغَ الْحَافِظُ عُثْمَانُ عَنْ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، فَنَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ، وَالثَّانِي أَنَّهُ رَآهُ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ. وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ إِثْبَاتَهَا، وَكَانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ إِنْكَارُ عَائِشَةَ لَهَا. وَبِهِ قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ جَزَمَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَالزُّهْرِيُّ وَمَعْمَرٌ وَآخَرُونَ. وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَغَالِبُ أَتْبَاعِهِ. وَجَنَحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ إِلَى تَرْجِيحِهِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ رَآهُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ؟ وَالْقَوْلَانِ رُوِيَا عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: الرَّاجِحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ بِأَشْيَاءَ نُوَزِّعُ فِي بَعْضِهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي ذِكْرِ أَدِلَّةِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْوَقْفِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَجْزِمُوا بِنَفْيٍ وَلَا إِثْبَاتٍ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ، وَعَزَاهُ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَقَوَّاهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْبَابِ دَلِيلٌ قَاطِعٌ. وَغَالِبُ مَا اسْتَدَلَّتْ بِهِ الطَّائِفَتَانِ ظَوَاهِرُ مُتَعَارِضَةٌ قَابِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ. قَالَ: وَلَيْسَتِ الْمَسْأَلَةُ مِنَ التَّعْظِيمَاتِ فَيُكْتَفى فِيهَا بِالدَّلَالَةِ الظَّنِّيَّةِ، فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ فَلَا يُكْتَفَى فِيهَا إِلَّا بِالدَّلِيلِ الْقَطْعِيِّ. وَقَالَ السُّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي السَّيْفِ الْمَسْلُولِ: «لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ قَاطِعًا مُتَوَاتِرًا بَلْ مَتَى كَانَ حَدِيثًا صَحِيحًا وَلَوْ ظَاهِرًا وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ الْآحَادِ، جَازَ أَنْ يُعْتَمَدَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ الِاعْتِقَادِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِيهَا الْقَطْعُ، عَلَى أَنَّا لَسْنَا مُكَلَّفِينَ بِذَلِكَ». انْتَهَى. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الشِّفَاءِ وَغَيْرِهِ «لَا مِرْيَةَ فِي الْجَوَازِ، إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَاتِ: لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ [الْأَنْعَامُ: 103]، لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي [الْأَعْرَافُ: 143] نَصٌّ فِي الْمَنْعِ لِلرُّؤْيَةِ، بَلْ هِيَ مُشِيرَةٌ لِلْجَوَازِ كَمَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ. وَأَمَّا وُجُوبُ وُقُوعِهَا لِنَبِيِّنَا ﷺ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، فَلَيْسَ فِيهِ قَاطِعٌ أَيْضًا وَلَا نَصٌّ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، إِذِ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِيهِ عَلَى آيَتَيِ النَّجْمِ: مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى [النَّجْمُ: 11] وَ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى [النَّجْمُ: 17]. وَالتَّنَازُعُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِيهِمَا مَأْثُورٌ، وَالِاحْتِمَالُ لَهُمَا مِنْ حَيْثُ دَلَالَتُهُمَا عَلَى الرُّؤْيَةِ وَعَدَمِهَا مُمْكِنٌ، لِعَدَمِ صَرَاحَتِهِمَا بِهَا، لَا أَثَرَ قَاطِعٌ مُتَوَاتِرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِفُؤَادِهِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ اعْتِقَادٍ لَمْ يُسْنِدْهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى يُعْتَبَرَ فَيَجِبَ الْعَمَلُ بِاعْتِقَادِ مُضَمِّنِهِ مِنْ رُؤْيَتِهِ رَبَّهُ. وَمِثْلُهُ حَدِيثُ شَرِيكٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَبَّهُ، وَحَدِيثُ مُعَاذٍ: «رَأَيْتُ رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ»، مُضْطَرِبُ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ. وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مُخْتَلِفٌ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ رَآهُ أَوْ لَمْ يَرَهُ، مُشْكِلٌ مِنْ حَيْثُ جَعَلَ ذَاتَهَ نُورًا، فَرُوِيَ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» - بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ- أَيْ نُورًا لَنْ أَرَاهُ، أَيْ لِجَرْيِ الْعَادَةِ بِأَنَّ النُّورَ إِذَا غَشَى الْبَصَرَ حَجَبَهُ فِي رُؤْيَتِهِ لِمَا وَرَاءَهُ، وَرُوِيَ: «نُورَانِيٌّ، أَيْ بِكَسْرِ النُّونِ الثَّانِيَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ». قَالَ الْقَاضِي: «وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَمْ تَقَعْ لَنَا، وَلَا رَأَيْتُهَا فِي أَصْلٍ مِنَ الْأُصُولِ، وَمُحَالٌ أَنْ تَكُونَ ذَاتُهُ تَعَالَى نُورًا، إِذِ النُّورُ جِسْمٌ يَتَعَالَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ تَسْمِيَتُهُ نُورًا بِمَعْنَى ذِي النُّورِ أَوْ خَالِقِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأَيْتُ نُورًا». وَلَيْسَ يُمْكِنُ الِاحْتِجَاجُ بِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِإِفْصَاحِهِمَا بِأَنَّهُ لَمْ يَرَهُ، فَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ «رَأَيْتُ نُورًا»، فَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّهُ لَمْ يَرَ اللَّهَ تَعَالَى، وَإِنَّمَا رَأَى نُورًا مَنَعَهُ وَحَجَبَهُ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى. وَإِلَى قَوْلِهِ: «رَأَيْتُ نُورًا» يَرْجِعُ قَوْلُهُ: «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ»، أَيْ كَيْفَ أَرَاهُ مَعَ كَوْنِ حِجَابِهِ النُّورَ الْمُغَشِّي لِلْبَصَرِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مِثْلُ الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى: حِجَابُهُ النُّورُ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ أَيْضًا فِي الْإِكْمَالِ: وَقَفَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا فِي هَذَا. وَقَالَ: لَيْسَ هَذَا عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ، وَلَكِنَّهُ جَائِزٌ، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا جَائِزَةٌ. ذِكْرُ أَدِلَّةِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ زَادَ الشَّيْخَانِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمْ عَنْ مَسْرُوقٍ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمَنْ بَعْدَهُ عَنْهُ، قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ نَزْعُمُ، وَفِي لَفْظٍ نَقُولُ: أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ. فَكَبَّرَ كَعْبٌ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ قَسَّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ [فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ] وَرَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مَرَّتَيْنِ». ثُمَّ اتَّفَقُوا. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ يَا أَمَتَاهْ، هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي بِمَا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، وَفِي لَفْظٍ: فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَفِي لَفْظٍ: فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، ثُمَّ قَرَأَتْ لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الْأَنْعَامُ: 103]، وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [الشُّورَى: 51]، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، وَفِي لَفْظٍ: فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا [لُقْمَانُ: 34] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ قَدْ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، وَفِي لَفْظٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [الْمَائِدَةُ: 67] وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ.. زَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ قَالَ وَمَسْرُوقٌ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى [النَّجْمُ: 13]. إِنَّ أَوَّلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا». وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ، وَمُسْلِمٌ عَنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ، قَالَ: قُلْتُ: لِأَبِي ذَرٍّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: عَنْ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ، قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ: هَلْ رَأَى رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. قَالَ: إِنِّي قَدْ سَأَلْتُهُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» وَفِي رِوَايَةٍ: رَأَيْتُ نُورًا. تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: قَالَ جَمَاعَةٌ: لَمْ تَنْفِ عَائِشَةُ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَذَكَرَتْهُ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَتِ الِاسْتِنْبَاطَ عَلَى مَا ذَكَرَتْ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ وَمَا قَالُوهُ غَفْلَةً عَنْ قَوْلِهَا: إِنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا. الثَّانِي: مَنْ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَاطَبَهَا عَلَى قَدْرِ عَقْلِهَا، وَمَنْ حَاوَلَ تَخْطِئَتَهَا فِيمَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ فَهُوَ مُخْطِئٌ قَلِيلُ الْأَدَبِ. الثَّالِثُ: قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: «أَنَّ أَبَا ذَرٍّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْإِسْرَاءِ، فَأَجَابَهُ بِمَا أَجَابَهُ، وَلَوْ سَأَلَهُ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ لَأَجَابَهُ بِالْإِثْبَاتِ، ضَعِيفٌ جِدًّا، فَإِنَّ عَائِشَةَ ؓ سَأَلَتْهُ بَعْدَ الْإِسْرَاءِ وَلَمْ تَثْبُتْ لَهَا الرُّؤْيَةُ». الرَّابِعُ: احْتِجَاجُ عَائِشَةَ بِالْآيَةِ خَالَفَهَا فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ، فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مُحَمَّدٌ رَأَى رَبَّهُ. قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: «لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ» ؟ قَالَ: «وَيَحْكَ، ذَلِكَ نُورُهُ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ». وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْإِحَاطَةُ بِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، لَا نَفْيُ أَصْلِ رُؤْيَتِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْإِدْرَاكِ الْإِحَاطَةُ، وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُحَاطُ بِهِ، وَإِذَا وَرَدَ النَّصُّ بِنَفْيِ الْإِحَاطَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُ الرُّؤْيَةِ بِغَيْرِ إِحَاطَةٍ، وَأَمَّا احْتِجَاجُهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا [الشُّورَى: 51] فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَعَ الرُّؤْيَةِ وُجُودُ الْكَلَامِ حَالَ الرُّؤْيَةِ، فَيَجُوزُ وُجُودُ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ كَلَامٍ، الثَّانِي: أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْأَدِلَّةِ، الثَّالِثُ: مَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْوَحْيِ هُنَا الْكَلَامُ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةٍ، وَأَنَّ الْقَوْلَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَحْيِ هُنَا الْإِلْهَامُ وَالرُّؤْيَا فِي الْمَنَامِ وَكِلَاهُمَا يُسَمَّى وَحْيًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، فَقَالَ الْوَاحِدِيُّ وَغَيْرُهُ بِمَعْنَاهُ غَيْرُ مُجَاهِرٍ لَهُمْ بِالْكَلَامِ بَلْ يَسْمَعُونَ كَلَامَهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ حِجَابٌ يَفْصِلُ مَوْضِعًا عَنْ مَوْضِعٍ، وَيَدُلُّ عَلَى تَحْدِيدِ الْمَحْجُوبِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ حَيْثُ لَمْ يَرَ الْمُتَكَلِّمَ. الْخَامِسُ: قَوْلُ كَعْبٍ: «وَكَلَّمَهُ مُوسَى مَرَّتَيْنِ»، فِيهِ نَظَرٌ. وَالْحَقُّ أَنَّهُ كَلَّمَهُ أَكْثَرَ مِنْهُمَا، كَمَا يُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى [طَه 17] وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ. وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى [طه: 83]. وَقَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ [طه 85] وَقَوْلُهُ تَقَدَّسَ اسْمُهُ: فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ [الْأَعْرَافُ: 145]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ [طه: 43]، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
التاريخ 822لا حكم مسجّل
الْبَابُ السَّادِسُ فِي دَفْعِ شُبْهَةِ أَهْلِ الزَّيْغِ فِي اسْتِحَالَةِ الْمِعْرَاجِ اعْلَمْ أَنَّ الْإِسْرَاءَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُخَالِفْ فِي وُقُوعِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا طَعَنَ فِيهِ أَهْلُ الزَّيْغِ بِشُبَهٍ بَاطِلَةٍ. وَقَدْ تَصَدَّى الْإِمَامُ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا مُورِدٌ تِلْكَ الشُّبَهَ ثُمَّ أُتْبِعُهَا بِالرَّدِّ. قَالَ أَهْلُ الزَّيْغِ وَالضَّلَالَةِ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «الْحَرَكَةُ الْبَالِغَةُ فِي السُّرْعَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَلَوْ صَعِدَ إِلَى السَّمَاوَاتِ لَوَجَبَ خَرْقُ الْأَفْلَاكِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ، وَصُعُودُ الْجِرْمِ الثَّقِيلِ إِلَى السَّمَاوَاتِ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَلِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَوْ صَحَّ لَكَانَ أَعْظَمَ مِنْ سَائِرِ مُعْجِزَاتِهِ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُظْهِرَ ذَلِكَ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ حَتَّى يَسْتَدِلُّوا بِهِ عَلَى صِدْقِهِ مِنِ ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ، فَأَمَّا أَنْ يَحْصُلَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ لَا يَرَاهُ فِيهِ أَحَدٌ وَلَا يُشَاهِدُهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ عَبَثًا لَا يَلِيقُ بِالْحَكِيمِ». وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَرَكَةَ الْبَالِغَةَ فِي السُّرْعَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ مُمْكِنَةٌ فِي نَفْسِهَا، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ الْفَلَكَ الْأَعْظَمَ يَتَحَرَّكُ مِنَ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ مَا يَقْرُبُ مِنْ نِصْفِ الدَّوْرِ، وَثَبَتَ فِي الْهَنْدَسَةِ أَنَّ نِسْبَةَ الْقُطْرِ إِلَى الدَّوْرِ نِسْبَةُ الْوَاحِدِ إِلَى ثَلَاثَةٍ وَسُبْعٍ فَبِتَقْدِيرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ارْتَفَعَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مَا فَوْقَ الْفَلَكِ الْأَعْظَمِ فَهُوَ لَمْ يَتَحَرَّكْ إِلَّا إِلَى مِقْدَارِ نِصْفِ الْقُطْرِ. فَلَمَّا حَصَلَ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ مِنَ الزَّمَانِ نِصْفُ الدَّوْرِ كَانَ حُصُولُ الْحَرَكَةِ بِمِقْدَارِ نِصْفِ الْقُطْرِ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ، فَهَذَا بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى الِارْتِفَاعِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ فِي مِقْدَارِ ثُلُثِ اللَّيْلِ وَأَنَّهُ أَمْرٌ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ حُصُولُهُ فِي كُلِّ اللَّيْلِ أَوْلَى بِالْإِمْكَانِ. وَأَيْضًا ثَبَتَ فِي الْهَنْدَسَةِ أَنَّ مَا بَيْنَ طَرَفَيِ قُرْصِ الشَّمْسِ ضِعْفُ مَا بَيْنَ طَرَفَيْ كُرَةِ الْأَرْضِ مِائَةً وَسِتِّينَ مَرَّةً، ثُمَّ أَنَّا نُشَاهِدُ طُلُوعَ الْقُرْصِ يَحْصُلُ فِي زَمَانٍ لَطِيفٍ سَرِيعٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بُلُوغَ الْحَرَكَةِ فِي السُّرْعَةِ إِلَى هَذَا الْحَدِّ أَمْرٌ مُمْكِنٌ فِي نَفْسِهِ. فَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مَعَ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْهَنْدَسَةَ فَنَقُولُ لَهُ: أَنْتَ تُشَاهِدُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ تَقْطَعُ مِنَ الشُّرُوقِ إِلَى الْغُرُوبِ مَسَافَةً لَا يُقْدَرُ عَلَى قَطْعِهَا فِي أَعْوَامٍ كَثِيرَةٍ. وَأَيْضًا كَانَتِ الرِّيَاحُ تَسِيرُ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ إِلَى الْمَوَاضِعِ الْبَعِيدَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْيَسِيرَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سَبَأٌ: 12]، وَالْحِسُّ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الرِّيَاحَ تَنْفُذُ عِنْدَ شِدَّةِ هُبُوبِهَا مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ. وَقَدْ أَحْضَرَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ كُرْسِيَّ بِلْقِيسَ مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ إِلَى. أَرْضِ الشَّامِ فِي أَقَلَّ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ. وَالْأَجْسَامُ مُتَمَاثِلَةٌ فِي تَمَامِ مَاهِيَّاتِهَا، فَلَمَّا حَصَلَ مِثْلُ هَذِهِ الْحَرَكَةِ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَجْسَامِ وَجَبَ إِمْكَانُ حُصُولِهَا فِي سَائِرِ الْأَجْسَامِ، فَهِيَ مُمْكِنَةٌ وَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى حُصُولِهَا فِي جَسَدِ النَّبِيِّ ﷺ. وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّانِي: وَهُوَ خَرْقُ الْأَفْلَاكِ فَلَيْسَ بِمُحَالٍ وَقَدْ مَنَعَهُ النُّفَاةُ لِلْجَنَّةِ وَالنَّارِ. قَالَ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ: «ادِّعَاءُ اسْتِحَالَةِ الْمِعْرَاجِ بَاطِلٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى أُصُولِ الْفَلَاسِفَةِ مِنِ امْتِنَاعِ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ عَلَى السَّمَاوَاتِ، وَإِلَّا فَالْخَرْقُ وَالِالْتِئَامُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَاقِعٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ، وَالْأَجْسَامُ الْعُلْوِيَّةُ وَالسُّفْلِيَّةُ مُتَمَاثِلَةٌ مُرَكَّبَةٌ مِنَ الْجَوَاهِرِ الْفَرْدَةِ الْمُتَمَاثِلَةِ، يَصِحُّ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْأَجْسَامِ مَا يَصِحُّ عَلَى الْآخَرِ ضَرُورَةَ التَّمَاثُلِ الْمَذْكُورِ، فَإِذَا أَمْكَنَ خَرْقُ الْأَجْسَامِ السُّفْلِيَّةِ أَمْكَنَ خَرْقُ الْأَجْسَامِ الْعُلْوِيَّةِ وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى الْمُمْكِنَاتِ كُلِّهَا، فَهُوَ قَادِرٌ عَلَى خَرْقِ السَّمَاوَاتِ وَقَدْ وَرَدَ بِهِ السَّمْعُ فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ». وَالْجَوَابُ عَنِ الثَّالِثِ: فَكَمَا أَنَّهُ يُسْتَبْعَدُ صُعُودُ الْجِسْمِ الْكَثِيفِ يُسْتَبْعَدُ نُزُولُ الْجِسْمِ اللَّطِيفِ الرُّوحَانِيِّ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَرْكَزِ الْعَالَمِ. فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ بِمِعْرَاجِ النَّبِيِّ ﷺ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ مُمْتَنِعًا كَانَ الْقَوْلُ بِنُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْعَرْشِ إِلَى مَكَّةَ فِي اللَّحْظَةِ الْوَاحِدَةِ مُمْتَنِعًا كَذَلِكَ، وَلَوْ حَكَمْنَا بِهَذَا الِامْتِنَاعِ كَانَ ذَلِكَ طَعْنًا فِي نُبُوَّةِ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْقَوْلُ بِثُبُوتِ الْمِعْرَاجِ فَرْعٌ عَلَى تَسْلِيمِ جَوَازِ أَصْلِ النُّبُوَّةِ، فَيَلْزَمُ الْقَائِلَ بِامْتِنَاعِ حُصُولِ هَذِهِ الْحَرَكَةِ امْتِنَاعُ نُزُولِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا، كَانَ مَا ذَكَرُوهُ بَاطِلًا. وَالْجَوَابُ عَنِ الرَّابِعِ: إِنَّ فِي كَوْنِهِ لَيْلًا فَوَائِدَ مِنْهَا: لِيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا بِالْغَيْبِ، وَيُفْتَتَنَ الَّذِينَ كَفَرُوا زِيَادَةً عَلَى فِتْنَتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ [الْإِسْرَاءُ: 60]، وَمِنْهَا أَنَّهُ وَقْتُ الْخَلْوَةِ وَالِاخْتِصَاصِ عُرْفًا، فَإِنَّ بَيْنَ جَلِيسِ الْمَلِكِ نَهَارًا وَجَلِيسِهِ لَيْلًا فَرْقًا وَاضِحًا، وَالْخُصُوصِيَّةُ لِلَّيْلِ، وَرَحِمَ اللَّهُ مَنْ قَالَ: اللَّيْلُ لِي وَلِأَحِبَّائِي أُنَادِمُهُمْ قَدِ اصْطَفَيْتُهُمْ كَيْ يَسْمَعُوا وَيَعُوا وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِالْعَلَامَاتِ الَّتِي تُفِيدُ الْيَقِينَ مِنْ وَصْفِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَوَصْفِ الْعِيرِ الَّتِي مَرَّ بِهَا فِي طَرِيقِهِ، وَأَنَّهَا تَصِلُ إِلَيْهِمْ فِي وَقْتِ كَذَا، فَكَانَ كَمَا ذَكَرَ كَمَا سَيَأْتِي مُفَصَّلًا. وَمَعَ ذَلِكَ قَالُوا: هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ [الْأَحْقَافُ 7]. فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُرِيَهُمْ ذَلِكَ نَهَارًا وَأَنْ يُخْبِرَهُمْ بِخَبَرٍ يُفِيدُ الْيَقِينَ، وَقَدْ أَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ فَقَالُوا: هَذَا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ [الْقَمَرُ: 4].
التاريخ 823لا حكم مسجّل
[ طَمَعُ الرَّسُولِ فِي إسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ، وَحَدِيثُ ذَلِكَ ] فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَاَللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي، مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا، قَالَ: فَلَمَّا قَالَهَا أَبُو طَالِبٍ طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إسْلَامِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، فَأَنْتَ فَقُلْهَا أَسْتَحِلَّ لَكَ بِهَا الشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَى حِرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ السُّبَّةِ عَلَيْكَ وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي، وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إنَّمَا قُلْتهَا جَزَعًا مِنْ الْمَوْتِ لَقُلْتهَا لَا أَقُولُهَا إلَّا لِأَسُرَّكَ بِهَا. قَالَ: فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَ: نَظَرَ الْعَبَّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ: فَأَصْغَى إلَيْهِ بِأُذُنِهِ، قَالَ: فَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي. وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ أَسْمَعْ فَصْلٌ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ، عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَنَّهُ كَانَ نَاصِرًا لَهُ، وَقَائِمًا فِي صَفِّهِ، وَمُدَافِعًا عَنْهُ بِكُلِّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ; مِنْ نَفْسٍ، وَمَالٍ، وَفِعَالٍ، فَلَمَّا مَاتَ، اجْتَرَأَ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَنَالُوا مِنْهُ مَا لَمْ يَكُونُوا يَصِلُونَ إِلَيْهِ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. كَمَا قَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ الصَّغَانِيُّ، حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ بُهْلُولٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ، عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ تُرَابًا ، فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ تَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ وَتَبْكِي، فَجَعَلَ يَقُولُ: " أَيْ بُنَيَّةُ، لَا تَبْكِينَ فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ ". وَيَقُولُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ: " مَا نَالَتْ قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ ". وَقَدْ رَوَاهُ زِيَادٌ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا، عَنِ الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعِّينَ عَنِّي حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ ". ثُمَّ رَوَاهُ عَنِ الْحَاكِمِ، عَنِ الْأَصَمِّ، عَنْ عَبَّاسٍ الدُّورِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ الْمُجَدَّرُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: " مَا زَالَتْ قُرَيْشٌ كَاعَّةً حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ ". وَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ بِسَنَدِهِ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، أَنَّهُمَا قَالَا: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ وَخَدِيجَةُ - وَكَانَ بَيْنَهُمَا شَهْرٌ وَخَمْسَةُ أَيَّامٍ - اجْتَمَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُصِيبَتَانِ، فَلَزِمَ بَيْتَهُ، وَأَقَلَّ الْخُرُوجَ، وَنَالَتْ مِنْهُ قُرَيْشٌ مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ وَلَا تَطْمَعُ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَبَا لَهَبٍ، فَجَاءَهُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، امْضِ لِمَا أَرَدْتَ، وَمَا كُنْتَ صَانِعًا إِذْ كَانَ أَبُو طَالِبٍ حَيًّا فَاصْنَعْهُ، لَا وَاللَّاتِ، لَا يُوصَلُ إِلَيْكَ حَتَّى أَمُوتَ. وَسَبَّ ابْنُ الْغَيْطَلَةِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ أَبُو لَهَبٍ فَنَالَ مِنْهُ، فَوَلَّى يَصِيحُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، صَبَأَ أَبُو عُتْبَةَ. فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ حَتَّى وَقَفُوا عَلَى أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَ: مَا فَارَقْتُ دِينَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَلَكِنِّي أَمْنَعُ ابْنَ أَخِي أَنْ يُضَامَ حَتَّى يَمْضِيَ لِمَا يُرِيدُ. فَقَالُوا: قَدْ أَحْسَنْتَ، وَأَجْمَلْتَ، وَوَصَلْتَ الرَّحِمَ. فَمَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَلِكَ أَيَّامًا يَأْتِي وَيَذْهَبُ، لَا يَعْرِضُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَهَابُوا أَبَا لَهَبٍ إِلَى أَنْ جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَأَبُو جَهْلٍ إِلَى أَبِي لَهَبٍ، فَقَالَا لَهُ: أَخْبَرَكَ ابْنُ أَخِيكَ أَيْنَ مَدْخَلُ أَبِيكَ ؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو لَهَبٍ: يَا مُحَمَّدُ، أَيْنَ مَدْخَلُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ قَالَ: " مَعَ قَوْمِهِ ". فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا، فَقَالَ: قَدْ سَأَلْتُهُ، فَقَالَ: مَعَ قَوْمِهِ. فَقَالَا: يَزْعُمُ أَنَّهُ فِي النَّارِ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَيَدْخُلُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ النَّارَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَمَنْ مَاتَ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ دَخَلَ النَّارَ ". فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَاللَّهِ لَا بَرِحْتُ لَكَ إِلَّا عَدُوًّا أَبَدًا، وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ فِي النَّارِ. وَاشْتَدَّ عِنْدَ ذَلِكَ أَبُو لَهَبٍ وَسَائِرُ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ النَّفَرَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ; أَبُو لَهَبٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعَدِيُّ بْنُ الْحَمْرَاءِ، وَابْنُ الْأَصْدَاءِ الْهُذَلِيُّ، وَكَانُوا جِيرَانَهُ، لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَكَانَ أَحَدُهُمْ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - يَطْرَحُ عَلَيْهِ رَحِمَ الشَّاةِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُهَا فِي بُرْمَتِهِ إِذَا نُصِبَتْ لَهُ، حَتَّى اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِجْرًا يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْهُمْ إِذَا صَلَّى، فَكَانَ إِذَا طَرَحُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، يَحْمِلُهُ عَلَى عَوْدٍ ثُمَّ يَقِفُ بِهِ عَلَى بَابِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: " يَا بَنِي عَبْدِ مُنَافٍ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا ؟ ". ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ. قُلْتُ: وَعِنْدِي أَنَّ غَالِبَ مَا رُوِيَ مِمَّا تَقَدَّمَ - مِنْ طَرْحِهِمْ سَلَى الْجَزُورِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي كَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَفِيهِ أَنَّ فَاطِمَةَ جَاءَتْ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ فَشَتَمَتْهُمْ، ثُمَّ لَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَعَا عَلَى سَبْعَةٍ مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ خَنْقِهِمْ لَهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، خَنْقًا شَدِيدًا حَتَّى حَالَ دُونَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، قَائِلًا: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ: رَبِّيَ اللَّهُ. وَكَذَلِكَ عَزْمُ أَبِي جَهْلٍ، لَعَنَهُ اللَّهُ، عَلَى أَنْ يَطَأَ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ - كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَذِكْرُهَا هَاهُنَا أَنْسَبُ وَأَشْبَهُ.
التاريخ 824لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُهُ مِنْهُ فِي حَيَاةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ، يَلْتَمِسُ مِنْ ثَقِيفٍ النُّصْرَةَ وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ وَحْدَهُ، فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ: لَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ، عَمَدَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، هُمْ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ، وَهُمْ إِخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيلَ، وَمَسْعُودٌ، وَحَبِيبٌ، بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيَرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ، وَعِنْدَ أَحَدِهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَكَلَّمَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ لَهُ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: هُوَ يَمْرُطُ ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ. وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا أَرْسَلَهُ غَيْرَكَ ؟ وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا; لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، لَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ الْكَلَامَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِمْ، وَقَدْ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ - فِيمَا ذُكِرَ لِي -: " إِنْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ، فَاكْتُمُوا عَلَيَّ ". وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْلُغَ قَوْمَهُ عَنْهُ فَيُذْئِرَهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ، يَسُبُّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَلْجَئُوهُ إِلَى حَائِطٍ لِعَتَبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُمَا فِيهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ مِنْ سُفَهَاءِ ثَقِيفٍ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ، فَعَمَدَ إِلَى ظِلِّ حَبَلَةٍ مِنْ عِنَبٍ فَجَلَسَ فِيهِ، وَابْنَا رَبِيعَةَ يَنْظُرَانِ إِلَيْهِ، وَيَرَيَانِ مَا يَلْقَى مِنْ سُفَهَاءِ أَهْلِ الطَّائِفِ - وَقَدْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فِيمَا ذُكِرَ لِي، الْمَرْأَةَ التِي مِنْ بَنِي جُمَحَ، فَقَالَ لَهَا: " مَاذَا لَقِينَا مِنْ أَحْمَائِكِ! ". فَلَمَّا اطْمَأَنَّ، قَالَ - فِيمَا ذُكِرَ لِي -: اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إِلَى بِعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ تُحِلَّ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ ". هَكَذَا أَوْرَدَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِهِ " السِّيرَةِ " هَذَا الدُّعَاءَ مِنْ غَيْرِ إِسْنَادٍ، بَلْ ذَكَرَهُ مُعَلَّقًا بِصِيغَةِ الْبَلَاغِ، فَقَالَ: فِيمَا ذُكِرَ لِي. وَقَدْ رَوَيَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، فِي تَرْجَمَةِ الْقَاسِمِ بْنِ اللَّيْثِ الرَّسْعَنِيِّ، شَيْخِ النَّسَائِيِّ والطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، بِسَنَدِهِ مِنْ حَدِيثِهِ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي صَفْوَانَ الثَّقَفِيُّ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الطَّائِفِ مَاشِيًا عَلَى قَدَمَيْهِ. قَالَ: فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ، فَانْصَرَفَ إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ أَرْحَمُ بِي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي ؟ إِلَى عَدُوٍّ يَتَجَهَّمُنِي، أَمْ إِلَى قَرِيبٍ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي ؟ إِنْ لَمْ تَكُنْ غَضْبَانَ عَلَيَّ فَلَا أُبَالِي، غَيْرَ أَنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ تُحِلَّ عَلَيَّ سَخَطَكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ ". قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فِلْمًا رَآهُ ابْنَا رَبِيعَةَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ وَمَا لَقِيَ، تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا، فَدَعَوَا غُلَامًا نَصْرَانِيًّا يُقَالُ لَهُ: عَدَّاسٌ. فَقَالَا لَهُ: خُذْ قِطْفًا مِنْ هَذَا الْعِنَبِ، فَضَعْهُ فِي هَذَا الطَّبَقِ، ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقُلْ لَهُ يَأْكُلُ مِنْهُ، فَفَعَلَ عَدَّاسٌ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُلْ. فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ فِيهِ، قَالَ: " بِسْمِ اللَّهِ "، ثُمَّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ! فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " وَمِنْ أَهْلِ أَيِّ بِلَادٍ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ ؟ وَمَا دِينُكَ ؟ ". قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ؟ ". فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى ؟ ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ذَلِكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ ". فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ. قَالَ: يَقُولُ ابْنَاءُ رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ. فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ، قَالَا لَهُ: وَيْلَكَ يَا عَدَّاسُ، مَا لَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ ؟ قَالَ: يَا سَيِّدِي، مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرٍ مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ. قَالَا لَهُ: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ، لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ; فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ نَحْوًا مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الدُّعَاءَ، وَزَادَ: وَقَعَدَ لَهُ أَهْلُ الطَّائِفِ صَفَّيْنِ عَلَى طَرِيقِهِ، فَلَمَّا مَرَّ جَعَلُوا لَا يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ، وَلَا يَضَعُهُمَا، إِلَّا رَضَخُوهُمَا بِالْحِجَارَةِ حَتَّى أَدْمَوْهُ، فَخَلَصَ مِنْهُمْ وَهُمَا يَسِيلَانِ الدِّمَاءَ، فَعَمَدَ إِلَى ظِلِّ حَبَلَةٍ، وَهُوَ مَكْرُوبٌ، وَفِي ذَلِكَ الْحَائِطِ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ فَكَرِهَ مَكَانَهُمَا; لِعَدَاوَتِهِمَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ عَدَّاسٍ النَّصْرَانِيِّ كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطَّائِفِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ أَبِي جَبَلٍ الْعَدْوَانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَبْصَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَشْرِقِ ثَقِيفٍ، وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى قَوْسٍ - أَوْ عَصًى - حِينَ أَتَاهُمْ يَبْتَغِي عِنْدَهُمُ النَّصْرَ، فَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [ الطَّارِقِ: 1 ] حَتَّى خَتَمَهَا. قَالَ: فَوَعَيْتُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا مُشْرِكٌ، ثُمَّ قَرَأْتُهَا فِي الْإِسْلَامِ. قَالَ فَدَعَتْنِي ثَقِيفٌ، فَقَالُوا: مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ ؟ فَقَرَأْتُهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِصَاحِبِنَا، لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ مَا يَقُولُ حَقًّا لَاتَّبَعْنَاهُ. وَثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ: " لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكَ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. ثُمَّ نَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ قَدْ بَعَثَنِي إِلَيْكَ رَبُّكَ; لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ".
التاريخ 825لا حكم مسجّل
فَصْلٌ وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ سَمَاعَ الْجِنِّ لِقِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَذَلِكَ مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ حِينَ بَاتَ بِنَخْلَةَ، وَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ الصُّبْحَ، فَاسْتَمَعَ الْجِنُّ الَّذِينَ صُرِفُوا إِلَيْهِ قِرَاءَتَهُ هُنَالِكَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانُوا سَبْعَةَ نَفَرٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ قَوْلَهُ: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ [ الْأَحْقَافِ: 29 ] قُلْتُ: وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي " التَّفْسِيرِ "، وَتَقَدَّمَ قِطْعَةٌ مِنْ ذَلِكَ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مَرْجِعَهُ مِنَ الطَّائِفِ فِي جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ ، وَازْدَادَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ حَنَقًا، وَغَيْظًا، وَجُرْأَةً، وَتَكْذِيبًا، وَعِنَادًا. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. وَقَدْ ذَكَرَ الْأُمَوِيُّ فِي " مَغَازِيهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ إِلَى الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ، فَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُجِيرَهُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ حَلِيفَ قُرَيْشٍ لَا يُجِيرُ عَلَى صَمِيمِهَا. ثُمَّ بَعَثَهُ إِلَى سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ; لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ: إِنَّ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ. فَبَعَثَهُ إِلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ ; لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، قُلْ لَهُ فَلْيَأْتِ. فَذَهَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَبَاتَ عِنْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ خَرَجَ مَعَهُ هُوَ وَبَنُوهُ سِتَّةٌ - أَوْ سَبْعَةٌ - مُتَقَلِّدِي السُّيُوفَ جَمِيعًا، فَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: طُفْ. وَاحْتَبَوْا بِحَمَائِلِ سُيُوفِهِمْ فِي الْمَطَافِ، فَأَقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مُطْعِمٍ، فَقَالَ: أَمُجِيرٌ أَمْ تَابِعٌ ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مُجِيرٌ. قَالَ: إِذًا لَا تُخْفَرُ. فَجَلَسَ مَعَهُ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَوَافَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ انْصَرَفُوا مَعَهُ، وَذَهَبَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَجْلِسِهِ. قَالَ: فَمَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ تُوُفِّيَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ، فَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: وَاللَّهِ لَأَرْثِيَنَّهُ، فَقَالَ فِيمَا قَالَ: فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلِدُ الْيَوْمَ وَاحِدًا مِنَ النَّاسِ نَجَّى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمَا أَجَرْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا عِبَادَكَ مَا لَبَّى مُحِلٌّ وَأَحْرَمَا فَلَوْ سُئِلَتْ عَنْهُ مَعَدٌّ بِأَسْرِهَا وَقَحْطَانُ أَوْ بَاقِي بَقِيَّةِ جُرْهُمَا لَقَالُوا هُوَ الْمُوفِي بِخُفْرَةِ جَارِهِ وَذِمَّتِهِ يَوْمًا إِذَا مَا تَذَمَّمَا وَمَا تَطْلُعُ الشَّمْسُ الْمُنِيرَةُ فَوْقَهُمْ عَلَى مِثْلِهِ فِيهُمُ أَعَزَّ وَأَكْرَمَا أَبِيًّا إِذَا يَأْبَى وَأَلْيَنَ شِيمَةً وَأَنْوَمَ عَنْ جَارٍ إِذَا اللَّيْلُ أَظْلَمَا قُلْتُ: وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُسَارَى بَدْرٍ: " لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ سَأَلَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَوَهَبْتُهُمْ لَهُ ".
