التاريخ 827
عرض رسول الله ﷺ نفسه على القبائل
عَرْضُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَقَوْمُهُ أَشَدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ وَفِرَاقِ دِينِهِ، إلَّا قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ، مِمَّنْ آمَنَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ، إذَا كَانَتْ، عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَيِّنَ ( لَهُمْ ) اللَّهُ مَا بَعَثَهُ بِهِ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ أَصْحَابِنَا، مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدِّيلِيِّ، أَوْ مَنْ حَدَّثَهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْهُ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَبِيعَةُ بْنُ عَبَّادٍ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّادٍ، يُحَدِّثُهُ أَبِي، قَالَ: إنِّي لَغُلَامٌ شَابٌّ مَعَ أَبِي بِمِنًى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ عَلَى مَنَازِلِ الْقَبَائِلِ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَقُولُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي، وَتُصَدِّقُوا بِي، وَتَمْنَعُونِي، حَتَّى أُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ. قَالَ: وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ عَدَنِيَّةٌ. فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا دَعَا إلَيْهِ، قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنَّ هَذَا إنَّمَا يَدْعُوكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَحَلْفَاءَكُمْ مِنْ الْجِنِّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ، إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَلَا تُطِيعُوهُ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، مَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ ؟ قَالَ: هَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو لَهَبٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ النَّابِغَةُ: : كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أَنَّهُ أَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: مُلَيْحٌ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ؓ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ بِالْمَوْقِفِ، فَيَقُولُ: أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوَّلِ نُبُوَّتِهِ مُسْتَخْفِيًا ثُمَّ أَعْلَنَ فِي الرَّابِعَةِ فَدَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِسْلَامِ عَشْرَ سِنِينَ، يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلَّ عَامٍ يَتْبَعُ الْحَاجَّ فِي مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظَ وَمِجَنَّةَ وَذِي الْمَجَازِ يَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ، فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُجِيبُهُ حَتَّى إِنَّهُ سَأَلَ عَنِ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً. وَيَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا وَتَمْلِكُوا الْعَرَبَ وَتَذِلُّ لَكُمُ الْعَجَمُ وَإِذَا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنَّةِ. وَأَبُو لَهَبٍ وَرَاءَهُ يَقُولُ: لَا تُطِيعُوهُ فَإِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ، فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ أَقْبَحَ الرَّدِّ وَيُؤْذُونَهُ وَيَقُولُونَ: قَوْمُكَ بِكَ أَعْلَمُ. وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالْمَوْقِفِ، فَيَقُولُ: " هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ ؟ " فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمْدَانَ، فَقَالَ: " مِمَّنْ أَنْتَ ؟ " قَالَ الرَّجُلُ: مِنْ هَمْدَانَ. قَالَ: " فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ ؟ " قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يَحْقِرَهُ قَوْمُهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: آتِيهِمْ فَأُخْبِرُهُمْ ثُمَّ آتِيكَ مِنْ عَامِ قَابِلٍ. قَالَ: " نَعَمْ ". فَانْطَلَقَ، وَجَاءَ وَفْدُ الْأَنْصَارِ فِي رَجَبٍ. وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، مِنْ طُرُقٍ عَنْ إِسْرَائِيلَ بِهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: إِنِّي بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ إِذْ مَرَّ رَجُلٌ بِي عَلَيْهِ حُلَّةٌ مِنْ بُرْدٍ أَحْمَرَ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا. وَرَجُلٌ خَلْفَهُ قَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ وَسَاقَيْهِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ كَذَّابٌ فَلَا تُطِيعُوهُ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: غُلَامُ بَنِي هَاشِمٍ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَهَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى. عَنْ مُدْرِكِ بْنِ مُنِيبٍ- بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ النُّونِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ- الْعَامِرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ؓ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا. فَمِنْهُمْ مَنْ تَفَلَ فِي وَجْهِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ حَثَا عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَبَّهُ، حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ فَأَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ بِعُسٍّ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ لَا تَخْشَيْ عَلَى أَبِيكِ غَلَبَةً وَلَا ذِلَّةً. فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَهِيَ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ كِنَانَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَهُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا. وَإِذَا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَسْفِي عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَإِذَا هُوَ أَبُو جَهْلٍ، وَإِذَا هُوَ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ فَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ تَتْرُكُوا عِبَادَةَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفِرُّ مِنْهُ، وَمَا يَلْتَفِتُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ. قَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ: الْمَحْفُوظُ: أَبُو لَهَبٍ. وَقَدْ يَكُونُ أَبُو جَهْلٍ وَهْمًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَا تَارَةً وَذَا تَارَةً، وَأَنَّهُمَا يَتَنَاوَبَانِ عَلَى أَذِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ. [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي كَلْبٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ، إلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ. [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ أَقْبَحَ عَلَيْهِ رَدًّا مِنْهُمْ [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي عَامِرٍ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ - يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرَةُ بْنُ فِرَاسٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِرَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ ( الْخَيْرِ ) بْنِ قُشَيْرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ -: وَاَللَّهِ، لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، لَأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَفَتُهْدَفُ نَحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمْ الْمَوَاسِمَ، فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَامَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَدْعُونَا إلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إلَى بِلَادِنَا قَالَ: فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ، هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ، هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مَطْلَبٍ وَاَلَّذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تَقَوَّلَهَا إسْمَاعِيلِيٌّ قَطُّ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عَنْكُمْ. [ عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي الْمَوَاسِمِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ مِنْ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ لَا يَسْمَعُ بِقَادِمِ يَقْدَمُ مَكَّةَ مِنْ الْعَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ، إلَّا تَصَدَّى لَهُ، فَدَعَاهُ، إلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ زَادَ الْوَاقِدِيُّ -في ذكر القبائل التي عرض ﷺ عليها الإسلام- فقال: وَعَلَى بَنِي عَبْسٍ وَغَسَّانَ وَبَنِي مُحَارِبٍ وَبَنِي فَزَارَةَ وَبَنِي مُرَّةَ وَبَنِي سُلَيْمٍ وَبَنِي نَصْرِ بْنِ هَوَازِنَ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ - بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ- وَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ وَبَنِي عُذْرَةَ وَقَيْسِ بْنِ الْخَطِيمِ. وَسَاقَ أَخْبَارَهُمْ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْأَسْلَمِيُّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَلَمَةَ الْحَنَفِيِّ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ فِي آخِرِ عُمْرِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يَحْرِمَنَا الْجَنَّةَ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَاءَنَا ثَلَاثَةَ أَعْوَامٍ بِعُكَاظَ وَمِجَنَّةَ وَبِذِي الْمَجَازِ، يَدْعُونَا إِلَى اللَّهِ- عَزَّ وَجَلَّ- وَأَنْ نَمْنَعَ لَهُ ظَهْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَاتِ رَبِّهِ، وَيَشْرُطَ لَنَا الْجَنَّةَ، فَمَا اسْتَجَبْنَا لَهُ وَلَا رَدَدْنَا عَلَيْهِ رَدًّا جَمِيلًا فَخَشِنَّا عَلَيْهِ وَحَلُمَ عَنَّا. قَالَ عَامِرٌ: فَرَجَعْتُ إِلَى هَجَرَ فِي أَوَّلِ عَامٍ فَقَالَ لِي هَوْدَةُ بْنُ عَلِيٍّ: هَلْ كَانَ فِي مَوْسِمِكُمْ هَذَا خَبَرٌ؟. قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَطُوفُ عَلَى الْقَبَائِلِ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ وَأَنْ يَمْنَعُوا ظَهْرَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّهِ وَلَهُمُ الْجَنَّةُ. فَقَالَ هَوْدَةُ: مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ هُوَ؟ قُلْتُ: هُوَ مِنْ أَوْسَطِهِمْ نَسَبًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ. قَالَ هَوْدَةُ: أَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ قُلْتُ: هُوَ هُوَ. قَالَ: أَمَا إِنَّ أَمْرَهُ سَيَظْهَرُ عَلَى مَا هَا هُنَا. فَقُلْتُ: هُنَا قَطُّ مِنْ بَيْنِ الْبُلْدَانِ؟ قَالَ: وَغَيْرُ مَا هَا هُنَا. ثُمَّ وَافَيْتُ السَّنَةَ الثَّانِيَةَ هَجَرَ فَقَالَ: مَا فَعَلَ الرَّجُلُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ رَأَيْتُهُ عَلَى حَالِهِ فِي الْعَامِ الْمَاضِي. قَالَ: ثُمَّ وَافَيْتُ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ آخِرُ مَا رَأَيْتُهُ وَإِذَا بِأَمْرِهِ قَدْ أَمِرَ وَإِذَا ذِكْرُهُ كَثُرَ فِي النَّاسِ. الْحَدِيثَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " لَا أَرَى لِي عِنْدَكَ وَلَا عِنْدَ أَخِيكَ مَنَعَةً، فَهَلْ أَنْتَ مُخْرِجِي إِلَى السُّوقِ غَدًا، حَتَّى تُعَرِّفَنِي مَنَازِلَ قَبَائِلِ النَّاسِ ؟ " - وَكَانَتْ مَجْمَعَ الْعَرَبِ - قَالَ: فَقُلْتُ: هَذِهِ كِنْدَةُ وَلَفُّهَا، وَهِيَ أَفْضَلُ مَنْ يَحُجُّ الْبَيْتَ مِنَ الْيَمَنِ، وَهَذِهِ مَنَازِلُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهَذِهِ مَنَازِلُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَاخْتَرْ لِنَفْسِكَ. قَالَ: فَبَدَأَ بِكِنْدَةَ فَأَتَاهُمْ، فَقَالَ: " مِمَّنِ الْقَوْمُ ؟ " قَالُوا: مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ. قَالَ: " مِنْ أَيِّ الْيَمَنِ ؟ " قَالُوا: مِنْ كِنْدَةَ. قَالَ: " مِنْ أَيِّ كِنْدَةَ ؟ " قَالُوا: مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ. قَالَ: " فَهَلْ لَكُمْ إِلَى خَيْرٍ ؟ " قَالُوا: وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: " تَشْهَدُونَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَتُقِيمُونَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْأَجْلَحِ: وَحَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَشْيَاخِ قَوْمِهِ أَنَّ كِنْدَةَ قَالَتْ لَهُ: إِنْ ظَفِرْتَ تَجْعَلُ لَنَا الْمُلْكَ مِنْ بَعْدِكَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إِنَّ الْمُلْكَ لِلَّهِ يَجْعَلُهُ حَيْثُ يَشَاءُ ". فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيمَا جِئْتَنَا بِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: فَقَالُوا: أَجِئْتَنَا لِتَصُدَّنَا عَنْ آلِهَتِنَا، وَنُنَابِذَ الْعَرَبَ، الْحَقْ بِقَوْمِكَ، فَلَا حَاجَةَ لَنَا بِكَ. فَانْصَرَفَ مِنْ عِنْدِهِمْ فَأَتَى بَكْرَ بْنَ وَائِلٍ، فَقَالَ: " مِمَّنِ الْقَوْمُ ؟ " قَالُوا: مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ. فَقَالَ: " مِنْ أَيِّ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ؟ " قَالُوا: مِنْ بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. قَالَ: كَيْفَ الْعَدَدُ ؟ قَالُوا: كَثِيرٌ مِثْلُ الثَّرَى. قَالَ: " فَكَيْفَ الْمَنَعَةُ ؟ " قَالُوا: لَا مَنَعَةَ، جَاوَرْنَا فَارِسَ، فَنَحْنُ لَا نَمْتَنِعُ مِنْهُمْ وَلَا نُجِيرُ عَلَيْهِمْ. قَالَ: " فَتَجْعَلُونَ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ إِنْ هُوَ أَبْقَاكُمْ حَتَّى تَنْزِلُوا مَنَازِلَهُمْ، وَتَسْتَنْكِحُوا نِسَاءَهُمْ، وَتَسْتَعْبِدُوا أَبْنَاءَهُمْ، أَنْ تُسَبِّحُوا اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُوهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُوهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ ؟ " قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ: " أَنَا رَسُولُ اللَّهِ ". ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَمَّا وَلَّى عَنْهُمْ - قَالَ الْكَلْبِيُّ -: وَكَانَ عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ يَتْبَعُهُ، فَيَقُولُ لِلنَّاسِ: لَا تَقْبَلُوا قَوْلَهُ. ثُمَّ مَرَّ أَبُو لَهَبٍ فَقَالُوا: هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا فِي الذُّرْوَةِ مِنَّا، فَعَنْ أَيِّ شَأْنِهِ تَسْأَلُونَ ؟ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، وَقَالُوا: زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: أَلَا لَا تَرْفَعُوا بِقَوْلِهِ رَأْسًا ; فَإِنَّهُ مَجْنُونٌ يَهْذِي أُمُّ رَأْسِهِ. قَالُوا: قَدْ رَأَيْنَا ذَلِكَ حِينَ ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ فَارِسَ مَا ذَكَرَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.