التاريخ 708
مبعث النبي ﷺ تسليما
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتْ عَلَيْهِ النُّبُوَّةُ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ إِسْرَافِيلُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، فَكَانَ يُعَلِّمُهُ الْكَلِمَةَ وَالشَّيْءَ، وَلَمْ يَنْزِلِ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثُ سِنِينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلُ، فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ عِشْرِينَ سَنَةً، عَشْرًا بِمَكَّةَ وَعَشْرًا بِالْمَدِينَةِ، فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ إِسْرَافِيلَ قُرِنَ مَعَهُ بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُ جِبْرِيلُ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو شَامَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَحَدِيثُ عَائِشَةَ- أَيِ الْآتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ- لَا يُنَافِي هَذَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ أَمْرِهِ الرُّؤْيَا، ثُمَّ وُكِّلَ بِهِ إِسْرَافِيلُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَ يَخْلُو فِيهَا بِحِرَاءَ فَكَانَ يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَلِمَةَ بِسُرْعَةٍ وَلَا يُقِيمُ مَعَهُ تَدْرِيجًا وَتَمْرِينًا، إِلَى أَنْ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَعَلَّمَهُ بَعْدَ مَا غَطَّهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَحَكَتْ عَائِشَةُ مَا جَرَى لَهُ مَعَ جِبْرِيلَ وَلَمْ تَحْكِ مَا جَرَى لَهُ مَعَ إِسْرَافِيلَ اخْتِصَارًا لِلْحَدِيثِ، أَوْ لَمْ تَكُنْ وَقَفَتْ عَلَى قِصَّةِ إِسْرَافِيلَ. انْتَهَى. وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي حِكْمَةِ مَجِيءِ إِسْرَافِيلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ الْمُوَكَّلُ بِالنَّفْخِ فِي الصُّوَرِ، وَالنَّبِيُّ ﷺ بُعِثَ قُرْبَ السَّاعَةِ وَكَانَتْ بِعْثَتُهُ مِنْ أَشْرَاطِهَا، فَبُعِثَ إِسْرَافِيلُ لِهَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَى نَبِيٍّ قَبْلَهُ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَبَرَ الشَّعْبِيِّ وَقَالَ: لَمْ يَقْرِنْ بِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا جِبْرِيلُ. قَالَ الْحَافِظُ: وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، فَإِنَّ الْمُثْبَتَ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي إِلَّا إِنْ صَحِبَ النَّافِيَ دَلِيلُ نَفْيِهِ فَيُقَدَّمُ. انْتَهَى. قَالَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي فَتَاوِيهِ: قَدْ وَرَدَ مَا يُوهِي أَثَرَ الشَّعْبِيِّ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ جَالِسٌ وَعِنْدَهُ جِبْرِيلُ إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا مِنَ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ فَرَفَعَ جِبْرِيلَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ لَمْ يَنْزِلْ إِلَى الْأَرْضِ قَطُّ. قَالَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيَتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ حَرْفًا مِنْهَا إِلَّا أُوتِيَتَهُ. قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِنَّ هَذَا الْمَلَكُ إِسْرَافِيلُ. انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ وَجِبْرِيلَ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا جِبْرِيلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أَمْسَى لِآلِ مُحَمَّدٍ سَفَّهُ دَقِيقٌ وَلَا كَفٌّ مِنْ سَوِيقٍ. فَلَمْ يَكُنْ كَلَامُهُ بِأَسْرَعَ مِنْ أَنْ سَمِعَ هَدَّةً مِنَ السَّمَاءِ أَفْزَعَتْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَمَرَ اللَّهُ الْقِيَامَةَ أَنْ تَقُومَ؟ فَقَالَ: لَا وَلَكِنْ أَمَرَ إِسْرَافِيلَ فَنَزَلَ إِلَيْكَ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَكَ فَأَتَاهُ إِسْرَافِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي إِلَيْكَ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْرِضَ إِلَيْكَ أُسَيِّرُ مَعَكَ جِبَالَ تِهَامَةَ زُمُرُّدًا وَيَاقُوتًا وَذَهَبًا وَفِضَّةً. فَقُلْتُ: فَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا؟ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ جِبْرِيلُ: أَنْ تَوَاضَعَ. فَقَالَ بَلْ نَبِيًّا عَبْدًا. ثَلَاثًا. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مَلَكٌ يَنْزِلُ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذَا الْمَلَكُ مَا نَزَلَ مُنْذُ خُلِقَ قَبْلَ السَّاعَةِ. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَظَهَرَ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا مَشَى عَلَيْهِ الْوَاقِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.