التاريخ 826لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَذَامَرُوا بَيْنَهُمْ عَلَى مَنْ فِي الْقَبَائِلِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِينَ أَسْلَمُوا، فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَهُمْ وَيَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهُمْ وَيُعَذِّبُونَهُمْ بِالضَّرْبِ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَبِرَمْضَاءِ مَكَّةَ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ مِمَّنِ اسْتَضْعَفُوهُ مِنْهُمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُفْتَتَنُ مِنْ شِدَّةِ الْبَلَاءِ الَّذِي يُصِيبُهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ تَصَلَّبَ لَهُمْ وَيَعْصِمُهُ اللَّهُ تَعَالَى. رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا يُعْذَرُونَ بِهِ فِي تَرْكِ دِينِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَاللَّهِ إِنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أَحَدَهُمْ وَيُجِيعُونَهُ وَيُعَطِّشُونَهُ حَتَّى مَا يَقْدِرُ يَسْتَوِي جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ حَتَّى يَقُولُوا لَهُ: اللَّاتُ وَالْعُزَّى إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ حَتَّى إِنَّ الْجُعْلَ لَيَمُرُّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ لَهُ: هَذَا الْجُعْلُ إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ نَعَمِ. افْتِدَاءً مِنْهُمْ مِمَّا يَبْلُغُونَ مِنْ جَهْدِهِمْ. وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ الْخَبِيثُ هُوَ الَّذِي يُغْرِي بِهِمْ رِجَالَ قُرَيْشٍ، إِذَا سَمِعَ بِالرَّجُلِ أَسْلَمَ لَهُ شَرَفٌ وَمَنَعَةٌ أَنَّبَهُ [وَأَخْزَاهُ] فَقَالَ: تَرَكْتَ دِينَ أَبِيكَ وَهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، لَنُسَفِّهَنَّ حِلْمَكَ وَلَنُفَيِّلَنَّ رَأْيَكَ وَلَنَضَعَنَّ شَرَفَكَ. وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا قَالَ: وَاللَّهِ لَنُكْسِدَنَّ تِجَارَتَكَ وَلَنُهْلِكَنَّ مَالِكَ. وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وَأَغْرَى بِهِ. فَمِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِلَالٌ ؓ، وَكَانَ صَادِقَ الْإِسْلَامِ طَاهِرَ الْقَلْبِ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ: فَكَانَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ يُخْرِجُهُ إِذَا حَمِيَتِ الظَّهِيرَةُ فَيَطْرَحُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ ثُمَّ يَأْمُرُ بِالصَّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتَّى تَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ وَتَعْبُدَ اللَّاتَ وَالْعُزَّى فَيَقُولُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ. أَحَدٌ أَحَدٌ أَنَا كَافِرٌ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: مَرَرْتُ بِبِلَالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ فِي الرَّمْضَاءِ وَلَوْ أَنَّ بَضْعَةَ لَحْمٍ وُضِعَتْ عَلَيْهِ لَنَضِجَتْ وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا كَافِرٌ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى. وَأُمَيَّةُ مُغْتَاظٌ عَلَيْهِ فَيَزِيدُهُ عَذَابًا فَيُقْبِلُ عَلَيْهِ فَيَدْغَتُ فِي حَلْقِهِ فَيُغْشَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُفِيقُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ ؓ قَالَ: حَجَجْتُ- أَوْ قَالَ اعْتَمَرْتُ- فَرَأَيْتُ بِلَالًا فِي حَبْلٍ طَوِيلٍ يَمُدُّهُ الصِّبْيَانُ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ أَنَا أَكْفُرُ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى وَهُبَلٍ وَنَائِلَةَ وَبُوَانَةَ، فَأَضْجَعَهُ أُمَيَّةُ فِي الرَّمْضَاءِ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: جَعَلُوا فِي عُنُقِ بِلَالٍ حَبْلًا وَأَمَرُوا صِبْيَانَهُمْ أَنْ يَشْتَدُّوا بِهِ بَيْنَ أَخْشَبَيْ مَكَّةَ - يَعْنِي جَبَلَيْهَا- فَفَعَلُوا ذَلِكَ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ يُعَذَّبُ حِينَ أَسْلَمَ لِيَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ فَمَا أَعْطَاهُمْ قَطُّ كَلِمَةً مِمَّا يُرِيدُونَ، وَكَانَ الَّذِي يُعَذِّبُهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ قَالَ: أَحَدٌ أَحَدٌ. فَيَقُولُونَ لَهُ: قُلْ كَمَا نَقُولُ فَيَقُولُ: إِنَّ لِسَانِي لَا يَنْطِقُ بِهِ وَلَا يُحْسِنُهُ. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: وَرُوِيَ أَنَّ بِلَالًا قَالَ: أَعْطِشُونِي يَوْمًا وَلَيْلَةً ثُمَّ أَخْرِجُونِي فَعَذِّبُونِي فِي الرَّمْضَاءِ فِي يَوْمٍ حَارٍّ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَمُرُّ بِبِلَالٍ وَهُوَ يُعَذَّبُ وَهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. فَيَقُولُ وَرَقَةُ: أَحَدٌ أَحَدٌ وَاللَّهِ يَا بِلَالُ. ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَمَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِهِ مِنْ بَنِي جُمَحَ فَيَقُولُ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأَتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا. حَتَّى مَرَّ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ وَهُمْ يَصْنَعُونَ بِهِ ذَلِكَ، وَكَانَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي جُمَحَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِأُمَيَّةَ: أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ حَتَّى مَتَى تُعَذِّبُهُ؟ قَالَ أَنْتَ أَفْسَدْتَهُ فَأَنْقِذْهُ مِمَّا تَرَى. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَفْعَلُ. عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ مِنْهُ وَأَقْوَى عَلَى دِينِكَ أُعْطِيكَهُ بِهِ. قَالَ: قَدْ قَبِلْتُ. قَالَ: هُوَ لَكَ. فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ غُلَامَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَ بِلَالًا فَأَعْتَقَهُ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ بِلَالٌ أَخَذَهُ أَهْلُهُ فَقَمَطُوهُ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنَ الْبَطْحَاءِ، وَجَعَلُوا يَقُولُونَ: رَبُّكَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى. فَيَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ. فَأَتَى عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ ؓ فَقَالَ: عَلَامَ تُعَذِّبُونَ هَذَا الْإِنْسَانَ؟ فَاشْتَرَاهُ بِسَبْعِ أَوَاقِيَ وَأَعْتَقَهُ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَدِ اشْتَرَاهُ فَقَالَ: الشَّرِكَةُ يَا أَبَا بَكْرٍ. فَقَالَ: قَدْ أَعْتَقْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ قَيْسٍ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا بِخَمْسِ أَوَاقِيَ. وَمِنْهُمْ خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: قَالُوا كَانَ الْأَرَتُّ سَوَادِيًا، فَأَغَارَ قَوْمٌ مِنْ رَبِيعَةَ عَلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا فَسَبَوْهُ وَأَتَوْا بِهِ الْحِجَازَ فَبَاعُوهُ فَوَقَعَ إِلَى سِبَاعِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْخُزَاعِيِّ حَلِيفِ بَنِي زُهْرَةَ وَزَعَمَ أَبُو الْيَقْظَانِ أَنْ خَبَّابًا كَانَ أَخَا سِبَاعٍ لِأُمِّهِ. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: وَخَبَّابٌ فِيمَا يَقُولُ وَلَدُهُ: ابْنُ الْأَرَتِّ بْنِ جَنْدَلَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ، وَإِنَّهُ وَقَعَ عَلَيْهِ سَبْيٌ فَصَارَ إِلَى أُمِّ أَنْمَارٍ مَوْلَاتُهُ فَأَعْتَقَتْهُ وَإِنَّهُ كَانَتْ بِهِ رَتَّةٌ، كَانَ أَلْكَنَ إِذَا تَكَلَّمَ بِالْعَرَبِيَّةِ فَسُمِّيَ الْأَرَتَّ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْ كُرْدُوسٍ أَنَّ خَبَّابًا أَسْلَمَ سَادِسَ سِتَّةٍ . وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: أَعْطَوْهُمْ مَا أَرَادُوا حِينَ عُذِّبُوا إِلَّا خَبَّابَ بْنَ الْأَرَتِّ فَجَعَلُوا يُلْصِقُونَ ظَهْرَهُ بِالْأَرْضِ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى ذَهَبَ مَاءُ مَتْنِهِ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي لَيْلَى الْكِنْدِيِّ قَالَ، جَاءَ خَبَّابٌ إِلَى عُمَرَ ؓ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: ادْنُهْ، ادْنُهْ. فَأَجْلَسَهُ عَلَى مُتَّكَئِهِ وَقَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الْمَجْلِسِ مِنْكَ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ. قَالَ: وَمَنْ هُوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: بِلَالٌ - وَفِي رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ، عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ قَالَ: مَا هُوَ بِأَحَقَّ مِنِّي إِنَّ بِلَالًا كَانَ لَهُ فِي الْمُشْرِكِينَ مَنْ يَمْنَعُهُ اللَّهُ بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي أَحَدٌ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا وَقَدْ أَوْقَدُوا لِي نَارًا ثُمَّ سَلَقُونِي فِيهَا ثُمَّ وَضَعَ رَجُلٌ رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي فَمَا اتَّقَيْتُ الْأَرْضَ إِلَّا بِظَهْرِي ثُمَّ كَشَفَ خَبَّابٌ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرَصَ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: كَانَ خَبَّابٌ قَيْنًا وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْلَفُهُ وَيَأْتِيهِ فَأُخْبِرَتْ بِذَلِكَ مَوْلَاتُهُ فَكَانَتْ تَأْخُذُ الْحَدِيدَةَ وَقَدْ أَحْمَتْهَا فَتَضَعُهَا عَلَى رَأْسِهِ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ انْصُرْ خَبَّابًا فَاشْتَكَتْ مَوْلَاتُهُ رَأْسَهَا وَهِيَ أُمُّ أَنْمَارٍ فَكَانَتْ تَعْوِي مَعَ الْكِلَابِ، فَقِيلَ لَهَا اكْتُوِي فَكَانَ خَبَّابٌ يَأْخُذُ الْحَدِيدَةَ قَدْ أَحْمَاهَا فَيَكْوِي بِهَا رَأْسَهَا. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ وَكَانَ الَّذِي يُعَذِّبُ خَبَّابًا حِينَ أَسْلَمَ وَلَازَمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ. وَقِيلَ وَهُوَ الثَّبْتُ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ خَبَّابٍ ؓ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَلَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً شَدِيدَةً فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ فَقَعَدَ مُحْمَرًّا وَجْهُهُ فَقَالَ: إِنْ كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ أَحَدِهِمْ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عَظْمِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِ أَحَدِهِمْ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ. وَمِنْهُمْ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ. رَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: كَانَ صُهَيْبٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ . وَمِنْهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: قَالُوا كَانَ عَامِرٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ فَكَانَ يُعَذَّبُ بِمَكَّةَ لِيَرْجِعَ عَنْ دِينِهِ حَتَّى اشْتَرَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَأَعْتَقَهُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ - بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الظَّاءِ الْمُشَالَةِ الْمُعْجَمَةِ- قَالَ: كَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يُعَذَّبُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ مَا يَقُولُ. وَمِنْهُمْ أَبُو فُكَيْهَةَ وَاسْمُهُ أَفْلَحُ وَيُقَالُ يَسَارٌ . وَكَانَ عَبْدًا لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ فَأَسْلَمَ حِينَ أَسْلَمَ بِلَالٌ، فَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ؓ وَقَدْ أَخَذَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَرَبَطَ فِي رِجْلِهِ حَبْلًا وَأَمَرَ بِهِ فَجُرَّ ثُمَّ أَلْقَاهُ فِي الرَّمْضَاءِ فَمَرَّ بِهِ جُعَلٌ فَقَالَ: أَلَيْسَ هَذَا رَبُّكَ فَقَالَ: اللَّهُ رَبِّي خَلَقَنِي وَخَلَقَكَ وَخَلَقَ هَذَا الْجُعْلَ فَغَلِطَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يَخْنُقُهُ وَمَعَهُ أَخُوهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَقُولُ: زِدْهُ عَذَابًا حَتَّى يَأْتِيَ مُحَمَّدٌ فَيُخَلِّصُهُ بِسِحْرِهِ. فَأَخْرَجَهُ نِصْفَ النَّهَارِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ مُقَيَّدًا إِلَى الرَّمْضَاءِ وَوَضَعَ عَلَى بَطْنِهِ صَخْرَةً فَدَلَعَ لِسَانَهُ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، ثُمَّ أَفَاقَ فَمَرَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ ؓ فَاشْتَرَاهُ وَأَعْتَقَهُ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: كَانَ أَبُو فُكَيْهَةَ يُعَذَّبُ حَتَّى- لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ. وَمِنْهُمْ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ ؓ. رَوَى الْبَلَاذُرِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ وَخَبَّابٌ وَصُهَيْبٌ وَعَمَّارٌ ، فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِعَمِّهِ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ قَوْمُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَأُلْبِسُوا دُرُوعَ الْحَدِيدِ وَصُهِرُوا فِي الشَّمْسِ حَتَّى بَلَغَ الْجَهْدُ مِنْهُمْ، وَجَاءَ أَبُو جَهْلٍ إِلَى سُمَيَّةَ فَطَعَنَهَا فِي قَلْبِهَا فَهِيَ أَوَّلُ شَهِيدَةٍ فِي الْإِسْلَامِ . وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ مُتَجَرِّدًا فِي سَرَاوِيلَ. قَالَ: وَنَظَرْتُ إِلَى ظَهْرِهِ فَإِذَا فِيهِ حَبَطٌ فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَذِّبُنِي فِي رَمْضَاءِ مَكَّةَ. وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: كَانَ عَمَّارٌ يُعَذَّبُ حَتَّى لَا يَدْرِيَ مَا يَقُولُ . وَرَوَى الْبَلَاذُرِيُّ عَنْ أُمِّ هَانِئٍ ؓ أَنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ وَأَبَاهُ يَاسِرًا وَأَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَاسِرٍ وَسُمَيَّةَ أُمَّ عَمَّارٍ كَانُوا يُعَذَّبُونَ فِي اللَّهِ فَمَرَّ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةُ. فَمَاتَ يَاسِرٌ فِي الْعَذَابِ وَأَغْلَظَتْ سُمَيَّةُ لِأَبِي جَهْلٍ فَطَعَنَهَا فِي قَلْبِهَا فَمَاتَتْ، وَرُمِيَ عَبْدُ اللَّهِ فَسَقَطَ. وَمِنْهُمْ جَارِيَةُ بَنِي الْمُؤَمَّلِ بْنِ حَبِيبٍ. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: وَكَانَ يُقَالُ لَهَا فِيمَا ذَكَرَ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ: لَبِيبَةُ، أَسْلَمَتْ قَبْلَ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَكَانَ عُمَرُ يُعَذِّبُهَا حَتَّى يَفْتُرَ فَيَدَعُهَا ثُمَّ يَقُولُ: أَمَا إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكِ بِأَنِّي لَمْ أَدَعْكِ إِلَّا سَآمَةً فَتَقُولُ: كَذَلِكَ يُعَذِّبُكَ رَبُّكَ إِنْ لَمْ تُسْلِمْ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حَسَّانَ قَالَ: قَدِمْتُ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا وَالنَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يُؤْذَوْنَ وَيُعَذَّبُونَ، فَوَقَفْتُ عَلَى عُمَرَ وَهُوَ مُتَوَزِّرٌ يَخْنُقُ جَارِيَةَ بَنِي عَمْرِو بْنِ الْمُؤَمَّلِ حَتَّى تَسْتَرْخِيَ فِي يَدَيْهِ فَأَقُولُ قَدْ مَاتَتْ. فَاشْتَرَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهَا. وَمِنْهُمْ زِنِّيرَةُ - بِزَايٍ فَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ مَكْسُورَتَيْنِ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الْحَصَاةُ الصَّغِيرَةُ وَيُرْوَى: زَنْبَرَةُ بِزَايٍ مَفْتُوحَةٍ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ فَبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ- الرُّومِيَّةُ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو جَهْلِ يُعَذِّبَانِهَا. قَالَ الْبَلَاذُرِيُّ: قَالُوا وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ يَقُولُ أَلَا تَعْجَبُونَ لِهَؤُلَاءِ وَاتِّبَاعِهِمْ مُحَمَّدًا ؟ فَلَوْ كَانَ مَا أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا وَحَقًّا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ أَفَسَبَقَتْنَا زِنِّيرَةُ إِلَى رُشْدٍ وَهِيَ مَنْ تَرَوْنَ. وَكَانَتْ زِنِّيرَةُ قَدْ عُذِّبَتْ حَتَّى عَمِيَتْ فَقَالَ لَهَا أَبُو جَهْلٍ: إِنَّ اللَّاتَ وَالْعُزَّى فَعَلَتَا بِكِ مَا تَرَيْنَ. فَقَالَتْ، وَهِيَ لَا تُبْصِرُ: وَمَا تَدْرِي اللَّاتُ وَالْعُزَّى مَنْ يَعْبُدُهُمَا، وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ وَرَبِّي قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرُدَّ بَصَرِي. فَأَصْبَحَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ بَصَرَهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا مِنْ سِحْرِ مُحَمَّدٍ فَاشْتَرَاهَا أَبُو بَكْرٍ ؓ فَأَعْتَقَهَا. وَمِنْهُمْ أُمُّ عُنَيْسٍ - بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ فَنُونٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ فَسِينٍ مُهْمَلَةٍ- وَيُقَالُ عُبَيْسٌ بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ فَمُثَنَّاةٍ تَحْتِيَّةٍ. أَمَةٌ لِبَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ يُعَذِّبُهَا فَابْتَاعَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَمِنْهُمُ النَّهْدِيَّةُ وَابْنَتُهَا. وَكَانَتْ مُوَلَّدَةً لِبَنِي نَهْدِ بْنِ زَيْدٍ فَصَارَتْ لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَكَانَتْ تُعَذِّبُهُمَا وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَقْلَعْتُ عَنْكُمَا أَوْ يُعْتِقُكُمَا بَعْضُ مَنْ صَبَأَ بِكُمَا. فَمَرَّ بِهِمَا أَبُو بَكْرٍ ؓ وَقَدْ بَعَثَتْهُمَا فِي طَحِينٍ لَهَا وَهِيَ تَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أُعْتِقُكُمَا أَبَدًا فَقَالَ: حِلَّ يَا أُمَّ فُلَانٍ فَقَالَتْ حِلَّ أَنْتَ وَاللَّهِ أَفْسَدْتَهُمَا فَأَعْتِقْهُمَا. قَالَ: فَبِكُمْ هُمَا؟ قَالَتْ: بِكَذَا وَكَذَا. قَالَ: قَدْ أَخَذْتُهُمَا بِهِ وَهُمَا حُرَّتَانِ أَرْجِعَا إِلَيْهَا طَحِينَهَا، قَالَتَا: أَوْ نَفْرَغُ مِنْهُ يَا أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ نَرُدُّهُ إِلَيْهَا قَالَ: أَوْ ذَاكُمَا إِنْ شِئْتُمَا. وَمِنْهُمْ أُمُّ بِلَالٍ حَمَامَةُ . ذَكَرَهَا أَبُو عُمَرَ فِي الدُّرَرِ فِيمَنْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ فَاشْتَرَاهَا أَبُو بَكْرٍ وَأَعْتَقَهَا. وَأَهْمَلَهَا أَبُو عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ وَاسْتَدْرَكُوهَا عَلَى الِاسْتِيعَابِ. وَالْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ؓ اشْتَرَى جَمَاعَةً مِمَّنْ كَانَ يُعَذَّبُ فِي اللَّهِ تَعَالَى ، وَهُمْ بِلَالٌ وَأُمُّهُ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَأَبُو فُكَيْهَةَ وَجَارِيَةُ بَنِي الْمُؤَمَّلِ وَالنَّهْدِيَّةُ وَابْنَتُهَا وَزِنِّيرَةُ. وَرَوَى الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِأَبِي بَكْرٍ ؓ: يَا بُنَيَّ أَرَاكَ تَعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا فَلَوْ أَنَّكَ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ فَأَعْتَقْتَ رِجَالًا جُلَدَاءَ يَمْنَعُونَكَ وَيَقُومُونَ دُونَكَ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ؓ: يَا أَبَتِ إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى [اللَّيْلِ 5] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ. قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ؓ يَذْكُرُ بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَكَانَ اسْمُ أَبِي بَكْرٍ عَتِيقًا: جَزَى اللَّهُ خَيْرًا عَنْ بِلَالِ وَصَحْبِهِ عَتِيقًا وَأَخْزَى فَاكِهًا وَأَبَا جَهْلِ عَشِيَّةَ هَمَّا فِي بِلَالٍ وَصَحْبِهِ وَلَمْ يَحْذَرَا مَا يَحْذَرُ الْمَرْءُ ذُو الْعَقْلِ بِتَوْحِيدِهِ رَبَّ الْأَنَامِ وَقَوْلِهِ شَهِدْتُ بِأَنَّ اللَّهَ رَبِّي عَلَى مَهْلِ فَإِنْ تَقْتُلُونِي تَقْتُلُونِي وَلَمْ أَكُنْ لِأُشْرِكَ بِالرَّحْمَنِ مِنْ خِيفَةِ الْقَتْلِ فَيَا رَبَّ إِبْرَاهِيمَ وَالْعَبْدِ يُونُسَ وَمُوسَى وَعِيسَى نَجِّنِي ثُمَّ لَا تُمْلِ لِمَنْ ظَلَّ يَهْوَى الْعِزَّ مِنْ آلِ غَالِبٍ عَلَى غَيْرِ حَقٍّ كَانَ مِنْهُ وَلَا عَدْلِ
التاريخ 827لا حكم مسجّل
عَرْضُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَقَوْمُهُ أَشَدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ وَفِرَاقِ دِينِهِ، إلَّا قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ، مِمَّنْ آمَنَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ، إذَا كَانَتْ، عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَيِّنَ ( لَهُمْ ) اللَّهُ مَا بَعَثَهُ بِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ أَصْحَابِنَا، مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدِّيلِيِّ، أَوْ مَنْ حَدَّثَهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْهُ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَبِيعَةُ بْنُ عَبَّادٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّادٍ، يُحَدِّثُهُ أَبِي، قَالَ: إنِّي لَغُلَامٌ شَابٌّ مَعَ أَبِي بِمِنًى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ عَلَى مَنَازِلِ الْقَبَائِلِ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَقُولُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي، وَتُصَدِّقُوا بِي، وَتَمْنَعُونِي، حَتَّى أُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ. قَالَ: وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ عَدَنِيَّةٌ. فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا دَعَا إلَيْهِ، قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنَّ هَذَا إنَّمَا يَدْعُوكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَحَلْفَاءَكُمْ مِنْ الْجِنِّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ، إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَلَا تُطِيعُوهُ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، مَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ ؟ قَالَ: هَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو لَهَبٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ النَّابِغَةُ: : كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أَنَّهُ أَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: مُلَيْحٌ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؓ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ بِالْمَوْقِفِ، فَيَقُولُ: أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوَّلِ نُبُوَّتِهِ مُسْتَخْفِيًا ثُمَّ أَعْلَنَ فِي الرَّابِعَةِ فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَشْرَ سِنِينَ، يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ يَتْبَعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظَ وَمِجَنَّةَ وَذِي الْمَجَازِ يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُجِيبُهُ حَتَّى إِنَّهُ سَأَلَ عَنِ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً. وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا وَتَمْلِكُوا الْعَرَبَ وَتَذِلُّ لَكُمُ الْعَجَمُ وَإِذَا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنَّةِ. وَأَبُو لَهَبٍ وَرَاءَهُ يَقُولُ: لَا تُطِيعُوهُ فَإِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ أَقْبَحَ الرَّدِّ وَيُؤْذُونَهُ وَيَقُولُونَ: قَوْمُكَ بِكَ أَعْلَمُ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ، فَيَقُولُ: " هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ؟ " فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ، فَقَالَ: " مِمَّنْ أَنْتَ ؟ " قَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَمْدَانَ. قَالَ: " فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ ؟ " قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يَحْقِرَهُ قَوْمُهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ ثُمَّ آتِيكَ مِنْ عَامِ قَابِلٍ. قَالَ: " نَعَمْ ". فَانْطَلَقَ، وَجَاءَ وَفْدُ الْأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ. وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنِّي بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ إِذْ مَرَّ رَجُلٌ بِي عَلَيْهِ حُلَّةٌ مِنْ بُرْدٍ أَحْمَرَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا. وَرَجُلٌ خَلْفَهُ قَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ وَسَاقَيْهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَذَّابٌ فَلَا تُطِيعُوهُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: غُلَامُ بَنِي هَاشِمٍ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى. عَنْ مُدْرِكِ بْنِ مُنِيبٍ- بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ النُّونِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ- الْعَامِرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ؓ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ تَفَلَ فِي وَجْهِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَثَا عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَبَّهُ، حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ فَأَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ بِعُسٍّ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ لَا تَخْشَيْ عَلَى أَبِيكِ غَلَبَةً وَلَا ذِلَّةً. فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهِيَ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ كِنَانَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا. وَإِذَا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَسْفِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَإِذَا هُوَ أَبُو جَهْلٍ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ فَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ تَتْرُكُوا عِبَادَةَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفِرُّ مِنْهُ، وَمَا يَلْتَفِتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ. قَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: الْمَحْفُوظُ: أَبُو لَهَبٍ. وَقَدْ يَكُونُ أَبُو جَهْلٍ وَهْمًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَا تَارَةً وَذَا تَارَةً، وَأَنَّهُمَا يَتَنَاوَبَانِ عَلَى أَذِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي كَلْبٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ، إلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ. [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ أَقْبَحَ عَلَيْهِ رَدًّا مِنْهُمْ [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي عَامِرٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ - يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِرَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ( الْخَيْرِ ) بْنِ قُشَيْرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ -: وَاَللَّهِ، لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، لَأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَفَتُهْدَفُ نَحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمْ الْمَوَاسِمَ، فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَامَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَدْعُونَا إلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إلَى بِلَادِنَا قَالَ: فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ، هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ، هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مَطْلَبٍ وَاَلَّذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تَقَوَّلَهَا إسْمَاعِيلِيٌّ قَطُّ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عَنْكُمْ. [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي الْمَوَاسِمِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ مِنْ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ لَا يَسْمَعُ بِقَادِمِ يَقْدَمُ مَكَّةَ مِنْ الْعَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ، إلَّا تَصَدَّى لَهُ، فَدَعَاهُ، إلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ زَادَ الْوَاقِدِيُّ -في ذكر القبائل التي عرض ﷺ عليها الإسلام- فقال: وَعَلَى بَنِي عَبْسٍ وَغَسَّانَ وَبَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِي فَزَارَةَ وَبَنِي مُرَّةَ وَبَنِي سُلَيْمٍ وَبَنِي نَصْرِ بْنِ هَوَازِنَ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ - بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ- وَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ وَبَنِي عُذْرَةَ وَقَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ. وَسَاقَ أَخْبَارَهُمْ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَلَمَةَ الْحَنَفِيِّ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا الْجَنَّةَ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَنَا ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ بِعُكَاظَ وَمِجَنَّةَ وَبِذِي الْمَجَازِ، يَدْعُونَا إِلَى اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- وَأَنْ نَمْنَعَ لَهُ ظَهْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، وَيَشْرُطَ لَنَا الْجَنَّةَ، فَمَا اسْتَجَبْنَا لَهُ وَلَا رَدَدْنَا عَلَيْهِ رَدًّا جَمِيلًا فَخَشِنَّا عَلَيْهِ وَحَلُمَ عَنَّا. قَالَ عَامِرٌ: فَرَجَعْتُ إِلَى هَجَرَ فِي أَوَّلِ عَامٍ فَقَالَ لِي هَوْدَةُ بْنُ عَلِيٍّ: هَلْ كَانَ فِي مَوْسِمِكُمْ هَذَا خَبَرٌ؟. قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَأَنْ يَمْنَعُوا ظَهْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ. فَقَالَ هَوْدَةُ: مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ هُوَ؟ قُلْتُ: هُوَ مِنْ أَوْسَطِهِمْ نَسَبًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ هَوْدَةُ: أَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ قُلْتُ: هُوَ هُوَ. قَالَ: أَمَا إِنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ عَلَى مَا هَا هُنَا. فَقُلْتُ: هُنَا قَطُّ مِنْ بَيْنِ الْبُلْدَانِ؟ قَالَ: وَغَيْرُ مَا هَا هُنَا. ثُمَّ وَافَيْتُ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ هَجَرَ فَقَالَ: مَا فَعَلَ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ رَأَيْتُهُ عَلَى حَالِهِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي. قَالَ: ثُمَّ وَافَيْتُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ آخِرُ مَا رَأَيْتُهُ وَإِذَا بِأَمْرِهِ قَدْ أَمِرَ وَإِذَا ذِكْرُهُ كَثُرَ فِي النَّاسِ. الْحَدِيثَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا أَرَى لِي عِنْدَكَ وَلَا عِنْدَ أَخِيكَ مَنَعَةً، فَهَلْ أَنْتَ مُخْرِجِي إِلَى السُّوقِ غَدًا، حَتَّى تُعَرِّفَنِي مَنَازِلَ قَبَائِلِ النَّاسِ ؟ " - وَكَانَتْ مَجْمَعَ الْعَرَبِ - قَالَ: فَقُلْتُ: هَذِهِ كِنْدَةُ وَلَفُّهَا، وَهِيَ أَفْضَلُ مَنْ يَحُجُّ الْبَيْتَ مِنَ الْيَمَنِ، وَهَذِهِ مَنَازِلُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهَذِهِ مَنَازِلُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ. قَالَ: فَبَدَأَ بِكِنْدَةَ فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ: " مِمَّنِ الْقَوْمُ ؟ " قَالُوا: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ: " مِنْ أَيِّ الْيَمَنِ ؟ " قَالُوا: مِنْ كِنْدَةَ. قَالَ: " مِنْ أَيِّ كِنْدَةَ ؟ " قَالُوا: مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: " فَهَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ ؟ " قَالُوا: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: " تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَتُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ: وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَشْيَاخِ قَوْمِهِ أَنَّ كِنْدَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنْ ظَفِرْتَ تَجْعَلُ لَنَا الْمُلْكَ مِنْ بَعْدِكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ". فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيمَا جِئْتَنَا بِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فَقَالُوا: أَجِئْتَنَا لِتَصُدَّنَا عَنْ آلِهَتِنَا، وَنُنَابِذَ الْعَرَبَ، الْحَقْ بِقَوْمِكَ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِكَ. فَانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَأَتَى بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ، فَقَالَ: " مِمَّنِ الْقَوْمُ ؟ " قَالُوا: مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. فَقَالَ: " مِنْ أَيِّ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ؟ " قَالُوا: مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. قَالَ: كَيْفَ الْعَدَدُ ؟ قَالُوا: كَثِيرٌ مِثْلُ الثَّرَى. قَالَ: " فَكَيْفَ الْمَنَعَةُ ؟ " قَالُوا: لَا مَنَعَةَ، جَاوَرْنَا فَارِسَ، فَنَحْنُ لَا نَمْتَنِعُ مِنْهُمْ وَلَا نُجِيرُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: " فَتَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ إِنْ هُوَ أَبْقَاكُمْ حَتَّى تَنْزِلُوا مَنَازِلَهُمْ، وَتَسْتَنْكِحُوا نِسَاءَهُمْ، وَتَسْتَعْبِدُوا أَبْنَاءَهُمْ، أَنْ تُسَبِّحُوا اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُوهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُوهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ ؟ " قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: " أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ". ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَمَّا وَلَّى عَنْهُمْ - قَالَ الْكَلْبِيُّ -: وَكَانَ عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ يَتْبَعُهُ، فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: لَا تَقْبَلُوا قَوْلَهُ. ثُمَّ مَرَّ أَبُو لَهَبٍ فَقَالُوا: هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا فِي الذُّرْوَةِ مِنَّا، فَعَنْ أَيِّ شَأْنِهِ تَسْأَلُونَ ؟ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، وَقَالُوا: زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: أَلَا لَا تَرْفَعُوا بِقَوْلِهِ رَأْسًا ; فَإِنَّهُ مَجْنُونٌ يَهْذِي أُمُّ رَأْسِهِ. قَالُوا: قَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ حِينَ ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ فَارِسَ مَا ذَكَرَ.
التاريخ 828لا حكم مسجّل
[ سُوَيْدُ بْنُ صَامِتٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ الظَّفَرِيُّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ صَامِتٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، وَكَانَ سُوَيْدُ إنَّمَا يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ فِيهِمْ: الْكَامِلَ، لِجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ وَشَرَفِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: : أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَوْ تَرَى مَقَالَتَهُ بِالْغَيْبِ سَاءَكَ مَا يَفْرِي مَقَالَتُهُ كَالشَّهْدِ مَا كَانَ شَاهِدًا وَبِالْغَيْبِ مَأْثُورٌ عَلَى ثُغْرَةِ النَّحْرِ يَسُرُّكَ بَادِيهِ وَتَحْتَ أَدِيَمِهِ نَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقَبَ الظَّهْرِ تُبِينُ لَكَ الْعَيْنَانِ مَا هُوَ كَاتِمٌ مِنْ الْغِلِّ وَالْبَغْضَاءِ بِالنَّظَرِ الشَّزْرِ فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طَالَمَا قَدْ بَرَيْتنِي فَخَيْرُ الْمَوَالِي مَنْ يَرِيشُ وَلَا يَبْرِي وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: وَنَافَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي زِعْبِ بْنِ مَالِكٍ مِئَةَ نَاقَةٍ، إلَى كَاهِنَةٍ مِنْ كُهَّانِ الْعَرَبِ، فَقَضَتْ لَهُ. فَانْصَرَفَ عَنْهَا هُوَ وَالسُّلَمِيُّ، لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرُهَا، فَلَمَّا فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الطَّرِيقُ، قَالَ: مَالِي، يَا أَخَا بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: أَبْعَثُ إلَيْكَ بِهِ؛ قَالَ: فَمَنْ لِي بِذَلِكَ إذَا فُتَّنِي بِهِ ؟ قَالَ: أَنَا؛ قَالَ: كَلَّا، وَاَلَّذِي نَفْسُ سُوَيْدٍ بِيَدِهِ، لَا تُفَارِقَنِّي حَتَّى أُوتَى بِمَالِي، فَاِتَّخَذَا فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَوْثَقَهُ رِبَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى بَعَثَتْ إلَيْهِ سُلَيْمٌ بِاَلَّذِي لَهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ: : لَا تَحْسَبَنِّي يَا بْنَ زِعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَمَنْ كُنْتَ تُرْدِي بِالْغُيُوبِ وَتَخْتِلُ تَحَوَّلْتَ قِرْنًا إذْ صُرِعْتَ بِعِزَّةٍ كَذَلِكَ إِنَّ الْحَازِمَ الْمُتَحَوِّلُ ضَرَبْتُ بِهِ إِبْطَ الشَّمَالِ فَلَمْ يَزَلْ عَلَى كُلِّ حَالٍ خَدُّهُ هُوَ أَسْفَلُ فِي أَشْعَارٍ كَثِيرَةٍ كَانَ يَقُولُهَا. فَتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ بِهِ، فَدَعَاهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلُ الَّذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا الَّذِي مَعَكَ ؟ قَالَ: مَجَلَّةُ لُقْمَانَ - يَعْنِي حِكْمَةَ لُقْمَانَ - فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اعْرِضْهَا عَلَيَّ، فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ لَهُ: إنَّ هَذَا لَكَلَامٌ حَسَنٌ، وَاَلَّذِي مَعِي أَفَضْلُ مِنْ هَذَا، قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ، هُوَ هُدًى وَنُورٌ. فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا لَقَوْلٌ حَسَنٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَتَلَتْهُ الْخَزْرَجُ، فَإِنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ لَيَقُولُونَ: إنَّا لَنَرَاهُ قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ. وَكَانَ قَتْلُهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعَاثٍ
التاريخ 829لا حكم مسجّل
إسْلَامُ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ وَقِصَّةُ أَبِي الْحَيْسَرِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، مَكَّةَ وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِيهِمْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ الْخَزْرَجِ، سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ ؟ فَقَالُوا لَهُ: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْكِتَابَ قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: أَيْ قَوْمِ، هَذَا وَاَللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ قَالَ: فَيَأْخُذُ أَبُو الْحَيْسَرِ، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ الْبَطْحَاءِ، فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ، وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا. قَالَ: فَصَمَتَ إيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ. قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا، لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعَ.
التاريخ 830لا حكم مسجّل
بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَبَدْءُ دُخُولِ الْأَنْصَارِ فِي الْإِسْلَامِ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى إِظْهَارَ دِينِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَالتَّمْكِينَ لَهُ فِي الْأَرْضِ قَدَّرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ فِي الْمَوْسِمِ كَمَا كَانَ يَفْعَلُ كُلَّ عَامٍ، فَلَقِيَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ مِنْ مَوَالِي يَهُودَ فَكَلَّمَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَصَادَفَ ذَلِكَ مَا كَانَ يَذْكُرُهُ لَهُمُ الْيَهُودُ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ. فَاغْتَنَمُوا الْفُرْصَةَ وَآمَنُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَبِلُوا مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَأَمِلُوا أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ كَلِمَةَ قَوْمِهِمْ بَعْدَ أَنْ وَقَعَ بَيْنَهُمْ مِنَ الشَّرِّ وَالْعَدَاوَةِ. وَقَدْ عَادَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنَ الْخَزْرَجِ إِلَى قَوْمِهِمْ وَجَاءُوا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَبَايَعُوا النَّبِيَّ ﷺ بَيْعَةَ النِّسَاءِ، ثُمَّ عَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَعَادَ مَعَهُمْ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ؓ وَقَدْ نَزَلَ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، وَظَلَّ يَدْعُو الْقَوْمَ حَتَّى أَكْرَمَ اللَّهُ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَسَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ بِالْإِسْلَامِ عَلَى يَدَيْهِ فِي أَثْنَاءِ مُحَاوَلَتِهِمْ مَنْعَهُ مِنَ الدَّعْوَةِ وَذَلِكَ عِنْدَمَا سَمِعُوا مَا يَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الْإِسْلَامِ.
التاريخ 831لا حكم مسجّل
بَدْءُ إسْلَامِ الْأَنْصَارِ [ رَسُولُ اللَّهِ وَرَهْطٌ مِنْ الْخَزْرَجِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إظْهَارَ دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنْ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، قَالَ: أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ ؟ قَالُوا: بَلَى. فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ، أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ وَأَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قَدْ غَزَوْهُمْ بِبِلَادِهِمْ، فَكَانُوا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ: إنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ، قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ النَّفَرَ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: يَا قَوْمِ، تَعْلَمُوا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا تَسْبِقُنَّكُمْ إلَيْهِ. فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: إنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا، وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ اللَّهُ بِكَ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ، فَنَدْعُوهُمْ إلَى أَمْرِكَ، وَتَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا.
التاريخ 832لا حكم مسجّل
[ أَسَمَاءُ الرَّهْطِ الْخَزْرَجِيِّينَ الَّذِينَ الْتَقَوْا بِالرَّسُولِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهُمْ - فِيمَا ذُكِرَ لِي -: سِتَّةُ نَفَرٍ مِنْ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ - وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ - ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَعَفْرَاءُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَامِرُ بْنُ الْأَزْرَقِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، وَلَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: غَنْمٌ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ. وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ إلَى قَوْمِهِمْ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَدَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِيمَا رَوَاهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَوَّلَ اجْتِمَاعِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِمْ كَانُوا ثَمَانِيَةً.
التاريخ 833لا حكم مسجّل
الْعَقَبَةُ الْأُولَى وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ حَتَّى إذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنْ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَلَقَوْهُ بِالْعَقَبَةِ. ( قَالَ ) وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ الْحَرْبُ. [ رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ] مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ؛ وَعَوْفٌ، وَمُعَاذٌ، ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ. [ رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ ] وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرٍ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ ؟ وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ بْنِ مُخْلِدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَكْوَانُ، مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ. [ رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي عَوْفٍ ] وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمَةَ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمَّارَةَ مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ، مِنْ بَلِيٍّ، حَلِيفٌ لَهُمْ. [ رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَالِمٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ. [ رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بِلَامِ مَكْسُورَةٍ ] وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَلِمَةَ: عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ. [ رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَوَادٍ ] وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ قُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادِ. [ رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ الْأَوْسِ ] وَشَهِدَهَا مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: التَّيِّهَانُ: يُخَفَّفُ وَيُثَقَّلُ، كَقَوْلِهِ مَيْتٌ وَمَيِّتٌ. [ رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي عَمْرٍو ] وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ.
التاريخ 834لا حكم مسجّل
[ عَهْدُ الرَّسُولِ عَلَى مُبَايِعِي الْعَقَبَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ ( أَبِي ) مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الصَّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ، عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ. فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ. وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُكُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَائِذِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ أَبِي إدْرِيسَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ ( شَيْئًا ) فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إنْ شَاءَ عَذَّبَ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ.
التاريخ 835لا حكم مسجّل
[ إرْسَالُ الرَّسُولِ مُصْعَبًا مَعَ وَفْدِ الْعَقَبَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمْ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَكَانَ يُسَمَّى الْمُقْرِئَ بِالْمَدِينَةِ: مُصْعَبٌ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمَّهُ بَعْضٌ. فَنَزَلَ مُصْعَبٌ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ فَكَانَ يُسَمَّى بِالْمَدِينَةِ الْمُقْرِئَ.
التاريخ 836لا حكم مسجّل
أَوَّلُ جُمُعَةٍ أَقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ [ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَإِقَامَةُ أَوَّلِ جُمُعَةٍ بِالْمَدِينَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي، كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، حِينَ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَكُنْتُ إذَا خَرَجْتُ بِهِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَسَمِعَ الْأَذَانَ بِهَا صَلَّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. قَالَ: فَمَكَثَ حِينًا عَلَى ذَلِكَ: لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ إلَّا صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا بِي لَعَجْزٌ، أَلَّا أَسْأَلَهُ مَا لَهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ كَمَا كُنْتُ أَخْرُجُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، مَا لَكَ إذَا سَمِعْتَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّيْتَ عَلَى أَبِي أُمَامَةَ ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ، مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ، قَالَ قُلْتُ: وَكَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا. [ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَإِسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ ظَفَرٍ: كَعْبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ - قَالَا: عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ مَرَقٍ فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: لَا أَبَا لَكَ، انْطَلِقْ إلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَيْنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا، فَازْجُرْهُمَا وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا، قَالَ: فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ إلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، قَالَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ، فَاصْدُقْ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ مُصْعَبٌ: إنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ. قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا. مُتَشَتِّمًا، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا ؟ اعْتَزِلَانَا إنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ قَالَ: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَقَالَا: فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا: وَاَللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي إشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ. ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي. فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إنَّ وَرَائِي رَجُلًا إنْ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إلَيْكُمَا الْآنَ، سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا، قَالَ: أَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ ؟ قَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ، فَوَاَللَّهِ مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا، فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ، لِيُخْفِرُوكَ قَالَ: فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا، تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ مِنْ يَدِهِ. ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنَّيْنِ، عَرَفَ سَعْدٌ أَنَّ أُسَيْدًا إنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، ( أَمَا وَاَللَّهِ ) لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ - وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَيْ مُصْعَبُ، جَاءَكَ وَاَللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ، إنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْكَ مِنْهُمْ اثْنَانِ - قَالَ: فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ ؟ قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْتَ. ثُمَّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَا: فَعَرَفْنَا وَاَللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ. قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا، قَالُوا: نَحْلِفُ بِاَللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ إلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا ( وَأَوْصَلُنَا ) وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ قَالَا: فَوَاَللَّهِ مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً. وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ وَوَاقِفٍ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللَّهِ، وَهُمْ مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ، وَهُوَ صَيْفِيٌّ، وَكَانَ شَاعِرًا لَهُمْ قَائِدًا يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ، فَوَقَفَ بِهِمْ عَنْ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، وَقَالَ فِيمَا رَأَى مِنْ الْإِسْلَامِ، وَمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ: : أَرَبَّ النَّاسِ أَشْيَاءُ أَلَمَّتْ يُلَفُّ الصَّعْبُ مِنْهَا بِالذَّلُولِ أَرَبَّ النَّاسِ أَمَّا إذْ ضَلِلْنَا فَيَسِّرْنَا لِمَعْرُوفِ السَّبِيلِ فَلَوْلَا رَبُّنَا كُنَّا يَهُودًا وَمَا دِينُ الْيَهُودِ بِذِي شُكُولِ وَلَوْلَا رَبُّنَا كُنَّا نَصَارَى مَعَ الرُّهْبَانِ فِي جَبَلِ الْجَلِيلِ وَلَكِنَّا خُلِقْنَا إذْ خُلِقْنَا حَنِيفًا دِينُنَا عَنْ كُلِّ جِيلِ نَسُوقُ الْهَدْيَ تَرْسُفُ مُذْعِنَاتٍ مُكَشِّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ: فَلَوْلَا رَبُّنَا، وَقَوْلَهُ: لَوْلَا رَبُّنَا، وَقَوْلَهُ: مُكَشِّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ، رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَوْ مِنْ خُزَاعَةَ. وكَانَ الَّذِي ثَبَّطَهُ -أبا قيس- عَنِ الْإِسْلَامِ أَوَّلًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، بَعْدَمَا أَخْبَرَهُ أَبُو قَيْسٍ أَنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ يَهُودُ، فَمَنَعَهُ عَنِ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمْ يُسْلِمْ إِلَى يَوْمِ الْفَتْحِ هُوَ وَأَخُوهُ وَحْوَحٌ. وَأَنْكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنْ يَكُونَ أَبُو قَيْسٍ أَسْلَمَ. وَكَذَا الْوَاقِدِيُّ، قَالَ: كَانَ عَزَمَ عَلَى الْإِسْلَامِ أَوَّلَ مَا دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَامَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَحَلَفَ لَا يُسْلِمُ إِلَى حَوْلٍ، فَمَاتَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ، فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي كِتَابِهِ " أُسْدِ الْغَابَةِ " أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْإِسْلَامِ فَسُمِعَ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: " يَا خَالِ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ". فَقَالَ: أَخَالٌ أَمْ عَمٌّ ؟ قَالَ: " بَلْ خَالٌ ". قَالَ: فَخَيْرٌ لِي أَنْ أَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " نَعَمْ ". تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَذَكَرَ عِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ أَرَادَ ابْنَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأَتَهُ كُبَيْشَةَ بِنْتَ مَعْنِ بْنِ عَاصِمٍ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [ النِّسَاءِ: 22 ] الْآيَةَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَسَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ فِي " مَغَازِيهِ ": كَانَ أَبُو قَيْسٍ هَذَا قَدْ تَرَهَّبَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَلَبِسَ الْمُسُوحَ، وَفَارَقَ الْأَوْثَانَ، وَاغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتَطَهَّرَ مِنَ الْحَائِضِ مِنَ النِّسَاءِ وَهَمَّ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، ثُمَّ أَمْسَكَ عَنْهَا، وَدَخَلَ بَيْتًا لَهُ فَاتَّخَذَهُ مَسْجِدًا، لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِيهِ حَائِضٌ وَلَا جُنُبٌ، وَقَالَ: أَعْبُدُ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ، حِينَ فَارَقَ الْأَوْثَانَ وَكَرِهَهَا، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ، وَكَانَ قَوَّالًا بِالْحَقِّ، مُعَظِّمًا لِلَّهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِ، يَقُولُ فِي ذَلِكَ أَشْعَارًا حِسَانًا، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبَحَ غَادِيًا أَلَا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ وَصَاتِيَ فَافْعَلُوا فَأُوصِيكُمْ بِاللَّهِ وَالْبِرِّ وَالتُّقَى وَأَعْرَاضِكُمْ وَالْبِرُّ بِاللَّهِ أَوَّلُ وَإِنْ قَوْمُكُمْ سَادُوا فَلَا تَحْسُدُنَّهُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ أَهْلَ الرِّئَاسَةِ فَاعْدِلُوا وَإِنْ نَزَلَتْ إِحْدَى الدَّوَاهِي بِقَوْمِكُمْ فَأَنْفُسَكُمْ دُونَ الْعَشِيرَةِ فَاجْعَلُوا وَإِنْ نَابَ غُرْمٌ فَادِحٌ فَارْفُقُوهُمُ وَمَا حَمَّلُوكُمْ فِي الْمُلِمَّاتِ فَاحْمِلُوا وَإِنْ أَنْتُمْ أَمْعَرْتُمُ فَتَعَفَّفُوا وَإِنْ كَانَ فَضْلُ الْخَيْرِ فِيكُمْ فَأَفْضِلُوا وَقَالَ أَبُو قَيْسٍ أَيْضًا: سَبِّحُوا اللَّهَ شَرْقَ كُلِّ صَبَاحٍ طَلَعَتْ شَمْسُهُ وَكُلَّ هِلَالِ عَالِمَ السِّرِّ وَالْبَيَانِ جَمِيعًا لَيْسَ مَا قَالَ رَبُّنَا بِضَلَالِ وَلَهُ الطَّيْرُ تَسْتَرِيدُ وَتَأْوِي فِي وُكُورٍ مِنْ آمِنَاتِ الْجِبَالِ وَلَهُ الْوَحْشُ بِالْفَلَاةِ تَرَاهَا فِي حِقَافٍ وَفِي ظِلَالِ الرِّمَالِ وَلَهُ هَوَّدَتْ يَهُودُ وَدَانَتْ كُلَّ دِينٍ مَخَافَةً مِنْ عُضَالِ وَلَهُ شَمَّسَ النَّصَارَى وَقَامُوا كُلَّ عِيدٍ لِرَبِّهِمْ وَاحْتِفَالِ وَلَهُ الرَّاهِبُ الْحَبِيسُ تَرَاهُ رَهْنَ بُؤْسٍ وَكَانَ نَاعِمَ بَالِ يَا بَنِيَّ الْأَرْحَامَ لَا تَقْطَعُوهَا وَصِلُوهَا قَصِيرَةً مِنْ طِوَالِ وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي ضِعَافِ الْيَتَامَى وَبِمَا يُسْتَحَلُّ غَيْرُ الْحَلَالِ وَاعْلَمُوا أَنَّ لِلْيَتِيمِ وَلِيًّا عَالِمًا يَهْتَدِي بِغَيْرِ سُؤَالِ ثُمَّ مَالَ الْيَتِيمِ لَا تَأْكُلُوهُ إِنَّ مَالَ الْيَتِيمِ يَرْعَاهُ وَالِي يَا بَنِيَّ التُّخُومَ لَا تَجْزِلُوهَا إِنَّ جَزْلَ التُّخُومِ ذُو عُقَّالِ يَا بَنِيَّ الْأَيَّامَ لَا تَأْمَنُوهَا وَاحْذَرُوا مَكْرَهَا وَمَرَّ اللَّيَالِي وَاعْلَمُوا أَنَّ مَرَّهَا لِنَفَادِ الْ خَلْقِ مَا كَانَ مِنْ جَدِيدٍ وَبَالِي وَاجْمَعُوا أَمْرَكُمْ عَلَى الْبِرِّ وَالْتَّقْ وَى وَتَرْكِ الْخَنَا وَأَخْذِ الْحَلَالِ
التاريخ 837لا حكم مسجّل
بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ وَمَا جَاءَ فِيهَا: وَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الْأُولَى جَاءَ عَدَدٌ مِنْ مُسْلِمِي الْأَنْصَارِ فِي رَكْبِ قَوْمِهِمْ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ وَكَانُوا قَدْ عَاهَدُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلَى اللِّقَاءِ وَأَنْ يَعْرِضُوا عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ إِلَيْهِمْ فَيَمْنَعُوهُ وَيَنْصُرُوهُ حُبًّا وَكَرَامَةً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَلِرَسُولِهِ ﷺ. فَاجْتَمَعُوا وَتَكَلَّمَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَلَكِنْ كَانَ أَمِينًا أَرَادَ أَنْ يَتَأَكَّدَ مِنْ عَزْمِ الْقَوْمِ عَلَى نُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا صَارَ إِلَيْهِمْ وَقَدْ قَالَ الْأَنْصَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ خُذْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ، فَبَايَعَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَعَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ إِذَا قَدِمَ إِلَيْهِمْ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ فَبَايَعُوهُ ﷺ وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ بَايَعَ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ التِّيِّهَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا تَمَّتِ الْبَيْعَةُ صَرَخَ الشَّيْطَانُ وَأَخْبَرَ بِمَا كَانَ، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ أَتَوْا إِلَى الْأَنْصَارِ وَفِيهِمُ الْمُشْرِكُونَ وَذَكَرُوا لَهُمْ مَا عَلِمُوا مِنْ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى نُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَانْبَعَثَ مِنْ هُنَاكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَحْلِفُونَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَحْصُلْ وَصَدَقُوا لَمْ يَعْلَمُوا، وَسَكَتَ الْمُسْلِمُونَ. ثُمَّ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِمَا كَانَ وَأَخَذَتْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَعَذَّبَتْهُ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْجَاهُ وَعَادَ إِلَى قَوْمِهِ. وَقَدْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَبَلَغَ عَدَدُ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ. وَلَمَّا عَادَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ نَشِطُوا فِي دَعْوَتِهِمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَعَمَّ الْإِسْلَامُ دُورَ الْأَنْصَارِ حَتَّى أَسْلَمَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ ؓ، وَكَانَ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ قَوْمِهِ.
التاريخ 838لا حكم مسجّل
أَمْرُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ [ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ مَعَ حَجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ، وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ. قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؓ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَبِثَ عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ مِجَنَّةَ وَعُكَاظَ وَفِي الْمَوَاسِمِ بِمِنًى يَقُولُ: «مَنْ يُؤْوِينِي؟ وَمَنْ يَنْصُرُنِي؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّي وَلَهُ الْجَنَّةُ»، فَلَا يَجِدُ أَبَدًا أَحَدًا يُؤْوِيهِ وَلَا يَنْصُرُهُ، حَتَّى إِنِ الرَّجُلَ لَيَرْحَلُ مِنْ مُضَرَ أَوِ الْيَمَنِ، فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ وَذَوُو رَحِمِهِ فَيَقُولُونَ: احْذَرْ فَتَى قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنُكَ يَمْضِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ، وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِهِمْ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ يَثْرِبَ فَيَأْتِيهِ الرَّجُلُ مِنَّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ يَثْرِبَ إِلَّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ. ثُمَّ بَعَثَنَا اللَّهُ تَعَالَى فَأَتْمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا فَقُلْنَا: مَتَى نَذَرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ فَرَحَلَ إِلَيْهِ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا حَتَّى قَدِمُوا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ، فَوَاعَدْنَاهُ شِعْبَ الْعَقَبَةِ، فَاجْتَمَعْنَا فِيهِ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ حَتَّى تَوَافَيْنَا عِنْدَهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: «تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالْكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ، لَا تَأْخُذُكُمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ يَثْرِبَ، تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمُ الْجَنَّةُ».
التاريخ 839لا حكم مسجّل
[ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَصَلَاتُهُ إلَى الْكَعْبَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبًا حَدَّثَهُ، وَكَانَ كَعْبٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا، قَالَ: خَرَجْنَا فِي حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا، فَلَمَّا وَجَّهْنَا لِسَفَرِنَا، وَخَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْبَرَاءُ لَنَا: يَا هَؤُلَاءِ، إنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، فَوَاَللَّهِ مَا أَدْرِي، أَتُوَافِقُونَنِي عَلَيْهِ، أَمْ لَا ؟ قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ لَا أَدَعَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، يَعْنِي الْكَعْبَةَ، وَأَنْ أُصَلِّيَ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا، وَاَللَّهِ مَا بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ يُصَلِّي إلَّا إلَى الشَّامِ وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ. قَالَ: فَقَالَ: إنِّي لَمُصَلٍّ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: لَكِنَّا لَا نَفْعَلُ. قَالَ: فَكُنَّا إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ صَلَّيْنَا إلَى الشَّامِ، وَصَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ: وَقَدْ كُنَّا عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَأَبَى إلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ لِي: يَا ابْنَ أَخِي، انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى نَسْأَلَهُ عَمَّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ خِلَافِكُمْ إيَّايَ فِيهِ. قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنَّا لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَقِينَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّهُ ؟ قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ - قَالَ: وَقَدْ كُنَّا نَعْرِفُ الْعَبَّاسَ، كَانَ لَا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا - قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فَهُوَ الرَّجُلُ الْجَالِسُ مَعَ الْعَبَّاسِ. قَالَ. فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا الْعَبَّاسُ جَالِسٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ مَعَهُ، فَسَلَّمْنَا ثُمَّ جَلَسْنَا إلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ ( بْنُ ) مَالِكٍ. قَالَ: فَوَاَللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: الشَّاعِرُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. ( قَالَ ): فَقَالَ ( لَهُ ) الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي خَرَجْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، وَقَدْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، فَرَأَيْتُ أَنْ لَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، فَصَلَّيْتُ إلَيْهَا، وَقَدْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي فِي ذَلِكَ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: ( قَدْ ) كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا. قَالَ: فَرَجَعَ الْبَرَاءُ إلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَلَّى مَعَنَا إلَى الشَّامِ. قَالَ: وَأَهْلُهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى مَاتَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَمَا قَالُوا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَوْنُ بْنُ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ: : وَمِنَّا الْمُصَلِّي أَوَّلَ النَّاسِ مُقْبِلًا عَلَى كَعْبَةِ الرَّحْمَنِ بَيْنَ الْمَشَاعِرِ يَعْنِي الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.
التاريخ 840لا حكم مسجّل
[ إسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، قَالَ كَعْبٌ: ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَقَبَةِ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهَا، وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَوْ جَابِرٌ، سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، أَخَذْنَاهُ مَعَنَا، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمْرَنَا، فَكَلَّمْنَاهُ وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ، إنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، ثُمَّ دَعَوْنَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّانَا الْعَقَبَةَ. قَالَ: فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا. قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ، أُمُّ عُمَارَةَ، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ
التاريخ 841لا حكم مسجّل
[ الْعَبَّاسُ يَتَوَثَّقُ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ] قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ ( عَمُّهُ ) الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ وَيَتَوَثَّقَ لَهُ. فَلَمَّا جَلَسَ كَانَ أَوَّلَ مُتَكَلِّمٍ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ - قَالَ: وَكَانَتْ الْعَرَبُ إنَّمَا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ: الْخَزْرَجَ، خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا -: إنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا، مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، فَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إلَّا الِانْحِيَازَ إلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ بِهِ إلَيْكُمْ، فَمِنْ الْآنَ فَدَعُوهُ. فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتُ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتُ.
التاريخ 842لا حكم مسجّل
[ عَهْدُ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْأَنْصَارِ ] قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ ( نَبِيًّا ) لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ وَرِثْنَاهَا كَابِرًا ( عَنْ كَابِرٍ ) قَالَ: فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ، وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا - يَعْنِي الْيَهُودَ - فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا ؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ: الْهَدْمَ الْهَدْمَ: ( يَعْنِي الْحُرْمَةَ ) أَيْ ذِمَّتِي ذِمَّتُكُمْ وَحُرْمَتِي حُرْمَتُكُمْ ؟. [ كَلِمَةُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُبَادَةَ فِي الْخَزْرَجِ قَبْلَ الْمُبَايَعَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: إنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ مِنْ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إذَا نُهِكَتْ أَمْوَالُكُمْ مُصِيبَةً، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنْ الْآنَ، فَهُوَ وَاَللَّهِ إنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ عَلَى نَهْكَةِ الْأَمْوَالِ وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاَللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ. فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا ( بِذَلِكَ ) قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالُوا: اُبْسُطْ يَدَكَ. فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ وَأَمَّا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ إلَّا لِيَشُدَّ الْعَقْدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَعْنَاقِهِمْ. وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ إلَّا لِيُؤَخِّرَ الْقَوْمَ تَلِكَ اللَّيْلَةَ، رَجَاءَ أَنْ يَحْضُرَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ، فَيَكُونَ أَقْوَى لِأَمْرِ الْقَوْمِ. فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ. [ نَسَبُ سَلُولَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ سَلُولُ امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهِيَ أُمُّ أُبَيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ وَأَخَذَ بِيَدِهِ ﷺ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَهُوَ أَصْغَرُ السَّبْعِينَ فَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيِّ إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ، وَأَنْ تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ، فَإِمَّا أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَخُذُوهُ، وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ، وَإِمَّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ، فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ، فَقَالُوا: يَا أسعد أَمِطْ عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ، وَلَا نَسْتَقِيلُهَا، فَقُمْنَا إِلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا، فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ، يُعْطِينَا بِذَلِكَ الْجَنَّةَ. قَالَ كَعْبُ ( بْنُ مَالِكٍ ): وَقَدْ ( كَانَ ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَخْرِجُوا إلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ. فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، تِسْعَةً مِنْ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةً مِنْ الْأَوْسِ.
التاريخ 843لا حكم مسجّل
أَسَمَاءُ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَتَمَامُ خَبَرِ الْعَقَبَةِ [ نُقَبَاءُ الْخَزْرَجِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ الْخَزْرَجِ - فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ -: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنُ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ( الْأَكْبَرِ ) بْنِ مَالِكٍ ( الْأَغَرِّ ) بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَادِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ، بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ، بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي حَزِيمَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ خُنَيْسٍ [ نُقَبَاءُ الْأَوْسِ ] وَمِنْ الْأَوْسِ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُبَيْرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ. [ شِعْرُ كَعْبٍ فِي حَصْرِ النُّقَبَاءِ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعُدُّونَ فِيهِمْ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ، وَلَا يَعُدُّونَ رِفَاعَةَ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُهُمْ، فِيمَا أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ: : أَبْلِغْ أُبَيًّا أَنَّهُ فَالَ رَأْيُهُ وَحَانَ غَدَاةَ الشِّعْبِ وَالْحَيْنُ وَاقِعُ أَبَى اللَّهُ مَا مَنَّتْكَ نَفْسُكَ إنَّهُ بِمِرْصَادِ أَمْرِ النَّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ وَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ قَدْ بَدَا لَنَا بِأَحْمَدَ نُورٌ مِنْ هُدَى اللَّهِ سَاطِعُ فَلَا تَرْغَبَنْ فِي حَشْدِ أَمْرٍ تُرِيدُهُ وَأَلِّبْ وَجَمِّعْ كُلَّ مَا أَنْتَ جَامِعُ وَدُونَكَ فَاعْلُمْ أَنَّ نَقْضَ عُهُودِنَا أَبَاهُ عَلَيْكَ الرَّهْطُ حِينَ تَتَابَعُوا أَبَاهُ الْبَرَاءُ وَابْنُ عَمْرٍو كِلَاهُمَا وَأَسْعَدُ يَأْبَاهُ عَلَيْكَ وَرَافِعُ وَسَعْدٌ أَبَاهُ السَّاعِدِيُّ وَمُنْذِرٌ لِأَنْفِكَ إنْ حَاوَلْتَ ذَلِكَ جَادِعُ وَمَا ابْنُ رَبِيعٍ إنْ تَنَاوَلْتَ عَهْدَهُ بِمُسْلِمِهِ لَا يَطْمَعَنْ ثَمَّ طَامِعُ وَأَيْضًا فَلَا يُعْطِيكَهُ ابْنُ رَوَاحَةَ وَإِخْفَارُهُ مِنْ دُونِهِ السُّمُّ نَاقِعُ وَفَاءً بِهِ وَالْقَوْقَلِيُّ بْنُ صَامِتٍ بِمَنْدُوحَةِ عَمَّا تُحَاوِلُ يَافِعُ أَبُو هَيْثَمٍ أَيْضًا وَفِيٌّ بِمِثْلِهَا وَفَاءً بِمَا أَعْطَى مِنْ الْعَهْدِ خَانِعُ وَمَا ابْنُ حُضَيْرٍ إنْ أَرَدْتَ، بِمَطْمَعِ فَهَلْ أَنْتَ عَنْ أُحْمُوقَةِ الْغَيِّ نَازِعُ وَسَعْدٌ أَخُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَإِنَّهُ ضَرُوحٌ لِمَا حَاوَلْتَ مِلْأَمْرِ مَانِعُ أُولَاكَ نُجُومٌ لَا يُغِبُّكَ مِنْهُمْ عَلَيْكَ بِنَحْسٍ فِي دُجَى اللَّيْلِ طَالِعُ فَذَكَرَ كَعْبٌ فِيهِمْ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ رِفَاعَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ: أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلَاءُ، كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي - يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ - قَالُوا: نَعَمْ عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ الْأَنْصَارُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ سَبْعِينَ رَجُلًا، وَكَانَ نُقَبَاؤُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا تِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ. وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُشِيرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَنْ يَجْعَلُهُ نَقِيبًا لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ، وَكَانَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ أَحَدَ النُّقَبَاءِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لِلنُّقَبَاءِ: " أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلَاءُ كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي ". قَالُوا: نَعَمْ.
