التاريخ 820
الإسراء والمعراج
فِصَلٌ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عائشة ومعاوية أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّمَا كَانَ الْإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ، وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وَنُقِلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ، وعائشة ومعاوية لَمْ يَقُولَا: كَانَ مَنَامًا، وَإِنَّمَا قَالَا: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ، وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ، وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ فِي الصُّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ، فَيَرَى كَأَنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ وَأَقْطَارِ الْأَرْضِ، وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ وَلَمْ تَذْهَبْ، وَإِنَّمَا مَلَكُ الرُّؤْيَا ضَرَبَ لَهُ الْمِثَالَ، وَالَّذِينَ قَالُوا: عُرِجَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَائِفَتَانِ: طَائِفَةٌ قَالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: عُرِجَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَفْقِدْ بَدَنَهُ، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُرِيدُوا أَنَّ الْمِعْرَاجَ كَانَ مَنَامًا، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّ الرُّوحَ ذَاتَهَا أُسْرِيَ بِهَا وَعُرِجَ بِهَا حَقِيقَةً، وَبَاشَرَتْ مِنْ جِنْسِ مَا تُبَاشِرُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ، وَكَانَ حَالُهَا فِي ذَلِكَ كَحَالِهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فِي صُعُودِهَا إِلَى السَّمَاوَاتِ سَمَاءً سَمَاءً حَتَّى يُنْتَهَى بِهَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَتَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَأْمُرُ فِيهَا بِمَا يَشَاءُ، ثُمَّ تَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَالَّذِي كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَكْمَلُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلرُّوحِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ فَوْقَ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي مَقَامِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ حَتَّى شُقَّ بَطْنُهُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَتَأَلَّمُ بِذَلِكَ عُرِجَ بِذَاتِ رُوحِهِ الْمُقَدَّسَةِ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ إِمَاتَةٍ، وَمَنْ سِوَاهُ لَا يَنَالُ بِذَاتِ رُوحِهِ الصُّعُودَ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمُفَارَقَةِ، فَالْأَنْبِيَاءُ إِنَّمَا اسْتَقَرَّتْ أَرْوَاحُهُمْ هُنَاكَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَبْدَانِ، وَرُوحُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَعِدَتْ إِلَى هُنَاكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ ثُمَّ عَادَتْ، وَبَعْدَ وَفَاتِهِ اسْتَقَرَّتْ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مَعَ أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمَعَ هَذَا فَلَهَا إِشْرَافٌ عَلَى الْبَدَنِ وَإِشْرَاقٌ وَتَعَلُّقٌ بِهِ، بِحَيْثُ يَرُدُّ السَّلَامَ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَبِهَذَا التَّعَلُّقِ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَرَآهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُعْرَجْ بِمُوسَى مِنْ قَبْرِهِ، ثُمَّ رُدَّ إِلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَقَامُ رُوحِهِ وَاسْتِقْرَارِهَا، وَقَبْرُهُ مَقَامُ بَدَنِهِ وَاسْتِقْرَارُهُ إِلَى يَوْمِ مَعَادِ الْأَرْوَاحِ إِلَى أَجْسَادِهَا، فَرَآهُ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، وَرَآهُ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، كَمَا أَنَّهُ ﷺ فِي أَرْفَعِ مَكَانٍ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى مُسْتَقَرًّا هُنَاكَ، وَبَدَنُهُ فِي ضَرِيحِهِ غَيْرُ مَفْقُودٍ، وَإِذَا سَلَّمَ عَلَيْهِ الْمُسَلِّمُ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ، وَلَمْ يُفَارِقِ الْمَلَأُ الْأَعْلَى، وَمَنْ كَثُفَ إِدْرَاكُهُ وَغَلُظَتْ طِبَاعُهُ عَنْ إِدْرَاكِ هَذَا فَلْيُنْظَرْ إِلَى الشَّمْسِ فِي عُلُوِّ مَحِلِّهَا، وَتَعَلُّقِهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَرْضِ، وَحَيَاةِ النَّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ بِهَا، هَذَا وَشَأْنُ الرُّوحِ فَوْقَ هَذَا فَلَهَا شَأْنٌ، وَلِلْأَبْدَانِ شَأْنٌ، وَهَذِهِ النَّارُ تَكُونُ فِي مَحِلِّهَا وَحَرَارَتُهَا تُؤَثِّرُ فِي الْجِسْمِ الْبَعِيدِ عَنْهَا، مَعَ أَنَّ الِارْتِبَاطَ وَالتَّعَلُّقَ الَّذِي بَيْنَ الرُّوحِ وَالْبَدَنِ أَقْوَى وَأَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ وَأَتَمُّ، فَشَأْنُ الرُّوحِ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَأَلْطَفُ. فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرُّمْدِ إِيَّاكِ أَنْ تَرَيْ سَنَا الشَّمْسِ فَاسْتَغْشِي ظَلَامَ اللَّيَالِيَا فَصْلٌ قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: عُرِجَ بِرُوحِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَى السَّمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ: كَانَ بَيْنَ الْإِسْرَاءِ وَالْهِجْرَةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ انْتَهَى. وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مَرَّةً وَاحِدَةً. وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً يَقَظَةً، وَمَرَّةً مَنَامًا، وَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ حَدِيثِ شريك، وَقَوْلِهِ: ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ، وَبَيْنَ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ كَانَ هَذَا مَرَّتَيْنِ، مَرَّةً قَبْلَ الْوَحْيِ؛ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ شريك: " وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ "، وَمَرَّةً بَعْدَ الْوَحْيِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ. مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ: مَرَّةً قَبْلَ الْوَحْيِ، وَمَرَّتَيْنِ بَعْدَهُ، وَكُلُّ هَذَا خَبْطٌ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ الظَّاهِرِيَّةِ مِنْ أَرْبَابِ النَّقْلِ الَّذِينَ إِذَا رَأَوْا فِي الْقِصَّةِ لَفْظَةً تُخَالِفُ سِيَاقَ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جَعَلُوهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَكُلَّمَا اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الرِّوَايَاتُ عَدَّدُوا الْوَقَائِعَ، وَالصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْلِ أَنَّ الْإِسْرَاءِ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ. وَيَا عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ مِرَارًا، كَيْفَ سَاغَ لَهُمْ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تُفْرَضُ عَلَيْهِ الصّلَاةُ خَمْسِينَ، ثُمَّ يَتَرَدَّدُ بَيْنَ رَبِّهِ وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى تَصِيرَ خَمْسًا، ثُمَّ يَقُولُ: " أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي، وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي "، ثُمَّ يُعِيدُهَا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ إِلَى خَمْسِينَ، ثُمَّ يَحُطُّهَا عَشْرًا عَشْرًا، وَقَدْ غَلَّطَ الْحُفُّاظُ شريكا فِي أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ، ومسلم أَوْرَدَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ: فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ وَزَادَ وَنَقَصَ، وَلَمْ يَسْرُدِ الْحَدِيثَ، فَأَجَادَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.