دليل

التاريخ 1835

خلافة أبي بكر الصديق

وقتها وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ  . عَلَى مَا ذَكَرَهُ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ، أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَأَمَّا الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، فَإِنَّهُ نَقَلَ بسنده عن وَالْوَلِيدِ وَابْنِ لَهِيعَةَ وَاللَّيْثِ وَأَبِي مَعْشَرٍ، أَنَّهَا كَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ دِمَشْقَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: كَانَتْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. وَقَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: قَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِخَمْسٍ مَضَيْنَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ، وَمَا قَالَهُ سَيْفٌ مِنْ أَنَّهَا قَبْلَ فَتْحِ دِمَشْقَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا ذِكْرُ سِيَاقِ سَيْفٍ وَغَيْرِهِ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ. أسباب غزوة اليرموك قَالُوا: وَلَمَّا تَوَجَّهَتْ هَذِهِ الْجُيُوشُ نَحْوَ الشَّامِ أَفْزَعَ ذَلِكَ الرُّومَ وَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا، وَكَتَبُوا إِلَى هِرَقْلَ يُعْلِمُونَهُ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَمْرِ، فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصَ. وَيُقَالُ: بَلْ كَانَ حَجَّ عَامَهُ ذَلِكَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهِ الْخَبَرُ قَالَ لَهُمْ: وَيَحَكُمْ ! إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ دِينٍ جَدِيدٍ، وَإِنَّهُمْ لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِهِمْ، فَأَطِيعُونِي وَصَالِحُوهُمْ بِمَا تُصَالِحُونَهُمْ عَلَى نِصْفِ خَرَاجِ الشَّامِ، وَيَبْقَى لَكُمْ جِبَالُ الرُّومِ، وَإِنْ أَنْتُمْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ، أَخَذُوا مِنْكُمُ الشَّامَ وَضَيَّقُوا عَلَيْكُمْ جِبَالَ الرُّومِ. فَنَخَرُوا مِنْ ذَلِكَ نَخْرَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ، كَمَا هِيَ عَادَاتُهُمْ فِي قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ، وَالرَّأْيِ بِالْحَرْبِ وَالنُّصْرَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ سَارَ إِلَى حِمْصَ، وَأَمَرَ هِرَقْلُ بِخُرُوجِ الْجُيُوشِ الرُّومِيَّةِ صُحْبَةَ الْأُمَرَاءِ، فِي مُقَابَلَةِ كُلِّ أَمِيرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ جَيْشٌ كَثِيفٌ، فَبَعَثَ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَخَاهُ لِأَبَوَيْهِ تَذَارِقَ فِي تِسْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمُقَاتِلَةِ، وَبَعَثَ جَرَجَةَ بْنَ تُوذْرَا إِلَى نَاحِيَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، فَعَسْكَرَ بِإِزَائِهِ، وَبَعَثَ الدُّرَاقِصَ إِلَى شُرَحْبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ، وَبَعَثَ الْقَيْقَارَ - وَيُقَالُ: الْقَيْقَلَانُ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَهُوَ حَصِيُّ هِرَقْلَ - ابْنَ نَسْطُورِسَ، فِي سِتِّينَ أَلْفًا إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ. وَقَالَتِ الرُّومُ: وَاللَّهِ لَنَشْغَلَنَّ أَبَا بَكْرٍ عَنْ أَنْ يُورِدَ الْخُيُولَ إِلَى أَرْضِنَا. وَجَمِيعُ عَسَاكِرِ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا سِوَى الْجَيْشِ الَّذِي مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَكَانَ وَاقِفًا فِي طَرَفِ الشَّامِ رِدْءًا لِلنَّاسِ فِي سِتَّةِ آلَافٍ، فَكَتَبَ الْأُمَرَاءُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ يُعْلِمُونَهُمَا بِمَا وَقَعَ مِنَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فَيَكُونُوا جُنْدًا وَاحِدًا، وَالْقَوْا جُنُودَ الْمُشْرِكِينَ، فَأَنْتُمْ أَعْوَانُ اللَّهِ، وَاللَّهُ نَاصِرٌ مَنْ نَصَرَهُ، وَخَاذِلٌ مَنْ كَفَرَهُ، وَلَنْ يُؤْتَى مِثْلُكُمْ عَنْ قِلَّةٍ، وَلَكِنْ مِنْ تِلْقَاءِ الذُّنُوبِ، فَاحْتَرِسُوا مِنْهَا، وَلْيُصَلِّ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِأَصْحَابِهِ. الصديق يوجه خالد إلى الشام ويدعو إلى توحيد القيادة وَقَالَ الصِّدِّيقُ: وَاللَّهِ لَأَشْغَلَنَّ النَّصَارَى عَنْ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ بَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ. وَبَعَثَ إِلَيْهِ وَهُوَ بِالْعِرَاقِ لِيَقْدَمَ إِلَى الشَّامِ، فَيَكُونَ الْأَمِيرَ عَلَى مَنْ بِهِ، فَإِذَا فَرَغَ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ بِالْعِرَاقِ. فَكَانَ مَا سَنَذْكُرُهُ. عدد جيش المسلمين وجيش الروم وَلَمَّا بَلَغَ هِرَقْلَ مَا أَمَرَ بِهِ الصِّدِّيقُ أُمَرَاءَهُ مِنَ الِاجْتِمَاعِ، بَعَثَ إِلَى أُمَرَائِهِ أَنْ يَجْتَمِعُوا أَيْضًا، وَأَنْ يَنْزِلُوا بِالْجَيْشِ مَنْزِلًا وَاسِعَ الْعَطَنِ، وَاسِعَ الْمَطْرَدِ، ضَيِّقَ الْمَهْرَبِ، وَعَلَى النَّاسِ أَخُوهُ تَذَارِقُ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ جَرَجَةُ، وَعَلَى الْمُجَنِّبَتَيْنِ بَاهَانُ وَالدُّرَاقِصُ، وَعَلَى الْحَرْبِ الْقَيْقَلَانُ.. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَائِذٍ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَعَلَيْهِمْ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَالرُّومُ كَانُوا عِشْرِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، عَلَيْهِمْ بَاهَانُ وَسُقْلَابُ، يَوْمَ الْيَرْمُوكِ. وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ سُقْلَابَ الْحَصِيَّ كَانَ عَلَى الرُّومِ يَوْمَئِذٍ فِي مِائَةِ أَلْفٍ، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ جَرَجَةُ مِنْ أَرْمِينِيَّةَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَمِنَ الْمُسْتَعْرِبَةِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا عَلَيْهِمْ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي أَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا، فَقَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى قَاتَلَتِ النِّسَاءُ مِنْ وَرَائِهِمْ أَشَدَّ الْقِتَالِ. وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: بَعَثَ هِرَقْلُ مِائَتَيْ أَلْفٍ، عَلَيْهِمْ بَاهَانُ الْأَرْمَنِيُّ. طلب المدد من الخليفة وبعث خالد قَالَ سَيْفٌ: فَسَارَتِ الرُّومُ فَنَزَلُوا الْوَاقُوصَةَ قَرِيبًا مِنَ الْيَرْمُوكِ، وَصَارَ الْوَادِي خَنْدَقًا عَلَيْهِمْ، وَبَعَثَ الصَّحَابَةُ إِلَى الصِّدِّيقِ يَسْتَمِدُّونَهُ، وَيُعْلِمُونَهُ بِمَا اجْتَمَعَ مِنْ جَيْشِ الرُّومِ بِالْيَرْمُوكِ، فَكَتَبَ الصِّدِّيقُ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنْ يَسْتَنِيبَ عَلَى الْعِرَاقِ، وَأَنْ يَقْفِلَ بِمَنْ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ فَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ فَهُوَ الْأَمِيرُ عَلَيْهِمْ. فَاسْتَنَابَ الْمُثَنَّى بْنَ حَارِثَةَ عَلَى الْعِرَاقِ، فَسَارَ خَالِدٌ مُسْرِعًا فِي تِسْعَةِ آلَافٍ - وَيُقَالُ: ثَمَانِمِائَةٍ، أَوْ خَمْسُمِائَةٍ - وَدَلِيلُهُ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ الطَّائِيُّ، فَأَخَذَ بِهِ عَلَى السَّمَاوَةِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى قُرَاقِرَ، وَسَلَكَ بِهِ أَرَاضِيَ لَمْ يَسْلُكْهَا قَبْلَهُ أَحَدٌ، فَاجْتَابَ الْبَرَارِيَّ وَالْقِفَارَ، وَقَطَعَ الْأَوْدِيَةِ، وَتَصَعَّدَ عَلَى الْجِبَالِ، وَسَارَ فِي غَيْرِ مَهْيَعٍ، وَجَعَلَ رَافِعٌ يَدُلُّهُمْ فِي مَسِيرِهِمْ عَلَى الطَّرِيقِ وَهُوَ أَرْمَدُ، وَعَطَّشَ النُّوقَ وَسَقَاهَا الْمَاءَ عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، وَقَطَعَ مَشَافِرَهَا وَكَعَمَهَا حَتَّى لَا تَجْتَرَّ، وَخَلَّ أَدْبَارَهَا، وَاسْتَاقَهَا مَعَهُ، فَلَمَّا فَقَدُوا الْمَاءَ نَحَرَهَا فَشَرِبُوا مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنَ الْمَاءِ، وَيُقَالُ: بَلْ سَقَاهُ الْخَيْلَ وَشَرِبُوا مَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ مِنَ الْمَاءِ وَأَكَلُوا لُحُومَهَا، وَوَصَلَ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، فِي خَمْسَةِ أَيَّامٍ. صلح تدمر وأرك وفتح بصرى فَخَرَجَ عَلَى الرُّومِ مِنْ نَاحِيَةِ تَدْمُرَ، فَصَالَحَ أَهْلَ تَدْمُرَ وَأَرَكَ، وَلَمَّا مَرَّ بِعَذْرَاءَ أَبَاحَهَا وَغَنِمَ لِغَسَّانَ أَمْوَالًا عَظِيمَةً، وَخَرَجَ مِنْ شَرْقِيِّ دِمَشْقَ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَنَاةِ بُصْرَى، فَوَجَدَ الصَّحَابَةَ مُحَاصِرِيهَا، فَصَالَحَهُ صَاحِبُهَا وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ مَنِ الشَّامِ  . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَبَعَثَ خَالِدٌ بِأَخْمَاسِ مَا غَنِمَ مِنْ غَسَّانَ مَعَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ إِلَى الصِّدِّيقِ. مسير خالد إلى الروم ومشورة أبو سفيان ووقعة أجنادين ثُمَّ سَارَ خَالِدٌ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ وَشُرَحْبِيلُ إِلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَقَدْ قَصَدَهُ الرُّومُ بِأَرْضِ الْعَرَبَاتِ مِنَ الْغَوْرِ فَكَانَتْ وَاقِعَةُ أَجْنَادِينَ، وَقَدْ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَسِيرِهِمْ هَذَا مَعَ خَالِدٍ: لِلَّهِ عَيْنَا رَافِعٍ أَنَّى اهْتَدَى فَوَّزَ مِنْ قُرَاقِرٍ إِلَى سُوَى     خَمْسًا إِذَا مَا سَارَهَا الْجَيْشُ بَكَى مَا سَارَهَا قَبْلَكَ إِنْسِيٌّ أَرَى وَقَدْ كَانَ بَعْضُ الْعَرَبِ قَالَ لَهُ فِي هَذَا الْمَسِيرِ: إِنْ أَنْتَ أَصْبَحَتْ عِنْدَ الشَّجَرَةِ الْفُلَانِيَّةِ، نَجَوْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ، وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْهَا هَلَكْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ. فَسَارَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ وَسَرَوْا سَرْوَةً عَظِيمَةً، فَأَصْبَحُوا عِنْدَهَا، فَقَالَ خَالِدٌ: عِنْدَ الصَّبَاحِ يَحْمَدُ الْقَوْمُ السُّرَى. فَأَرْسَلَهَا مَثَلًا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَالَهَا، ؓ. قَالَ غَيْرُ ابْنِ إِسْحَاقَ كَسَيْفِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي مِخْنَفٍ وَغَيْرِهِمَا فِي تَكْمِيلِ السِّيَاقِ الْأَوَّلِ: حِينَ اجْتَمَعَتِ الرُّومُ مَعَ أُمَرَائِهَا بِالْوَاقُوصَةِ، وَانْتَقَلَ الصَّحَابَةُ مِنْ مَنْزِلِهِمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الرُّومِ فِي طَرِيقِهِمُ الَّذِي لَيْسَ لَهُمْ طَرِيقٌ غَيْرُهُ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: أَبْشِرُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَقَدْ حُصِرَتْ وَاللَّهِ الرُّومُ، وَقَلَّمَا جَاءَ مَحْصُورٌ بِخَيْرٍ. وَيُقَالُ: إِنَّ الصَّحَابَةَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِلْمَشُورَةِ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَسِيرِ إِلَى الرُّومِ، جَلَسَ الْأُمَرَاءُ لِذَلِكَ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أُعَمَّرُ حَتَّى أُدْرِكَ قَوْمًا يَجْتَمِعُونَ لِحَرْبٍ وَلَا أَحْضُرُهُمْ. ثُمَّ أَشَارَ أَنْ يَتَجَزَّأَ الْجَيْشُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَيَسِيرُ ثُلْثُهُ فَيَنْزِلُونَ تُجَاهَ الرُّومِ، ثُمَّ تَسِيرُ الْأَثْقَالُ وَالذَّرَارِيُّ فِي الثُّلْثِ الْآخَرِ، وَيَتَأَخَّرُ خَالِدٌ بِالثُّلْثِ الْآخِرِ، حَتَّى إِذَا وَصَلَتِ الْأَثْقَالُ إِلَى أُولَئِكَ سَارَ بَعَدَهُمْ، وَنَزَلُوا فِي مَكَانٍ تَكُونُ الْبَرِّيَّةُ مِنْ وَرَاءِ ظُهُورِهِمْ ; لِيَصِلَ إِلَيْهِمُ الْبُرُدُ وَالْمَدَدُ. فَامْتَثَلُوا مَا أَشَارَ بِهِ، وَنِعْمَ الرَّأْيُ هُوَ. وَذَكَرَ الْوَلِيدُ عَنْ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّ الرُّومَ نَزَلُوا فِيمَا بَيْنَ دَيْرِ أَيُّوبَ وَالْيَرْمُوكَ، وَنَزَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَأَذْرِعَاتُ خَلْفَهُمْ ; لِيَصِلَ إِلَيْهِمُ الْمَدَدُ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَيُقَالُ: إِنَّ خَالِدًا إِنَّمَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَمَا نَزَلَ الصَّحَابَةُ تُجَاهَ الرُّومِ، بَعْدَمَا صَابَرُوهُمْ وَحَاصَرُوهُمْ شَهْرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ بِكَمَالِهِ، فَلَمَّا انْسَلَخَ وَأَمْكَنَ الْقِتَالُ لِقِلَّةِ الْمَاءِ، بَعَثُوا إِلَى الصِّدِّيقِ يَسْتَمِدُّونَهُ، فَقَالَ: خَالِدٌ لَهَا. فَبَعَثَ إِلَى خَالِدٍ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، فَعِنْدَ وُصُولِ خَالِدٍ إِلَيْهِمْ أَقْبَلَ بَاهَانُ مَدَدًا لِلرُّومِ، وَمَعَهُ الْقَسَاقِسَةُ، وَالشَّمَامِسَةُ وَالرُّهْبَانُ، يَحُثُّونَهُمْ وَيُحَرِّضُونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ لِنَصْرِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَتَكَامَلَ جَيْشُ الرُّومِ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْ أَلْفٍ ; ثَمَانُونَ أَلْفَ مُسَلْسَلٍ بِالْحَدِيدِ وَالْحِبَالِ، وَثَمَانُونَ أَلْفَ فَارِسٍ وَثَمَانُونَ أَلْفَ رَاجِلٍ. وَقِيلَ: بَلْ كَانَ الَّذِينَ تَسَلْسَلُوا - كُلُّ عَشَرَةٍ فِي سِلْسِلَةٍ ; لِئَلَّا يَفِرُّوا - ثَلَاثِينَ أَلْفًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ سَيْفٌ: وَقَدِمَ عِكْرِمَةُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْجُيُوشِ، فَتَكَامَلَ جَيْشُ الصَّحَابَةِ سِتَّةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ أَلْفًا. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَالْمَدَائِنِيِّ أَيْضًا أَنَّ وَقْعَةَ أَجْنَادِينَ قَبْلَ وَقْعَةِ الْيَرْمُوكِ وَكَانَتْ وَاقِعَةُ أَجْنَادِينَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَقُتِلَ بِهَا بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَهُزِمَ الرُّومُ وَقُتِلَ أَمِيرُهُمُ الْقَيْقَلَانُ. وَكَانَ قَدْ بَعَثَ رَجُلًا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ يَجُسُّ لَهُ أَمْرَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهِ قَالَ: وَجَدْتُ قَوْمًا رُهْبَانًا بِاللَّيْلِ فُرْسَانًا بِالنَّهَارِ، وَاللَّهِ لَوْ سَرَقَ فِيهِمُ ابْنُ مَلِكِهِمْ قَطَعُوهُ، أَوْ زَنَى لَرَجَمُوهُ. فَقَالَ لَهُ الْقَيْقَلَانُ: وَاللَّهِ لَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ ظَهْرِهَا. خطة خالد لمواجهة الروم وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ فِي سِيَاقِهِ: وَوَجَدَ خَالِدٌ الْجُيُوشَ مُتَفَرِّقَةً فَجَيْشُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ نَاحِيَةً، وَجَيْشُ يَزِيدَ وَشُرَحْبِيلَ نَاحِيَةً، فَقَامَ خَالِدٌ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَنَهَاهُمْ عَنِ التَّفَرُّقِ وَالِاخْتِلَافِ، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ وَتَصَافُّوا مَعَ عَدُوِّهِمْ فِي أَوَّلِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَقَامَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ اللَّهِ، لَا يَنْبَغِي فِيهِ الْفَخْرُ وَلَا الْبَغْيُ، أَخْلِصُوا جِهَادَكُمْ وَأَرِيدُوا اللَّهَ بِعَمَلِكُمْ، وَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ، إِنْ رَدَدْنَاهُمُ الْيَوْمَ إِلَى خَنْدَقِهِمْ فَلَا نَزَالُ نَرُدُّهُمْ، وَإِنْ هَزَمُونَا لَا نُفْلِحُ بَعْدَهَا أَبَدًا، فَتَعَالَوْا فَلْنَتَعَاوَرِ الْإِمَارَةَ، فَلْيَكُنْ عَلَيْهَا بَعْضُنَا الْيَوْمَ، وَالْآخَرُ غَدًا، وَالْآخَرُ بَعْدَ غَدٍ، حَتَّى يَتَأَمَّرَ كُلُّكُمْ، وَدَعُونِي الْيَوْمَ أَلِيكُمْ. فَأَمَّرُوهُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَمْرَ يَطُولُ جِدًّا، فَخَرَجَتِ الرُّومُ فِي تَعْبِئَةٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهَا قَطُّ. تعبئة خالد للجيش وَخَرَجَ خَالِدٌ فِي تَعْبِئَةٍ لَمْ تُعَبِّهَا الْعَرَبُ قَبْلَ ذَلِكَ ; فَخَرَجَ فِي سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ كُرْدُوسًا إِلَى الْأَرْبَعِينَ، كُلُّ كُرْدُوسٍ أَلْفُ رَجُلٍ عَلَيْهِمْ أَمِيرٌ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ فِي الْقَلْبِ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَمَعَهُ شُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَمَّرَ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ أَمِيرًا، وَعَلَى الطَّلَائِعِ قُبَاثَ بْنَ أَشْيَمَ، وَعَلَى الْأَقْبَاضِ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَالْقَاضِي يَوْمَئِذٍ أَبُو الدَّرْدَاءِ، وَقَاصُّهُمُ الَّذِي يَعِظُهُمْ وَيَحُثُّهُمْ عَلَى الْقِتَالِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَقَارِئُهُمِ الَّذِي يَدُورُ عَلَى النَّاسِ فَيَقْرَأُ سُورَةَ " الْأَنْفَالِ " وَآيَاتِ الْجِهَادِ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ. وَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ بِإِسْنَادِهِ، أَنَّ أُمَرَاءَ الْأَرْبَاعِ يَوْمَئِذٍ كَانُوا أَرْبَعَةً ; أَبُو عُبَيْدَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَخَرَجَ النَّاسُ عَلَى رَايَاتِهِمْ، وَعَلَى الْمَيْمَنَةِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ قُبَاثُ بْنُ أَشْيَمَ الْكِنَانِيُّ، وَعَلَى الرَّجَّالَةِ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ، وَعَلَى الْخَيَّالَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَهُوَ الْمُشِيرُ فِي الْحَرْبِ الَّذِي يَصْدُرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ عَنْ رَأْيِهِ. وَلَمَّا أَقْبَلَتِ الرُّومُ فِي خُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا قَدْ سَدَّتْ أَقْطَارَ تِلْكَ الْبُقْعَةِ سَهْلِهَا وَوَعْرِهَا، كَأَنَّهُمْ غَمَامَةٌ سَوْدَاءُ يَصِيحُونَ بِأَصْوَاتٍ مُرْتَفِعَةٍ، وَرُهْبَانُهُمْ يَتْلُونَ الْإِنْجِيلَ وَيُحِثُّونَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَكَانَ خَالِدٌ فِي الْخَيْلِ بَيْنَ يَدَيِ الْجَيْشِ، فَسَاقَ بِفَرَسِهِ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي مُشِيرٌ بِأَمْرٍ. فَقَالَ: قُلْ مَا أَرَاكَ اللَّهُ، أَسْمَعْ لَكَ وَأُطِعْ. فَقَالَ لَهُ خَالِدٌ: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ حَمْلَةٍ عَظِيمَةٍ لَا مَحِيدَ لَهُمْ عَنْهَا، وَإِنِّي أَخْشَى عَلَى الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُفَرِّقَ الْخَيْلَ فِرْقَتَيْنِ وَأَجْعَلَهَا مِنْ وَرَاءِ الْمَيْمَنَةِ وَالْمَيْسَرَةِ، حَتَّى إِذَا صَدَمُوهُمْ كَانُوا لَهُمْ رِدْءًا مِنْ وَرَائِهِمْ. فَقَالَ لَهُ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ. فَكَانَ خَالِدٌ فِي أَحَدِ الْخَيَلِينَ مِنْ وَرَاءِ الْمَيْمَنَةِ، وَجَعَلَ قَيْسَ بْنَ هُبَيْرَةَ فِي الْخَيْلِ الْأُخْرَى، وَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنِ الْقَلْبِ إِلَى وَرَاءِ الْجَيْشِ كُلِّهِ ; لِكَيْ إِذَا رَآهُ الْمُنْهَزِمُ اسْتَحْيَى مِنْهُ، وَرَجَعَ إِلَى الْقِتَالِ، فَجَعَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَكَانَهُ فِي الْقَلْبِ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ الْعَدَوِيَّ أَحَدَ الْعَشْرَةِ، ؓ، وَسَاقَ خَالِدٌ إِلَى النِّسَاءِ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، وَمَعَهُنَّ عَدَدٌ مِنَ السُّيُوفِ وَغَيْرِهَا، فَقَالَ لَهُنَّ: مَنْ رَأَيْتُمُوهُ مُولِّيًا فَاقْتُلْنَهُ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَوْقِفِهِ، ؓ. مواعظ لبعض الصحابة عند المعركة وَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ وَتَبَارَزَ الْفَرِيقَانِ، وَعَظَ أَبُو عُبَيْدَةَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: عِبَادَ اللَّهِ، انْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اصْبِرُوا ; فَإِنَّ الصَّبْرَ مَنْجَاةٌ مِنَ الْكُفْرِ، وَمَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، وَمَدْحَضَةٌ لِلْعَارِ، وَلَا تَبْرَحُوا مَصَافَّكُمْ، وَلَا تَخْطُوا إِلَيْهِمْ خُطْوَةً، وَلَا تَبْدَأُوهُمْ بِالْقِتَالِ، وَأَشْرِعُوا الرِّمَاحَ وَاسْتَتِرُوا بِالدَّرَقِ، وَالْزَمُوا الصَّمْتَ إِلَّا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي أَنْفُسِكُمْ، حَتَّى آمُرَكُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. قَالُوا: وَخَرَجَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلَى النَّاسِ، فَجَعَلَ يُذَكِّرُهُمْ وَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ وَمُسْتَحْفِظِي الْكِتَابِ، وَأَنْصَارَ الْهُدَى وَالْحَقِّ، إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ لَا تُنَالُ وَجَنَّتَهُ لَا تُدْخَلُ بِالْأَمَانِيِّ، وَلَا يُؤْتِي اللَّهُ الْمَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ الْوَاسِعَةَ إِلَّا الصَّادِقَ الْمُصَدِّقَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا لِقَوْلِ اللَّهِ: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ الْآيَةَ [ النُّورِ: 55 ]. فَاسْتَحْيُوا، رَحِمَكُمُ اللَّهُ، مِنْ رَبِّكُمْ أَنْ يَرَاكُمْ فُرَّارًا مِنْ عَدُّوِّكُمْ وَأَنْتُمْ فِي قَبْضَتِهِ، وَلَيْسَ لَكُمْ مُلْتَحَدٌ مِنْ دُونِهِ، وَلَا عِزٌّ بِغَيْرِهِ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: يَا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، غُضُّوا الْأَبْصَارَ، وَاجْثُوَا عَلَى الرُّكَبِ، وَأَشْرِعُوا الرِّمَاحَ، فَإِذَا حَمَلُوا عَلَيْكُمْ فَأَمْهِلُوهُمْ، حَتَّى إِذَا رَكِبُوا أَطْرَافَ الْأَسِنَّةِ فَثِبُوا إِلَيْهِمْ وَثْبَةَ الْأَسَدِ، فَوَالَّذِي يَرْضَى الصِّدْقَ وَيُثِيبُ عَلَيْهِ، وَيَمْقُتُ الْكَذِبَ، وَيَجْزِي بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، لَقَدْ سَمِعْتُ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَيَفْتَحُونَهَا كَفْرًا كَفْرًا، وَقَصْرًا قَصْرًا، فَلَا يَهُولَنَّكُمْ جُمُوعُهُمْ وَلَا عَدَدُهُمْ، فَإِنَّكُمْ لَوْ صَدَقْتُمُوهُمُ الشَّدَّ تَطَايَرُوا تَطَايُرَ أَوْلَادِ الْحَجَلِ. وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، أَنْتُمُ الْعَرَبُ، وَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي دَارِ الْعَجَمِ مُنْقَطِعِينَ عَنِ الْأَهْلِ، نَائِينَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَمْدَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ وَاللَّهِ أَصْبَحْتُمْ بِإِزَاءِ عَدُوٍّ كَثِيرٍ عَدَدُهُ، شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ حَنَقُهُ، وَقَدْ وَتِرْتُمُوهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَاللَّهِ لَا يُنَجِّيكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَلَا يُبْلَغُ بِكُمْ رِضْوَانَ اللَّهِ غَدًا، إِلَّا بِصِدْقِ اللِّقَاءِ وَالصَّبْرِ فِي الْمَوَاطِنِ الْمَكْرُوهَةِ، أَلَا وَإِنَّهَا سُنَّةٌ لَازِمَةٌ، وَإِنَّ الْأَرْضَ وَرَاءَكُمْ، بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ صَحَارَى وَبَرَارِيُّ، لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا مَعْقِلٌ وَلَا مَعْدِلٌ إِلَّا الصَّبْرُ وَرَجَاءُ مَا وَعَدَ اللَّهُ، فَهُوَ خَيْرُ مُعَوَّلٍ، فَامْتَنِعُوا بِسُيُوفِكُمْ وَتَعَاوَنُوا، وَلْتَكُنْ هِيَ الْحُصُونُ. ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى النِّسَاءِ فَوَصَّاهُنَّ، ثُمَّ عَادَ فَنَادَى: يَا مَعَاشِرَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، حَضَرَ مَا تَرَوْنَ فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْجَنَّةُ أَمَامَكُمْ، وَالشَّيْطَانُ وَالنَّارُ خَلْفَكُمْ. ثُمَّ سَارَ إِلَى مَوْقِفِهِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. وَقَدْ وَعَظَ النَّاسَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَيْضًا فَجَعَلَ يَقُولُ: سَارِعُوا إِلَى الْحُورِ الْعِينِ، وَجِوَارِ رَبِّكُمْ، عَزَّ وَجَلَّ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، مَا أَنْتُمْ إِلَى رَبِّكُمْ فِي مَوْطِنٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْكُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ، أَلَا وَإِنَّ لِلصَّابِرِينَ فَضْلَهُمْ. قَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُيُوخِهِ: إِنَّهُمْ قَالُوا: كَانَ فِي ذَلِكَ الْجَمْعِ أَلْفُ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ; مِنْهُمْ مِائَةٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ. وَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ يَقِفُ عَلَى كُلِّ كُرْدُوسٍ وَيَقُولُ: اللَّهَ اللَّهَ، إِنَّكُمْ دَارَةُ الْعَرَبِ وَأَنْصَارُ الْإِسْلَامِ، وَإِنَّهُمْ دَارَةُ الرُّومِ وَأَنْصَارُ الشِّرْكِ، اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِكَ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ عَلَى عِبَادِكَ. قَالُوا: وَلَمَّا أَقْبَلَ خَالِدٌ مِنَ الْعِرَاقِ قَالَ رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: مَا أَكْثَرَ الرُّومَ وَأَقَلَّ الْمُسْلِمِينَ ! فَقَالَ خَالِدٌ: وَيْلَكَ، أَتُخَوِّفُنِي بِالرُّومِ ؟ إِنَّمَا تَكْثُرُ الْجُنُودُ بِالنَّصْرِ، وَتَقِلُّ بِالْخِذْلَانِ لَا بِعَدَدِ الرِّجَالِ، وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ الْأَشْقَرَ بَرَاءٌ مِنْ تَوَجِّيهِ وَأَنَّهُمْ أَضْعَفُوا فِي الْعَدَدِ. وَكَانَ فَرَسُهُ قَدْ حَفِيَ وَاشْتَكَى فِي مَجِيئِهِ مِنَ الْعِرَاقِ. محاولة الصلح وَلَمَّا تَقَارَبَ النَّاسُ تَقَدَّمَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَمَعَهُمَا ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَأَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، وَنَادَوْا: إِنَّمَا نُرِيدُ أَمِيرَكُمْ لِنَجْتَمِعَ بِهِ. فَأُذِنَ لَهُمْ فِي الدُّخُولِ عَلَى تَذَارِقَ، وَإِذَا هُوَ جَالَسٌ فِي خَيْمَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ الصَّحَابَةُ: لَا نَسْتَحِلُّ دُخُولَهَا. فَأَمَرَ لَهُمْ بِفُرُشٍ ; بُسُطٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالُوا: وَلَا نَجْلِسُ عَلَى هَذِهِ. فَجَلَسَ مَعَهُمْ حَيْثُ أَحَبُّوا، وَتَرَاضَوْا عَلَى الصُّلْحِ، وَرَجَعَ عَنْهُمُ الصَّحَابَةُ بَعْدَمَا دَعَوْهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ يَتِمَّ ذَلِكَ. وَذَكَرَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَنَّ بَاهَانَ طَلَبَ خَالِدًا ; لِيَبْرُزَ إِلَيْهِ فِيمَا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَيَجْتَمِعَا فِي مَصْلَحَةٍ لَهُمْ، فَقَالَ بَاهَانُ: إِنَّا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّ مَا أَخْرَجَكُمْ مِنْ بِلَادِكُمُ الْجَهْدَ وَالْجُوعَ، فَهَلُمُّوا إِلَى أَنْ أُعْطِيَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَكِسْوَةً وَطَعَامًا، وَتَرْجِعُونَ إِلَى بِلَادِكُمْ، فَإِذَا كَانَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ بَعَثْنَا لَكُمْ بِمِثْلِهَا. فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّهُ لَمْ يُخْرِجْنَا مِنْ بِلَادِنَا مَا ذَكَرْتَ، غَيْرَ أَنَّا قَوْمٌ نَشْرَبُ الدِّمَاءَ، وَأَنَّهُ بَلَغَنَا أَنَّهُ لَا دَمَ أَطْيَبُ مِنْ دَمِ الرُّومِ، فَجِئْنَا لِذَلِكَ. فَقَالَ أَصْحَابُ بَاهَانَ: هَذَا وَاللَّهِ مَا كُنَّا نُحَدَّثُ بِهِ عَنِ الْعَرَبِ. خالد يأمر يالهجوم قَالُوا: ثُمَّ تَقَدَّمَ خَالِدٌ إِلَى عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَالْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو - وَهُمَا عَلَى مُجَنِّبَتَيِ الْقَلْبِ - أَنْ يُنْشِئَا الْقِتَالَ، فَبَدَرَا يَرْتَجِزَانِ وَدَعَوْا إِلَى الْبِرَازِ، وَتَنَازَلَ الْأَبْطَالُ، وَتَجَاوَلُوا وَحَمِيَ الْحَرْبُ، وَقَامَتْ عَلَى سَاقٍ، هَذَا وَخَالِدٌ مَعَهُ كُرْدُوسٌ مِنَ الْحُمَاةِ الشُّجْعَانِ الْأَبْطَالِ بَيْنَ يَدَيِ الصُّفُوفِ، وَالْأَبْطَالُ يَتَصَاوَلُونَ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَنْظُرُ وَيَبْعَثُ إِلَى كُلِّ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ بِمَا يَعْتَمِدُونَهُ مِنَ الْأَفَاعِيلِ، وَيُدَبِّرُ أَمْرَ الْحَرْبِ أَتَمَّ تَدْبِيرٍ. شجاعة الزبير بن العوام وَقَدْ كَانَ فِيمَنْ شَهِدَ الْيَرْمُوكَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مَنْ هُنَاكَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ مِنْ فُرْسَانِ النَّاسِ وَشُجْعَانِهِمْ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَبْطَالِ يَوْمَئِذٍ فَقَالُوا: أَلَا تَحْمِلُ فَنَحْمِلَ مَعَكَ ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ لَا تَثْبُتُونَ. فَقَالُوا: بَلَى. فَحَمَلَ وَحَمَلُوا، فَلَمَّا وَاجَهُوا صُفُوفَ الرُّومِ أَحْجَمُوا وَأَقْدَمَ هُوَ ; فَاخْتَرَقَ صُفُوفَ الرُّومِ حَتَّى خَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ وَعَادَ إِلَى أَصْحَابِهِ، ثُمَّ جَاءُوا إِلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ فِي الْأُولَى، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ جُرْحَيْنِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: جُرْحٌ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي " صَحِيحِهِ ". موقف معاذ بن جبل وَجَعَلَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ كَلَّمَا سَمِعَ أَصْوَاتَ الْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ زَلْزِلْ أَقْدَامَهُمْ، وَأَرْعِبْ قُلُوبَهُمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا السَّكِينَةَ، وَأَلْزِمْنَا كَلِمَةَ التَّقْوَى، وَحَبِّبْ إِلَيْنَا اللِّقَاءَ، وَرَضِّنَا بِالْقَضَاءِ. وَخَرَجَ بَاهَانُ فَأَمَرَ صَاحِبَ الْمَيْسَرَةِ، وَهُوَ الذَّرْبِيجَانُ، وَكَانَ عَدُوُّ اللَّهِ مُتَنَسِّكًا فِيهِمْ، فَحَمَلَ عَلَى الْمَيْمَنَةِ، وَفِيهَا الْأَزْدُ وَمَذْحِجٌ وَحَضْرَمَوْتُ وَخَوْلَانُ، فَثَبَتُوا حَتَّى صَدَقُوا أَعْدَاءَ اللَّهِ، ثُمَّ رَكِبَهُمْ مِنَ الرُّومِ أَمْثَالُ الْجِبَالِ، فَزَالَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَيْمَنَةِ إِلَى نَاحِيَةِ الْقَلْبِ، وَانْكَشَفَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَثَبَتَ صَدْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَظِيمٌ يُقَاتِلُونَ تَحْتَ رَايَاتِهِمْ، وَانْكَشَفَتْ زُبَيْدٌ، ثُمَّ تَنَادَوْا فَتَرَاجَعُوا وَحَمَلُوا حَتَّى نَهْنَهُوا مَنْ أَمَامَهُمْ مِنَ الرُّومِ، وَأَشْغَلُوهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ مَنِ انْكَشَفَ مِنَ النَّاسِ، وَاسْتَقْبَلَ النِّسَاءُ مَنِ انْهَزَمَ مِنْ سَرَعَانِ النَّاسِ يَضْرِبْنَهُمْ بِالْخَشَبِ وَالْحِجَارَةِ، وَجَعَلَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ ثَعْلَبَةَ تَقُولُ: يَا هَارِبًا عَنْ نِسْوَةٍ تَقِيَّاتْ     فَعَنْ قَلِيلٍ مَا تَرَى سَبِيَّاتْ وَلَا حَظِيَّاتٍ وَلَا رَضِيَّاتْ قَالَ: فَتَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ. موقف عكرمة بن أبي جهل وَقَالَ سَيْفُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ الْغَسَّانِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ: يَوْمَ الْيَرْمُوكِ قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَوَاطِنَ وَأَفِرُّ مِنْكُمُ الْيَوْمَ ؟ ! ثُمَّ نَادَى: مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَفُرْسَانِهِمْ، فَقَاتَلُوا قُدَّامَ فُسْطَاطِ خَالِدٍ حَتَّى أُثْبِتُوا جَمِيعًا جِرَاحًا، وَقُتِلَ مِنْهُمْ خَلْقٌ، مِنْهُمْ ضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، ؓ. وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّهُمْ لَمَّا صُرِعُوا مِنَ الْجِرَاحِ اسْتَسْقَوْا مَاءً، فَجِيءَ إِلَيْهِمْ بِشَرْبَةِ مَاءٍ، فَلَمَّا قُرِّبَتْ إِلَى أَحَدِهِمْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ. فَلَمَّا دُفِعَتْ إِلَيْهِ نَظَرَ إِلَيْهِ الْآخَرُ، فَقَالَ: ادْفَعْهَا إِلَيْهِ. فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ، مِنْ وَاحِدٍ إِلَى وَاحِدٍ حَتَّى مَاتُوا جَمِيعًا، وَلَمْ يَشْرَبْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، ؓ أَجْمَعِينَ. أول من قتل من المسلمين واحتدام القتال وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ قُتِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ شَهِيدًا رَجُلٌ جَاءَ إِلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ: إِنِّي قَدْ تَهَيَّأْتُ لِأَمْرِي، فَهَلْ لَكَ مِنْ حَاجَةٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَمْ، تُقْرِأُهُ عَنِّي السَّلَامَ وَتَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا. قَالَ: فَتَقَدَّمَ هَذَا الرَّجُلُ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، رَحِمَهُ اللَّهُ. قَالُوا: وَثَبَتَ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى رَايَتِهِمْ حَتَّى صَارَتِ الرُّومُ تَدُورُ كَأَنَّهَا الرَّحَى، فَلَمْ يُرَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ أَكْثَرَ قِحْفًا سَاقِطًا وَمِعْصَمًا نَادِرًا، وَكَفًّا طَائِرَةً، مِنْ ذَلِكَ الْمَوْطِنِ، ثُمَّ حَمَلَ خَالِدٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْخَيَّالَةِ عَلَى الْمَيْسَرَةِ الَّتِي حَمَلَتْ عَلَى مَيْمَنَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَزَالُوهُمْ إِلَى الْقَلْبِ، فَقَتَلَ فِي حَمْلَتِهِ هَذِهِ سِتَّةَ آلَافٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ الصَّبْرِ وَالْجَلَدِ غَيْرَ مَا رَأَيْتُمْ، وَإِنِّي لَأَرْجُوَ أَنْ يَمْنَحَكُمُ اللَّهُ أَكْتَافَهُمْ. ثُمَّ اعْتَرَضَهُمْ فَحَمَلَ بِمِائَةِ فَارِسٍ مَعَهُ عَلَى نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ. فَمَا وَصَلَ إِلَيْهِمْ حَتَّى انْفَضَّ جَمْعُهُمْ، وَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَانْكَشَفُوا وَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ لَا يَمْتَنِعُونَ مِنْهُمْ. قدوم البريد من الخليفة قَالُوا: وَبَيْنَمَا هُمْ فِي جَوْلَةِ الْحَرْبِ وَحَوْمَةِ الْوَغَى، وَالْأَبْطَالُ يَتَصَاوَلُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، إِذْ قَدِمَ الْبَرِيدُ مِنْ نَحْوِ الْحِجَازِ، فَدُفِعَ إِلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَقَالَ لَهُ: مَا الْخَبَرُ ؟ فَقَالَ لَهُ، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ: إِنَّ الصِّدِّيقَ، ؓ، قَدْ تُوُفِّيَ، وَاسْتُخْلِفَ عُمَرَ، فَاسْتَنَابَ عَلَى الْجُيُوشِ أَبَا عُبَيْدَةَ عَامِرَ بْنَ الْجَرَّاحِ. فَأَسَرَّهَا خَالِدٌ، وَلَمْ يُبْدِ ذَلِكَ لِلنَّاسِ ; لِئَلَّا يَحْصُلَ ضَعْفٌ وَوَهَنٌ فِي تِلْكَ الْحَالِ، وَقَالَ لَهُ وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ: أَحْسَنْتَ. وَأَخَذَ مِنْهُ الْكِتَابَ فَوَضَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ، وَاشْتَغَلَ بِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ تَدْبِيرِ الْحَرْبِ وَالْمُقَاتِلَةِ، وَأَوْقَفَ الرَّسُولَ الَّذِي جَاءَ بِالْكِتَابِ - وَهُوَ مَحْمِيَةُ بْنُ زُنَيْمٍ - إِلَى جَانِبِهِ. كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِأَسَانِيدِهِ. إسلام جرجة القائد الرومي قَالُوا: وَخَرَجَ جَرَجَةُ أَحَدُ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ مِنَ الصَّفِّ، وَاسْتَدْعَى خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَجَاءَ إِلَيْهِ حَتَّى اخْتَلَفَتْ أَعْنَاقُ فَرَسَيْهِمَا، فَقَالَ جَرَجَةُ: يَا خَالِدُ، أَخْبِرْنِي فَاصْدُقْنِي وَلَا تَكْذِبْنِي، فَإِنَّ الْحُرَّ لَا يَكْذِبُ، وَلَا تُخَادِعْنِي، فَإِنَّ الْكَرِيمَ لَا يُخَادِعُ الْمُسْتَرْسِلَ بِاللَّهِ، هَلْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّكُمْ سَيْفًا مِنَ السَّمَاءِ فَأَعْطَاكَهُ فَلَا تَسُلُّهُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا هَزَمْتَهُمْ ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِمَ سُمِّيتَ سَيْفَ اللَّهِ ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ فِينَا نَبِيَّهُ ﷺ، فَدَعَانَا فَنَفَرْنَا مِنْهُ وَنَأَيْنَا عَنْهُ جَمِيعًا، ثُمَّ إِنَّ بَعْضَنَا صَدَّقَهُ وَتَابَعَهُ، وَبَعْضَنَا كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ، فَكُنْتُ فِيمَنْ كَذَّبَهُ وَبَاعَدَهُ، ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ أَخَذَ بِقُلُوبِنَا وَنَوَاصِينَا فَهَدَانَا بِهِ وَبَايَعْنَاهُ، فَقَالَ لِي: أَنْتَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ سَلَّهُ اللَّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. وَدَعَا لِي بِالنَّصْرِ، فَسُمِّيتُ سَيْفَ اللَّهِ بِذَلِكَ، فَأَنَا مِنْ أَشَدِّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. فَقَالَ جَرْجَةُ: يَا خَالِدُ، إِلَامَ تَدْعُونَ ؟ قَالَ: إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ: فَمَنْ لَمْ يُجِبْكُمْ ؟ قَالَ: فَالْجِزْيَةُ وَنَمْنَعُهُمْ. قَالَ: فَإِنْ لَمْ يُعْطِهَا ؟ قَالَ: نُؤْذِنُهُ بِالْحَرْبِ ثُمَّ نُقَاتِلُهُ. قَالَ: فَمَا مَنْزِلَةُ مَنْ يُجِيبُكُمْ وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَمْرِ الْيَوْمَ ؟ قَالَ: مَنْزِلَتُنَا وَاحِدَةٌ فِيمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا، شَرِيفُنَا وَوَضِيعُنَا وَأَوَّلُنَا وَآخِرُنَا. قَالَ جَرَجَةُ: فَلِمَنْ دَخَلَ فِيكُمُ الْيَوْمَ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ مَا لَكَمَ مِنَ الْأَجْرِ وَالذُّخْرِ ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَفْضَلُ. قَالَ: وَكَيْفَ يُسَاوِيكُمْ وَقَدْ سَبَقْتُمُوهُ ؟ فَقَالَ خَالِدٌ: إِنَّا دَخَلْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ وَبَايَعْنَا نَبِيَّنَا ﷺ وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا تَأْتِيهِ أَخْبَارُ السَّمَاءِ، وَيُخْبِرُنَا بِالْكُتُبِ وَيُرِينَا الْآيَاتِ، وَحُقَّ لِمَنْ رَأَى مَا رَأَيْنَا وَسَمِعَ مَا سَمِعْنَا أَنْ يُسْلِمَ وَيُبَايِعَ، وَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ لَمْ تَرَوْا مَا رَأَيْنَا، وَلَمْ تَسْمَعُوا مَا سَمِعْنَا مِنَ الْعَجَائِبِ وَالْحُجَجِ، فَمَنْ دَخَلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ مِنْكُمْ بِحَقِيقَةٍ وَنِيَّةٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنَّا. فَقَالَ جَرَجَةُ: بِاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتَنِي وَلَمْ تُخَادِعْنِي ؟ قَالَ: بِاللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُكَ، وَإِنَّ اللَّهَ وَلِيُّ مَا سَأَلَتْ عَنْهُ. فَعِنْدَ ذَلِكَ قَلَبَ جَرَجَةُ التُّرْسَ وَمَالَ مَعَ خَالِدٍ، وَقَالَ: عَلِّمْنِي الْإِسْلَامَ. فَمَالَ بِهِ خَالِدٌ إِلَى فُسْطَاطِهِ، فَشَنَّ عَلَيْهِ قِرْبَةً مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ صَلَّى بِهِ رَكْعَتَيْنِ. استشهاد جرجة الرومي وَحَمَلَتِ الرُّومُ مَعَ انْقِلَابِهِ إِلَى خَالِدٍ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهَا مِنْهُ حَمْلَةٌ، فَأَزَالُوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَوَاقِفِهِمْ إِلَّا الْمُحَامِيَةَ، عَلَيْهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، فَرَكِبَ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ مَعَهُ، وَالرُّومُ خِلَالَ الْمُسْلِمِينَ، فَتَنَادَى النَّاسُ وَثَابُوا وَتَرَاجَعَتِ الرُّومُ إِلَى مَوَاقِفِهِمْ، وَزَحَفَ خَالِدٌ بِالْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَصَافَحُوا بِالسُّيُوفِ، فَضَرَبَ فِيهِمْ خَالِدٌ وَجَرَجَةُ مِنْ لَدُنِ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ إِلَى جُنُوحِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ، وَصَلَّى الْمُسْلِمُونَ صَلَاةَ الظُّهْرِ وَصَلَاةَ الْعَصْرِ إِيمَاءً، وَأُصِيبَ جَرَجَةُ، رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَمْ يُصَلِّ لِلَّهِ إِلَّا تِلْكَ الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ خَالِدٍ، ؓ، وَتَضَعْضَعَتِ الرُّومُ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ نَهَدَ خَالِدٌ بِالْقَلْبِ حَتَّى صَارَ فِي وَسَطِ خُيُولِ الرُّومِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ هَرَبَتْ خَيَّالَتُهُمْ، وَاشْتَدَّتْ بِهِمْ فِي تِلْكَ الصَّحْرَاءِ، وَأَفْرَجَ الْمُسْلِمُونَ بِخُيُولِهِمْ حَتَّى ذَهَبُوا، وَأَخَّرَ النَّاسُ صَلَاتَيِ الْعِشَاءِ حَتَّى اسْتَقَرَّ الْفَتْحُ. قتل خالد مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا من الروم وَعَمَدَ خَالِدٌ إِلَى رَجْلِ الرُّومِ - وَهُمُ الرَّجَّالَةُ - فَفَصَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ، حَتَّى صَارُوا كَأَنَّهُمْ حَائِطٌ قَدْ هُدِمَ، ثُمَّ تَبِعُوا مَنْ فَرَّ مِنَ الْخَيَّالَةِ، وَاقْتَحَمَ خَالِدٌ عَلَيْهِمْ خَنْدَقَهُمْ، وَجَاءَ الرُّومُ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ إِلَى الْوَاقُوصَةِ، فَجَعَلَ الَّذِينَ تَسَلْسَلُوا وَقَيَّدُوا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ إِذَا سَقَطَ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَقَطَ الَّذِينَ مَعَهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُ: فَسَقَطَ فِيهَا وَقُتِلَ عِنْدَهَا مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ أَلْفًا سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمَعْرَكَةِ. قتال نساء المسلمين في المعركة وَقَدْ قَاتَلَ نِسَاءُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَقَتَلُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ الرُّومِ. وَكُنَّ يَضْرِبْنَ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُلْنَ: أَيْنَ تَذْهَبُونَ وَتَدَعُونَنَا لِلْعُلُوجِ ؟ ! فَإِذَا زَجَرْنَهُمْ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ نَفْسَهُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْقِتَالِ. قَالَ: وَتَجَلَّلَ الْقَيْقَلَانُ وَأَشْرَافٌ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الرُّومِ بِبَرَانِسِهِمْ، وَقَالُوا: إِذَا لَمْ نَقْدِرْ عَلَى نَصْرِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، فَلْنَمُتْ عَلَى دِينِهِمْ. فَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ فَقَتَلُوهُمْ عَنْ آخِرِهِمْ. عدد من قتل من المسلمين قَالُوا: وَقُتِلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ؛ مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ وَابْنُهُ عَمْرٌو، وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ، وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ - وَأُثْبِتَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ - وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ وَعَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ، وَحَقَّقَ اللَّهُ رُؤْيَا أَبِيهِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ. وَقَدِ انْكَشَفَ فِي هَذَا الْيَوْمِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ ; انْهَزَمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي أَرْبَعَةٍ، حَتَّى وَصَلُوا إِلَى النِّسَاءِ، ثُمَّ رَجَعُوا حِينَ زَجَرَهُمُ النِّسَاءُ، وَانْكَشَفَ شُرَحْبِيلُ ابْنُ حَسَنَةَ وَأَصْحَابُهُ، ثُمَّ تَرَاجَعُوا حِينَ وَعَظَهُمُ الْأَمِيرُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ الْآيَةَ [ التَّوْبَةِ: 111 ]. ثبات يزيد بن أبي سفيان في المعركة وَثَبَتَ يَوْمَئِذٍ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَاهُ مَرَّ بِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ ; فَإِنَّهُ لَيْسَ رَجُلٌ بِهَذَا الْوَادِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا مَحْفُوفًا بِالْقِتَالِ، فَكَيْفَ بِكَ وَبِأَشْبَاهِكَ الَّذِينَ وُلُّوا أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ ؟ أُولَئِكَ أَحَقُّ النَّاسِ بِالصَّبْرِ وَالنَّصِيحَةِ، فَاتَّقِ اللَّهَ يَا بُنَيَّ، وَلَا يَكُونَنَّ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ بَأَرْغَبَ فِي الْأَجْرِ وَالصَّبْرِ فِي الْحَرْبِ، وَلَا أَجْرَأَ عَلَى عَدُوِّ الْإِسْلَامِ مِنْكَ، فَقَالَ: أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَقَاتَلَ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيدًا، وَكَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْقَلْبِ، ؓ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: هَدَأَتِ الْأَصْوَاتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فَسَمِعْنَا صَوْتًا يَكَادُ يَمْلَأُ الْعَسْكَرَ يَقُولُ: يَا نَصْرَ اللَّهِ اقْتَرِبْ، الثَّبَاتَ الثَّبَاتَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَنَظَرْنَا فَإِذَا هُوَ أَبُو سُفْيَانَ تَحْتَ رَايَةِ ابْنِهِ يَزِيدَ.. هروب هرقل ملك الروم وَأَكْمَلَ خَالِدٌ لَيْلَتَهُ فِي خَيْمَةِ تَذَارِقَ أَخِي هِرَقْلَ، وَهُوَ أَمِيرُ الرُّومِ كُلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ، هَرَبَ فِيمَنْ هَرَبَ، وَبَاتَتِ الْخُيُولُ تَجُولُ نَحْوَ خَيْمَةِ خَالِدٍ يَقْتُلُونَ مَنْ مَرَّ بِهِمْ مِنَ الرُّومِ حَتَّى أَصْبَحُوا، وَقُتِلَ تَذَارِقُ، وَكَانَ لَهُ ثَلَاثُونَ سُرَادِقًا وَثَلَاثُونَ رُوَاقًا مِنْ دِيبَاجٍ بِمَا فِيهَا مِنَ الْفُرُشِ وَالْحَرِيرِ، فَلَمَّا كَانَ الصَّبَاحُ حَازُوا مَا كَانَ هُنَالِكَ مِنَ الْغَنَائِمِ، وَمَا فَرِحُوا بِمَا وَجَدُوا بِقَدْرِ حُزْنِهِمْ عَلَى الصِّدِّيقِ حِينَ أَعْلَمَهُمْ خَالِدٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ عَوَّضَهُمُ اللَّهُ بِالْفَارُوقِ ؓ. وَقَالَ خَالِدٌ حِينَ عَزَّى الْمُسْلِمِينَ فِي الصِّدِّيقِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي قَضَى عَلَى أَبِي بَكْرٍ بِالْمَوْتِ وَكَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَلَّى عُمَرَ وَكَانَ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ أَبِي بَكْرٍ، وَأَلْزَمَنِي حُبَّهُ. تتبع خالد من انهزم من الروم وَقَدِ اتَّبَعَ خَالِدٌ مَنِ انْهَزَمَ مِنَ الرُّومِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَقَالُوا: نَحْنُ عَلَى عَهْدِنَا وَصُلْحِنَا ؟ قَالَ: نَعَمْ. ثُمَّ اتَّبَعَهُمْ إِلَى ثَنِيَّةِ الْعُقَابِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ سَاقَ وَرَاءَهُمْ إِلَى حِمْصَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَصَالَحَهُمْ كَمَا صَالَحَ أَهْلُ دِمَشْقَ، وَبَعَثَ أَبُو عُبَيْدَةَ عِيَاضَ بْنَ غَنْمٍ وَرَاءَهُمْ أَيْضًا، فَسَاقَ حَتَّى وَصَلَ مَلَطْيَةَ فَصَالَحَهُ أَهْلُهَا وَرَجَعَ، فَلَمَّا بَلَغَ هِرَقْلَ ذَلِكَ بَعَثَ إِلَى مُقَاتِلِيهَا فَحَضَرُوا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَمَرَ بِمَلَطْيَةَ فَحُرِقَتْ، وَانْتَهَتِ الرُّومُ مُنْهَزِمَةً إِلَى هِرَقْلَ وَهُوَ بِحِمْصَ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي آثَارِهِمْ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَيَغْنَمُونَ، فَلَمَّا وَصَلَ الْخَبَرُ إِلَى هِرَقْلَ ارْتَحَلَ مِنْ حِمْصَ، وَجَعَلَهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَتَرَّسَ بِهَا، وَقَالَ هِرَقْلُ: أَمَّا الشَّامُ فَلَا شَامَ، وَوَيْلٌ لِلرُّومِ مِنَ الْمَوْلُودِ الْمَشْئُومِ. مما قيل من الأشعار في يوم اليرموك وَمِمَّا قِيلَ مِنَ الْأَشْعَارِ فِي يَوْمِ الْيَرْمُوكِ قَوْلُ الْقَعْقَاعِ بْنِ عَمْرٍو: أَلَمْ تَرَنَا عَلَى الْيَرْمُوكِ فُزْنَا     كَمَا فُزْنَا بِأَيَّامِ الْعِرَاقِ فَتَحْنَا قَبْلَهَا بُصْرَى وَكَانَتْ     مُحَرَّمَةَ الْجَنَابِ لَدَى الْبُعَاقِ وَعَذْرَاءَ الْمَدَائِنِ قَدْ فَتَحْنَا     وَمَرَجَ الصُّفَّرَيْنِ عَلَى الْعِتَاقِ قَتَلْنَا مَنْ أَقَامَ لَنَا وَفِينَا     نِهَابُهُمُ بِأَسْيَافٍ رِقَاقِ قَتَلْنَا الرُّومَ حَتَّى مَا تُسَاوِي     عَلَى الْيَرْمُوكِ ثُفْرُوقَ الْوِرَاقِ فَضَضْنَا جَمْعَهُمْ لَمَّا اسْتَحَالُوا     عَلَى الْوَاقُوصِ بِالْبُتْرِ الرِّقَاقِ غَدَاةَ تَهَافَتُوا فِيهَا فَصَارُوا     إِلَى أَمْرٍ يُعَضِّلُ بِالذَّوَاقِ وَقَالَ الْأَسْوَدُ أَبُو مُفَزِّرٍ التَّمِيمِيُّ: وَكَمْ قَدْ أَغَرْنَا غَارَةً بَعْدَ غَارَةٍ     وَيَوْمًا وَيَوْمًا قَدْ كَشَفْنَا أَهَاوِلَهْ وَلَوْلَا رِجَالٌ كَانَ حَشْوُ غَنِيمَةٍ     لَدَى مَأْقَطٍ رَجَّتْ عَلَيْنَا أَوَائِلُهْ لَقِينَاهُمُ الْيَرْمُوكَ لَمَّا تَضَايَقَتْ     بِمَنْ حَلَّ بِالْيَرْمُوكِ مِنْهُ حَمَائِلُهْ فَلَا يَعْدَمَنْ مِنَّا هِرَقْلُ كَتَائِبًا     إِذَا رَامَهَا رَامَ الَّذِي لَا يُحَاوِلُهْ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: الْقَوْمُ لَخْمٌ وَجُذَامٌ فِي الْحَرِبْ     وَنَحْنُ وَالرُّومُ بِمَرْجٍ نَضْطَرِبْ فَإِنْ يَعُودُوا بَعْدَهَا لَا نَصْطَحِبْ     بَلْ نَعْصِبُ الْفُرَّارَ بِالضَّرْبِ الْكَلِبْ بين هرقل ورجاله وقوة المسلمين وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ مَرْوَانَ الْمَالِكِيُّ فِي " الْمُجَالَسَةِ " بسنده، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يَثْبُتُ لَهُمُ الْعَدُوُّ فُوَاقَ نَاقَةٍ عِنْدَ اللِّقَاءِ. فَقَالَ هِرَقْلُ وَهُوَ عَلَى أَنْطَاكِيَةَ لَمَّا قَدِمَتْ مُنْهَزِمَةُ الرُّومِ: وَيَلَكُمُ ! أَخْبِرُونِي عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ، أَلَيْسُوا هُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ ؟ ! قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَأَنْتُمْ أَكْثَرُ أَمْ هُمْ ؟ قَالُوا: بَلْ نَحْنُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ أَضْعَافًا فِي كُلِّ مَوْطِنٍ. قَالَ: فَمَا بَالُكُمْ تَنْهَزِمُونَ كُلَّمَا لَقِيتُمُوهُمْ ؟ ! فَقَالَ شَيْخٌ مِنْ عُظَمَائِهِمْ: مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ يَقُومُونَ اللَّيْلَ، وَيَصُومُونَ النَّهَارَ، وَيُوفُونَ بِالْعَهْدِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَتَنَاصَفُونَ بَيْنَهُمْ، وَمِنْ أَجْلِ أَنَّا نَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَنَزْنِي، وَنَرْكَبُ الْحَرَامَ، وَنَنْقُضُ الْعَهْدَ، وَنَغْصَبُ، وَنَظْلِمُ، وَنَأْمُرُ بِمَا يُسْخِطُ اللَّهَ، وَنَنْهَى عَمَّا يُرْضِي اللَّهَ، وَنُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ. فَقَالَ: أَنْتَ صَدَقْتَنِي. وَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْغَسَّانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ، قَالَا: لَمَّا نَزَلَ الْمُسْلِمُونَ بِنَاحِيَةِ الْأُرْدُنِّ تَحَدَّثْنَا بَيْنَنَا أَنَّ دِمَشْقَ سَتُحَاصَرُ، فَذَهَبْنَا نَتَسَوَّقُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ، فَبَيْنَا نَحْنُ فِيهَا إِذْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا بِطْرِيقُهَا فَجِئْنَاهُ فَقَالَ: أَنْتُمَا مِنَ الْعَرَبِ ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: وَعَلَى النَّصْرَانِيَّةِ ؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فَقَالَ: لِيَذْهَبْ أَحَدُكُمَا فَلْيَتَجَسَّسْ لَنَا عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ وَرَأْيِهِمْ، وَلِيَثْبُتِ الْآخَرُ عَلَى مَتَاعِ صَاحِبِهِ. فَفَعَلَ ذَلِكَ أَحَدُنَا، فَلَبِثَ مَلِيًّا ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: جِئْتُكَ مِنْ عِنْدِ رِجَالٍ دِقَاقْ، يَرْكَبُونَ خُيُولًا عِتَاقْ، أَمَّا اللَّيْلُ فَرُهْبَانْ، وَأَمَّا النَّهَارُ فَفُرْسَانْ، يَرِيشُونَ النَّبْلَ وَيَبْرُونَهَا، وَيُثَقِّفُونَ الْقَنَا، لَوْ حَدَّثْتَ جَلِيسَكَ حَدِيثًا مَا فَهِمَهُ عَنْكَ ; لِمَا عَلَا مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالْقُرْآنِ وَالذِّكْرِ. قَالَ: فَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ: أَتَاكُمْ مِنْهُمْ مَا لَا طَاقَةَ لَكُمْ بِهِ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.