التاريخ 844لا حكم مسجّل
[ أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ الرَّسُولِ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَنُو النَّجَّارِ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ وَبَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَقُولُونَ: بَلْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَحَدَّثَنِي فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثُمَّ بَايَعَ بَعْدُ الْقَوْمُ
التاريخ 845لا حكم مسجّل
[ تَنْفِيرُ الشَّيْطَانِ لِمَنْ بَايَعَ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ ] فَلَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ - وَالْجُبَاجِبُ: الْمَنَازِلُ - هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ وَالصُّبَاةُ مَعَهُ، قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا أَزَبُّ الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ أُزَيْبٍ - أَتَسْمَعُ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاَللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ [ اسْتِعْجَالُ الْمُبَايِعِينَ لِلْإِذْنِ بِالْحَرْبِ ] قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ارْفَضُّوا إلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَاَللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ: إنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا ؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ نُؤْمَرْ. بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ارْجِعُوا إلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ: فَرَجَعْنَا إلَى مَضَاجِعِنَا، فَنِمْنَا عَلَيْهَا حَتَّى أَصْبَحْنَا.
التاريخ 846لا حكم مسجّل
[ غُدُوُّ قُرَيْشٍ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي شَأْنِ الْبَيْعَةِ ] ( قَالَ ): فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا جُلَّةُ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَاءُونَا فِي مَنَازِلِنَا، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إلَى صَاحِبِنَا هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاَللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ أَبْغَضُ إلَيْنَا، أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، مِنْكُمْ. قَالَ: فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْنَاهُ. قَالَ: وَقَدْ صَدَقُوا، لَمْ يَعْلَمُوهُ. قَالَ: وَبَعْضُنَا يَنْظُرُ إلَى بَعْضٍ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ، وَفِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ لَهُ جَدِيدَانِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ كَلِمَةً - كَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْرَكَ الْقَوْمَ بِهَا فِيمَا قَالُوا -: يَا أَبَا جَابِرٍ، أَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّخِذَ، وَأَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ ؟ قَالَ: فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فَخَلَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَمَى بِهِمَا إلَيَّ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لِتَنْتَعِلَنَّهُمَا. قَالَ: يَقُولُ: أَبُو جَابِرٍ: مَهْ، أَحْفَظْتَ وَاَللَّهِ الْفَتَى، فَارْدُدْ إلَيْهِ نَعْلَيْهِ. قَالَ: قُلْتُ: وَاَللَّهِ لَا أَرُدُّهُمَا، فَأْلٌ وَاَللَّهِ صَالِحٌ، لَئِنْ صَدَقَ الْفَأْلُ لَأَسْلُبَنَّهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُمْ أَتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ كَعْبٌ مِنْ الْقَوْلِ، فَقَالَ لَهُمْ: ( وَاَللَّهِ ) إنَّ هَذَا الْأَمْرَ جَسِيمٌ مَا كَانَ قَوْمِي لِيَتَفَوَّتُوا عَلَيَّ بِمِثْلِ هَذَا، وَمَا عَلِمْتُهُ كَانَ. قَالَ: فَانْصَرَفُوا عَنْهُ. [ خُرُوجُ قُرَيْشٍ فِي طَلَبِ الْأَنْصَارِ ] قَالَ: وَنَفَرَ النَّاسُ مِنْ كُلِّ مِنًى، فَتَنَطَّسَ الْقَوْمُ الْخَبَرَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ كَانَ، وَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَذَاخِرَ وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكِلَاهُمَا كَانَ نَقِيبًا. فَأَمَّا الْمُنْذِرُ فَأَعْجَزَ الْقَوْمَ وَأَمَّا سَعْدٌ فَأَخَذُوهُ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ إلَى عُنُقِهِ بِنِسْعِ رَحْلِهِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا بِهِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ يَضْرِبُونَهُ، وَيَجْذِبُونَهُ بِجُمَّتِهِ وَكَانَ ذَا شَعَرٍ كَثِيرٍ. [ خَلَاصُ ابْنِ عُبَادَةَ مِنْ أَسْرِ قُرَيْشٍ ، وَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ شِعْرٍ ] قَالَ سَعْدٌ: فَوَاَللَّهِ إنِّي لَفِي أَيْدِيهمْ إذْ طَلَعَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ رَجُلٌ وَضِيءٌ أَبْيَضُ، شَعْشَاعٌ حُلْوٌ مِنْ الرِّجَالِ قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إنْ يَكُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ هَذَا، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَفَعَ يَدَهُ فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا وَاَللَّهِ مَا عِنْدَهُمْ بَعْدَ هَذَا مِنْ خَيْرٍ. قَالَ: فَوَاَللَّهِ إنِّي لَفِي أَيْدِيهِمْ يَسْحَبُونَنِي إذْ أَوَى لِي رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَقَالَ وَيْحَكَ أَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ جِوَارٌ وَلَا عَهْدٌ ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، وَاَللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُ أُجِيرُ لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ تِجَارَةً، وَأَمْنَعُهُمْ مِمَّنْ أَرَادَ ظُلْمَهُمْ بِبِلَادِي، وَلِلْحَارِثِ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ قَالَ: وَيْحَكَ فَاهْتِفْ بِاسْمِ الرَّجُلَيْنِ، وَاذْكُرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمَا. قَالَ: فَفَعَلْتُ، وَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلَيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: إنَّ رَجُلًا مِنْ الْخَزْرَجِ الْآنَ يُضْرَبُ بِالْأَبْطَحِ وَيَهْتِفُ بِكُمَا، وَيَذْكُرُ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمَا جِوَارًا ؟ قَالَا: وَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ؛ قَالَا: صَدَقَ وَاَللَّهِ إنْ كَانَ لَيُجِيرُ لَنَا تِجَارَنَا، وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يُظْلَمُوا بِبَلَدِهِ. قَالَ: فَجَاءَا فَخَلَّصَا سَعْدًا مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَانْطَلَقَ. وَكَانَ الَّذِي لَكَمَ سَعْدًا، سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أَخَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي أَوَى إلَيْهِ، أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْهِجْرَةِ بَيْتَيْنِ، قَالَهُمَا ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ ( فَقَالَ ): : تَدَارَكْتَ سَعْدًا عَنْوَةً فَأَخَذْتَهُ وَكَانَ شِفَاءً لَوْ تَدَارَكْتَ مُنْذِرَا وَلَوْ نِلْتُهُ طُلَّتْ هُنَاكَ جِرَاحُهُ وَكَانَتْ حَرِيًّا أَنْ يُهَانَ وَيُهْدَرَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى: وَكَانَ حَقِيقًا أَنْ يُهَانَ وَيُهْدَرَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِيهِمَا فَقَالَ: : لَسْتَ إلَى سَعْدٍ وَلَا الْمَرْءِ مُنْذِرٍ إذَا مَا مَطَايَا الْقَوْمِ أَصْبَحْنَ ضُمَّرَا فَلَوْلَا أَبُو وَهْبٍ لَمَرَّتْ قَصَائِدٌ عَلَى شَرَفِ الْبَرْقَاءِ يَهْوِينَ حُسَّرًا أَتَفْخُرُ بِالْكَتَّانِ لَمَّا لَبِسْتَهُ وَقَدْ تَلْبَسُ الْأَنْبَاطُ رَيْطًا مُقَصَّرَا فَلَا تَكُ كَالْوَسْنَانِ يَحْلُمُ أَنَّهُ بِقَرْيَةِ كِسْرَى أَوْ بِقَرْيَةِ قَيْصَرَا وَلَا تَكُ كَالثَّكْلَى وَكَانَتْ بِمَعْزِلٍ عَنْ الثُّكْلِ لَوْ كَانَ الْفُؤَادُ تَفَكَّرَا وَلَا تَكُ كَالشَّاةِ الَّتِي كَانَ حَتْفُهَا بِجَفْرِ ذِرَاعَيْهَا فَلَمْ تَرْضَ مَحْفَرَا وَلَا تَكُ كَالْعَاوِي فَأَقْبَلَ نَحْرَهُ وَلَمْ يَخْشَهُ، سَهْمًا مِنْ النَّبْلِ مُضْمَرَا فَإِنَّا وَمَنْ يُهْدِي الْقَصَائِدَ نَحْوَنَا كَمُسْتَبْضِعٍ تَمْرًا إلَى أَرْضِ خَيْبَرَا
التاريخ 847لا حكم مسجّل
قِصَّةُ صَنَمِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ [ عُدْوَانُ قَوْمِ عَمْرٍو عَلَى صَنَمِهِ ] فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِهَا، وَفِي قَوْمِهِمْ بَقَايَا مِنْ شُيُوخٍ لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ مِنْ الشِّرْكِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ وَكَانَ ابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلِمَةَ، وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ قَدْ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مِنْ خَشَبٍ، يُقَالُ لَهُ: مَنَاةُ كَمَا كَانَتْ الْأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، تَتَّخِذُهُ إلَهًا تُعَظِّمُهُ وَتُطَهِّرُهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلِمَةَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو ( بْنِ الْجَمُوحِ ) فِي فِتْيَانٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، كَانُوا يُدْلِجُونَ بِاللَّيْلِ عَلَى صَنَمِ عَمْرٍو ذَلِكَ، فَيَحْمِلُونَهُ فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ النَّاسِ، مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ عَدَا عَلَى آلِهَتِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ ؟ قَالَ: ثُمَّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ، حَتَّى إذَا وَجَدَهُ غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ لَأُخْزِيَنَّهُ. فَإِذَا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوْا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَغْدُو فَيَجِدُهُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْأَذَى، فَيَغْسِلُهُ وَيُطَهِّرُهُ: وَيُطَيِّبُهُ، ثُمَّ يَعْدُونَ عَلَيْهِ إذَا أَمْسَى، فَيَفْعَلُونَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ، اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ يَوْمًا، فَغَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا تَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ. فَلَمَّا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوْا عَلَيْهِ فَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيِّتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلِ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلِمَةَ، فِيهَا عِذَرٌ مِنْ عِذَرِ النَّاسِ، ثُمَّ غَدَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ. [ إسْلَامُ عَمْرٍو وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ ] فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ مُنَكَّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبِ مَيِّتٍ، فَلَمَّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شَأْنَهُ، وَكَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ ( رِجَالِ ) قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ وَعَرَفَ مِنْ اللَّهِ مَا عَرَفَ، وَهُوَ يَذْكُرُ صَنَمَهُ ذَلِكَ وَمَا أَبْصَرَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَمَى وَالضَّلَالَةِ: : وَاَللَّهِ لَوْ كُنْتَ إلَهًا لَمْ تَكُنْ أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ أُفٍّ لِمَلْقَاكَ إلَهًا مُسْتَدَنْ الْآنَ فَتَّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الْغَبَنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ ذِي المِنَنْ الْوَاهِبِ الرَّزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ هُوَ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ أَكُونَ فِي ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ بِأَحْمَدَ الْمَهْدِيِّ النَّبِيِّ الْمُرْتَهِنْ
التاريخ 848لا حكم مسجّل
شُرُوطُ الْبَيْعَةِ فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ بَيْعَةَ الْحَرْبِ، حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ( ﷺ ) فِي الْقِتَالِ شُرُوطًا سِوَى شَرْطِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى، كَانَتْ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي الْحَرْبِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، أَخَذَ لِنَفْسِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْقَوْمِ لِرَبِّهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ الْحَرْبِ - وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ - عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
التاريخ 849لا حكم مسجّل
أَسَمَاءُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ [ عَدَدُهُمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَذَا تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ الْأَوْسِ ابْنُ حَارِثَةَ وَبَنِيَّ عَبْدِ الْأَشْهَلِ ] شَهِدَهَا مِنْ الْأَوْسِ بْنُ الْحَارِثَةِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ابْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، نَقِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشِ بْنِ زِغْبَةَ بْنِ زَعُورَاءَ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، شَهِدَ بَدْرًا، ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: ابْنُ زَعَوْرَاءَ ( بِفَتْحِ الْعَيْنِ ). [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمَ بْنِ حَارِثَةَ. وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ وَاسْمُهُ هَانِئُ بْنِ نِيَارِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كِلَابِ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ غَنْمِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ هُمَيْمِ بْنِ كَامِلِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ هَنِيِّ بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، شَهِدَ بَدْرًا وَنُهَيْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ، مِنْ بَنِي نَابِي بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ، ( بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ )؛ ( ثُمَّ مِنْ آلِ السَّوَّافِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ ) ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ] وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، فَقُتِلَ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنَسَبَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ؛ وَهُوَ مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتْ دَعْوَةُ الرَّجُلِ فِي الْقَوْمِ، وَيَكُونُ فِيهِمْ فَيُنْسَبُ إلَيْهِمْ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرٍو نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ الْبُرَكِ - وَاسْمُ الْبُرَكِ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو ( بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ ) - شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ، وَيُقَالُ: أُمَيَّةُ بْنُ الْبَرْكِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ ( حَارِثَةَ ) بْنِ ضُبَيْعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَمَشَاهِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهَا، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ. وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ. خَمْسَةُ نَفَرٍ. فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَوْسِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ الْخَزْرَجِ بْنُ حَارِثَةَ ] وَشَهِدَهَا مِنْ الْخَزْرَجِ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ: أَبُو أَيُّوبَ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا؛ مَاتَ بِأَرْضِ الرُّومِ غَازِيًا فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ. وَمُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ. وَأَخُوهُ عَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهِ شَهِيدًا، وَهُوَ ( لِعَفْرَاءَ. وَأَخُوهُ مُعَوَّذُ بْنُ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهِ شَهِيدًا ). وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ لِعَفْرَاءَ - وَيُقَالُ: رِفَاعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ؓ. وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، نَقِيبٌ، مَاتَ قَبْلَ بَدْرٍ وَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُبْنَى، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ. سِتَّةُ نَفَرٍ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ ] وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ - وَمَبْذُولٌ: عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ -: سَهْلُ بْنُ عَتِيكِ بْنِ نُعْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو، شَهِدَ بَدْرًا. رَجُلٌ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ ] وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمْ بَنُو حُدَيْلَةَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُدَيْلَةُ: بِنْتُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ - أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ ( بْنِ النَّجَّارِ )، شَهِدَ بَدْرًا. وَأَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ ( بْنِ النَّجَّارِ ) شَهِدَ بَدْرًا. رَجُلَانِ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ ] وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ: عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَعَلَهُ عَلَى السَّاقَةِ يَوْمئِذٍ. وَعَمْرُو بْنُ غُزَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ. رَجُلَانِ. فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا. [ تَصْوِيبُ نَسَبِ عَمْرِو بْنِ غُزَيَّةَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ غُزَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَنْسَاءَ، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، إنَّمَا هُوَ غُزَيَّةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَلْحارثِ بْنِ الْخَزْرَجِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَلْحارثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكٍ ( الْأَغَرِّ ) بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكِ ( الْأَغَرِّ ) بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ( ابْنِ ثَعْلَبَةَ ) بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ ( الْأَكْبَرِ ) بْنِ مَالِكِ ( الْأَغَرِّ ) بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَشَاهِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهَا، إلَّا الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ، وَقُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيدًا أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خِلَاسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، أَبُو النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ ( مَنَاةِ ) بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ لِلصَّلَاةِ، فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ. وَخَلَّادُ بْنُ سُوِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكِ ( الْأَغَرِّ ) بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَقُتِلَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ شَهِيدًا، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحَى مِنْ أُطُمٍ مِنْ أُطَامِهَا فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - فِيمَا يَذْكُرُونَ -: إنَّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ وَعُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَسِيرَةَ بْنِ عُسَيْرةَ بْنِ جَدَارَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ ( بْنِ الْخَزْرَجِ )، وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَانَ أَحْدَثَ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ سِنًّا، ( مَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ )، لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا. سَبْعَةُ نَفَرٍ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَامِرٍ ] وَمِنْ بَنِي بَياضَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ ( بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ ): زِيَادُ بْنُ لَبِيَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَذْفَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَدْفَةُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقٍ: وَخَالِدُ بْنُ قِيسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ شَهِدَ بَدْرًا. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ ] وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، نَقِيبٌ. وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قِيسِ بْنِ خَلْدَةَ بْنِ مُخَلَّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَكَانَ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مَعَهُ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ؛ شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَعَبَّادُ بْنُ قِيسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ خَلْدَةَ بْنِ مُخَلَّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَالْحَارِثُ بْنُ قِيسِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُخَلَّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَهُوَ أَبُو خَالِدٍ شَهِدَ بَدْرًا. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدٍ ] وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ؛ ثُمَّ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمٍ نَقِيبٌ، وَهُوَ الَّذِي تَزْعُمُ بَنُو سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَرَطَ لَهُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ قَبْلَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَابْنُهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَاتَ بِخَيْبَرٍ مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّ فِيهَا - وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَيْنَ سَأَلَ بَنِي سَلَمَةَ: مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ ؟ فَقَالُوا: الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، عَلَى بُخْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَيُّ دَاءٍ أَكْبَرُ مِنْ الْبُخْلِ سَيِّدُ بَنِي سَلِمَةَ الْأَبْيَضُ الْجَعْدُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ -. وَسِنَانُ بْنُ صَيْفَى بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، ( وَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا ). وَالطُّفَيْلُ بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا. وَمَعْقِلُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَرْحِ بْنِ خُنَاسِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا. و ( أَخُوهُ ) يَزِيدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، شَهِدَ بَدْرًا. وَمَسْعُودُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَالضَّحَّاكُ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَيَزِيدُ بْنُ حَرَامِ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَجُبَارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جَبَّارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خُنَاسٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالطُّفَيْلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا. أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمٍ ] وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ سَوَادٍ: كَعْبُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ كَعْبٍ. رَجُلٌ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ ] وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: سُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُدَيْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حُدَيْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا. و ( أَخُوهُ ) يَزِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حُدَيْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، وَهُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ، شَهِدَ بَدْرًا. وَأَبُو الْيَسَرِ، وَاسْمُهُ كَعْبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَصَيْفِيُّ بْنُ سَوَادِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ خَمْسَةُ نَفَرٍ. [ تَصْوِيبُ اسْمِ صَيْفِيٍّ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَيْفِيُّ بْنُ أَسْوَدَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ، وَلَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: غَنْمٌ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي نَابِي بْنِ عَمْرٍو ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي نَابِي بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: ثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِالْخَنْدَقِ شَهِيدًا. وَعَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، وَعَبْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، شَهِدَ بَدْرًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ. وَخَالِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي. خَمْسَةُ نَفَرٍ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَابْنُهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَمَعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ حَرَامٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَثَابِتُ بْنُ الْجِذْعِ - وَالْجِذْعُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ - شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِالطَّائِفِ شَهِيدًا. وَعُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ لَبْدَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَدِيجُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ أَوْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْفُرَافِرِ. حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ. وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ بْنِ عَائِذِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَدَّى بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدٍ، وَيُقَالُ: أَسَدُ بْنُ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ؛ وَكَانَ فِي بَنِي سَلَمَةَ، شَهِدَ بَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا وَمَاتَ بِعِمْوَاسَ، عَامَ الطَّاعُونِ بِالشَّامِ، فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ، وَإِنَّمَا ادَّعَتْهُ بَنُو سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ أَخَا سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ قِيسِ بْنِ صَخْرِ ابْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ لِأُمِّهِ. سَبْعَةُ نَفَرٍ. [ تَصْوِيبُ نَسَبِ خَدِيجِ بْنِ سَلَامَةَ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسٌ: ابْنُ عَبَّادِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُذَنِ بْنِ سَعْدٍ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ؛ ثُمَّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ: عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قِيسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعِجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَأَقَامَ مَعَهُ بِهَا، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزَمَةَ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمَّارَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ مِنْ بَلِيٍّ. وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ لَبْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ ] وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ بَنُو الْحُبُلِيِّ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْحُبُلِيُّ: سَالِمُ بْنُ غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحُبُلِيَّ - لِعِظَمِ بَطْنِهِ -: رِفَاعَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَبُو الْوَلِيدِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رِفَاعَةُ: ابْنُ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ: ابْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كِلْدَةَ بْنِ الْجَعْدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قِيسِ بْنِ عَيْلَانَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرًا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَجُلَانِ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، نَقِيبٌ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدَّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا. وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَعْنَقَ لِيَمُوتَ. رَجُلَانِ. ( قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْمُنْذِرُ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ خَنْشٍ ). قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ مِنْهُمْ، يُزْعِمُونَ أَنَّهُمَا قَدْ بَايَعَتَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَافِحُ النِّسَاءَ، إنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا أَقْرَرْنَ، قَالَ: اذْهَبْنَ فَقَدْ بَايَعَتْكُنَّ [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ ] وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ مِنْ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ، وَهِيَ أُمُّ عِمَارَةَ، كَانَتْ شَهِدَتْ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَتْ مَعَهَا أُخْتُهَا، وَزَوْجُهَا زَيْدُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ كَعْبٍ. وَابْنَاهَا: حَبِيبُ بْنُ زَيْدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُهَا حَبِيبٌ الَّذِي أَخَذَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ الْحَنَفِيُّ، صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ؛ فَيَقُولُ: أَفَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ، فَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتَّى مَاتَ فِي يَدِهِ، لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، إذَا ذُكِرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آمَنَ بِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا ذُكِرَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ قَالَ: لَا أَسْمَعُ - فَخَرَجَتْ إلَى الْيَمَامَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَاشَرَتْ الْحَرْبَ بِنَفْسِهَا. حَتَّى قَتَلَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ، وَرَجَعَتْ وَبِهَا اثْنَا عَشَرَ جُرْحًا، مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ. [ مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ ] وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ: أُمُّ مَنِيعٍ؛ وَاسْمُهَا: أَسَمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ.
التاريخ 851لا حكم مسجّل
هِجْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَ إِذْنُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ يَثْرِبَ بِالْبَيْعَةِ لَاسِيَّمَا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ وَالَّتِي فِيهَا كَانَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِنُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَمَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَصْحَابِهِ: «قَدْ أُخْبِرْتُ بِدَارِ هِجْرَتِكُمْ وَهِيَ يَثْرِبُ، فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا». فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتَجَهَّزُونَ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ إِلَيْهَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ بِسَنَةٍ ثُمَّ لَحِقَتْ بِهِ زَوْجَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بَعْدَ أَنْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا قُرَابَةَ السَّنَةِ، كَمَا كَانَ مِنْ أَوَّلِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهَا أَيْضًا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ؓ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَخُوهُ أَحْمَدُ وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ. كَمَا هَاجَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ عَلَانِيَةً وَلَمْ يَسْتَخْفِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْهِجْرَةِ الْعَدِيدُ مِنَ الْمَوَاقِفِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْأَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ كَمَا وَقَعَ لِأُمِّ سَلَمَةَ ؓ وَلِعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَصُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ. وَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْهِجْرَةِ وَبَقِيَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ ؓ وَبَعْضُ مَنْ حُبِسَ وَفُتِنَ مِنْهُمْ. وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَجَعَلَهُ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ كَمَا أَكْرَمَ عَلِيًّا فَجَعَلَهُ خَلِيفَتَهُ فِي رَدِّ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا بِمَكَّةَ. هَذَا وَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِتَصُدَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وُجْهَتِهِ، وَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَدَخَلَ فِيهِمْ إِبْلِيسُ مُشِيرًا فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُمُ الَّذِي مَدَحَهُ إِبْلِيسُ عَلَى أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلًا لِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ. إِلَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ نَجَّى نَبِيَّهُ وَجَعَلَ فِي نَجَاتِهِ آيَةً لَهُمْ لَوْ يَعْقِلُونَ، بِأَنْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَثَرَ عَلَى رُؤُسِهِمُ التُّرَابَ وَأَغْشَاهُمُ اللَّهُ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ. وَقَدْ خَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا فِي فِرَاشِهِ مُمَوِّهًا عَلَى الْقَوْمِ وَحَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْهُ أَمَانَاتِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَخْدِمُهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَدَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ، وَنَاقِلُ الْخَبَرِ لَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْآتِي بِالطَّعَامِ لَهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَذَلِكَ وَهُمَا فِي غَارِ ثَوْرٍ، وَقَدْ حَاوَلَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَيْهِمَا فَآذَوْا أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ فَصَبَرَتْ. وَقَدْ غَادَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ غَارَ ثَوْرٍ وَمَضَيَا فِي طَرِيقِهِمَا وَلَحِقَهُمَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَمَنَعَهُمَا اللَّهُ مِنْهُ وَطَلَبَ الْأَمَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَتَبَ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي طَرِيقِهِمَا حَلَّا خَيْمَةَ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَتْ مِنْ بَرَكَتِهِ ﷺ وَوَصْفِهِ مَا سَجَّلَهُ أَصْحَابُ السِّيَرِ فِي أَجْمَلِ وَأَبْهَى وَصْفٍ. وَقَدْ وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ تَصْحَبُهُ السَّلَامَةُ مَعَ صَاحِبِهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَصَرَخَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُنَبِّهًا بِوُصُولِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَقْبِلُونَهُ وَقَدْ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ، ثُمَّ فِي دَارٍ أَبِي أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ. هَذَا وَقَدْ لَحِقَ عَلِيٌّ ؓ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِقُبَاءَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَبَعْدَ نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ؓ وَهُوَ وَقْتَئِذٍ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَكُبَرَائِهِمْ فَأَسْلَمَ وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُسْأَلَ الْيَهُودَ كَيْفَ هُوَ فِيهِمْ؟ وَقَدْ سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا فَلَمَّا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ أَسَاؤُوا إِلَيْهِ وَشَتَمُوهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَمَا نَزَلَ الْمَدِينَةَ مَكَثَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَيَّامًا وَكَانَ لِكُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ مِرْبَدًا فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَاتَّخَذَهُ مَسْجِدًا وَهُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ. وَعِنْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانَ كُلُّ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حَرِيصٌ عَلَى نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، كُلُّهُمْ يَأْخُذُ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ بِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَطَلَبَ مِنْهُمْ تَرْكَهَا، وَقَدْ ظَلَّتْ تَسِيرُ حَتَّى بَرَكَتْ بِدَارِ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَجَاءَ أَبُو أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيُّ فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَخْذِ مَتَاعِهِ وَرَحْلِهِ وَوَضْعِهِ فِي بَيْتِهِ، وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ النُّزُولَ حَيْثُ بَيْتُهُ أَقْرَبُ الْبُيُوتِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِدَارِهِ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي دَارِ أَبِي أَيُّوبٍ بَدَأَ بِبِنَاءِ مَسْجِدِهِ ﷺ، وَبَنَى حُجَرَ أَزْوَاجِهِ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَاتَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ ؓ. وَبَدَأَ تَلَاحُقُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَكَّةَ، وَجَاءَ آلُ النَّبِيِّ ﷺ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ ؓ، وَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَتَبَ الْمُوَادَعَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَهُودِ، وَبَعْدَ قُدُومِهِ شُرِعَ الْأَذَانُ، وَعَلَّمَ أَصْحَابَهُ كَيْفَ يَقُومُونَ بِهِ، كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ الْحُمَّى فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَبْعَدَهَا اللَّهُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْجُحْفَةِ، وَوُلِدَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ فِي الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ فِي أَوَّلِ دَوْلَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ مُؤْذِنًا بِعَصْرٍ جَدِيدٍ.
التاريخ 852لا حكم مسجّل
إِذْنِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ رَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَ: لَمَّا صَدَرَ السَّبْعُونَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَابَتْ نَفْسُهُ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَنَعَةً وَقَوْمًا أَهْلَ حَرْبٍ [وَعُدَّةٍ] وَنَجْدَةٍ، وَجَعَلَ الْبَلَاءَ يَشْتَدُّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنَ الْخُرُوجِ فَضَيَّقُوا عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَعَبَّثُوا بِهِمْ، وَنَالُوا مِنْهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَنَالُونَ مِنَ الشَّتْمِ وَالْأَذَى، فَشَكَا ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاسْتَأْذَنُوهُ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، أُرِيتُ سَبِخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ» - وَهُمَا الْحَرَّتَانِ- «وَلَوْ كَانَتِ السَّرَاةُ أَرْضَ نَخْلٍ وَسِبَاخٍ لَقُلْتُ هِيَ هِيَ». ثُمَّ مَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ مَسْرُورًا فَقَالَ: «قَدْ أُخْبِرْتُ بِدَارِ هِجْرَتِكُمْ وَهِيَ يَثْرِبُ، فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا». فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَتَجَهَّزُونَ وَيَتَرَافَقُونَ وَيَتَوَاسَوْنَ وَيَخْرُجُونَ وَيُخْفُونَ ذَلِكَ. أول من قدم المدينة من أصحاب الرسول ﷺ فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ- بِسِينٍ وَدَالٍ مُهْمَلَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ بِسَنَةٍ. وَحُبِسَتْ عَنْهُ امْرَأَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بِمَكَّةَ نَحْوَ سَنَةٍ ثُمَّ أَذِنَ لَهَا بَنُو الْمُغِيرَةِ الَّذِينَ حَبَسُوهَا فِي اللَّحَاقِ بِزَوْجِهَا فَانْطَلَقَتْ وَحْدَهَا مُهَاجِرَةً حَتَّى إِذَا كَانَتْ بِالتَّنْعِيمِ لَقِيَتْ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ [بْنِ أَبِي طَلْحَةَ] أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ وَكَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَشَيَّعَهَا حَتَّى إِذَا أَوْفَى عَلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِقُبَاءٍ قَالَ لَهَا: هَذَا زَوْجُكِ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَتْ تَقُولُ: مَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ، كَانَ إِذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي حَتَّى إِذَا نَزَلْتُ عَنْهُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي فَحَطَّ عَنْهُ ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرَةِ، ثُمَّ أَتَى إِلَى شَجَرَةٍ فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ قَامَ إِلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَّلَهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي وَقَالَ: ارْكَبِي. فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ فَقَادَنِي، [فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ]. وَقِيلَ: أَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: «أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ». وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ سَعْدٍ: «ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَهَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ أَبِي سَلَمَةَ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ [حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ]، مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ - بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَسُكُونِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ- قَالَا: «وَهِيَ أَوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ». قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: «ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ احْتَمَلَ بِأَهْلِهِ وَبِأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ عَبْدِ بْنِ جَحْشٍ- بِإِضَافَةِ عَبْدٍ إِلَى ابْنِ جَحْشٍ- وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَكَانَ يَطُوفُ مَكَّةَ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا بِغَيْرِ قَائِدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ الْفَارِعَةُ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَهَاجَرَ جَمِيعُ بَنِي جَحْشٍ بِنِسَائِهِمْ فَعَدَا أَبُو سُفْيَانَ عَلَى دَارِهِمْ فَتَمَلَّكَهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ بَاعَهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ بِهَا دَارًا فِي الْجَنَّةِ خَيْرًا مِنْهَا؟» قَالَ: بَلَى. قَالَ: «فَذَلِكَ لَكَ». وَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ كَلَّمَهُ أَبُو أَحْمَدَ فِي دَارِهِمْ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي أَحْمَدَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَكْرَهُ أَنْ تَرْجِعُوا فِي شَيْءٍ أُصِيبَ مِنْكُمْ فِي اللَّهِ. فَأَمْسَكَ الْكَلَامَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ بَنُو غَنْمِ بْنِ دُودَانَ أَهْلَ إِسْلَامٍ، قَدْ أَوْعَبُوا إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هِجْرَةَ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ: [عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ، وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ وَشُجَاعُ وَعُقْبَةُ ابْنَا وَهْبٍ وَأَرْبَدُ بْنُ حِمْيَرَ]. هجرة عمر بن الخطاب ؓ وَرَوَى ابْنُ السَّمَّانِ فِي «الْمُوَافَقَةِ» عَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ هَاجَرَ إِلَّا مُخْتَفِيًا إِلَّا عَمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَإِنَّهُ لَمَّا هَمَّ بِالْهِجْرَةِ تَقَلَّدَ سَيْفَهُ وَتَنَكَّبَ قَوْسَهُ وَانْتَضَى فِي يَدِهِ أَسْهُمًا وَاخْتَصَرَ عَنَزَتَهُ، وَمَضَى قِبَلَ الْكَعْبَةِ، وَالْمَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ بِفِنَائِهَا فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا [مُتَمَكِّنًا]، ثُمَّ أَتَى الْمَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ وَقَفَ عَلَى الْحَلَقِ وَاحِدَةً وَاحِدَةً وَقَالَ لَهُمْ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ، لَا يُرْغِمُ اللَّهُ إِلَّا هَذِهِ الْمَعَاطِسَ، مَنْ أَرَادَ أَنَّ يُثَكِّلَ أُمَّهُ أَوْ يُؤْتَمَ وَلَدُهُ أَوْ يُرَمِّلَ زَوْجَتَهُ فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي. قَالَ عَلِيٌّ ؓ: فَلَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ إِلَّا قَوْمٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ عَلِمَهُمْ مَا أَرْشَدَهُمْ إِلَيْهِ ثُمَّ مَضَى لِوَجْهِهِ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ قَالَ: اتَّعَدْتُ لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ [بْنِ وَائِلٍ] السَّهْمِيُّ التَّنَاضُبَ مِنْ أَضَاةِ بَنِي غِفَارٍ فَوْقَ سَرَفَ، وَقُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ. قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِيِّ رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّنَاضُبِ وَفَطِنَ لِهِشَامٍ قَوْمُهُ فَحَبَسُوهُ عَنِ الْهِجْرَةِ وَفُتِنَ فَافْتَتَنَ. ثُمَّ إِنَّ أَبَا جَهْلٍ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ- وَأَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ- خَرَجَا حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقَالَا لِعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا: إِنَّ أُمَّكَ قَدْ نَذَرَتْ أَلَّا يَمَسَّ رَأْسَهَا مُشْطٌ حَتَّى تَرَاكَ وَلَا تَسْتَظِلَّ مِنْ شَمْسٍ حَتَّى تَرَاكَ، فَرَقَّ لَهَا. فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَيَّاشُ إِنَّهُ وَاللَّهِ إِنْ يُرِيدُكَ الْقَوْمُ إِلَّا لِيَفْتِنُوكَ عَنْ دِينِكَ فَاحْذَرْهُمْ، فَوَاللَّهِ لَوْ قَدْ آذَى أُمَّكَ الْقَمْلُ لَامْتَشَطَتْ، وَلَوْ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهَا حَرُّ مَكَّةَ لَاسْتَظَلَّتْ. فَقَالَ: أُبِرُّ قَسَمَ أُمِّي وَلِي هُنَالِكَ مَالٌ فَآخُذُهُ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشًا مَالًا فَلَكَ نِصْفُ مَالِي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا. فَأَبَى عَلَيَّ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا. فَلَمَّا أَبَىَ إِلَّا ذَلِكَ قُلْتُ: أَمَا إِذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ فَإِنَّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ ذَلُولٌ فَالْزَمْ ظَهْرَهَا، فَإِنْ رَابَكَ مِنَ الْقَوْمِ رَيْبٌ فَانْجُ عَلَيْهَا، فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللَّهِ يَا أَخِي لَقَدِ اسْتَغْلَظَتْ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلَا تَعْقُبُنِي عَلَى نَاقَتِكَ هَذِهِ؟. قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَأَنَاخَ وَأَنَاخَا لِيَتَحَوَّلَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَوْا بِالْأَرْضِ عَدَوَا عَلَيْهِ فَأَوْثَقَاهُ رِبَاطًا وَفَتَنَاهُ فَافْتَتَنَ وَدَخَلَا بِهِ مَكَّةَ نَهَارًا مُوَثَّقًا، ثُمَّ قَالَا: يَا أَهْلَ مَكَّةَ هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا. قَالَ عُمَرُ: فَكُنَّا نَقُولُ: مَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَابِلٍ مِمَّنِ افْتَتَنَ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا تَوْبَةً، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْكُفْرِ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ. قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ. فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ وَفِي قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهِ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الزُّمَرِ: 53، 54، 55]. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ: فَكَتَبْتُهَا بِيَدِي فِي صَحِيفَةٍ وَبَعَثْتُ بِهَا إِلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِي. قَالَ: فَقَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا أَتَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا بِذِي طِوًى أَصْعَدُ بِهَا فِيهِ وَأُصَوِّبُ وَلَا أَفْهَمُهَا حَتَّى قُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِي أَنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا وَفِيمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى بَعِيرِي فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. هَذَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي شَأْنِ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: «مَنْ لِي بِعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَهِشَامِ بْنِ الْعَاصِي؟» فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِهِمَا. فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيَ امْرَأَةً تَحْمِلُ طَعَامًا فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ هَذَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ. تَعْنِيهِمَا، فَتَبِعَهَا حَتَّى عَرَفَ مَوْضِعَهُمَا، وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ فِي بَيْتٍ لَا سَقْفَ لَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى تَسَوَّرَ عَلَيْهِمَا ثُمَّ أَخَذَ مَرْوَةً فَوَضَعَهَا تَحْتَ قَيْدَيْهِمَا ثُمَّ ضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا، فَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِهِ: ذُو الْمَرْوَةِ، لِذَلِكَ ثُمَّ حَمَلَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِ وَسَاقَ بِهِمَا فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ إِصْبَعُهُ فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ؟ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ تَتَابَعَ الْمُهَاجِرُونَ أَرْسَالًا فَنَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ عَلَى خُبَيْبِ- بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ- ابْنِ إِسَافٍ- بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ- بِالسُّنْحِ وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. هجرة صهيب بن سنان ؓ وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ صُهَيْبًا حِينَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتَنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «رَبِحَ صُهَيْبٌ رَبِحَ صُهَيْبٌ». قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: لَمَّاَ قَدِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَالًا فَنَزَلُوا فِي الْأَنْصَارِ فِي دُورِهِمْ وَآوُوهُمْ وَنَصَرُوهُمْ وَآسَوْهُمْ، وَكَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ بِقُبَاءٍ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ النَّبِيُّ ﷺ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَكَانَ نَفَرٌ مِنَ الْأَنْصَارِ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ الْآخِرَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى قُبَاءٍ خَرَجُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، حَتَّى قَدِمُوا مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الْهِجْرَةِ، فَهُمْ مُهَاجِرُونَ أَنْصَارِيُّونَ وَهُمْ: ذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ [بْنِ خَلَدَةَ الزُّرَّقِيُّ]، وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كَلَدَةَ وَالْعَبَّاسُ [ابْنُ عُبَادَةَ] بْنِ نَضْلَةَ وَزِيَادُ بْنُ لَبِيدِ [بْنِ ثَعْلَبَةَ الْخَزْرَجِيُّ الْبَيَاضِيُّ].
التاريخ 853لا حكم مسجّل
[ تَأَخُّرُ عَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ ] وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مَعَهُ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَّا مَنْ حُبِسَ أَوْ فُتِنَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ الصِّدِّيقُ ؓ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا مَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا فَيَطْمَعُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَكُونَهُ.
التاريخ 854لا حكم مسجّل
[ اجْتِمَاعُ الْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَتَشَاوُرُهُمْ فِي أَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَارَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَةً، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَجَمَعَ لِحَرْبِهِمْ. فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ - وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إلَّا فِيهَا - يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَيْنَ خَافُوهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَبِي الْحَجَّاجِ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: لَمَّا أَجَمَعُوا لِذَلِكَ، وَاتَّعَدُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّعَدُوا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمَّى يَوْمَ الزَّحْمَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ إبْلِيسُ فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ، عَلَيْهِ بَتْلَةٌ، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا، قَالُوا: مَنْ الشَّيْخُ ؟ قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ سَمِعَ بِاَلَّذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَنْ لَا يُعْدِمَكُمْ مِنْهُ رَأْيًا وَنُصْحًا، قَالُوا: أَجَلْ، فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ. وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ بْنُ هِشَامٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ. وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: نُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا. قَالَ: فَتَشَاوَرُوا. ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنْ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ، زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ، وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، مِنْ هَذَا الْمَوْتِ، حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ. وَاَللَّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الَّذِي أَغْلَقْتُمْ دُونَهُ إلَى أَصْحَابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَثِبُوا عَلَيْكُمْ، فَيَنْزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ، حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ، فَتَشَاوَرُوا. ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فَنَنْفِيهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أُخْرِجَ عَنَّا فَوَاَللَّهِ مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ، وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، إذَا غَابَ عَنَّا وَفَرَغْنَا مِنْهُ، فَأَصْلَحْنَا أَمْرَنَا وَأَلْفَتْنَا كَمَا كَانَتْ. فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلَمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ، وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ، وَغَلَبَتِهِ عَلَى قُلُوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأْتِي بِهِ، وَاَللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَى حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَغْلِبَ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ وَحَدِيثِهِ حَتَّى يُتَابِعُوهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إلَيْكُمْ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَفْعَلَ بِكَمْ مَا أَرَادَ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ: وَاَللَّهِ إنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ بَعْدُ، قَالُوا: وَمَا هُوَ يَا أَبَا الْحَكَمِ ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا نَسِيبًا وَسِيطًا فِينَا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا، ثُمَّ يَعْمِدُوا إلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فَنَسْتَرِيحَ مِنْهُ. فَإِنَّهُمْ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمْ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالْعَقْلِ، فَعَقَلْنَاهُ لَهُمْ. قَالَ: فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: الْقَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ الَّذِي لَا رَأْيَ غَيْرُهُ، فَتَفَرَّقَ الْقَوْمُ عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا حَمِدَ رَأْيَ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ قَالَ: الرَّأْيُ رَأْيَانِ: رَأْيٌ لَيْسَ يَعْرِفُهُ هَادٍ وَرَأْيٌ كَنَصْلِ السَّيْفِ مَعْرُوفُ يَكُونُ أَوَّلَهُ عِزٌّ وَمَكْرُمَةٌ يَوْمًا وَآخِرَهُ جِدٌّ وَتَشْرِيفُ.
التاريخ 855لا حكم مسجّل
[ استخلاف النبي ﷺ عليا على فراشه خُرُوجُ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتِخْلَافُهُ عَلِيًّا عَلَى فِرَاشِهِ ] فَأَتَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السِّلَامُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَبِتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى فِرَاشِكَ الَّذِي كُنْتَ تَبِيتُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَلَمَّا كَانَتْ عَتَمَةٌ مِنْ اللَّيْلِ اجْتَمَعُوا عَلَى بَابِهِ يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثِبُونَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَانَهُمْ، قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: نَمْ عَلَى فِرَاشِي وَتَسَجَّ بِبُرْدِي هَذَا الْحَضْرَمِيِّ الْأَخْضَرِ، فَنَمْ فِيهِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنَامُ فِي بُرْدِهِ ذَلِكَ إذَا نَامَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: لَمَّا اجْتَمَعُوا لَهُ، وَفِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَقَالَ وَهُمْ عَلَى بَابِهِ: إنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الْأُرْدُنِّ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، ثُمَّ جُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا. قَالَ: وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ، أَنْتَ أَحَدُهُمْ. وَأَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَبْصَارِهِمْ عَنْهُ، فَلَا يَرَوْنَهُ، فَجَعَلَ يَنْثُرُ ذَلِكَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُوَ يَتْلُو هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ يس: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ إلَى قَوْلِهِ: فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ حَتَّى فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ، فَأَتَاهُمْ آتٍ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ، فَقَالَ: مَا تَنْتَظِرُونَ هَاهُنَا ؟ قَالُوا: مُحَمَّدًا؛ قَالَ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ قَدْ وَاَللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، وَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ ؟ قَالَ: فَوَضَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ، ثُمَّ جَعَلُوا يَتَطَلَّعُونَ فَيَرَوْنَ عَلِيًّا عَلَى الْفِرَاشِ مُتَسَجِّيًا بِبُرْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَمُحَمَّدٌ نَائِمًا، عَلَيْهِ بُرْدُهُ. فَلَمْ يَبْرَحُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا فَقَامَ عَلِيٌّ ؓ عَنْ الْفِرَاشِ فَقَالُوا: وَاَللَّهِ لَقَدْ كَانَ صَدَقَنَا الَّذِي حَدَّثَنَا. وَرَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ أَشْيَاخِهِ: أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: أَبُو جَهْلٍ، وَالْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَابْنُ الْعَيْطَلَةِ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَطُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَأَبُو لَهَبٍ، وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وَنَبِيهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ. فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَامَ عَلِيٌّ ؓ عَنِ الْفِرَاشِ، فَسَأَلُوهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ. وَحَكَى جَرِيرٌ أَنَّهُمْ ضَرَبُوا عَلِيًّا وَحَبَسُوهُ سَاعَةً، ثُمَّ تَرَكُوهُ.
التاريخ 856لا حكم مسجّل
[ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي تَرَبُّصِ الْمُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الْقُرْآنِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمَا كَانُوا أَجْمَعُوا لَهُ: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمَنُونُ: الْمَوْتُ. وَرَيْبُ الْمَنُونِ: مَا يَرِيبُ وَيَعْرِصُ مِنْهَا. قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الهُذَليُّ: أَمِنْ الْمَنُونِ وَرَيْبِهَا تَتَوَجَّعُ وَالدَّهْرُ لَيْسَ بِمُعْتِبٍ مَنْ يَجْزَعُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ فِي الْهِجْرَةِ.
التاريخ 857لا حكم مسجّل
[ طَمَعُ أَبِي بَكْرٍ فِي أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ النَّبِيِّ فِي الْهِجْرَةِ، وَمَا أَعَدَّ لِذَلِكَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ ؓ رَجُلًا ذَا مَالٍ، فَكَانَ حَيْنَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَعْجَلْ، لَعَلَّ اللَّهَ يَجِدُ لَكَ صَاحِبًا، قَدْ طَمِعَ بِأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إنَّمَا يَعْنِي نَفْسَهُ، حَيْنَ قَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَابْتَاعَ رَاحِلَتَيْنِ، فَاحْتَبَسَهُمَا فِي دَارِهِ، يَعْلِفُهُمَا إعْدَادًا لِذَلِكَ.
التاريخ 858لا حكم مسجّل
بَابُ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ وَذَلِكَ أَوَّلُ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ، كَمَا بَيَّنَاهُ فِي " سِيرَةِ عُمَرَ " ؓ وَعَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: بسنده عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَقَدْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مِنْ بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ كَمَّا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: وُلِدَ نَبِيُّكُمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَنُبِّئَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدَخْلَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ حِينَ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَقَالَ لَهُ: " لَا تَعْجَلْ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ صَاحِبًا ". قَدْ طَمِعَ بِأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّمَا يَعْنِي نَفْسَهُ، فَابْتَاعَ رَاحِلَتَيْنِ، فَحَبَسَهُمَا فِي دَارِهِ يَعْلِفُهُمَا إِعْدَادًا لِذَلِكَ. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: اشْتَرَاهُمَا بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لَا يُخْطِئُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْتِيَ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، إِمَّا بُكْرَةً، وَإِمَّا عَشِيَّةً حَتَّى إِذَا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي أَذِنَ اللَّهُ فِيهِ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَيْ قَوْمِهِ، أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فِي سَاعَةٍ كَانَ لَا يَأْتِي فِيهَا، قَالَتْ: فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: مَا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ. قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ تَأَخَّرَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدٌ إِلَّا أَنَا وَأُخْتِي أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أَخْرِجْ عَنِّي مَنْ عِنْدَكَ ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ وَمَا ذَاكَ: فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ؟ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ وَالْهِجْرَةِ ". قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: " الصُّحْبَةَ ". قَالَتْ: فَوَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الْفَرَحِ حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي. ثُمَّ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ هَاتَيْنِ رَاحِلَتَانِ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِهَذَا. فَاسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَطَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ. رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ بْنِ بَكْرٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ مُشْرِكًا - يَدُلُّهُمَا عَلَى الطَّرِيقِ، وَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، فَكَانَتَا عِنْدَهُ يَرْعَاهُمَا لِمِيعَادِهِمَا.
