دليل

التاريخ 2066

خلافة علي بن أبي طالب

توقف القتال بين معاوية وعلي ؓ طلبًا للصلح ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ اسْتَهَلَّتْ هَذِهِ السَّنَةُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، ؓ، مُتَوَاقِفٌ هُوَ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، ؓ، كُلٌّ مِنْهُمَا فِي جُنُودِهِ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: صِفِّينَ بِالْقُرْبِ مِنَ الْفُرَاتِ، شَرْقِيِّ بِلَادِ الشَّامِ، وَقَدِ اقْتَتَلُوا فِي مُدَّةِ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ كُلَّ يَوْمٍ، وَفِي بَعْضِ الْأَيَّامِ رُبَّمَا اقْتَتَلُوا مَرَّتَيْنِ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَ شَهْرُ الْمُحَرَّمِ تَحَاجَزُوا عَنِ الْقِتَالِ، طَلَبًا لِلصُّلْحِ وَرَجَاءَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمْ مُهَادَنَةٌ وَمُوَادَعَةٌ يَئُولُ أَمْرُهَا إِلَى الصُّلْحِ بَيْنَ النَّاسِ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ، فَعَنْ مُحِلِّ بْنِ خَلِيفَةَ أَنَّ عَلِيًّا بَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، وَيَزِيدَ بْنَ قَيْسٍ الْأَرْحَبِيَّ، وَشَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ، وَزِيَادَ بْنَ خَصَفَةَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ - وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى جَانِبِهِ - قَالَ عَدِيٌّ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ -: أَمَّا بَعْدُ، يَا مُعَاوِيَةُ فَإِنَّا جِئْنَاكَ نَدْعُوكَ إِلَى أَمْرٍ يَجْمَعُ اللَّهُ بِهِ كَلِمَتَنَا وَأُمَّتَنَا، وَتُحْقَنُ بِهِ دِمَاؤُنَا، وَيَأْمَنُ بِهِ السَّبِيلُ وَيُصْلَحُ بِهِ ذَاتُ الْبَيْنِ ; إِنَّ ابْنَ عَمِّكَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلُهَا سَابِقَةً، وَأَحْسَنُهَا فِي الْإِسْلَامِ أَثَرًا، وَقَدِ اسْتَجْمَعَ لَهُ النَّاسُ وَقَدْ أَرْشَدَهُمُ اللَّهُ بِالَّذِي رَأَوْا فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ غَيْرُكُ وَغَيْرُ مَنْ مَعَكَ، فَانْتَهِ يَا مُعَاوِيَةُ لَا يُصِبْكَ اللَّهُ وَأَصْحَابَكَ مِثْلَ مَا أَصَابَ النَّاسَ يَوْمَ الْجَمَلِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: كَأَنَّكَ إِنَّمَا جِئْتَ مُتَهَدِّدًا وَلَمْ تَأْتِ مُصْلِحًا، هَيْهَاتَ يَا عَدِيُّ، كَلَّا وَاللَّهِ إِنِّي لِابْنُ حَرْبٍ، لَا يُقَعْقَعُ لِي بِالشِّنَانِ، أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكَ لِمِنَ الْمُجْلِبَيْنِ عَلَى ابْنِ عَفَّانَ، وَإِنَّكَ لَمِنْ قَتَلَتِهِ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِهِ. وَتَكَلَّمَ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وَزِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ فَذَكَرَا مِنْ فَضْلِ عَلِيٍّ، وَقَالَا: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةُ وَلَا تُخَالِفْهُ، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا رَأَيْنَا رَجُلًا قَطُّ أَعْمَلَ بِالتَّقْوَى، وَلَا أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا، وَلَا أَجْمَعَ لِخِصَالِ الْخَيْرِ كُلِّهَا مِنْهُ. فَتَكَلَّمَ مُعَاوِيَةُ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّكُمْ دَعَوْتُمُونِي إِلَى الْجَمَاعَةِ وَالطَّاعَةِ، فَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فَنِعِمَّا هِيَ، وَأَمَّا الطَّاعَةُ فَكَيْفَ أُطِيعُ رَجُلًا أَعَانَ عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ وَهُوَ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ ؟ وَنَحْنُ لَا نَرُدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَا نَتَّهِمُهُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ أَوَى قَتَلَتَهُ ; فَيَدْفَعَهُمْ إِلَيْنَا حَتَّى نَقْتُلَهُمْ، ثُمَّ نَحْنُ نُجِيبُكُمْ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْجَمَاعَةِ. فَقَالَ لَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا مُعَاوِيَةَ، لَوْ تَمَكَّنْتَ مَنْ عَمَّارٍ أَكُنْتَ قَاتِلَهُ بِعُثْمَانَ ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَوْ تَمَكَّنْتُ مِنَ ابْنِ سُمَيَّةَ مَا قَتَلْتُهُ بِعُثْمَانَ، وَلَكِنِّي كُنْتُ أَقْتُلُهُ بِغُلَامِ عُثْمَانَ. فَقَالَ لَهُ شَبَثُ بْنُ رِبْعِيٍّ: وَإِلَهِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ لَا تَصِلُ إِلَى قَتْلِ عَمَّارٍ حَتَّى تَنْدُرَ الرُّءُوسُ عَنْ كَوَاهِلِهَا، وَيَضِيقُ فَضَاءُ الْأَرْضِ وَرَحْبُهَا عَلَيْكَ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: لَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ كَانَتْ عَلَيْكَ أَضْيَقَ. وَخَرَجَ الْقَوْمُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَذَهَبُوا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ. بعث معاوية إلى علي وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ السِّمْطِ، وَمَعْنَ بْنَ يَزِيدَ بْنِ الْأَخْنَسِ إِلَى عَلِيٍّ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، فَبَدَأَ حَبِيبٌ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ كَانَ خَلِيفَةً مَهْدِيًّا، عَمِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَثَبَتَ لِأَمْرِ اللَّهِ، فَاسْتَثْقَلْتُمْ حَيَاتَهُ، وَاسْتَبْطَأْتُمْ وَفَاتَهُ، فَعَدَوْتُمْ عَلَيْهِ فَقَتَلْتُمُوهُ، فَادْفَعْ إِلَيْنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ - إِنْ زَعَمْتَ أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ - ثُمَّ اعْتَزِلْ أَمْرَ النَّاسِ، فَيَكُونَ أَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ، فَيُوَلِّي النَّاسُ أَمْرَهُمْ مَنْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ رَأْيَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا أَنْتَ، لَا أُمَّ لَكَ وَهَذَا الْأَمْرَ وَهَذَا الْعَزْلَ، فَاسْكُتْ فَإِنَّكَ لَسْتَ هُنَاكَ وَلَا بِأَهْلٍ لِذَاكَ. فَقَالَ لَهُ حَبِيبٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَتَرَيَنِّي حَيْثُ تَكْرَهُ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: وَمَا أَنْتَ وَلَوْ أَجَلَبْتَ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ لَا أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ إِنْ أَبْقَيْتَ، اذْهَبْ فَصَعِّدْ وَصَوِّبْ مَا بَدَا لَكَ. محاولة قراء أهل العراق الصلح بين معاوية وعلي وَقَدْ رَوَى أَنَّ قُرَّاءَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَقُرَّاءَ أَهْلِ الشَّامِ عَسْكَرُوا نَاحِيَةً، وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَأَنَّ جَمَاعَةً مِنْ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ ; مِنْهُمْ عَبِيدَةُ السُّلْمَانِيُّ، وَعَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، وَغَيْرُهُمْ جَاءُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالُوا لَهُ: مَا تَطْلُبُ ؟ قَالَ: أَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ. قَالُوا: لِمَنْ تَطْلُبُ بِهِ ؟ قَالَ: عَلِيًّا. قَالُوا: أَهْوَ قَتَلَهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَوَى قَتَلَتَهُ. فَانْصَرَفُوا إِلَى عَلِيٍّ فَذَكَرُوا لَهُ مَا قَالَ، فَقَالَ: كَذَبَ، لَمْ أَقْتُلْهُ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لَمْ أَقْتُلْهُ. فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَمَالَأَ عَلَيْهِ. فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا قَتَلْتُ وَلَا أَمَرْتُ وَلَا مَالَأْتُ، فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنْ كَانَ صَادِقًا فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَإِنَّهُمْ فِي عَسْكَرِهِ وَجُنْدِهِ. فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ عَلِيٌّ: تَأَوَّلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِي فِتْنَةٍ وَوَقَعَتِ الْفُرْقَةُ لِأَجْلِهَا، وَقَتَلُوهُ فِي سُلْطَانِهِ وَلَيْسَ لِي عَلَيْهِمْ سَبِيلٌ. فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا يَقُولُ، فَمَا لَهُ انْتَهَزَ الْأَمْرَ دُونَنَا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَّا وَلَا مِمَّنْ هَاهُنَا ؟ فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّمَا النَّاسُ تَبَعُ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَهُمْ شُهُودُ النَّاسِ عَلَى وِلَايَتِهِمْ وَأَمْرِ دِينِهِمْ، وَقَدْ رَضُوا وَبَايَعُونِي، وَلَسْتُ أَسْتَحِلُّ أَنْ أَدَعَ مِثْلَ مُعَاوِيَةَ يَحْكُمُ عَلَى الْأُمَّةِ وَيَشُقُّ عَصَاهَا. فَرَجَعُوا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ: مَا بَالُ مَنْ هَاهُنَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَمْ يَدْخُلُوا فِي هَذَا الْأَمْرِ ؟ فَرَجَعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّمَا هَذَا لِلْبَدْرِيِّينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَلَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ بَدْرِيٌّ إِلَّا وَهُوَ مَعِي، وَقَدْ تَابَعَنِي وَبَايَعَنِي وَرَضِيَ بِي، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ دِينِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ. قَالَ: فَأَقَامُوا يَتَرَاسَلُونَ فِي ذَلِكَ مُدَّةَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ وَجُمَادَيَيْنِ، وَيَفْزَعُونَ فِي غُبُونِ ذَلِكَ الْفَزْعَةَ بَعْدَ الْفَزْعَةِ، وَيَزْحَفُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَيَحْجِزُ بَيْنَهُمُ الْقُرَّاءُ، فَلَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ قِتَالٌ. قَالَ: فَفَزِعُوا فِي ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ خَمْسَةً وَثَمَانِينَ فَزْعَةً. محاولة أبو الدرداء وأبو أمامة للصلح بين معاوية وعلي قَالَ: وَخَرَجَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أُمَامَةَ، فَدَخَلَا عَلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَا لَهُ: يَا مُعَاوِيَةُ، عَلَامَ تُقَاتِلُ هَذَا الرَّجُلَ ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَقْدَمُ مِنْكَ وَمِنْ أَبِيكَ سَلْمًا، وَأَقْرَبُ مِنْكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَأَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ. فَقَالَ: أُقَاتِلُهُ عَلَى دَمِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ أَوَى قَتَلَتَهُ، فَاذْهَبَا إِلَيْهِ فَقُولَا لَهُ فَلْيُقِدْنَا مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، ثُمَّ أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُبَايِعُهُ مَنْ أَهْلِ الشَّامِ. فَذَهَبَا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَا لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَرَوْنَ. فَخَرَجَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فَقَالُوا: كُلُّنَا قَتَلَةُ عُثْمَانَ فَمَنْ شَاءَ فَلْيَرْمِنَا وَلْيَكِدْنَا. قَالَ: فَرَجَعَ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَأَبُو أُمَامَةَ فَلَمْ يَشْهَدَا لَهُمْ قِتَالًا، بَلْ لَزِمَا بُيُوتَهُمَا. خداع معاوية بتفجير الفرات وَقَالَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ بِإِسْنَادِهِ: حَتَّى إِذَا كَانَ رَجَبٌ وَخَشِيَ مُعَاوِيَةُ أَنْ تُبَايِعَ الْقُرَّاءُ كُلُّهُمْ عَلِيًّا، كَتَبَ فِي سَهْمٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِحِ، يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْعِرَاقِ، إِنَّ مُعَاوِيَةَ يُرِيدُ أَنْ يَفْجُرَ عَلَيْكُمُ الْفُرَاتَ لِيُغْرِقَكُمْ، فَخُذُوا حِذْرَكُمْ. وَرَمَى بِهِ فِي جَيْشِ أَهْلِ الْعِرَاقِ. فَأَخَذَهُ النَّاسُ فَقَرَأُوهُ وَتَحَدَّثُوا بِهِ، وَذَكَرُوهُ لِعَلِيٍّ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا مَا لَا يَكُونُ وَلَا يَقَعُ. وَشَاعَ ذَلِكَ فِيهِمْ، وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ مِائَتَيْ فَاعِلٍ يَحْفِرُونَ فِي جَنْبِ الْفُرَاتِ وَبَلَغَ النَّاسَ ذَلِكَ، فَخَافَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ ذَلِكَ وَفَزِعُوا إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: وَيَحْكُمُ إِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْدَعَكُمْ وَيُوهِنَ كَيْدَكُمْ، لِيُزِيلَكُمْ عَنْ مَكَانِكُمْ هَذَا وَيَنْزِلَ فِيهِ ; لِأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ مَكَانِهِ. فَقَالُوا: لَا بُدَّ أَنْ نَرْتَحِلَ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ. فَارْتَحَلُوا مِنْهُ - وَجَاءَ مُعَاوِيَةُ فَنَزَلَهُ بِجَيْشِهِ - وَكَانَ عَلِيٌّ آخَرَ مَنِ ارْتَحَلَ، فَنَزَلَ بِهِمْ وَهُوَ يَقُولُ: فَلَوْ أَنِّي أَطَعْتُ عَصَمْتُ قَوْمِي إِلَى رُكْنِ الْيَمَامَةِ أَوْ شَمَامِ     وَلَكِنِّي إِذَا أَبْرَمْتُ أَمْرًا يُخَالِفُهُ الطَّغَامُ بَنُو الطَّغَامِ قَالَ: فَأَقَامُوا إِلَى شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ ثُمَّ شَرَعُوا فِي الْقِتَالِ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ يُؤَمِّرُ عَلَى الْحَرْبِ كُلَّ يَوْمٍ رَجُلًا، وَأَكْثَرُ مَنْ كَانَ يُؤَمِّرُ الْأَشْتَرُ. وَكَذَلِكَ مُعَاوِيَةُ كَانَ يُؤَمِّرُ كُلَّ يَوْمٍ أَمِيرًا. تعبئة جيشي علي ومعاوية والاستعداد للقتال قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ: ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَالنَّاسُ كَافُّونَ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى انْسَلَخَ الْمُحَرَّمُ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ صُلْحٌ، فَأَمَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَرْثَدَ بْنَ الْحَارِثِ الْجُشَمِيَّ، فَنَادَى أَهْلَ الشَّامِ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ: أَلَا إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي قَدِ اسْتَدَمْتُكُمْ لِتُرَاجِعُوا الْحَقَّ، وَأَقَمْتُ عَلَيْكُمُ الْحُجَّةَ فَلَمْ تُجِيبُوا، وَإِنِّي قَدْ أَعْذَرْتُ إِلَيْكُمْ وَنَبَذْتُ إِلَيْكُمْ عَلَى سَوَاءٍ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ. فَفَزِعَ أَهْلُ الشَّامِ إِلَى أُمَرَائِهِمْ فَأَعْلَمُوهُمْ بِمَا سَمِعُوا الْمُنَادِي يُنَادِي بِهِ، فَنَهَضَ عِنْدَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ وَعَمْرٌو، فَعَبَّيَا الْجَيْشَ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً، وَبَاتَ عَلِيٌّ يُعَبِّي جَيْشَهُ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَجَعَلَ عَلَى خَيْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمْ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، وَعَلَى خَيْلِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمْ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَهَاشِمَ بْنَ عُتْبَةَ، وَعَلَى قُرَّائِهِمْ مِسْعَرَ بْنَ فَدَكِيٍّ التَّمِيمِيَّ، وَتَقَدَّمَ عَلِيٌّ إِلَى النَّاسِ أَنْ لَا يَبْدَأُوا أَحَدًا بِقِتَالٍ حَتَّى يَبْدَأَهُمْ وَيَعْتَدِيَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَّهُ لَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ، وَلَا يُكْشَفُ سِتْرَ امْرَأَةٍ وَلَا تُهَانُ وَإِنْ شَتَمَتْ أُمَرَاءَ النَّاسِ وَصُلَحَاءَهُمْ. وَبَرَزَ مُعَاوِيَةُ صُبْحَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ وَقَدْ جَعَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ ابْنَ ذِي الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْفِهْرِيَّ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى خَيْلِ دِمَشْقَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمُ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ. وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَزَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَغَيْرِهِمَا، قَالُوا: لَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ مَسِيرُ عَلِيٍّ إِلَيْهِ، سَارَ مُعَاوِيَةُ نَحْوَ عَلِيٍّ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ سُفْيَانَ بْنَ عَمْرٍو أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى السَّاقَةِ بُسْرَ بْنَ أَرْطَاةَ حَتَّى تَوَافَوْا جَمِيعًا بِقُنَاصِرِينَ إِلَى جَانِبِ صِفِّينَ. وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ: جَعَلَ عَلَى الْمُقَدِّمَةِ أَبَا الْأَعْوَرِ السُّلَمِيَّ، وَعَلَى السَّاقَةِ بُسْرًا، وَعَلَى الْخَيْلِ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَجَعَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَعَلَى رَجَّالَتِهَا يَزِيدَ بْنَ زَحْرٍ الْعَنْسِيَّ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَعَلَى رَجَّالَتِهَا حَابِسَ بْنَ سَعْدٍ الطَّائِيَّ، وَعَلَى خَيْلِ دِمَشْقَ الضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ، وَعَلَى رَجَّالَتِهِمْ يَزِيدَ بْنَ لَبِيدِ بْنِ كُرْزٍ الْبَجَلِيَّ، وَجَعَلَ عَلَى أَهْلِ حِمْصَ ذَا الْكَلَاعِ، وَعَلَى أَهْلِ فِلَسْطِينَ مَسْلَمَةَ بْنَ مُخَلَّدٍ،. خطبة معاوية وعلي في صفين وَقَامَ مُعَاوِيَةُ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، وَاللَّهِ مَا أَصَبْتُ الشَّامَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ، وَلَا أَضْبِطُ حَرْبَ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِلَّا بِالصَّبْرِ، وَلَا أُكَابِدُ أَهْلَ الْحِجَازِ إِلَّا بِاللُّطْفِ، وَقَدْ تَهَيَّأْتُمْ وَسِرْتُمْ لِتَمْنَعُوا الشَّامَ وَتَأْخُذُوا الْعِرَاقَ، وَسَارَ الْقَوْمُ لِيَمْنَعُوا الْعِرَاقَ وَيَأْخُذُوا الشَّامَ وَلَعَمْرِي مَا لِلشَّامِ رَجَاءٌ فِي الْعِرَاقِ وَلَا أَمْوَالِهَا، وَلَا لِلْعِرَاقِ خِبْرَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَلَا بَصَائِرُهَا، مَعَ أَنَّ لِلْقَوْمِ أَعْدَادَهُمْ، وَلَيْسَ بَعْدَكُمْ غَيْرُكُمْ، فَإِنْ غَلَبْتُمُوهُمْ فَلَيْسَ تَغْلِبُوهُمْ إِلَّا مِنْ أَنَاتِكُمْ وَصَبْرِكُمْ، وَإِنْ غَلَبُوكُمْ غَلَبُوا مَنْ بَعْدَكُمْ، وَالْقَوْمُ لَاقُوكُمْ بِكَيْدِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَرِقَّةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَبَصَائِرِ أَهْلِ الْحِجَازِ، وَقَسْوَةِ أَهْلِ مِصْرَ، وَإِنَّمَا يُنْصَرُ غَدًا مَنْ يُنْصَرُ الْيَوْمَ، فَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا خُطْبَةُ مُعَاوِيَةَ، قَامَ فِي أَصْحَابِهِ أَيْضًا خَطِيبًا وَحَضَّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ، وَمَدَحَهُمْ بِالصَّبْرِ وَشَجَّعَهُمْ بِكَثْرَتِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ. اليوم الأول والثاني والثالث من موقعة صفين قَالَ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ، وَزَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: سَارَ عَلِيٌّ إِلَى الشَّامِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ أَلْفًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ فِي نَحْوٍ مِنْهُمْ مَنْ أَهْلِ الشَّامِ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: أَقْبَلَ عَلِيٌّ فِي مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ، وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ فِي مِائَةِ أَلْفٍ وَثَلَاثِينَ أَلْفًا. ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ دِيزِيلَ فِي كِتَابِهِ. وَقَدْ تَعَاقَدَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا، فَعَقَلُوا أَنْفُسَهُمْ بِالْعَمَائِمِ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ خَمْسَةَ صُفُوفٍ، وَمَعَهُمْ سِتَّةُ صُفُوفٍ آخَرِينَ، وَكَذَلِكَ أَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا أَحَدَ عَشَرَ صَفًّا أَيْضًا، فَتَوَاقَفُوا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أَوَّلَ يَوْمٍ مِنْ صَفَرٍ، وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَكَانَ أَمِيرَ الْحَرْبِ يَوْمَئِذٍ لِلْعِرَاقِيِّينَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، وَأَمِيرَ الْحَرْبِ يَوْمَئِذٍ لِلشَّامِيِّينَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاقْتَتَلُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِمْ، وَقَدِ انْتَصَفَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَتَكَافَئُوا فِي الْقِتَالِ، ثُمَّ أَصْبَحُوا مِنَ الْغَدِ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَأَمِيرُ حَرْبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ، وَأَمِيرُ الشَّامِيِّينَ يَوْمَئِذٍ أَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا ; تَحْمِلُ الْخَيْلُ عَلَى الْخَيْلِ، وَالرِّجَالُ عَلَى الرِّجَالُ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِمْ، وَقَدْ صَبَرَ كُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ لِلْآخَرِ وَتَكَافَئُوا، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ - وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ - عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ مِنْ نَاحِيَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي الشَّامِيِّينَ فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَحَمَلَ عَمَّارٌ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَأَزَالَهُ عَنْ مَوْقِفِهِ، وَبَارَزَ زِيَادُ بْنُ النَّضْرِ الْحَارِثِيُّ - وَكَانَ عَلَى الْخَيَّالَةِ يَوْمَئِذٍ - رَجُلًا، فَلَمَّا تَوَاقَفَا تَعَارَفَا فَإِذَا هُمَا أَخَوَانِ مِنْ أُمٍّ، فَانْصَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى قَوْمِهِ، وَتَرَكَ صَاحِبَهُ، وَتَرَاجَعَ النَّاسُ مِنَ الْعَشِيِّ، وَقَدْ صَبَرَ كُلُّ فَرِيقٍ لِصَاحِبِهِ. اليوم الرابع حتى السابع من موقعة صفين وَخَرَجَ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ - وَهُوَ يَوْمُ السَّبْتِ - مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ ابْنُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَعَهُ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فِي جَحْفَلٍ كَثِيرٍ مِنْ جِهَةِ الشَّامِيِّينَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَبَرَزَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَطَلَبَ مِنَ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَبَرَزَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا كَادَا أَنْ يَقْتَرِبَا قَالَ عَلِيٌّ: مَنِ الْمُبَارِزُ ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ ابْنُكُ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. فَيُقَالُ: إِنَّ عَلِيًّا حَرَّكَ دَابَّتَهُ وَأَمَرَ ابْنَهُ أَنْ يَتَوَقَّفَ، وَتَقَدَّمَ عَلِيٌّ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: تَقَدَّمْ إِلَيَّ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: لَا حَاجَةَ لِي فِي مُبَارَزَتِكَ. فَقَالَ: بَلَى. فَقَالَ: لَا. فَرَجَعَ عَنْهُ عَلِيٌّ وَتَحَاجَزَ النَّاسُ يَوْمَهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الْخَامِسِ - وَهُوَ يَوْمُ الْأَحَدِ - فِي الْعِرَاقِيِّينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَفِي الشَّامِيِّينَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، فَاقْتَتَلَ النَّاسُ قِتَالًا شَدِيدًا وَجَعَلَ الْوَلِيدُ يَنَالُ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ - فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو مِخْنَفٍ - وَيَقُولُ: قَتَلْتُمْ خَلِيفَتَكُمْ وَلَمْ تَنَالُوا مَا طَلَبْتُمْ، وَوَاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ نَاصِرُنَا عَلَيْكُمْ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَابْرُزْ إِلَيَّ. فَأَبَى عَلَيْهِ. وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَاتَلَ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيدًا بِنَفْسِهِ، ؓ، ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ السَّادِسِ - وَهُوَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ - مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ عَلَى الْعِرَاقِيِّينَ قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ، وَمِنْ جِهَةِ أَهْلِ الشَّامِ ابْنُ ذِي الْكَلَاعِ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَيْضًا، وَتَصَابَرُوا ثُمَّ تَرَاجَعُوا، ثُمَّ خَرَجَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ - وَهُوَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ - مِنْ جِهَةِ عَلِيٍّ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ قِرْنُهُ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، وَهُوَ حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاقْتَتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا أَيْضًا، وَلَمْ يَغْلِبْ أَحَدٌ أَحَدًا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ كُلِّهَا. تعبئة معاوية وعلي ؓ جيوشهما مرة أخرى واشتداد القتال عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ: حَتَّى مَتَى لَا نُنَاهِضُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِأَجْمَعِنَا ؟ ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ عَشِيَّةَ الْأَرْبِعَاءِ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يُبْرَمُ مَا نَقَضَ، وَمَا أَبْرَمَ لَمْ يَنْقُضْهُ النَّاقِضُونَ، لَوْ شَاءَ مَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا تَنَازَعَتِ الْأُمَّةُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ، وَلَا جَحَدَ الْمَفْضُولُ ذَا الْفَضْلِ فَضْلَهُ، وَقَدْ سَاقَتْنَا وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الْأَقْدَارُ، فَلَفَّتْ بَيْنَنَا فِي هَذَا الْمَكَانِ، فَنَحْنُ مِنْ رَبِّنَا بِمَرْأَى وَمَسْمَعٍ، فَلَوْ شَاءَ لَعَجَّلَ النِّقْمَةَ، وَكَانَ مِنْهُ التَّغْيِيرُ حَتَّى يُكَذِّبَ اللَّهُ الظَّالِمَ، وَيُعْلَمَ الْحَقُّ أَيْنَ مَصِيرُهُ، وَلَكِنَّهُ جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ الْأَعْمَالِ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ عِنْدَهُ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى [ النَّجْمِ: 31 ]. أَلَا وَإِنَّكُمْ لَاقُوا الْقَوْمِ غَدًا فَأَطِيلُوا اللَّيْلَةَ الْقِيَامَ، وَأَكْثِرُوا تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ، وَأَسْأَلُوا اللَّهَ النَّصْرَ وَالصَّبْرَ، وَالْقَوْهُمْ بِالْجِدِّ وَالْحَزْمِ، وَكُونُوا صَادِقِينَ. قَالَ: فَوَثَبَ النَّاسُ إِلَى سُيُوفِهِمْ وَرِمَاحِهِمْ وَنِبَالِهِمْ يُصْلِحُونَهَا. قَالَ: وَمَرَّ بِالنَّاسِ وَهُمْ كَذَلِكَ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ التَّغْلَبِيُّ، فَرَأَى مَا يَصْنَعُونَ فَجَعَلَ يَقُولُ: أَصْبَحَتِ الْأَمَّةُ فِي أَمْرِ عَجَبْ     وَالْمُلْكُ مَجْمُوعٌ غَدًا لِمَنْ غَلَبْ فَقُلْتُ قَوْلًا صَادِقًا غَيْرَ كَذِبْ     إِنَّ غَدًا تَهْلِكُ أَعْلَامُ الْعَرَبْ قَالَ: ثُمَّ أَصْبَحَ عَلِيٌّ فِي جُنُودِهِ قَدْ عَبَّأَهُمْ كَمَا أَرَادَ، وَرَكِبَ مُعَاوِيَةُ فِي جَيْشِهِ قَدْ عَبَّأَهُمْ كَمَا أَرَادَ، وَقَدْ أَمَرَ عَلِيٌّ كُلَّ قَبِيلَةِ مَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنْ تَكْفِيَهُ أُخْتَهَا مَنْ أَهْلِ الشَّامِ، ثُمَّ زَحَفَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَتَقَاتَلُوا قِتَالًا عَظِيمًا لَا يَفِرُّ أَحَدٌ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَغْلِبُ أَحَدٌ أَحَدًا، ثُمَّ تَحَاجَزُوا عِنْدَ الْعَشِيِّ وَأَصْبَحَ عَلِيٌّ فَصَلَّى الْفَجْرَ بِغَلَسٍ وَبَاكَرَ الْقِتَالَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ أَهْلَ الشَّامِ فَاسْتَقْبَلُوهُ بِوُجُوهِهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مِخْنَفٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّقْفِ الْمَحْفُوظِ الْمَكْفُوفِ الَّذِي جَعَلْتَهُ مَغِيضًا لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَجَعَلْتَ فِيهِ مَجْرَى الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَنَازِلَ النُّجُومِ، وَجَعَلْتَ فِيهِ سِبْطًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَسْأَمُونَ الْعِبَادَةَ، وَرَبَّ هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي جَعَلْتَهَا قَرَارًا لِلْأَنَامِ وَالْهَوَامِّ وَالْأَنْعَامِ، وَمَا لَا يُحْصَى مِمَّا يُرَى وَمَا لَا يُرَى مِنْ خَلْقِكَ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَرَبَّ السَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ الْمُحِيطِ بِالْعَالَمِ، وَرَبَّ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي الَّتِي جَعَلْتَهَا لِلْأَرْضِ أَوْتَادًا وَلِلْخَلْقِ مَتَاعًا، إِنْ أَظَهَرْتَنَا عَلَى عَدُوِّنَا فَجَنِّبْنَا الْبَغْيَ وَالْفَسَادَ وَسَدِّدْنَا لِلْحَقِّ، وَإِنْ أَظَهَرْتَهُمْ عَلَيْنَا فَارْزُقْنِي الشَّهَادَةَ، وَجَنِّبْ بَقِيَّةَ أَصْحَابِي مِنَ الْفِتْنَةِ. ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلِيٌّ وَهُوَ فِي الْقَلْبِ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَلَى مَيْمَنَتِهِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَعَلَى الْقُرَّاءِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ، وَالنَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ، فَزَحَفَ بِهِمْ إِلَى الْقَوْمِ. وَأَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ - وَقَدْ بَايَعَهُ أَهْلُ الشَّامِ عَلَى الْمَوْتِ - فَتَوَاقَفَ النَّاسُ فِي مَوْطِنٍ مَهُولٍ وَأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَحَمَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ أَمِيرُ مَيْمَنَةِ عَلِيٍّ عَلَى مَيْسَرَةِ أَهْلِ الشَّامِ وَعَلَيْهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَاضْطَرَّهُ حَتَّى أَلْجَأَهُ إِلَى الْقَلْبِ، وَفِيهِ مُعَاوِيَةُ، وَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَرَّضَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَقَامَ كُلُّ أَمِيرٍ فِي أَصْحَابِهِ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَالْجِهَادِ، وَيَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْقِتَالِ، وَحَرَّضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ النَّاسَ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ وَتَلَا عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْقِتَالِ مِنْ أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ ; فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [ الصَّفِّ: 4 ]. ثُمَّ قَالَ: قَدِّمُوا الْمُدَارِعَ وَأَخِّرُوا الْحَاسِرَ وَعَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ، فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ، وَالْتَوُوا فِي أَطْرَافِ الرِّمَاحِ، فَإِنَّهُ أَصْوَنُ لِلْأَسِنَّةِ، وَغُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبُطُ لِلْجَأْشِ وَأَسْكُنُ لِلْقَلْبِ، وَأَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ، وَأَوْلَى بِالْوَقَارِ، رَايَاتِكُمْ لَا تُمِيلُوهَا وَلَا تُزِيلُوهَا وَلَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا بِأَيْدِي شُجْعَانِكُمْ. مبارزة علي بنفسه القتال يوم موقعة صفين وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاءُ التَّارِيخِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ عَلِيًّا، ؓ، بَارَزَ فِي يَوْمِ صِفِّينَ وَقَاتَلَ وَقَتَلَ خَلْقَا، حَتَّى ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَتَلَ خَمْسَمِائَةٍ، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُرَيْبَ بْنَ الصَّبَّاحِ قَتَلَ أَرْبَعَةً مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مُبَارَزَةً، ثُمَّ وَضَعَهُمْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَنَادَى: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ فَتَجَاوَلَا سَاعَةً ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ قَالَ عَلِيٌّ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ ؟ فَبَرَزَ إِلَيْهِ الْحَارِثُ بْنُ وَدَاعَةَ الْحِمْيَرِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ رُودُ بْنُ الْحَارِثِ الْكَلَاعِيُّ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ إِلَيْهِ الْمُطَاعُ بْنُ الْمُطَّلِبِ الْقَيْنِيُّ فَقَتَلَهُ. ثُمَّ تَلَا عَلِيٌّ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ [ الْبَقَرَةِ: 194 ] ثُمَّ نَادَى: وَيْحَكَ يَا مُعَاوِيَةُ ! ابْرُزْ إِلَيَّ وَلَا تُفْنِ الْعَرَبَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ. فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو يَا مُعَاوِيَةُ اغْتَنِمْهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَثْخَنَ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ. فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ عَلِيًّا لَمْ يُقْهَرْ قَطُّ، وَإِنَّمَا أَرَدْتَ قَتْلِي لِتُصِيبَ الْخِلَافَةَ مِنْ بَعْدِي، اذْهَبْ إِلَيْكَ ! فَلَيْسَ مِثْلِي يُخْدَعُ. وَذَكَرُوا أَنَّ عَلِيًّا حَمَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمًا فَضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ، فَأَلْقَاهُ إِلَى الْأَرْضِ فَبَدَتْ سَوْءَتُهُ فَرَجَعَ عَلِيٌّ عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: مَالَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ رَجَعَتْ عَنْهُ ؟ فَقَالَ: أَتُدْرُونَ مَنْ هُوَ ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: هُوَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَإِنَّهُ تَلَقَّانِي بِسَوْءَتِهِ فَذَكَّرَنِي بِالرَّحِمِ فَرَجَعْتُ عَنْهُ. فَلَمَّا رَجَعَ عَمْرٌو إِلَى مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ: احْمَدِ اللَّهَ، وَاحْمَدِ اسْتَكَ. احتدام القتال بين معاوية وعلي ؓ وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ لَقِيطٍ قَالَ: شَهِدْنَا صِفِّينَ مَعَ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ عَلَيْنَا دَمًا عَبِيطًا. قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِهِ: حَتَّى أَنْ كَانُوا لَيَأْخُذُونَهُ بِالصِّحَافِ وَالْآنِيَةِ. قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ فَتَمْتَلِئُ وَنُهْرِيقُهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُدَيْلٍ كَسَرَ الْمَيْسَرَةَ الَّتِي فِيهَا حَبِيبُ بْنُ مَسْلَمَةَ حَتَّى أَدْخَلَهَا فِي الْقَلْبِ، فَأَمَرَ مُعَاوِيَةُ الشُّجْعَانَ أَنْ يُعَاوِنُوا حَبِيبًا عَلَى الْكَرَّةِ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُهُ بِالْحَمْلَةِ وَالْكَرَّةِ عَلَى ابْنِ بُدَيْلٍ، فَحَمَلَ حَبِيبٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الشُّجْعَانِ عَلَى مَيْمَنَةِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، فَأَزَالُوهُمْ عَنْ أَمَاكِنِهِمْ وَانْكَشَفُوا عَنْ أَمِيرِهِمْ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا زُهَاءُ ثَلَاثِمِائَةٍ وَانْجَفَلَ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَلَمْ يَبْقَ مَعَ عَلِيٍّ مِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ إِلَّا أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِمْ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ، وَثَبَتَ رَبِيعَةُ مَعَ عَلِيٍّ، ؓ، وَاقْتَرَبَ أَهْلُ الشَّامِ مِنْهُ حَتَّى جَعَلَتْ نِبَالُهُمْ تَصِلُ إِلَيْهِ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ مَوْلًى لِبَنِي أُمَيَّةَ فَاعْتَرَضَهُ مَوْلًى لِعَلِيٍّ فَقَتَلَهُ الْأُمَوِيُّ، وَأَقْبَلَ يُرِيدُ عَلِيًّا، وَحَوْلَهُ بَنُوهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى عَلِيٍّ، أَخَذَهُ عَلِيٌّ بِيَدِهِ، فَرَفَعَهُ ثُمَّ أَلْقَاهُ عَلَى الْأَرْضِ فَكَسَرَ عَضُدَهُ وَمَنْكِبَهِ وَابْتَدَرَهُ الْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدٌ بِأَسْيَافِهِمَا فَقَتَلَاهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْحَسَنِ ابْنِهِ، وَهُوَ وَاقِفٌ مَعَهُ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَصْنَعَ كَمَا صَنَعَا ؟ فَقَالَ: كَفَيَانِي أَمْرَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. وَأَسْرَعَ إِلَى عَلِيٍّ أَهْلُ الشَّامِ فَجَعَلَ عَلِيٌّ لَا يَزِيدُهُ قُرْبُهُمْ مِنْهُ سُرْعَةً فِي مِشْيَتِهِ، بَلْ هُوَ سَائِرٌ عَلَى هِينَتِهِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ: يَا أَبَهْ، لَوْ سَعَيْتَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا ! فَقَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّ لِأَبِيكَ يَوْمًا لَنْ يَعْدُوَهُ، وَلَا يُبْطِئُ بِهِ عَنْهُ السَّعْيُ، وَلَا يُعَجِّلُ بِهِ إِلَيْهِ الْمَشْيُ، إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ مَا يُبَالِي أَوَقَعَ عَلَى الْمَوْتِ أَوْ وَقَعَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا أَمَرَ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ أَنْ يَلْحَقَ الْمُنْهَزِمِينَ فَيَرُدَّهُمْ، فَسَاقَ بِأَسْرَعِ سَوْقٍ حَتَّى اسْتَقْبَلَ الْمُنْهَزِمِينَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ، فَجَعَلَ يُؤَنِّبُهُمْ وَيُوَبِّخُهُمْ وَيُحَرِّضُ الْقَبَائِلَ وَالشُّجْعَانَ مِنْهُمْ عَلَى الْكَرَّةِ، فَتَابَعَهُ طَائِفَةٌ وَاسْتَمَرَّ آخَرُونَ فِي هَزِيمَتِهِمْ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ جَمْعٌ عَظِيمٌ، فَرَجَعَ بِهِمْ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ فَجَعَلَ لَا يَلْقَى قَبِيلَةً مِنَ الشَّامِيِّينَ إِلَّا كَشَفَهَا، وَلَا طَائِفَةَ إِلَّا رَدَّهَا حَتَّى انْتَهَى إِلَى أَمِيرِ الْمَيْمَنَةِ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ، وَمَعَهُ نَحْوٌ مَنْ ثَلَاثِمِائَةٍ قَدْ ثَبَتُوا فِي مَكَانِهِمْ فَسَأَلُوهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ: حَيٌّ صَالِحٌ. فَالْتَفُّوا عَلَيْهِ، فَتَقَدَّمَ بِهِمْ حَتَّى تَرَاجَعَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَذَلِكَ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ، وَأَرَادَ ابْنُ بُدَيْلٍ أَنْ يَتَقَدَّمَ إِلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَأَمَرَهُ الْأَشْتَرُ أَنْ يَثْبُتَ مَكَانَهُ فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ ابْنُ بُدَيْلٍ، وَحَمَلَ نَحْوَ مُعَاوِيَةَ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ وَجَدَهُ وَاقِفًا أَمَامَ أَصْحَابِهِ وَفِي يَدِهِ سَيْفَانِ وَحَوْلَهُ كَتَائِبُ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، فَلَمَّا اقْتَرَبَ ابْنُ بُدَيْلٍ حَمَلَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ فَقَتَلُوهُ وَأَلْقَوْهُ إِلَى الْأَرْضِ قَتِيلًا، وَفَرَّ أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ وَأَكْثَرُهُمْ مَجْرُوحٌ، فَلَمَّا انْهَزَمُوا قَالَ مُعَاوِيَةُ لِأَصْحَابِهِ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِهِمْ ؟ فَجَاءُوا إِلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفُوهُ، فَتَقَدَّمَ مُعَاوِيَةُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلٍ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا وَاللَّهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ - وَهُوَ حَاتِمٌ الطَّائِيُّ -: أَخُو الْحَرْبِ إِنْ عَضَّتْ بِهِ الْحَرْبُ عَضَّهَا     وَإِنْ شَمَّرَتْ يَوْمًا بِهِ الْحَرْبُ شَمَّرَا وَيَحْمِي إِذَا مَا الْمَوْتِ حَانَ لِقَاؤُهُ     كَذَلِكَ ذُو الْأَشْبَالِ يَحْمِي إِذَا فَرَّا كَلَيْثً هِزَبْرٍ كَانَ يَحْمِي ذِمَارَهُ     رَمَتْهُ الْمَنَايَا قَصْدَهَا فَتَقَطَّرَا ثُمَّ حَمَلَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيَّ بِمَنْ رَجَعَ مَعَهُ مِنَ الْمُنْهَزِمِينَ، فَصَدَقَ الْحَمْلَةَ حَتَّى خَالَطَ الصُّفُوفَ الْخَمْسَةَ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى الْمَوْتِ أَنْ لَا يَفِرُّوا وَهُمْ حَوْلَ مُعَاوِيَةَ، فَخَرَقَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةً، وَبَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ صَفٌّ وَاحِدٌ، قَالَ الْأَشْتَرُ: فَرَأَيْتُ هَوْلًا عَظِيمًا، وَكِدْتُ أَنْ أَفِرَّ فَمَا ثَبَّتَنِي إِلَّا قَوْلُ ابْنُ الْإِطْنَابَةِ - وَهِيَ أُمُّهُ مِنْ بَلْقَيْنَ، وَكَانَ هُوَ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُوَ جَاهِلِيٌّ: أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي     وِإِقْدَامِي عَلَى الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَإِعْطَائِى عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي     وَضَرْبِي هَامَةَ الرَّجُلِ السَّمِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ     مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي قَالَ: هَذَا هُوَ الَّذِي