التاريخ 2022
خلافة عثمان بن عفان
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا مَقْتَلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، ؓ تولية عبد الله بن سعد وعزل عمرو بن العاص وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ أَنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ حِينَ عَزَلَهُ عُثْمَانُ عَنْ مِصْرَ وَوَلَّى عَلَيْهَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ. وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَوَارِجَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ كَانُوا مَحْصُورِينَ مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، مَقْهُورِينَ مَعَهُ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِسُوءٍ فِي خَلِيفَةٍ وَلَا أَمِيرٍ، فَمَا زَالُوا يَعْمَلُونَ عَلَيْهِ حَتَّى شَكَوْهُ إِلَى عُثْمَانَ؛ لِيَنْزِعَهُ عَنْهُمْ وَيُوَلِّيَ عَلَيْهِمْ مَنْ هُوَ أَلْيَنُ مِنْهُ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ حَتَّى عَزَلَ عَمْرًا عَنِ الْحَرْبِ وَتَرَكَهُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَوَلَّى عَلَى الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، ثُمَّ سَعَوْا فِيمَا بَيْنَهُمَا بِالنَّمِيمَةِ فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا، حَتَّى كَانَ بَيْنَهُمَا كَلَامٌ قَبِيحٌ، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ فَجَمَعَ لِابْنِ أَبِي سَرْحٍ جَمِيعَ عِمَالَةِ مِصْرَ؛ خَرَاجَهَا وَحَرْبَهَا وَصَلَاتَهَا، وَبَعَثَ إِلَى عَمْرٍو يَقُولُ لَهُ: لَا خَيْرَ لَكَ فِي الْمَقَامِ عِنْدَ مَنْ يَكْرَهُكَ، فَاقْدُمْ إِلَيَّ. فَانْتَقَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَفِي نَفْسِهِ مِنْ عُثْمَانَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَشَرٌّ كَبِيرٌ، فَكَلَّمَهُ فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ بِنَفْسٍ، وَتَقَاوَلَا فِي ذَلِكَ، وَافْتَخَرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ بِأَبِيهِ عَلَى أَبِي عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ كَانَ أَعَزَّ مِنْهُ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: دَعْ هَذَا فَإِنَّهُ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَجَعَلَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ يُؤَلِّبُ النَّاسَ عَلَى عُثْمَانَ. كره أهل مصر لعثمان ؓ ورد علي عليهم وَكَانَ بِمِصْرَ جَمَاعَةٌ يُبْغِضُونَ عُثْمَانَ وَيَتَكَلَّمُونَ فِيهِ بِكَلَامٍ قَبِيحٍ - عَلَى مَا قَدَّمْنَا - وَيَنْقِمُونَ عَلَيْهِ فِي عَزْلِهِ جَمَاعَةً مِنْ عِلْيَةِ الصَّحَابَةِ، وَتَوْلِيَتِهِ مَنْ دُونِهِمْ أَوْ مَنْ لَا يَصْلُحُ عِنْدَهُمْ لِلْوِلَايَةِ. وَكَرِهَ أَهْلُ مِصْرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ بَعْدَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَاشْتَغَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ عَنْهُمْ بِقِتَالِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ وَفَتْحِهِ بِلَادَ الْبَرْبَرِ وَالْأَنْدَلُسِ وَإِفْرِيقِيَّةَ. وَنَشَأَ بِمِصْرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ الصَّحَابَةِ يُؤَلِّبُونَ النَّاسَ عَلَى حَرْبِهِ وَالْإِنْكَارِ عَلَيْهِ، وَكَانَ عُظْمُ ذَلِكَ مُسْنَدًا إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حُذَيْفَةَ، حَتَّى اسْتَنْفَرَا نَحْوًا مِنْ سِتِّمِائَةِ رَاكِبٍ يَذْهَبُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي صِفَةِ مُعْتَمِرِينَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ؛ لِيُنْكِرُوا عَلَى عُثْمَانَ، فَسَارُوا إِلَيْهَا تَحْتَ أَرْبَعِ رِفَاقٍ، وَأَمْرُ الْجَمِيعِ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيِّ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُدَيْسٍ الْبَلَوِيِّ، وَكِنَانَةَ بْنِ بِشْرٍ التُّجِيبِيِّ، وَسَوْدَانَ بْنِ حُمْرَانَ السَّكُونِيِّ، وَأَقْبَلَ مَعَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَقَامَ بِمِصْرَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ يُؤَلِّبُ النَّاسَ وَيُدَافِعُ عَنْ هَؤُلَاءِ، وَكَتَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ إِلَى عُثْمَانَ يُعْلِمُهُ بِقُدُومِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَى الْمَدِينَةِ مُنْكِرِينَ عَلَيْهِ فِي صِفَةِ مُعْتَمِرِينَ، فَلَمَّا اقْتَرَبُوا مِنَ الْمَدِينَةِ أَمَرَ عُثْمَانُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ؛ لِيَرُدَّهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْمَدِينَةَ. وَيُقَالُ: بَلْ نَدَبَ النَّاسَ إِلَيْهِمْ فَانْتَدَبَ عَلِيٌّ، ؓ، لِذَلِكَ فَبَعَثَهُ وَخَرَجَ مَعَهُ جَمَاعَةُ الْأَشْرَافِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَعَهُ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَمَّارٍ فَأَبَى عَمَّارٌ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ، فَبَعَثَ عُثْمَانُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى عَمَّارٍ لِيُحَرِّضَهُ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَ عَلِيٍّ إِلَيْهِمْ، فَأَبَى عَمَّارٌ كُلَّ الْإِبَاءِ، وَامْتَنَعَ أَشَدَّ الِامْتِنَاعِ، وَكَانَ مُتَغَضِّبًا عَلَى عُثْمَانَ بِسَبَبِ تَأْدِيبِهِ لَهُ عَلَى أَمْرٍ، وَضَرْبِهِ إِيَّاهُ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ شَتْمِهِ عَبَّاسَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، فَأَدَّبَهُمَا عُثْمَانُ، فَتَآمَرَ عَمَّارٌ عَلَيْهِ لِذَلِكَ، وَجَعَلَ يُحَرِّضُ النَّاسَ عَلَيْهِ، فَنَهَاهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ ذَلِكَ وَلَامَهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يُقْلِعْ عَنْهُ وَلَمْ يَرْجِعْ وَلَمْ يَنْزِعْ، فَانْطَلَقَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَيْهِمْ وَهُمْ بِالْجُحْفَةِ، وَكَانُوا يُعَظِّمُونَهُ وَيُبَالِغُونَ فِي أَمْرِهِ، فَرَدَّهُمْ وَأَنَّبَهُمْ وَشَتَمَهُمْ، فَرَجَعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْمَلَامَةِ، وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي تُحَارِبُونَ الْأَمِيرَ بِسَبَبِهِ، وَتَحْتَجُّونَ عَلَيْهِ بِهِ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ نَاظَرَهُمْ فِي عُثْمَانَ، وَسَأَلَهُمْ مَاذَا يَنْقِمُونَ عَلَيْهِ ؟ فَذَكَرُوا أَشْيَاءَ؛ مِنْهَا أَنَّهُ حَمَى الْحِمَى، وَأَنَّهُ حَرَقَ الْمَصَاحِفَ، وَأَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلَاةَ، وَأَنَّهُ وَلَّى الْأَحْدَاثَ الْوِلَايَاتِ، وَتَرَكَ الصَّحَابَةَ الْأَكَابِرَ، وَأَعْطَى بَنِي أُمَيَّةَ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ، فَأَجَابَ عَلِيٌّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: أَمَّا الْحِمَى فَإِنَّمَا حَمَاهُ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ لِتَسْمَنَ، وَلَمْ يَحْمِهِ لِإِبِلِهِ وَلَا لِغَنَمِهِ، وَقَدْ حَمَاهُ عُمَرُ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَمَّا الْمَصَاحِفُ فَإِنَّمَا حَرَقَ مَا وَقَعَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، وَأَبْقَى لَهُمُ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْعَرْضَةِ الْأَخِيرَةِ، وَأَمَّا إِتْمَامُهُ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ كَانَ قَدْ تَأَهَّلَ بِهَا وَنَوَى الْإِقَامَةَ فَأَتَمَّهَا، وَأَمَّا تَوْلِيَتُهُ الْأَحْدَاثَ فَلَمْ يُوَلِّ إِلَّا رَجُلًا سَوِيًّا عَدْلًا، وَقَدْ وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، عَتَّابَ بْنَ أُسِيدٍ عَلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً، وَوَلَّى أُسَامَةَ بْنَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَطَعَنَ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَخَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ. وَأَمَّا إِيثَارُهُ قَوْمَهُ بَنِي أُمَيَّةَ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، يُؤْثِرُ قُرَيْشًا عَلَى النَّاسِ، وَوَاللَّهِ لَوْ أَنَّ مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ بِيَدِي لَأَدْخَلْتُ بَنِي أُمَيَّةَ إِلَيْهَا. وَيُقَالُ: إِنَّهُمْ عَتَبُوا عَلَيْهِ فِي عَمَّارٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ. فَذَكَرَ عُثْمَانُ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمَا. وَعَتَبُوا عَلَيْهِ فِي إِيوَائِهِ الْحَكَمَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، وَقَدْ نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، إِلَى الطَّائِفِ فَذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، كَانَ قَدْ نَفَاهُ إِلَى الطَّائِفِ ثُمَّ رَدَّهُ، ثُمَّ نَفَاهُ إِلَيْهَا، قَالَ: فَقَدْ نَفَاهُ رَسُولُ اللَّهِ، ﷺ، ثُمَّ رَدَّهُ. رد عثمان على من أراد الخروج عليه وَرُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ خَطَبَ النَّاسَ بِهَذَا كُلِّهِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَجَعَلَ يَسْتَشْهِدُ بِهِمْ فَيَشْهَدُونَ لَهُ فِيمَا فِيهِ شَهَادَةٌ لَهُ. وَيُرْوَى أَنَّهُمْ بَعَثُوا طَائِفَةً مِنْهُمْ فَشَهِدُوا خُطْبَةَ عُثْمَانَ هَذِهِ، فَلَمَّا تَمَهَّدَتِ الْأَعْذَارُ وَانْزَاحَتْ عِلَلُهُمْ وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ شُبْهَةٌ أَشَارَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ عَلَى عُثْمَانَ بِتَأْدِيبِهِمْ، فَصَفَحَ عَنْهُمْ وَتَرَكَهُمْ، ؓ، وَرَدَّهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَرَجَعُوا خَائِبِينَ مِنْ حَيْثُ أَتَوْا وَلَمْ يَنَالُوا شَيْئًا مِمَّا كَانُوا أَمَّلُوا وَرَامُوا، وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى عُثْمَانَ فَأَخْبَرَهُ بِرُجُوعِهِمْ عَنْهُ وَسَمَاعِهِمْ مِنْهُ، وَأَشَارَ عَلَى عُثْمَانَ أَنْ يَخْطُبَ النَّاسَ خُطْبَةً يَعْتَذِرُ إِلَيْهِمْ فِيهَا مِمَّا كَانَ وَقَعَ مِنَ الْأَثَرَةِ لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ، وَيُشْهِدُهُمْ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ قَدْ تَابَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَنَابَ إِلَى الِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ سِيرَةِ الشَّيْخَيْنِ قَبْلَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَحِيدُ عَنْهَا كَمَا كَانَ الْأَمْرُ أَوَّلًا فِي مُدَّةِ سِتِّ سِنِينَ الْأُوَلِ، فَاسْتَمَعَ عُثْمَانُ هَذِهِ النَّصِيحَةَ، وَقَابَلَهَا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَخَطَبَ النَّاسَ، رَفَعَ يَدَيْهِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ تَائِبٍ مِمَّا كَانَ مِنِّي. وَأَرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالْبُكَاءِ فَبَكَى الْمُسْلِمُونَ أَجْمَعُونَ وَحَصَلَ لِلنَّاسِ رِقَّةٌ شَدِيدَةٌ عَلَى إِمَامِهِمْ، وَأَشْهَدَ عُثْمَانُ النَّاسَ عَلَى نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ قَدْ لَزِمَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ، ؓ، وَأَنَّهُ قَدْ سَبَّلَ بَابَهُ لِمَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ، لَا يَمْنَعُ أَحَدًا مِنْ ذَلِكَ، وَنَزَلَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ وَجَعَلَ مَنْ أَرَادَ الدُّخُولَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِحَاجَةٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ أَوْ سُؤَالٍ، لَا يُمْنَعُ أَحَدٌ مِنْ ذَلِكَ مُدَّةً. قَالَ الْوَاقِدِيُّ: فَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا جَاءَ عُثْمَانَ بَعْدَ انْصِرَافِ الْمِصْرِيِّينَ فَقَالَ لَهُ: تَكَلَّمْ كَلَامًا يَسْمَعُهُ النَّاسُ مِنْكَ وَيَشْهَدُونَ عَلَيْكَ، وَيَشْهَدُ اللَّهُ عَلَى مَا فِي قَلْبِكَ مِنَ النُّزُوعِ وَالْإِنَابَةِ، فَإِنَّ الْبِلَادَ قَدْ تَمَخَّضَتْ عَلَيْكَ، وَلَا آمَنُ رَكْبًا آخَرِينَ يَقْدَمُونَ مِنْ قِبَلِ الْكُوفَةِ فَتَقُولُ: يَا عَلِيُّ ارْكَبْ إِلَيْهِمْ. وَيَقْدَمُ آخَرُونَ مِنَ الْبَصْرَةِ فَتَقُولُ: يَا عَلِيُّ ارْكَبْ إِلَيْهِمْ. فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ قَطَعْتُ رَحِمَكَ وَاسْتَخْفَفْتُ بِحَقِّكَ ؟! قَالَ: فَخَرَجَ عُثْمَانُ فَخَطَبَ الْخُطْبَةَ الَّتِي نَزَعَ فِيهَا، وَأَعْلَمَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ التَّوْبَةَ فَقَامَ ; فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَوَاللَّهِ مَا عَابَ مَنْ عَابَ شَيْئًا أَجْهَلُهُ، وَمَا جِئْتُ شَيْئًا إِلَّا وَأَنَا أَعْرِفُهُ، وَلَكِنْ ضَلَّ رُشْدِي، وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: مَنْ زَلَّ فَلْيَتُبْ، وَمَنْ أَخْطَأَ فَلْيَتُبْ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الْهَلَكَةِ، إِنَّ مَنْ تَمَادَى فِي الْجَوْرِ كَانَ أَبْعَدَ عَنِ الطَّرِيقِ. فَأَنَا أَوَّلُ مَنِ اتَّعَظَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِمَّا فَعَلْتُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَمِثْلِي نَزَعَ وَتَابَ، فَإِذَا نَزَلْتُ فَلْيَأْتِنِي أَشْرَافُكُمْ، فَوَاللَّهِ لَأَكُونَنَّ كَالْمَرْقُوقِ، إِنْ مَلَكَ صَبَرَ، وَإِنْ عُتِقَ شَكَرَ، وَمَا عَنِ اللَّهِ مَذْهَبٌ إِلَّا إِلَيْهِ. قَالَ: فَرَقَّ النَّاسُ لَهُ وَبَكَى مَنْ بَكَى، وَقَامَ إِلَيْهِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهَ اللَّهَ فِي نَفْسِكَ ! فَأَتْمِمْ عَلَى مَا قُلْتَ. فَلَمَّا انْصَرَفَ عُثْمَانُ إِلَى مَنْزِلِهِ وَجَدَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَكَابِرِ النَّاسِ، وَجَاءَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَالَ: أَتَكَلَّمُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمْ أَصْمُتُ ؟ فَقَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ - نَائِلَةُ بِنْتُ الْفَرَافِصَةِ الْكَلْبِيَّةُ - مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: بَلِ اصْمُتْ، فَوَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَقَاتِلُوهُ، وَلَقَدْ قَالَ مَقَالَةً لَا يَنْبَغِي لَهُ النُّزُوعُ عَنْهَا. فَقَالَ لَهَا: وَمَا أَنْتِ وَذَاكَ ! فَوَاللَّهِ لَقَدْ مَاتَ أَبُوكِ وَمَا يُحْسِنُ يَتَوَضَّأُ. فَقَالَتْ لَهُ: دَعْ ذِكْرَ الْآبَاءِ. وَنَالَتْ مِنْ أَبِيهِ الْحَكَمَ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا مَرْوَانُ، وَقَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَتَكَلَّمُ أَمْ أَصْمُتُ ؟ فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ: بَلْ تَكَلَّمْ. فَقَالَ مَرْوَانُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَوَدِدْتُ أَنَّ مَقَالَتَكَ هَذِهِ كَانَتْ وَأَنْتَ مُمْتَنِعٌ مَنِيعٌ، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ رَضِيَ بِهَا وَأَعَانَ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّكَ قُلْتَ مَا قُلْتَ حِينَ بَلَغَ الْحِزَامُ الطُّبْيَيْنِ، وَخَلَفَ السَّيْلُ الزُّبَى، وَحِينَ أَعْطَى الْخُطَّةَ الذَّلِيلَةَ الذَّلِيلُ، وَاللَّهِ لَإِقَامَةٌ عَلَى خَطِيئَةٍ يُسْتَغْفَرُ مِنْهَا، خَيْرٌ مِنْ تَوْبَةٍ تُخَوَّفُ عَلَيْهَا، وَإِنَّكَ لَوْ شِئْتَ لَعَزَمْتَ التَّوْبَةَ وَلَمْ تُقَرِّرْ لَنَا بِالْخَطِيئَةِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْكَ عَلَى الْبَابِ مِثْلُ الْجِبَالِ مِنَ النَّاسِ. فَقَالَ عُثْمَانُ: فَاخْرُجْ إِلَيْهِمْ فَكَلِّمْهُمْ، فَإِنِّي أَسْتَحِي أَنْ أُكَلِّمَهُمْ. قَالَ: فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى الْبَابِ وَالنَّاسِ يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ ؟ كَأَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ لِنَهْبٍ، شَاهَتِ الْوُجُوهُ ! كُلُّ إِنْسَانٍ آخِذٍ بِأُذُنِ صَاحِبِهِ، أَلَا مَنْ أُرِيدُ ؟ جِئْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِعُوا مُلْكَنَا مِنْ أَيْدِينَا، اخْرُجُوا عَنَّا، أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ رُمْتُمُونَا لِيُمُرَّنَّ عَلَيْكُمْ أَمْرٌ يَسُوءُكُمْ وَلَا تَحْمَدُوا غِبَّهُ، ارْجِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ، فَوَاللَّهِ مَا نَحْنُ مَغْلُوبِينَ عَلَى مَا بِأَيْدِينَا. معاتبة علي لعثمان في قول مروان ورد عثمان على ذلك قَالَ: فَرَجَعَ النَّاسُ، وَخَرَجَ بَعْضُهُمْ حَتَّى أَتَى عَلِيًّا فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَجَاءَ عَلِيٌّ مُغْضَبًا حَتَّى دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: أَمَا رَضِيتَ مِنْ مَرْوَانَ وَلَا رَضِيَ مِنْكَ إِلَّا بِتَحْوِيلِكَ عَنْ دِينِكَ وَعَقْلِكَ، وَإِنَّ مَثَلَكَ مِثْلُ جَمَلِ الظَّعِينَةِ سَارَ حَيْثُ يَسَارُ بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَرْوَانُ بِذِي رَأْيٍ فِي دِينِهِ وَلَا نَفْسِهِ، وَايْمُ اللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ سَيُورِدُكَ ثُمَّ لَا يُصْدِرُكَ، وَمَا أَنَا بِعَائِدٍ بَعْدَ مَقَامِي هَذَا لِمُعَاتَبَتِكَ، أَذْهَبْتَ شَرَفَكَ، وَغُلِبْتَ عَلَى أَمْرِكَ. فَلَمَّا خَرَجَ عَلِيٌّ دَخَلَتْ نَائِلَةُ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَتْ: أَتَكَلَّمُ أَوْ أَسْكُتُ ؟ فَقَالَ: تَكَلَّمِي. فَقَالَتْ: سَمِعْتُ قَوْلَ عَلِيٍّ أَنَّهُ لَيْسَ يُعَاوِدُكَ، وَقَدْ أَطَعْتَ مَرْوَانَ حَيْثُ شَاءَ. قَالَ: فَمَا أَصْنَعُ ؟ قَالَتْ: تَتَّقِي اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَتَّبِعُ سُنَّةَ صَاحِبَيْكَ مِنْ قَبْلِكَ، فَإِنَّكَ مَتَى أَطَعْتَ مَرْوَانَ قَتَلَكَ، وَمَرْوَانُ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَدْرٌ وَلَا هَيْبَةٌ وَلَا مَحَبَّةٌ، فَأَرْسِلْ إِلَى عَلِيٍّ فَاسْتَصْلِحْهُ، فَإِنَّ لَهُ قَرَابَةً مِنْكَ وَهُوَ لَا يُعْصَى. قَالَ: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ فَأَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ أَعْلَمْتُهُ أَنِّي لَسْتُ بِعَائِدٍ. قَالَ: وَبَلَغَ مَرْوَانَ قَوْلُ نَائِلَةَ فِيهِ، فَجَاءَ إِلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: أَتَكَلَّمُ أَوْ أَسْكُتُ ؟ فَقَالَ: تَكَلَّمْ. فَقَالَ: إِنَّ نَائِلَةَ بِنْتَ الْفَرَافِصَةِ، فَقَالَ عُثْمَانُ: لَا تَذْكُرْهَا بِحَرْفٍ فَأَسُوءَ لَكَ وَجْهَكَ، فَهِيَ وَاللَّهِ أَنْصَحُ لِي مِنْكَ. قَالَ: فَكَفَّ مَرْوَانُ. وَأَتَى عُثْمَانُ إِلَى عَلِيٍّ بِمَنْزِلِهِ لَيْلًا وَقَالَ لَهُ: إِنِّي غَيْرُ عَائِدٍ، وَإِنِّي فَاعِلٌ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: بَعْدَمَا تَكَلَّمْتَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَأَعْطَيْتَ مِنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَخَرَجَ مَرْوَانُ إِلَى النَّاسِ يَشْتُمُهُمْ عَلَى بَابِكَ وَيُؤْذِيهِمْ. فَخَرَجَ عُثْمَانُ مِنْ عِنْدِهِ وَهُوَ يَقُولُ: خَذَلْتَنِي وَجَرَّأْتَ النَّاسَ عَلَيَّ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَكْثَرُ النَّاسِ ذَبًّا عَنْكَ، وَلَكِنِّي كُلَّمَا جِئْتُ بِشَيْءٍ أَظُنُّهُ لَكَ رِضًا جَاءَ مَرْوَانُ بِأُخْرَى فَسَمِعْتَ قَوْلَهُ وَتَرَكْتَ قَوْلِي. منع الماء عن عثمان وتدخل علي وَلَمْ يَعُدْ عَلِيٌّ يَعْمَلُ مَا كَانَ يَعْمَلُ إِلَى أَنْ مُنِعَ عُثْمَانُ الْمَاءَ. فَقَالَ عَلِيٌّ لِطَلْحَةَ ( أُرِيدُ أَنْ ) تُدْخَلَ عَلَيْهِ الرَّوَايَا، وَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى دَخَلَتِ الرَّوَايَا عَلَى عُثْمَانَ. قَالَ: وَقَدْ قِيلَ إِنْ عَلِيًّا كَانَ عِنْدَ حَصْرِ عُثْمَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَ طَلْحَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ أَثَرٌ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلِيٌّ أَتَاهُ عُثْمَانُ وَقَالَ لَهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ لِي حَقَّ الْإِسْلَامِ وَحَقَّ الْإِخَاءِ وَالْقَرَابَةِ وَالصِّهْرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَكُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَكَانَ عَارًا عَلَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْ يَنْتَزِعَ أَخُو بَنِي تَيْمٍ، يَعْنِي طَلْحَةَ أَمْرَهُمْ. فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: سَيَأْتِيكَ الْخَبَرُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَرَأَى أُسَامَةَ فَتَوَكَّأَ عَلَى يَدِهِ حَتَّى دَخَلَ دَارَ طَلْحَةَ، وَهُوَ [ فِي ] خَلْوَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: يَا طَلْحَةُ مَا هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي وَقَعْتَ فِيهِ ؟ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ بَعْدَمَا مَسَّ الْحِزَامُ الطِّبْيَيْنِ. فَانْصَرَفَ عَلِيٌّ حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمَالِ فَقَالَ: افْتَحُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوا الْمَفَاتِيحَ، فَكَسَرَ الْبَابَ وَأَعْطَى النَّاسَ، فَانْصَرَفُوا مِنْ عِنْدِ طَلْحَةَ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ، وَسُرَّ بِذَلِكَ عُثْمَانُ، وَجَاءَ طَلْحَةُ فَدَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَدْتُ أَمْرًا فَحَالَ اللَّهُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ! فَقَالَ عُثْمَانُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتَ تَائِبًا، وَلَكِنْ جِئْتَ مَغْلُوبًا، اللَّهُ حَسِيبُكَ يَا طَلْحَةُ !
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.