التاريخ 710
مبعث النبي ﷺ تسليما
الْبَابُ الثَّالِثُ فِي حُدُوثِ الرُّجُومِ وَحَجْبِ الشَّيَاطِينِ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ عِنْدَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: أُوحِيَ أَخْبَرَتْ بِالْوَحْيِ إِلَيَّ أَنَّهُ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ اسْتَمَعَ لِقُرْآنِي نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ جِنِّ نَصِيبِينَ أَوْ نِينَوَى، وَكَانُوا سَبْعَةً أَوْ تِسْعَةً وَذَلِكَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِبَطْنِ نَخْلَةَ مَوْضِعٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ وَهُمُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ [الْأَحْقَافُ 29] وَالنَّفَرُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالْعَشَرَةِ. «فَقَالُوا» لِقَوْمِهِمْ لَمَّا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا وَصْفٌ بِالْمَصْدَرِ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ أَيْ هُوَ عَجَبٌ فِي نَفْسِهِ لِفَصَاحَةِ لَفْظِهِ وَحَسُنِ مَبَانِيهِ وَدِقَّةِ مَعَانِيهِ وَغَرَابَةِ أُسْلُوبِهِ وَبَلَاغَةِ مَوَاعِظِهِ وَكَوْنِهِ مُبَايِنًا لِسَائِرِ الْكُتُبِ، وَالْعَجَبُ مَا خَرَجَ عَنْ أَشْكَالِهِ وَنَظَائِرِهِ. "يَهْدِي" يَدْعُو إِلَى "الرُّشْدِ" الْإِيمَانِ وَالصَّوَابِ "فَآمَنَّا بِهِ" أَيِ الْقُرْآنِ. وَلَمَّا كَانَ الْإِيمَانُ بِهِ مُتَضَمِّنًا الْإِيمَانَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَبِوَحْدَانِيَّتِهِ وَبَرَاءَتِهِ مِنَ الشِّرْكِ. قَالُوا: "وَلَنْ نُشْرِكَ" بَعْدَ الْيَوْمِ "بِرَبِّنَا أَحَدًا. وَأَنَّهُ" الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ فِيهِ وَفِي الْمَوْضِعَيْنِ بَعْدَهُ "تَعَالَى" تَعَاظَمَ "جَدُّ رَبِّنَا" جَلَالُهُ وَعَظَمَتُهُ عَمَّا نُسِبَ إِلَيْهِ "مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً" زَوْجَةً "وَلَا وَلَدًا". بَيَانٌ ذَلِكَ كَأَنَّهُمْ سَمِعُوا مِنَ الْقُرْآنِ مَا نَبَّهَهُمْ عَلَى خَطَأِ مَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ الشِّرْكِ وَاتِّخَاذِ الصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ. وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا جَاهِلُنَا إِبْلِيسُ أَوْ مَرَدَةُ الْجِنِّ. عَلَى اللَّهِ شَطَطًا غُلُوٌّ فِي الْكَذِبِ بِوَصْفِهِ بِالصَّاحِبَةِ وَالْوَلَدِ. ثُمَّ أَخَذُوا يَعْتَذِرُونَ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ لِلسَّفِيهِ فِي ذَلِكَ: وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ مُخَفِّفَةٌ أَنَّهُ لَنْ تَقُولَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ، حَتَّى تَبَيَّنَّا كَذِبَهُمْ بِذَلِكَ. وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ يَسْتَعِيذُونَ. بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ حِينَ يَنْزِلُونَ فِي أَسْفَارِهِمْ بِمَكَانٍ مَخُوفٍ فَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ: أَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْمَكَانِ مِنْ شَرِّ سُفَهَائِهِ. "فَزَادُوهُمْ" بِعَوْذِهِمْ بِهِمْ "رَهَقًا" طُغْيَانًا، فَقَالُوا: سُدْنَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَأَنَّهُمْ أَيِ الْجِنُّ: ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ يَا إِنْسُ أَوْ بِالْعَكْسِ. وَالْآيَتَانِ مِنْ كَلَامِ الْجِنِّ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَوِ اسْتِئْنَافٌ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَنْ فَتَحَ "أَنَّ" فِيهِمَا جَعَلَهُمَا مِنَ الْمُوحَى بِهِ أَيْ: أَنَّهُ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ رَسُولًا. قَالَ الْجِنَّ: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ طَلَبْنَا اسْتِرَاقَ السَّمْعِ مِنْهَا. وَاللَّمْسُ مُسْتَعَارٌ مِنَ الْمَسِّ لِلطَّلَبِ: فَوَجَدْنَاهَا صَادَفْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا حُرَّاسًا اسْمُ جَمْعٍ كَخَدَمٍ: شَدِيدًا قَوِيًّا وَهُمُ الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ يَمْنَعُونَهُمْ عَنْهَا وَشُهُبًا جَمْعُ شِهَابٍ وَهُوَ الْمُضِيءُ الْمُتَوَلِّدُ مِنَ النَّارِ: وَأَنَّا كُنَّا قَبْلَ مَبْعَثِهِ نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ خَالِيَةً عَنِ الْحَرَسِ وَالشُّهُبِ أَوْ صَالِحَةً لِلرَّصْدِ وَالِاسْتِمَاعِ لِلسَّمْعِ صِلَةُ نَقْعُدُ أَوْ صِفَةٌ لِمَقَاعِدَ. وَفَسَّرَ النَّبِيُّ ﷺ كَيْفِيَّةَ قُعُودِ الْجِنِّ أَنَّهُمْ كَانُوا وَاحِدًا فَوْقَ وَاحِدٍ فَمَتَى احْتَرَقَ الْأَعْلَى طَلَعَ الَّذِي تَحْتَهُ مَكَانَهُ وَكَانُوا يَسْتَرِقُونَ الْكَلِمَةَ فَيُلْقُونَهَا إِلَى الْكُهَّانِ وَيَزِيدُونَ فِيهَا وَيَزِيدُ الْكَاهِنُ مِائَةَ كِذْبَةٍ. فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ ظَرْفٌ لِلْحَالِ وَيَسْتَمِعْ ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ فَاتُّسِعَ فِي الظَّرْفِ وَاسْتُعْمِلَ لِلِاسْتِقْبَالِ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا أَيْ: أَرُصِدَ لَهُ لِيُرْمَى بِهِ. هَذَا لِمَنِ اسْتَمَعَ وَأَمَّا السَّمْعُ فَقَدِ انْقَطَعَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ [الشُّعَرَاءُ 212]. وَلَمَّا رَأَوْا مَا حَدَثَ مِنْ كَثْرَةِ الرَّجْمِ وَمَنْعِ الِاسْتِرَاقِ قَالُوا: وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِعَدَمِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا خَيْرًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا سَمِعَتِ الْجِنُّ الْقُرْآنَ عَرَفَتْ أَنَّهَا مُنِعَتْ مِنَ السَّمْعِ قَبْلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يُشْكِلَ الْوَحْيُ بِشَيْءٍ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ فَيَلْتَبِسَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ لِوُقُوعِ الْحُجَّةِ وَقَطْعِ الشُّبْهَةِ. فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا ثُمَّ وَلَّوْا رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ مُخَوِّفِينَ قَوْمَهُمُ الْعَذَابَ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا وَكَانُوا يَهُودًا. قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ الْإِسْلَامِ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ أَيْ: طَرِيقَةٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الْإِيمَانِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ أَيْ: بَعْضَهَا وَهُوَ مَا يَكُونُ فِي خَالِصِ حَقِّ اللَّهِ، فَإِنَّ الْمَظَالِمَ لَا تُغْفَرُ بِالْإِيمَانِ. وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ مُؤْلِمٍ. وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الأَرْضِ [الْأَحْقَافُ: 32] أَيْ: لَا يُعْجِزُ اللَّهَ بِالْهَرَبِ مِنْهُ فَيَفُوتُهُ وَلَيْسَ لَهُ لِمَنْ لَا يُجِبْ مِنْ دُونِهِ أَيِ اللَّهِ أَوْلِيَاءُ أَنْصَارًا يَدْفَعُونَ عَنْهُ الْعَذَابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُجِيبُوا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ بَيِّنٍ ظَاهِرٍ. لَطِيفَةٌ: مُنَاسِبَةُ سُورَةِ الْجِنِّ لِمَا قَبْلَهَا أَنَّهُ لَمَّا حُكِيَ تَمَادِيَ قَوْمِ نُوحٍ ﷺ فِي الْكُفْرِ وَعُكُوفِهِمْ عَلَى عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، كَمَا أَنَّ مُحَمَّدًا ﷺ آخَرَ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَالْعَرَبُ الَّذِينَ هُوَ مِنْهُمْ كَانُوا عُبَّادَ أَصْنَامٍ كَقَوْمِ نُوحٍ حَتَّى أَنَّهُمْ عَبَدُوا أَصْنَامًا مِثْلَ أَصْنَامِ أُولَئِكَ فِي الْأَسْمَاءِ، وَكَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، مِنَ الْقُرْآنِ هَادِيًا إِلَى الرُّشْدِ. وَقَدْ سَمِعَتْهُ الْعَرَبُ وَتَوَقَّفَ عَنِ الْإِيمَانِ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، أَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى سُورَةَ الْجِنِّ إِثْرَ سُورَةِ نُوحٍ تَبْكِيتًا لِقُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ فِي كَوْنِهِمْ تَبَاطَأُوا عَنِ الْإِيمَانِ، إِذْ كَانَتِ الْجِنُّ خَيْرًا مِنْهُمْ وَأَقْبَلَ إِلَى الْإِيمَانِ، هَذَا وَهُمْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَ ذَلِكَ فَعِنْدَ مَا سَمِعُوا الْقُرْآنَ اسْتَعْظَمُوهُ وَآمَنُوا بِهِ لِلْوَقْتِ وَعَرَفُوا كَوْنَهُ مُعْجِزًا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُكَذِّبُونَ لَهُ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانُوا يَصْعَدُونَ إِلَى السَّمَاءِ فَيَسْتَمِعُونَ الْكَلِمَةَ مِنَ الْوَحْيِ فَيَهْبِطُونَ إِلَى الْأَرْضِ فَيَزِيدُونَ فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ فَمَنَعُوا تِلْكَ الْمَقَاعِدَ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْلِيسَ فَقَالَ: لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ، فَبَعَثَهُمْ فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتْلُوا الْقُرْآنَ قَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الْحَدَثُ. وَإِنَّهُمْ لَيُرْمَوْنَ فَإِذَا تَوَارَى النَّجْمُ عَنْكُمْ فَقَدْ أَدْرَكَهُ لَا يُخْطِئُ أَبَدًا وَلَكِنَّهُ لَا يَقْتُلُهُ، يُحْرِقُ جَنْبَهُ وَجِهَةَ يَدِهِ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ قَالَ: كَانَ لِكُلِّ قَبِيلٍ مِنَ الْجِنِّ مَقْعَدٌ مِنَ السَّمَاءِ يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ الْوَحْيَ فَيُخْبِرُونَ بِهِ الْكَهَنَةَ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ دُحِرُوا مِنْهُ، فَقَالَتِ الْعَرَبُ حِينَ لَمْ تُخْبِرْهُمُ الْجِنُّ: هَلَكَ أَهْلُ السَّمَاءِ. فَجَعَلَ صَاحِبُ الْإِبِلِ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ بَعِيرًا وَصَاحِبُ الْبَقَرِ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ بَقَرَةً وَصَاحِبُ الْغَنَمِ يَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ شَاةً، وَقَالَ إِبْلِيسُ: لَقَدْ حَدَثَ فِي الْأَرْضِ حَدَثٌ فَأْتُونِي مِنْ تُرْبَةِ كُلِّ أَرْضٍ. فَأَتَوْهُ بِهَا فَجَعَلَ يَشُمُّهَا فَلَمَّا شَمَّ تُرْبَةَ مَكَّةَ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا الْحَدَثُ فَنَصَتُوا فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ بُعِثَ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ عَنْهُ قَالَ: لَمْ تَكُنِ السَّمَاءُ تُحْرَسُ فِي الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﷺ، وَكَانُوا يَقْعُدُونَ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ حُرِسَتِ السَّمَاءُ حَرَسًا شَدِيدًا وَرُجِمَتِ الشَّيَاطِينُ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي تَنَبَّأَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُنِعَتِ الشَّيَاطِينُ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَرُمُوا بِالشُّهُبِ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِإِبْلِيسَ فَقَالَ: بُعِثَ نَبِيٌّ عَلَيْكُمْ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ. فَذَهَبُوا ثُمَّ رَجَعُوا فَقَالُوا: لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ. فَخَرَجَ إِبْلِيسُ يَطْلُبُهُ بِمَكَّةَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحِرَاءَ مُنْحَدِرًا مَعَهُ جِبْرِيلُ فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: قَدْ بُعِثَ أَحْمَدُ وَمَعَهُ جِبْرِيلُ. وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ؓ قَالَ: لَمْ يُرْمَ بِنَجْمٍ مُنْذُ رُفِعَ عِيسَى حَتَّى تَنَبَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رُمِيَ بِهَا، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَمْرًا لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَجَعَلُوا يُسَيِّبُونَ أَنْعَامَهُمْ وَيُعْتِقُونَ أَرِقَّاءَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ الْفَنَاءُ وَفَعَلَتْ ثَقِيفٌ مِثْلَ ذَلِكَ، فَبَلَغَ عَبْدَ يَالِيلَ فَقَالَ: لَا تَعْجَلُوا. وَانْظُرُوا فَإِنْ تَكُنْ نُجُومًا تُعْرَفُ فَهُوَ عِنْدَ فَنَاءٍ مِنَ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا لَا تُعْرَفُ فَهُوَ عِنْدَ أَمْرٍ قَدْ حَدَثَ. فَنَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَا تُعْرَفُ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: هَذَا عِنْدَ ظُهُورِ نَبِيٍّ فَمَا مَكَثُوا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَدِمَ الطَّائِفَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: ظَهَرَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَدَّعِي أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ. فَقَالَ عَبْدُ يَالِيلَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رُمِيَ بِهَا. عَبْدُ يَالِيلَ- بِمُثَّنَاتَيْنِ تَحْتِيَّتَيْنِ وَكَسْرِ اللَّامِ الْأُولَى، وَذَكَرُهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَنْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَتِ النُّجُومُ لَا يُرْمَى بِهَا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى مُحَمَّدًا ﷺ فَرُمِيَ بِهَا فَسَيَّبُوا أَنْعَامَهُمْ وَأَعْتَقُوا رَقِيقَهُمْ، فَقَالَ عَبْدُ يَالِيلَ: انْظُرُوا. وَذَكَرَ مِثْلَهُ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ سَعْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ الْعَرَبِ فَزِعَ لِرَمْيِ النُّجُومِ ثَقِيفٌ فَأَتَوْا عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ أَحَدَ بَنِي عِلَاجٍ فَقَالُوا: أَلَمْ تَرَ مَا حَدَثَ؟ قَالَ: بَلَى، فَانْظُرُوا فَإِنْ كَانَتْ مَعَالِمُ النُّجُومِ الَّتِي يُهْتَدَى بِهَا وَيُعْرَفُ بِهَا أَنْوَاءُ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ انْتَثَرَتْ فَهِيَ طَيُّ الدُّنْيَا وَذَهَابُ هَذَا الْخَلْقِ، وَإِنْ كَانَتْ نُجُومًا غَيْرَهَا فَأَمْرٌ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، وَنَبِيٌّ يُبْعَثُ فِي الْعَرَبِ. فَقَدْ تَحَدَّثَ بِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ هَذَا. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْوَحْيُ يُسْتَمَعُ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ مُنِعُوا وَكَانَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا سَعِيرٌ لَهَا تَابِعٌ مِنَ الْجِنِّ فَلَمَّا رَأَى الْوَحْيَ لَا يُسْتَطَاعُ أَتَاهَا فَدَخَلَ فِي صَدْرِهَا وَجَعَلَ يَصِيحُ: وُضِعُ الْعِنَاقُ وَرُفِعَ الشِّقَاقُ وَجَاءَ أَمْرٌ لَا يُطَاقُ، أَحْمَدُ حَرَّمَ الزِّنَا. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ فِي الْفَتْرَةِ تَسْمَعُ فَلَا تُرْمَى فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ ﷺ رُمِيَتْ بِالشُّهُبِ. وَرَوِيَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُجَاهِدٍ. وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ حَجَّاجٍ الصَّوَّافِ، عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ. وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَطَرٍ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ يَسْتَمِعُونَ الْوَحْيَ قَالُوا: فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مُنِعُوا فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى إِبْلِيسَ فَقَالَ: لَقَدْ حَدَثَ أَمْرٌ. فَرَقَى فَوْقَ أَبِي قُبَيْسٍ فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي خَلْفَ الْمَقَامِ فَقَالَ: أَذْهَبُ فَأَكْسِرُ عُنُقَهُ. فَجَاءَ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ فَأَلْقَاهُ بِوَادِي الْأُرْدُنِّ. وَرَوَى الْخَرَائِطِيُّ فِي الْهَوَاتِفِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ حَدَّثَ عَنْ بَدْءِ إِسْلَامِهِ فَقَالَ: إِنِّي لِأَسِيرٍ بِرَمْلٍ عَالِجٍ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِذْ غَلَبَنِي النَّوْمُ وَنِمْتُ فَنَزَلْتُ عَنْ رَاحِلَتِي وَأَنَخْتُهَا وَنِمْتُ وَقَدْ تَعَوَّذْتُ قَبْلَ نَوْمِي. فَقُلْتُ أُعُوذُ بِعَظِيمِ هَذَا الْوَادِي مِنَ الْجِنِّ. فَرَأَيْتُ فِي مَنَامِي رَجُلًا بِيَدِهِ حَرْبَةٌ يُرِيدُ أَنْ يَضَعَهَا فِي نَحْرِ نَاقَتِي، فَانْتَبَهْتُ فَزِعًا فَنَظَرْتُ يَمِينًا وَشِمَالًا فَلَمْ أَرَ شَيْئًا فَقُلْتُ. هَذَا حُلْمٌ. ثُمَّ عُدْتُ فَغَفَوْتُ فَرَأَيْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَانْتَبَهْتُ فَدُرْتُ حَوْلَ نَاقَتِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا وَإِذَا نَاقَتِي تُرْعِدُ، ثُمَّ غَفَوْتُ فَرَأَيْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَانْتَبَهْتُ فَرَأَيْتُ نَاقَتِي تَضْطَرِبُ وَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بَرْجَلٍ شَابٍّ كَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي مَنَامِي وَبِيَدِهِ حَرْبَةٌ وَرَجُلٌ شَيْخٌ مُمْسِكٌ بِيَدِهِ يَرُدُّهُ عَنْهَا، فَبَيْنَمَا هَمَّا يَتَنَازَعَانِ إِذْ طَلَعَتْ ثَلَاثَةُ أَثْوَارٍ مِنَ الْوَحْشِ فَقَالَ الشَّيْخُ لِلْفَتَى: قُمْ فَخُذْ أَيَّهَا شِئْتَ فَدَاءً لِنَاقَةِ جَارِي الْإِنْسِيِّ. فَقَامَ الْفَتَى فَأَخَذَ مِنْهَا ثَوْرًا وَانْصَرَفَ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ الشَّيْخُ وَقَالَ: يَا فَتًى إِذَا نَزَلْتَ وَادِيًا مِنَ الْأَوْدِيَةِ فَخِفْتَ هَوْلَهُ فَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ رَبِّ مُحَمَّدٍ مِنْ هَوْلِ هَذَا الْوَادِي. وَلَا تَعُذْ بِأَحَدٍ مِنَ الْجِنِّ فَقَدْ بَطَلَ أَمْرُهَا. فَقُلْتُ لَهُ: وَمَنْ مُحَمَّدٌ؟ قَالَ: نَبِيٌّ عَرَبِيٌّ لَا شَرْقِيٌّ وَلَا غَرْبِيٌّ، بُعِثَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ. قُلْتُ: أَيْنَ مَسْكَنُهُ؟ قَالَ: يَثْرِبُ. ذَاتُ النَّخْلِ. فَرَكِبْتُ رَاحِلَتِي حِينَ بَرَقَ لِيَ الصُّبْحُ وَجَدَّيْتُ السَّيْرَ حَتَّى أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَدَّثَنِي قَبْلَ أَنْ أَذْكُرَ لَهُ شَيْئًا وَدَعَانِي إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمْتُ. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ نَفَرٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُمْ: «مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي هَذَا النَّجْمِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ كُنَّا نَقُولُ حِينَ رَأَيْنَاهَا يُرْمَى بِهَا: مَاتَ مَلِكٌ، مَلَكَ مَلِكٌ، وُلِدَ مَوْلُودٌ مَاتَ مَوْلُودٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَانَ إِذَا قَضَى فِي خَلْقِهِ أَمْرًا سَمِعَهُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ فَسَبَّحَ مَنْ تَحْتَهُمْ لِتَسْبِيحِهِمْ، فَسَبَّحَ مَنْ تَحْتَ ذَلِكَ، فَلَا يَزَالُ التَّسْبِيحُ يَهْبِطُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسَبِّحُوا. ثُمَّ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مِمَّ سَبَّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: سَبَّحَ مَنْ فَوْقَنَا فَسَبَّحْنَا لِتَسْبِيحِهِمْ فَيَقُولُونَ: أَلَا تَسْأَلُونَ مَنْ فَوْقَكُمْ مِمَّ سَبَّحُوا؟ فَيَقُولُونَ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ فَيُقَالُ لَهُمْ: مِمَّ سَبَّحْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ كَذَا وَكَذَا لِلْأَمْرِ الَّذِي كَانَ فَيَهْبِطُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَتَحَدَّثُونَ بِهِ، فَتَسْرِقُهُ فَتَسْتَرِقُهُ الشَّيَاطِينُ بِالسَّمْعِ عَلَى تَوَهُّمٍ وَاخْتِلَافٍ، ثُمَّ يَأْتُونَ بِهِ الْكُهَّانَ فَيُحَدِّثُونَهُمْ فَيُخَطِّئُونَ بَعْضًا ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَجَبَ الشَّيَاطِينَ بِهَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُقْذَفُونَ بِهَا فَانْقَطَعَتِ الْكِهَانَةُ الْيَوْمَ فَلَا كِهَانَةَ». وَيُرْوَى عَنْ لُهَيْبِ بْنِ مَالِكٍ اللَّهْبِيِّ قَالَ: حَضَرْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي نَحْنُ أَوَّلُ مَنْ عَرَفَ حِرَاسَةَ السَّمَاءِ وَالشَّيَاطِينَ وَمِنْهُمْ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ عِنْدَ قَذْفِ النُّجُومِ، وَذَلِكَ أَنَّا اجْتَمَعْنَا إِلَى كَاهِنٍ يُقَالُ لَهُ خَطَرُ بْنُ مَالِكٍ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أَتَتْ عَلَيْهِ مِائَتَا سَنَةٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً فَقُلْنَا: يَا خَطَرُ هَلْ عِنْدَكَ عِلْمٌ مِنْ عِلْمِ هَذِهِ النُّجُومِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا فَإِنَّا قَدْ فَزِعْنَا لَهَا وَخِفْنَا سُوءَ عَاقِبَتِهَا. فَقَالَ: ائْتُونِي بِسَحَرٍ، أُخْبِرُكُمُ الْخَبَرَ، الْخَيْرُ أَمِ الضَّرَرُ وَالْأَمْنُ أَمِ الْحَذَرُ. قَالَ: فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ يَوْمَنَا، فَلَمَّا كَانَ مِنْ غَدٍ فِي وَجْهِ السَّحَرِ أَتَيْنَاهُ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى قَدَمَيْهِ شَاخِصٌ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَنَادَيْنَاهُ: يَا خَطَرُ يَا خَطَرُ. فَأَوْمَأَ إِلَيْنَا أَنْ أَمْسِكُوا فَأَمْسَكْنَا، فَانْقَضَّ نَجْمٌ عَظِيمٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَصَرَخَ الْكَاهِنُ رَافِعًا صَوْتَهُ. أَصَابَهُ أَصَابَهُ خَامَرَهُ عِقَابَهُ عَاجَلَهُ عَذَابَهُ أَحْرَقَهُ شِهَابُهُ زَايَلَهُ جَوَابُهُ يَا وَيْحَهُ مَا حَالُهُ بَلْبَلَهُ بَلْبَالُهُ عَاوَدَهُ خَبَالُهُ تَقَطَّعَتْ حِبَالُهُ وَغُيِّرَتْ أَحْوَالُهُ ثُمَّ أَمْسَكَ طَوِيلًا وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ بَنِي قَحْطَانِ أُخْبِرُكُمْ بِالْحَقِّ وَالْعِيَانِ أَقْسَمْتُ بِالْكَعْبَةِ ذَاتِ الْأَرْكَانِ [وَالْبَلَدِ] الْمُؤْتَمَنِ السُّدَّانِ لَقَدْ مُنِعَ السَّمْعَ عُنَاةُ الْجَانِّ بِثَاقِبٍ بِكَفِّ ذِي سُلْطَانِ مِنْ أَجْلِ مَبْعُوثٍ عَظِيمِ الشَّانِ يُبْعَثُ بِالتَّنْزِيلِ وَالْقُرْآنِ وَبِالْهُدَى وَفَاصِلِ الْفُرْقَانِ تَبْطُلُ بِهِ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ فَقُلْنَا: يَا خَطَرُ مَا تَرَى لِقَوْمِكَ؟ فَقَالَ: أَرَى لِقَوْمِي مَا أَرَى لِنَفْسِي أَنْ يُتْبِعُوا خَيْرَ بَنِي الْإِنْسِ بُرْهَانُهُ مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ يُبْعَثُ فِي مَكَّةَ دَارِ الْحُمْسِ بِمُحْكَمِ التَّنْزِيلِ غَيْرِ اللَّبْسِ فَقُلْنَا: يَا خَطَرُ وَمِمَّنْ هُوَ؟ فَقَالَ: وَالْحَيَاةِ وَالْعَيْشِ، إِنَّهُ لَمِنْ قُرَيْشِ، مَا فِي حُكْمِهِ طَيْشٌ، وَلَا فِي خُلُقِهِ هَيْشٌ، يَكُونُ فِي جَيْشٍ وَأَيِّ جَيْشٍ، مِنْ آلِ قَحْطَانَ وَآلِ أَيْشِ. فَقُلْنَا: بَيِّنْ لَنَا مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ هُوَ؟ فَقَالَ: وَالْبَيْتِ ذِي الدَّعَائِمِ، إِنَّهُ لِمَنْ نَجْلِ هَاشِمِ، مِنْ مَعْشَرٍ أَكَارِمِ، يُبْعَثُ بِالْمَلَاحِمِ، وَقَتْلِ كُلِّ ظَالِمِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا هُوَ الْبَيَانُ أَخْبَرَنِي بِهِ رَئِيسُ الْجَانِّ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرْ. وَانْقَطَعَ عَنِ الْجِنِّ الْخَبَرْ، ثُمَّ سَكَتَ وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ فَمَا أَفَاقَ إِلَّا بَعْدَ ثَالِثَةٍ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ نَطَقَ عَنْ مِثْلِ نُبُوَّةٍ وَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَاحِدَةً». رَوَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيِّ فِي كِتَابِ الصَّحَابَةِ. وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَفِيمَا ذُكِرَ كِفَايَةٌ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.