دليل

التاريخ 2044

خلافة علي بن أبي طالب

خِلَافَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ لَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَقَدْ قُتِلَ عُثْمَانُ ؓ دَخَلَ عَلِيٌّ ؓ مِنْزِلَهُ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَأَتَاهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ قُتِلَ، وَلَا بُدَ لِلنَّاسِ مِنْ إِمَامٍ، وَلَا نَجِدُ الْيَوْمَ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ، لَا أَقْدَمَ سَابِقَةً، وَلَا أَقْرَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي أَكُونُ وَزِيرًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَكُونَ أَمِيرًا، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ مَا نَحْنُ بِفَاعِلِينَ حَتَّى نُبَايِعَكَ، قَالَ: فَفِي الْمَسْجِدِ، فَإِنَّ بَيْعَتِي لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ رِضَا الْمُسْلِمِينَ. فَدَخَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَبَايَعُوهُ، ثُمَّ بَايَعَهُ النَّاسُ. وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ بَايَعَهُ طَلْحَةُ، وَعَنْ قَيْسٍ، قَالَ: رَأَى أَعْرَابِيٌّ طَلْحَةَ يُبَايِعُ عَلِيًّا ؓ، قَالَ: يَدٌ شَلَّاءُ وَأَمْرٌ لَا يَتِمُّ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ أَرَادَ قُسْطَنْطِينُ بْنُ هِرَقْلَ غَزْوَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَلْفِ مَرْكَبٍ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَأَغْرَقَهُمْ، وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَفِيهَا قَامَ عَلِيٌّ ؓ بِإِرْسَالِ عُمَّالِهِ إِلَى الْأَمْصَارِ فَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مِصْرَهُ وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اهَُّ عَنْهُ، وَمِنْهُمْ مَنِ اخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ مِصْرِهِ فَبَايَعَ بَعْضُهُمْ وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُبَايِعْ وَبَعْضُهُمْ تَوَقَّفَ حَتَّى يَرَى مَا تَفْعَلُهُ بَقِيَّةُ الْأَمْصَارِ، وَمِنْهُمْ مَنِ امْتَنَعَ أَهْلُ مِصْرِهِ مِنَ الْبَيْعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ كَأَهْلِ الشَّامِ حَتَّى يُقَادَ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ؓ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ الْجَمَلِ، وَالَّتِي أَوْقَعَ فِيهَا الْمُنَافِقُونَ قَتَلَةُ عُثْمَانَ ؓ بَيْنَ جَيْشَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ ؓ وَبَيْنَ جَيْشِ عَلِيٍّ ؓ بَعْدَمَا اتَّفَقُوا عَلَى الصُّلْحِ بَيْنَهُمْ، فَوَقَعَتْ مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ الزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ ؓ وَمُحَاوَلَةُ قَتْلِ عَائِشَةَ ؓ مِنْ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ وَمُدَافِعَةِ النَّاسِ عَنْ عَائِشَةَ وَالْجَمَلِ الَّذِي عَلَيْهِ هَوْدَجُهَا ثُمَّ انْتِهَاءُ الْقِتَالِ وَرُجُوعُ عَائِشَةَ ؓ وَإِكْرَامُ عَلِيٍّ ؓ لَهَا. وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ صِفِّينَ أَيْضًا بَيْنَ جَيْشِ الْعِرَاقِ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا ؓ لَمَّا بَلَغَهُ امْتِنَاعُ مُعَاوِيَةَ ؓ خَرَجَ بِالْجَيْشِ إِلَى الشَّامِ وَدَعَا مُعَاوِيَةَ لِيَدْخُلَ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ مِنَ الطَّاعَةِ فَأَبَى إِلَّا أَنْ يُقَادَ أَوَّلًا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ ؓ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، وَجَيْشُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ ؓ مُتَوَاجِهَانِ مُتَقَاتِلَانِ فِي صِفِّينَ وَقَدِ اقْتَتَلُوا فِي مُدَّةِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ كُلَّ يَوْمٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ رُبَّمَا اقْتَتَلُوا مَرَّتَيْنِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ تَحَاجَزُوا عَنِ الْقِتَالِ، طَلَبًا لِلصُّلْحِ وَرَجَاءَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ مُهَادَنَةٌ وَمُوَادَعَةٌ يَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، وَقَدْ جَرَتِ الْعَدِيدُ مِنَ الْمُحَاوَلَاتِ لِلصُّلْحِ كُلُّهَا لَمْ تُفْلِحْ وَظَلَّ الْقِتَالُ حَتَّى رَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ طَالِبِينَ التَّحْكِيمَ، ثُمَّ كَانَ مَا كَانَ مِنْ قِصَّةِ التَّحْكِيمِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ؓ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ ؓ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ؓ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ ؓ وَقَدِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَخْلَعَا صَاحِبَيْهِمَا ثُمَّ يَتْرُكَا النَّاسَ يَتَّفِقُوا عَلَى مَنْ يُوَلُّوا وَقَدْ أَعْلَنَ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى الْمَلَأِ فَلَمَّا قَامَ عَمْرٌو وَافَقَهُ عَلَى خَلْعِ عَلِيٍّ وَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى خَلْعِ مُعَاوِيَةَ بَلْ إِثْبَاتُ مُعَاوِيَةَ. وَفِي هَذِهِ الْأَثْنَاءِ خَرَجَتِ الْخَوَارِجُ عَلَى عَلِيٍّ ؓ بِالْبَاطِلِ رَافِعِينَ شِعَارَ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَهِيَ كَلِمَةُ حَقٍّ أَرَادُوا بِهَا بَاطِلًا وَقَدْ نَاظَرَهُمْ عَلِيٌّ وَابْنُ عَبَّاسٍ ؓ وَرَدَّا عَلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا أَوْرَدُوهُ مِنْ شُبَهَاتٍ فَرَجَعَ عَدَدٌ كَبِيرٌ إِلَى الْجَادَّةِ وَاعْتِقَادِ الْمُسْلِمِينَ وَبَقِيَ مَنْ عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ وَضَلَّ سَعْيُهُ، ثُمَّ تَطَوَّرَتِ الْأَحْدَاثُ فَخَرَجُوا عَلَى الْأُمَّةِ بِالسِّلَاحِ وَقَتَلُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ خَبَّابٍ وَقَتَلُوا امْرَأَتَهُ وَبَقَرُوا بَطْنَهَا وَقَتَلُوا جَنِينَهَا، فَقَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ ؓ فِي النَّهْرَوَانِ وَكَسَرَهُمْ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَفِيهَا أَخَذَ مُعَاوِيَةُ ؓ مِصْرَ، وَذَلِكَ بَعْدَمَا عَزَلَ عَلِيٌّ ؓ عَنْهَا قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَوَلَّاهَا الْأَشْتَرَ فَمَاتَ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ إِلَيْهَا، فَاسْتَنَابَ عَلَيْهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَعَزَمَ مُعَاوِيَةُ عَلَى أَخْذِ مِصْرَ مِنْهُ فَأَرْسَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَيْهَا فَمَا زَالَ عَمْرٌو بِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ إِلَى عَرِيشِ مِصْرَ فِي عَدَدٍ قَلِيلٍ مِنْ جُنْدِهِ وَظَفَرَ بِهِ وَضَيَّقَ عَلَيْهِ فَهَرَبَ وَظَلَّ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَدِيجٍ فِي طَلَبِهِ حَتَّى أَسَرَهُ وَقَتَلَهُ وَمَثَّلَ بِهِ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ وَفِيهَا فَرَّقَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ جُيُوشًا كَثِيرَةً فِي أَطْرَافِ مُعَامَلَاتِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ رَأَى بَعْدَ أَنْ وَلَّاهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الْخِلَافَةَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِ هُوَ وَأَبُو مُوسَى عَلَى خَلْعِ عَلِيٍّ وَعَزْلِهِ عَنِ الْأَمْرِ - أَنَّ وِلَايَتَهُ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَقَعَتِ الْمَوْقِعَ، فَهُوَ الَّذِي تَجِبُ طَاعَتُهُ فِيمَا يَعْتَقِدُهُ، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ قَدْ خَالَفُوا عَلِيًّا فَلَا يُطِيعُونَهُ، وَلَا يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِهِ، فَلَا يَحْصُلُ بِمُبَاشَرَتِهِ مَقْصُودُ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَارَةِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ، فَأَنَا