التاريخ 900
بعض أمور دارت بين الرسول ﷺ وبين اليهود والنصارى والمنافقين بالمدينة المنورة
رَوَى أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنِ الضَّحَّاكِ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ رَهْطًا مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَحُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ، جَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: "يَا مُحَمَّدُ، هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ" ؟ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى انْتُقِعَ لَوْنُهُ، ثُمَّ سَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ، فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَسَكَّنَهُ وَقَالَ: "خَفِّضْ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ"، وَجَاءَهُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ [عَنْهُ] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الْإِخْلَاصِ 1]، أَصْلُ أَحَدٍ هُنَا وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْوَاحِدِ، قُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْجَلَالِ، كَمَا دَلَّ اللَّهُ عَلَى جَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، إِذِ الْوَاحِدُ الْحَقِيقِيُّ مَا يَكُونُ مُنَزَّهَ الذَّاتِ عَنِ اتِّحَادِ التَّرْكِيبِ وَالتَّعَدُّدِ، وَمَا يَسْتَلْزِمُهُ أَحَدُهُمَا كَالْجِسْمِيَّةِ وَالتَّحَيُّزِ (اللَّهُ الصَّمَدُ ): الْمَقْصُودُ فِي الْحَوَائِجِ عَلَى الدَّوَامِ، أَوْ هُوَ الَّذِي قَدِ انْتَهَى فِي سُؤْدُدِهِ، فَيَصْمُدُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَالْخَلَائِقُ يَفْتَقِرُونَ إِلَى رَحْمَتِهِ، أَوْ هُوَ مَنْ لَا جَوْفَ لَهُ، أَوْ هُوَ الْكَامِلُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِهِ، أَوِ الَّذِي لَا يَطْعَمُ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوِ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمَوْصُوفُ بِهَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فَإِنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا، وَكُلُّ مَا عَدَاهُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ جِهَاتِهِ، وَتَعْرِيفُهُ بِصَمَدِيَّتِهِ بِخِلَافِ أَحَدِيَّتِهِ. وَتَكَرَّرَ الِاسْمُ الْكَرِيمُ لِلْإِشْعَارِ بِأَنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الْأُلُوهِيَّةَ، وَإِخْلَاءُ الْجُمْلَةِ مِنَ الْعَاطِفِ، لِأَنَّهَا كَالنَّتِيجَةِ لِلْأُولَى، أَوِ الدَّلِيلِ عَلَيْهَا. (لَمْ يَلِدْ ): الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَمْ يَلِدْ أَحَدًا، وَالْأَصْلُ يَوْلِدُ، حُذِفَتِ الْوَاوُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَلَامٍ مَكْسُورَةٍ فَصَارَ مِثْلَ "يَعِدُ". (وَلَمْ يُولَدْ ): النَّائِبُ عَنِ الْفَاعِلِ مَحْذُوفٌ، أَيْ لَمْ يَلِدْهُ أَحَدٌ، وَثَبَتَتِ الْوَاوُ فِي يُولَدْ لِأَنَّهَا لَمْ تَقَعْ بَيْنَ يَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَكَسْرَةٍ. وَلَمَّا كَانَ الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَاجِبَ الْوُجُودِ لِذَاتِهِ قَدِيمًا، مَوْجُودًا قَبْلَ وُجُودِ الْأَشْيَاءِ، وَكَانَ كُلُّ مَوْلُودٍ مُحْدَثًا انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ، وَلَمَّا كَانَ لَا يُشْبِهُهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يُجَانِسُهُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ صَاحِبَةٌ فَيَتَوَالَدُ، انْتَفَتْ عَنْهُ الْوَالِدِيَّةُ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ [الْأَنْعَامِ 101]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ: أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَحَدٌ يُكَافِئُهُ، أَيْ يُمَاثِلُهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَغَيْرِهَا "وَلَهُ" مُتَعَلِّقٌ بِ- "كُفُوًا" وَقُدِّمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَحَطُّ الْقَصْدِ، وَأَخَّرَ "أَحَدٌ" وَهُوَ اسْمُ "يَكُنْ" عَنْ خَبَرِهَا رِعَايَةً لِلْفَاصِلَةِ. وَلِاشْتِمَالِ هَذِهِ السُّورَةِ مَعَ قِصَرِهَا عَلَى جَمِيعِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى مَنْ أَلْحَدَ فِيهَا، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، فَإِنَّ مَقَاصِدَهُ مَحْصُورَةٌ فِي بَيَانِ الْأَحْكَامِ وَالْقَصَصِ، وَمِنْ عَدْلِهَا اعْتُبِرَ الْمَقْصُودُ بِالذَّاتِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: "فَلَمَّا تَلَاهَا عَلَيْهِمْ، قَالُوا: "فَصِفْ لَنَا يَا مُحَمَّدُ رَبَّكَ كَيْفَ خَلْقُهُ، كَيْفَ ذَرْعُهُ، كَيْفَ عَضُدُهُ" ؟ فَغَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ الْأَوَّلِ، وَسَاوَرَهُمْ غَضَبًا لِرَبِّهِ. فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، وَجَاءَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِجَوَابِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ، وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزُّمَرِ 67]، أَيْ مَا عَرَفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَمَا عَظَّمُوهُ حَقَّ عَظَمَتِهِ حِينَ أَشْرَكُوا بِهِ وَشَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ. وَالأَرْضُ جَمِيعًا، جَمِيعًا: حَالٌ، أَيِ السَّبْعُ، قَبْضَتُهُ أَيْ مَقْبُوضَةٌ لَهُ، أَيْ فِي مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ أَيْ مَجْمُوعَاتٌ، "بِيَمِينِهِ" أَيْ بِقُدْرَتِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ مَعَهُ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ، مَوْلَى بَنِي تَيْمٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ يُوشِكُ النَّاسُ أَنْ يَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ثُمَّ لِيَتْفُلْ الرَّجُلُ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلِيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.