التاريخ 1858
خلافة عمر بن الخطاب
وَقْعَةُ فِحْلٍ ، بِكَسْرِ الْفَاءِ، قِيلَ: وَالْحَاءُ. وَالصَّحِيحُ تَسْكِينُهَا. وَقَدْ ذَكَرَهَا كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ سِيَاقَ سَيْفِ بْنِ عُمَرَ، فِيمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ يَزِيدَ بْنِ أَسِيدٍ الْغَسَّانِيِّ وَأَبِي حَارِثَةَ الْعَبْشَمِيِّ قَالَا: خَلَّفَ النَّاسُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ فِي خَيْلِهِ فِي دِمَشْقَ، وَسَارُوا نَحْوَ فِحْلٍ، مِنْ أَرْضِ الْأُرْدُنِّ وَعَلَى النَّاسِ الَّذِينَ هُمْ بِالْغَوْرِ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَسَارَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ، وَعَلَى الْخَيْلِ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ عِيَاضُ بْنُ غَنْمٍ، فَوَصَلُوا إِلَى فِحْلٍ، وَهِيَ بَلْدَةٌ بِالْغَوْرِ، وَقَدِ انْحَازَ الرُّومُ إِلَى بَيْسَانَ، وَأَرْسَلُوا مِيَاهَ تِلْكَ الْأَرَاضِي عَلَى مَا هُنَالِكَ مِنَ الْأَرَاضِي، فَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَرْسَلَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى عُمَرَ يُخْبِرُونَهُ بِمَا هُمْ فِيهِ مِنْ مُصَابَرَةِ عَدُوِّهِمْ، وَمَا صَنَعَهُ الرُّومُ مِنْ تِلْكَ الْمَكِيدَةِ، إِلَّا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ فِي عَيْشٍ رَغِيدٍ وَمَدَدٍ كَثِيرٍ، وَهُمْ عَلَى أُهْبَةٍ مِنْ أَمْرِهِمْ، وَأَمِيرُ هَذَا الْحَرْبِ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَهُوَ لَا يَبِيتُ وَلَا يُصْبِحُ إِلَّا عَلَى تَعْبِئَةٍ، وَظَنَّ الرُّومُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى غِرَّةٍ، فَرَكِبُوا فِي بَعْضِ اللَّيَالِي لِيُبَيِّتُوهُمْ، وَعَلَى الرُّومِ سِقْلَابُ بْنُ مِخْرَاقَ، فَهَجَمُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَنَهَضُوا إِلَيْهِمْ نَهْضَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ; لِأَنَّهُمْ عَلَى أُهْبَةٍ دَائِمًا، فَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى الصَّبَاحِ وَذَلِكَ الْيَوْمَ بِكَمَالِهِ إِلَى اللَّيْلِ، فَلَمَّا أَظْلَمَ اللَّيْلُ فَرَّ الرُّومُ وَقُتِلَ أَمِيرُهُمْ سِقْلَابُ، وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ أَكْتَافَهُمْ وَأَسْلَمَتْهُمْ هَزِيمَتُهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْوَحْلِ الَّذِي كَانُوا قَدْ كَادُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ، فَغَرَّقَهُمُ اللَّهُ فِيهِ، وَقَتَلَ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ مَا قَارَبَ الثَّمَانِينَ أَلْفًا، لَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَغَنِمُوا مِنْهُمْ شَيْئًا كَثِيرًا وَمَالًا جَزِيلًا، وَقَدْ أُصِيبَ رَئِيسُهُمْ سَقَلَّارُ وَالَّذِي يَلِيهِ فِيهِمْ نِسْطُورَسُ، وَظَفِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمْ وَرَكِبُوهُمْ، وَلَمْ تَعْرِفِ الرُّومُ مَأْخَذَهُمْ، فَانْتَهَتْ بِهِمُ الْهَزِيمَةُ إِلَى الْوَحْلِ فَرَكِبُوهُ، وَلَحِقَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فَأَخَذُوهُمْ، وَلَا يَمْنَعُونَ يَدَ لَامِسٍ، وكَانَتِ الْهَزِيمَةُ بِفِحْلٍ وَالْقَتْلُ بِالرِّدَاغِ، فَأُصِيبَ الرُّومُ ولَمْ يُفْلِتْ مِنْهُمْ إِلَّا الشَّرِيدُ، وَقَدْ كَانَ اللَّهُ يَصْنَعُ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ كَارِهُونَ، كَرِهُوا الْبُثُوقَ وَالْوَحْلَ، فَكَانَتْ عَوْنًا لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَغَنِمُوا أَمْوَالَهُمْ فَاقْتَسَمُوهَا. وَمِمَّنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَرْبِ السَّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ السَّهْمِيُّ، لَهُ صُحْبَةٌ. وَكَانَتْ فِحْلٌ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَانْصَرَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَخَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْجُيُوشِ نَحْوَ حِمْصَ، كَمَا أَمَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخِطَابِ. فَتْحِ بَيْسَانَ وَطَبَرِيَّةَ وَاسْتَخْلَفَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الْأُرْدُنِّ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، فَسَارَ شُرَحْبِيلُ وَمَعَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَحَاصَرَ بَيْسَانَ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، ثُمَّ صَالَحُوهُ عَلَى مِثْلِ مَا صَالَحَتْ عَلَيْهِ دِمَشْقُ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ، وَالْخَرَاجَ عَلَى أَرَاضِيهِمْ. وَبَلَغَ أَهْلَ طَبَرِيَّةَ الْخَبَرُ، فَصَالَحُوا أَبَا الْأَعْوَرِ عَلَى أَنْ يَبْلُغَهُمْ شُرَحْبِيلُ، فَفَعَلَ، فَصَالَحُوهُمْ عَلَى صُلْحِ دِمَشْقَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.