التاريخ 859لا حكم مسجّل
[ مَنْ كَانَ يَعْلَمُ بِهِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمْ يَعْلَمْ فِيمَا بَلَغَنِي، بِخُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَحَدٌ، حَيْنَ خَرَجَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ. أَمَا عَلِيٌّ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ - فِيمَا بَلَغَنِي - أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلَّفَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ، حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْوَدَائِعَ، الَّتِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُخْشَى عَلَيْهِ إلَّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ، لِمَا يُعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ ﷺ.
التاريخ 860لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْخُرُوجَ أَتَى أَبَا بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ، قَالَ: " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَنِي وَلَمْ أَكُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ أَعْنِي عَلَى هَوْلِ الدُّنْيَا، وَبَوَائِقِ الدَّهْرِ، وَمَصَائِبِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، اللَّهُمَّ اصْحَبْنِي فِي سَفَرِي، وَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي، وَبَارِكْ لِي فِيمَا رَزَقْتَنِي، وَلَكَ فَذَلِّلْنِي، وَعَلَى صَالِحِ خُلُقِي فَقَوِّمِنِي، وَإِلَيْكَ رَبِّ فَحَبِّبْنِي، وَإِلَى النَّاسِ فَلَا تَكِلْنِي، رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَكُشِفَتْ بِهِ الظُّلُمَاتُ، وَصَلَحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، أَنْ تُحِلَّ عَلَيَّ غَضَبَكَ، وَتُنْزِلَ بِي سَخَطَكَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَفَجْأَةِ نِقْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ، لَكَ الْعُتْبَى عِنْدِي خَيْرَ مَا اسْتَطَعْتُ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ ". قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ عَمَدَا إِلَى غَارٍ بِثَوْرٍ - جَبَلٍ بِأَسْفَلَ مَكَّةَ - فَدَخَلَاهُ، وَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يَتَسَمَّعَ لَهُمَا مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِمَا نَهَارَهُ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إِذَا أَمْسَى بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْخَبَرِ، وَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ أَنْ يَرْعَى غَنَمَهُ نَهَارَهُ، ثُمَّ يُرِيحَهَا عَلَيْهِمَا إِذَا أَمْسَى فِي الْغَارِ. فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نَهَارَهُ مَعَهُمْ، يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إِذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَرْعَى فِي رُعْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا غَدَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ عِنْدِهِمَا إِلَى مَكَّةَ اتَّبَعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ يُعْفِّي عَلَيْهِ. وَسَيَأْتِي فِي سِيَاقِ الْبُخَارِيِّ مَا يَشْهَدُ لِهَذَا. وَقَدْ حَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَبَقَ الصِّدِّيقَ فِي الذَّهَابِ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَدُلَّهُ عَلَى مَسِيرِهِ لِيَلْحَقَهُ، فَلَحِقَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ. وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَخِلَافُ الْمَشْهُورِ مِنْ أَنَّهُمَا خَرَجَا مَعًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ؓ تَأْتِيهِمَا مِنَ الطَّعَامِ إِذَا أَمْسَتْ بِمَا يُصْلِحُهُمَا. قَالَتْ أَسْمَاءُ: وَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا ابْنَةَ أَبِي بَكْرٍ ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ - وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا - فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طَرَحَ مِنْهَا قُرْطِي، ثُمَّ انْصَرَفُوا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ، مَعَهُ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ - وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ - فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: كَلَّا يَا أَبَتِ إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: وَأَخَذْتُ أَحْجَارًا، فَوَضَعْتُهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ إِذْ كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدَ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. وَلَا وَاللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُسَكِّنَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيَّ قَالَ: انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى الْغَارِ لَيْلًا، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَسَ الْغَارَ; لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبُعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِنَفْسِهِ. وَهَذَا فِيهِ انْقِطَاعٌ مِنْ طَرَفَيْهِ. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ عَمْرٍو الضَّبِّيُّ، ثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ،أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى ثَوْرٍ، فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَكُونُ أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ مَرَّةً، وَخَلْفَهُ مَرَّةً، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِذَا كُنْتُ خَلْفَكَ خَشِيتُ أَنْ تُؤْتَى مِنْ أَمَامِكَ، وَإِذَا كُنْتُ أَمَامِكَ خَشِيتُ أَنْ تُؤْتَى مِنْ خَلْفِكَ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى الْغَارِ مِنْ ثَوْرٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أُدْخِلَ يَدِي فَأُحِسَّهُ وَأَقُصَّهُ، فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ دَابَّةٌ أَصَابَتْنِي قَبْلَكَ. قَالَ نَافِعٌ: فَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ فِي الْغَارِ جُحْرٌ فَأَلْقَمَ أَبُو بَكْرٍ رِجْلَهُ ذَلِكَ الْجُحْرَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ دَابَّةٌ أَوْ شَيْءٌ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَهَذَا مُرْسَلٌ وَقَدْ ذَكَرْنَا لَهُ شَوَاهِدَ أُخَرَ فِي سِيرَةِ الصِّدِّيقِ ؓ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ، أَنَا مُوسَى بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبَّادٍ، ثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، قَالَ: ذَكَرَ رِجَالٌ عَلَى عَهْدِ عُمْرَ، فَكَأَنَّهُمْ فَضَّلُوا عُمَرَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَلَيْلَةٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، وَلَيَوْمٌ مِنْ أَبِي بَكْرٍ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ، لَقَدْ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ انْطَلَقَ إِلَى الْغَارِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ، وَسَاعَةً خَلْفَهُ، حَتَّى فَطِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا لَكَ تَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيَّ، وَسَاعَةً خَلْفِي ". فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَذْكُرُ الطَّلَبَ فَأَمْشِي خَلْفَكَ، ثُمَّ أَذْكُرُ الرَّصَدَ فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْكَ. فَقَالَ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ لَأَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي ؟ " قَالَ: نَعَمْ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْغَارِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْتَبْرِئَ لَكَ الْغَارَ. فَدَخَلَ فَاسْتَبْرَأَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ فِي أَعْلَاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئِ الْجِحَرَةَ، فَقَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْتَبْرِئَ. فَدَخَلَ فَاسْتَبْرَأَ، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَنَزَلَ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتِلْكَ اللَّيْلَةُ خَيْرٌ مِنْ آلِ عُمَرَ. وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُمَرَ، وَفِيهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَعَلَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَارَةً، وَخَلْفَهُ أُخْرَى، وَعَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ. وَفِيهِ أَنَّهُ لَمَّا حَفِيَتْ رِجْلَا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَمَلَهُ الصِّدِّيقُ عَلَى كَاهِلِهِ، وَأَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ الْغَارَ سَدَّدَ تِلْكَ الْجِحَرَةَ كُلَّهَا، وَبَقِيَ مِنْهَا جُحْرٌ وَاحِدٌ، فَأَلْقَمَهُ كَعْبَهُ، فَجَعَلَتِ الْأَفَاعِي تَنْهَشُهُ وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ". وَفِي هَذَا السِّيَاقِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، وَأَبُو سَعِيدٍ ابْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، ثَنَا عَبَّاسٌ الدُّورِيُّ، ثَنَا أَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ شَاذَانُ، ثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَارِ فَأَصَابَ يَدَهُ حَجَرٌ، فَقَالَ: إِنْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ طلب قريش للنبي ﷺ في الغار وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْقَاضِي فِي " مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ ": حَدَّثَنَا بَشَّارٌ الْخَفَّافُ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى الْغَارِ، وَجَاءَتْ قُرَيْشٌ يَطْلُبُونَ النَّبِيَّ ﷺ، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْا عَلَى بَابِ الْغَارِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ، قَالُوا: لَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَائِمًا يُصَلِّي وَأَبُو بَكْرٍ يَرْتَقِبُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ: هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ يَطْلُبُونَكَ، أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي، وَلَكِنْ مَخَافَةَ أَنْ أَرَى فِيكَ مَا أَكْرَهُ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، لَا تَخَفْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ". وَهَذَا مُرْسَلٌ عَنِ الْحَسَنِ، وَهُوَ حَسَنٌ بِحَالِهِ مِنَ الشَّاهِدِ. وَفِيهِ زِيَادَةُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْغَارِ، وَقَدْ كَانَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. وَرَوَى هَذَا الرَّجُلُ - أَعْنِي أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ عَلِيٍّ الْقَاضِيَ - عَنْ عَمْرٍو النَّاقِدِ، عَنْ خَلَفِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُطَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ، إِذَا حَدَثَ فِي النَّاسِ حَدَثٌ، فَأْتِ الْغَارَ الَّذِي اخْتَبَأَتُ فِيهِ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكُنْ فِيهِ; فَإِنَّهُ سَيَأْتِيكَ رِزْقُكَ فِيهِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا. وَقَدْ نَظَمَ بَعْضُهُمْ هَذَا فِي شِعْرِهِ حَيْثُ يَقُولُ: نَسْجُ دَاوُدَ مَا حَمَى صَاحِبَ الْغَا رِ وَكَانَ الْفَخَارُ لِلْعَنْكَبُوتِ وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ حَمَامَتَيْنِ عَشَّشَتَا عَلَى بَابِهِ أَيْضًا، وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الصَّرْصَرِيُّ فِي شِعْرِهِ حَيْثُ يَقُولُ: فَغَمَّى عَلَيْهِ الْعَنْكَبُوتُ بِنَسْجِهِ وَظَلَّ عَلَى الْبَابِ الْحَمَامُ يَبِيضُ وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا عَوْنُ بْنُ عَمْرٍو أَبُو عَمْرٍو الْقَيْسِيُّ - وَيُلَقَّبُ عُوَيْنًا - حَدَّثَنِي أَبُو مُصْعَبٍ الْمَكِّيُّ، قَالَ: أَدْرَكْتُ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ، وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ، وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ الْغَارِ أَمَرَ اللَّهُ شَجَرَةً فَخَرَجَتْ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ ﷺ تَسْتُرُهُ، وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ الْعَنْكَبُوتَ فَنَسَجَتْ مَا بَيْنَهُمَا فَسَتَرَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَمَرَ اللَّهُ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ، فَأَقْبَلَتَا تَدُفَّانِ حَتَّى وَقَعَتَا بَيْنَ الْعَنْكَبُوتِ وَبَيْنَ الشَّجَرَةِ، وَأَقْبَلَتْ فِتْيَانُ قُرَيْشٍ مِنْ كُلِّ بَطْنٍ مِنْهُمْ رَجُلٌ، مَعَهُمْ عِصِيُّهُمْ وَقِسِيُّهُمْ وَهِرَاوَاتُهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدْرَ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، قَالَ الدَّلِيلُ - وَهُوَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ بْنِ جُعْشُمٍ الْمُدْلِجِيُّ - هَذَا الْحَجَرُ، ثُمَّ لَا أَدْرِي أَيْنَ وَضَعَ رِجْلَهُ. فَقَالَ الْفِتْيَانُ: أَنْتَ لَمْ تُخْطِئْ مُنْذُ اللَّيْلَةِ. حَتَّى إِذَا أَصْبَحْنَا قَالَ: انْظُرُوا فِي الْغَارِ. فَاسْتَقْدَمَ الْقَوْمَ حَتَّى إِذَا كَانُوا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَدْرَ خَمْسِينَ ذِرَاعًا، فَإِذَا الْحَمَامَتَانِ، فَرَجَعَ فَقَالُوا: مَا رَدَّكَ أَنْ تَنْظُرَ فِي الْغَارِ ؟ قَالَ: رَأَيْتُ حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ بِفَمِ الْغَارِ، فَعَرَفَتْ أَنْ لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ. فَسَمِعَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَعَرَفَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ دَرَأَ عَنْهُمَا بِهِمَا، فَسَمَّتَ عَلَيْهِمَا - أَيْ بَرَّكَ عَلَيْهِمَا - وَأَحْدَرَهُمَا اللَّهُ إِلَى الْحَرَمِ فَأَفْرَخَا كَمَا تَرَى. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ، مِنْ حَدِيثِ مُسْلِمِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ وَغَيْرِهِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَمْرٍو - وَهُوَ الْمُلَقَّبُ بِعُوَيْنٍ - بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ، وَفِيهِ أَنَّ جَمِيعَ حَمَامِ مَكَّةَ مِنْ نَسْلِ تَيْنِكَ الْحَمَامَتَيْنِ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْقَائِفَ الَّذِي اقْتَفَى لَهُمُ الْأَثَرَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْمُدْلَجِيُّ وَقَدْ رَوَى الْوَاقِدِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الَّذِي اقْتَفَى لَهُمُ الْأَثَرَ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَا جَمِيعًا اقْتَفَيَا الْأَثَرَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ التَّوْبَةِ: 40 ] يَقُولُ تَعَالَى مُؤَنِّبًا لِمَنْ تَخَلَّفَ عَنِ الْجِهَادِ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ إِلَّا تَنْصُرُوهُ أَنْتُمْ فَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُهُ، وَمُؤَيِّدُهُ، وَمُظْفِرُهُ، كَمَا نَصَرَهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَارِبًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ صَاحِبِهِ، وَصَدِيقِهِ أَبِي بَكْرٍ، لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ; وَلِهَذَا قَالَ: ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ أَيْ: وَقَدْ لَجَأَ إِلَى الْغَارِ، فَأَقَامَا فِيهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لِيَسْكُنَ الطَّلَبُ عَنْهُمَا; وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ حِينَ فَقَدُوهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ، ذَهَبُوا فِي طَلَبِهِمَا كُلَّ مَذْهَبٍ مِنْ سَائِرِ الْجِهَاتِ، وَجَعَلُوا لِمَنْ رَدَّهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَاقْتَصُّوا آثَارَهُمَا حَتَّى اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ الَّذِي يَقْتَصُّ الْأَثَرَ لِقُرَيْشٍ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، كَمَا تَقَدَّمَ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ الَّذِي هُمَا فِيهِ، وَجَعَلُوا يَمُرُّونَ عَلَى بَابِ الْغَارِ، فَتُحَاذِي أَرْجُلُهُمْ لِبَابِ الْغَارِ وَلَا يَرَوْنَهُمَا; حِفْظًا مِنَ اللَّهِ لَهُمَا، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا عَفَّانُ، ثَنَا هَمَّامٌ، أَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ حَدَّثَهُ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ فِي الْغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ. فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي " صَحِيحَيْهِمَا " مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ بِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا قَالَ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: " لَوْ جَاءُونَا مِنْ هَاهُنَا لَذَهَبْنَا مِنْ هُنَا ". فَنَظَرَ الصِّدِّيقُ إِلَى الْغَارِ قَدِ انْفَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَإِذَا الْبَحْرُ قَدِ اتَّصَلَ بِهِ، وَسَفِينَةٌ مَشْدُودَةٌ إِلَى جَانِبِهِ. وَهَذَا لَيْسَ بِمُنْكَرٍ مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَةُ الْعَظِيمَةُ، وَلَكِنْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ وَلَا ضَعِيفٍ، وَلَسْنَا نُثْبِتُ شَيْئًا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِنَا، وَلَكِنْ مَا صَحَّ أَوْ حَسُنَ سَنَدُهُ قُلْنَا بِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، ثَنَا خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ، ثَنَا مُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنْ حَدَثَ فِي النَّاسِ حَدَثٌ فَأْتِ الْغَارَ الَّذِي رَأَيْتَنِي اخْتَبَأْتُ فِيهِ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكُنْ فِيهِ فَإِنَّهُ سَيَأْتِيكَ فِيهِ رِزْقُكَ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً. ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُ يَرْوِيهِ غَيْرُ خَلَفِ بْنِ تَمِيمٍ. قُلْتُ: وَمُوسَى بْنُ مُطَيْرٍ هَذَا ضَعِيفٌ مَتْرُوكٌ، كَذَّبَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَلَا يُقْبَلُ حَدِيثُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ ذَكَرَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، أَنَّ الصِّدِّيقَ قَالَ فِي دُخُولِهِمَا الْغَارَ، وَسَيْرِهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَمَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ سُرَاقَةَ، كَمَا سَيَأْتِي، شِعْرًا فَمِنْهُ قَوْلُهُ: قَالَ النَّبِيُّ وَلَمْ أَجْزَعْ يُوَقِّرُنِي وَنَحْنُ فِي سُدَفٍ مِنْ ظُلْمَةِ الْغَارِ لَا تَخْشَ شَيْئًا فَإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُنَا وَقَدْ تَوَكَّلَ لِي مِنْهُ بِإِظْهَارِ وَقَدْ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ مِنْ طَرِيقِ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، فَذَكَرَهَا مُطَوَّلَةً جِدًّا، وَذَكَرَ مَعَهَا قَصِيدَةً أُخْرَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
التاريخ 861لا حكم مسجّل
[ ابْنَا أَبِي بَكْرٍ وَابْنِ فُهَيْرَةَ يَقُومُونَ بِشُؤُونِ الرَّسُولِ وَصَاحِبِهِ وَهُمَا فِي الْغَارِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ حَيْنَ فَقَدُوهُ مِئَةَ نَاقَةٍ، لِمَنْ يَرُدُّهُ عَلَيْهِمْ. وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَكُونُ فِي قُرَيْشٍ نَهَارَهُ مَعَهُمْ، يَسْمَعُ مَا يَأْتَمِرُونَ بِهِ، وَمَا يَقُولُونَ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ يَأْتِيهِمَا إذَا أَمْسَى فَيُخْبِرُهُمَا الْخَبَرَ. وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ؓ، يَرْعَى فِي رَعْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَإِذَا أَمْسَى أَرَاحَ عَلَيْهِمَا غَنَمَ أَبِي بَكْرٍ، فَاحْتَلَبَا وَذَبَحَا، فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ غَدَا مِنْ عِنْدِهِمَا إلَى مَكَّةَ، اتَّبَعَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ أَثَرَهُ بِالْغَنَمِ حَتَّى يُعَفِّي عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا مَضَتْ الثَّلَاثُ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا النَّاسُ أَتَاهُمَا صَاحِبُهُمَا الَّذِي اسْتَأْجَرَاهُ بِبَعِيرَيْهِمَا وَبَعِيرٍ لَهُ، وَأَتَتْهُمَا أَسَمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ؓ بِسُفْرَتِهِمَا، وَنَسِيَتْ أَنْ تَجْعَلَ لَهَا عِصَامًا فَلَمَّا ارْتَحَلَا ذَهَبَتْ لِتُعَلِّقَ السُّفْرَةَ، فَإِذَا لَيْسَ لَهَا عِصَامٌ، فَتَحِلُّ نِطَاقَهَا فَتَجْعَلُهُ عِصَامًا، ثُمَّ عَلَّقَتْهَا بِهِ. فَكَانَ يُقَالُ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: ذَاتُ النِّطَاقِ، لِذَلِكَ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ. وَتَفْسِيرُهُ: أَنَّهَا لَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَلِّقَ السُّفْرَةَ شَقَّتْ نِطَاقَهَا بِاثْنَيْنِ، فَعَلَّقَتْ السُّفْرَةَ بِوَاحِدٍ، وَانْتَطَقَتْ بِالْآخَرِ.
التاريخ 862لا حكم مسجّل
[ أَبُو بَكْرٍ يُقَدِّمُ رَاحِلَةً لِلرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا قَرَّبَ أَبُو بَكْرٍ، ؓ، الرَّاحِلَتَيْنِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَدَّمَ لَهُ أَفَضْلَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: ارْكَبْ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنِّي لَا أَرْكَبُ بَعِيرًا لَيْسَ لِي؛ قَالَ: فَهِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ مَا الثَّمَنُ الَّذِي ابْتَعْتهَا بِهِ ؟ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: قَدْ أَخَذْتهَا بِهِ؛ قَالَ: هِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَرَكِبَا وَانْطَلَقَا وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ مَوْلَاهُ خَلْفَهُ، لِيَخْدِمَهُمَا فِي الطَّرِيقِ.
التاريخ 863لا حكم مسجّل
[ ضَرْبُ أَبِي جَهْلٍ لِأَسْمَاءِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ ؓ، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكَ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاَللَّهِ أَيْنَ أَبِي ؟ قَالَتْ: فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً طُرِحَ مِنْهَا قُرْطِي.
التاريخ 864لا حكم مسجّل
وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ عَنْ جَدَّتِهِ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَهُ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ، مَعَهُ خَمْسَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ أَوْ سِتَّةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ - وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ - فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ. قَالَتْ: قُلْتُ: كَلَّا يَا أَبَتِ إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا. قَالَتْ: وَأَخَذْتُ أَحْجَارًا، فَوَضَعْتُهَا فِي كُوَّةٍ فِي الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ أَبِي يَضَعُ مَالَهُ فِيهَا، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا الْمَالِ. قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ إِذْ كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا فَقَدَ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ. وَلَا وَاللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُسَكِّنَ الشَّيْخَ بِذَلِكَ.
التاريخ 865لا حكم مسجّل
[ خَبَرُ الْهَاتِفِ مِنْ الْجِنِّ عَنْ طَرِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ ] قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا. فَمَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ. وَمَا نَدْرِي أَيْنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، يَتَغَنَّى بِأَبْيَاتٍ مِنْ شَعَرِ غِنَاءِ الْعَرَبِ، وَإِنَّ النَّاسَ لَيَتْبَعُونَهُ، يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ، حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعَلَى مَكَّةَ وَهُوَ يَقُولُ: : جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بِالْبَرِّ ثُمَّ تَرَوَّحَا فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدٍ لِيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنَيْنِ بِمَرْصَدِ
التاريخ 866لا حكم مسجّل
[ طَرِيقُهُ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْقَطَ، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقَ أَسْفَلَ مِنْ عُسْفَانَ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أَمَجَ، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتَّى عَارَضَ بِهِمَا الطَّرِيقَ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ قُدَيْدًا، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الْخَرَّارَ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْمَرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، لَفْتَا. قَالَ مَعْقِلُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْهُذَلِيُّ: : نَزِيعًا مُحْلِبًا مِنْ أَهْلِ لَفْتٍ لِحَيٍّ بَيْنَ أَثْلَةَ وَالنِّحَامِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ لِقْفٍ ثُمَّ اسْتَبْطَنَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ مَحَاجَّ - وَيُقَالُ: مِجَاجٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِحَ مَحَاجَّ، ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا مَرْجِحَ مِنْ ذِي الْغَضْوَيْنِ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعُضْوَيْنِ - ثُمَّ بَطْنَ ذِي كَشْرٍ، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الْجَدَاجِدِ، ثُمَّ عَلَى الْأَجْرَدِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَمٍ، مِنْ بَطْنِ أَعْدَاءِ مَدْلِجَةٍ تِعْهِنِ، ثُمَّ عَلَى الْعَبَابِيدِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْعَبَابِيبُ، وَيُقَالُ: الْعِثْيَانَةَ. يُرِيدُ: الْعَبَابِيبَ -. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا الْفَاجَّةَ، وَيُقَالُ: الْقَاحَّةُ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ثُمَّ هَبَطَ بِهِمَا الْعَرْجَ، وَقَدْ أَبْطَأَ عَلَيْهِمَا بَعْضُ ظَهْرِهِمْ، فَحَمَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ، يُقَالُ لَهُ: أَوْسُ بْنُ حُجْرٍ، عَلَى جَمَلٍ لَهُ - يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الرِّدَاءِ - إلَى الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ غُلَامًا لَهُ، يُقَالُ لَهُ: مَسْعُودُ بْنُ هُنَيْدَةَ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا مِنْ الْعَرَجِ، فَسَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ الْعَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةٍ - وَيُقَالُ: ثَنِيَّةُ الْغَائِرِ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - حَتَّى هَبَطَ بِهِمَا بَطْنَ رِئْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا قُبَاءٍ، عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، حِينَ اشْتَدَّ الضَّحَاءُ، وَكَادَتْ الشَّمْسُ تَعْتَدِلُ.
التاريخ 867لا حكم مسجّل
[ سُرَاقَةُ وَرُكُوبُهُ فِي أَثَرِ الرَّسُولِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ حَدَّثَهُ. عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمِّهِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إلَى الْمَدِينَةِ، جَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِيهِ مِئَةَ نَاقَةٍ لِمَنْ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ فِي نَادِي قَوْمِي إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَّا، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: وَاَللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَكْبَهُ ثَلَاثَةً مَرُّوا عَلَيَّ آنِفًا، إنِّي لَأَرَاهُمْ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ: فَأَوْمَأْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي: أَنْ اُسْكُتْ، ثُمَّ قُلْتُ: إنَّمَا هُمْ بَنُو فُلَانٍ، يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ، قَالَ: لَعَلَّهُ، ثُمَّ سَكَتَ. قَالَ: ثُمَّ مَكَثْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي، ثُمَّ أَمَرْتُ بِفَرَسِي، فَقُيِّدَ لِي إلَى بَطْنِ الْوَادِي، وَأَمَرْتُ بِسِلَاحِي، فَأُخْرِجَ لِي مِنْ دُبُرِ حُجْرَتِي، ثُمَّ أَخَذْتُ قِدَاحِي الَّتِي أَسَتَقْسِمُ بِهَا، ثُمَّ انْطَلَقْتُ، فَلَبِسْتُ لَأْمَتِي، ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ لَا يَضُرُّهُ. قَالَ: وَكُنْتُ أَرْجُو أَنْ أَرُدَّهُ عَلَى قُرَيْشٍ، فَآخُذَ الْمِئَةَ النَّاقَةِ. قَالَ: فَرَكِبْتُ عَلَى أَثَرِهِ، فَبَيْنَمَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا ؟ قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ لَا يَضُرُّهُ. قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ. قَالَ: فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ، فَبَيْنَا فَرَسِي يَشْتَدُّ بِي، عَثَرَ بِي، فَسَقَطْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: مَا هَذَا ؟، قَالَ: ثُمَّ أَخَرَجْتُ قِدَاحِي فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا فَخَرَجَ السَّهْمُ الَّذِي أَكْرَهُ لَا يَضُرُّهُ، قَالَ: فَأَبَيْتُ إلَّا أَنْ أَتَّبِعَهُ، فَرَكِبْتُ فِي أَثَرِهِ. فَلَمَّا بَدَا لِي الْقَوْمُ وَرَأَيْتهمْ، عَثَرَ بِي فَرَسِي، فَذَهَبَتْ يَدَاهُ فِي الْأَرْضِ، وَسَقَطْتُ عَنْهُ، ثُمَّ انْتَزَعَ يَدَيْهِ مِنْ الْأَرْضِ، وَتَبِعَهُمَا دُخَانٌ كَالْإِعْصَارِ. قَالَ: فَعَرَفْتُ حَيْنَ رَأَيْتُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ مُنِعَ مِنِّي، وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ. قَالَ: فَنَادَيْتُ الْقَوْمَ: فَقُلْتُ: أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ: اُنْظُرُونِي أُكَلِّمْكُمْ، فَوَاَللَّهِ لَا أَرَيْبُكُمْ، وَلَا يَأْتِيكُمْ مِنِّي شَيْءٌ تَكْرَهُونَهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: قُلْ لَهُ: وَمَا تَبْتَغِي مِنَّا ؟ قَالَ: فَقَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: قُلْتُ: تَكْتُبُ لِي كِتَابًا يَكُونُ آيَةً بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَالَ: اُكْتُبْ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ. [ إسْلَامُ سُرَاقَةَ ] ( قَالَ ): فَكَتَبَ لِي كِتَابًا فِي عَظْمٍ، أَوْ فِي رُقْعَةٍ، أَوْ فِي خَزَفَةٍ، ثُمَّ أَلْقَاهُ إلَيَّ، فَأَخَذَتْهُ، فَجَعَلْتُهُ فِي كِنَانَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ، فَسَكَتُّ فَلَمْ أَذْكُرْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ حَتَّى إذَا كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَفَرَغَ مِنْ حُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ، خَرَجْتُ وَمَعِي الْكِتَابَ لَأَلْقَاهُ، فَلَقِيتُهُ بِالْجِعْرَانَةِ. قَالَ: فَدَخَلْتُ فِي كَتِيبَةٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ. قَالَ: فَجَعَلُوا يَقْرَعُونَنِي بِالرِّمَاحِ وَيَقُولُونَ: إلَيْكَ ( إلَيْكَ )، مَاذَا تُرِيدُ ؟ قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ، وَاَللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِهِ فِي غَرْزِهِ كَأَنَّهَا جُمَّارَةٌ. قَالَ: فَرَفَعْتُ يَدِي بِالْكِتَابِ، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كِتَابُكَ ( لِي )، أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرٍّ، ادْنُهْ. قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ. ثُمَّ تَذَكَّرْتُ شَيْئًا أَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ فَمَا أَذْكُرُهُ، إلَّا أَنِّي قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الضَّالَّةُ مِنْ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي، وَقَدْ مَلَأْتهَا لِإِبِلِي، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ فِي أَنْ أَسْقِيَهَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى قَوْمِي، فَسُقْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَدَقَتِي.
التاريخ 868لا حكم مسجّل
وَاجْتَازَ فِي مُرُورِهِ عَلَى أُمِّ مَعْبَدٍ بِنْتِ كَعْبٍ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ خُزَاعَةَ، قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ. وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: اسْمُهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ. وَقَالَ الْأُمَوِيُّ: هِيَ عَاتِكَةُ بِنْتُ تَبِيعٍ حَلِيفِ بَنِي مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ ضَبِيسِ بْنِ حَرَامِ بْنِ حُبْشِيَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، وَلِهَذِهِ الْمَرْأَةِ مِنَ الْوَلَدِ، مَعْبَدٌ، وَنَضْرَةٌ، وَحُنَيْدَةُ، بَنُو أَبِي مَعْبَدٍ، وَاسْمُهُ أَكْثَمُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ ضَبِيسٍ، وَقِصَّتُهَا مَشْهُورَةٌ مَرْوِيَّةٌ مِنْ طَرْقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا. وَهَذِهِ قِصَّةُ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ : قَالَ يُونُسُ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ، وَاسْمُهَا عَاتِكَةُ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ، فَأَرَادُوا الْقِرَى، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عِنْدَنَا طَعَامٌ وَلَا لَنَا مِنْحَةٌ، وَلَا لَنَا شَاةٌ إِلَّا حَائِلٌ. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَعْضِ غَنَمِهَا، فَمَسَحَ ضَرْعَهَا بِيَدِهِ، وَدَعَا اللَّهَ وَحَلَبَ فِي الْعُسِّ حَتَّى أَرْغَى، وَقَالَ: " اشْرَبِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ ". فَقَالَتْ: اشْرَبْ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ. فَرَدَّهُ عَلَيْهَا فَشَرِبَتْ، ثُمَّ دَعَا بِحَائِلٍ أُخْرَى، فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِهَا، فَشَرِبَهُ ثُمَّ دَعَا بِحَائِلٍ أُخْرَى، فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَسَقَى دَلِيلَهُ، ثُمَّ دَعَا بِحَائِلٍ أُخْرَى فَفَعَلَ بِهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَسَقَى عَامِرًا، ثُمَّ تَرَّوَحَ وَطَلَبَتْ قُرَيْشٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَلَغُوا أُمَّ مَعْبَدٍ، فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَقَالُوا: أَرَأَيْتِ مُحَمَّدًا ؟ مِنْ حِلْيَتِهِ كَذَا وَكَذَا فَوَصَفُوهُ لَهَا، فَقَالَتْ: مَا أَدْرِي مَا تَقُولُونَ قَدْ ضَافِنِي حَالِبُ الْحَائِلِ، قَالَتْ قُرَيْشٌ: فَذَاكَ الَّذِي نُرِيدُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرَيْنِ فَدَخَلَا الْغَارَ، إِذَا فِي الْغَارِ جُحْرٌ فَأَلْقَمَهُ أَبُو بَكْرٍ عَقِبَهُ حَتَّى أَصْبَحَ; مَخَافَةَ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَقَامَا فِي الْغَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، ثُمَّ خَرَجَا حَتَّى نَزَلَا بِخَيْمَاتِ أُمِّ مَعْبَدٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ مَعْبَدٍ: إِنِّي أَرَى وُجُوهًا حِسَانًا، وَإِنَّ الْحَيَّ أَقْوَى عَلَى كَرَامَتِكُمْ مِنِّي. فَلَمَّا أَمْسَوْا عِنْدَهَا بَعَثَتْ مَعَ ابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ بِشَفْرَةٍ وَشَاةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " ارْدُدِ الشَّفْرَةَ وَهَاتِ لِي فَرَقًا ". - يَعْنِي الْقَدَحَ - فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنْ لَا لَبَنَ فِيهَا وَلَا وَلَدَ. قَالَ: " هَاتِ لِي فَرَقًا، فَجَاءَتْ بِفَرَقٍ فَضَرَبَ ظَهْرَهَا فَاجْتَرَّتْ وَدَرَّتْ، فَحَلَبَ فَمَلَأَ الْقَدَحَ، فَشَرِبَ وَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ حَلَبَ فَبَعَثَ بِهِ إِلَى أُمِّ مَعْبَدٍ، ثُمَّ قَالَ الْبَزَّارُ: لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُقْبَةَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا حَدَّثَ عَنْهُ إِلَّا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا فِي النَّسَبِ. وَرَوَى الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ فَانْتَهَيْنَا إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتٍ مُنْتَحِيًا، فَقَصَدَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، إِنَّمَا أَنَا امْرَأَةٌ وَلَيْسَ مَعِي أَحَدٌ فَعَلَيْكُمَا بِعَظِيمِ الْحَيِّ إِنْ أَرَدْتُمُ الْقِرَى. قَالَ: فَلَمْ يُجِبْهَا، وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَسَاءِ، فَجَاءَ ابْنٌ لَهَا بِأَعْنُزٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَتْ: يَا بُنَيَّ انْطَلِقْ بِهَذِهِ الْعَنْزِ وَالشَّفْرَةِ إِلَى هَذَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، فَقُلْ لَهُمَا: تَقُولُ لَكُمَا أُمِّي: اذْبَحَا هَذِهِ وَكُلَا وَأَطْعِمَانَا. فَلَمَّا جَاءَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: " انْطَلِقْ بِالشَّفْرَةِ وَجِئْنِي بِالْقَدَحِ ". قَالَ: إِنَّهَا قَدْ عَزَبَتْ وَلَيْسَ بِهَا لَبَنٌ. قَالَ: " انْطَلَقْ ". فَجَاءَ بِقَدَحٍ فَمَسَحَ النَّبِيُّ ﷺ ضَرْعَهَا ثُمَّ حَلَبَ حَتَّى مَلَأَ الْقَدَحَ، ثُمَّ قَالَ: " انْطَلَقَ بِهِ إِلَى أُمِّكَ ". فَشَرِبَتْ حَتَّى رَوِيَتْ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ: " انْطَلِقْ بِهَذِهِ وَجِئْنِي بِأُخْرَى ". فَفَعَلَ بِهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ سَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَ بِأُخْرَى فَفَعَلَ بِهَا كَذَلِكَ، ثُمَّ شَرِبَ النَّبِيُّ ﷺ، فَبِتْنَا لَيْلَتَنَا ثُمَّ انْطَلَقْنَا، فَكَانَتْ تُسَمِّيهِ الْمُبَارَكَ، وَكَثُرَتْ غَنَمُهَا حَتَّى جَلَبَتْ جَلْبًا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ فَرَآهُ ابْنُهَا فَعَرَفَهُ، فَقَالَ: يَا أُمَّهْ، هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمُبَارَكِ. فَقَامَتْ إِلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ مَعَكَ ؟ قَالَ: أَوْ مَا تَدْرِينَ مَنْ هُوَ! قَالَتْ: لَا. قَالَ: هُوَ نَبِيُّ اللَّهِ. قَالَتْ: فَأَدْخِلْنِي عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَدْخَلَهَا فَأَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَعْطَاهَا - زَادَ ابْنُ عَبْدَانِ فِي رِوَايَتِهِ - قَالَتْ: فَدُلَّنِي عَلَيْهِ فَانْطَلَقَتْ مَعِي، وَأَهْدَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنْ أَقِطٍ وَمَتَاعِ الْأَعْرَابِ. قَالَ: فَكَسَاهَا وَأَعْطَاهَا. قَالَ: وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: وَأَسْلَمَتْ. إِسْنَادٌ حَسَنٌ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ أُمِّ مَعْبَدٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا هِيَ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُكْرَمٍ، حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ، ثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ وَهْبٍ الْمَذْحِجِيُّ، ثَنَا الْحُرُّ بْنُ الصَّيَّاحِ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةَ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَدَلِيلُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيُّ، فَمَرُّوا بِخَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ امْرَأَةً بَرْزَةً جَلْدَةً، تَحْتَبِي وَتَجْلِسُ بِفَنَاءِ الْخَيْمَةِ، فَتُطْعِمُ وَتَسْقِي فَسَأَلُوهَا هَلْ عِنْدَهَا لَحْمٌ أَوْ لَبَنٌ يَشْتَرُونَهُ مِنْهَا ؟ فَلَمْ يَجِدُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَتْ: لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمُ الْقِرَى. وَإِذَا الْقَوْمُ مُرْمِلُونَ مُسْنِتُونَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِذَا شَاةٌ فِي كَسْرِ خَيْمَتِهَا، فَقَالَ: مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ ؟ فَقَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ. قَالَ: " فَهَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ ؟ " قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: " تَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلُبَهَا ". قَالَتْ: إِنْ كَانَ بِهَا حَلْبٌ فَاحْلُبْهَا. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشَّاةِ فَمَسَحَهَا، وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وَمَسَحَ ضَرْعَهَا، وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وَدَعَا بِإِنَاءٍ لَهَا يُرْبِضُ الرَّهْطَ، فَتَفَاجَّتْ وَاجْتَرَّتْ، فَحَلَبَ فِيهَا ثَجًّا، حَتَّى عَلَاهُ الْبَهَاءُ، فَسَقَاهَا وَسَقَى أَصْحَابَهُ، فَشَرِبُوا عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، حَتَّى إِذَا رَوُوْا شَرِبَ آخِرَهُمْ، وَقَالَ: " سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ ". ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ، فَغَادَرَهُ عِنْدَهَا، ثُمَّ ارْتَحَلُوا، قَالَ: فَقَلَّ مَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعَنُزًا عِجَافًا يَتَسَاوَكْنَ، هَزْلَى لَا نِقْيَ بِهِنَّ، مُخُّهُنَّ قَلِيلٌ، فَلَمَّا رَأَى اللَّبَنَ عَجِبَ، وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، وَلَا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ وَالشَّاةُ عَازِبٌ ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ، إِنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ. فَقَالَ صِفِيهِ لِي، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُ. فَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ، حَسَنَ الْخُلُقِ، مَلِيحَ الْوَجْهِ، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ صَعْلَةٌ، قَسِيمٌ وَسِيمٌ، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ، وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ، وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ، أَحْوَرُ، أَكْحَلُ، أَزَجُّ، أَقْرَنُ، فِي عُنُقِهِ سَطَعٌ، وَفِي لِحْيَتِهِ كَثَافَةٌ، إِذَا صَمَتَ فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ، وَإِذَا تَكَلَّمَ سَمَا وَعَلَاهُ الْبَهَاءُ، حُلْوُ الْمَنْطِقِ، فَصْلٌ; لَا نَزْرٌ وَلَا هَذَرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَنْحَدِرْنَ، أَبْهَى النَّاسِ وَأَجْمَلُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْلَاهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، رَبْعَةٌ، لَا تَشْنَؤُهُ عَيْنٌ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مَنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا، وَأَحْسَنُهُمْ قَدًّا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ بِهِ، إِنْ قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا لِأَمْرِهِ، مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ، لَا عَابِسٌ وَلَا مُفَنَّدٌ. فَقَالَ - يَعْنِي بَعْلَهَا -: هَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الَّذِي تَطْلُبُ، وَلَوْ صَادَفْتُهُ لَالْتَمَسْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَجْهَدَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا قَالَ: وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَرَوْنَ مَنْ يَقُولُ، وَهُوَ يَقُولُ: جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدِ هُمَا نَزَلَا بِالْبِرِّ وَارْتَحَلَا بِهِ فَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ فَيَالَ قُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ بِهِ مِنْ فِعَالٍ لَا تُجَارَى وَسُؤْدُدِ سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا فَإِنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ لَهُ بِصَرِيحٍ ضَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ فَغَادَرَهُ رَهْنًا لَدَيْهَا لِحَالِبٍ يَدُرُّ لَهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدِ قَالَ: وَأَصْبَحَ النَّاسُ - يَعْنِي بِمَكَّةَ - وَقَدْ فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ، فَأَخَذُوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ، حَتَّى لَحِقُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: وَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ: لَقَدْ خَابَ قَوْمٌ زَالَ عَنْهُمْ نَبِيُّهُمْ وَقُدِّسَ مَنْ يَسْرِي إِلَيْهِمْ وَيَغْتَدِي تَرَحَّلَ عَنْ قَوْمٍ فَزَالَتْ عُقُولُهُمْ وَحَلَّ عَلَى قَوْمٍ بِنُورٍ مُجَدَّدِ وَهَلْ يَسْتَوِي ضُلَّالُ قَوْمٍ تَسَفَّهُوا عَمًى وَهُدَاةٌ يَهْتَدُونَ بِمُهْتَدِ نَبِيٌّ يَرَى مَا لَا يَرَى النَّاسُ حَوْلَهُ وَيَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ فِي كُلِّ مَشْهَدِ وَإِنْ قَالَ فِي يَوْمٍ مَقَالَةَ غَائِبٍ فَتَصْدِيقُهَا فِي الْيَوْمِ أَوْ فِي ضُحَى الْغَدِ لِيَهْنِ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةُ جَدِّهِ بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللَّهُ يَسْعَدِ وَيَهْنِ بَنِي كَعْبٍ مَكَانُ فَتَاتِهِمْ وَمَقْعَدُهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِمَرْصَدِ إسلام أبا معبد قَالَ - يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ وَهْبٍ -: فَبَلَغَنِي أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ، مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ وَهْبٍ الْمَذْحِجِيِّ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَوَاءً، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: بَلَغَنِي أَنَّ أُمَّ مَعْبَدٍ هَاجَرَتْ وَأَسْلَمَتْ وَلَحِقَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ثُمَّ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ، عَنْ مُكَرَّمِ بْنِ مُحْرِزٍ الْكَعْبِيِّ الْخُزَاعِيِّ، عَنْ أَبِيهِ مُحْرِزِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ حِزَامِ بْنِ هِشَامِ بْنِ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ خَرَجَ مِنْهَا مُهَاجِرًا، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَدَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيُّ، فَمَرُّوا بِخَيْمَةِ أُمِّ مَعْبَدٍ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَرْزَةً جَلْدَةً تَحْتَبِي بِفِنَاءِ الْقُبَّةِ. وَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ سَوَاءً. قَالَ: وَحَدَّثْنَاهُ فِيمَا أَظُنُّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ مُوسَى يَعْنِي الْكُدَيْمِيَّ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَوْلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ سَلِيطٍ الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ سَلِيطٍ الْبَدْرِيِّ، قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَابْنُ أُرَيْقِطٍ، يَدُلُّهُمْ عَلَى الطَّرِيقِ، مَرَّ بِأُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَهِيَ لَا تَعْرِفُهُ، فَقَالَ لَهَا: " يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، هَلْ عِنْدَكِ مِنْ لَبَنٍ ؟ " قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ إِنَّ الْغَنَمَ لَعَازِبَةٌ. قَالَ: " فَمَا هَذِهِ الشَّاةُ ؟ " قَالَتْ: خَلَّفَهَا الْجَهْدُ عَنِ الْغَنَمِ. ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ كَنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَصَ كُلَّهَا وَاحِدَةٌ.
التاريخ 869لا حكم مسجّل
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُوَيْمِ بْنِ سَاعِدَةَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَدِينَةِ لَمَّا سَمِعُوا بِمَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَكَّةَ وَتَوَكَّفُوا قُدُومَهُ كَانُوا يَخْرُجُونَ إِذَا صَلَّوُا الصُّبْحَ إِلَى ظَاهِرِ الْحَرَّةِ يَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى تَغْلِبَهُمُ الشَّمْسُ عَلَى الظِّلَالِ، وَيُؤْذِيَهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ. فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا ظِلًّا دَخَلُوا، وَذَلِكَ فِي أَيَّامٍ حَارَّةٍ حَتَّى كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ دَخَلُوا الْبُيُوتَ فَأَوْفَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يُنْظَرُ إِلَيْهِ، فَبَصَرَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مُبَيِّضِينَ، يَلُوحُ بِهِمُ السَّرَابُ، فَلَمْ يَمْلِكِ الْيَهُودِيُّ نَفْسَهُ فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: «يَا بَنِي قَيْلَةَ»، وَفِي لَفْظٍ: يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ، «هَذَا جَدُّكُمْ»، وَفِي لَفْظٍ: هَذَا صَاحِبُكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ، «قَدْ جَاءَ». فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِظَهْرِ الْحَرَّةِ وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِشَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَخَرَجُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي ظِلِّ نَخْلَةٍ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي مِثْلِ سِنِّهِ. وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَامِتًا، فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: «فَلَمَّا رَأَوْا أَبَا بَكْرٍ يَنْحَازُ لَهُ عَنِ الظِّلِّ عَرَفُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَعَدَلَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ الْيَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ عُلُوَّ الْمَدِينَةِ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ، قِيلَ: «وَكَانَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا، وَبِهِ جَزَمَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ زُبَالَةَ»، وَقِيلَ: «إِنَّمَا نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ». قَالَ رَزِينٌ: «وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ» وَقَالَ الْحَاكِمُ إِنَّهُ الْأَرْجَحُ، [قَالَ]: «وَقَدْ قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَهُوَ أَعْرَفُ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ» وَقَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: «إِنَّهُ أَثْبَتُ». وَقَالَ بَعْضُهُمْ «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ وَكَانَ يَخْرُجُ لِلنَّاسِ مِنْ مَنْزِلِهِ فَيَجْلِسُ لِلنَّاسِ فِي بَيْتِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ لِأَنَّهُ كَانَ عَزَبًا لَا أَهْلَ لَهُ هُنَاكَ وَكَانَ مَنْزِلُ الْعُزَّابِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ فَمِنْ هُنَالِكَ يُقَالُ: نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ. وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى خُبَيْبِ بْنِ إِسَافَ أَحَدِ بَنِي الْحَارِثِ بِالسُّنْحِ- بِسِينٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ فَنُونٍ سَاكِنَةٍ فَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ. وَيُقَالُ: عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ». وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: «نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ، فَصَاحَ كُلْثُومٌ بِغُلَامٍ لَهُ فَقَالَ: يَا نَجِيحُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَنْجَحْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ» وَأَقَامَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ بِمَكَّةَ بَعْدَ مَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيَّامًا- قَالَ بَعْضُهُمْ: ثَلَاثَةٌ- حَتَّى أَدَّى لِلنَّاسِ وَدَائِعَهُمُ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَخَلَفَهُ لِيَرُدَّهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِقُبَاءَ فَنَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ. وَقَالَ عَلِيٌّ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَرَزِينٌ: «كُنْتُ نَزَلْتُ بِقُبَاءَ وَكَانَتِ امْرَأَةً مُسْلِمَةً لَا زَوْجَ لَهَا، فَرَأَيْتُ إِنْسَانًا يَأْتِيهَا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بَابَهَا، فَتَخْرُجُ إِلَيْهِ فَيُعْطِيهَا شَيْئًا مَعَهُ فَتَأْخُذُهُ فَاسْتَرَبْتُ شَأْنَهُ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ، مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي يَضْرِبُ عَلَيْكِ بَابَكِ كُلَّ لَيْلَةٍ فَتَخْرُجِينَ إِلَيْهِ فَيُعْطِيكِ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنْتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَا زَوْجَ لَكِ؟ قَالَتْ: هَذَا سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، قَدْ عَرَفَ أَنِّي امْرَأَةٌ لَا أَحَدَ لِي، فَإِذَا أَمْسَى عَدَا عَلَى أَوْثَانِ قَوْمِهِ فَكَسَرَهَا ثُمَّ جَاءَنِي بِهَا. فَقَالَ: احْتَطِبِي بِهَا، فَكَانَ عَلَيَّ يَأْثِرُ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ حِينَ هَلَكَ عِنْدَهُ بِالْعِرَاقِ.
