التاريخ 6019
ثم دخلت سنة ثمان وستين وخمسمائة
وَفَاةِ خُوَارَزْم شَاهْ أَرْسِلَان وَمُلْكِ وَلَدِهِ سُلْطَان شَاهْ وَبَعْدَهُ وَلَدُهُ الْآخَرُ تُكَشُ وَقَتْلِ الْمُؤَيَّدِ وَمُلْكِ ابْنِهِ فِي هَذِهِ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ تُوُفِّيَ خُوَارَزْم شَاهْ أَرْسِلَان بْنُ أَتْسِزَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَنُوشْتَكِينَ، قَدْ عَادَ مِنْ قِتَالِ الْخَطَا مَرِيضًا، فَتُوُفِّيَ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ سُلْطَان شَاهْ مَحْمُودٌ، وَدَبَّرَتْ وَالِدَتُهُ الْمَمْلَكَةَ وَالْعَسَاكِرَ. وَكَانَ ابْنُهُ الْأَكْبَرُ عَلَاءُ الدِّينِ تُكَشُ مُقِيمًا فِي الْجُنْدِ قَدْ أَقْطَعُهُ أَبُوهُ إِيَّاهَا، فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْتُ أَبِيهِ وَتَوْلِيَةُ أَخِيهِ الصَّغِيرِ أَنِفَ مِنْ ذَلِكَ، وَقَصَدَ مَلِكَ الْخَطَا، وَاسْتَمَدَّهُ عَلَى أَخِيهِ، وَأَطْمَعَهُ فِي الْأَمْوَالِ وَذَخَائِرِ خُوَارَزْمَ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيفًا مُقَدَّمُهُمْ قُومَا، فَسَارُوا حَتَّى قَارَبُوا خُوَارَزْمَ، فَخَرَجَ سُلْطَان شَاهْ وَأُمُّهُ إِلَى الْمُؤَيَّدِ، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً جَلِيلَةَ الْمِقْدَارِ، وَوَعَدَهُ أَمْوَالَ خُوَارَزْمَ وَذَخَائِرَهَا، فَاغْتَرَّ بِقَوْلِهِ، وَجَمَعَ جُيُوشَهُ وَسَارَ مَعَهُ حَتَّى بَلَغَ سُوبَرْنَى، بُلَيْدَةٌ عَلَى عِشْرِينَ فَرْسَخًا مِنْ خُوَارَزْمَ، وَكَانَ تُكَشُ قَدْ عَسْكَرَ بِالْقُرْبِ مِنْهَا، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ انْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمُؤَيَّدِ، وَكُسِرَ الْمُؤَيَّدُ وَأُخِذَ أَسِيرًا، وَجِيءَ بِهِ إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشَ، فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقُتِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ صَبْرًا. وَهَرَبَ سُلْطَان شَاهْ، وَأَخَذَ إِلَى دِهِسْتَانَ، فَقَصَدَهُ خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشُ، فَافْتَتَحَ الْمَدِينَةَ عَنْوَةً، فَهَرَبَ سُلْطَان شَاهْ وَأُخِذَتْ أُمُّهُ فَقَتَلَهَا تُكَشُ، وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ. وَلَمَّا عَادَ الْمُنْهَزِمُونَ مَنْ عَسْكَرِ الْمُؤَيَّدِ إِلَى نَيْسَابُورَ مَلَّكُوا ابْنَهُ طُغَان شَاهْ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْمُؤَيَّدِ، وَاتَّصَلَ بِهِ سُلْطَان شَاهْ، ثُمَّ سَارَ مِنْ هُنَاكَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ مَلِكِ الْغُورِيَّةِ، فَأَكْرَمَهُ وَعَظَّمَهُ وَأَحْسَنَ ضِيَافَتَهُ. وَأَمَّا عَلَاءُ الدِّينِ تُكَشُ، فَإِنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ قَدَمُهُ بِخُوَارَزْمَ اتَّصَلَتْ بِهِ رُسُلُ الْخَطَا بِالِاقْتِرَاحَاتِ وَالتَّحَكُّمِ كَعَادَتِهِمْ، فَأَخَذَتْهُ حَمِيَّةُ الْمُلْكِ وَالدِّينِ، وَقَتَلَ أَحَدَ أَقَارِبِ الْمَلِكِ، وَكَانَ قَدْ وَرَدَ إِلَيْهِ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ أَرْسَلَهُمْ مَلِكُهُمْ فِي مُطَالَبَةِ خُوَارَزْم شَاهْ بِالْمَالِ، فَأَمَرَ خُوَارَزْم شَاهْ أَعْيَانَ خُوَارَزْمَ، فَقَتَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنَ الْخَطَا، فَلَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَنَبَذُوا إِلَى مَلِكِ الْخَطَا عَهْدَهُ. استنجاد سلطان شاه بملك الخطا على أخيه علاء الدين تكش وَبَلَغَ ذَلِكَ سُلْطَان شَاهْ، فَسَارَ إِلَى مَلِكِ الْخَطَا وَاغْتَنَمَ الْفُرْصَةَ بِهَذِهِ الْحَالِ وَاسْتَنْجَدَهُ عَلَى أَخِيهِ عَلَاءِ الدِّينِ تُكَشَ، وَزَعَمَ لَهُ أَنَّ أَهْلَ خُوَارَزْمَ مَعَهُ يُرِيدُونَهُ، وَيَخْتَارُونَ مُلْكَهُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ رَأَوْهُ لَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا كَثِيرًا مِنَ الْخَطَا مَعَ قُومَا أَيْضًا، فَوَصَلُوا إِلَى خُوَارَزْمَ، فَحَصَرُوهَا، فَأَمَرَ خُوَارَزْم شَاهْ عَلَاءُ الدِّينِ بِإِجْرَاءِ مَاءِ جَيْحُونَ عَلَيْهِمْ فَكَادُوا يَغْرَقُونَ، فَرَحَلُوا وَلَمْ يَبْلُغُوا مِنْهَا غَرَضًا، وَلَحِقَهُمُ النَّدَمُ حَيْثُ لَمْ يَنْفَعْهُمْ، وَلَامُوا سُلْطَان شَاهْ وَعَنَّفُوهُ، فَقَالَ لِقُومَا: لَوْ أَرْسَلْتَ مَعِي جَيْشًا إِلَى مَرْوَ لَاسْتَخْلَصْتُهَا مِنْ يَدِ دِينَارٍ الْغُزِّيِّ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَيْهَا مِنْ حِينِ كَانَتْ فِتْنَةُ الْغُزِّ إِلَى الْآنِ، فَسَيَّرَ مَعَهُ جَيْشًا، فَنَزَلَ عَلَى سَرْخَسَ عَلَى غِرَّةٍ مِنْ أَهْلِهَا، وَهَجَمُوا عَلَى الْغُزِّ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، فَلَمْ يَتْرُكُوا بِهَا أَحَدًا مِنْهُمْ، وَأَلْقَى دِينَارٌ مَلِكُهُمْ نَفْسَهُ فِي خَنْدَقِ الْقَلْعَةِ، فَأُخْرِجَ مِنْهُ، وَدَخَلَ الْقَلْعَةَ وَتَحَصَّنَ بِهَا. وَسَارَ سُلْطَان شَاهْ إِلَى مَرْوَ، فَمَلَكَهَا، وَعَادَ الْخَطَا إِلَى مَا وَرَاءَ النَّهْرِ، وَجَعَلَ سُلْطَان شَاهْ دَأْبَهُ قِتَالَ الْغُزِّ وَقَصْدَهُمْ، وَالْقَتْلَ فِيهِمْ، وَالنَّهْبَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا عَجَزَ دِينَارٌ عَنْ مُقَاوَمَتِهِ أَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ إِلَى طُغَان شَاهْ بْنِ الْمُؤَيَّدِ يَقُولُ لَهُ لِيُرْسِلَ إِلَيْهِ مَنْ يُسَلِّمُ إِلَيْهِ قَلْعَةَ سَرْخَسَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ جَيْشًا مَعَ أَمِيرٍ اسْمُهُ قَرَاقُوشُ، فَسَلَّمَ إِلَيْهِ دِينَارٌ الْقَلْعَةَ وَلَحِقَ بِطُغَان شَاهْ، فَقَصَدَ سُلْطَان شَاهْ سَرْخَسَ، وَحَصَرَ قَلْعَتَهَا، وَبَلَغَ ذَلِكَ طُغَان شَاهْ، فَجَمَعَ جُيُوشَهُ وَقَصَدَ سَرْخَسَ، فَلَمَّا الْتَقَى هُوَ وَسُلْطَان شَاهْ فَرَّ طُغَان شَاهْ إِلَى نَيْسَابُورَ، وَذَلِكَ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَأَخْلَى قَرَاقُوشُ قَلْعَةَ سَرْخَسَ وَلَحِقَ بِصَاحِبِهِ، وَمَلَكَهَا سُلْطَان شَاهْ، ثُمَّ أَخَذَ طُوسَ، وَالزَّامَ، وَضَيَّقَ الْأَمْرَ عَلَى طُغَان شَاهْ بِعُلُوِّ هِمَّتِهِ، وَقِلَّةِ قَرَارِهِ، وَحِرْصِهِ عَلَى طَلَبِ الْمُلْكِ. وَكَانَ طُغَان شَاهْ يُحِبُّ الدَّعَةَ وَمُعَاقَرَةَ الْخَمْرِ، فَلَمْ يَزَلِ الْحَالُ كَذَلِكَ إِلَى أَنْ مَاتَ طُغَانُ شَاهْ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فِي الْمُحَرَّمِ، وَمَلَكَ ابْنُهُ سَنْجَر شَاهْ، فَغَلَبَ عَلَيْهِ مَمْلُوكُ جَدِّهِ الْمُؤَيَّدِ، اسْمُهُ مَنْكَلِي تَكِينَ، فَتَفَرَّقَ الْأُمَرَاءُ أَنَفَةً مِنْ تَحَكُّمِهِ، وَاتَّصَلَ أَكْثَرُهُمْ بِسُلْطَان شَاهْ، وَسَارَ الْمَلِكُ دِينَارٌ إِلَى كَرْمَانَ، وَمَعَهُ الْغُزُّ، فَمَلَكَهَا. وَأَمَّا مَنْكَلِي تَكِينَ فَإِنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي الرَّعِيَّةِ، وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ، وَقَتَلَ بَعْضَ الْأُمَرَاءِ، فَسَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَحَصَرَهُ بِنَيْسَابُورَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَحَصَرَهَا شَهْرَيْنِ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِهَا وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ، ثُمَّ رَجَعَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَحَصَرَهَا، وَطَلَبُوا مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، فَسَلَّمُوا الْبَلَدَ إِلَيْهِ، فَقُتِلَ مَنْكَلِي تَكِينَ وَأَخَذَ سَنْجَر شَاهْ وَأَكْرَمَهُ، وَأَنْزَلَهُ بِخُوَارَزْمَ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى نَيْسَابُورَ يَسْتَمِيلُ أَهْلَهَا لِيَعُودَ إِلَيْهِمْ، فَسَمِعَ بِهِ خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَخَذَ سَنْجَر شَاهْ فَسَمَلَهُ، وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ بِأُمِّهِ وَزَوَّجَهُ بِابْنَتِهِ، فَمَاتَتْ، فَزَوَّجَهُ بِأُخْتِهِ، وَبَقِيَ عِنْدَهُ إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ذَكَرَ هَذَا أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ " مَشَارِبِ التَّجَارِبِ "، وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالتَّوَارِيخِ هَذِهِ الْحَوَادِثَ مُخَالِفَةً لِهَذَا فِي بَعْضِ الْأُمُورِ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَنَحْنُ نُورِدُهَا. رواية أخرى لهذه الحوادث مخالفة لما تقدمت في بعض الأمور فَقَالَ إِنَّ تُكَشَ خُوَارَزْم شَاهْ إِيلْ أَرْسِلَان أَخْرَجَ أَخَاهُ سُلْطَان شَاهْ مِنْ خُوَارَزْمَ، وَكَانَ قَدْ مَلَكَهَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ، فَجَاءَ إِلَى مَرْوَ، فَمَلَكَهَا وَأَزَاحَ الْغُزَّ عَنْهَا، فَخَرَجُوا أَيَّامًا، ثُمَّ عَادُوا عَلَيْهِ، فَأَخْرَجُوهُ مِنْهَا، وَانْتَهَبُوا خِزَانَتَهُ، وَقَتَلُوا أَكْثَرَ رِجَالِهِ، فَعَبَرَ إِلَى الْخَطَا، فَاسْتَنْجَدَهُمْ، وَضَمِنَ لَهُمْ مَالًا، وَجَاءَ بِجَيْشٍ عَظِيمٍ، فَأَخْرَجَ الْغُزَّ عَنْ مَرْوَ، وَسَرْخَسَ، وَنَسَا، وَأَبْيُوَرْدَ، وَمَلَكَهَا وَرَدَّ الْخَطَا. فَلَمَّا أُبْعِدُوا كَاتَبَ غِيَاثَ الدِّينِ الْغُورِيَّ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَنْزِلَ عَنْ هَرَاةَ وَبُوشَنْجَ وَبَاذْغِيسَ وَمَا وَالَاهَا، وَيَتَوَعَّدُهُ إِنْ هُوَ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ ذَلِكَ، فَأَجَابَهُ غِيَاثُ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْهُ إِقَامَةَ الْخُطْبَةِ لَهُ بِمَرْوَ وَسَرْخَسَ وَمَا مَلَكَهُ مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ، فَلَمَّا سَمِعَ الرِّسَالَةَ سَارَ عَنْ مَرْوَ وَشَنَّ الْغَارَاتِ عَلَى بَاذْغِيسَ وَبَيْوَارَ وَمَا وَالَاهَا، وَحَصَرَ بُوشَنْجَ وَنَهَبَ الرَّسَاتِيقَ، وَصَادَرَ الرَّعَايَا، فَلَمَّا سَمِعَ غِيَاثُ الدِّينِ ذَلِكَ لَمْ يَرْضَ لِنَفَسِهِ أَنْ يَسِيرَ هُوَ بَلْ سَيَّرَ مَلِكَ سِجِسْتَانَ، وَكَاتَبَ ابْنَ أُخْتِهِ بَهَاءَ الدِّينِ سَامَ، صَاحِبَ بَامِيَانَ، بِاللَّحَاقِ بِهِ، لِأَنَّ أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ كَانَ بِالْهِنْدِ، وَالزَّمَانُ شِتَاءٌ، فَجَاءَ بَهَاءُ الدِّينِ ابْنُ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ وَمَلِكُ سِجِسْتَانَ وَمَنْ مَعَهُمَا مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَوَافَقَ ذَلِكَ وُصُولَ سُلْطَان شَاهْ إِلَى هَرَاةَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِوُصُولِهِمْ عَادَ إِلَى مَرْوَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ، وَأَحْرَقَ كُلَّ مَا مَرَّ بِهِ مِنَ الْبِلَادِ وَنَهَبَهُ، وَأَقَامَ بِمَرْوَ إِلَى الرَّبِيعِ، وَأَعَادَ مُرَاسَلَةَ غِيَاثِ الدِّينِ فِي الْمَعْنَى، فَأَرْسَلَ إِلَى أَخِيهِ شِهَابِ الدِّينِ يُعَرِّفَهُ الْحَالَ، فَنَادَى فِي عَسَاكِرِهِ الرَّحِيلَ لِسَاعَتِهِ، وَعَادَ إِلَى خُرَاسَانَ، وَاجْتَمَعَ هُوَ وَأَخُوهُ غِيَاثُ الدِّينِ وَمَلِكُ سِجِسْتَانَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْعَسَاكِرِ، وَقَصَدُوا سُلْطَان شَاهْ، فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ، مَنِ الْغُزِّ وَالْمُفْسِدِينَ، وَقَطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَمَنْ عِنْدَهُ طَمَعٌ، خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ غِيَاثُ الدِّينِ وَمَنْ مَعَهُ فِي الطَّالْقَانِ، وَنَزَلَ سُلْطَان شَاهْ بِمَرْوِ الرُّوذِ، وَتَقَدَّمَ عَسْكَرُ الْغُورِيَّةِ إِلَيْهِ، وَتَوَاعَدُوا لِلْمَصَافِّ. وَبَقُوا كَذَلِكَ شَهْرَيْنِ وَالرُّسُلُ تَتَرَدَّدُ بَيْنَ غِيَاثِ الدِّينِ وَبَيْنَ سُلْطَان شَاهْ، وَشِهَابُ الدِّينِ يَطْلُبُ مِنْ أَخِيهِ غِيَاثِ الدِّينِ الْإِذْنَ فِي الْحَرْبِ، فَلَا يَتْرُكُهُ، وَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى سُلْطَان شَاهْ بُوشَنْجَ وَبَاذْغِيسَ وَقِلَاعَ بِيُوَارَ، وَكَرِهَ ذَلِكَ شِهَابُ الدِّينِ وَبَهَاءُ الدِّينِ سَامُ، صَاحِبُ بَامِيَانَ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُخَالِفَا غِيَاثَ الدِّينِ، وَفِي آخِرِ الْأَمْرِ حَضَرَ رَسُولُ سُلْطَان شَاهْ عِنْدَ غِيَاثِ الدِّينِ، وَحَضَرَ الْأُمَرَاءُ ; لِيُكْتَب الْعَهْدُ، فَقَالَ الرَّسُولُ: إِنَّ سُلْطَانَ شَاهْ يَطْلُبُ أَنْ يَحْضُرَ شِهَابُ الدِّينِ وَبَهَاءُ الدِّينِ هَذَا الْأَمْرَ، فَأَرْسَلَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَيْهِمَا، فَأَعَادَا الْجَوَابَ: إِنَّنَا مَمَالِيكُكَ، وَمَهْمَا تَفْعَلْ لَا يُمْكِنْنَا مُخَالَفَتُكَ. فَبَيْنَمَا النَّاسُ مُجْتَمِعُونَ فِي تَحْرِيرِ الْأَمْرِ وَإِذْ قَدْ أَقْبَلَ مَجْدُ الدِّينِ الْعَلَوِيُّ الْهَرَوِيُّ، وَكَانَ خِصِّيصًا بِغِيَاثِ الدِّينِ بِحَيْثُ يَفْعَلُ فِي مُلْكِهِ مَا يَخْتَارُ فَلَا يُخَالَفُ، فَجَاءَ الْعَلَوِيُّ وَيَدُهُ فِي يَدِ أَلْب غَازِي ابْنِ أُخْتِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَقَدْ كَتَبُوا الْكِتَابَ، وَقَدْ أَحْضَرَ غِيَاثُ الدِّينِ أَخَاهُ شِهَابَ الدِّينِ وَبَهَاءَ الدِّينِ سَامَ مَلِكِ الْبَامِيَانِ، فَجَاءَ الْعَلَوِيُّ كَأَنَّهُ يَسَارُ غِيَاثِ الدِّينِ، وَوَقَفَ فِي وَسَطِ الْحَلْقَةِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: يَا فُلَانُ ! تَقُولُ لِسُلْطَان شَاهْ: قَدْ تَمَّ لَكَ الصُّلْحُ مِنْ جَانِبِ السُّلْطَانِ الْأَعْظَمِ، وَمِنْ شِهَابِ الدِّينِ، وَبَهَاءِ الدِّينِ، وَيَقُولُ لَكَ الْعَلَوِيُّ خَصْمُكَ: أَنَا وَمَوْلَانَا أَلْب غَازِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ السَّيْفُ، ثُمَّ صَرَخَ صَرْخَةً وَمَزَّقَ ثِيَابَهُ، وَحَثَا التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ وَأَقْبَلَ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَقَالَ لَهُ: هَذَا وَاحِدٌ طَرَدَهُ أَخُوهُ، وَأَخْرَجَهُ فَرِيدًا وَحِيدًا، لِمَ تَتْرُكْ لَهُ مَا مَلَكْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا مِنَ الْغُزِّ وَالْأَتْرَاكِ السَّنْجَرِيَّةِ ؟ فَإِذَا سَمِعَ هَذَا عَنَّا يَجِيءُ أَخُوهُ يَطْلُبُ مُنَازَعَتَهُ الْهِنْدَ وَجَمِيعَ مَا بِيَدِكَ، فَحَرَّكَ غِيَاثُ الدِّينِ رَأْسَهُ وَلَمْ يَتَفَوَّهْ بِكَلِمَةٍ، فَقَالَ مَلِكُ سِجِسْتَانَ لِلْعَلَوِيِّ: اتْرُكِ الْأَمْرَ يَنْصَلِحْ. فَلَمَّا لَمْ يَتَكَلَّمْ غِيَاثُ الدِّينِ مَعَ الْعَلَوِيِّ قَالَ شِهَابُ الدِّينِ لِجَاوَوِشِيتِهَ: نَادَوْا فِي الْعَسْكَرِ بِالتَّجَهُّزِ لِلْحَرْبِ، وَالتَّقَدُّمِ إِلَى مَرْوِ الرُّوذِ، وَقَامَ، وَأَنْشَدَ الْعَلَوِيُّ بَيْتًا مِنَ الشِّعْرِ عَجَمِيًّا مَعْنَاهُ: إِنِ الْمَوْتَ تَحْتَ السُّيُوفِ أَسْهَلُ مِنَ الرِّضَى بِالدَّنِيَّةِ، فَرَجَعَ الرَّسُولُ إِلَى سُلْطَان شَاهْ، وَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَرَتَّبَ عَسَاكِرَهُ لِلْمَصَافِّ، وَالْتَقَى الْفَرِيقَانِ وَاقْتَتَلُوا، فَصَبَرُوا لِلْحَرْبِ، فَانْهَزَمَ سُلْطَان