ثَبَّتَنِي فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ. وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ دِيزِيلَ رَوَى فِي كِتَابِهِ أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ حَمَلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً، فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الشَّامِ صَفٌّ إِلَّا أَزَالُوهُ، حَتَّى أَفْضَوْا إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَدَعَا بِفَرَسِهِ لِيَنْجُوَ عَلَيْهِ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَلَمَّا وَضَعْتُ رِجْلِي فِي آلَةِ الرِّكَابِ تَمَثَّلْتُ بِأَبْيَاتِ عَمْرِو بْنِ الْإِطْنَابَةِ: أَبَتْ لِي عِفَّتِي وَأَبَى بَلَائِي     وَأَخْذِي الْحَمْدَ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ وَإِعْطَائِي عَلَى الْمَكْرُوهِ مَالِي     وَضَرْبِي هَامَةَ الْبَطَلِ الْمُشِيحِ وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ وَجَاشَتْ     مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي قَالَ: فَثَبَتُّ. وَنَظَرَ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَوْمَ صِفِّينَ، فَقَالَ: الْيَوْمَ صَبْرٌ وَغَدًا فَخْرٌ. فَقَالَ لَهُ عَمْرُو: صَدَقْتَ. قَالَ مُعَاوِيَةُ: فَأَصَبْتُ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ أُصِيبَ خَيْرًا فِي الْآخِرَةِ. وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ. مقتل عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَبَعَثَ مُعَاوِيَةُ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ - وَهُوَ أَمِيرُ الْخَيَّالَةِ لِعَلِيٍّ - فَقَالَ لَهُ: اتْبَعْنِي عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَلَكَ إِمْرَةُ الْعِرَاقِ. فَطَمِعَ فِيهَا، فَلَمَّا وَلِيَ مُعَاوِيَةُ الْعِرَاقَ لَمْ يُعْطِهِ شَيْئًا. ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا لَمَّا رَأَى الْمَيْمَنَةَ قَدِ اجْتَمَعَتْ، رَجَعَ إِلَى النَّاسِ فَأَنَّبَ بَعْضَهُمْ وَعَذَّرَ بَعْضَهُمْ وَحَرَّضَ النَّاسَ وَثَبَّتَهُمْ، ثُمَّ تَرَاجَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ فَاجْتَمَعَ شَمْلُهُمْ وَدَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ لَهُمْ وَجَالُوا فِي الشَّامِيِّينَ وَصَالُوا، وَتَبَارَزَ الشُّجْعَانُ فَقُتِلَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْيَانِ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ - فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - مِنْهُمْ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنَ الشَّامِيِّينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي قَاتِلِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مَنْ هُوَ ؟ وَقَدْ ذَكَرَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ دِيزِيلَ، أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ لَمَّا خَرَجَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَرْبِ مِنْ جِهَةِ مُعَاوِيَةَ، أَحْضَرَ امْرَأَتَيْهِ ; أَسْمَاءَ بِنْتَ عُطَارِدِ بْنِ حَاجِبٍ التَّمِيمِيِّ، وَبَحْرِيَّةَ بِنْتَ هَانِئِ بْنِ قَبِيصَةَ الشَيْبَانَيِّ، فَوَقَفَتَا وَرَاءَهُ فِي رَاحِلَتَيْنِ لِتَنْظُرَا إِلَى قِتَالِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَقُوَّتِهِ، فَوَاجَهَتْهُ مِنْ جَيْشِ الْعِرَاقِيِّينَ رَبِيعَةُ الْكُوفَةِ وَعَلَيْهِمْ زِيَادُ بْنُ خَصَفَةَ التَّيْمِيُّ، فَشَدُّوا عَلَيْهِ شَدَّةً وَاحِدَةً، فَقَتَلُوهُ بَعْدَ مَا انْهَزَمَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ، وَنَزَلَتْ رَبِيعَةُ فَضَرَبُوا لِأَمِيرِهِمْ خَيْمَةً، فَبَقِيَ مِنْهَا طُنُبٌ لَمْ يَجِدُوا لَهُ وَتَدًا فَشَدُّوهُ بِرِجْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَجَاءَتِ امْرَأَتَاهُ تُوَلْوِلَانِ حَتَّى وَقَفَتَا عَلَيْهِ وَبَكَتَا عِنْدَهُ، وَشَفَعَتِ امْرَأَتُهُ بَحْرِيَّةُ إِلَى الْأَمِيرِ أَنْ يُطْلِقَهُ لَهَا فَأَطْلَقَهُ لَهَا فَاحْتَمَلَتَاهُ فِي هَوْدَجِهِمَا. وَقُتِلَ مَعَهُ أَيْضًا ذُو الْكَلَاعِ الْحِمْيَرِيُّ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَفِي مَقْتَلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَقُولُ كَعْبُ بْنُ جُعَيْلٍ التَّغْلَبِيُّ: أَلَا إِنَّمَا تَبْكِي الْعُيُونُ لِفَارِسٍ     بِصِفِّينَ وَلَّتْ خَيْلُهُ وَهْوَ وَاقِفُ تَبَدَّلَ مِنْ أَسْمَاءَ أَسْيَافَ وَائِلٍ     وَكَانَ فَتًى لَوْ أَخْطَأَتْهُ الْمَتَالِفُ تَرَكْنَ عُبَيْدَ اللَّهِ بِالْقَاعِ ثَاوِيًا     تَسِيلُ دَمَاهُ وَالْعُرُوقُ نَوَازِفُ يَنُوءُ وَيَغْشَاهُ شَآبِيبُ مِنْ دَمٍ     كَمَا لَاحَ مِنْ جَيْبِ الْقَمِيصِ الْكَفَائِفُ وَقَدْ صَبَرَتْ حَوْلَ ابْنِ عَمِّ مُحَمَّدٍ     لَدَى الْمَوْتِ أَرْبَابُ الْمَنَاقِبِ شَارِفُ فَمَا بَرَحُوا حَتَّى رَأَى اللَّهُ صَبْرَهُمْ     وَحَتَّى أُلِيِحَتْ بِالْأَكُفِّ الْمَصَاحِفُ وَزَادَ غَيْرُهُ فِيهَا: مُعَاوِيَ لَا تَنْهَضْ بِغَيْرِ وَثِيقَةٍ     فَإِنَّكَ بَعْدَ الْيَوْمِ بِالذُّلِّ عَارِفُ وَقَدْ أَجَابَهُ أَبُو جَهْمَةَ الْأَسْدِيُّ بِقَصِيدَةٍ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْهِجَاءِ تَرَكْنَاهَا قَصْدًا. مَقْتَلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ مَقْتَلُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، ؓ، مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ؓ قَتَلَهُ أَهْلُ الشَّامِ وَبَانَ بِذَلِكَ وَظَهَرَ سِرُّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ، ﷺ، مِنْ أَنَّهُ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَبَانَ بِذَلِكَ أَنَّ عَلِيًّا مُحِقٌّ وَأَنَّ مُعَاوِيَةَ بَاغٍ وَمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ. عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ عَمَّارًا قَالَ يَوْمَئِذٍ: أَيْنَ مَنْ يَبْتَغِي رِضْوَانَ اللَّهِ وَلَا يَلْوِي إِلَى مَالٍ وَلَا وَلَدٍ ؟ قَالَ: فَأَتَتْهُ عِصَابَةٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، اقْصِدُوا بِنَا نَحْوَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَبْتَغُونَ دَمَ عُثْمَانَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا، وَاللَّهِ مَا قَصْدُهُمُ الْأَخْذَ بِدَمِهِ وَلَا الْقِيَامَ بِثَأْرِهِ، وَلَكِنَّ الْقَوْمَ ذَاقُوا الدُّنْيَا فَاسْتَحْلَوْهَا وَاسْتَمْرَءُوهَا، وَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ إِذَا لَزِمَهُمْ حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَتَمَرَّغُونَ فِيهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَشَهَوَاتِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ لِلْقَوْمِ سَابِقَةٌ فِي الْإِسْلَامِ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا طَاعَةَ النَّاسِ لَهُمْ وَالْوِلَايَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا تَمَكَّنَتْ مِنْ قُلُوبِهِمْ خَشْيَةُ اللَّهِ الَّتِي تَمْنَعُ مَنْ تَمَكَّنَتْ مِنْ قَلْبِهِ عَنْ نَيْلِ الشَّهَوَاتِ، وَتَعْقِلُهُ عَنْ إِرَادَةِ الدُّنْيَا وَطَلَبِ الْعُلُوِّ فِيهَا، وَتَحْمِلُهُ عَلَى اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَالْمَيْلِ إِلَى أَهْلِهِ، فَخَدَعُوا أَتْبَاعَهُمْ بِقَوْلِهِمْ: إِمَامُنَا قُتِلَ مَظْلُومًا. لِيَكُونُوا بِذَلِكَ جَبَابِرَةً مُلُوكًا، وَتِلْكَ مَكِيدَةٌ بَلَغُوا بِهَا مَا تَرَوْنَ، وَلَوْلَا هِيَ مَا تَبِعَهُمْ مِنَ النَّاسِ رَجُلَانِ، وَلَكَانُوا أَذَلَّ وَأَخَسَّ وَأَقَلَّ، وَلَكِنَّ قَوْلَ الْبَاطِلِ لَهُ حَلَاوَةٌ فِي أَسْمَاعِ الْغَافِلِينَ، فَسِيرُوا إِلَى اللَّهِ سَيْرًا جَمِيلًا، وَاذْكُرُوهُ ذِكْرًا كَثِيرًا. ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَلَامَهُمَا وَانْتَهَرَهُمَا وَوَعَظَهُمَا، وَذَكَرُوا مِنْ كَلَامِهِ لَهُمَا مَا فِيهِ غِلْظَةٌ. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَمَةَ يَقُولُ: رَأَيْتُ عَمَّارًا يَوْمَ صِفِّينَ شَيْخًا كَبِيرًا آدَمَ طُوَالًا، آخِذٌ الْحَرْبَةَ بِيَدِهِ وَيَدُهُ تَرْعَدُ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ قَاتَلْتُ بِهَذِهِ الرَّايَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَهَذِهِ الرَّابِعَةُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ ضَرَبُونَا حَتَّى يَبْلُغُوا بِنَا شَعَفَاتِ هَجَرَ، لَعَرَفْتُ أَنَّ مُصْلِحِينَا عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّهُمْ عَلَى الضَّلَالَةِ. وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَمَّارٍ: أَرَأَيْتَ قِتَالَكُمْ رَأْيًا رَأَيْتُمُوهُ، فَإِنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ، أَوْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ ؟ فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، شَيْئًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً. وَهَذَا كَمَا ثَبَتَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " وَغَيْرِهِمَا، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيٍّ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ عَهِدَهُ إِلَيْكُمْ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ ؟ فَقَالَ: لَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي الْقُرْآنِ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قُلْتُ: وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ فَإِذَا فِيهَا الْعَقْلُ وَفَكَاكُ الْأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَأَنَّ الْمَدِينَةَ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ قَالَ يَوْمَ صِفِّينَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا الرَّأْيَ عَلَى الدِّينِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ أَقْدِرُ لَرَدَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، أَمْرَهُ، وَوَاللَّهِ مَا حَمَلْنَا سُيُوفَنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا مُنْذُ أَسْلَمْنَا لِأَمْرٍ يَقْطَعُنَا إِلَّا أَسْهَلَنْ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ، غَيْرِ أَمْرِنَا هَذَا، فَإِنَّا لَا نَسُدُّ مِنْهُ خَصْمًا إِلَّا انْفَتَحَ لَنَا غَيْرُهُ لَا نَدْرِي كَيْفَ نُبَالِي لَهُ. وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ يَوْمَ صِفِّينَ: ائْتُونِي بِشَرْبَةِ لَبَنٍ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: آخِرُ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا مِنَ الدُّنْيَا شَرْبَةُ لَبَنٍ وَعَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ثُمَّ حَمَلَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ ابْنُ جَوْنٍ السَّكُونِيُّ، وَأَبُو الْغَادِيَةِ الْفَزَارِيُّ، فَأَمَّا أَبُو الْغَادِيَةِ فَطَعَنَهُ، وَأَمَّا ابْنُ جَوْنٍ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ. وَقَدْ كَانَ ذُو الْكَلَاعِ سَمِعَ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَآخَرُ شَرْبَةٍ تَشْرَبُهَا صَاعُ لَبَنٍ. فَكَانَ ذُو الْكَلَاعِ يَقُولُ لِعَمْرٍو: وَيْحَكَ مَا هَذَا يَا عَمْرُو ؟ فَيَقُولُ لَهُ عَمْرٌو: إِنَّهُ سَيَرْجِعُ إِلَيْنَا. قَالَ: فَلَمَّا أُصِيبَ عَمَّارٌ بَعْدَ ذِي الْكَلَاعِ، قَالَ عَمْرٌو لِمُعَاوِيَةَ: مَا أَدْرِي بِقَتْلِ أَيِّهِمَا أَنَا أَشَدُّ فَرَحًا ; بِقَتْلِ عَمَّارٍ أَوْ ذِي الْكَلَاعِ، وَاللَّهِ لَوْ بَقِيَ ذُو الْكَلَاعِ حَتَّى يُقْتَلَ عَمَّارٌ لَمَالَ بِعَامَّةِ أَهْلِ الشَّامِ إِلَى عَلِيٍّ، وَلَأَفْسَدَ عَلَيْنَا جُنْدَنَا. قَالَ: وَكَانَ لَا يَزَالُ يَجِيءُ رَجُلٌ فَيَقُولُ لِمُعَاوِيَةَ وَعَمْرٍو: أَنَا قَتَلْتُ عَمَّارًا. فَيَقُولُ لَهُ عَمْرٌو: فَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ ؟ فَيَخْلِطُونَ فِيمَا يُخْبِرُونَ، حَتَّى جَاءَ ابْنُ جَوْنٍ فَقَالَ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: الْيَوْمَ أَلْقَى الْأَحِبَّةْ     مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: صَدَقْتَ أَنْتَ، إِنَّكَ صَاحِبُهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: رُوَيْدًا، أَمَا وَاللَّهِ مَا ظَفِرْتَ بِذَاكَ، وَلَقَدْ أَسَخَطْتَ رَبَّكَ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لِعَمَّارٍ: تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. وَعَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا: " مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ شَيْئَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَرْشَدَهُمَا ". وَبِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شَمِرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَوْسَطِ، قَالَ: اخْتَصَمَ رَجُلَانِ فِي سَلَبِ عَمَّارٍ وَفِي قَتْلِهِ، فَأَتَيَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِيَتَحَاكَمَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمَا: وَيْحَكُمَا، اخْرُجَا عَنِّي، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ: وَلِعَتْ قُرَيْشٌ بِعَمَّارٍ، مَا لَهُمْ وَلِعَمَّارٍ ؟ عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ، قَاتِلُهُ وَسَالِبُهُ فِي النَّارِ. قَالَ: فَبَلَغَنِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّمَا قَتَلَهُ مَنْ أَخْرَجَهُ. يَخْدَعُ بِذَلِكَ أَهْلَ الشَّامِ. وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ - وَكَانَ يَأْتِي مِنْ عِنْدِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - قَالَ: بَيْنَا هُوَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلَانِ يَخْتَصِمَانِ فِي قَتْلِ عَمَّارٍ، فَقَالَ لَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: لِيَطِبْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا نَفْسًا لِصَاحِبِهِ بِقَتْلِ عَمَّارٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِعَمْرٍو: أَلَا تَنْهَى عَنَّا مَجْنُونَكَ هَذَا ؟ ثُمَّ أَقْبَلَ مُعَاوِيَةُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: فَلِمَ تُقَاتِلُ مَعَنَا ؟ فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، أَمَرَنِي بِطَاعَةِ وَالِدِي مَا كَانَ حَيًّا، وَأَنَا مَعَكُمْ وَلَسْتُ أُقَاتِلُ. وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: جَاءَ قَاتِلُ عَمَّارٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَعِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، فَقَالَ: ائْذَنْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ عَمْرٌو ؟ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: صَدَقَ إِنَّمَا قَتَلَهُ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ. وَعَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: كُنَّا مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ وَكُنَّا قَدْ وَكَّلْنَا بِفَرَسِهِ نَفْسَيْنِ يَحْفَظَانِهِ وَيَمْنَعَانِهِ أَنْ يَحْمِلَ، فَكَانَ إِذَا حَانَتْ مِنْهُمَا غَفْلَةٌ، حَمَلَ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَخْضِبَ سَيْفَهُ، وَإِنَّهُ حَمَلَ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى انْثَنَى سَيْفُهُ، فَأَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: لَوْلَا أَنَّهُ انْثَنَى مَا رَجَعْتُ. قَالَ: وَرَأَيْتُ عَمَّارًا لَا يَأْخُذُ وَادِيًا مِنْ أَوْدِيَةِ صِفِّينَ إِلَّا اتَّبَعَهُ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، وَرَأَيْتُهُ جَاءَ إِلَى الْمِرْقَالِ، هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ صَاحِبُ رَايَةِ عَلِيٍّ، فَقَالَ: يَا هَاشِمُ تَقَدَّمَ، الْجَنَّةُ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ، وَالْمَوْتُ فِي أَطْرَافِ الْأَسَلِ، وَقَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَتَزَيَّنَتِ الْحَوَرُ الْعَيْنُ: الْيَوْمَ أَلْقَى الْأَحِبَّةْ مَحُمَّدًا وَحِزْبَهْ ثُمَّ حَمَلَا هُوَ وَهَاشِمٌ فَقُتِلَا، رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى، قَالَ: وَحَمَلَ حِينَئِذٍ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ كَأَنَّهُمَا كَانَا - يَعْنِي عَمَّارًا وَهَاشِمًا - عَلَمًا لَهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ قُلْتُ: لَأَدْخُلَنَّ اللَّيْلَةَ إِلَى عَسْكَرِ الشَّامِيِّينَ حَتَّى أَعْلَمَ هَلْ بَلَغَ مِنْهُمْ قَتْلُ عَمَّارٍ مَا بَلَغَ مِنَّا ؟ وَكُنَّا إِذَا تَوَادَعْنَا مِنَ الْقِتَالِ تَحَدَّثُوا إِلَيْنَا وَتَحَدَّثْنَا إِلَيْهِمْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَقَدْ هَدَأَتِ الرِّجْلُ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا أَنَا بِأَرْبَعَةٍ يَتَسَامَرُونَ ; مُعَاوِيَةُ، وَأَبُو الْأَعْوَرِ السُّلَمِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو - وَهُوَ خَيْرُ الْأَرْبَعَةِ - فَأَدْخَلْتُ فَرَسِي بَيْنَهُمْ مَخَافَةَ أَنْ يَفُوتَنِي مَا يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِيهِ: يَا أَبَتِ قَتَلْتُمْ هَذَا الرَّجُلَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، وَقَدْ قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، مَا قَالَ ! قَالَ: وَمَا قَالَ ؟ قَالَ: أَلَمْ تَكُنْ مَعَنَا وَنَحْنُ نَبْنِي الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ يَنْقُلُونَ حَجَرًا حَجَرًا، وَلَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ يَنْقُلُ حَجَرَيْنِ حَجَرَيْنِ، وَلَبِنَتَيْنِ لِبِنْتَيْنِ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ التُّرَابَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: " وَيْحَكَ يَا ابْنَ سُمَيَّةَ، النَّاسُ يَنْقُلُونَ حَجَرًا حَجَرًا، وَلَبِنَةً لَبِنَةً، وَأَنْتَ تَنْقُلُ حَجَرَيْنِ حَجَرَيْنِ، وَلَبِنَتَيْنِ لِبِنْتَيْنِ ; رَغْبَةً مِنْكَ فِي الْأَجْرِ ! وَأَنْتَ وَيْحَكَ مَعَ ذَلِكَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ " ؟ قَالَ: فَدَفَعَ عَمْرٌو صَدْرَ فَرَسِهِ، ثُمَّ جَذَبَ مُعَاوِيَةَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، أَمَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ عَبْدُ اللَّهِ ؟ قَالَ: وَمَا يَقُولُ ؟ فَأَخْبَرُهُ الْخَبَرَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنَّكَ شَيْخٌ أَخْرَقُ، وَلَا تَزَالُ تُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ، وَأَنْتَ تَدْحَضُ فِي بَوْلِكَ، أَوَنَحْنُ قَتَلْنَا عَمَّارًا ؟ إِنَّمَا قَتَلَ عَمَّارًا مَنْ جَاءَ بِهِ. قَالَ: فَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ عِنْدِ فَسَاطِيطِهِمْ وَأَخْبِيَتِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّمَا قَتَلَ عَمَّارًا مَنْ جَاءَ بِهِ. فَلَا أَدْرَى مَنْ كَانَ أَعْجَبُ هُوَ أَوْ هُمْ ؟ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، قَالَ لِعَمَّارٍ: يَا وَيْحَ عَمَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَفِ النَّاسُ كَانَ ابْنُ سُمَيَّةَ مَعَ الْحَقِّ. وَعَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَّنَنَا أَنْ يَظْلِمَنَا وَلَمْ يُؤَمِّنَّا أَنْ يَفْتِنَنَا، أَرَأَيْتَ إِذَا نَزَلَتْ فِتْنَةٌ كَيْفَ أَصْنَعُ ؟ قَالَ: عَلَيْكَ بِكِتَابِ اللَّهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ قَوْمٌ كُلُّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ كَانَ ابْنُ سُمَيَّةَ مَعَ الْحَقِّ. وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، عَنْ مَوْلَاةٍ لِعَمَّارٍ، قَالَتْ: اشْتَكَى عَمَّارٌ شَكْوَى أَرِقَ مِنْهَا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، فَأَفَاقَ وَنَحْنُ نَبْكِي حَوْلَهُ، فَقَالَ: مَا تَبْكُونَ، أَتَخْشَوْنَ أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي ؟ أَخْبَرَنِي حَبِيبِي، ﷺ، أَنَّهُ تَقْتُلُنِي الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَأَنَّ آخِرَ زَادِي مِنَ الدُّنْيَا مَذْقَةٌ مِنْ لَبَنٍ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ عَمَّارًا لَمَّا قُتِلَ قَالَ عَلِيٌّ لِرَبِيعَةَ وَهَمْدَانَ: أَنْتُمْ دِرْعِي وَرُمْحِي. فَانْتُدِبَ لَهُ نَحْوٌ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَتَقَدَّمَهُمْ عَلَى بَغْلَتِهِ فَحَمَلَ وَحَمَلُوا مَعَهُ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَلَمْ يَبْقَ لِأَهْلِ الشَّامِ صَفٌّ إِلَّا انْتَقَضَ، وَقَتَلُوا كُلَّ مَنِ انْتَهَوْا إِلَيْهِ، حَتَّى بَلَغُوا مُعَاوِيَةَ، وَعَلِيٌّ يُقَاتِلُ وَيَقُولُ: أَضْرِبُهُمْ وَلَا أَرَى مُعَاوِيَةْ     الْجَاحِظَ الْعَيْنِ الْعَظِيمَ الْحَاوِيَةْ ليلة الهرير قَالَ ثُمَّ دَعَا عَلِىٌّ مُعَاوِيَةَ إِلَى أَنْ يُبَارِزَهُ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَنْ يَبْرُزَ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُبَارِزْهُ رَجُلٌ قَطُّ إِلَّا قَتَلَهُ، وَلَكِنَّكَ طَمِعْتَ فِيهَا بَعْدِي. ثُمَّ قَدَّمَ عَلِيٌّ ابْنَهُ مُحَمَّدًا فِي عِصَابَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَاتَلُوهُ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ أَتْبَعَهُ عَلِيٌّ فِي عِصَابَةٍ أُخْرَى فَحَمَلَ بِهِمْ، فَقَتَلَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ خَلْقًا كَثِيرًا أَيْضًا، وَقُتِلَ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَيْضًا، وَطَارَتْ أَكُفٌّ وَمَعَاصِمُ وَرُءُوسٌ عَنْ كَوَاهِلِهَا - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - ثُمَّ حَانَتْ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ، فَمَا صَلَّى بِالنَّاسِ إِلَّا إِيمَاءً ; صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ، وَاسْتَمَرَّ الْقِتَالُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ كُلِّهَا وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ اللَّيَالِي شَرًّا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتُسَمَّى هَذِهِ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْهَرِيرِ. وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ تَقَصَّفَتْ فِيهَا الرِّمَاحُ وَنَفَدَتِ النِّبَالُ، وَصَارَ النَّاسُ إِلَى السُّيُوفِ وَعَلِيٌّ، ؓ يُحَرِّضُ الْقَبَائِلَ، وَيَتَقَدَّمُ إِلَيْهِمْ، يَأْمُرُ بِالصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ وَهُوَ أَمَامَ النَّاسِ فِي قَلْبِ الْجَيْشِ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ، تَوَلَّاهَا بَ?ْدَ قَتْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، عَشِيَّةَ الْخَمِيسِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالنَّاسُ يَقْتَتِلُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَذَلِكَ لَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ، عَرَفَ أَهْلُ الْعِرَاقِ أَنَّ أَهْلَ الشَّامِ بُغَاةٌ لَيْسَ مَعَهُمْ حَقٌّ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ السِّيَرِ، أَنَّهُمُ اقْتَتَلُوا بِالرِّمَاحِ حَتَّى تَقَصَّفَتْ، وَبِالنِّبَالِ حَتَّى فَنِيَتْ، وَبِالسُّيُوفِ حَتَّى تَحَطَّمَتْ، ثُمَّ صَارُوا إِلَى أَنْ تَقَاتَلُوا بِالْأَيْدِي، وَالرَّمْيِ بِالْحِجَارَةِ، وَالتُّرَابِ يَعْفِرُونَهُ فِي الْوُجُوهِ، ثُمَّ تَعَاضُّوا بِالْأَسْنَانِ، فَكَانَ يَقْتَتِلُ الرَّجُلَانِ حَتَّى يُثْخِنَا ثُمَّ يَجْلِسَانِ يَسْتَرِيحَانِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَهْمِزُ عَلَى الْآخَرِ وَيَهِرُّ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُومَانِ فَيَقْتَتِلَانِ كَمَا كَانَا، لَا يُمَكِّنُ أَحَدُهُمَا الْفِرَارَ مِنَ الْآخَرِ، فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، وَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ حَتَّى أَصْبَحَ النَّاسُ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهُمْ كَذَلِكَ، وَصَلَّى النَّاسُ الصُّبْحَ إِيمَاءً وَهُمْ فِي الْقِتَالِ حَتَّى تَضَاحَى النَّهَارُ وَأَقْبَلَ النَّصْرُ، وَتُوَجَّهَ النَّصْرُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْأَشْتَرَ النَّخَعِيَّ صَارَتْ إِلَيْهِ إِمْرَةُ الْمَيْمَنَةِ - وَكَانَ مِنَ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ الَّذِينَ يَعْرِفُونَ الْحُرُوبَ وَلَا يَهَابُونَ الْقَتْلَ - فَحَمَلَ بِمَنْ فِيهَا عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، وَتَبِعَهُ عَلِيٌّ فَانْفَضَّتْ غَالِبُ صُفُوفِ أَهْلِ الشَّامِ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْهَزِيمَةُ وَالْكَسْرَةُ وَالْفِرَارُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.