التاريخ 870لا حكم مسجّل
إسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ [ كَيْفَ أَسْلَمَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، كَمَا حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِهِ عَنْهُ وَعَنْ إسْلَامِهِ حَيْنَ أَسْلَمَ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، قَالَ: لَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَزَمَانَهُ الَّذِي كُنَّا نَتَوَكَّفُ لَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا لِذَلِكَ، صَامِتًا عَلَيْهِ، حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَزَلَ بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعَمَلُ فِيهَا، وَعَمَّتِي خَالِدَةُ ابْنَةُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةٌ، فَلَمَّا سَمِعْتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَبَّرْتُ؛ فَقَالَتْ لِي عَمَّتِي، حَيْنَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي: خَيَّبَكَ اللَّهُ، وَاَللَّهِ لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ قَادِمًا مَا زِدْتَ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ عَمَّةُ، هُوَ وَاَللَّهِ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَعَلَى دِينِهِ، بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ. قَالَ: فَقَالَتْ: أَيْ ابْنَ أَخِي، أَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُ يُبْعَثُ مَعَ نَفْسِ السَّاعَةِ ؟ قَالَ: فَقُلْتُ لَهَا: نَعَمْ. قَالَ: فَقَالَتْ: فَذَاكَ إذًا. قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى أَهْلِ بَيْتِي، فَأَمَرْتُهُمْ فَأَسْلَمُوا [ قَوْمُهُ يُكَذِّبُونَهُ وَلَا يَتَّبِعُونَهُ ] قَالَ: وَكَتَمْتُ إسْلَامِي مِنْ يَهُودَ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ يَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي فِي بَعْضِ بُيُوتِكَ، وَتُغَيِّبَنِي عَنْهُمْ، ثُمَّ تَسْأَلُهُمْ عَنِّي، حَتَّى يُخْبِرُوكَ كَيْفَ أَنَا فِيهِمْ، قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي، فَإِنَّهُمْ إنْ عَلِمُوا بِهِ بَهَتُونِي وَعَابُونِي. قَالَ: فَأَدْخَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ، وَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَكَلَّمُوهُ وَسَاءَلُوهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَيُّ رَجُلٍ الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ فِيكُمْ ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، وَحَبْرُنَا وَعَالِمُنَا. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَوْلِهِمْ خَرَجْتُ عَلَيْهِمْ، فَقُلْتُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ، فَوَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ إنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ بِاسْمِهِ وَصِفَتِهِ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَأُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِفُهُ، فَقَالُوا: كَذَبْتَ ثُمَّ وَقَعُوا بِي، قَالَ: فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَلَمْ أُخْبِرْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ قَالَ: فَأَظْهَرْتُ إسْلَامِي وَإِسْلَامُ أَهْلِ بَيْتِي، وَأَسْلَمَتْ عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، فَحَسُنَ إسْلَامُهَا. وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَكُنْتُ فِيمَنِ انْجَفَلَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: " أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٍ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَبِي أَوْفَى بِهِ عَنْهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: صَحِيحٌ. عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهُوَ فِي أَرْضٍ لَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ; مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ ؟ قَالَ: " أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا ". قَالَ: جِبْرِيلُ ؟ قَالَ: " نَعَمْ ". قَالَ: عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ. ثُمَّ قَرَأَ: مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ [ الْبَقَرَةِ: 97 ] قَالَ: " أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ فَنَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ ". قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي. فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ: " أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ ؟ " قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا. قَالَ: " أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ ؟ " قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا وَانْتَقَصُوهُ. قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. موقف زعماء اليهود من النبي ﷺ وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنِي مُحَدِّثٌ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ أَبِي وَعَمِّي أَحَبَّ إِلَيْهِمَا مِنِّي، لَمْ أَلْقَهُمَا فِي وَلَدٍ لَهُمَا قَطُّ أَهِشُّ إِلَيْهِمَا إِلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُبَاءَ - قَرْيَةَ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ - غَدَا إِلَيْهِ أَبِي وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ مُغَلِّسَيْنِ، فَوَاللَّهِ مَا جَاءَانَا إِلَّا مَعَ مَغِيبِ الشَّمْسِ، فَجَاءَانَا فَاتِرَيْنِ كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَى، فَهَشِشْتُ إِلَيْهِمَا كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَوَاللَّهِ مَا نَظَرَ إِلَيَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، فَسَمِعْتُ عَمِّي أَبَا يَاسِرٍ يَقُولُ لِأَبِي: أَهْوَ هُوَ ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ. قَالَ تَعْرِفُهُ بِعَيْنِهِ وَصِفَتِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاللَّهِ. قَالَ: فَمَاذَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاللَّهِ مَا بَقِيتُ. وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ أَبَا يَاسِرِ بْنَ أَخْطَبَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَحَادَثَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَطِيعُونِي; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَاءَكُمْ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَنْتَظِرُونَ، فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ. فَانْطَلَقَ أَخُوهُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْيَهُودِ، وَهُمَا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ - فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعَ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا، فَقَالَ: أَتَيْتُ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ وَاللَّهِ لَا أَزَالُ لَهُ عَدُوًّا أَبَدًا. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ أَبُو يَاسِرٍ: يَا ابْنَ أُمِّ، أَطِعْنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ وَاعْصِنِي فِيمَا شِئْتَ بَعْدَهُ، لَا تَهْلِكْ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُطِيعُكَ أَبَدًا. وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَاتَّبَعَهُ قَوْمُهُ عَلَى رَأْيِهِ. قُلْتُ: أَمَّا أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ فَلَا أَدْرِي مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَأَمَّا حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَالِدُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، فَشَرِبَ عَدَاوَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى قُتِلَ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ قَتَلَ مُقَاتِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ.
التاريخ 871لا حكم مسجّل
وَكَانَ لِكُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ مَرْبِدٌ، وَالْمَرْبِدُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُبْسَطُ فِيهِ التَّمْرُ لِيَجِفَّ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأَسَّسَهُ وَبَنَاهُ مَسْجِدًا. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عُرْوَةَ: « فَلَبِثَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَأَسَّسَ الْمَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى». وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْهُ قَالَ: «الَّذِينَ بُنِيَ فِيهِمُ الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى» هُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَكَذَا عِنْدَ ابْنِ عَائِذٍ وَلَفْظُهُ: «وَمَكَثَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ وَاتَّخَذَ مَكَانَهُ مَسْجِدًا فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ ثُمَّ بَنَاهُ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَهُوَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى». وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي زِيَادَاتِ الْمَغَازِي عَنِ الْمَسْعُودِيِّ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ- بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَبِالْمُوَحَّدَةِ- قَالَ: لَمَّاَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَ بِقُبَاءَ قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: «مَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ مَكَانًا يَسْتَظِلُّ بِهِ إِذَا اسْتَيْقَظَ وَيُصَلِّيَ فِيهِ». فَجَمَعَ حِجَارَةً فَبَنَى مَسْجِدَ قُبَاءَ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَى مَسْجِدًا- رَوَى الْحَافِظُ وَالسَّيِّدُ- يَعْنِي لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ فِي التَّحْقِيقِ أَوَّلُ مَسْجِدٍ صَلَّى فِيهِ بِأَصْحَابِهِ جَمَاعَةً ظَاهِرًا، وَإِنْ كَانَ قَدْ بُنِيَ غَيْرُهُ مِنَ الْمَسَاجِدِ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرٍ ؓ قَالَ: لَقَدْ لَبِثْنَا بِالْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ سَنَتَيْنِ نُعَمِّرُ الْمَسَاجِدَ وَنُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَلِذَا قِيلَ: كَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ فِي الْهِجْرَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْأَنْصَارِ بِقُبَاءَ قَدْ بَنَوْا مَسْجِدًا يُصَلُّونَ فِيهِ، يَعْنِي هَذَا الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَوَرَدَ قُبَاءَ صَلَّى بِهِمْ فِيهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَلَمْ يُحَدِّثْ فِيهِ شَيْئًا أَيْ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ لِأَنَّ ابْنَ شَبَّةَ- بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ الْمُشَدَّدَةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ- رَوَى ذَلِكَ، ثُمَّ رَوَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَنَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَقَدَّمَ الْقِبْلَةَ إِلَى مَوْضِعِهَا الْيَوْمَ وَقَالَ: «جِبْرِيلُ يَؤُمُّ بِي الْبَيْتَ». وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ؓ قَالَ: لَمَّاَ سَأَلَ أَهْلُ قُبَاءَ النَّبِيَّ ﷺ أَنْ يَبْنِيَ لَهُمْ مَسْجِدًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِيَقُمْ بَعْضُكُمْ فَيَرْكَبُ النَّاقَةَ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ ؓ فَرَكِبَهَا فَحَرَّكَهَا فَلَمْ تَنْبَعِثْ فَرَجَعَ فَقَعَدَ فَقَامَ عُمَرُ ؓ فَرَكِبَهَا فَلَمْ تَنْبَعِثْ فَرَجَعَ فَقَعَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «لِيَقُمْ بَعْضُكُمْ فَيَرْكَبُ النَّاقَةَ»، فَقَامَ عَلِيٌّ ؓ، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي غَرْزِ الرُّكَّابِ وَثَبَتَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَرْخِ زِمَامَهَا وَابْنُوا عَلَى مَدَارِهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنِ الشَّمُوسِ- بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ- بِنْتِ النُّعْمَانِ ؓ قَالَتْ: «نَظَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ وَنَزَلَ وَأَسَّسَ هَذَا الْمَسْجِدَ: مَسْجِدَ قُبَاءَ، فَرَأَيْتُهُ يَأْخُذُ الْحَجَرَ أَوِ الصَّخْرَةَ حَتَّى يَهْصِرَهُ الْحَجَرُ، وَأَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ التُّرَابِ عَلَى بَطْنِهِ أَوْ سُرَّتِهِ فَيَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَعْطِنِي أَكُفَّكَ، فَيَقُولُ: «لَا خُذْ مِثْلَهُ»، حَتَّى أَسَّسَهُ، وَيَقُولُ: «إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ يَؤُمُّ الْكَعْبَةَ» قَالَتْ: فَكَانَ يُقَالُ: إِنَّهُ أَقْوَمُ مَسْجِدٍ قِبْلَةً. قَالَ السَّيِّدُ: «قَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ حَتَّى نُسِخَ ذَلِكَ وَجَاءَ نُقَبَاؤُهُمْ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فَأَخْبَرَهُمْ وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَؤُمُّ [بِهِ] الْبَيْتَ لِيَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى جِهَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِتُقَابِلَ الْجِهَتَيْنِ وَيُعْلِمَهُ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ الْأَمْرُ مِنِ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ. أَوْ أَنَّهُ ﷺ كَانَ مُخَيَّرًا فِي ابْتِدَاءِ الْهِجْرَةِ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ إِلَى الْكَعْبَةِ، كَمَا قَالَهُ الرَّبِيعُ، فَأَمَّ بِهِ جِبْرِيلُ الْبَيْتَ لِذَلِكَ، سبب استقبال بيت المقدس أولا وَاخْتِيَارُهُ الصَّلَاةَ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوَّلًا لِاسْتِمَالَةِ الْيَهُودِ أَوْ أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ كَانَ مَشْرُوعًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ نُسِخَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نُسِخَ بِالْكَعْبَةِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَنَّ الْقِبْلَةَ نُسِخَتْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ أَنَّ ذَلِكَ تَأْسِيسٌ آخَرُ غَيْرُ التَّأْسِيسِ الْأَوَّلِ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شَبَّةَ». وَرَوَى ابْنُ شَبَّةَ أَيْضًا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ كَانَ يَقُولُ وَهُمْ يَبْنُونَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ: «أَفْلَحَ مَنْ يُعَمِّرُ الْمَسَاجِدَا»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَسَاجِدَا»، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَائِمًا وَقَاعِدًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَقَاعِدًا» فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «وَلَا يَبِيتُ اللَّيْلَ عَنْهُ رَاقِدًا»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَاقِدًا».
التاريخ 872لا حكم مسجّل
رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ ابْنُ جَرِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْجُمَحِيِّ: أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا بِالْمَدِينَةِ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ : الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، وَأَسْتَغْفِرُهُ وَأَسْتَهْدِيهِ [وَأُومِنُ بِهِ وَلَا أَكْفُرُهُ، وَأُعَادِي مَنْ يَكْفُرُهُ، ] وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْهُدَى وَالنُّورِ وَالْمَوْعِظَةِ، عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَقِلَّةٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَضَلَالَةٍ مِنَ النَّاسِ، وَانْقِطَاعٍ عَنِ الزَّمَانِ، وَدُنُوٍّ مِنَ السَّاعَةِ، وَقُرْبٍ مِنَ الْأَجَلِ، مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى وَفَرَّطَ، وَضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا، وَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ خَيْرُ مَا أَوْصَى بِهِ الْمُسْلِمُ الْمُسْلِمَ أَنْ يَحُضَّهُ عَلَى الْآخِرَةِ، وَأَنْ يَأْمُرَهُ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَاحْذَرُوا مَا حَذَّرَكُمُ اللَّهُ مِنْ نَفْسِهِ، [وَلَا أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ نَصِيحَةً] وَلَا أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ ذِكْرًا، وَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ لِمَنْ عَمِلَ بِهِ عَلَى وَجَلٍ وَمَخَافَةٍ مِنْ رَبِّهِ، عَوْنُ صِدْقٍ عَلَى مَا تَبْغُونَ مِنْ أَمْرٍ الْآخِرَةِ، وَمَنْ يُصْلِحِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ مِنْ أَمْرِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، لَا يَنْوِي بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ يَكُنْ لَهُ ذِكْرًا فِي عَاجِلِ أَمْرِهِ، وَذُخْرًا فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ حِينَ يَفْتَقِرُ الْمَرْءُ إِلَى مَا قَدَّمَ، وَمَا كَانَ مِنْ سِوَى [ذَلِكَ] يَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا، وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ، وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ. وَالَّذِي صَدَّقَ قَوْلَهُ، وَأَنْجَزَ وَعْدَهُ، لَا خُلْفَ لِذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي عَاجِلِ أَمْرِكُمْ وَآجِلِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْ سَيِّئَاتِهِ، وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا، وَإِنَّ تَقْوَى اللَّهِ [يُوَقِّي] مَقْتَهُ، وَعُقُوبَتَهُ، وَسَخَطَهُ، وَيُبَيِّضُ الْوُجُوهَ، وَيُرْضِي الرَّبَّ، وَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ. [خُذُوا] بِحَظِّكُمْ، وَلَا تُفَرِّطُوا فِي جَنْبِ اللَّهِ، قَدْ عَلَّمَكُمُ اللَّهُ كِتَابَهُ وَنَهَجَ لَكُمْ سَبِيلَهُ، لِيَعْلَمَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلِيَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ. فَأَحْسِنُوا كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ، وَعَادُوا أَعْدَاءَهُ، وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ، هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَسَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ خَيْرُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَاعْمَلُوا لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُصْلِحْ مَا بَيْنَهُ وَبْيَنَ اللَّهِ يَكْفِهِ اللَّهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقْضِي الْحَقَّ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَقْضُونَ، وَيَمْلِكُ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ أَوَّلَ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ - وَنَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَقُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا لَمْ يَقُلْ - أَنَّهُ قَامَ فِيهِمْ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: ( أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ تَعْلَمُنَّ وَاللَّهِ لَيُصْعَقَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ لَيَدَعَنَّ غَنَمَهُ لَيْسَ لَهَا رَاعٍ، ثُمَّ لَيَقُولَنَّ لَهُ رَبُّهُ وَلَيْسَ لَهُ تُرْجُمَانٌ وَلَا حَاجِبٌ يَحْجُبُهُ دُونَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ رَسُولِي فَبَلَّغَكُ، وَآتَيْتُكَ مَالًا وَأَفْضَلْتُ عَلَيْكَ، فَمَا قَدَّمْتَ لِنَفْسِكَ فَلَيَنْظُرَنَّ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَلَا يَرَى شَيْئًا ثُمَّ لَيَنْظُرَنَّ قُدَّامَهُ فَلَا يَرَى غَيْرَ جَهَنَّمَ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِيَ وَجْهَهُ مِنَ النَّارِ وَلَوْ بِشِقٍّ مِنْ تَمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ، فَإِنَّ بِهَا تُجْزَى الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ).
التاريخ 873لا حكم مسجّل
عَنْ عِمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، وَكَانُوا أَخْوَالَهُ لِأَنَّ أُمَّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النَّسَبِ. فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِينَ السُّيُوفَ، فَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ: «ارْكَبُوا آمِنِينَ مُطَاعِينَ». وَكَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَاحِلَتِهِ وَحُشِدَ الْمُسْلِمُونَ وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ الْقَصْوَاءَ وَالنَّاسُ مَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَخَلْفَهُ مِنْهُمُ الْمَاشِي وَالرَّاكِبُ فَاجْتَمَعَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَرَجْتَ مَلَالًا لَنَا أَمْ تُرِيدُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِنَا؟ قَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقِرَى فَخَلُّوهَا- أَيْ نَاقَتَهُ- فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُبَاءَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ فَخَرَجُوا فِي الطُّرُقِ وَعَلَى الْأَبَاعِرِ وَصَارَ الْخَدَمُ وَالصِّبْيَانُ يَقُولُونَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ جَاءَ مُحَمَّدٌ» قَالَ أَنَسٌ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: «إِنِّي لَأَسْعَى مَعَ الْغِلْمَانِ إِذْ قَالُوا: مُحَمَّدٌ جَاءَ فَنَنْطَلِقُ فَلَا نَرَى شَيْئًا، حَتَّى أَقْبَلَ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ فَكَمِنَّا فِي بَعْضِ جُدُرِ الْمَدِينَةِ وَبَعَثَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الْأَنْصَارَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءُ خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: انْطَلَقَا آمِنِينَ مُطَاعِينَ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحَبَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَنَّ الْعَوَاتِقَ لِفَوْقِ الْبُيُوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يَقُلْنَ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا شَبِيهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ؓ قَالَ: «شَهِدْتُ يَوْمَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَلَمْ أَرَ يَوْمًا أَحْسَنَ مِنْهُ وَلَا أَضْوَأَ». فَلَمْ يَمُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا قَالُوا: «هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الْعِزِّ وَالْمَنَعَةِ وَالثَّرْوَةِ». فَيَقُولُ لَهُمْ خَيْرًا وَيَدْعُو أَوْ يَقُولُ: «إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ خَلُّوا سَبِيلَهَا»، فَمَرَّ بِبَنِي سَالِمٍ فَقَامَ إِلَيْهِ عِتْبَانُ- بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ- ابْنُ مَالِكٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَهُوَ آخِذٌ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ انْزِلْ فِينَا فَإِنَّ فِينَا الْعَدَدَ وَالْعَشِيرَةَ وَالْحَلْقَةَ، وَنَحْنُ أَصْحَابُ الْفَضَاءِ وَالْحَدَائِقِ وَالدَّرْكِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعَرَبِ يَدْخُلُ هَذِهِ الْبَحْرَةَ خَائِفًا فَيَلْجَأُ إِلَيْنَا فَنَقُولُ لَهُ: «قَوْقِلْ حَيْثُ شِئْتَ». فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، فَقَامَ إِلَيْهِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، فَجَعَلَا يَقُولَانِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ انْزِلْ فِينَا»، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». فَلَمَّا أَتَى مَسْجِدَ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي فِي الْوَادِي: وَادِي رَانُونَاءَ، أَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ هُنَاكَ فَصَلَّاهَا فِيهِ وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا فِي الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ الْجُمْعَةَ مِائَةُ نَفْسٍ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ [حَتَّى جَاءَ بَنُو الْحُبْلَى]، فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ [بْنِ سَلُولَ]، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ فِي أَنْفُسِهَا فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى الَّذِينَ دَعَوْكَ فَانْزِلْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «لَا تَجِدْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي نَفْسِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَدْ قَدِمْتَ عَلَيْنَا وَالْخَزْرَجُ تُرِيدُ أَنْ تُمَلِّكَهُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرَقَ بِذَلِكَ وَلَكِنَّ هَذِهِ دَارِي، مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَنِي سَاعِدَةَ فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو دُجَانَةَ: «هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الْعِزِّ وَالثَّرْوَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ»، وَسَعْدٌ يَقُولُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ مِنْ قَوْمِي رَجُلٌ أَكْثَرُ عَذْقًا وَلَا فَمَ بِئْرٍ مِنِّي مَعَ الثَّرْوَةِ وَالْجَلَدِ وَالْعَدَدِ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا ثَابِتٍ خَلِّ سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». فَمَضَى وَاعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تُجَاوِزْنَا فَإِنَّا أَهْلُ عَدَدٍ وَثَرْوَةٍ وَحَلْقَةٍ»، قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، وَاعْتَرَضَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو، مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ، فَقَالَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْعِزِّ وَالثَّرْوَةِ وَالْعَدَدِ وَالْقُوَّةِ، نَحْنُ أَهْلُ الدَّرْكِ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فَقَالَ: «إِنِّي أَنْزِلُ عَلَى أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ». ثُمَّ مَرَّ بِبَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَهُمْ أَخْوَالُهُ فَقَامَ أَبُو سَلِيطٍ وَصِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ فِي قَوْمِهِمَا فَقَالَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ أَخْوَالُكَ هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْمَنَعَةِ وَالْقُوَّةِ مَعَ الْقَرَابَةِ، لَا تَجَاوِزْنَا إِلَى غَيْرِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِنَا أَوْلَى بِكَ مِنَّا لِقَرَابَتِنَا بِكَ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». فَسَارَ حَتَّى إِذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ قَامَتْ إِلَيْهِ وُجُوهُهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَبَرَكَتْ رَاحِلَتُهُ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ ﷺ وَذَكَرَ الْأَقْشَهَرِيُّ فِي رَوْضَتِهِ عَنِ ابْنِ نَافِعٍ صَاحِبِ مَالِكٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ «نَاقَتَهُ ﷺ لَمَّا أَتَتْ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ بَرَكَتْ وَهُوَ عَلَيْهَا وَأَخَذَهُ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُهُ عِنْدَ الْوَحْيِ». ثُمَّ وَثَبَتْ فَسَارَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يَثْنِيهَا بِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ خَلْفَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى مَبْرَكِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَبَرَكَتْ فِيهِ ثُمَّ تَلَحْلَحَتْ وَأَرْزَمَتْ، وَوَضَعَتْ جِرَانَهَا. وَجَعَلَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَنْخُسُهَا رَجَاءَ أَنْ تَقُومَ فَتَنْزِلَ فِي دَارِ بَنِي سَلِمَةَ فَلَمْ تَفْعَلْ. فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا وَقَالَ: «هُنَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ » وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [الْمُؤْمِنُونَ 29] وَجَاءَ أَبُو أَيُّوبَ فَكَلَّمُوهُ فِي النُّزُولِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ»؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي وَقَدْ حَطَطْنَا رَحْلَكَ فِيهَا. قَالَ: «فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا»، فَذَهَبَ فَهَيَّأَ لَهُمَا مَقِيلًا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ عَرِيشٌ يَرُشُّونَهُ وَيُعَمِّرُونَهُ وَيَبْتَرِدُونَ فِيهِ حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَوَى إِلَى الظِّلِّ فَنَزَلَ فِيهِ فَأَتَاهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْزِلِي أَقْرَبُ الْمَنَازِلِ إِلَيْهِ فَانْقُلْ رَحْلَكَ. قَالَ: «نَعَمْ»، فَذَهَبَ بِرَحْلِهِ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْزِلْ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ حَيْثُ كَانَ»، فَمَضَتْ مَثَلًا فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ وَقَرَّ قَرَارُهُ وَاطْمَأَنَّتْ دَارُهُ وَنَزَلَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ أَخَذَ بِزِمَامِ النَّاقَةِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ. وَعِنْدَ عَائِذٍ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ نَاقَتَهُ اسْتَنَاخَتْ بِهِ أَوَّلًا فَجَاءَهُ نَاسٌ فَقَالُوا: الْمَنْزِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا»، فَانْبَعَثَتْ حَتَّى اسْتَنَاخَتْ عِنْدَ مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ تَلَحْلَحَتْ فَنَزَلَ عَنْهَا فَأَتَاهُ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ: مَنْزِلِي أَقْرَبُ الْمَنَازِلِ فَائْذَنْ لِي أَنْ أَنْقُلَ رَحْلَكَ. قَالَ: «نَعَمْ»، فَنَقَلَ رَحْلَهُ وَأَنَاخَ النَّاقَةَ فِي مَنْزِلِهِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ وَأَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّاَ نَزَلَ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ خَرَجَ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وَيَقُلْنَ: نَحْنُ جَوَارٍ مَنْ بَنِي النَّجَّارِ يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتُحْبِبْنَنِي»؟ قُلْنَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَنَا وَاللَّهُ أُحِبُّكُنَّ»، قَالَهَا ثَلَاثًا. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ وَابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ أَنَّ بَيْتَ أَبِي أَيُّوبَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ بَنَاهُ تُبَّعٌ الْأَوَّلُ وَاسْمُهُ تُبَانُ- بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ- أَسْعَدُ، وَكَانَ مَعَهُ أَرْبَعُمِائَةِ حَبْرٍ، فَتَعَاقَدُوا عَلَى أَلَّا يَخْرُجُوا مِنْهَا. فَسَأَلَهُمْ تُبَّعٌ عَنْ سِرِّ ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّ نَبِيًّا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، فَنَحْنُ نُقِيمُ لَعَلَّنَا نَلْقَاهُ. فَأَرَادَ تُبَّعٌ الْإِقَامَةَ مَعَهُمْ، ثُمَّ بَنَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ دَارًا وَاشْتَرَى لَهُ جَارِيَةً وَزَوَّجَهَا مِنْهُ وَأَعْطَاهُ مَالًا جَزِيلًا وَكَتَبَ كِتَابًا فِيهِ إِسْلَامُهُ وَمِنْهُ: شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمِ فَلَوْ مَدَّ عُمْرِي إِلَى عُمْرِهِ لَكُنْتُ وَزِيرًا لَهُ وَابْنَ عَمٍّ [وَجَاهَدْتُ بِالسَّيْفِ أَعْدَاءَهُ وَفَرَّجْتُ عَنْ صَدْرِهِ كُلَّ هَمٍّ] وَخَتَمَهُ بِالذَّهَبِ وَدَفَعَهُ إِلَى كَبِيرِهِمْ وَسَأَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنْ أَدْرَكَهُ وَإِلَّا فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ، وَبَنَىَ لِلنَّبِيِّ ﷺ دَارًا يَنْزِلُهَا إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَتَدَاوَلَ الدَّارَ الْمُلَّاكُ إِلَى أَنْ صَارَتْ لِأَبِي أَيُّوبَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ ذَلِكَ الْعَالِمِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ نَصَرُوهُ كُلُّهُمْ مِنْ أَوْلَادِ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ. وَيُقَالُ إِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي فِيهِ الشِّعْرُ كَانَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى دَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ غَرِيبٌ. فَمَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي بَيْتِهِ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ؓ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي نَزَلَ فِي السُّفْلِ وَأَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ فِي الْعُلُوِّ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي لَأَكْرَهُ وَأُعَظِّمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ وَتَكُونَ تَحْتِي، فَأَظْهِرْ أَنْتَ فَكُنْ فِي الْعُلُوِّ، وَنَنْزِلُ نَحْنُ فَنَكُونُ فِي السُّفْلِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا أَنْ نَكُونَ فِي سُفْلِ الْبَيْتِ». قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سُفْلِهِ وَكُنَّا فَوْقَهُ فِي الْمَسْكَنِ، فَلَقَدِ انْكَسَرَ حُبٌّ لَنَا فِيهِ مَاءٌ، فَقُمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ بِقَطِيفَةٍ لَنَا مَا لَنَا لِحَافٌ غَيْرُهَا نُنَشِّفُ بِهَا الْمَاءَ تَخَوُّفًا أَنْ يَقْطُرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُؤْذِيهِ. وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ لَمْ يَزَلْ يَتَضَرَّعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعُلُوِّ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ الْعَشَاءَ ثُمَّ نَبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِهِ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ، حَتَّى بَعَثْنَا إِلَيْهِ لَيْلَةً بِعَشَائِهِ وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ فِيهِ بَصَلًا أَوْ ثُومًا، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ أَرَ لِيَدِهِ فِيهِ أَثَرًا. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي رَدَدْتَ عَشَاءَكَ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ مَوْضِعَ يَدِكَ وَكُنْتَ إِذَا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِكَ نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ. قَالَ: «إِنِّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَأَنَا رَجُلٌ أُنَاجِي، فَأَمَّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ». قَالَ: فَأَكَلْنَاهُ وَلَمْ نَضَعْ لَهُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بَعْدُ.
التاريخ 874لا حكم مسجّل
بِنَاءِ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ بِدَارِ أَبِي أَيُّوبَ ؓ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُدَّةِ مُقَامِهِ بِهَا; فَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: سَبْعَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَقَلُّ مِنْ شَهْرٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْتَّيَّاحِ يَزِيدُ بْنُ حُمَيْدٍ الضُّبَعِيُّ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، نَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفِهِمْ. قَالَ: وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفَنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ. قَالَ: فَكَانَ يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ، وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَأِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا، فَقَالَ: " يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا ". فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، كَانَتْ فِيهِ قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَتْ فِيهِ خِرَبٌ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ. قَالَ: فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً. قَالَ: فَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ ذَلِكَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الْآخِرَهْ فَانْصُرِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَهْ " وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الدُّنْيَا، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ حَمَّادٍ الضَّبِّيُّ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: لَمَّا بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ، أَعَانَهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ، وَهُوَ مَعَهُمْ يَتَنَاوَلُ اللَّبِنَ، حَتَّى اغْبَرَّ صَدْرُهُ فَقَالَ: " ابْنُوهُ عَرِيشًا كَعَرِيشِ مُوسَى ". فَقُلْتُ لِلْحَسَنِ: مَا عَرِيشُ مُوسَى ؟ قَالَ: " إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ بَلَغَ الْعَرِيشَ ". يَعْنِي السَّقْفَ. وَهَذَا مُرْسَلٌ. وَرَوَى مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عُبَادَةَ، أَنَّ الْأَنْصَارَ جَمَعُوا مَالًا، فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْنِ هَذَا الْمَسْجِدَ وَزَيِّنْهُ، إِلَى مَتَى نُصَلِّي تَحْتَ هَذَا الْجَرِيدِ ؟ فَقَالَ: " مَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ أَخِي مُوسَى، عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى ". وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ شَيْبَانَ، عَنْ فِرَاسٍ، عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ مَسْجِدَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ سَوَارِيهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ جُذُوعِ النَّخْلِ، أَعْلَاهُ مُظَلَّلٌ بِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نَخِرَتْ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، فَبَنَاهَا بِجُذُوعِ وَبِجَرِيدِ النَّخْلِ، ثُمَّ إِنَّهَا نَخَرَتْ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ، فَبَنَاهَا بِالْآجُرِّ، فَمَا زَالَتْ ثَابِتَةً حَتَّى الْآنَ وَهَذَا غَرِيبٌ. وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا: حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، ثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَبْنِيًّا بِاللَّبِنِ، وَسَقْفُهُ الْجَرِيدُ، وَعُمُدُهُ خَشَبُ النَّخْلِ، فَلَمْ يَزِدْ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ شَيْئًا، وَزَادَ فِيهِ عُمَرُ، وَبَنَاهُ عَلَى بِنَائِهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّبِنِ وَالْجَرِيدِ، وَأَعَادَ عُمُدَهُ خَشَبًا، وَغَيَّرَهُ عُثْمَانُ ؓ، وَزَادَ فِيهِ زِيَادَةً كَثِيرَةً، وَبَنَى جِدَارَهُ بِالْحِجَارَةِ الْمَنْقُوشَةِ وَالْقَصَّةِ، وَجَعَلَ عُمُدَهُ مِنْ حِجَارَةٍ مَنْقُوشَةٍ، وَسَقْفَهُ بِالسَّاجِ. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِهِ. قُلْتُ: زَادَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ؓ مُتَأَوِّلًا قَوْلَهُ ﷺ: " مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ ". وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ الْمَوْجُودُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يُغَيِّرُوهُ بَعْدَهُ، فَيُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى الرَّاجِحِ مِنْ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حُكْمَ الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْمَزِيدِ، فَتَدْخُلُ الزِّيَادَةُ فِي حُكْمِ سَائِرِ الْمَسْجِدِ مِنْ تَضْعِيفِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَشَدِّ الرِّحَالِ إِلَيْهِ، وَقَدْ زِيدَ فِي زَمَانِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَانِي جَامِعِ دِمَشْقَ، زَادَهُ لَهُ بِأَمْرِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ حِينَ كَانَ نَائِبَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَأَدْخَلَ الْحُجْرَةَ النَّبَوِيَّةَ فِيهِ. [ ارْتِجَازُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ ] وَارْتَجَزَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ يَوْمئِذٍ: : لَا يَسْتَوِي مَنْ يَعْمُرُ الْمَسَاجِدَا يَدْأَبُ فِيهِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَمَنْ يُرَى عَنْ الْغُبَارِ حَائِدًا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَأَلْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشِّعْرِ، عَنْ هَذَا الرَّجَزِ، فَقَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ارْتَجَزَ بِهِ، فَلَا يُدْرَى: أَهُوَ قَائِلُهُ أَمْ غَيْرُهُ.
التاريخ 875لا حكم مسجّل
[ إخْبَارُ الرَّسُولِ لِعَمَّارٍ بِقَتْلِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ لَهُ ] قَالَ: فَدَخَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وَقَدْ أَثْقَلُوهُ بِاللَّبِنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَتَلُونِي، يَحْمِلُونَ عَلَيَّ مَا لَا يَحْمِلُونَ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ ﷺ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْفُضُ وَفْرَتَهُ بِيَدِهِ، وَكَانَ رَجُلًا جَعْدًا، وَهُوَ يَقُولُ: وَيْحَ ابْنَ سُمَيَّةَ، لَيْسُوا بِاَلَّذِينَ يَقْتُلُونَكَ، إنَّمَا تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ [ مَا كَانَ بَيْنَ عَمَّارٍ وَأَحَدِ الصَّحَابَةِ مِنْ مُشَادَّةٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَخَذَهَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَجَعَلَ يَرْتَجِزُ بِهَا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَلَمَّا أَكْثَرَ، ظَنَّ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ إنَّمَا يُعَرِّضُ بِهِ. [ وَصَاةُ الرَّسُولِ ﷺ بِعَمَّارٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَقَالَ: قَدْ سَمِعْتُ مَا تَقُولُ مُنْذُ الْيَوْمِ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، وَاَللَّهِ إنِّي لَأُرَانِي سَأَعْرِضُ هَذِهِ الْعَصَا لِأَنْفِكَ. قَالَ: وَفِي يَدِهِ عَصًا. قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: مَا لَهُمْ وَلِعَمَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إلَى النَّارِ، إنَّ عَمَّارًا جِلْدَةٌ مَا بَيْنَ عَيْنِيَّ وَأَنْفِي، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ مِنْ الرَّجُلِ فَلَمْ يُسْتَبْقَ فَاجْتَنِبُوهُ.
التاريخ 876لا حكم مسجّل
مَوْتِ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ أَحَدِ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةَ عَلَى قَوْمِهِ بَنِي النَّجَّارِ، وَقَدْ شَهِدَ الْعَقَبَاتِ الثَّلَاثَ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ فِي قَوْلٍ، وَكَانَ شَابًّا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِالْمَدِينَةِ فِي نَقِيعَ الْخَضِمَاتِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: وَهَلَكَ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَالْمَسْجِدُ يُبْنَى، أَخَذَتْهُ الذُّبْحَةُ أَوِ الشَّهْقَةُ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي " التَّارِيخِ ": أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ فِي الشَّوْكَةِ. رِجَالُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " بِئْسَ الْمَيِّتُ أَبُو أُمَامَةَ لِيَهُودَ وَمُنَافِقِي الْعَرَبِ; يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ نَبِيًّا لَمْ يَمُتْ صَاحِبُهُ. وَلَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي وَلَا لِصَاحِبِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ". وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ بَعْدَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَدْ زَعَمَ أَبُو الْحَسَنِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي " أُسْدِ الْغَابَةِ ": أَنَّهُ مَاتَ فِي شَوَّالٍ بَعْدَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ بِسَبْعَةِ أَشْهُرٍ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، أَنَّ بَنِي النَّجَّارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقِيمَ لَهُمْ نَقِيبًا بَعْدَ أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ: " أَنْتُمْ أَخْوَالِي، وَأَنَا بِمَا فِيكُمْ وَأَنَا نَقِيبُكُمْ ". وَكَرِهَ أَنْ يَخُصَّ بِهَا بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ. فَكَانَ مِنْ فَضْلِ بَنِي النَّجَّارِ الَّذِي يَعْتَدُّونَ بِهِ عَلَى قَوْمِهِمْ، أَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَقِيبَهُمْ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَهَذَا يَرُدُّ قَوْلَ أَبِي نُعَيْمٍ وَابْنِ مَنْدَهْ، فِي قَوْلِهِمَا: إِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ كَانَ نَقِيبًا عَلَى بَنِي سَاعِدَةَ. إِنَّمَا كَانَ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ. وَصَدَقَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِيمَا قَالَ. وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي " التَّارِيخِ ": كَانَ أَوَّلَ مَنْ تُوَفِّي بَعْدَ مَقْدَمِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمَدِينَةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - فِيمَا ذُكِرَ - صَاحِبُ مَنْزِلِهِ كُلْثُومُ بْنُ الْهِدْمِ، لَمْ يَلْبَثْ بَعْدَ مَقْدَمِهِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ بَعْدَهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي سَنَةِ مَقْدَمِهِ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ بِنَاءُ الْمَسْجِدِ بِالذُّبْحَةِ أَوِ الشَّهْقَةِ. قُلْتُ: وَكُلْثُومُ بْنُ الْهِدْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَوْسِيُّ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا أَسْلَمَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَنَزَلَ بِقُبَاءَ، نَزَلَ فِي مَنْزِلِ هَذَا فِي اللَّيْلِ، وَكَانَ يَتَحَدَّثُ بِالنَّهَارِ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي مَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ ؓ إِلَى أَنِ ارْتَحَلَ إِلَى دَارِ بَنِي النَّجَّارِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ بَعْدَهُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ. ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ.
التاريخ 877لا حكم مسجّل
وَبُنِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَوْلَ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ حُجَرٌ لِتَكُونَ مَسَاكِنَ لَهُ وَلِأَهْلِهِ، وَكَانَتْ مَسَاكِنَ قَصِيرَةَ الْبِنَاءِ، قَرِيبَةَ الْفِنَاءِ، قَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ - وَكَانَ غُلَامًا مَعَ أُمِّهِ خَيْرَةَ مُوْلَاةِ أُمِّ سَلَمَةَ -: لَقَدْ كُنْتُ أَنَالُ أَطْوَلَ سَقْفٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَدِي. قُلْتُ: إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ شَكِلًا ضَخْمًا طُوَالًا، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي " الرَّوْضِ ": كَانَتْ مَسَاكِنُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَبْنِيَّةً مِنْ جَرِيدٍ عَلَيْهِ طِينٌ، بَعْضُهَا مِنْ حِجَارَةٍ مَرْضُومَةٍ، وَسُقُوفُهَا كُلُّهَا مِنْ جَرِيدٍ. وَقَدْ حَكَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مَا تَقَدَّمَ، قَالَ: وَكَانَتْ حُجَرُهُ مِنْ شَعَرٍ مَرْبُوطَةً بِخَشَبٍ مِنْ عَرْعَرٍ. قَالَ: وَفِي " تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ " أَنَّ بَابَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُقْرَعُ بِالْأَظَافِيرِ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِأَبْوَابِهِ حَلَقٌ. قَالَ: وَقَدْ أُضِيفَتِ الْحُجَرُ كُلُّهَا بَعْدَ مَوْتِ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَسْجِدِ.
التاريخ 878لا حكم مسجّل
[ تَلَاحُقُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الرَّسُولِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَتَلَاحَقَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، إلَّا مَفْتُونٌ أَوْ مَحْبُوسٌ، وَلَمْ يُوعَبْ أَهْلُ هِجْرَةٍ مِنْ مَكَّةَ بِأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا أَهْلُ دُورٍ مُسَمَّوْنَ: بَنُو مَظْعُونٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ؛ وَبَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، حُلَفَاءُ بَنِي أُمَيَّةَ؛ وَبَنُو الْبُكَيْرِ، مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حُلَفَاءُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، فَإِنَّ دُورَهُمْ غُلِّقَتْ بِمَكَّةَ هِجْرَةً، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ. [ عُدْوَانُ أَبِي سُفْيَانَ عَلَى دَارِ بَنِي جَحْشٍ ، وَالْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ ] وَلَمَّا خَرَجَ بَنُو جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ مِنْ دَارِهِمْ، عَدَا عَلَيْهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فَبَاعَهَا مِنْ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ، أَخِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ؛ فَلَمَّا بَلَغَ بَنِي جَحْشٍ مَا صَنَعَ أَبُو سُفْيَانَ بِدَارِهِمْ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَلَا تَرْضَى يَا عَبْدَ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّهُ بِهَا دَارًا خَيْرًا مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَذَلِكَ لَكَ فَلَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، كَلَّمَهُ أَبُو أَحْمَدَ فِي دَارِهِمْ. فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ النَّاسُ لِأَبِي أَحْمَدَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَكْرَهُ أَنْ تَرْجِعُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِكُمْ أُصِيبَ مِنْكُمْ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَمْسَكَ عَنْ كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: : أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ أَمْرٍ عَوَاقِبُهُ نَدَامَهْ دَارَ ابْنِ عَمِّكَ بِعْتَهَا تَقْضِي بِهَا عَنْكَ الْغَرَامَهْ وَحَلِيفُكُمْ بِاَللَّهِ رَبِّ النَّاسِ مُجْتَهَدُ الْقَسَامَهْ اذْهَبْ بِهَا، اذْهَبْ بِهَا طُوِّقْتَهَا طَوْقَ الْحَمَامَهْ
التاريخ 879لا حكم مسجّل
قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا: وَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ الدَّيْلِيُّ إِلَى مَكَّةَ، بَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَأَبَا رَافِعٍ مَوْلَيَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ; لِيَأْتُوا بِأَهَالِيهِمْ مِنْ مَكَّةَ، وَبَعَثَا مَعَهُمْ بِحِمْلَيْنِ وَخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ; لِيَشْتَرُوا بِهَا إِبِلًا مِنْ قُدَيْدٍ. فَذَهَبُوا فَجَاءُوا بِبِنْتَيِ النَّبِيِّ ﷺ فَاطِمَةَ وَأُمِّ كُلْثُومَ، وَزَوْجَتَيْهِ سَوْدَةَ وَعَائِشَةَ، وَأُمِّهَا أُمِّ رُومَانَ، وَأَهْلِ النَّبِيِّ ﷺ، وَآلِ أَبِي بَكْرٍ، صُحْبَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدْ شَرَدَ بِعَائِشَةَ وَأُمِّهَا أُمِّ رُومَانَ الْجَمَلُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ، فَجَعَلَتْ أُمُّ رُومَانَ تَقُولُ: وَاعَرُوسَاهُ وَابِنْتَاهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ: أَرْسِلِي خِطَامَهُ. فَأَرْسَلْتُ خِطَامَهُ، فَوَقَفَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَسَلَّمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ. فَتَقَدَّمُوا، فَنَزَلُوا بِالسَّنْحِ.
التاريخ 880لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: ( إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ أَحْمَدُهُ وَأَسْتَعِينُهُ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِنَّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَيَّنَهُ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ وَأَدْخَلَهُ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْكُفْرِ، فَاخْتَارَهُ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ، إِنَّهُ أَحْسَنُ الْحَدِيثِ وَأَبْلَغُهُ، أَحِبُّوا مَا أَحَبَّ اللَّهُ، أَحِبُّوا اللَّهَ مِنْ كُلِّ قُلُوبِكُمْ، وَلَا تَمَلُّوا كَلَامَ اللَّهِ وَذِكْرَهُ، وَلَا تَقْسُ عَنْهُ قُلُوبُكُمْ، فَإِنَّهُ مِنْ كُلِّ مَا يَخْلُقُ اللَّهُ يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي، قَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ خِيرَتَهُ مِنَ الْأَعْمَالِ، وَمُصْطَفَاهُ مِنَ الْعِبَادِ وَالصَّالِحَ مِنَ الْحَدِيثِ، وَمِنْ كُلِّ مَا أُوتِيَ النَّاسُ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ وَاصْدُقُوا اللَّهَ صَالِحَ مَا تَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ، وَتَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ بَيْنَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ يَغْضَبُ أَنْ يُنْكَثَ عَهْدُهُ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ).
التاريخ 881لا حكم مسجّل
[الزِّيَادَةُ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: زِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ - وَكَانَتْ صَلَاةُ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ - وَذَلِكَ بَعْدَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشَهْرٍ، فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ لِمُضِيِّ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْحِجَازِ فِي ذَلِكَ. عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ. وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْهَا. وَقَدْ حَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّ صَلَاةَ الْحَضَرِ أَوَّلَ مَا فُرِضَتْ، فُرِضَتْ أَرْبَعًا.
التاريخ 882لا حكم مسجّل
[بِنَاؤُهُ ﷺ بِعَائِشَةَ ؓ ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: بَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَائِشَةَ ؓ فِي شَوَّالٍ. وَقَدْ قِيلَ: فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. وَكَانَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. وَقِيلَ: كَانَ الْبِنَاءُ بِهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فِي مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ ؓ بِالسَّنْحِ.
التاريخ 883لا حكم مسجّل
مُؤَاخَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الْحَشْرِ: 9 ] وَقَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا [ النِّسَاءِ: 33 ] قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ: وَرَثَةً وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمْ فَلَمَّا نَزَلَتْ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نُسِخَتْ ثُمَّ قَالَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَدْ ذَهَبَ الْمِيرَاثُ، وَيُوصَى لَهُ [ مَنْ آخَى بَيْنَهُمْ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَآخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ - فِيمَا بَلَغَنَا، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ أَنْ نَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُقَلْ -: تَآخَوْا فِي اللَّهِ أَخَوَيْنِ أَخَوَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: هَذَا أَخِي فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ، وَإِمَامَ الْمُتَّقِينَ، وَرَسُولَ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الَّذِي لَيْسَ لَهُ خَطِيرٌ وَلَا نَظِيرٌ مِنْ الْعِبَادِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؓ، أَخَوَيْنِ، وَكَانَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ ﷺ، وَعَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَخَوَيْنِ، وَإِلَيْهِ أَوْصَى حَمْزَةُ يَوْمَ أُحُدٍ حَيْنَ حَضَرَهُ الْقِتَالُ إنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثُ الْمَوْتِ؛ وَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذُو الْجَنَاحَيْنِ، الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ، وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَخَوَيْنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَوْمئِذٍ غَائِبًا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ؓ، ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ، وَخَارِجَةُ بْنُ زُهَيْرٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ، وَعِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ أَخَوَيْنِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَاسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ. وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ. وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَسَلَامَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، أَخَوَيْنِ. وَيُقَالُ: بَلْ الزُّبَيْرُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، حَلِيفُ، بَنِي زُهْرَةَ، أَخَوَيْنِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَأَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ، أَخَوَيْنِ. وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَخَوَيْنِ. وَسَعْدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ: أَخَوَيْنِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَنِي النَّجَّارِ: أَخَوَيْنِ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَخَوَيْنِ. وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، حَلِيفُ بَنِي مَخْزُومٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، أَخُو بَنِي عَبْدِ عَبْسٍ، حَلِيفُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ: أَخَوَيْنِ. وَيُقَالُ: ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ الشَّمَّاسِ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، خَطِيبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَعَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: أَخَوَيْنِ. وَأَبُو ذَرٍّ، وَهُوَ بُرَيْرُ بْنُ جُنَادَةَ الْغِفَارِيُّ، الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، الْمُعْنِقُ لِيَمُوتَ، أَخُو بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: أَخَوَيْنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَسَمِعْتُ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ: أَبُو ذَرٍّ: جُنْدَبُ بْنُ جُنَادَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ، حَلِيفُ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، أَخَوَيْنِ؛ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، عُوَيْمِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، أَخَوَيْنِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُوَيْمِرُ بْنُ عَامِرٍ، وَيُقَالُ: عُوَيْمِرُ بْنُ زَيْدٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبِلَالٌ، مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ ؓ، مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَبُو رُوَيْحَةَ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخَثْعَمِيُّ، ثُمَّ أَحَدُ الْفَزَعِ، أَخَوَيْنِ. فَهَؤُلَاءِ مَنْ سُمِّيَ لَنَا، مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آخَى بَيْنَهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِ. [ بِلَالٌ يُوصِي بِدِيوَانِهِ لِأَبِي رُوَيْحَةَ ] فَلَمَّا دَوَّنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الدَّوَاوِينَ بِالشَّامِ، وَكَانَ بِلَالٌ قَدْ خَرَجَ إلَى الشَّامِ، فَأَقَامَ بِهَا مُجَاهِدًا، فَقَالَ عُمَرُ لِبِلَالٍ: إلَى مَنْ تَجْعَلُ دِيوَانَكَ يَا بِلَالُ ؟ قَالَ: مَعَ أَبِي رُوَيْحَةَ، لَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَقَدَ بَيْنَهُ وَبَيْنِي، فَضَمَّ إلَيْهِ، وَضُمَّ دِيوَانُ الْحَبَشَةِ إلَى خَثْعَمَ، لِمَكَانِ بِلَالٍ مِنْهُمْ، فَهُوَ فِي خَثْعَمَ إلَى هَذَا الْيَوْمِ بِالشَّامِ أَبُو أُمَامَةَ
التاريخ 884لا حكم مسجّل
[ كِتَابُهُ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمُوَادَعَةُ يَهُودَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَادَعَ فِيهِ يَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ، وَأَقَرَّهُمْ عَلَى دِينِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، وَشَرَطَ لَهُمْ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ ﷺ، بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَثْرِبَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ، فَلَحِقَ بِهِمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ، إنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ، الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ، وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَبَنُو عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، كُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَبَنُو جُشَمٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلِهِمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَبَنُو النَّجَّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَبَنُو النَّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمْ الْأُولَى، وَكُلُّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ فِي فِدَاءٍ أَوْ عَقْلٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْمُفْرَحُ: الْمُثْقَلُ بِالدَّيْنِ وَالْكَثِيرُ الْعِيَالِ. قَالَ الشَّاعِرُ: : إذَا أَنْتَ لَمْ تَبْرَحْ تَوَدِّي أَمَانَةً وَتَحْمِلُ أُخْرَى أَفْرَحَتْكَ الْوَدَائِعُ وَأَنْ لَا يُحَالِفَ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِنٍ دُونَهُ؛ وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى مَنْ بَغَى مِنْهُمْ، أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْمٍ، أَوْ إثْمٍ، أَوْ عُدْوَانٍ، أَوْ فَسَادٍ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ؛ وَإِنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِرٍ، وَلَا يَنْصُرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِنٍ ، وَإِنَّ ذِمَّةَ اللَّهِ وَاحِدَةٌ، يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ مَوَالِي بَعْضٍ دُونَ النَّاسِ؛ وَإِنَّهُ مَنْ تَبِعَنَا مِنْ يَهُودَ فَإِنَّ لَهُ النَّصْرَ وَالْأُسْوَةَ، غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصَرِينَ عَلَيْهِمْ؛ وَإِنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ، لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِنٍ فِي قِتَالٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إلَّا عَلَى سَوَاءٍ وَعَدْلٍ بَيْنَهُمْ، وَإِنَّ كُلَّ غَازِيَةٍ غَزَتْ مَعَنَا يُعْقِبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يُبِئْ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ؛ وَإِنَّهُ لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسَهَا، وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِنٍ؛ وَإِنَّهُ مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَةٍ فَإِنَّهُ قَوَدٌ بِهِ إلَّا أَنْ يَرْضَى وَلِيُّ الْمَقْتُولِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إلَّا قِيَامٌ عَلَيْهِ؛ وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَقَرَّ بِمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَآمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا وَلَا يُؤْوِيهِ؛ وَأَنَّهُ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللَّهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ؛ وَإِنَّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ؛ وَإِنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْفٍ أُمَّةٌ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ، وَلِلْمُسْلِمَيْنِ دِينُهُمْ، مَوَالِيهِمْ وَأَنْفُسُهُمْ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ إلَّا نَفْسَهُ، وَأَهْلَ بَيْتِهِ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ؛ وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ؛ وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَمٍ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ؛ وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ؛ وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ، فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ إلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ؛ وَإِنَّ جَفْنَةَ بَطْنٌ مِنْ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ؛ وَإِنَّ لِبَنِي الشَّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْفٍ، وَإِنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، وَإِنَّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَةَ كَأَنْفُسِهِمْ؛ وَإِنَّ بِطَانَةَ يَهُودَ كَأَنْفُسِهِمْ؛ وَإِنَّهُ لَا يَخْرَجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ وَإِنَّهُ لَا يُنْحَجَزُ عَلَى ثَأْرٍ جُرْحٌ، وَإِنَّهُ مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ فَتَكَ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، إلَّا مِنْ ظَلَمَ؛ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَبَرِّ هَذَا؛ وَإِنَّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ؛ وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ، وَالْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ؛ وَإِنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ؛ وَإِنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلُومِ، وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ، وَإِنَّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؛ وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٌ، وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا،وَإِنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَثٍ أَوْ اشْتِجَارٍ يُخَافُ فَسَادُهُ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ؛ وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا. وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ، وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْحٍ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ، فَإِنَّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ؛ وَإِنَّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إلَّا مَنْ حَارَبَ فِي الدِّينِ، عَلَى كُلِّ أُنَاسٍ حِصَّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الَّذِي قِبَلَهُمْ، وَإِنَّ يَهُودَ الْأَوْسِ، مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ، عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. مَعَ الْبِرِّ الْمَحْضِ ؟ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: مَعَ الْبِرِّ الْمُحْسِنُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَإِنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ، لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ، وَإِنَّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِمٍ وَآثِمٍ، وَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ آمِنٌ، وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ أَوْ أَثِمَ؛ وَإِنَّ اللَّهَ جَارٌ لِمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى، وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
التاريخ 885لا حكم مسجّل
فَصْلٌ فِيمَا أَصَابَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ حُمَّى الْمَدِينَةِ ؓ أَجْمَعِينَ وَقَدْ سَلِمَ الرَّسُولُ ﷺ بِحَوَلِ اللَّهِ وَقُوَّتِهِ، وَدَعَا اللَّهَ فَأَزَاحَهَا عَنِ الْمَدِينَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، ثَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ . قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا فَقُلْتُ: يَا أَبَهْ كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ وَيَا بِلَالُ كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبِّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَقْلَعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ، وَيَقُولُ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: " اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارَكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ ". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ هِشَامٍ مُخْتَصَرًا. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لَهُ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَهُ. وَزَادَ بَعْدَ شِعْرِ بِلَالٍ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، كَمَا أَخْرَجُونَا إِلَى أَرْضِ الْوَبَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا، وَفِي مُدِّهَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ ". وَقَدِمْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، وَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا. يَعْنِي مَاءً آجِنًا. وَقَالَ زِيَادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، مِنَ الْحُمَّى، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسَقَمٌ، وَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ. قَالَتْ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ، وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَبِلَالٌ; مَوْلَيَا أَبَى بَكْرٍ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ، فَأَصَابَتْهُمُ الْحُمَّى، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَعُودُهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ، وَبِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ مِنْ شِدَّةِ الْوَعْكِ، فَدَنَوْتُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا أَبَهْ ؟ فَقَالَ: كُلُّ امْرِئٍ مُصَبِّحٌ فِي أَهْلِهِ وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا يَدْرِي أَبَى مَا يَقُولُ. قَالَتْ: ثُمَّ دَنَوْتُ إِلَى عَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ يَا عَامِرُ ؟ قَالَ: لَقَدْ وَجَدْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ إِنَّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ كُلُّ امْرِئٍ مُجَاهِدٌ بِطَوْقِهِ كَالثَّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِهِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا يَدْرِي عَامِرٌ مَا يَقُولُ. قَالَتْ: وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أَدْرَكَتْهُ الْحُمَّى اضْطَجَعَ بِفِنَاءِ الْبَيْتِ، ثُمَّ رَفَعَ عَقِيرَتَهُ فَقَالَ: أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِفَخٍّ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ، وَقُلْتُ: إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ، وَمَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّةِ الْحُمَّى. فَقَالَ: " اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَبَارَكْ لَنَا فِي مُدِّهَا، وَصَاعِهَا، وَانْقُلْ وَبَاءَهَا إِلَى مَهْيَعَةَ ". وَمَهْيَعَةُ هِيَ الْجُحْفَةُ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ أَبِي عَمْرٍو، قَالَا: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ، وَوَادِيهَا بُطْحَانُ نَجْلٌ. قَالَ هِشَامٌ: وَكَانَ وَبَاؤُهَا مَعْرُوفًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ إِذَا كَانَ الْوَادِي وَبِيئًا، فَأَشْرَفَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ، قِيلَ لَهُ أَنْ يَنْهَقَ نَهِيقَ الْحِمَارِ; فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ وَبَاءُ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ حِينَ أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ: لَعَمْرِي لَئِنْ عَشَّرْتُ مِنْ خِيفَةِ الرَّدَى نَهِيقَ الْحِمَارِ إِنَّنِي لَجَزُوعُ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " رَأَيْتُ كَأَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةَ - وَهِيَ الْجُحْفَةُ - فَأَوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا:. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ. وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهِيَ وَبِيئَةٌ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى قَوْلِهِ: " وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ ". قَالَ هِشَامٌ: فَكَانَ الْمَوْلُودُ يُولَدُ بِالْجُحْفَةِ، فَلَا يَبْلُغُ الْحُلُمَ حَتَّى تَصْرَعَهُ الْحُمَّى. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي " دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ". وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَهِيَ وَبِيئَةٌ، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسَقَمٌ حَتَّى أَجْهَدَهُمْ ذَلِكَ، وَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ - صَبِيحَةَ رَابِعَةٍ يَعْنِي مَكَّةَ - عَامَ عُمْرَةِ الْقَضَاءِ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ قَدْ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ. فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرْمُلُوا، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ. وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَرْمُلُوا الْأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا الْإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ. قُلْتُ: وَعُمْرَةُ الْقَضَاءِ كَانَتْ فِي سَنَةِ سَبْعٍ فِي ذِي الْقِعْدَةِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَأَخَّرَ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِنَقْلِ الْوَبَاءِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ رُفِعَ وَبَقِيَ آثَارٌ مِنْهُ قَلِيلٌ، أَوْ أَنَّهُمْ بَقُوا فِي خُمَارِ مَا كَانَ أَصَابَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَى تِلْكَ الْمُدَّةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ زِيَادٌ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، أَصَابَتْهُمْ حُمَّى الْمَدِينَةِ، حَتَّى جَهَدُوا مَرَضًا، وَصَرَفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ، حَتَّى كَانُوا مَا يُصَلُّونَ إِلَّا وَهُمْ قُعُودٌ. قَالَ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُمْ يُصَلُّونَ كَذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ: " اعْلَمُوا أَنَّ صَلَاةَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ صَلَاةِ الْقَائِمِ ". فَتَجَشَّمَ الْمُسْلِمُونَ الْقِيَامَ، عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ وَالسَّقَمِ; الْتِمَاسَ الْفَضْلِ.
التاريخ 886لا حكم مسجّل
[أَمْرُهُ ﷺ بِصِيَامِ عَاشُورَاءَ] وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ: وَجَدَ الْيَهُودَ تَصُومُ عَاشُورَاءَ. أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ: "مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟" قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ، نَجَّى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَأَغْرَقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ" فَصَامَهُ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.
التاريخ 887لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ إِخْوَانُهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَاجْتَمَعَ أَمْرُ الْأَنْصَارِ، اسْتَحْكَمَ أَمْرُ الْإِسْلَامِ، فَقَامَتِ الصَّلَاةُ وَفُرِضَتِ الزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ، وَقَامَتِ الْحُدُودُ، وَفُرِضَ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَتَبَوَّأَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، وَكَانَ هَذَا الْحَيُّ مِنَ الْأَنْصَارِ هُمُ الَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَهَا، إِنَّمَا يَجْتَمِعُ النَّاسُ إِلَيْهِ لِلصَّلَاةِ لِحِينِ مَوَاقِيتِهَا بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، فَهَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ بُوقًا كَبُوقِ يَهُودَ الَّذِي يَدْعُونَ بِهِ لِصَلَاتِهِمْ، ثُمَّ كَرِهَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِالنَّاقُوسِ فَنُحِتَ لِيَضْرِبَ بِهِ لِلْمُسْلِمِينَ لِلصَّلَاةِ، فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ، رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ النِّدَاءَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ طَافَ بِي هَذِهِ اللَّيْلَةَ طَائِفٌ، مَرَّ بِي رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَتَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ ؟ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ. قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ ؟ قُلْتُ: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَلَمَّا أَخْبَرَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: " إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهَا عَلَيْهِ فَلْيُؤَذِّنْ بِهَا; فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ ". فَلَمَّا أَذَّنَ بِهَا بِلَالٌ سَمِعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ ". وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ عَلَّمَهُ الْإِقَامَةَ، قَالَ: ثُمَّ تَقُولُ إِذَا أَقَمْتَ الصَّلَاةَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَأَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرٍ الْحَكَمِيُّ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيَّ، قَالَ فِي ذَلِكَ: أَحْمَدُ اللَّهَ ذَا الْجَلَالِ وَذَا الْإِ كْرَامِ حَمْدًا عَلَى الْأَذَانِ كَثِيرَا إِذْ أَتَانِي بِهِ الْبَشِيرُ مِنَ اللَّهِ فَأَكْرِمْ بِهِ لَدَيَّ بَشِيرَا فِي لَيَالٍ وَالَى بِهِنَّ ثَلَاثٍ كُلَّمَا جَاءَ زَادَنِي تَوْقِيرَا قُلْتُ: وَهَذَا الشِّعْرُ غَرِيبٌ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ ثَلَاثَ لَيَالٍ حَتَّى أَخْبَرَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَزَادَ بِلَالٌ فِي نِدَاءِ صَلَاةِ الْغَدَاةِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ. مَرَّتَيْنِ فَأَقَرَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ.
التاريخ 888لا حكم مسجّل
مِيلَادِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ الْهِجْرَةِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، كَمَا أَنَّ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْأَنْصَارِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ ؓ. وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وُلِدَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ بِعِشْرِينَ شَهْرًا. قَالَهُ أَبُو الْأَسْوَدِ. وَرَوَاهُ الْوَاقِدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَزَعَمُوا أَنَّ النُّعْمَانَ وُلِدَ قَبْلَ الزُّبَيْرِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، عَلَى رَأْسِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنَ الْهِجْرَةِ. وَالصَّحِيحُ مَا قَدَّمْنَاهُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى، ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَتْ: فَخَرَجْتُ وَأَنَا مُتِمٌّ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَنَزَلْتُ بِقُبَاءَ فَوَلَدْتُهُ بِقُبَاءَ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفَهُ، رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ حَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرِّكَ عَلَيْهِ. وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ. تَابَعَهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ، أَنَّهَا هَاجَرَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهِيَ حُبْلَى. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ ﷺ تَمْرَةً فَلَاكَهَا، ثُمَّ أَدْخَلَهَا فِي فِيهِ، فَأَوَّلُ مَا دَخَلَ بَطْنَهُ رِيقُ النَّبِيِّ ﷺ. فَهَذَا حُجَّةٌ عَلَى الْوَاقِدِيِّ وَغَيْرِهِ; لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُرَيْقِطٍ - لَمَّا رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ - زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَأَبَا رَافِعٍ; لِيَأْتُوا بِعِيَالِهِ وَعِيَالِ أَبِي بَكْرٍ، فَقَدِمُوا بِهِمْ أَثَرَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَسْمَاءُ حَامِلٌ مُتِمٌّ أَيْ مُقْرِبٌ، قَدْ دَنَا وَضْعُهَا لِوَلَدِهَا، فَلَمَّا وَلَدَتْهُ كَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً عَظِيمَةً; فَرَحًا بِمَوْلِدِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ بَلَغَهُمْ عَنِ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ سَحَرُوهُمْ، حَتَّى لَا يُولَدَ لَهُمْ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ وَلَدٌ، فَأَكْذَبَ اللَّهُ الْيَهُودَ فِيمَا زَعَمُوا.
التاريخ 889لا حكم مسجّل
وَقَدْ شُرِّفَتِ الْمَدِينَةُ أَيْضًا بِهِجْرَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَيْهَا ، وَصَارَتْ كَهْفًا لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَمَعْقِلًا وَحِصْنًا مَنِيعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَدَارَ هُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا لَهَا مَوْضِعٌ آخَرُ نُورِدُهَا فِيهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " مِنْ طَرِيقِ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خُبَيْبِ بْنِ يِسَافٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ، كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ". وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ شَبَابَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وَفِي " الصَّحِيحَيْنِ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا الْحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ. وَهِيَ الْمَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ". وَقَدِ انْفَرَدَ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ بِتَفْضِيلِهَا عَلَى مَكَّةَ. وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنِي أَبُو الْوَلِيدِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَا: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ، ثَنَا أَبُو مُوسَى الْأَنْصَارِيُّ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيْكَ ". فَأَسْكَنَهُ اللَّهُ الْمَدِينَةَ. وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا. وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَكَّةَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَدِينَةِ ، إِلَّا الْمَكَانَ الَّذِي ضَمَّ جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا هَاهُنَا، وَمَحَلُّهَا فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ مِنَ " الْأَحْكَامِ " إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَأَشْهَرُ دَلِيلٍ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، مَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، ثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الْحَمْرَاءِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِالْحَزْوَرَةِ فِي سُوقِ مَكَّةَ يَقُولُ: " وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ ".. تَنْبِيهٌ: قَالَ سُلْطَانُ الْعُلَمَاءِ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: "مَعْنَى التَّفْضِيلِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ فِي إِحْدَاهُمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَوَابِ الْعَمَلِ فِي الْأُخْرَى، فَيُشْكِلُ قَوْلُ الْقَاضِي: "أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ أَفْضَلُ"، إِذْ لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ فِيهِ. وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِأَنَّ التَّفْضِيلَ فِي ذَلِكَ لِلْمُجَاوَرَةِ، وَلِذَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْدِثِ مَسُّ جِلْدِ الْمُصْحَفِ، لَا لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ جِلْدُ الْمُصْحَفِ بَلْ وَلَا الْمُصْحَفُ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ لِتَعَذُّرِ الْعَمَلِ فِيهِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ: قَدْ يَكُونُ التَّفْضِيلُ بِكَثْرَةِ الثَّوَابِ، وَقَدْ يَكُونُ لِأَمْرٍ آخَرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمَلًا، فَإِنَّ الْقَبْرَ الشَّرِيفَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَلِسَاكِنِهِ مَا تَقْصُرُ الْعُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِمَكَانٍ غَيْرِهِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ أَفْضَلَ الْأَمَاكِنِ؟ وَلَيْسَ مَحَلَّ عَمَلٍ لَنَا، فَهَذَا مَعْنًى غَيْرُ تَضْعِيفِ الْأَعْمَالِ فِيهِ، وَأَيْضًا فَبِاعْتِبَارِ مَا قِيلَ: أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُدْفَنُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي خُلِقَ مِنْهُ، [وَأَيْضًا فَقَدْ تَكُونُ الْأَعْمَالُ مُضَاعَفَةً فِيهَا، بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَيٌّ وَأَنَّ أَعْمَالَهُ مُضَاعَفَةٌ] أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ، فَلَا يَخْتَصُّ التَّضْعِيفُ بِأَعْمَالِنَا نَحْنُ. قَالَ السَّيِّدُ: " [وَهَذَا مِنَ النَّفَاسَةِ بِمَكَانٍ عَلَى أَنِّي أَقُولُ] الرَّحَمَاتُ وَالْبَرَكَاتُ النَّازِلَةُ بِذَلِكَ الْمَحَلِّ يَعُمُّ فَيْضُهَا الْأُمَّةَ، وَهِيَ غَيْرُ مُتَنَاهِيَةٍ لِدَوَامِ تَرْقِيَاتِهِ ﷺ [وَمَا تَنَالُهُ الْأُمَّةُ بِسَبَبِ نَبِيِّهَا هُوَ الْغَايَةُ فِي الْفَضْلِ، وَلِذَا كَانَتْ خَيْرَ أُمَّةٍ بِسَبَبِ كَوْنِ نَبِيِّهَا خَيْرَ الْأَنْبِيَاءِ، فَكَيْفَ لَا يَكُونُ الْقَبْرُ الشَّرِيفُ أَفْضَلَ الْبِقَاعِ مَعَ كَوْنِهِ] مَنْبَعَ فَيْضِ الْخَيْرَاتِ، [أَلَا تَرَى أَنَّ الْكَعْبَةَ عَلَى رَأْيِ مَنْ] مَنَعَ الصَّلَاةَ فِيهَا لَيْسَتْ مَحَلَّ عَمَلِنَا؟ أَفَيَقُولُ عَاقِلٌ بِتَفْضِيلِ الْمَسْجِدِ حَوْلَهَا عَلَيْهَا لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْعَمَلِ، مَعَ أَنَّ الْكَعْبَةَ هِيَ السَّبَبُ فِي إِنَالَةِ تِلْكَ الْخَيْرَاتِ؟ وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَجِيءَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ [النِّسَاءِ 64] الْآيَةُ، حَاصِلٌ بِالْمَجِيءِ إِلَى قَبْرِهِ الشَّرِيفِ، وَكَذَا زِيَارَتُهُ ﷺ، وَسُؤَالُ الشَّفَاعَةِ مِنْهُ، وَالتَّوَسُّلُ بِهِ إِلَى اللَّهِ، وَالْمُجَاوَرَةُ عِنْدَهُ مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَعِنْدَهُ تُجَابُ الدَّعَوَاتُ أَيْضًا، فَكَيْفَ لَا تَكُونُ أَفْضَلَ وَهُوَ السَّبَبُ فِي هَذِهِ الْخَيْرَاتِ؟ وَأَيْضًا فَهُوَ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، بَلْ أَفْضَلُ رِيَاضِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: "لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ [فِي الْجَنَّةِ] خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
التاريخ 890لا حكم مسجّل
اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ ؓ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ - وَقِيلَ: سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ - فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ عَلَى جَعْلِ ابْتِدَاءِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ مِنْ سَنَةِ الْهِجْرَ ةِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ ؓ، رُفِعَ إِلَيْهِ صَكٌّ، أَيْ حُجَّةٌ، لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَحِلُّ عَلَيْهِ فِي شَعْبَانَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَيُّ شَعْبَانَ ؟ أَشَعْبَانُ هَذِهِ السَّنَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا، أَوِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ، أَوِ الْآتِيَةِ ؟ ثُمَّ جَمَعَ الصَّحَابَةَ فَاسْتَشَارَهُمْ فِي وَضْعِ تَأَرِيخٍ يَتَعَرَّفُونَ بِهِ حُلُولَ الدُّيُونِ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَقَالَ قَائِلٌ: أَرِّخُوا كَتَارِيخِ الْفُرْسِ. فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ يُؤَرِّخُونَ بِمُلُوكِهِمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ. وَقَالَ قَائِلٌ: أَرِّخُوا بِتَارِيخِ الرُّومِ. وَكَانُوا يُؤَرِّخُونَ بِمُلْكِ إِسْكَنْدَرَ بْنِ فِيلِيبُّسَ الْمَقْدُونِيِّ، فَكَرِهَ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ: أَرِّخُوا بِمَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بِمَبْعَثِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بِهِجْرَتِهِ. وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ بِوَفَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ. فَمَالَ عُمَرُ ؓ، إِلَى التَّأْرِيخِ بِالْهِجْرَةِ لِظُهُورِهِ وَاشْتِهَارِهِ وَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ ": التَّارِيخُ وَمَتَى أَرَّخُوا التَّارِيخَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ. وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: اسْتَشَارَ عُمَرُ فِي التَّأْرِيخِ فَأَجْمَعُوا عَلَى الْهِجْرَةِ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ السَّدُوسِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ: أَرِّخُوا. فَقَالَ: مَا أَرِّخُوا ؟ فَقَالَ: شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ يَكْتُبُونَ: فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا. فَقَالَ عُمَرُ: حَسَنٌ فَأَرِّخُوا. فَقَالُوا: مِنْ أَيِّ السِّنِينَ نَبْدَأُ ؟ فَقَالُوا: مِنْ مَبْعَثِهِ. وَقَالُوا: مِنْ وَفَاتِهِ. ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى الْهِجْرَةِ، ثُمَّ قَالُوا: وَأَيَّ الشُّهُورِ نَبْدَأُ ؟ فَقَالُوا: رَمَضَانَ. ثُمَّ قَالُوا: الْمُحَرَّمَ فَهُوَ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ. فَاجْتَمَعُوا عَلَى الْمُحَرَّمِ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الطَّاحِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصَنٍ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [ الْفَجْرِ: 2، 1 ]. هُوَ الْمُحَرَّمُ فَجْرُ السَّنَةِ. وَرَوَى عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرُ اللَّهِ، وَهُوَ رَأْسُ السَّنَةِ، يُكْسَى بِهِ الْبَيْتُ، وَيُؤَرِّخُ بِهِ النَّاسُ، وَيُضْرَبُ فِيهِ الْوَرِقُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَرَّخَ الْكُتُبَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ بِالْيَمَنِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَإِنَّ النَّاسَ أَرَّخُوا لِأَوَّلِ السَّنَةِ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أَنَّهُمَا قَالَا: أَرَّخَ بَنُو إِسْمَاعِيلَ مِنْ نَارِ إِبْرَاهِيمَ، ثُمَّ أَرَّخُوا مِنْ بُنْيَانِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الْبَيْتَ، ثُمَّ أَرَّخُوا مِنْ مَوْتِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، ثُمَّ أَرَّخُوا مِنَ الْفِيلِ، ثُمَّ أَرَّخَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْفَصْلَ مُحَرَّرًا بِأَسَانِيدِهِ وَطُرُقِهِ فِي " السِّيرَةِ الْعُمَرِيَّةِ ". وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا ابْتِدَاءَ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ مِنْ سَنَةِ الْهِجْرَةِ، وَجَعَلُوا أَوَّلَهَا مِنَ الْمُحَرَّمِ، فِيمَا اشْتُهِرَ عَنْهُمْ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ السَّنَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ; لِأَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي هَاجَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ السُّهَيْلِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [ التَّوْبَةِ: 108 ] أَيْ; مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ حُلُولِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ التَّارِيخِ، كَمَا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَوَّلِ سِنِيِّ التَّارِيخِ عَامَ الْهِجْرَةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مُنَاسِبٌ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ شُهُورِ الْعَرَبِ الْمُحَرَّمُ، فَجَعَلُوا السَّنَةَ الْأُولَى سَنَةَ الْهِجْرَةِ، وَجَعَلُوا أَوَّلَهَا الْمُحَرَّمَ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ; لِئَلَّا يَخْتَلِطَ النِّظَامُ.
التاريخ 891لا حكم مسجّل
بَعْضُ أُمُورٍ دَارَتْ بَيْنَ الرَّسُولِ ﷺ وَبَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ. لَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَهْدَ عَلَى الْأُمَمِ السَّابِقَةِ وَمِنْهُمُ الْيَهُودُ عَلَى الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَدْ أَقَرُّوا بِذَلِكَ فَقَالَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ بَلْ كَانَتِ الْيَهُودُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى كُفَّارِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَانُوا يَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يَبْعَثَهُ لِيُقَاتِلُوا بِهِ الْعَرَبَ وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَذْكُرُونَ ذَلِكَ لِلْعَرَبِ، فَلَمَّا أَكْرَمَ اللَّهُ الْعَرَبَ بِأَنْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ نَاصَبَتْهُ الْيَهُودُ الْعَدَوَاةَ وَكَفَرُوا بِمَا كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنْ قَبْلُ. وَقَدْ دَأَبَتْ يَهُودُ عَلَى كِتْمَانِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَاسِيَّمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَصِفَتِهِ وَقَدْ وَعَظَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي ذَلِكَ وَلَمَّا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِالنَّصْرِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ جَمَعَ بَنِي الْقَيْنُقَاعِ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَحَذَّرَهُمْ مِنْ مَصِيرٍ كَمَصِيرِ قُرَيْشٍ فَرَدُّوا عَلَيْهِ بِأَسْوَءِ رَدٍّ قَبَّحَهُمُ اللَّهُ. وَقَدْ كَانَ مِنْ أَشْهَرِ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَأَخَوَاهُ أَبُو يَاسِرٍ وَجُدَيُّ ابْنَا أَخْطَبَ، وَسَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحَقِيقِ، وَسَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحَقِيقِ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ... وَغَيْرُهُمْ. وَرَغْمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْيَهُودُ مِنَ الْعَدَاوَةِ إِلَّا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَسْلَمَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ؓ، وَلَهُ قِصَّةٌ فِي إِسْلَامِهِ وَمَدْحِ الْيَهُودِ إِيَّاهُ أَمَامَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ ذَمِّهِ عِنْدَمَا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ، وَكَمُخَيْرِيقَ الَّذِي قَاتَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أُحُدٍ حَتَّى قُتِلَ وَقَدْ قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: مُخَيْرِيقُ خَيْرُ الْيَهُودِ. كَمَا أَسْلَمَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ تَقِيَّةً وَنِفَاقًا، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ وَغَيْرُهُمْ. كَمَا دَأَبَتْ يَهُودُ عَلَى اخْتِبَارِ النَّبِيِّ ﷺ بِالْأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا نَبِيٌّ فَكَانَ مِمَّا سَأَلُوا عَنْهُ النَّبِيَّ ﷺ: كَيْفَ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أُمَّهُ وَإِنَّمَا النُّطْفَةُ مِنَ الرَّجُلِ، وَكَيْفَ نَوْمُكَ، وَسَأَلُوهُ عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، وَعَنِ الرُّوحِ. فَأَتَى الْوَحْيُ بِالْإِجَابَةِ إِلَّا أَنَّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ هَدَاهُ وَمَنْ شَاءَ أَضَلَّهُ وَعَمَاهُ. كَمَا دَأَبَتْ يَهُودُ عَلَى مُحَاوَلَةِ إِثَارَةِ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا حَدَثَ مِنْ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ وَمُحَاوَلَتِهِ الْإِيقَاعَ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَتَّى كَادَ يَقَعُ بَيْنَهُمَا شَرٌّ. وَقَدْ بَالَغَ الْيَهُودُ بِالشَّرِّ حَتَّى إِنَّهُمْ نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ النَّقْصَ - تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْكَافِرُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - كَمَا افْتَرَوْا عَلَيْهِ كَذِبًا فَقَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، وَقَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِتَكْذِيبِهِمْ وَتُنَاقِضِهِمْ، وَقَدْ بَلَغَتْ بِهِمُ الْعَدَاوَةُ إِلَى سِحْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَدْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَأَبْطَلَ سِحْرَهُمْ. هَذَا وَقَدْ وَقَعَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ، فَادَّعَوْا قِلَّةَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ سَبْعَةُ أَيَّامٍ، كَمَا أَنْكَرُوا نُبُوَّةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَنُبُوَّةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمِنْهُمْ مَنْ طَلَبَ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، كَمَا أَنْكَرُوا نُزُولَ الْوَحْيِ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَادَّعَوْا أَنَّهُمْ أَحِبَّاءُ اللَّهِ مَعَ ادِّعَائِهِمْ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ - تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا سُبْحَانَهُ - وَحَاوَلُوا الْغَدْرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَقَتْلِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّلَالِ. وَمِمَّا تَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ أَنَّ عَدَدًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ قَدْ مَالُوا إِلَى الْيَهُودِ وَاتَّخَذُوهُمْ بِطَانَةً لَهُمْ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ: الْحَارِثُ بْنُ سُوِيدٍ، وَجُلَّاسُ بْنُ سُوِيدِ بْنِ الصَّامِتِ، وَمُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ وَغَيْرُهُمْ.
التاريخ 892لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ذَكَرَ مَا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَعَلَى أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ الْمِيثَاقِ بِتَصْدِيقِهِ إذْ هُوَ جَاءَهُمْ، وَإِقْرَارَهُمْ، فَقَالَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، ؓ: مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا أَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ; لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ حَيٌّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَيَنْصُرَنَّهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أُمَّتِهِ الْمِيثَاقَ لَئِنْ بُعِثَ مُحَمَّدٌ وَهْمُ أَحْيَاءٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَيَتَّبِعُنَّهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فاللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَخْذِ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ فِي كُتُبِهِمْ أَنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، إِذَا جَاءَهُمْ، وَاعْتِرَافِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ بِنُبُوَّتِهِ، ثُمَّ كُفْرِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ بَغْيًا وَعِنَادًا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ [الْبَقَرَةِ 40] رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ فِي الْآيَةِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أَيْ مِنْ بَلَائِي عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ آبَائِكُمْ لِمَا كَانَ نَجَّاهُمْ بِهِ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي الَّذِي أَخَذْتُ فِي أَعْنَاقِكُمْ لِلنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا جَاءَكُمْ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ يَقُولُ: أَرْضَ عَنْكُمْ وَأُدْخِلْكُمُ الْجَنَّةَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي الْآيَةِ قَالَ: يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ، آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَهُ عِنْدَهُمْ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ، وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ أَنَّهُ قَالَ: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ [الْبَقَرَةِ 42] أَيْ لَا تَخْلِطُوا الصِّدْقَ بِالْكَذِبِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [الْبَقَرَةِ 42] أَيْ لَا تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ رَسُولُ اللَّهِ. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: "لَا تَلْبِسُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِالْإِسْلَامِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ دِينَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِدْعَةٌ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ، يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الْأَعْرَافِ 157] وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ "وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ" قَالَ: هُوَ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: وَصَفَ اللَّهُ مُحَمَّدًا فِي التَّوْرَاةِ، أَكْحَلَ الْعَيْنِ، رَبْعَةً، جَعْدَ الشَّعْرِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَسَدَهُ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَغَيَّرُوا صِفَتَهُ فِي كِتَابِهِمْ وَقَالُوا: لَا نَجِدُ نَعْتَهُ عِنْدَنَا، وَقَالُوا: نَجِدُ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ طَوِيلًا أَزْرَقَ سَبْطَ الشَّعْرِ، وَقَالُوا لِلسَّفْلَةِ: "لَيْسَ هَذَا نَعْتَ النَّبِيِّ الَّذِي يُحَرِّمُ كَذَا وَكَذَا" كَمَا كَتَبُوهُ، وَغَيَّرُوا نَعْتَ هَذَا كَمَا وُصِفَ، فَلَبَّسُوا بِذَلِكَ عَلَى النَّاسِ. وَإِنَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِأَنَّ الْأَحْبَارَ كَانَتْ لَهُمْ مَأْكَلَةٌ يُطْعِمُهُمْ إِيَّاهَا السَّفْلَةُ لِقِيَامِهِمْ عَلَى التَّوْرَاةِ، فَخَافُوا أَنْ يُؤْمِنَ السَّفْلَةُ فَتُقْطَعَ تِلْكَ الْمَأْكَلَةُ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَنَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ؓ قَالُوا: "كَانَتِ الْعَرَبُ تَمُرُّ بِالْيَهُودِ فَيُؤْذُونَهُمْ، وَكَانُوا يَجِدُونَ مُحَمَّدًا ﷺ فِي التَّوْرَاةِ، فَيَسْأَلُونَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَبْعَثَهُ فَيُقَاتِلُونَ مَعَهُ الْعَرَبَ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ كَفَرُوا بِهِ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ، وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ يَهُودَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَبْلَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كَانُوا إِذَا قَاتَلُوا مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ وَجُهَيْنَةَ وَعُذْرَةَ يَسْتَفْتِحُونَ يَدْعُونَ اللَّهَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَقُولُونَ: "اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَنْصِرُ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَّا نَصَرْتَنَا عَلَيْهِمْ"، فَيُنْصَرُونَ. وَكَانُوا يَقُولُونَ: "اللَّهُمَّ ابْعَثِ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي نَجِدُهُ فِي التَّوْرَاةِ الَّذِي وَعَدْتَنَا أَنَّكَ بَاعِثُهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ". فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا، كَفَرُوا بِهِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَنَا أَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ. وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَصَبَتْ عِنْدَ ذَلِكَ أَحْبَارُ يَهُودَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْعَدَاوَةَ، بَغْيًا وَحَسَدًا وَضِغْنًا، لِمَا خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ الْعَرَبَ مِنْ أَخْذِهِ رَسُولَهُ مِنْهُمْ، وَانْضَافَ إلَيْهِمْ رِجَالٌ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، مِمَّنْ كَانَ عَسِيَ عَلَى جَاهِلِيَّتِهِ فَكَانُوا أَهْلَ نِفَاقٍ عَلَى دِينِ آبَائِهِمْ مِنْ الشِّرْكِ وَالتَّكْذِيبِ بِالْبَعْثِ، إلَّا أَنَّ الْإِسْلَامَ قَهَرَهُمْ بِظُهُورِهِ وَاجْتِمَاعِ قَوْمِهِمْ عَلَيْهِ، فَظَهَرُوا بِالْإِسْلَامِ، وَاِتَّخَذُوهُ جُنَّةً مِنْ الْقَتْلِ وَنَافَقُوا فِي السِّرِّ، وَكَانَ هَوَاهُمْ مَعَ يَهُودَ، لِتَكْذِيبِهِمْ النَّبِيَّ ﷺ، وَجُحُودِهِمْ الْإِسْلَامَ. وَكَانَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ هُمْ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيَتَعَنَّتُونَهُ، وَيَأْتُونَهُ بِاللَّبْسِ، لِيَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، فَكَانَ الْقُرْآنُ يَنْزِلُ فِيهِمْ فِيمَا يَسْأَلُونَ عَنْهُ، إلَّا قَلِيلًا مِنْ الْمَسَائِلِ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَسْأَلُونَ عَنْهَا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ بَعْضِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، قَالَ: "وَاللَّهِ لَنَحْنُ أَعْرَفُ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنَّا بِأَبْنَائِنَا مِنْ أَجْلِ الصِّفَةِ وَالنَّعْتِ الَّذِي نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا، أَمَّا أَبْنَاؤُنَا فَلَا نَدْرِي مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ" وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي "زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ" عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ؓ،أَنَّهُ قَدْ جَاءَ جَرْمَقَانِيٌّ إِلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، لَئِنْ سَأَلْتُهُ لَأَعْلَمَنِي نَبِيٌّ هُوَ أَوْ غَيْرُ نَبِيٍّ. ثُمَّ قَالَ الْجَرْمَقَانِيُّ: "هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى"، الْجَرْمَقَانِيُّ بِجِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَرَاءٍ سَاكِنَةٍ فَمِيمٍ مَفْتُوحَةٍ فَقَافٍ فَأَلِفٍ فَنُونٍ، مَنْسُوبٌ إِلَى الْجَرَامِقَةِ. قَالَ فِي "الصِّحَاحِ": قَوْمٌ بِالْمَوْصِلِ أَصْلُهُمْ مِنَ الْعَجَمِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: وَجَرَامِقَةُ الشَّامِ أَنْبَاطُهَا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ أَنَّ حَبْرًا مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَافَقَهُ يَقْرَأُ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ مَنْ عَلَّمَكَهَا" ؟ قَالَ: "اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَّمَنِيهَا"، فَعَجِبَ الْحَبْرُ لِمَا سَمِعَ مِنْهُ. فَرَجَعَ إِلَى الْيَهُودِ فَقَالَ: "إِنَّ مُحَمَّدًا لَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَا أُنْزِلَ فِي التَّوْرَاةِ". فَانْطَلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفُوهُ بِالصِّفَةِ، وَنَظَرُوا إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَجَعَلُوا يَسْتَمِعُونَ إِلَى قِرَاءَتِهِ لِسُورَةِ يُوسُفَ، فَتَعَجَّبُوا مِنْهُ وَأَسْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ أَنَّ النُّعْمَانَ السَّبَئِيَّ وَكَانَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودِ الْيَمَنِ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "إِنَّ أَبِي كَانَ يَخْتِمُ عَلَى سِفْرٍ وَيَقُولُ: "لَا تَقْرَأْهُ عَلَى يَهُودَ حَتَّى تَسْمَعَ بِنَبِيٍّ قَدْ خَرَجَ بِيَثْرِبَ، فَإِذَا سَمِعْتَ بِهِ فَافْتَحْهُ". قَالَ النُّعْمَانُ: "فَلَمَّا سَمِعْتُ بِهِ فَتَحْتُ السِّفْرَ فَإِذَا فِيهِ صِفَتُكَ كَمَا أَرَاكَ السَّاعَةَ، وَإِذَا فِيهِ مَا تُحِلُّ وَمَا تُحَرِّمُ، وَإِذَا فِيهِ أَنَّكَ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأُمَّتُكَ آخِرُ الْأُمَمِ، وَاسْمُكَ أَحْمَدُ، وَأُمَّتُكَ قُرْبَانُهُمْ دِمَاؤُهُمْ، وَأَنَاجِيلُهُمْ صُدُورُهُمْ، لَا يَحْضُرُونَ قِتَالًا إِلَّا وَجِبْرِيلُ مَعَهُمْ، وَيَتَحَنَّنُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ كَتَحَنُّنِ الطَّيْرِ عَلَى أَفْرَاخِهِ، ثُمَّ قَالَ لِي: إِذَا سَمِعْتَ بِهِ فَاخْرُجْ إِلَيْهِ وَصَدِّقْهُ". وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ أَنْ يُسْمِعَ أَصْحَابَهُ حَدِيثَهُ. فَأَتَاهُ يَوْمًا فَقَالَ: "يَا نُعْمَانُ حَدِّثْنَا"، فَابْتَدَأَ الْحَدِيثَ مِنْ أَوَّلِهِ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ، ثُمَّ قَالَ: "أَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ". وَيُقَالُ إِنَّ النُّعْمَانَ هَذَا هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ الْكَذَّابُ وَقَطَّعَهُ عُضْوًا عُضْوًا، وَالنُّعْمَانُ يَقُولُ: "أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّكَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". ثُمَّ حَرَّقَهُ بِالنَّارِ. وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، حَيْنَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَذَكَرَ لَهُمْ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ لَهُ مِنْ الْمِيثَاقِ، وَمَا عَهِدَ اللَّهُ إلَيْهِمْ فِيهِ: وَاَللَّهِ مَا عُهِدَ إلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ عَهْدٌ، وَمَا أُخِذَ لَهُ عَلَيْنَا مِنْ مِيثَاقٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَقَالَ أَبُو صَلُوبا الْفَطْيُونِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، مَا جِئْتَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ آيَةٍ فَنَتَّبِعَكَ لَهَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ قَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنَهَارًا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَأَخُوهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، مِنْ أَشَدِّ يَهُودَ لِلْعَرَبِ حَسَدًا، إذْ خَصَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِرَسُولِهِ ﷺ وَكَانَا جَاهِدَيْنِ فِي رَدِّ النَّاسِ عَنْ الْإِسْلَامِ بِمَا اسْتَطَاعَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ شَهَادَةٌ عَنْ صَفِيَّةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: حُدِّثْتُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَحَبَّ وَلَدِ أَبِي إلَيْهِ، وَإِلَى عَمِّي أَبِي يَاسِرٍ، لَمْ أَلْقَهُمَا قَطُّ مَعَ وَلَدٍ لَهُمَا إلَّا أَخَذَانِي دُونَهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ قُبَاءَ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، غَدَا عَلَيْهِ أَبِي، حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَعَمِّي أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، مُغَلِّسَيْنِ. قَالَتْ: فَلَمْ يَرْجِعَا حَتَّى كَانَا مَعَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. قَالَتْ: فَأَتَيَا كَالَّيْنِ كَسْلَانَيْنِ سَاقِطَيْنِ يَمْشِيَانِ الْهُوَيْنَى. قَالَتْ: فَهَشِشْتُ إلَيْهِمَا كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ، فَوَاَللَّهِ مَا الْتَفَتَ إلَيَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، مَعَ مَا بِهِمَا مِنْ الْغَمِّ. قَالَتْ: وَسَمِعْتُ عَمِّي أَبَا يَاسِرٍ، وَهُوَ يَقُولُ لِأَبِي حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ: أَهُوَ هُوَ ؟ قَالَ: نَعَمْ وَاَللَّهِ؛ قَالَ: أَتَعْرِفُهُ وَتُثْبِتُهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَا فِي نَفْسِكَ مِنْهُ ؟ قَالَ: عَدَاوَتُهُ وَاَللَّهِ مَا بَقِيتُ. وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ أَبَا يَاسِرِ بْنَ أَخْطَبَ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَسَمِعَ مِنْهُ، وَحَادَثَهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ، أَطِيعُونِي; فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ جَاءَكُمْ بِالَّذِي كُنْتُمْ تَنْتَظِرُونَ، فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تُخَالِفُوهُ. فَانْطَلَقَ أَخُوهُ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْيَهُودِ، وَهُمَا مِنْ بَنِي النَّضِيرِ - فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَمِعَ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، وَكَانَ فِيهِمْ مُطَاعًا، فَقَالَ: أَتَيْتُ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ وَاللَّهِ لَا أَزَالُ لَهُ عَدُوًّا أَبَدًا. فَقَالَ لَهُ أَخُوهُ أَبُو يَاسِرٍ: يَا ابْنَ أُمِّ، أَطِعْنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ وَاعْصِنِي فِيمَا شِئْتَ بَعْدَهُ، لَا تَهْلِكْ. قَالَ: وَاللَّهِ لَا أُطِيعُكَ أَبَدًا. وَاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَاتَّبَعَهُ قَوْمُهُ عَلَى رَأْيِهِ. قُلْتُ: أَمَّا أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ فَلَا أَدْرِي مَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ، وَأَمَّا حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَالِدُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، فَشَرِبَ عَدَاوَةَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبَهُ حَتَّى قُتِلَ صَبْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ قَتَلَ مُقَاتِلَةَ بَنِي قُرَيْظَةَ،.
التاريخ 893لا حكم مسجّل
[ كِتْمَانُهُمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ الْحَقِّ ] وَسَأَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، أَخُو بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ مَا فِي التَّوْرَاةِ، فَكَتَمُوهُمْ إيَّاهُ، وَأَبَوْا أَنْ يُخْبِرُوهُمْ عَنْهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [ جَوَابُهُمْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ ] قَالَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْيَهُودَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلَى الْإِسْلَامِ وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ، وَحَذَّرَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ وَنِقْمَتَهُ، فَقَالَ لَهُ رَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتْبَعُ يَا مُحَمَّدُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، فَهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ وَخَيْرًا مِنَّا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [ جَمْعُهُمْ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ ] وَلَمَّا أَصَابَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، احْذَرُوا مِنَ اللَّهِ مِثْلَ مَا نَزَلَ بِقُرَيْشٍ مِنَ النِّقْمَةِ وَأَسْلِمُوا ; فَإِنَّكُمْ قَدْ عَرَفْتُمْ أَنِّي نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ وَعَهْدِ اللَّهِ إِلَيْكُمْ. فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغِرُّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، كَانُوا أَغْمَارًا لَا يَعْرِفُونَ الْقِتَالَ، إنَّكَ وَاَللَّهِ لَوْ قَاتَلْتنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ [ دُخُولُهُ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ ] قَالَ: وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ يَهُودَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ النُّعْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَالْحَارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلَى أَيِّ دِينٍ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ؟ قَالَ: عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، قَالَا: فَإِنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ يَهُودِيًّا، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَهَلُمَّ إلَى التَّوْرَاةِ، فَهِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ فَأَبَيَا عَلَيْهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ
التاريخ 894لا حكم مسجّل
[ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ ] مِنْهُمْ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَأَخَوَاهُ أَبُو يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَجُدَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَسَلَّامُ بْنُ مُشْكِمٍ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَسَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، أَبُو رَافِعٍ الْأَعْوَرُ، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرٍ - وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَعَمْرُو بْنُ جَحَّاشٍ، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَهُوَ مِنْ طَيِّئ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي نَبْهَانَ، وَأُمُّهُ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَكَرْدَمُ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ. [ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ ] وَمِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ ابْنُ الفِطْيَوْنِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْحِجَازِ فِي زَمَانِهِ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالتَّوْرَاةِ مِنْهُ، وَابْنُ صَلُوبا، وَمُخَيْرِيقٌ، وَكَانَ حَبْرَهُمْ، أَسْلَمَ. [ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ] وَمِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ: زَيْدُ بْنُ اللَّصِيتِ - وَيُقَالُ: ابْنُ اللُّصَيتِ - فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ - وَسَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ سَيْحَانَ، وَعُزَيْزُ بْنُ أَبِي عُزَيْزٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيْفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ ضَيْفٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَرِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَفِنْحَاصُ، وَأَشْيَعُ، وَنُعْمَانُ بْنُ أضَا، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيٍّ، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، وَزَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ، وَنُعْمَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَسُكَيْنُ بْنُ أَبِي سُكَيْنٍ، وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَبِي أَوْفَى، أَبُو أَنَسٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ دَحْيَةَ، وَمَالِكُ بْنُ صَيْفٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ ضَيْفٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَعْبُ بْنُ رَاشِدٍ، وَعَازِرٌ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَخَالِدٌ وَأَزَارُ بْنُ أَبِي أَزَارٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: آزِرُ بْنُ آزِرُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَرَافِعُ بْنُ خَارِجَةَ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامِ بْنِ الْحَارِثِ، وَكَانَ حَبْرَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ، وَكَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ. فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ. [ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ ] وَمِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ: الزُّبَيْرُ بْنُ بَاطَا بْنُ وَهْبٍ وَعَزَّالُ بْنُ شَمْوِيلٍ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَهُوَ صَاحِبُ عَقْدِ بَنِي قُرَيْظَةَ الَّذِي نُقِضَ عَامَ الْأَحْزَابِ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٍ، وَجَبَلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ سُكَيْنَةَ، وَالنَّحَّامُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَأَبُو نَافِعٍ، وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، وَكَرْدَمُ بْنُ زَيْدٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَرَافِعُ بْنُ رُمَيْلَةَ، وَجَبَلُ بْنُ أَبِي قُشَيْرٍ، وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا، فَهَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ. [ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ ] وَمِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ: لَبِيدُ بْنُ أَعْصَمَ، وَهُوَ الَّذِي أَخَّذَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نِسَائِهِ. : [ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ ] وَمِنْ يَهُودِ بَنِي حَارِثَةَ: كِنَانَةُ بْنُ صُورِيَّا. [ مِنْ بَنِي عَمْرٍو ] وَمِنْ يَهُودِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ: قَرْدَمُ بْنُ عَمْرٍو. [ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ] وَمِنْ يَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ: سِلْسِلَةُ بْنُ بَرْهَامَ. فَهَؤُلَاءِ أَحْبَارُ الْيَهُودِ، أَهْلُ الشُّرُورِ وَالْعَدَاوَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، وَأَصْحَابُ الْمَسْأَلَةِ، وَالنَّصْبُ لِأَمْرِ الْإِسْلَامِ الشُّرُورَ لِيُطْفِئُوهُ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَمُخَيْرِيقٍ.
التاريخ 895لا حكم مسجّل
مُخَيْرِيقٍ [ إِسْلَامُهُ وَمَوْتُهُ وَوُصَاتُهُ ] مُخَيْرِيقِ النَّضْرِيِّ الْإِسْرَائِيلِيِّ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ - وَهُوَ بِمِيمٍ مَضْمُومَةٍ فَخَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَرَاءٍ فَتَحْتِيَّةٍ فَقَافٍ - ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَيُقَالُ أَنَّهُ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ وَيُقَالُ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ الْفِطْيَوْنِ وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِ مُخَيْرِيقٍ، وَكَانَ حَبْرًا عَالِمًا، وَكَانَ رَجُلًا غَنِيًّا كَثِيرَ الْأَمْوَالِ مِنْ النَّخْلِ، وَكَانَ يَعْرِفُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِصِفَتِهِ، وَمَا يَجِدُ فِي عِلْمِهِ، وَغَلَبَ عَلَيْهِ إلْفُ دِينِهِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَكَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ. قَالُوا: إنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لَا سَبْتَ لَكُمْ. ثُمَّ أَخَذَ سِلَاحَهُ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُحُدٍ، وَعَهِدَ إلَى مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ: إنْ قُتِلْتُ هَذَا الْيَوْمَ، فَأَمْوَالِي لِمُحَمَّدٍ ( ﷺ ) يَصْنَعُ فِيهَا مَا أَرَاهُ اللَّهُ. فَلَمَّا اقْتَتَلَ النَّاسُ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ - فِيمَا بَلَغَنِي - يَقُولُ: مُخَيْرِيقُ خَيْرُ الْيَهُودِ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَمْوَالَ مُخَيْرِيقَ - وَكَانَتْ سَبْعَ حَوَائِطَ - أَوْقَافًا بِالْمَدِينَةِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: وَكَانَتْ أَوَّلَ وَقْفٍ بِالْمَدِينَةِ .
