MajelisNoteدليل

التاريخ 6112

ثم دخلت سنة تسع وسبعين وخمسمائة

مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ حَلَبَ   وَفِي سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ مِنْ عَيْنِ تَابَ إِلَى حَلَبَ، فَنَزَلَ عَلَيْهَا فِي الْمُحَرَّمِ أَيْضًا، فِي الْمَيْدَانِ الْأَخْضَرِ، وَأَقَامَ بِهِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى جَبَلِ جَوْشَنَ فَنَزَلَ بِأَعْلَاهُ، وَأَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ [ أَنْ ] يَبْنِيَ مَسَاكِنَ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ وَعَسَاكِرِهِ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا أَيَّامًا وَالْقِتَالُ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ. وَكَانَ صَاحِبُ حَلَبَ عِمَادَ الدِّينِ زَنْكِي بْنَ مَوْدُودَ بْنِ زَنْكِي، وَمَعَهُ الْعَسْكَرُ النُّورِيُّ، وَهُمْ مُجِدُّونَ فِي الْقِتَالِ، فَلَمَّا رَأَى كَثْرَةَ الْخَرْجِ، كَأَنَّهُ شَحَّ بِالْمَالِ، فَحَضَرَ يَوْمًا عِنْدَهُ بَعْضُ أَجْنَادِهِ، وَطَلَبُوا مِنْهُ شَيْئًا، فَاعْتَذَرَ بِقِلَّةِ الْمَالِ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ: مَنْ يُرِيدُ [ أَنْ ] يَحْفَظَ مِثْلَ حَلَبَ يُخْرِجُ الْأَمْوَالَ، وَلَوْ بَاعَ حُلِيَّ نِسَائِهِ، فَمَالَ حِينَئِذٍ إِلَى تَسْلِيمِ حَلَبَ وَأَخْذِ الْعِوَضِ مِنْهَا، وَأَرْسَلَ مَعَ الْأَمِيرِ طَمَّانِ الْيَارُوقِيِّ، وَكَانَ يَمِيلُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَهَوَاهُ مَعَهُ، فَلِهَذَا أَرْسَلَهُ فَقَرَّرَ قَاعِدَةَ الصُّلْحِ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ عِمَادُ الدِّينِ حَلَبَ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ وَيَأْخُذَ عِوَضَهَا سِنْجَارَ، وَنَصِيبِينَ، وَالْخَابُورَ، وَالرَّقَّةَ، وَسُرُوجَ، وَجَرَتِ الْيَمِينُ عَلَى ذَلِكَ وَبَاعَهَا بِأَوْكَسِ الْأَثْمَانِ، أَعْطَى حِصْنًا مِثْلَ حَلَبَ، وَأَخَذَ عِوَضَهَا قُرًى وَمَزَارِعَ، فَنَزَلَ عَنْهَا ثَامِنَ عَشَرَ صَفَرٍ، تَسَلَّمَهَا صَلَاحُ الدِّينِ فَعَجِبَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَبَّحُوا مَا أَتَى، حَتَّى إِنَّ بَعْضَ عَامَّةِ حَلَبَ أَحْضَرَ أُجَانَةً وَمَاءً وَنَادَاهُ: أَنْتَ لَا يَصْلُحُ لَكَ الْمُلْكُ، وَإِنَّمَا يَصْلُحُ لَكَ أَنْ تَغْسِلَ الثِّيَابَ، وَأَسْمَعُوهُ الْمَكْرُوهَ. وَاسْتَقَرَّ مُلْكُ صَلَاحِ الدِّينِ بِمُلْكِهَا، وَكَانَ مُزَلْزَلًا، فَثَبَتَ قَدَمُهُ بِتَسْلِيمِهَا وَكَانَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ. وَسَارَ عِمَادُ الدِّينِ إِلَى الْبِلَادِ الَّتِي أُعْطِيَهَا عِوَضًا عَنْ حَلَبَ فَتَسَلَّمَهَا، وَأَخَذَ صَلَاحُ الدِّينِ حَلَبَ، وَاسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ عِمَادَ الدِّينِ يَحْضُرُ فِي خِدْمَةِ صَلَاحِ الدِّينِ بِنَفْسِهِ وَعَسْكَرِهِ، إِذَا اسْتَدْعَاهُ لَا يَحْتَجُّ بِحُجَّةٍ. وَمِنَ الِاتِّفَاقَاتِ الْعَجِيبَةِ أَنَّ مُحْيِيَ الدِّينِ بْنَ الزَّنْكِي، قَاضِيَ دِمَشْقَ، مَدَحَ صَلَاحَ الدِّينِ بِقَصِيدَةٍ مِنْهَا: وَفَتْحُكُمْ حَلَبًا بِالسَّيْفِ فِي صَفَرٍ مُبَشِّرٌ بِفُتُوحِ الْقُدْسِ فِي رَجَبِ فَوَافَقَ فَتْحُ الْقُدْسِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَمِمَّا كَتَبَهُ الْقَاضِي فِي الْمَعْنَى عَنْ صَلَاحِ الدِّينِ: " فَأَعْطَيْنَاهُ عَنْ حَلَبَ كَذَا وَكَذَا، وَهُوَ صَرْفٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَخَذْنَا فِيهِ الدَّنَانِيرَ وَأَعْطَيْنَاهُ الدَّرَاهِمَ، وَنَزَلْنَا عَنِ الْقُرَى، وَأَحْرَزْنَا الْعَوَاصِمَ ". وَكَتَبَ أَيْضًا: " أَعْطَيْنَاهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْيَدِ، يَعْنِي أَنَّهُ مَتَى شَاءَ أَخَذَهُ لِعَدَمِ حَصَانَتِهِ ". وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ عَلَى حَلَبَ تَاجُ الْمُلُوكِ بُورِيٌّ، أَخُو صَلَاحِ الدِّينِ الْأَصْغَرُ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا، كَرِيمًا حَلِيمًا، جَامِعًا لِخِصَالِ الْخَيْرِ، وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ، طُعِنَ فِي رُكْبَتِهِ فَانْفَكَّتْ، فَمَاتَ مِنْهَا بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ الصُّلْحُ بَيْنَ عِمَادِ الدِّينِ وَصَلَاحِ الدِّينِ عَلَى تَسْلِيمِ حَلَبَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا صَلَاحُ الدِّينِ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ أَمْرُ الصُّلْحِ حَضَرَ صَلَاحُ الدِّينِ عِنْدَ أَخِيهِ يَعُودُهُ، وَقَالَ لَهُ: هَذِهِ حَلَبُ قَدْ أَخَذْنَاهَا، وَهِيَ لَكَ، فَقَالَ: ذَلِكَ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ. وَوَاللَّهِ لَقَدْ أَخَذْتَهَا غَالِيَةً حَيْثُ تَفْقِدُ مِثْلِي. فَبَكَى صَلَاحُ الدِّينِ وَأَبْكَى. وَلَمَّا خَرَجَ عِمَادُ الدِّينِ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ، وَقَدْ عَمِلَ لَهُ دَعْوَةً احْتَفَلَ فِيهَا، فَبَيْنَمَا هُمْ فِي سُرُورٍ إِذْ جَاءَ إِنْسَانٌ فَأَسَرَّ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِمَوْتِ أَخِيهِ، فَلَمْ يُظْهِرْ هَلَعًا، وَلَا جَزَعًا، وَأَمَرَ بِتَجْهِيزِهِ سِرًّا، وَلَمْ يَعْلَمْ عِمَادُ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ فِي الدَّعْوَةِ، وَاحْتَمَلَ الْحُزْنَ وَحْدَهُ لِئَلَّا يَتَنَكَّرَ مَا هُمْ فِيهِ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الصَّبْرِ الْجَمِيلِ. وَدَفَنَهُ بِحَلَبَ، ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى دِمَشْقَ ثُمَّ اتَّفَقَ الْحَالُ بَيْنَ السُّلْطَانِ وَبَيْنَ صَاحِبِ حَلَبَ عِمَادِ الدِّينِ زَنْكِيِّ بْنِ مَوْدُودِ بْنِ زَنْكِيِّ بْنِ آقْ سُنْقُرَ عَلَى عِوَضٍ أَطْلَقَهُ وَهُوَ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ سِنْجَارَ وَيُسَلِّمَهُ الْبَلَدَ، فَخَرَجَ عِمَادُ الدِّينِ زَنْكِيٌّ، وَجَاءَ إِلَى خِدْمَةِ السُّلْطَانِ، وَعَزَّاهُ فِي أَخِيهِ، وَنَزَلَ عِنْدَهُ فِي الْمُخَيَّمِ، وَنَقَلَ أَثْقَالَهُ إِلَى سِنْجَارَ وَزَادَهُ السُّلْطَانُ الْخَابُورَ وَالرَّقَّةَ وَنَصِيبِينَ وَسَرُوجَ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ إِرْسَالَ الْعَسْكَرِ فِي الْخِدْمَةِ لِلْغُزَاةِ، ثُمَّ سَارَ وَوَدَّعَهُ السُّلْطَانُ وَمَكَثَ السُّلْطَانُ فِي الْمُخَيَّمِ أَيَّامًا غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِحَلَبَ، وَلَا مُسْتَكْثِرٍ لَهَا وَلَا بِهَا، ثُمَّ صَعِدَ إِلَى قَلْعَتِهَا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ سَابِعَ عَشَرَ صَفَرٍ مُؤَيَّدًا مَنْصُورًا مَحْبُورًا، وَعَمِلَ لَهُ الْأَمِيرُ طَمَّانُ وَلِيمَةً عَظِيمَةً، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا فَسَمِعَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ دَاخِلٌ يَتْلُو هَذِهِ الْآيَةَ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ [ آلِ عِمْرَانَ: 26 ] الْآيَةَ. وَلَمَّا دَخَلَ دَارَ الْمَلِكِ تَلَا: وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ [ الْأَحْزَابِ: 27 ] وَلَمَّا دَخَلَ مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَأَطَالَ السُّجُودَ وَالدُّعَاءَ وَالتَّضَرُّعَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ثُمَّ شَرَعَ فِي عَمَلِ وَلِيمَةٍ عَظِيمَةٍ، وَقَدْ ضُرِبَتِ الْبَشَائِرُ، وَخَلَعَ السُّلْطَانُ عَلَى الْأُمَرَاءِ، وَأَحْسَنَ إِلَى الرُّؤَسَاءِ وَالْفُقَرَاءِ، وَأَلْقَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، وَقَضَتِ الْقُلُوبُ أَوْطَارَهَا. وَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَرَّ بِهَا النَّوَى     كَمَا قَرَّ عَيْنًا بِالْإِيَابِ الْمُسَافِرُ وَقَدِ امْتَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ عِنْدَ فَتْحِ حَلَبَ بِمَدَائِحَ حِسَانٍ، وَكَانَتْ قَدْ وَقَعَتْ مِنْهُ مَوْقِعًا عَظِيمًا، حَتَّى إِنَّهُ قَالَ: مَا سُرِرْتُ بِفَتْحِ قَلْعَةٍ أَعْظَمَ سُرُورًا مِنْ فَتْحِ مَدِينَةِ حَلَبَ. وَأَسْقَطَ عَنْهَا وَعَنْ سَائِرِ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ الْمُكُوسَ وَالضَّرَائِبَ، وَكَذَلِكَ عَنْ بِلَادِ الشَّامِ وَمِصْرَ، فَجَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا