التاريخ 1890
خلافة عمر بن الخطاب
فَرْضِ الْعَطَاءِ وَعَمَلِ الدِّيوَانِ وَفِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ فَرَضَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ الْفُرُوضَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَأَعْطَى الْعَطَايَا عَلَى السَّابِقَةِ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فِي أَهْلِ الْفَتْحِ أَقَلَّ مَا أَخَذَ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَامْتَنَعُوا مِنْ أَخْذِهِ وَقَالُوا: لَا نَعْتَرِفُ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَكْرَمَ مِنَّا. فَقَالَ: إِنِّي إِنَّمَا أَعْطَيْتُكُمْ عَلَى السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ لَا عَلَى الْأَحْسَابِ. قَالُوا: فَنَعَمْ إِذًا، وَأَخَذُوا، وَخَرَجَ الْحَارِثُ وَسُهَيْلٌ بِأَهْلَيْهِمَا نَحْوَ الشَّامِ، فَلَمْ يَزَالَا مُجَاهِدَيْنِ حَتَّى أُصِيبَا فِي بَعْضِ تِلْكَ الدُّرُوبِ، وَقِيلَ: مَاتَا فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ. وَلَمَّا أَرَادَ عُمَرُ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: ابْدَأْ بِنَفْسِكَ. قَالَ: لَا بَلْ أَبْدَأُ بِعَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ ; فَفَرَضَ لِلْعَبَّاسِ وَبَدَأَ بِهِ، ثُمَّ فَرَضَ لِأَهْلِ بَدْرٍ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ، ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ بَدْرٍ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ فَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى أَنْ أَقْلَعَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ( فِي ذَلِكَ مَنْ شَهِدَ الْفَتْحَ وَقَاتَلَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ وَلِيَ الْأَيَّامَ قَبْلَ الْقَادِسِيَّةِ، كُلُّ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ثَلَاثَةَ آلَافٍ )، ثُمَّ فَرَضَ لِأَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ وَأَهْلِ الشَّامِ أَلْفَيْنِ أَلْفَيْنِ، وَفَرَضَ لِأَهْلِ الْبَلَاءِ النَّازِعِ مِنْهُمْ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَمِائَةٍ. فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أَلْحَقْتَ الْقَادِسِيَّةَ بِأَهْلِ الْأَيَّامِ، فَقَالَ: لَمْ أَكُنْ لِأُلْحِقَهُمْ بِدَرَجَةِ مَنْ لَمْ يُدْرِكُوا. وَقِيلَ لَهُ: قَدْ سَوَّيْتَ مَنْ بَعُدَتْ دَارُهُ بِمَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ وَقَاتَلَهُمْ عَنْ فِنَائِهِ. فَقَالَ: مَنْ قَرُبَتْ دَارُهُ أَحَقُّ بِالزِّيَادَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِدْءًا لِلْحُتُوفِ وَشَجًى لِلْعَدُوِّ، فَهَلَّا قَالَ الْمُهَاجِرُونَ مِثْلَ قَوْلِكُمْ حِينَ سَوَّيْنَا بَيْنَ السَّابِقِينَ مِنْهُمْ وَالْأَنْصَارَ ! فَقَدْ كَانَتْ نُصْرَةُ الْأَنْصَارِ بِفِنَائِهِمْ وَهَاجَرَ إِلَيْهِمُ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَعْدُ. وَفَرَضَ لِمَنْ بَعْدَ الْقَادِسِيَّةِ وَالْيَرْمُوكِ أَلْفًا أَلْفًا، ثُمَّ فَرَضَ لِلرَّوَادِفِ الْمُثَنَّى خَمْسَمِائَةٍ خَمْسَمِائَةٍ، ثُمَّ لِلرَّوَادِفِ الثَّلِيثِ بَعْدَهُمْ ثَلَاثَمِائَةٍ، سَوَّى كُلَّ طَبَقَةٍ فِي الْعَطَاءِ قَوِيَّهُمْ وَضَعِيفَهُمْ، عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ، وَفَرَضَ لِلرَّوَادِفِ الرَّبِيعِ عَلَى مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَفَرَضَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ - وَهُمْ أَهْلُ هَجَرَ وَالْعِبَادِ - عَلَى مِائَتَيْنِ، وَأَلْحَقَ بِأَهْلِ بَدْرٍ أَرْبَعَةً مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا: الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَأَبَا ذَرٍّ وَسَلْمَانَ. وَكَانَ فَرَضَ لِلْعَبَّاسِ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَقِيلَ: اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَعْطَى نِسَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، عَشَرَةَ آلَافٍ عَشَرَةَ آلَافٍ، إِلَّا مَنْ جَرَى عَلَيْهَا الْمِلْكُ. فَقَالَ نِسْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُفَضِّلُنَا عَلَيْهِنَّ فِي الْقِسْمَةِ، فَسَوِّ بَيْنَنَا ; فَفَعَلَ وَفَضَّلَ عَائِشَةَ بِأَلْفَيْنِ لِمَحَبَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إِيَّاهَا، فَلَمْ تَأْخُذْ. وَجَعَلَ نِسَاءَ أَهْلِ بَدْرٍ فِي خَمْسِمِائَةٍ خَمْسِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ مَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَرْبَعِمِائَةٍ أَرْبَعِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ مَنْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الْأَيَّامِ ثَلَاثِمِائَةٍ ثَلَاثِمِائَةٍ، وَنِسَاءَ أَهْلِ الْقَادِسِيَّةِ مِائَتَيْنِ مِائَتَيْنِ، ثُمَّ سَوَّى بَيْنَ النِّسَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ الصِّبْيَانَ سَوَاءً عَلَى مِائَةٍ مِائَةٍ، ثُمَّ جَمَعَ سِتِّينَ مِسْكِينًا وَأَطْعَمَهُمُ الْخُبْزَ، فَأَحْصَوْا مَا أَكَلُوا فَوَجَدُوهُ يَخْرُجُ مِنْ جَرِيبَتَيْنِ، فَفَرَضَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَلِعِيَالِهِ جَرِيبَتَيْنِ فِي الشَّهْرِ. وَقَالَ عُمَرُ قَبْلَ مَوْتِهِ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَجْعَلَ الْعَطَاءَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، أَلْفًا يَجْعَلُهَا الرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ، وَأَلْفًا يُزَوَّدُهَا مَعَهُ، وَأَلْفًا يَتَجَهَّزُ بِهَا، وَأَلْفًا يَتَرَفَّقُ بِهَا. فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ. وَقَالَ لَهُ قَائِلٌ عِنْدَ فَرْضِ الْعَطَاءِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ تَرَكْتَ فِي بُيُوتِ الْأَمْوَالِ عِدَّةً لِكَوْنٍ إِنْ كَانَ. فَقَالَ: كَلِمَةٌ أَلْقَاهَا الشَّيْطَانُ عَلَى فِيكَ وَقَانِي اللَّهُ شَرَّهَا، وَهِيَ فِتْنَةٌ لِمَنْ بَعْدِي، بَلْ أُعِدُّ لَهُمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ طَاعَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، هُمَا عُدَّتُنَا الَّتِي بِهَا أَفْضَيْنَا إِلَى مَا تَرَوْنَ، فَإِذَا كَانَ الْمَالُ ثَمَنَ دِينِ أَحَدِكُمْ هَلَكْتُمْ. وَقَالَ عُمَرُ لِلْمُسْلِمِينَ: إِنِّي كُنْتُ امْرَأً تَاجِرًا يُغْنِي اللَّهُ عِيَالِي بِتِجَارَتِي، وَقَدْ شَغَلْتُمُونِي بِأَمْرِكُمْ هَذَا، فَمَا تَرَوْنَ أَنَّهُ يَحِلُّ لِي فِي هَذَا الْمَالِ ؟ وَعَلِيٌّ سَاكِتٌ. فَأَكْثَرَ الْقَوْمُ، فَقَالَ: مَا تَقُولُ يَا عَلِيُّ ؟ فَقَالَ: مَا أَصْلَحَكَ وَعِيَالَكَ بِالْمَعْرُوفِ لَيْسَ لَكَ غَيْرُهُ. فَقَالَ الْقَوْمُ: الْقَوْلُ مَا قَالَ عَلِيٌّ. فَأَخَذَ قُوتَهُ وَاشْتَدَّتْ حَاجَةُ عُمَرَ، فَاجْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ فَقَالُوا: لَوْ قُلْنَا لِعُمَرَ فِي زِيَادَةٍ نَزِيدُهُ إِيَّاهَا فِي رِزْقِهِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: هَلُمُّوا فَلْنَسْتَبْرِئْ مَا عِنْدَهُ مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، فَأَتَوْا حَفْصَةَ ابْنَتَهُ فَأَعْلَمُوهَا الْحَالَ وَاسْتَكْتَمُوهَا أَنْ لَا تُخْبِرَ بِهِمْ عُمَرَ. فَلَقِيَتْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ لِأَسَوءَهُمْ ؟ قَالَتْ: لَا سَبِيلَ إِلَى عِلْمِهِمْ. قَالَ: أَنْتِ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ، مَا أَفْضَلُ مَا اقْتَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِكِ مِنَ الْمَلْبَسِ ؟ قَالَتْ: ثَوْبَيْنِ مُمَشَّقَيْنِ كَانَ يَلْبَسُهُمَا لِلْوَفْدِ وَالْجُمَعِ. قَالَ: فَأَيُّ الطَّعَامِ نَالَهُ عِنْدَكِ أَرْفَعُ ؟ قَالَتْ: حَرْفًا مِنْ خُبْزِ شَعِيرٍ فَصَبَبْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ حَارٌّ أَسْفَلَ عُكَّةٍ لَنَا، فَجَعَلْتُهَا دَسِمَةً حُلْوَةً فَأَكَلَ مِنْهَا. وَقَالَ: وَأَيُّ مُبْسَطٍ كَانَ يُبْسَطُ عِنْدَكِ كَانَ أَوْطَأَ ؟ قَالَتْ: كِسَاءٌ ثَخِينٌ كُنَّا نُرَبِّعُهُ فِي الصَّيْفِ، فَإِذَا كَانَ الشِّتَاءُ بَسَطْنَا نِصْفَهُ وَتَدَثَّرْنَا بِنِصْفِهِ. قَالَ: يَا حَفْصَةُ فَأَبْلِغِيهِمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدَّرَ فَوَضَعَ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا وَتَبَلَّغَ بِالتَّزْجِيَةِ، فَوَاللَّهِ لَأَضَعَنَّ الْفُضُولَ مَوَاضِعَهَا وَلَأَتَبَلَّغَنَّ بِالتَّزْجِيَةِ، وَإِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ صَاحِبَيَّ كَثَلَاثَةٍ سَلَكُوا طَرِيقًا، فَمَضَى الْأَوَّلُ وَقَدْ تَزَوَّدَ فَبَلَغَ الْمَنْزِلَ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الْآخَرُ فَسَلَكَ طَرِيقَهُ فَأَفْضَى إِلَيْهِ، ثُمَّ اتَّبَعَهُ الثَّالِثُ فَإِنْ لَزِمَ طَرِيقَهُمَا وَرَضِيَ بِزَادِهِمَا أُلْحِقَ بِهِمَا، وَإِنْ سَلَكَ غَيْرَ طَرِيقِهِمَا لَمْ يُجَامِعْهُمَا.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.