التاريخ 851
هجرة النبي ﷺ
هِجْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَ إِذْنُ النَّبِيِّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ بِالْهِجْرَةِ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى أَهْلَ يَثْرِبَ بِالْبَيْعَةِ لَاسِيَّمَا بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ وَالَّتِي فِيهَا كَانَ الْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْهِمْ بِنُصْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنْ يَمْنَعُوهُ مِمَّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَمَا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَصْحَابِهِ: «قَدْ أُخْبِرْتُ بِدَارِ هِجْرَتِكُمْ وَهِيَ يَثْرِبُ، فَمَنْ أَرَادَ الْخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا». فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يَتَجَهَّزُونَ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَ مِنْ أَوَّلِ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ إِلَيْهَا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَذَلِكَ قَبْلَ الْبَيْعَةِ بِسَنَةٍ ثُمَّ لَحِقَتْ بِهِ زَوْجَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ بَعْدَ أَنْ مَنَعَهَا أَهْلُهَا قُرَابَةَ السَّنَةِ، كَمَا كَانَ مِنْ أَوَّلِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَيْهَا أَيْضًا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ؓ، وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَخُوهُ أَحْمَدُ وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ وَغَيْرُهُمْ كَثِيرٌ. كَمَا هَاجَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ؓ عَلَانِيَةً وَلَمْ يَسْتَخْفِ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْهِجْرَةِ الْعَدِيدُ مِنَ الْمَوَاقِفِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْأَمْرِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ كَمَا وَقَعَ لِأُمِّ سَلَمَةَ ؓ وَلِعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَصُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ. وَأَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْهِجْرَةِ وَبَقِيَ مَعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ ؓ وَبَعْضُ مَنْ حُبِسَ وَفُتِنَ مِنْهُمْ. وَقَدْ أَكْرَمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ فَجَعَلَهُ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هِجْرَتِهِ كَمَا أَكْرَمَ عَلِيًّا فَجَعَلَهُ خَلِيفَتَهُ فِي رَدِّ الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا بِمَكَّةَ. هَذَا وَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِتَصُدَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وُجْهَتِهِ، وَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَدَخَلَ فِيهِمْ إِبْلِيسُ مُشِيرًا فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ نَجْدِيٍّ، وَقَدِ اسْتَقَرَّ رَأْيُهُمُ الَّذِي مَدَحَهُ إِبْلِيسُ عَلَى أَنْ يُخْرِجُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلًا لِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَيَتَفَرَّقَ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ. إِلَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ نَجَّى نَبِيَّهُ وَجَعَلَ فِي نَجَاتِهِ آيَةً لَهُمْ لَوْ يَعْقِلُونَ، بِأَنْ خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَنَثَرَ عَلَى رُؤُسِهِمُ التُّرَابَ وَأَغْشَاهُمُ اللَّهُ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ. وَقَدْ خَلَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيًّا فِي فِرَاشِهِ مُمَوِّهًا عَلَى الْقَوْمِ وَحَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْهُ أَمَانَاتِ أَهْلِ مَكَّةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ يَخْدِمُهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ وَدَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُرَيْقِطٍ، وَنَاقِلُ الْخَبَرِ لَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَالْآتِي بِالطَّعَامِ لَهُمَا أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَذَلِكَ وَهُمَا فِي غَارِ ثَوْرٍ، وَقَدْ حَاوَلَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يَتَوَصَّلُوا إِلَيْهِمَا فَآذَوْا أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ فَصَبَرَتْ. وَقَدْ غَادَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ غَارَ ثَوْرٍ وَمَضَيَا فِي طَرِيقِهِمَا وَلَحِقَهُمَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَمَنَعَهُمَا اللَّهُ مِنْهُ وَطَلَبَ الْأَمَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَتَبَ لَهُ ذَلِكَ، وَفِي طَرِيقِهِمَا حَلَّا خَيْمَةَ أُمِّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرَتْ مِنْ بَرَكَتِهِ ﷺ وَوَصْفِهِ مَا سَجَّلَهُ أَصْحَابُ السِّيَرِ فِي أَجْمَلِ وَأَبْهَى وَصْفٍ. وَقَدْ وَصَلَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ تَصْحَبُهُ السَّلَامَةُ مَعَ صَاحِبِهِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ رَآهُ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَصَرَخَ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ مُنَبِّهًا بِوُصُولِ النَّبِيِّ ﷺ فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَقْبِلُونَهُ وَقَدْ نَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ، ثُمَّ فِي دَارٍ أَبِي أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيِّ بَعْدَ ذَلِكَ. هَذَا وَقَدْ لَحِقَ عَلِيٌّ ؓ بِالنَّبِيِّ ﷺ بِقُبَاءَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَبَعْدَ نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ جَاءَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ؓ وَهُوَ وَقْتَئِذٍ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَكُبَرَائِهِمْ فَأَسْلَمَ وَكَتَمَ إِسْلَامَهُ وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يُسْأَلَ الْيَهُودَ كَيْفَ هُوَ فِيهِمْ؟ وَقَدْ سَأَلَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا فَلَمَّا عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ أَسَاؤُوا إِلَيْهِ وَشَتَمُوهُ. وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَمَا نَزَلَ الْمَدِينَةَ مَكَثَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَيَّامًا وَكَانَ لِكُلْثُومِ بْنِ الْهَدْمِ مِرْبَدًا فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَاتَّخَذَهُ مَسْجِدًا وَهُوَ مَسْجِدُ قُبَاءَ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ. وَعِنْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَدِينَةَ كَانَ كُلُّ بَيْتٍ مِنَ الْأَنْصَارِ حَرِيصٌ عَلَى نُزُولِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، كُلُّهُمْ يَأْخُذُ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ، فَأَخْبَرَهُمْ ﷺ بِأَنَّهَا مَأْمُورَةٌ وَطَلَبَ مِنْهُمْ تَرْكَهَا، وَقَدْ ظَلَّتْ تَسِيرُ حَتَّى بَرَكَتْ بِدَارِ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَجَاءَ أَبُو أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيُّ فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي أَخْذِ مَتَاعِهِ وَرَحْلِهِ وَوَضْعِهِ فِي بَيْتِهِ، وَطَلَبَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ النُّزُولَ حَيْثُ بَيْتُهُ أَقْرَبُ الْبُيُوتِ فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ بِدَارِهِ. وَلَمَّا اسْتَقَرَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي دَارِ أَبِي أَيُّوبٍ بَدَأَ بِبِنَاءِ مَسْجِدِهِ ﷺ، وَبَنَى حُجَرَ أَزْوَاجِهِ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، وَفِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ مَاتَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ ؓ. وَبَدَأَ تَلَاحُقُ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَكَّةَ، وَجَاءَ آلُ النَّبِيِّ ﷺ وَآلُ أَبِي بَكْرٍ ؓ، وَآخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَكَتَبَ الْمُوَادَعَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الْيَهُودِ، وَبَعْدَ قُدُومِهِ شُرِعَ الْأَذَانُ، وَعَلَّمَ أَصْحَابَهُ كَيْفَ يَقُومُونَ بِهِ، كَمَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ الْحُمَّى فَدَعَا النَّبِيُّ ﷺ فَأَبْعَدَهَا اللَّهُ عَنِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْجُحْفَةِ، وَوُلِدَ لِلْمُسْلِمِينَ أَوَّلُ مَوْلُودٍ فِي الْمَدِينَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ فِي أَوَّلِ دَوْلَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ مُؤْذِنًا بِعَصْرٍ جَدِيدٍ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.