التاريخ 873
هجرة النبي ﷺ
عَنْ عِمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ، وَكَانُوا أَخْوَالَهُ لِأَنَّ أُمَّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ النَّسَبِ. فَجَاؤُوا مُتَقَلِّدِينَ السُّيُوفَ، فَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلِأَصْحَابِهِ: «ارْكَبُوا آمِنِينَ مُطَاعِينَ». وَكَانَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَاحِلَتِهِ وَحُشِدَ الْمُسْلِمُونَ وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَاقَتَهُ الْقَصْوَاءَ وَالنَّاسُ مَعَهُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ وَخَلْفَهُ مِنْهُمُ الْمَاشِي وَالرَّاكِبُ فَاجْتَمَعَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخَرَجْتَ مَلَالًا لَنَا أَمْ تُرِيدُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِنَا؟ قَالَ: «إِنِّي أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقِرَى فَخَلُّوهَا- أَيْ نَاقَتَهُ- فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قُبَاءَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَتَلَقَّاهُ النَّاسُ فَخَرَجُوا فِي الطُّرُقِ وَعَلَى الْأَبَاعِرِ وَصَارَ الْخَدَمُ وَالصِّبْيَانُ يَقُولُونَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ جَاءَ مُحَمَّدٌ» قَالَ أَنَسٌ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ: «إِنِّي لَأَسْعَى مَعَ الْغِلْمَانِ إِذْ قَالُوا: مُحَمَّدٌ جَاءَ فَنَنْطَلِقُ فَلَا نَرَى شَيْئًا، حَتَّى أَقْبَلَ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ فَكَمِنَّا فِي بَعْضِ جُدُرِ الْمَدِينَةِ وَبَعَثَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الْأَنْصَارَ فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءُ خَمْسِمِائَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهِمَا فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: انْطَلَقَا آمِنِينَ مُطَاعِينَ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَاحَبَهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَنَّ الْعَوَاتِقَ لِفَوْقِ الْبُيُوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يَقُلْنَ: أَيُّهُمْ هُوَ؟ أَيُّهُمْ هُوَ؟ فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا شَبِيهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ؓ قَالَ: «شَهِدْتُ يَوْمَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَلَمْ أَرَ يَوْمًا أَحْسَنَ مِنْهُ وَلَا أَضْوَأَ». فَلَمْ يَمُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا قَالُوا: «هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الْعِزِّ وَالْمَنَعَةِ وَالثَّرْوَةِ». فَيَقُولُ لَهُمْ خَيْرًا وَيَدْعُو أَوْ يَقُولُ: «إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ خَلُّوا سَبِيلَهَا»، فَمَرَّ بِبَنِي سَالِمٍ فَقَامَ إِلَيْهِ عِتْبَانُ- بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ- ابْنُ مَالِكٍ، وَنَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، وَهُوَ آخِذٌ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ، فَقَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ انْزِلْ فِينَا فَإِنَّ فِينَا الْعَدَدَ وَالْعَشِيرَةَ وَالْحَلْقَةَ، وَنَحْنُ أَصْحَابُ الْفَضَاءِ وَالْحَدَائِقِ وَالدَّرْكِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَ الْعَرَبِ يَدْخُلُ هَذِهِ الْبَحْرَةَ خَائِفًا فَيَلْجَأُ إِلَيْنَا فَنَقُولُ لَهُ: «قَوْقِلْ حَيْثُ شِئْتَ». فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ وَيَقُولُ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، فَقَامَ إِلَيْهِ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ، فَجَعَلَا يَقُولَانِ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ انْزِلْ فِينَا»، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: «بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». فَلَمَّا أَتَى مَسْجِدَ بَنِي سَالِمٍ وَهُوَ الْمَسْجِدُ الَّذِي فِي الْوَادِي: وَادِي رَانُونَاءَ، أَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ هُنَاكَ فَصَلَّاهَا فِيهِ وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا فِي الْمَدِينَةِ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ بِمَسْجِدِ قُبَاءَ، وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ صَلَّى مَعَهُ الْجُمْعَةَ مِائَةُ نَفْسٍ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ [حَتَّى جَاءَ بَنُو الْحُبْلَى]، فَأَرَادَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ [بْنِ سَلُولَ]، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ فِي أَنْفُسِهَا فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى الَّذِينَ دَعَوْكَ فَانْزِلْ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: «لَا تَجِدْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي نَفْسِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَقَدْ قَدِمْتَ عَلَيْنَا وَالْخَزْرَجُ تُرِيدُ أَنْ تُمَلِّكَهُ عَلَيْهَا، فَلَمَّا رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْحَقِّ الَّذِي أَعْطَاكَ شَرَقَ بِذَلِكَ وَلَكِنَّ هَذِهِ دَارِي، مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبَنِي سَاعِدَةَ فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وَأَبُو دُجَانَةَ: «هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَى الْعِزِّ وَالثَّرْوَةِ وَالْقُوَّةِ وَالْجَلَدِ»، وَسَعْدٌ يَقُولُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ مِنْ قَوْمِي رَجُلٌ أَكْثَرُ عَذْقًا وَلَا فَمَ بِئْرٍ مِنِّي مَعَ الثَّرْوَةِ وَالْجَلَدِ وَالْعَدَدِ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا أَبَا ثَابِتٍ خَلِّ سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». فَمَضَى وَاعْتَرَضَهُ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالُوا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تُجَاوِزْنَا فَإِنَّا أَهْلُ عَدَدٍ وَثَرْوَةٍ وَحَلْقَةٍ»، قَالَ: «بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ»، وَاعْتَرَضَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ، وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو، مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ، فَقَالَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلُمَّ إِلَى الْمُوَاسَاةِ وَالْعِزِّ وَالثَّرْوَةِ وَالْعَدَدِ وَالْقُوَّةِ، نَحْنُ أَهْلُ الدَّرْكِ يَا رَسُولَ اللَّهِ»، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». وَفِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ فَقَالَ: «إِنِّي أَنْزِلُ عَلَى أَخْوَالِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ». ثُمَّ مَرَّ بِبَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَهُمْ أَخْوَالُهُ فَقَامَ أَبُو سَلِيطٍ وَصِرْمَةُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ فِي قَوْمِهِمَا فَقَالَا: «يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ أَخْوَالُكَ هَلُمَّ إِلَى الْعَدَدِ وَالْمَنَعَةِ وَالْقُوَّةِ مَعَ الْقَرَابَةِ، لَا تَجَاوِزْنَا إِلَى غَيْرِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِنَا أَوْلَى بِكَ مِنَّا لِقَرَابَتِنَا بِكَ». فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ». فَسَارَ حَتَّى إِذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ قَامَتْ إِلَيْهِ وُجُوهُهُمْ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَبَرَكَتْ رَاحِلَتُهُ عَلَى بَابِ مَسْجِدِهِ ﷺ وَذَكَرَ الْأَقْشَهَرِيُّ فِي رَوْضَتِهِ عَنِ ابْنِ نَافِعٍ صَاحِبِ مَالِكٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامٍ نَقَلَهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ «نَاقَتَهُ ﷺ لَمَّا أَتَتْ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ بَرَكَتْ وَهُوَ عَلَيْهَا وَأَخَذَهُ الَّذِي كَانَ يَأْخُذُهُ عِنْدَ الْوَحْيِ». ثُمَّ وَثَبَتْ فَسَارَتْ غَيْرَ بَعِيدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ لَهَا زِمَامَهَا لَا يَثْنِيهَا بِهِ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ خَلْفَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى مَبْرَكِهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَبَرَكَتْ فِيهِ ثُمَّ تَلَحْلَحَتْ وَأَرْزَمَتْ، وَوَضَعَتْ جِرَانَهَا. وَجَعَلَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَنْخُسُهَا رَجَاءَ أَنْ تَقُومَ فَتَنْزِلَ فِي دَارِ بَنِي سَلِمَةَ فَلَمْ تَفْعَلْ. فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا وَقَالَ: «هُنَا الْمَنْزِلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ » وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ [الْمُؤْمِنُونَ 29] وَجَاءَ أَبُو أَيُّوبَ فَكَلَّمُوهُ فِي النُّزُولِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا أَقْرَبُ»؟ فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَذِهِ دَارِي وَهَذَا بَابِي وَقَدْ حَطَطْنَا رَحْلَكَ فِيهَا. قَالَ: «فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا»، فَذَهَبَ فَهَيَّأَ لَهُمَا مَقِيلًا. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ عَرِيشٌ يَرُشُّونَهُ وَيُعَمِّرُونَهُ وَيَبْتَرِدُونَ فِيهِ حَتَّى نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَأَوَى إِلَى الظِّلِّ فَنَزَلَ فِيهِ فَأَتَاهُ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْزِلِي أَقْرَبُ الْمَنَازِلِ إِلَيْهِ فَانْقُلْ رَحْلَكَ. قَالَ: «نَعَمْ»، فَذَهَبَ بِرَحْلِهِ إِلَى الْمَنْزِلِ، فَأَتَاهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ انْزِلْ عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ حَيْثُ كَانَ»، فَمَضَتْ مَثَلًا فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيُّوبَ وَقَرَّ قَرَارُهُ وَاطْمَأَنَّتْ دَارُهُ وَنَزَلَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ. وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ أَخَذَ بِزِمَامِ النَّاقَةِ فَكَانَتْ عِنْدَهُ. وَعِنْدَ عَائِذٍ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ أَنَّ نَاقَتَهُ اسْتَنَاخَتْ بِهِ أَوَّلًا فَجَاءَهُ نَاسٌ فَقَالُوا: الْمَنْزِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «دَعُوهَا»، فَانْبَعَثَتْ حَتَّى اسْتَنَاخَتْ عِنْدَ مَوْضِعِ الْمِنْبَرِ مِنَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ تَلَحْلَحَتْ فَنَزَلَ عَنْهَا فَأَتَاهُ أَبُو أَيُّوبَ فَقَالَ: مَنْزِلِي أَقْرَبُ الْمَنَازِلِ فَائْذَنْ لِي أَنْ أَنْقُلَ رَحْلَكَ. قَالَ: «نَعَمْ»، فَنَقَلَ رَحْلَهُ وَأَنَاخَ النَّاقَةَ فِي مَنْزِلِهِ. وَرَوَى الْحَاكِمُ وَأَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّاَ نَزَلَ عَلَى أَبِي أَيُّوبَ خَرَجَ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ وَيَقُلْنَ: نَحْنُ جَوَارٍ مَنْ بَنِي النَّجَّارِ يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَتُحْبِبْنَنِي»؟ قُلْنَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَأَنَا وَاللَّهُ أُحِبُّكُنَّ»، قَالَهَا ثَلَاثًا. وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمُبْتَدَأِ وَابْنُ هِشَامٍ فِي التِّيجَانِ أَنَّ بَيْتَ أَبِي أَيُّوبَ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ بَنَاهُ تُبَّعٌ الْأَوَّلُ وَاسْمُهُ تُبَانُ- بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ- أَسْعَدُ، وَكَانَ مَعَهُ أَرْبَعُمِائَةِ حَبْرٍ، فَتَعَاقَدُوا عَلَى أَلَّا يَخْرُجُوا مِنْهَا. فَسَأَلَهُمْ تُبَّعٌ عَنْ سِرِّ ذَلِكَ، فَقَالُوا: إِنَّا نَجِدُ فِي كُتُبِنَا أَنَّ نَبِيًّا اسْمُهُ مُحَمَّدٌ هَذِهِ دَارُ هِجْرَتِهِ، فَنَحْنُ نُقِيمُ لَعَلَّنَا نَلْقَاهُ. فَأَرَادَ تُبَّعٌ الْإِقَامَةَ مَعَهُمْ، ثُمَّ بَنَى لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أُولَئِكَ دَارًا وَاشْتَرَى لَهُ جَارِيَةً وَزَوَّجَهَا مِنْهُ وَأَعْطَاهُ مَالًا جَزِيلًا وَكَتَبَ كِتَابًا فِيهِ إِسْلَامُهُ وَمِنْهُ: شَهِدْتُ عَلَى أَحْمَدَ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بَارِي النَّسَمِ فَلَوْ مَدَّ عُمْرِي إِلَى عُمْرِهِ لَكُنْتُ وَزِيرًا لَهُ وَابْنَ عَمٍّ [وَجَاهَدْتُ بِالسَّيْفِ أَعْدَاءَهُ وَفَرَّجْتُ عَنْ صَدْرِهِ كُلَّ هَمٍّ] وَخَتَمَهُ بِالذَّهَبِ وَدَفَعَهُ إِلَى كَبِيرِهِمْ وَسَأَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ إِنْ أَدْرَكَهُ وَإِلَّا فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ، وَبَنَىَ لِلنَّبِيِّ ﷺ دَارًا يَنْزِلُهَا إِذَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَتَدَاوَلَ الدَّارَ الْمُلَّاكُ إِلَى أَنْ صَارَتْ لِأَبِي أَيُّوبَ، وَهُوَ مِنْ وَلَدِ ذَلِكَ الْعَالِمِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِينَ نَصَرُوهُ كُلُّهُمْ مِنْ أَوْلَادِ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءِ. وَيُقَالُ إِنَّ الْكِتَابَ الَّذِي فِيهِ الشِّعْرُ كَانَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ حَتَّى دَفَعَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ غَرِيبٌ. فَمَا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَّا فِي بَيْتِهِ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ؓ قَالَ: «لَمَّا نَزَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِي نَزَلَ فِي السُّفْلِ وَأَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ فِي الْعُلُوِّ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنِّي لَأَكْرَهُ وَأُعَظِّمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ وَتَكُونَ تَحْتِي، فَأَظْهِرْ أَنْتَ فَكُنْ فِي الْعُلُوِّ، وَنَنْزِلُ نَحْنُ فَنَكُونُ فِي السُّفْلِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَرْفَقَ بِنَا وَبِمَنْ يَغْشَانَا أَنْ نَكُونَ فِي سُفْلِ الْبَيْتِ». قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سُفْلِهِ وَكُنَّا فَوْقَهُ فِي الْمَسْكَنِ، فَلَقَدِ انْكَسَرَ حُبٌّ لَنَا فِيهِ مَاءٌ، فَقُمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ بِقَطِيفَةٍ لَنَا مَا لَنَا لِحَافٌ غَيْرُهَا نُنَشِّفُ بِهَا الْمَاءَ تَخَوُّفًا أَنْ يَقْطُرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ- ﷺ مِنْهُ شَيْءٌ فَيُؤْذِيهِ. وَذَكَرَ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ لَمْ يَزَلْ يَتَضَرَّعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعُلُوِّ وَأَبُو أَيُّوبَ فِي السُّفْلِ. قَالَ أَبُو أَيُّوبَ: وَكُنَّا نَصْنَعُ لَهُ الْعَشَاءَ ثُمَّ نَبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِهِ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ، حَتَّى بَعَثْنَا إِلَيْهِ لَيْلَةً بِعَشَائِهِ وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ فِيهِ بَصَلًا أَوْ ثُومًا، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَلَمْ أَرَ لِيَدِهِ فِيهِ أَثَرًا. قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي رَدَدْتَ عَشَاءَكَ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ مَوْضِعَ يَدِكَ وَكُنْتَ إِذَا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا تَيَمَّمْتُ أَنَا وَأُمُّ أَيُّوبَ مَوْضِعَ يَدِكَ نَبْتَغِي بِذَلِكَ الْبَرَكَةَ. قَالَ: «إِنِّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَأَنَا رَجُلٌ أُنَاجِي، فَأَمَّا أَنْتُمْ فَكُلُوهُ». قَالَ: فَأَكَلْنَاهُ وَلَمْ نَضَعْ لَهُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ بَعْدُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.