التاريخ 896لا حكم مسجّل
إسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ [ كَيْفَ أَسْلَمَ ] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامِ بْنِ الْحَارِثِ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ سَيِّدِنَا يُوسُفَ الصِّدِّيقِ عَلَيْهِ السَّلَامُ، حَلِيفُ الْقَوَاقِلِ مِنَ الْخَزْرَجِ، الْإِسْرَائِيلِيُّ ثُمَّ الْأَنْصَارِيُّ ؓ. كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ عَالِمَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ أَبِي أَيُّوبَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ، كَمَا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ؓ قَالَ: "لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بِقُبَاءٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ. فَأَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ.. " الْحَدِيثُ. وَفِيهِ: "فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - فَأَسْلَمْتُ وَرَجَعْتُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِي. وَمُقْتَضَى هَذَا السِّيَاقِ يَقْتَضِي أَنَّهُ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَرَآهُ أَوَّلَ قُدُومِهِ حِينَ أَنَاخَ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ اجْتَمَعَ بِهِ حِينَ أَنَاخَ عِنْدَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ، بَعْدَ ارْتِحَالِهِ مَنْ قُبَاءَ إِلَى دَارِ بَنِي النَّجَّارِ. كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَعَلَّهُ رَآهُ أَوَّلَ مَا رَآهُ بِقُبَاءَ، وَاجْتَمَعَ بِهِ بَعْدَمَا صَارَ إِلَى دَارِ بَنِي النَّجَّارِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ، وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: لَمَّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَرَفْتُ صِفَتَهُ وَاسْمَهُ وَهَيْئَتَهُ وَزَمَانَهُ الَّذِي كُنَّا نَتَوَكَّفَ لَهُ، فَكُنْتُ مُسِرًّا بِذَلِكَ صَامِتًا عَلَيْهِ حَتَّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا قَدِمَ نَزَلَ بِقُبَاءٍ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقْبَلَ رَجُلٌ حَتَّى أَخْبَرَ بِقُدُومِهِ، وَأَنَا فِي رَأْسِ نَخْلَةٍ لِي أَعْمَلُ فِيهَا، وَعَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ تَحْتِي جَالِسَةٌ. فَلَمَّا سَمِعْتُ الْخَبَرَ بِقُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَبَّرْتُ. فَقَالَتْ عَمَّتِي حِينَ سَمِعَتْ تَكْبِيرِي: "خيبك الله والله لَوْ كُنْتَ سَمِعْتَ بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ مَا زِدْتَ". قُلْتُ لَهَا: "أَيْ عَمَّةُ وَهُوَ، وَاللَّهِ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ، وَعَلَى دِينِهِ، بُعِثَ بِمَا بُعِثَ بِهِ". فَقَالَتْ لَهُ: "يَا ابْنَ أَخِي، أَهُوَ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نُخْبَرُ أَنَّهُ يُبْعَثُ مَعَ نَفَسِ السَّاعَةِ" ؟ قُلْتُ لَهَا: "نَعَمْ". قَالَتْ: "فَذَاكَ إِذًا". قَالَ: "فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ" . وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِقُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: "إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ خِلَالٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا بَالُ الْوَلَدِ يَنْزِعُ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ وَمَا هَذَا السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ؟" قَالَ: "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا. قَالَ: "جِبْرِيلُ" ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالَ "عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ". "ثُمَّ قَرَأَ: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [الْبَقَرَةِ 97] قَالَ: "أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: فَنَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ [تَسُوقُهُمْ] إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَأَمَّا الْوَلَدُ: فَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ مَاءَ الرَّجُلِ نَزَعَتِ الْوَلَدَ، وَأَمَّا السَّوَادُ الَّذِي فِي الْقَمَرِ: فَإِنَّهُمَا كَانَا شَمْسَيْنِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلَ [الْإِسْرَاءِ 12] فَالسَّوَادُ الَّذِي رَأَيْتَ هُوَ الْمَحْوُ". فَقَالَ: "أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ". ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَهْلِ بَيْتِهِ فَأَمَرَهُمْ فَأَسْلَمُوا وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَدْ عَلِمَتْ أَنِّي سَيِّدُهُمْ وَابْنُ سَيِّدِهِمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَابْنُ أَعْلَمِهِمْ، وَأَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَأَنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ عَنِّي بَهَتُونِي، وَقَالُوا فِيَّ مَا لَيْسَ فِيَّ، فَأُحِبُّ أَنْ تُدْخِلَنِي بَعْضَ بُيُوتِكَ". فَأَدْخَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ بَعْضَ بُيُوتِهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ يَا وَيْلَكُمُ اتَّقُوا اللَّهَ فَوَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحَقِّ فَأَسْلِمُوا". فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ. فَقَالَ: "أَيُّ رَجُلٍ فِيكُمُ الْحُصَيْنُ بْنُ سَلَامٍ" ؟ قَالُوا: "خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا وَأَعْلَمُنَا وَابْنُ أَعْلَمِنَا". فَقَالَ: "أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ؟" قَالُوا: "أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ". فَقَالَ: "يَا بْنَ سَلَامٍ اخْرُجْ إِلَيْهِمْ" فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: "أَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ وَاقْبَلُوا مَا جَاءَكُمْ بِهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ: اسْمَهُ وَصِفَتَهُ، فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَأُومِنُ بِهِ وَأُصَدِّقُهُ وَأَعْرِفُهُ. قَالُوا: "كَذَبْتَ، أَنْتَ شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا"، وَانْتَقَصُوهُ. قَالَ: "هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنَّهُمْ قَوْمٌ بُهْتٌ، أَهْلُ غَدْرٍ وَكَذِبٍ وَفُجُورٍ" ؟ قَالَ: "وَأَظْهَرْتُ إِسْلَامِي وَإِسْلَامَ أَهْلِ بَيْتِي، وَأَسْلَمَتْ عَمَّتِي خَالِدَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهَا".
التاريخ 897لا حكم مسجّل
[ سُؤَالُ الْيَهُودِ الرَّسُولَ وَإِجَابَتُهُ لَهُمْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ( عَبْدِ ) الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيِّ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنَا عَنْ أَرْبَعٍ نَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ، فَإِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ اتَّبَعْنَاكَ وَصَدَّقْنَاكَ، وَآمَنَّا بِكَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ لَئِنْ أَنَا أَخْبَرْتُكُمْ بِذَلِكَ لَتُصَدِّقُنَّنِي، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاسْأَلُوا عَمَّا بَدَا لَكُمْ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ يُشْبِهُ الْوَلَدُ أُمَّهُ، وَإِنَّمَا النُّطْفَةُ مِنْ الرَّجُلِ ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أُنْشِدُكُمْ بِاَللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ نُطْفَةَ الرَّجُلِ بَيْضَاءُ غَلِيظَةٌ، وَنُطْفَةَ الْمَرْأَةِ صَفْرَاءُ رَقِيقَةٌ، فَأَيَّتُهُمَا عَلَتْ صَاحِبَتَهَا كَانَ لَهَا الشَّبَهُ ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ؛ قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا كَيْفَ نَوْمُكَ ؟ فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ نَوْمَ الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنِّي لَسْتُ بِهِ تَنَامُ عَيْنُهُ وَقَلْبُهُ يَقْظَانُ ؟ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالَ: فَكَذَلِكَ نَوْمِي، تَنَامُ عَيْنِيَّ وَقَلْبِي يَقْظَانُ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَمَّا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبُّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ أَلْبَانَ الْإِبِلِ وَلُحُومَهَا، وَأَنَّهُ اشْتَكَى شَكْوَى، فَعَافَاهُ اللَّهُ مِنْهَا، فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إلَيْهِ شُكْرًا لِلَّهِ، فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قَالُوا: فَأَخْبِرْنَا عَنْ الرُّوحِ ؟ قَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ وَبِأَيَّامِهِ عِنْدَ بَنِي إسْرَائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُونَهُ جِبْرِيلُ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِينِي ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وَلَكِنَّهُ يَا مُحَمَّدُ لَنَا عَدُوٌّ، وَهُوَ مَلَكٌ، إنَّمَا يَأْتِي بِالشِّدَّةِ وَبِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاتَّبَعْنَاكَ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ أَيْ السِّحْرُ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ نَسْأَلُكَ عَنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ. وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ. وَزَادَ: قَالُوا: أَخْبِرْنَا عَنْ هَذَا الرَّعْدِ. قَالَ: "مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، مُوَكَّلٌ بِالْحِسَابِ، بِيَدِهِ- أَوْ قَالَ: فِي يَدِهِ- مِخْرَاقٌ مِنْ نَارٍ يَزْجُرُ بِهِ السَّحَابَ فَيَسُوقُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ". قَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: "صَوْتُهُ". قَالُوا: صَدَقْتَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مِمَّ يُخْلَقُ الْإِنْسَانُ؟ قَالَ: "يَا يَهُودِيُّ، يُخْلَقُ مِنْ كُلٍّ مِنْ نُطْفَةِ الرَّجُلِ وَمِنْ نُطْفَةِ الْمَرْأَةِ، أَمَّا نُطْفَةُ الرَّجُلِ فَنُطْفَةٌ غَلِيظَةٌ مِنْهَا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ، وَأَمَّا نُطْفَةُ الْمَرْأَةِ فَنُطْفَةٌ رَقِيقَةٌ مِنْهَا اللَّحْمُ وَالدَّمُ". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: هَكَذَا كَانَ يَقُولُ مَنْ كَانَ قَبْلَكَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ- بِعَيْنٍ فَسِينٍ مُشَدَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ- قَالَ: "قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَنَسْأَلُهُ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ نَبِيٌّ، فَإِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ تَقُولُ نَبِيٌّ كَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَعْيُنٍ، فَانْطَلَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَاهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الْإِسْرَاءِ 101] فَقَالَ: "لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ فَيَقْتُلَهُ، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وَعَلَيْكُمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ خَاصَّةً أَلَّا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ". فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالَا: "نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ". قَالَ: "فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تُسْلِمَا" ؟ فَقَالَا: "إِنَّ دَاوُدَ دَعَا اللَّهَ أَلَّا يَزَالَ فِي ذُرِّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ أَسْلَمْنَا أَنْ تَقْتُلَنَا يَهُودُ". وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ ثَوْبَانَ ؓ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ: أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "فِي ظُلْمَةٍ دُونَ الْجِسْرِ". قَالَ: فَمَنْ أَوَّلُ النَّاسِ إِجَازَةً؟ قَالَ: "فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ". فَقَالَ: فَمَا تُحْفَتُهُمْ حِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: "زِيَادَةُ كَبِدِ نُونٍ". قَالَ: "فَمَا غِذَاؤُهُمْ عَلَى أَثَرِهِ" ؟ قَالَ: "يُنْحَرُ لَهُمْ ثَوْرُ الْجَنَّةِ الَّذِي كَانَ يَأْكُلُ مِنْ أَطْرَافِهَا". قَالَ: فَمَا شَرَابُهُمْ عَلَيْهِ؟ قَالَ: "مِنْ عَيْنٍ فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: وَجِئْتُ أَسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ رَجُلٌ أَوْ رَجُلَانِ، جِئْتُ أَسْأَلُ عَنِ الْوَلَدِ. قَالَ: "مَاءُ الرَّجُلِ أَبْيَضُ وَمَاءُ الْمَرْأَةِ أَصْفَرُ، فَإِذَا اجْتَمَعَا فَعَلَا مَنِيُّ الرَّجُلِ مَنِيَّ الْمَرْأَةِ فَذَكَرٌ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِذَا عَلَا مَنِيُّ الْمَرْأَةِ مَنِيَّ الرَّجُلِ فَأُنْثَى بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". قَالَ الْيَهُودِيُّ: صَدَقْتَ وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّهُ سَأَلَنِي عَنْ هَذَا الَّذِي سَأَلَنِي عَنْهُ، وَمَا أَعْلَمُ شَيْئًا مِنْهُ حَتَّى أَنْبَأَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ". وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالنَّسَائِيُّ فِي "الْكُبْرَى"، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ؓ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَتَزْعُمُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ؟ وَقَالَ الْيَهُودِيُّ لِأَصْحَابِهِ: إِنْ أَقَرَّ بِهَا خَصِمْتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "تُؤْمِنُ بِشَجَرِ الْمِسْكِ" ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "وَتَجِدُهَا فِي كِتَابِكُمْ" ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيُعْطَى قُوَّةَ مِائَةِ رَجُلٍ إِلَى الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْجِمَاعِ". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ يَكُونُ لَهُ الْحَاجَةُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "حَاجَتُهُمْ عَرَقٌ يَفِيضُ مِنْ جُلُودِهِمْ مِثْلُ رِيحِ الْمِسْكِ، فَتَضْمُرُ بُطُونُهُمْ". وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَأَبُو يَعْلَى، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَالْبَزَّارُ، وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ؓ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَهُودِيٌّ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ النُّجُومِ الَّتِي رَآهَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَاجِدَةً لَهُ مَا أَسْمَاؤُهَا؟ فَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ. فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَهُ [بِأَسْمَائِهَا]. فَبَعَثَ إِلَى الْيَهُودِيِّ وَقَالَ لَهُ: "أَتُسْلِمُ إِنْ أَخْبَرْتُكَ بِأَسْمَائِهَا" ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: " [هِيَ]: حَرْثَانُ وَطَارِقٌ وَالذَّيَّالُ وَذُو الْكَنَفَاتِ وَذُو الْفَرْغِ وَوَثَّابٌ وَعَمُودَانِ وَقَابِسٌ وَالضَّرُوجُ وَالْمُصَبِّحُ وَالْفَلِيقُ وَالضِّيَاءُ وَالنُّورُ. رَآهَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ سَاجِدَةً لَهُ". فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: هَذِهِ وَاللَّهِ أَسْمَاؤُهَا. قَالَ الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ: الضِّيَاءُ هُوَ الشَّمْسُ وَهُوَ أَبُوهُ، وَالنُّورُ هُوَ الْقَمَرُ وَهِيَ أُمُّهُ. قَالَ الْحَافِظُ فِي حَاشِيَةٍ كَتَبَهَا عَلَى "مَجْمَعِ الزَّوَائِدِ": رَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ مُصَحَّحَةٍ أَنَّهُ مِنْ ضُعَفَاءِ الْعُقَيْلِيِّ. سُؤَالِ الْيَهُودِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّوحِ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ أَنَّهُ قَالَ: "كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَرْثِ الْمَدِينَةِ- وَفِي لَفْظٍ: حَرْثِ الْأَنْصَارِ، وَفِي لَفْظٍ: فِي نَخْلٍ- وَهُوَ مُتَوَكِّئٌ عَلَى عَسِيبٍ- وَفِي لَفْظٍ: وَمَعَهُ جَرِيدَةٌ- إِذْ مَرَّ الْيَهُودُ- وَفِي لَفْظٍ: إِذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ- فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يُسْمِعُكُمْ مَا تَكْرَهُونَ-وَفِي لَفْظٍ: لَا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ- فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ- وَفِي لَفْظٍ: فَقَامُوا إِلَيْهِ فَقَالُوا: "يَا مُحَمَّدُ" - وَفِي لَفْظٍ: "يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ" ؟ - وَفِي لَفْظٍ: "فَأَخْبِرْنَا عَنِ الرُّوحِ، كَيْفَ تُعَذَّبُ الرُّوحُ الَّذِي فِي الْجَسَدِ؟ وَإِنَّمَا الرُّوحُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" فَسَكَتَ- وَفِي لَفْظٍ: فَمَا زَالَ مُتَّكِئًا عَلَى الْعَسِيبِ، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَتَأَخَّرْتُ، فَلَمَّا نَزَلَ الْوَحْيُ قَالَ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا. [الْإِسْرَاءِ: 85] وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ: فَقَالُوا: "هَكَذَا نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا". فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: "وَقَدْ قُلْنَا لَكُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ". تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: دَلَّ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَنَّ نُزُولَ هَذِهِ الْآيَةِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِيَهُودَ: أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهُ هَذَا الرَّجُلَ. فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. فَنَزَلَتْ: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحِ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا. قَالُوا: "أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا. أُوتِينَا التَّوْرَاةَ، وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا". فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا [الْكَهْفِ 109] سَنَدُ رِجَالِهِ رِجَالُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَرَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ نَحْوَهُ، وَسَبَقَ فِي بَابِ امْتِحَانِ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَشْيَاءَ لَا يَعْرِفُهَا إِلَّا نَبِيٌّ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ أَتَاهُ أَحْبَارُ يَهُودَ فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، بَلَغَنَا أَنَّكَ تَقُولُ: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا أَفَعَنَيْتَنَا أَمْ عَنَيْتَ قَوْمَكَ؟ قَالَ: "لَا بَلْ عَنَيْتُكُمْ". فَقَالُوا: "إِنَّكَ تَتْلُو أَنَّا أُوتِينَا التَّوْرَاةَ وَفِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "هِيَ فِي عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ، وَقَدْ آتَاكُمُ اللَّهُ مَا إِنْ عَمِلْتُمْ بِهِ انْتَفَعْتُمْ"، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهِ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ. [لُقْمَانَ 27، 28] وَدَلَّ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَثَرُ عَطَاءٍ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَجُمِعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ بِتَعَدُّدِ النُّزُولِ، وَيُحْمَلُ سُكُوتُهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى تَوَقُّعِ مَزِيدِ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ إِنْ سَاغَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ. وَقَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي "الْإِتْقَانِ": "إِذَا اسْتَوَى الْإِسْنَادَانِ فِي الصِّحَّةِ فَيُرَجَّحُ أَحَدُهُمَا بِكَوْنِ رَاوِيهِ حَاضِرَ الْقِصَّةِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ"، ثُمَّ ذَكَرَ [مِثَالًا لَهُ] حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: "فَهَذَا- أَيْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ- يَقْتَضِي أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ خِلَافُهُ". وَقَدْ رَجَّحَ أَنَّ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَصَحُّ مِنْ غَيْرِهِ، وَبِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ حَاضِرَ الْقِصَّةِ. الثَّانِي: قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: "قِيلَ: مِنْ عَلَامَاتِ نُبُوَّةِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ أَنَّهُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الرُّوحِ فَوَّضَ الْعِلْمَ بِحَقِيقَتِهَا إِلَى مُنْشِئِهَا وَبَارِئِهَا، وَأَمْسَكَ عَمَّا خَاضَتْ فِيهِ الْفَلَاسِفَةُ وَأَهْلُ الْمَنْطِقِ الْقَائِلُونَ بِالْحَدْسِ وَالتَّخْمِينِ، فَامْتَحَنَهُ الْيَهُودُ بِالسُّؤَالِ عَنْهَا لِيَقِفُوا مِنْهُ عَلَى نَعْتِهِ الْمُثْبَتِ عِنْدَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ، فَوَافَقَ كِتَابُهُ مَا ثَبَتَ فِي كُتُبِهِمْ". [ سُؤَالُهُمْ لَهُ ﷺ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَأَبُو رَافِعٍ، وَأَشْيَعُ، وَشَمْويِلُ بْنُ زَيْدٍ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ حِينَ أَسْلَمَ: مَا تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِي الْعَرَبِ وَلَكِنَّ صَاحِبَكَ مَلَكٌ. ثُمَّ جَاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَصَّ عَلَيْهِمْ مَا جَاءَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ، مِمَّا كَانَ قَصَّ عَلَى قُرَيْشٍ، وَهُمْ كَانُوا مِمَّنْ أَمَرَ قُرَيْشًا أَنْ يَسْأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ، حَيْنَ بَعَثُوا إلَيْهِمْ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وعُتْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ.
التاريخ 898لا حكم مسجّل
مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ نِفَاقًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ مِمَّنْ تَعَوَّذَ بِالْإِسْلَامِ، وَدَخَلَ فِيهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَظْهَرَهُ وَهُوَ مُنَافِقٌ، مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ. [ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ] مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ: سَعْدُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَزَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ حِينَ ضَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ يَأْتِيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَاللَّهِ لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، فَهِيَ فِي هَذَا الشِّعْبِ، قَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا. فَذَهَبَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَوَجَدُوهَا كَذَلِكَ. فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ زَيْدًا تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقِيلَ: لَمْ يَزَلْ مُتَّهَمًا حَتَّى هَلَكَ. قَالَ: وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى، وَعُثْمَانُ بْنُ أَوْفَى، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مَاتَ - فِيمَا بَلَغْنَا -: قَدْ مَاتَ الْيَوْمَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُنَافِقِينَ. وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ وَهُوَ الَّذِي هَبَّتِ الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ يَوْمَ مَوْتِهِ عِنْدَ مَرْجِعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَبُوكَ فَقَالَ: إِنَّهَا هَبَّتْ لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ الْكُفَّارِ. فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، وَجَدُوا رِفَاعَةَ قَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ. وَسِلْسِلَةُ بْنُ بَرْهَامَ، وَكِنَانَةُ بْنُ صُورِيَا. فَهَؤُلَاءِ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ مُنَافِقِي الْيَهُودِ. [ طَرْدُ الْمُنَافِقِينَ مِنْ مَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ ] وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ يَحْضُرُونَ الْمَسْجِدَ فَيَسْتَمِعُونَ أَحَادِيثَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَسْخَرُونَ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِدِينِهِمْ، فَاجْتَمَعَ يَوْمًا فِي الْمَسْجِدِ مِنْهُمْ نَاسٌ، فَرَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَحَدَّثُونَ بَيْنَهُمْ، خَافِضِي أَصْوَاتَهُمْ، قَدْ لَصِقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُخْرِجُوا مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ، خَالِدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ كُلَيْبٍ، إلَى عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، أَحَدِ بَنِي غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ - كَانَ صَاحِبَ آلِهَتِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَذَ بِرِجْلِهِ فَسَحَبَهُ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَتُخْرِجُنِي يَا أَبَا أَيُّوبَ مِنْ مِرْبَدِ بَنِي ثَعْلَبَةَ ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو أَيُّوبَ أَيْضًا إلَى رَافِعِ بْنِ وَدِيعَةَ، أَحَدِ بَنِي النَّجَّارِ فَلَبَّبَهُ بِرِدَائِهِ ثمَ نَتَرَهُ نَتْرًا شَدِيدًا، وَلَطَمَ وَجْهَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، وَأَبُو أَيُّوبَ يَقُولُ لَهُ: أُفٍّ لَكَ مُنَافِقًا خَبِيثًا: أَدْرَاجَكَ يَا مُنَافِقُ مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَيْ ارْجِعْ مِنْ الطَّرِيقِ الَّتِي جِئْتَ مِنْهَا. قَالَ الشَّاعِرُ: : فَوَلَّى وَأَدْبَرَ أَدْرَاجَهُ وَقَدْ بَاءَ بِالظُّلْمِ مَنْ كَانَ ثَمَّ وَقَامَ عِمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إلَى زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو، وَكَانَ رَجُلًا طَوِيلَ اللِّحْيَةِ، فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَادَهُ بِهَا قَوْدًا عَنِيفًا حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَمَعَ عِمَارَةُ يَدَيْهِ فَلَدَمَهُ بِهِمَا فِي صَدْرِهِ لَدْمَةً خَرَّ مِنْهَا. قَالَ: يَقُولُ: خَدَشْتَنِي يَا عِمَارَةُ؛ قَالَ: أَبْعَدَكَ اللَّهُ يَا مُنَافِقُ، فَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ مِنْ الْعَذَابِ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا تَقْرَبَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَامَ أَبُو مُحَمَّدٍ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، كَانَ بَدْرِيًّا، وَأَبُو مُحَمَّدٍ مَسْعُودُ بْنُ أَوْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَصْرَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ إلَى قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ، وَكَانَ قَيْسٌ غُلَامًا شَابًّا، وَكَانَ لَا يُعْلَمُ فِي الْمُنَافِقِينَ شَابٌّ غَيْرُهُ، فَجَعَلَ يَدْفَعُ فِي قَفَاهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَلْخُدْرَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ، رَهْطِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ، حَيْنَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِ الْمُنَافِقِينَ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَانَ ذَا جُمَّةٍ، فَأَخَذَ بِجُمَّتِهِ فَسَحَبَهُ بِهَا سَحْبًا عَنِيفًا، عَلَى مَا مَرَّ بِهِ مِنْ الْأَرْضِ، حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ. قَالَ: يَقُولُ الْمُنَافِقُ: لَقَدْ أَغْلَظْتَ يَا ابْنَ الْحَارِثِ، فَقَالَ لَهُ؛ إنَّكَ أَهْلٌ لِذَلِكَ، أَيْ عَدُوُّ اللَّهِ لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ، فَلَا تَقْرَبَنَّ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّكَ نَجِسٌ. وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ إلَى أَخِيهِ زُوَيِّ بْنِ الْحَارِثِ، فَأَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ إخْرَاجًا عَنِيفًا، وَأَفَّفَ مِنْهُ، وَقَالَ: غَلَبَ عَلَيْكَ الشَّيْطَانُ وَأَمْرُهُ. فَهَؤُلَاءِ مَنْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ يَوْمئِذٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإِخْرَاجِهِمْ. ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مَا نَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ " الْبَقَرَةِ "، وَتَكَلَّمَ عَلَى تَفْسِيرِ ذَلِكَ، فَفِي هَؤُلَاءِ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، وَالْمُنَافِقِينَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، نَزَلَ صَدْرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ إلَى الْمِئَةِ مِنْهَا - فِيمَا بَلَغَنِي - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ أَيْ لَا شَكَّ فِيهِ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ سَاعِدَةُ بْنُ جُؤَيَةَ الْهُذَلِيُّ: : فَقَالُوا عَهِدْنَا الْقَوْمَ قَدْ حَصَرُوا بِهِ فَلَا رَيْبَ أَنْ قَدْ كَانَ ثَمَّ لَحِيمُ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ، وَالرَّيْبُ ( أَيْضًا ): الرِّيبَةُ. قَالَ خَالِدُ بْنُ زُهَيْرٍ الْهُذَلِيُّ: كَأَنَّنِي أَرْبِبُهُ بِرَيْبٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ: كَأَنَّنِي أَرَبْتُهُ بِرَيْبٍ وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ. وَهُوَ ابْنُ أَخِي أَبِي ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيُّ. هُدًى لِلْمُتَّقِينَ أَيْ الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنْ اللَّهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنْ الْهُدَى، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَهُمْ مِنْهُ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أَيْ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ بِفَرْضِهَا، وَيُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ احْتِسَابًا لَهَا. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ أَيْ يُصَدِّقُونَكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلُكَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ، لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَجْحَدُونَ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ. وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أَيْ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ، أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا كَانَ مِنْ قَبْلِكَ، وَبِمَا جَاءَكَ مِنْ رَبِّكَ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ أَيْ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِمْ وَاسْتِقَامَةٍ عَلَى مَا جَاءَهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أَيْ الَّذِينَ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا وَنَجَوْا مِنْ شَرِّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا. إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيْ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ، وَإِنْ قَالُوا إنَّا قَدْ آمَنَّا بِمَا جَاءَنَا قَبْلَكَ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ أَيْ أَنَّهُمْ قَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ ذِكْرِكَ، وَجَحَدُوا مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقُ لَكَ، فَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكَ وَبِمَا عِنْدَهُمْ، مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ غَيْرُكَ، فَكَيْفَ يَسْتَمِعُونَ مِنْكَ إنْذَارًا أَوْ تَحْذِيرًا، وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِكَ. خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ أَيْ عَنْ الْهُدَى أَنْ يُصِيبُوهُ أَبَدًا، يَعْنِي بِمَا كَذَّبُوكَ بِهِ مِنْ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ رَبِّكَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِهِ، وَإِنْ آمَنُوا بِكُلِّ مَا كَانَ قَبْلَكَ، وَلَهُمْ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِكَ عَذَابٌ عَظِيمٌ. فَهَذَا فِي الْأَحْبَارِ مِنْ يَهُودَ، فِيمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ الْحَقِّ بَعْدَ مُعْرِفَتِهِ.
التاريخ 899لا حكم مسجّل
تَحَيُّرِهِمْ فِي مُدَّةِ مُكْثِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَمَّا سَمِعُوا الْحُرُوفَ الْمُقَطَّعَةَ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ- فِيمَا ذُكِرَ لِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ- "إِنَّ أَبَا يَاسِرِ بْنَ أَخْطَبَ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ يَتْلُو فَاتِحَةَ الْبَقَرَةِ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [الْبَقَرَةِ 1، 2]، فَأَتَى أَخَاهُ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ فِي رِجَالٍ مِنْ يَهُودَ، فَقَالَ: تَعَلَّمُوا، وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ، فَقَالُوا: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَمَشَى حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فِي أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ يَهُودَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: "يَا مُحَمَّدُ، أَلَمْ يُذْكَرْ لَنَا أَنَّكَ تَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ الم ذَلِكَ الْكِتَابُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "بَلَى". قَالُوا: "أَجَاءَكَ بِهَا جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قَالُوا: "لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ قَبْلَكَ أَنْبِيَاءَ أَنْبِيَاءَ مَا نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنْهُمْ مَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وَمَا أَجَلُ أُمَّتِهِ غَيْرِكَ". فَقَامَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ مَعَهُ فَقَالَ لَهُمُ: "الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، أَفَتَدْخُلُونَ فِي دِينِ [نَبِيٍّ] إِنَّمَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وَأَجَلُ أُمَّتِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً" ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "يَا مُحَمَّدُ هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ" ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ: المص [الْأَعْرَافِ 1] قَالَ: هَذَا أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ وَالصَّادُ تِسْعُونَ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَسِتُّونَ وَمِائَةُ سَنَةٍ، هَلْ مَعَ هَذَا يَا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ" ؟ قَالَ: "نَعَمْ". [قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟] قَالَ: الر [يُوسُفَ: 1] قَالَ: "هَذِهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَمِائَتَا سَنَةٍ فَهَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ يَا مُحَمَّدُ" ؟ قَالَ: "نَعَمْ" المر [الرَّعْدِ 1]. قَالَ: "هَذِهِ وَاللَّهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِائَتَا سَنَةٍ". ثُمَّ قَالَ: "لَقَدْ لُبِّسَ عَلَيْنَا أَمْرُكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى مَا نَدْرِي أَقَلِيلًا أُعْطِيتَ أَمْ كَثِيرًا". ثُمَّ قَامُوا عَنْهُ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ لِأَخِيهِ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَحْبَارِ: "مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذَا كُلُّهُ لِمُحَمَّدٍ: إِحْدَى وَسَبْعُونَ [وَإِحْدَى وَسِتُّونَ وَمِائَةٌ]، وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَمِائَتَانِ، وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِائَتَانِ، فَذَلِكَ سَبْعُمِائَةٍ وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ". فَقَالُوا: لَقَدْ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ. فَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابَ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آلِ عِمْرَانَ 7]. [قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ]: "وَقَدْ سَمِعْتُ مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ أُنْزِلَتْ فِي أَهْلِ نَجْرَانَ حِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَسْأَلُوهُ عَنْ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ. وَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ إِنَّمَا أُنْزِلْنَ فِي نَفَرٍ مِنْ يَهُودَ وَلَمْ يُفَسِّرْ ذَلِكَ لِي، فَاللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ". قَالَ السُّهَيْلِيُّ: "وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ أَخْبَارِ يَهُودَ، وَمَا تَأَوَّلُوهُ مِنْ مَعَانِي هَذِهِ الْحُرُوفِ مُحْتَمَلٌ حَتَّى الْآنَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْضِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُكَذِّبْهُمْ، فِيمَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ وَلَا صَدَّقَهُمْ. وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: "لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ" . وَإِذَا كَانَ فِي حَدِّ الِاحْتِمَالِ وَجَبَ، أَيْ يُفْحَصُ عَنْهُ فِي الشَّرِيعَةِ، هَلْ يُشِيرُ إِلَى كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؟ فَوَجَدْنَا فِي التَّنْزِيلِ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ [الْحَجِّ 47] وَوَجَدْنَا فِي حَدِيثِ زَمْلٍ الْخُزَاعِيِّ حِينَ قَصَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُؤْيَا قَالَ فِيهَا: "رَأَيْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلَى مِنْبَرٍ لَهُ سَبْعُ دَرَجَاتٍ، وَإِلَى جَنْبِكَ نَاقَةٌ عَجْفَاءُ كَأَنَّكَ تَبْعَثُهَا". فَفَسَّرَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ النَّاقَةَ بِقِيَامِ السَّاعَةِ الَّتِي أَنْذَرَ بِهَا، وَقَالَ فِي الْمِنْبَرِ وَدَرَجَاتِهِ: "الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، بُعِثْتُ فِي آخِرِهَا أَلْفًا" وَالْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفَ الْإِسْنَادِ، فَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طُرُقٍ صِحَاحٍ أَنَّهُ قَالَ: "الدُّنْيَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ، كُلُّ يَوْمٍ مِنْهَا أَلْفُ سَنَةٍ"، وَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْهَا، وَقَدْ مَضَتْ [مِنْهُ] سِنُونَ أَوْ قَالَ مِئُونَ: [قَالَ السُّهَيْلِيُّ]: وَلَكِنْ إِذَا قُلْنَا: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بُعِثَ فِي الْأَلْفِ الْأَخِيرَةِ بَعْدَ مَا مَضَتْ مِنْهُ سِنُونَ، وَنَظَرْنَا بَعْدُ إِلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ وَجَدْنَاهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: "أَلَمْ يَسْطَعْ نَصُّ حَقٍّ كُرِهْ"، ثُمَّ نَأْخُذُ الْعَدَدَ عَلَى حِسَابِ أَبِي جَادٍ، فَنَجِدُ "ق" مِائَةً وَ "ر" مِائَتَيْنِ وَ "س" ثَلَاثَمِائَةٍ، فَهَذِهِ سِتُّمِائَةٍ، وَ "ع" سَبْعِينَ، وَ "ص" سِتِّينَ، فَهَذِهِ سَبْعُمِائَةٍ وَثَلَاثُونَ، وَ "ن" خَمْسِينَ وَ "ك" عِشْرِينَ، فَهَذِهِ ثَمَانِمِائَةٍ وَ "م" أَرْبَعِينَ وَ "ل" ثَلَاثِينَ، فَهَذِهِ ثَمَانِمِائَةٍ وَسَبْعُونَ، وَ "ي" عَشَرَةً وَ "ط" تِسْعَةً وَ "ا" وَاحِدًا، فَهَذِهِ ثَمَانِمِائَةٍ وَتِسْعُونَ، وَ "ح" ثَمَانِيَةً وَ "هـ-" خَمْسَةً، فَهَذِهِ تِسْعُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ. وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ إِلَّا هَذِهِ الْحُرُوفَ، فَلَيْسَ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهَا وَبَعْضِ فَوَائِدِهَا الْإِشَارَةُ إِلَى هَذَا الْعَدَدِ مِنَ السِّنِينَ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ فِي حَدِيثِ الْأَلْفِ السَّابِعِ الَّذِي بُعِثَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. غَيْرَ أَنَّ الْحِسَابَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَبْعَثِهِ أَوْ مِنْ وَفَاتِهِ أَوْ مِنْ هِجْرَتِهِ، وَكُلٌّ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، فَقَدْ جَاءَتْ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ، وَلَكِنْ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً. وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْمُتَوَكِّلَ الْعَبَّاسِيَّ سَأَلَ جَعْفَرَ بْنَ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْقَاضِيَ، وَهُوَ عَبَّاسِيٌّ أَيْضًا، عَمَّا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا، فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثٍ رَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إِنْ أَحْسَنَتْ أُمَّتِي فَبَقَاؤُهَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ، وَإِنْ أَسَاءَتْ فَنِصْفُ يَوْمٍ"، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَتْمِيمٌ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَبَيَانٌ لَهُ، إِذْ قَدِ انْقَضَتِ الْخَمْسُمِائَةٍ وَالْأُمَّةُ بَاقِيَةٌ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ" ومَا ذَكَرَهُ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ مَبْنِيٌّ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَغَارِبَةِ: السِّينُ بِثَلَاثِمِائَةٍ، وَالصَّادُ بِسِتِّينَ، وَعِنْدَ الْمَشَارِقَةِ: السِّينُ سِتُّونَ وَالصَّادُ تِسْعُونَ. فَيَكُونُ الْمِقْدَارُ عِنْدَهُمْ سِتَّمِائَةٍ وَثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ، وَقَدْ مَضَتْ وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا، فَإِنَّهُ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ، فَالْجُمْلَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ بَاطِلَةٌ. وقد ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ الزَّجْرُ عَنْ عَدَدِ أَبِي جَادٍ، وَالْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ السِّحْرِ. قَالَ الْحَافِظُ: "وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ، فَإِنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ". وقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ شَيْخُ السُّهَيْلِيِّ فِي قَوْلِهِ ﷺ: "بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ" ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. قِيلَ: الْوُسْطَى تَزِيدُ عَلَى السَّبَّابَةِ بِنِصْفِ سُبْعِ إِصْبَعٍ، وَكَذَلِكَ الْبَاقِي مِنَ الْبَعْثَةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ". قَالَ "وَهَذَا بَعِيدٌ، وَلَا يُعْلَمُ مِقْدَارُ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَتَحَصَّلُ لَنَا نِصْفُ سُبْعِ أَمَدٍ مَجْهُولٍ؟ فَالصَّوَابُ الْإِعْرَاضُ عَنْ ذَلِكَ". وَقَالَ الْقَاضِي فِي "الْإِكْمَالِ": "حَاوَلَ بَعْضُهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ أَنَّ نِسْبَةَ مَا بَيْنَ الْإِصْبَعَيْنِ كَنِسْبَةِ مَا بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَى مَا مَضَى، وَأَنَّ جُمْلَتَهَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَاسْتَنَدَ إِلَى أَخْبَارٍ لَا تَصِحُّ، وَذَكَرَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي تَأَخُّرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ نِصْفَ يَوْمٍ، وَفَسَّرَهُ بِخَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ، فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ نِصْفُ سُبْعٍ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا يَلِي السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى فِي الطُّولِ". قَالَ: "وَقَدْ ظَهَرَ عَدَمُ صِحَّةِ ذَلِكَ لِوُقُوعِ خِلَافِهِ وَمُجَاوَزَةِ هَذَا الْمِقْدَارِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ ثَابِتًا لَمْ يَقَعْ خِلَافُهُ". انْتَهَى. وَقَدِ انْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مُنْذُ عَهْدِ الْقَاضِي إِلَى هَذَا الْحِينِ نَحْوُ الْأَرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا فِي فَوَائِدِ رِحْلَتِهِ: "وَمِنَ الْبَاطِلِ عِلْمُ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقَدْ تَحَصَّلَ لِي فِيهَا عِشْرُونَ قَوْلًا وَأَزْيَدُ، وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا يَحْكُمُ عَلَيْهَا بِعِلْمٍ، وَلَا يَصِلُ فِيهَا إِلَى فَهْمٍ" إِلَى آخِرِ مَا ذَكَرَهُ. وَقَدْ ذَكَرْتُهُ مَعَ فَوَائِدَ أُخْرَى فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْحُرُوفِ فِي كِتَابِي: "الْقَوْلُ الْجَامِعُ الْوَجِيزُ الْخَادِمُ لِلْقُرْآنِ الْعَزِيزِ". لَا تُوجَدُ مَجْمُوعَةً فِي غَيْرِهِ. وقَالَ الْحَافِظُ: "وَأَمَّا عَدَدُ الْحُرُوفِ، فَإِنَّمَا جَاءَ عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَا ذُكِرَ فِي عَدَدِ الْحُرُوفِ، فَلْيُحْمَلْ عَلَى جَمِيعِ الْحُرُوفِ الْوَارِدَةِ وَلَا يُحْذَفُ الْمُكَرَّرُ، فَإِنَّهُ مَا مِنْ حَرْفٍ إِلَّا وَلَهُ سِرٌّ يَخُصُّهُ، أَوْ يُقْتَصَرُ عَلَى حَذْفِ الْمُكَرَّرِ مِنْ أَسْمَاءِ السُّوَرِ وَلَوْ تَكَرَّرَتِ الْحُرُوفُ فِيهَا، فَإِنَّ السُّوَرَ الَّتِي ابْتُدِئَتْ بِذَلِكَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ سُورَةً، وَعَدَدُ حُرُوفِ الْجَمِيعِ ثَمَانِيَةٌ وَسِتُّونَ حَرْفًا وَهِيَ: الم: سِتَّةٌ، وَحم: سَبْعَةٌ، وَالر: خَمْسَةٌ، وَطسم: اثْنَتَانِ وَالمص وَكهيعص وَطه وَطس وَيس وَص وَق وَن. فَإِذَا حُذِفَ مَا كُرِّرَ مِنَ السُّوَرِ وَهِيَ خَمْسٌ مِنْ الم وَسِتٌّ مِنْ حم، وَأَرْبَعٌ مِنْ الر وَوَاحِدَةٌ مِنْ طسم، بَقِيَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سُورَةً عَدَدُ حُرُوفِهَا ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفًا. فَإِذَا حَسَبْتَ عَدَدَهَا بِالْجُمَّلِ الْمَغْرِبِيِّ بَلَغَتْ أَلْفَيْنِ وَسِتَّمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَأَمَّا بِالْجُمَّلِ الْمَشْرِقِيِّ فَتَبْلُغُ أَلْفًا وَسَبْعَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَخَمْسِينَ. قَالَ الْحَافِظُ: "وَلَمْ أَذْكُرْ لِيُعْتَمَدَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا لِيُتَبَيَّنَ أَنَّ الَّذِي جَنَحَ إِلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ لَا يَنْبَغِي الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ لِشِدَّةِ التَّخَالُفِ فِيهِ". وفِي جَامِعِ مَعْمَرٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [الْمَعَارِجِ 4] لَا يَدْرِي كَمْ مَضَى وَلَا كَمْ بَقِيَ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ.
التاريخ 900لا حكم مسجّل
رَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: "يَا مُحَمَّدُ، هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ" ؟ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى انْتُقِعَ لَوْنُهُ، ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَسَكَّنَهُ وَقَالَ: "خَفِّضْ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ"، وَجَاءَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ [عَنْهُ] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاصِ 1]، أَصْلُ أَحَدٍ هُنَا وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْوَاحِدِ، قُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْجَلَالِ، كَمَا دَلَّ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، إِذِ الْوَاحِدُ الْحَقِيقِيُّ مَا يَكُونُ مُنَزَّهَ الذَّاتِ عَنِ اتِّحَادِ التَّرْكِيبِ وَالتَّعَدُّدِ، وَمَا يَسْتَلْزِمُهُ أَحَدُهُمَا كَالْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ (اللَّهُ الصَّمَدُ ): الْمَقْصُودُ فِي الْحَوَائِجِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ هُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى فِي سُؤْدُدِهِ، فَيَصْمُدُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَالْخَلَائِقُ يَفْتَقِرُونَ إِلَى رَحْمَتِهِ، أَوْ هُوَ مَنْ لَا جَوْفَ لَهُ، أَوْ هُوَ الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، أَوِ الَّذِي لَا يَطْعَمُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوِ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمَوْصُوفُ بِهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا، وَكُلُّ مَا عَدَاهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَتَعْرِيفُهُ بِصَمَدِيَّتِهِ بِخِلَافِ أَحَدِيَّتِهِ. وَتَكَرَّرَ الِاسْمُ الْكَرِيمُ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُلُوهِيَّةَ، وَإِخْلَاءُ الْجُمْلَةِ مِنَ الْعَاطِفِ، لِأَنَّهَا كَالنَّتِيجَةِ لِلْأُولَى، أَوِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا. (لَمْ يَلِدْ ): الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَمْ يَلِدْ أَحَدًا، وَالْأَصْلُ يَوْلِدُ، حُذِفَتِ الْوَاوُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَصَارَ مِثْلَ "يَعِدُ". (وَلَمْ يُولَدْ ): النَّائِبُ عَنِ الْفَاعِلِ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَمْ يَلِدْهُ أَحَدٌ، وَثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي يُولَدْ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرَةٍ. وَلَمَّا كَانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ قَدِيمًا، مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ، وَكَانَ كُلُّ مَوْلُودٍ مُحْدَثًا انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ، وَلَمَّا كَانَ لَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يُجَانِسُهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ صَاحِبَةٌ فَيَتَوَالَدُ، انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ [الْأَنْعَامِ 101]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ: أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ يُكَافِئُهُ، أَيْ يُمَاثِلُهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَغَيْرِهَا "وَلَهُ" مُتَعَلِّقٌ بِ- "كُفُوًا" وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحَطُّ الْقَصْدِ، وَأَخَّرَ "أَحَدٌ" وَهُوَ اسْمُ "يَكُنْ" عَنْ خَبَرِهَا رِعَايَةً لِلْفَاصِلَةِ. وَلِاشْتِمَالِ هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ قِصَرِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ أَلْحَدَ فِيهَا، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ مَقَاصِدَهُ مَحْصُورَةٌ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ وَالْقَصَصِ، وَمِنْ عَدْلِهَا اعْتُبِرَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: "فَلَمَّا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ، قَالُوا: "فَصِفْ لَنَا يَا مُحَمَّدُ رَبَّكَ كَيْفَ خَلْقُهُ، كَيْفَ ذَرْعُهُ، كَيْفَ عَضُدُهُ" ؟ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ الْأَوَّلِ، وَسَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، وَجَاءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزُّمَرِ 67]، أَيْ مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَمَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ حِينَ أَشْرَكُوا بِهِ وَشَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ. وَالأَرْضُ جَمِيعًا، جَمِيعًا: حَالٌ، أَيِ السَّبْعُ، قَبْضَتُهُ أَيْ مَقْبُوضَةٌ لَهُ، أَيْ فِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ أَيْ مَجْمُوعَاتٌ، "بِيَمِينِهِ" أَيْ بِقُدْرَتِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ مَعَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يُوشِكُ النَّاسُ أَنْ يَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ثُمَّ لِيَتْفُلْ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلِيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
التاريخ 901لا حكم مسجّل
إِرَادَةِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ إِيقَاعَ الْفِتْنَةِ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ لَمَّا رَأَى كَلِمَتَهُمْ مُجْتَمِعَةً رَوَى ابْنُ إِسْحَقَ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ مُطَوَّلًا، وَالْفِرْيَابِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مُخْتَصَرًا، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ كَذَلِكَ وَاللَّفْظُ لِلْأَوَّلِ، قَالَ: كَانَ شَأْسُ بْنُ قَيْسٍ شَيْخًا قَدْ عَسَا، عَظِيمَ الْكُفْرِ، شَدِيدَ الضِّغْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، شَدِيدَ الْحَسَدِ لَهُمْ، فَمَرَّ عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ، فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ أُلْفَتِهِمْ وَجَمَاعَتِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ اصْطَلَحُوا وَأَلَّفَ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ. فَقَالَ: "لَقَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، لَا وَاللَّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إِذَا اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارٍ". فَأَمَرَ فَتًى شَابًّا مِنْ يَهُودَ كَانَ مَعَهُ فَقَالَ: "اعْمَدْ إِلَيْهِمْ فَاجْلِسْ مَعَهُمْ، ثُمَّ اذْكُرْ يَوْمَ بُعَاثٍ وَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا تَقَاوَلُوا فِيهِ مِنَ الْأَشْعَارِ. فَفَعَلَ، فَأَنْشَدَهُمْ بَعْضَ مَا قَالَهُ أَحَدُ الْحَيَّيْنِ فِي حَرْبِهِمْ، فَكَأَنَّهُمْ دَخَلَهُمْ مِنْ ذَلِكَ [شَيْءٌ] فَقَالَ الْحَيُّ الْآخَرُونَ: وَقَدْ قَالَ شَاعِرُنَا فِي يَوْمِ كَذَا: كَذَا وَكَذَا [فَقَالَ الْآخَرُونَ: وَقَدْ قَالَ شَاعِرُنَا فِي يَوْمِ كَذَا: كَذَا وَكَذَا. فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، وَتَنَازَعُوا وَتَفَاخَرُوا، حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلَانِ مِنَ الْحَيَّيْنِ: أَوْسُ بْنُ قَيْظِيِّ [أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ] مِنَ الْأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ [أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ] مِنَ الْخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: "إِنْ شِئْتُمْ رَدَدْنَاهَا الْآنَ جَذَعَةً". فَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ جَمِيعًا، وَقَالُوا: "قَدْ فَعَلْنَا، مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ- وَالظَّاهِرَةُ: الْحَرَّةُ- السِّلَاحَ السِّلَاحَ". فَخَرَجُوا إِلَيْهَا. [فَانْضَمَّتِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ عَلَى دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ]. فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى جَاءَهُمْ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ: اللَّهَ اللَّهَ، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ أَنْ هَدَاكُمُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَكْرَمَكُمْ بِهِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَكُمْ، فَتَرْجِعُونَ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفَّارًا" ؟ فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهَا نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَأَلْقَوُا السِّلَاحَ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَبَكَوْا، وَعَانَقَ الرِّجَالُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أَطْفَأَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَيْدَ عَدُوِّهِمْ: عَدُوِّ اللَّهِ شَأْسِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ. قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهِ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [آلِ عِمْرَانَ 98، 99]. وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ، وَجَبَّارِ بْنِ صَخْرٍ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا الَّذِينَ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا مَا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ شَأْسٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ. وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ، وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [آلِ عِمْرَانَ 100، 101]
التاريخ 902لا حكم مسجّل
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ؓ دَخَلَ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ بَعْدَ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا [الْبَقَرَةِ 245] فَوَجَدَ يَهُودَ قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصُ [بْنُ عَازُورَاءَ] وَكَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَيْلَكَ يَا فِنْحَاصُ: "اتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَأَسْلِمْ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ". فَقَالَ فِنْحَاصُ لَعَنَهُ اللَّهُ: "وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا بِنَا إِلَى اللَّهِ مِنْ فَقْرٍ، وَإِنَّهُ إِلَيْنَا لَفَقِيرٌ، وَمَا نَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَضَرَّعُ إِلَيْنَا، وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءُ [وَمَا هُوَ عَنَّا بِغَنِيٍّ] وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا اسْتَقْرَضَ مِنَّا أَمْوَالَنَا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ، يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيُعْطِينَاهُ، وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا أَعْطَانَا الرِّبَا". فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ". فَذَهَبَ فِنْحَاصُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، انْظُرْ مَا فَعَلَ بِي صَاحِبُكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: "مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ" ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ [إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ] قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا، إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقِيرٌ وَأَنَّهُمْ عَنْهُ أَغْنِيَاءُ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ مِمَّا قَالَ فَضَرَبْتُ وَجْهَهُ. فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ، وَقَالَ: مَا قُلْتُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا قَالَ فِنْحَاصُ [رَدًّا عَلَيْهِ] وَتَصْدِيقًا لِأَبِي بَكْرٍ ؓ: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهُ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ [آلِ عِمْرَانَ 181] وَنَزَلَ فِي أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَمَا بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ فِي الْغَضَبِ: وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنَ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ عَزْمِ الأُمُورِ [آلِ عِمْرَانَ 186]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ مِنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى [الْأَنْعَامِ 91]. قَالَ فِنْحَاصُ الْيَهُودِيُّ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ شَيْءٍ. قَالَ السُّدِّيُّ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الضَّيْفِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ فِي الْآيَةِ قَالَ: نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الضَّيْفِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ الضَّيْفِ، وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ، فَخَاصَمَ النَّبِيَّ ﷺ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، أَلَا تَأْتِنَا بِكِتَابٍ مِنَ السَّمَاءِ كَمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى أَلْوَاحًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنَ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنَ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا [النِّسَاءِ 153]. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، أَمَا تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الْحَبْرَ السَّمِينَ" ؟ وَكَانَ حَبْرًا سَمِينًا. فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ: وَيْحَكَ! وَلَا عَلَى مُوسَى؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ [نَقْضًا لِقَوْلِهِمْ وَرَدًّا عَلَيْهِمْ]: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهَ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مِنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلْ اللَّهَ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [الْأَنْعَامِ 91]. ثُمَّ قَالَ الله تعالى فِيمَا قَالَ فِنْحَاصُ وَالْأَحْبَارُ مَعَهُ مِنْ يَهُودَ: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يَعْنِي فِنْحَاصَ، وَأَشْيَعَ وَأَشْبَاهَهُمَا مِنْ الْأَحْبَارِ، الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا يُصِيبُونَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَا زَيَّنُوا لِلنَّاسِ مِنْ الضَّلَالَةِ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا، أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: عُلَمَاءُ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ عِلْمٍ، لَمْ يَحْمِلُوهُمْ عَلَى هُدًى وَلَا حَقٍّ، وَيُحِبُّونَ أَنْ يَقُولَ النَّاسُ: قَدْ فَعَلُوا.