أَوْلَى مِنْهُ ; إِذْ كَانَتْ كَلِمَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ مَجْمُوعَةً عَلَيَّ، وَهُمْ طَائِعُونَ لِي، يَأْتَمِرُونَ بِأَمْرِي، وَكَلِمَتِي نَافِذَةٌ فِيهِمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ جَهَّزَ الْجُيُوشَ إِلَى أَطْرَافِ مَمْلَكَةِ عَلِيٍّ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ وَلَّى عَلِيٌّ ؓ زِيَادَ بْنَ أَبِيهِ عَلَى أَرْضِ فَارِسٍ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ أَرْبَعِينَ وَفِيهَا كَانَ مَقْتَلُ عَلِيٍّ ؓ، وَمُحَاوَلَةُ قَتْلِ مُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو ؓ وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ؓ، قَدِ انْتَقَضَتْ عَلَيْهِ الْأُمُورُ، وَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ الْأَحْوَالُ، وَخَالَفَهُ جَيْشُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَغَيْرِهِمْ، وَنَكَلُوا عَنِ الْقِيَامِ مَعَهُ، هَذَا وَأَمِيرُهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَهُوَ أَعْبَدُهُمْ وَأَزْهَدُهُمْ، وَأَعْلَمُهُمْ وَأَخْشَاهُمْ لِلَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ خَذَلُوهُ وَتَخَلَّوْا عَنْهُ، وَقَدْ كَانَ يُعْطِيهِمُ الْعَطَاءَ الْكَثِيرَ وَالْمَالَ الْجَزِيلَ، فَلَا زَالَ هَذَا دَأْبَهُمْ مَعَهُ حَتَّى كَرِهَ الْحَيَاةَ وَتَمَنَّى الْمَوْتَ; وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْفِتَنِ وَظُهُورِ الْمِحَنِ، فَكَانَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: مَاذَا يَحْبِسُ أَشْقَاهَا - أَيْ مَا يَنْتَظِرُ - مَا لَهُ لَا يَقْتُلُ؟ ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَتُخَضَّبَنَّ هَذِهِ- وَيُشِيرُ إِلَى لِحْيَتِهِ- مِنْ هَذِهِ. وَيُشِيرُ إِلَى هَامَتِهِ. وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّارِيخِ وَالسِّيَرِ، أَنَّ ثَلَاثَةً مِنَ الْخَوَارِجِ; وَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو الْمَعْرُوفُ بِابْنِ مُلْجَمٍ الْحِمْيَرِيُّ وَالْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ. وَعَمْرُو بْنُ بَكْرٍ التَّمِيمِيُّ، اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا قَتْلَ عَلِيٍّ إِخْوَانَهُمْ مِنْ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَتَرَحَمُوا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا: مَاذَا نَصْنَعُ بِالْبَقَاءِ بَعْدَهُمْ؟! كَانُوا مِنْ خَيْرِ النَّاسِ وَأَكْثَرِهِمْ صَلَاةً، وَكَانُوا دُعَاةَ النَّاسِ إِلَى رَبِّهِمْ، لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، فَلَوْ شَرَيْنَا أَنْفُسَنَا فَأَتَيْنَا أَئِمَّةَ الضَّلَالَةِ فَقَتَلْنَاهُمْ فَأَرَحْنَا مِنْهُمُ الْبِلَادَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ ثَأْرَ إِخْوَانِنَا. فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ أَنَا أَكْفِيكُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. وَقَالَ الْبُرَكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَا أَكْفِيكُمْ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ: أَنَا أَكْفِيكُمْ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَتَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا أَنْ لَا يَنْكِصَ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ صَاحِبِهِ حَتَّى يَقْتُلَهُ أَوْ يَمُوتَ دُونَهُ، فَأَخَذُوا أَسْيَافَهُمْ فَسَمُّوهَا، وَاتَّعَدُوا لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ أَنْ يُبَيِّتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبَهُ فِي بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ. فَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَدْ قَتَلَهُ ابْنُ مُلْجَمٍ وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَضُرِبَ إِلَّا أَنَّ الضَّرْبَةَ وَقَعَتْ فِي فَخِذِهِ وَعُولِجَ مِنْهَا وَلَمْ تُغْنِ شَيْئًا وَأَمَّا عَمْرٌو فَشَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَلَّا يَخْرُجَ لِلصَّلَاةِ كَمَا هِيَ عَادَتُهُ لِمَرَضٍ أَلَمَّ بِهِ فَخَرَجَ خَارِجَةُ لِلصَّلَاةِ بِالنَّاسِ فَقُتِلَ بَدَلًا مِنْهُ فَقَالَ عَمْرٌو حِينَئِذٍ: أَرَدْتَنِي وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ. فَقَدَّمَهُ عَمْرٌو فَقَتَلَهُ. التَّعْرِيفُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ؓ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، مِنْ أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصَّحَابَةِ ؓ وَكَانَ عُمْرُهُ حِينَ أَسْلَمَ عَشْرَ سِنِينَ، وَقِيلَ: تِسْعٌ، وَقِيلَ: ثَمَانٌ، وَقِيلَ: دُونَ ذَلِكَ. قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ: (وَلَمْ يَعْبُدِ الْأَوْثَانَ قَطُّ; لِصِغَرِهِ، أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَلَمَّا هَاجَرَ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ.. أَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَهُ بِمَكَّةَ أَيَّامًا; حَتَّى يُؤَدِّيَ عَنْهُ أَمَانَتَهُ وَالْوَدَائِعَ وَالْوَصَايَا الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ يَلْحَقَهُ بِأَهْلِهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ إِلَّا تَبُوكَ; فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ. وَلَهُ فِي جَمِيعِ الْمَشَاهِدِ آثَارٌ مَشْهُورَةٌ، وَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ اللِّوَاءَ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ. وَهُوَ زَوْجُ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبُو الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ» وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ ﷺ: «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» وَهُوَ بَلِيغُ الْخُطَبَاءِ خَطِيبُ الْبُلَغَاءِ، الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ الْمُفَسِّرُ الْفَقِيهُ الْمَشْهُودُ لَهُ بِالْجَنَانِ. وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ بَعَثَ مُعَاوِيَةُ بُسْرَ بْنَ أَبِي أَرْطَاةَ إِلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ قَهْرًا وَهَدَّدَ وَتَوَعَّدَ وَأَخَذَ الْبَيْعَةَ قَهْرًا لِمُعَاوِيَةَ ثُمَّ دَخَلَ الْيَمَنَ فَقَتَلَ وَلَدَيْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ طِفْلَيْنِ صَغِيرَيْنِ فَدَعَا عَلَيْهِ عَلِيٌّ ؓ. وَفِيهَا كَانَتْ خِلَافَةُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ؓ، وَقَدْ عَلِمَ عَجْزَ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْخِلَافِ وَالشَّرِّ فَعَمِلَ عَلَى الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَتَوْحِيدِ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ كَانَ كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَمَا قَالَ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ»، وَقَدْ تَمَّ ذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ. ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَفِيهَا سَلَّمَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ. فَعَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ طَفِقَ يَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ: إِنَّكُمْ سَامِعُونَ مُطِيعُونَ، مُسَالِمُونَ مَنْ سَالَمْتُ، مُحَارِبُونَ مَنْ حَارَبْتُ. فَارْتَابَ بِهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَقَالُوا: مَا هَذَا لَكُمْ بِصَاحِبٍ. فَمَا كَانَ عَنْ قَرِيبٍ حَتَّى طَعَنُوهُ فَأَشْوَوْهُ، فَازْدَادَ لَهُمْ بُغْضًا، وَازْدَادَ مِنْهُمْ ذُعْرًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ عَرَفَ تَفَرُّقَهُمْ وَاخْتِلَافَهُمْ عَلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ يُسَالِمُهُ وَيُرَاسِلُهُ فِي الصُّلْحِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.