التاريخ 903لا حكم مسجّل
رُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ ﷺ فِي عُقُوبَةِ الزَّانِي وَمَا ظَهَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ كِتْمَانِهِمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ حُكْمِهِ وَصِفَةِ نَبِيِّهِ ﷺ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلَائِلِ" مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ، وَأَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّحَّاسُ فِي نَاسِخِهِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَالشَّيْخَانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ؓ: أَنَّ أَحْبَارَ يَهُودَ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَدْ زَنَى رَجُلٌ بَعْدَ إِحْصَانٍ بِامْرَأَةٍ مِنْ يَهُودَ قَدْ أَحْصَنَتْ- قَالَ جَابِرٌ: مِنْ أَهْلِ فَدَكَ، كَتَبَ أَهْلُهَا إِلَى أُنَاسٍ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ "أَنْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالْجَلْدِ فَخُذُوهُ عَنْهُ، وَإِنْ أَمَرَكُمْ بِالرَّجْمِ فَلَا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ". انْتَهَى. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَمَّا اجْتَمَعُوا فِي بَيْتِ الْمِدْرَاسِ قَالَ: ابْعَثُوا بِهَذَا الرَّجُلِ وَبِهَذِهِ الْمَرْأَةِ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَفِي لَفْظٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَإِنَّهُ بُعِثَ بِتَخْفِيفٍ، فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ وَقُلْنَا فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالُوا: وَلُّوهُ الْحُكْمَ فِيهِمَا، فَإِنْ عَمِلَ فِيهِمَا بِعَمَلِكُمْ مِنَ التَّجْبِيَةِ- وَهِيَ الْجَلْدُ بِحَبْلٍ مِنْ لِيفٍ مَطْلِيٍّ بِقَارٍ ثُمَّ تُسَوَّدُ وُجُوهُهُمَا، ثُمَّ يُحْمَلَانِ عَلَى حِمَارَيْنِ وَتُجْعَلُ وُجُوهُهُمَا مِنْ قِبَلِ أَدْبَارِ الْحِمَارَيْنِ- فَاتَّبِعُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ مَلِكٌ سَيِّدُ قَوْمٍ، وَإِنْ هُوَ حَكَمَ فِيهِمَا بِالرَّجْمِ فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى مَا فِي أَيْدِيكُمْ أَنْ يَسْلُبَكُمُوهُ. فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالُوا: "يَا أَبَا الْقَاسِمِ هَذَا رَجُلٌ قَدْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانِهِ بِامْرَأَةٍ قَدْ أَحْصَنَتْ، فَاحْكُمْ فِيهِمَا فَقَدْ وَلَّيْنَاكَ الْحُكْمَ فِيهِمَا". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ؟" قَالُوا: نَفْضَحُهُمَا وَيُجْلَدَانِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالُوا: دَعْنَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَقُلْ مَا عِنْدَكَ. فَأَفْتَاهُمْ بِالرَّجْمِ، فَأَنْكَرُوهُ. فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى بَيْتَ مِدْرَاسِهِمْ، فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَخْرِجُوا إِلَيَّ عُلَمَاءَكُمْ". فَأَخْرَجُوا إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيَا وَأَبَا يَاسِرِ بْنَ أَخْطَبَ، وَوَهْبَ بْنَ يَهُوذَا، فَقَالُوا: إِنَّ هَؤُلَاءِ عُلَمَاؤُنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى، مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ؟ قَالُوا: يُحَمَّمُ وَيُجَبَّبُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ. فَأَتَوْهُ بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ [أَحَدُهُمْ] يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ. فَرَفَعَهَا، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ. قَالَ: صَدَقَ مُحَمَّدٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَقْسَمَ عَلَيْهِمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَكَتَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَكَتَ أَلَظَّ بِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَقَالَ: إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "فَمَا أَوَّلُ مَا رَخَّصْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؟" قَالَ: زَنَى رَجُلٌ ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فَأُخِّرَ عَنْهُ الرَّجْمُ. ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي أُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَأَرَادُوا رَجْمَهُ فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ وَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا يُرْجَمُ صَاحِبُنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ بَيْنَهُمْ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ الزِّنَى كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا، فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ، وَإِذَا أَخَذْنَا الضَّعِيفَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ، فَقُلْنَا: تَعَالَوْا حَتَّى نَجْعَلَ شَيْئًا وَنُقِيمَهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالْوَضِيعِ. فَأَجْمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ، أَمَا وَاللَّهِ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إِنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ إِنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْسُدُونَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ قَدِيمًا بِالشَّهْوَةِ". فَجَاؤُوا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ، فَشَهِدُوا بِأَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهِمَا فَرُجِمَا عِنْدَ بَابِ مَسْجِدِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: بِالْبَلَاطِ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَرَأَيْتُ الرَّجُلَ يُجْنِئُ عَلَى الْمَرْأَةِ لِيَقِيَهَا الْحِجَارَةَ، وَفِي لَفْظٍ: فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُمَا، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا [ الْمَائِدَةِ: 44 ]. وَلَهُ شَاهِدٌ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " عَنِ ابْنِ عُمَرَ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا وَرَدَ فِي هَذَا السِّيَاقِ مِنَ الْأَحَادِيثِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ [ الْمَائِدَةِ: 41 - 43 ]. يَعْنِي الْجَلْدَ وَالتَّحْمِيمَ الَّذِي اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ، وَابْتَدَعُوهُ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ، يَعْنِي إِنْ حَكَمَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ بِهَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا. يَعْنِي وَإِنْ لَمْ يَحْكُمْ لَكُمْ بِذَلِكَ فَاحْذَرُوا قَبُولَهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَى أَنْ قَالَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى سُوءِ قَصْدِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِهِمْ فِي كِتَابِهِمْ، وَإِنَّ فِيهِ حُكْمَ اللَّهِ بِالرَّجْمِ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَعْلَمُونَ صِحَّتَهُ، ثُمَّ يَعْدِلُونَ عَنْهُ إِلَى مَا ابْتَدَعُوهُ مِنَ الْجَلْدِ وَالتَّحْمِيمِ وَالتَّجْبِيَةِ. ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُورِيَّا، وَجَحَدَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ أَيْ الَّذِينَ بَعَثُوا مِنْهُمْ مَنْ بَعَثُوا وَتَخَلَّفُوا، وَأَمَرُوهُمْ بِمَا أَمَرُوهُمْ بِهِ مِنْ تَحْرِيفِ الْحُكْمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ. ثُمَّ قَالَ: يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ أَيْ الرَّجْمَ فَاحْذَرُوا إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. وَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي تَحْقِيقِ الزِّنَا مِنْهُمَا. وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِحْصَانِ ، وَأَنَّ الذِّمِّيَّ يُحَصِّنُ الذِّمِّيَّةَ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أحمد وَالشَّافِعِيُّ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ مالك فِي غَيْرِ " الْمُوَطَّأِ ": لَمْ يَكُنِ الْيَهُودُ بِأَهْلِ ذِمَّةٍ. وَالَّذِي فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ": أَنَّهُمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الْعَهْدِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَهُمْ، وَلَمْ يَكُونُوا إِذْ ذَاكَ حَرْبًا، كَيْفَ وَقَدْ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ، وَرَضُوا بِحُكْمِهِ ؟ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: أَنَّهُمْ قَالُوا: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَإِنَّهُ بُعِثَ بِالتَّخْفِيفِ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: أَنَّهُمْ دَعَوْهُ إِلَى بَيْتِ مِدْرَاسِهِمْ، فَأَتَاهُمْ وَحَكَمَ بَيْنَهُمْ، فَهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَهْدٍ وَصُلْحٍ بِلَا شَكٍّ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إِنَّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ. قَالُوا: وَسِيَاقُ الْقِصَّةِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مِمَّا لَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ شَيْئًا الْبَتَّةَ، فَإِنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ الْمَحْضِ، فَيَجِبُ اتِّبَاعُهُ بِكُلِّ حَالٍ، فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: رَجَمَهُمَا سِيَاسَةً، وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْأَقْوَالِ، بَلْ رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا حُكْمَ سِوَاهُ. وَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ إِذَا تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا لَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ إِلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ. وَتَضَمَّنَتْ قَبُولَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِأَنَّ الزَّانِيَيْنِ لَمْ يُقِرَّا، وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِمَا الْمُسْلِمُونَ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَحْضُرُوا زِنَاهُمَا، كَيْفَ وَفِي " السُّنَنِ " فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالشُّهُودِ، فَجَاءُوا أَرْبَعَةً، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ. وَفِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ مِنْهُمْ، وَفِي بَعْضِهَا: فَقَالَ لِلْيَهُودِ: ائْتُونِي بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ. وَتَضَمَّنَتِ الِاكْتِفَاءَ بِالرَّجْمِ، وَأَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَلْدِ ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَا يَغُوصُ عَلَيْهِ إِلَّا غَوَّاصٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ( يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ ) [ الْمَائِدَةِ: 15 ]، وَاسْتَنْبَطَهُ غَيْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا ) [ الْمَائِدَةِ: 44 ].
التاريخ 904لا حكم مسجّل
سُؤَالِهِ لَهُمْ أَنْ يَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فِي دَعَاوَى ادَّعَوْهَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةُ: 94] أَيْ اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْذَبُ عِنْدَ اللَّهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أَيْ بِعِلْمِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِكَ، وَالْكُفْرِ بِذَلِكَ، فَيُقَالُ: لَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إلَّا مَاتَ. ورَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ: "قَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، وَقَالُوا: نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ". فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ الْأُولَى فَلَمْ يَفْعَلُوا. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي "الدَّلَائِلِ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى لَمَّا نَزَلَتْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنْ كُنْتُمْ فِي مَقَالَتِكُمْ صَادِقِينَ قُولُوا اللَّهُمَّ أَمِتْنَا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَقُولُهَا رَجُلٌ مِنْكُمْ إِلَّا غَصَّ بِرِيقِهِ فَمَاتَ مَكَانَهُ"، فَأَبَوْا أَنْ يَفْعَلُوا وَكَرِهُوا مَا قَالَ لَهُمْ، فَنَزَلَ: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ، آيَةُ: 95] يَعْنِي عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: "وَاللَّهِ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا". وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْهُ، قَالَ: "لَوْ تَمَنَّى الْيَهُودُ الْمَوْتَ لَشَرِقَ أَحَدُهُمْ بِرِيقِهِ". وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ، لَمَاتُوا وَلَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ" .
التاريخ 905لا حكم مسجّل
سِحْرِهِمْ إِيَّاهُ ﷺ رَوَى الشَّيْخَانِ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ؓ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَالْبُخَارِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؓ، وَابْنُ سَعْدٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ، وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ مُرْسَلًا، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْحَكَمِ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْحِجَّةِ، وَدَخَلَ الْمُحَرَّمُ سَنَةَ سَبْعٍ، جَاءَتْ رُؤَسَاءُ يَهُودَ [الَّذِينَ بَقَوْا فِي الْمَدِينَةِ مِمَّنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَهُوَ مُنَافِقٌ] إِلَى لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ، وَكَانَ حَلِيفًا فِي بَنِي زُرَيْقٍ، وَكَانَ سَاحِرًا [قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ يَهُودُ أَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ بِالسِّحْرِ وَبِالسُّمُومِ] فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الْأَعْصَمِ أَنْتَ أَسْحَرُنَا، وَقَدْ سَحَرْنَا مُحَمَّدًا فَلَمْ نَصْنَعْ شَيْئًا، وَأَنْتَ تَرَى أَثَرَهُ فِينَا، وَخِلَافَهُ دِينَنَا، وَمَنْ قَتَلَ مِنَّا وَأَجْلَى، وَنَحْنُ نَجْعَلُ لَكَ عَلَى ذَلِكَ جُعْلًا عَلَى أَنْ تَسْحَرَهُ لَنَا سِحْرًا يَنْكَؤُهُ، فَجَعَلُوا لَهُ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَسْحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ؓ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ: سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفُ يَهُودَ وَكَانَ مُنَافِقًا. وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: إِنَّمَا سَحَرَهُ بَنَاتُ أَعْصَمَ أَخَوَاتُ لَبِيدٍ، وَكُنَّ أَسْحَرَ مِنْ لَبِيدٍ وَأَخْبَثَ، وَكَانَ لَبِيدٌ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ رَاعُوفَةِ الْبِئْرِ، فَلَمَّا عَقَدُوا تِلْكَ الْعُقَدَ أَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ السَّاعَةَ بَصَرَهُ، وَدَسَّ بَنَاتُ أَعْصَمَ إِحْدَاهُنَّ، فَدَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ ؓ، [فَخَبَّرَتْهَا عَائِشَةُ أَوْ سَمِعَتْ عَائِشَةَ تَذْكُرُ مَا أَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ بَصَرِهِ] ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى أَخَوَاتِهَا [وَإِلَى لَبِيدٍ] ف?أَخْبَرَتْهُمْ بِذَلِكَ. فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: "إِنْ يَكُنْ نَبِيًّا فَسَيُخْبَرُ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَسَوْفَ يُدَلِّهُهُ هَذَا السِّحْرُ حَتَّى يَذْهَبَ عَقْلُهُ". وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ [عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سُحِرَ] حَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ". قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا شَرُّ مَا يَكُونُ إِذَا كَانَ كَذَا. وَفِي مُرْسَلِ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: حَتَّى أَنْكَرَ بَصَرَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ لِمَا بِهِ [مَطْبُوبٌ]. وَفِي رِوَايَةِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ: فَكَانَ يَذُوبُ وَمَا يَدْرِي مَا وَجَعُهُ فَاشْتَكَى لِذَلِكَ أَيَّامًا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: مَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: سِتَّةَ أَشْهُرٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟" قُلْتُ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَتَانِي رَجُلَانِ - وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ- فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي- قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: هُوَ جِبْرِيلُ- وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ. ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ- وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَقَالَ مِيكَائِيلُ: يَا جِبْرِيلُ، إِنَّ صَاحِبَكَ شَاكٍ. قَالَ: أَجَلْ. قَالَ: وَمَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ فَقَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ. قَالَ: فَبِمَاذَا؟ قَالَ: "فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ- وَفِي لَفْظٍ: مُشْطٍ وَمُشَاقَةٍ وَجُفِّ طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ". وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، "فَقَالَ الَّذِينَ عِنْدَ رَأْسِي". قَالَ الْحَافِظُ: "وَكَأَنَّهَا أَصْوَبُ". وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرَوَانَ- وَفِي لَفْظٍ: بِئْرِ ذَرْوَانَ- وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ: وَهُوَ بِئْرُ مَيْمُونٍ فِي كُدْيَةٍ تَحْتَ صَخْرَةٍ فِي الْمَاءِ. قَالَ: فَمَا دَوَاءُ ذَلِكَ؟ قَالَ: تُنْزَحُ الْبِئْرُ، ثُمَّ تُقْلَبُ الصَّخْرَةُ فَتُؤْخَذُ الْكُدْيَةُ فِيهَا مِثَالُ إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً فَتُحْرَقُ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا وَعَمَّارًا. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا، وَعَلَيْهَا نَخْلٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ فَاسْتَخْرَجَ جُفَّ طَلْعَةِ [ذَكَرٍ] مِنْ تَحْتِ الرَّاعُوفَةِ، فَإِذَا فِيهَا مُشْطُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَإِذَا وَتَرٌ مَعْقُودٌ فِيهِ إِحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةً مُغَرَّزَةً بِالْإِبَرِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ: سُورَةِ الْفَلَقِ وَسُورَةِ النَّاسِ [وَهُمَا إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً عَلَى عَدَدِ تِلْكَ الْعُقَدِ، وَأَمَرَ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهِمَا] فَجَعَلَ كُلَّمَا قَرَأَ آيَةً انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، وَكُلَّمَا نَزَعَ إِبْرَةً وَجَدَ لَهَا أَلَمًا وَيَجِدُ بَعْدَهَا رَاحَةً. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: "لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ رُؤُوسَ نَخْلِهَا الَّذِي يَشْرَبُ مَاءَهَا قَدِ الْتَوَى سَعَفُهُ كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟ قَالَ: "لَا" - وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلَا- قَالَ سُفْيَانُ: أَيْ تَنَشَّرْتَ- فَقَالَ: "أَمَا وَاللَّهِ" - وَفِي رِوَايَةٍ: "أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ وَشَفَانِي، وَخَشِيتُ أَنْ أُثَوِّرَ- وَفِي رِوَايَةٍ أُثِيرَ- عَلَى النَّاسِ مِنْهُ شَرًّا". وَأَمَرَ بِهَا فَدُفِنَتْ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَتَلْتَهُ فَقَالَ: "مَا وَرَاءَهُ مِنْ عَذَابٍ أَشَدُّ". وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاعْتَرَفَ، فَعَفَا عَنْهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ. تَنْبِيهَاتٌ:... الْخَامِسُ: لَبِيدٌ- بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ مُهْمَلَةٌ- ابْنُ الْأَعْصَمِ بِوَزْنِ أَحْمَرَ بِمُهْمَلَتَيْنِ- وُصِفَ فِي رِوَايَةٍ بِأَنَّهُ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ. وَفِي رِوَايَةٍ [أُخْرَى] بِأَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ حَلِيفُ يَهُودَ، وَكَانَ مُنَافِقًا. وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ يَهُودِيٌّ نَظَرَ إِلَى مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ مُنَافِقًا نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِ أَمْرِهِ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمُ نِفَاقًا، وَهُوَ وَاضِحٌ. السَّادِسُ: فِي مُدَّةِ مُكْثِهِ ﷺ مَسْحُورًا: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ضَمْرَةَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي صَحِيحِهِ أَنَّهُ ﷺ مَكَثَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. وَفِي رِوَايَةِ وُهَيْبٍ عَنْ هِشَامٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ. وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ تَكُونَ السِّتَّةُ أَشْهُرٍ مِنَ ابْتِدَاءِ تَغَيُّرِ مِزَاجِهِ، وَالْأَرْبَعُونَ يَوْمًا مِنَ اسْتِحْكَامِهِ. قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَمْ أَقِفْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى قَدْرِ الْمُدَّةِ الَّتِي مَكَثَ ﷺ فِيهَا مِنَ السِّحْرِ، حَتَّى ظَفِرْتُ بِهِ فِي جَامِعِ مَعْمَرِ [بْنِ رَاشِدٍ] عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: "سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَنَةً [يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الْفِعْلَ وَلَا يَفْعَلُهُ]. وَقَدْ وَجَدْنَاهُ مَوْصُولًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، فَهُوَ الْمُعْتَمَدُ. السَّابِعُ: قَوْلُهُ: "فَدَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ": قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: "فِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ حُصُولِ الْأُمُورِ الْمَكْرُوهَاتِ وَتَكْرِيرِهِ، وَحُسْنُ الِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي رَفْعِ ذَلِكَ". قَالَ الْحَافِظُ: "سَلَكَ النَّبِيُّ ﷺ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ مَسْلَكَيِ التَّفْوِيضِ وَتَعَاطِي الْأَسْبَابِ، فَفِي أَوَّلِ الْأَمْرِ فَوَّضَ وَسَلَّمَ لِأَمْرِ رَبِّهِ، وَاحْتَسَبَ الْأَجْرَ فِي صَبْرِهِ عَلَى بَلَائِهِ. ثُمَّ لَمَّا تَمَادَى ذَلِكَ وَخَشِيَ مِنْ تَمَادِيهِ أَنْ يَضْعُفَ عَنْ عِبَادَتِهِ جَنَحَ إِلَى التَّدَاوِي ثُمَّ إِلَى الدُّعَاءِ. وَكُلٌّ مِنَ الْمَقَامَيْنِ غَايَةٌ "فِي الْكَمَالِ". الثَّامِنُ: وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ عَلِيًّا وَعَمَّارًا لِاسْتِخْرَاجِ السِّحْرِ. وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ ﷺ تَوَجَّهَ إِلَى الْبِئْرِ مَعَ جَمَاعَةٍ. وَعَنِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحَكَمِ مُرْسَلًا: "فَدَعَا جُبَيْرَ بْنَ إِيَاسٍ الزُّرَقِيَّ فَدَلَّهُ عَلَى مَوْضِعِهِ فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ تَحْتَ أُرْعُوفَةِ الْبِئْرِ، فَخَرَجَ جُبَيْرٌ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: وَيُقَالُ: إِنَّ الَّذِي اسْتَخْرَجَ السِّحْرَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَيْسُ بْنُ مِحْصَنٍ الزُّرَقِيُّ. وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ أَعَانَ جُبَيْرًا عَلَى ذَلِكَ وَبَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ، فَنُسِبَ إِلَيْهِ. حُكْمِهِ ﷺ فِي السَّاحِرِ فِي الترمذي: عَنْهُ ﷺ: حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وَصَحَّ عَنْ عمر ؓ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَصَحَّ عَنْ حفصة ؓ، أَنَّهَا قَتَلَتْ مُدَبَّرَةً سَحَرَتْهَا، فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا عثمان إِذْ فَعَلَتْهُ دُونَ أَمْرِهِ. وَرُوِيَ عَنْ عائشة ؓ أَيْضًا أَنَّهَا قَتَلَتْ مُدَبَّرَةً سَحَرَتْهَا، وَرُوِيَ أَنَّهَا بَاعَتْهَا، ذَكَرَهُ ابن المنذر وَغَيْرُهُ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ مَنْ سَحَرَهُ مِنَ الْيَهُودِ، فَأَخَذَ بِهَذَا الشَّافِعِيُّ، وأبو حنيفة - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، وَأَمَّا مالك، وأحمد - رَحِمَهُمَا اللَّهُ -، فَإِنَّهُمَا يَقْتُلَانِهِ، وَلَكِنْ مَنْصُوصُ أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ سَاحِرَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُقْتَلُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْتُلْ لبيد بن الأعصم اليهودي حِينَ سَحَرَهُ، وَمَنْ قَالَ بِقَتْلِ سَاحِرِهِمْ يُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ لَمْ يُقِرَّ، وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، وَبِأَنَّهُ خَشِيَ ﷺ أَنْ يُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا بِتَرْكِ إِخْرَاجِ السِّحْرِ مِنَ الْبِئْرِ، فَكَيْفَ لَوْ قَتَلَهُ.
التاريخ 906لا حكم مسجّل
[ دَعْوَى الْيَهُودَ قِلَّةَ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ، وَرَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَوْلًى لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَالْيَهُودُ تَقُولُ: إنَّمَا مُدَّةُ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا يُعَذِّبُ اللَّهُ النَّاسَ فِي النَّارِ بِكُلِّ أَلْفِ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا يَوْمًا وَاحِدًا فِي النَّارِ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّمَا هِيَ سَبْعَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ الْعَذَابُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ أَيْ مَنْ عَمِلَ بِمِثْلِ أَعْمَالِكُمْ، وَكَفَرَ بِمِثْلِ مَا كَفَرْتُمْ بِهِ، يُحِيطُ كُفْرُهُ بِمَا لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ حَسَنَةٍ، فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أَيْ خُلْدٌ أَبَدًا. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ أَيْ مَنْ آمَنَ بِمَا كَفَرْتُمْ بِهِ، وَعَمِلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينِهِ، فَلَهُمْ الْجَنَّةُ خَالِدِينَ فِيهَا، يُخْبِرُهُمْ أَنَّ الثَّوَابَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مُقِيمٌ عَلَى أَهْلِهِ أَبَدًا، لَا انْقِطَاعَ لَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ ( اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ) يُؤَنِّبُهُمْ: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَيْ مِيثَاقَكُمْ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ أَيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْسَ بِالتَّنَقُّصِ. وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا حَقٌّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْكُمْ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ أَيْ أَهْلَ الشِّرْكِ، حَتَّى يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ مَعَهُمْ، وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ مَعَهُمْ. وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فِي دِينِكُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ إخْرَاجُهُمْ، أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ( أَيْ ) أَتُفَادُونَهُمْ مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ، وَتُخْرِجُونَهُمْ كُفَّارًا بِذَلِكَ. فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ فَأَنَّبَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ. فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ، مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَلَفُّهُمْ، حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ، وَالنَّضِيرُ وَقُرَيْظَةَ وَلَفُّهُمْ، حُلَفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانُوا إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ. خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعَ مَعَ الْخَزْرَجِ وَخَرَجَتْ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إخْوَانِهِ، حَتَّى يَتَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَبِأَيْدِيهِمْ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ: لَا يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا بَعْثًا وَلَا قِيَامَةً، وَلَا كِتَابًا، وَلَا حَلَالًا وَلَا حَرَامًا، فَإِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا افْتَدَوْا أُسَارَاهُمْ تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ، وَأَخَذَ بِهِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعَ مَنْ كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيَدِي الْأَوْسِ وَتَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا فِي أَيَدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ. وَيُطِلُّونَ مَا أَصَابُوا مِنْ الدِّمَاءِ، وَقَتْلَى مَنْ قُتِلُوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ، مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ حَيْنَ أَنَّبَهُمْ بِذَلِكَ: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أَيْ تُفَادِيهِ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ وَتَقْتُلُهُ، وَفِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ أَنْ لَا تَفْعَلَ، تَقْتُلُهُ وَتُخْرِجُهُ مِنْ دَارِهِ وَتُظَاهِرُ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ بِاَللَّهِ، وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ، ابْتِغَاءَ عَرَضِ الدُّنْيَا. فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ - فِيمَا بَلَغَنِي - نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ أَيْ الْآيَاتُ الَّتِي وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْهِ، مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِهِ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، وَالْخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنْ الْغُيُوبِ مِمَّا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ، وَمَا رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ مَعَ الْإِنْجِيلِ، الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ. ثُمَّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَقَالَ: أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ فِي أَكِنَّةٍ. يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَ: قَالُوا: فِينَا وَاَللَّهِ وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ، كُنَّا قَدْ عَلَوْنَاهُمْ ظَهْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ وَهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ فَكَانُوا يَقُولُونَ لَنَا: إنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ الْآنَ نَتَّبِعُهُ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ فَاتَّبَعْنَاهُ كَفَرُوا بِهِ. يَقُولُ اللَّهُ: فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَيْ أَنْ جَعَلَهُ فِي غَيْرِهِمْ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَالْغَضَبُ عَلَى الْغَضَبِ لِغَضَبِهِ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضَيَّعُوا مِنْ التَّوْرَاةِ، وَهِيَ مَعَهُمْ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي أَحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِمْ. ثُمَّ أَنَّبَهُمْ بِرَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ، وَاِتِّخَاذِهِمْ الْعِجْلَ إلَهًا دُونَ رَبِّهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ ﷺ: قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَيْ اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْذَبُ عِنْدَ اللَّهِ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أَيْ بِعِلْمِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِكَ، وَالْكُفْرِ بِذَلِكَ، فَيُقَالُ: لَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قَالَ ذَلِكَ لَهُمْ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إلَّا مَاتَ. ثُمَّ ذَكَرَ رَغْبَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَطُولَ الْعُمْرِ، فَقَالَ تَعَالَى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ الْيَهُودَ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ أَيْ مَا هُوَ بِمُنْجِيهِ مِنْ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكَ لَا يَرْجُو بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ يُحِبُّ طُولَ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّ قَدْ عَرَفَ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخِزْيِ بِمَا ضَيَّعَ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ الْعِلْمِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ
التاريخ 907لا حكم مسجّل
[ إنْكَارُ الْيَهُودِ نُبُوَّةَ سليمان - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَرَدُّ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِيمَا بَلَغَنِي - لَمَّا ذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ فِي الْمُرْسَلِينَ، قَالَ بَعْضُ أَحْبَارِهِمْ: أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ مُحَمَّدٍ، يَزْعُمُ أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ كَانَ نَبِيًّا، وَاَللَّهِ مَا كَانَ إلَّا سَاحِرًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا أَيْ بِاتِّبَاعِهِمْ السِّحْرَ وَعَمَلِهِمْ بِهِ. وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ
التاريخ 908لا حكم مسجّل
[ كِتَابُهُ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى يَهُودِ خَيْبَرَ، فِيمَا حَدَّثَنِي مَوْلًى لِآلِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاحِبِ مُوسَى وَأَخِيهِ، وَالْمُصَدِّقُ لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى: أَلَا إنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ لَكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ التَّوْرَاةِ، وَإِنَّكُمْ لَتَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا وَإِنِّي أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ، وَأَنْشُدُكُمْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلَّذِي أَطْعَمَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ أَسْبَاطِكُمْ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، وَأَنْشُدُكُمْ بِاَلَّذِي أَيْبَسَ الْبَحْرَ لِآبَائِكُمْ حَتَّى أَنَجَاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ، إلَّا أَخْبَرْتُمُونِي: هَلْ تَجِدُونَ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمُحَمِّدٍ ؟ فَإِنْ كُنْتُمْ لَا تَجِدُونَ ذَلِكَ فِي كِتَابِكُمْ فَلَا كُرْهَ عَلَيْكُمْ. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ - فَأَدْعُوكُمْ إلَى اللَّهِ وَإِلَى نَبِيِّهِ.
التاريخ 909لا حكم مسجّل
[ مَا نَزَلَ فِي طَلَبِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، فَقُلْ لِلَّهِ فَلْيُكَلِّمْنَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلَامَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ مَا نَزَلَ فِي قَوْلِ ابْنِ حُرَيْمِلَةَ وَوَهْبٍ ] وَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، ائْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنَا مِنْ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنَهَارًا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ
التاريخ 910لا حكم مسجّل
[ ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ ] وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَافِعُ بْنُ حَارِثَةَ، وَسَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، وَرَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ، وَتُؤْمِنُ بِمَا عِنْدَنَا مِنْ التَّوْرَاةِ، وَتَشْهَدُ أَنَّهَا مِنْ اللَّهِ حَقٌّ ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ وَجَحَدْتُمْ مَا فِيهَا مِمَّا أَخَذَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ الْمِيثَاقِ فِيهَا، وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ، فَبَرِئْتُ مِنْ إحْدَاثِكُمْ، قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُ بِمَا فِي أَيْدِينَا، فَإِنَّا عَلَى الْهُدَى وَالْحَقِّ، وَلَا نُؤْمِنُ بِكَ، وَلَا نَتَّبِعُكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [ سُؤَالِ ابْنِ صُورِيَّا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ يَتَهَوَّدَ ] وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ الْفَطْيُونِيُّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا الْهُدَى إلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وَقَالَتْ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيَّا وَمَا قَالَتْ النَّصَارَى: وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ الْقِصَّةَ إلَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ
التاريخ 911لا حكم مسجّل
[ مَقَالَةُ الْيَهُودِ عِنْدَ صَرْفِ الْقِبْلَةِ إلَى الْكَعْبَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ عَنْ الشَّامِ إلَى الْكَعْبَةِ، وَصُرِفَتْ فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَقَرْدَمُ بْنُ عَمْرٍو، وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ، وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَكِنَانَةُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، مَا وَلَّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا وَأَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّكَ عَلَى مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ وَدِينِهِ ؟ ارْجِعْ إلَى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ. وَالْكَفَرَةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَعْلَمُونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ، لِمَا يَجِدُونَهُ مِنْ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي كُتُبِهِمْ، مِنْ أَنَّ الْمَدِينَةَ مُهَاجَرُهُ، وَأَنَّهُ سَيُؤْمَرُ بِالِاسْتِقْبَالِ إِلَى الْكَعْبَةِ كَمَا قَالَ: وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ: 144 ] وَقَدْ أَجَابَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مَعَ هَذَا كُلِّهِ عَنْ سُؤَالِهِمْ وَتَعَنُّتِهِمْ، فَقَالَ: سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ أَيْ ابْتِلَاءً وَاخْتِبَارًا وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ أَيْ مِنْ الْفِتَنِ: أَيْ الَّذِينَ ثَبَّتَ اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ أَيْ إيمَانَكُمْ بِالْقِبْلَةِ الْأُولَى، وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيَّكُمْ، وَاتِّبَاعَكُمْ إيَّاهُ إلَى الْقِبْلَةِ الْآخِرَةِ، وَطَاعَتَكُمْ نَبِيَّكُمْ فِيهَا: أَيْ لَيُعْطِيَنَّكُمْ أَجْرَهُمَا جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ 30 وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ
التاريخ 912لا حكم مسجّل
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَيْفٍ، وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نُؤْمِنْ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ غُدْوَةً، وَنَكْفُرْ بِهِ عَشِيَّةً، حَتَّى نَلْبِسَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَصْنَعُونَ كَمَا نَصْنَعُ، وَيَرْجِعُونَ عَنْ دِينِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
التاريخ 913لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ. وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ. وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ مَعَهُمْ. فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ. وَرَسَخُوا فِيهِ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ، أَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ: مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا اتَّبَعَهُ إلَّا شِرَارُنَا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ أَخْيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ وَذَهَبُوا إلَى غَيْرِهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ
التاريخ 914لا حكم مسجّل
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنْ الْيَهُودِ، لِمَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْجِوَارِ وَالْحِلْفِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ يَنْهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ أَيْ تُؤْمِنُونَ بِكِتَابِكُمْ، وَبِمَا مَضَى مِنْ الْكُتُبِ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِكِتَابِكُمْ، فَأَنْتُمْ كُنْتُمْ أَحَقَّ بِالْبَغْضَاءِ لَهُمْ مِنْهُمْ لَكُمْ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ. [ نَهْيُهُ تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوَادَّتِهِمْ ] وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، وَسُوَيْدُ بْنُ الْحَارِثِ قَدْ أَظْهَرَا الْإِسْلَامَ وَنَافَقَا فَكَانَ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَادُّونَهُمَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إلَى قَوْلِهِ: وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ
التاريخ 915لا حكم مسجّل
[ أَمْرُهُمُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْبُخْلِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ كَرْدَمُ بْنُ قَيْسٍ، حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ، وَأُسَامَةُ بْنُ حَبِيبٍ، وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَرِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ، يَأْتُونَ رِجَالًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا يُخَالِطُونَهُمْ، يَنْتَصِحُونَ لَهُمْ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَيَقُولُونَ لَهُمْ: لَا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمْ الْفَقْرَ فِي ذَهَابِهَا، وَلَا تُسَارِعُوا فِي النَّفَقَةِ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ عَلَامَ يَكُونُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ مِنْ التَّوْرَاةِ، الَّتِي فِيهَا تَصْدِيقُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلَى قَوْلِهِ: وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا [ جَحْدُهُمُ الْحَقَّ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رِفَاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ مِنْ عُظَمَاءِ يَهُودَ، إذَا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَوَى لِسَانَهُ، وَقَالَ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ يَا مُحَمَّدُ، حَتَّى نُفْهِمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ فِي الْإِسْلَامِ وَعَابَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا ( أَيْ رَاعِنَا سَمْعَكَ ) لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. وَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُؤَسَاءَ مِنْ أَحْبَارِ يَهُودَ، مِنْهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ، وَكَعْبُ بْنُ أَسَدٍ. فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ وَأَسْلِمُوا، فَوَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِي جِئْتُكُمْ بِهِ لَحَقٌّ قَالُوا: مَا نَعْرِفُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ: فَجَحَدُوا مَا عَرَفُوا، وَأَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.
التاريخ 916لا حكم مسجّل
[ النَّفَرُ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الَّذِينَ حَزَّبُوا الْأَحْزَابَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ وَبَنْي قُرَيْظَةَ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، وَسِلَامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ، أَبُو رَافِعٍ، وَالرَّبِيعُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَأَبُو عَمَّارٍ، وَوَحْوَحُ بْنُ عَامِرٍ، وَهَوْذَةُ بْنُ قَيْسٍ. فَأَمَّا وَحْوَحُ، وَأَبُو عَمَّارٍ، وَهَوْذَةُ، فَمِنْ بَنِي وَائِلٍ، وَكَانَ سَائِرُهُمْ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ. فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا: هَؤُلَاءِ أَحْبَارُ يَهُودَ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ الْأَوَّلِ، فَسَلُوهُمْ: دِينُكُمْ خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ ؟ فَسَأَلُوهُمْ، فَقَالُوا: بَلْ دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ، وَأَنْتُمْ أَهْدَى مِنْهُ وَمِمَّنْ اتَّبَعَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا
التاريخ 917لا حكم مسجّل
[ إِنْكَارُهُمُ التَّنْزِيلَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ سُكَيْنٌ وَعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ، مَا نَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ بَعْدَ مُوسَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَدَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: أَمَا وَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ إلَيْكُمْ، قَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ، وَمَا نَشْهَدُ عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: لَكِنِ اللَّهِ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ إلَى الْإِسْلَامِ وَرَغَّبَهُمْ فِيهِ، وَحَذَّرَهُمْ غَيْرَ اللَّهِ وَعُقُوبَتَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ، وَكَفَرُوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبٍ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ، فَوَاَللَّهِ إنَّكُمْ لَتَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنَا قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وَتَصِفُونَهُ لَنَا بِصِفَتِهِ. فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، وَوَهْبُ بْنُ يَهُوذَا: مَا قُلْنَا لَكُمْ هَذَا قَطُّ، وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ بَعْدَ مُوسَى، وَلَا أَرْسَلَ بَشِيرًا وَلَا نَذِيرًا بَعْدَهُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثُمَّ قَصَّ عَلَيْهِمْ خَبَرَ مُوسَى وَمَا لَقِيَ مِنْهُمْ، وَانْتِقَاضَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ حَتَّى تَاهُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً عُقُوبَةً.
التاريخ 918لا حكم مسجّل
[ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى طَرْحِ الصَّخْرَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ. لِلْعَهْدِ الَّذِي كَانَ ﷺ أَعْطَاهُمَا، وَكَانَ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي عَامِرٍ عَهْدٌ وَحِلْفٌ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ، فَقَالُوا: نَعَمْ نُعِينُكَ عَلَى مَا أَحْبَبْتَ، فَلَمَّا خَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَسَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ الشَّقَاءَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ، فَتَآمَرُوا بِقَتْلِهِ ﷺ، فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ قَدْ جَاءَكُمْ مُحَمَّدٌ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ لَا يَبْلُغُونَ عَشَرَةً- وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ - فَاطَّرَحُوا عَلَيْهِ حِجَارَةً مِنْ فَوْقِ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ تَحْتَهُ فَاقْتُلُوهُ، وَلَنْ تَجِدُوهُ أَخْلَى مِنْهُ السَّاعَةَ، فَإِنَّهُ إِنْ قُتِلَ تَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، فَلَحِقَ مَنْ كَانَ مَعَهُ [مِنْ قُرَيْشٍ] بِحَرَمِهِمْ، وَبَقِيَ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، فَمَا كُنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ فَمِنَ الْآنَ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ جَحَّاشٍ- بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ- النَّضْرِيُّ: إِذَا أَظْهَرَ عَلَى الْبَيْتِ فَأَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً، قَالَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: يَا قَوْمِ أَطِيعُونِي هَذِهِ الْمَرَّةَ وَخَالِفُونِي الدَّهْرَ، وَاللَّهِ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَيُخْبَرَنَّ بِأَنَّا قَدْ غَدَرْنَا بِهِ، وَإِنَّ هَذَا نَقْضٌ لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَلَا تَفْعَلُوا، وَهَيَّأَ عَمْرُو بْنُ جَحَّاشٍ الصَّخْرَةَ لِيُرْسِلَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيُدَحْرِجَهَا، فَلَمَّا أَشْرَفَ بِهَا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ بِمَا هَمُّوا بِهِ، فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا، كَأَنَّهُ يُرِيدُ حَاجَةً، وَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْمَدِينَةِ، وَجَلَسَ أَصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ قَامَ يَقْضِي حَاجَةً. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا الْيَهُودُ عَلَى ذَلِكَ إِذْ جَاءَ جَاءٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنَ الْمَدِينَةِ فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَهُ يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ لَهُمْ: مَا تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا: نُرِيدُ أَنْ نَقْتُلَ مُحَمَّدًا وَنَأْخُذَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: وَأَيْنَ مُحَمَّدُ ؟ قَالُوا: هَذَا مُحَمَّدٌ قَرِيبٌ، فَقَالَ لَهُمْ صَاحِبُهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدْ تَرَكْتُ مُحَمَّدًا دَاخِلَ الْمَدِينَةِ، فَسَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ. وَاسْتَبْطَأَ الصَّحَابَةُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ، وَرَاثَ عَلَيْهِمْ خَبَرُهُ، فَلَمَّا يَئِسُوا مِنْ ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا مُقَامُنَا هَا هُنَا بِشَيْءٍ، لَقَدْ تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَمْرٍ، فَقَامُوا فِي طَلَبِهِ، فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ: لَقَدْ عَجِلَ أَبُو الْقَاسِمِ، كُنَّا نُرِيدُ أَنْ نَقْضِيَ حَاجَتَهُ وَنَقْرِيَهُ، وَنَدِمَتْ يَهُودُ عَلَى مَا صَنَعُوا. فَقَالَ لَهُمْ كِنَانَةُ بْنُ صُوَيْرَاءَ: «هَلْ تَدْرُونَ لِمَ قَامَ مُحَمَّدٌ ؟ » قَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَدْرِي، وَمَا تَدْرِي أَنْتَ ؟ ! قَالَ: بَلَى وَالتَّوْرَاةِ إِنِّي لَأَدْرِي، قَدْ أُخْبِرَ مُحَمَّدٌ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنَ الْغَدْرِ، فَلَا تَخْدَعُوا أَنْفُسَكُمْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ، وَمَا قَامَ إِلَّا أَنَّهُ أُخْبِرَ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ مِنَ الْغَدْرِ، وَإِنَّهُ لَآخِرُ الْأَنْبِيَاءِ، وَكُنْتُمْ تَطْمَعُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَنِي هَارُونَ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ حَيْثُ شَاءَ. وَإِنَّ كُتُبَنَا وَالَّذِي دَرَسْنَا فِي التَّوْرَاةِ الَّتِي لَمْ تُغَيَّرْ، وَلَمْ تُبَدَّلْ: أَنَّ مَوْلِدَهُ بِمَكَّةَ، وَأَنَّ دَارَ هِجْرَتِهِ يَثْرِبُ، وَصِفَتَهُ بِعَيْنِهَا مَا تُخَالِفُ حَرْفًا مِمَّا فِي كِتَابِنَا، وَمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ أَوْلَى فِي مُحَارَبَتِهِ إِيَّاكُمْ، وَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكُمْ ظَاعِنِينَ يَتَضَاغَى صِبْيَانُكُمْ قَدْ تَرَكْتُمْ دَوْرَكُمْ خُلُوفًا وَأَمْوَالَكُمْ، وَإِنَّمَا هِيَ شَرَفُكُمْ، فَأَطِيعُونِي فِي خَصْلَتَيْنِ، وَالثَّالِثَةُ لَا خَيْرَ فِيهَا». قَالُوا: مَا هُمَا ؟ قَالَ: «تُسْلِمُونَ وَتَدْخُلُونَ مَعَ مُحَمَّدٍ، فَتَأْمَنُونَ عَلَى أَمْوَالِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ، وَتَكُونُونَ مِنْ عِلْيَةِ أَصْحَابِهِ، وَتَبْقَى بِأَيْدِيكُمْ أَمْوَالُكُمْ، وَلَا تَخْرُجُونَ مِنْ دِيَارِكُمْ»، قَالُوا: لَا نُفَارِقُ التَّوْرَاةَ وَعَهْدَ مُوسَى. قَالَ: «فَإِنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَيْكُمْ: اخْرُجُوا مِنْ بَلَدِي فَقُولُوا: نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَحِلُّ لَكُمْ دَمًا وَلَا مَالًا، وَتَبْقَى أَمْوَالُكُمْ لَكُمْ، إِنْ شِئْتُمْ بِعْتُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمْ»، قَالُوا: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ. قَالَ سَلَّامُ بْنُ مِشْكَمٍ: «قَدْ كُنْتُ لِمَا صَنَعْتُمْ كَارِهًا، وَهُوَ مُرْسَلٌ إِلَيْنَا أَنِ اخْرُجُوا مِنْ دَارِي، فَلَا تُعَقِّبْ يَا حُيَيُّ كَلَامَهُ، وَأَنْعِمْ لَهُ بِالْخُرُوجِ، وَاخْرُجْ مِنْ بِلَادِهِ». قَالَ: افْعَلْ، أَنَا أَخْرُجُ. فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ تَبِعَهُ أَصْحَابُهُ، فَلَقُوا رَجُلًا خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَسَأَلُوهُ: هَلْ لَقِيتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، لَقِيتُهُ بِالْجِسْرِ دَاخِلًا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، وَفِيمَا أَرَادَ هُوَ وَقَوْمُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
التاريخ 919لا حكم مسجّل
[ ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ أَحِبَّاءُ اللَّهِ ] وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نُعْمَانُ بْنُ أَضَاءَ، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وَشَأْسُ بْنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمُوهُ وَكَلَّمَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، وَحَذَّرَهُمْ نِقْمَتَهُ؛ فَقَالُوا مَا تُخَوِّفُنَا يَا مُحَمَّدُ، نَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصَارَى. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
التاريخ 920لا حكم مسجّل
[ ظُلْمُهُمْ فِي الدِّيَةِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي داوُدَ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْآيَاتِ مِنْ الْمَائِدَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا: فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إنَّمَا أُنْزِلَتْ فِي الدِّيَةِ بَيْنَ بَنِي النَّضِيرِ وَبَيْنَ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ قَتْلَى بَنِي النَّضِيرِ، وَكَانَ لَهُمْ شَرَفٌ، يُؤَدُّونَ الدِّيَةَ كَامِلَةً، وَأَنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ ( كَانُوا ) يُؤَدُّونَ نِصْفَ الدِّيَةِ، فَتَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْحَقِّ فِي ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَوَاءً. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.
التاريخ 921لا حكم مسجّل
[ قَصْدُهُمُ الْفِتْنَةَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَالَ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ، وَابْنُ صَلُوبَا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إلَى مُحَمَّدٍ، لَعَلَّنَا نَفْتِنَهُ عَنْ دِينِهِ، فَإِنَّمَا هُوَ بَشَرٌ، فَأَتَوْهُ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَشْرَافُهُمْ وَسَادَتُهُمْ، وَأَنَّا إنْ اتَّبَعْنَاكَ اتَّبَعَتْكَ يَهُودُ، وَلَمْ يُخَالِفُونَا، وَأَنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَعْضِ قَوْمِنَا خُصُومَةٌ، أَفَنُحَاكِمُهُمْ إلَيْكَ فَتَقْضِيَ لَنَا عَلَيْهِمْ، وَنُؤْمِنُ بِكَ وَنُصَدِّقُكَ، فَأَبَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
التاريخ 922لا حكم مسجّل
[ إِشْرَاكُهُمْ بِاللَّهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ النَّحَّامُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَرْدَمُ بْنُ كَعْبٍ، وَبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، أَمَا تَعْلَمُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا غَيْرَهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ، بِذَلِكَ بُعِثْتُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَدْعُو. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وَفِي قَوْلِهِمْ: قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهِ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. [ ادِّعَاؤُهُمْ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ، وَنُعْمَانُ بْنُ أَوْفَى أَبُو أَنَسٍ، وَمَحْمُودُ بْنُ دِحْيَةَ، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ، وَمَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، فَقَالُوا لَهُ: كَيْفَ نَتَّبِعُكَ وَقَدْ تَرَكْتَ قِبْلَتَنَا، وَأَنْتَ لَا تَزْعُمُ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ.
تُعرض أول ٥٠٠ حديث من هذا الباب.