شَاهْ وَعَسْكَرُهُ، وَأُخِذَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَسْرَى، فَأَطْلَقَهُمْ غِيَاثُ الدِّينِ، دخول سلطان شاه مرو وَدَخَلَ سُلْطَان شَاهْ مَرْوَ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا، وَلَحِقَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ نَحْوُ أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ. وَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشُ بِمَا جَرَى لِأَخِيهِ سَارَ مِنْ خُوَارَزْمَ فِي أَلْفَيْ فَارِسٍ وَأَرْسَلَ إِلَى جَيْحُونَ ثَلَاثَةَ آلَافِ فَارِسٍ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى أَخِيهِ إِنْ أَرَادَ الْخَطَا، وَجَدَّ فِي السَّيْرِ لِيَقْبِضَ عَلَى أَخِيهِ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى، فَأَتَتِ الْأَخْبَارُ سُلْطَان شَاهْ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى عُبُورِ جَيْحُونَ إِلَى الْخَطَا، فَسَارَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ وَكَتَبَ إِلَيْهِ يُعْلِمُهُ قَصْدَهُ إِلَيْهِ، فَكَتَبَ إِلَى هَرَاةَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِهِ بِإِكْرَامِهِ وَاحْتِرَامِهِ وَحَمْلِ الْإِقَامَاتِ إِلَيْهِ، فَفَعَلَ بِهِ ذَلِكَ، وَقَدِمَ عَلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَالْتَقَاهُ، وَأَكْرَمَهُ وَأَنْزَلَهُ مَعَهُ فِي دَارِهِ، وَأَنْزَلَ أَصْحَابُ سُلْطَان شَاهْ كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ عِنْدَ مَنْ هُوَ فِي طَبَقَتِهِ، فَأَنْزَلَ الْوَزِيرَ عِنْدَ وَزِيرِهِ وَالْعَارِضَ عِنْدَ عَارَضِهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرَهُمْ، وَأَقَامَ عِنْدَهُ حَتَّى انْسَلَخَ الشِّتَاءُ، فَأَرْسَلَ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُذَكِّرُهُ مَا صَنَعَهُ أَخُوهُ سُلْطَان شَاهْ مَعَهُ مِنْ تَخْرِيبِ بِلَادِهِ، وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ عَلَيْهِ، وَيُشِيرُ بِالْقَبْضِ عَلَيْهِ وَرَدِّهِ إِلَيْهِ، فَأَنْزَلَ الرَّسُولَ، وَإِذْ قَدْ أَتَاهُ كِتَابُ نَائِبِهِ بِهَرَاةَ يُخْبِرُهُ أَنَّ كِتَابَ خُوَارَزْم شَاهْ جَاءَهُ يَتَهَدَّدُهُ، فَأَجَابَهُ أَنَّهُ لَا يُظْهِرُ لِخُوَارَزْم شَاهْ أَنَّهُ أَعْلَمَهُ بِالْحَالِ، وَأَحْضَرَ الرَّسُولَ، وَقَالَ لَهُ: تَقُولُ لِعَلَاءِ الدِّينِ: أَمَّا قَوْلُكَ إِنَّ سُلْطَانَ شَاهْ أَخْرَبَ الْبِلَادَ وَأَرَادَ مُلْكَهَا، فَلَعَمْرِي إِنَّهُ مَلِكٌ وَابْنُ مَلِكٍ، وَلَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ، وَإِذَا أَرَادَ الْمُلْكَ، فَمِثْلُهُ أَرَادَهُ، وَلِلْأُمُورِ مُدَبِّرٌ يُوصِلُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، وَقَدِ الْتَجَأَ إِلَيَّ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَنْزَاحَ عَنْ بِلَادِهِ، وَتُعْطِيَهُ نَصِيبَهُ مِمَّا خَلَّفَ أَبُوهُ، وَمِنَ الْأَمْلَاكِ الَّتِي خَلَّفَ، وَالْأَمْوَالِ، وَأَحْلِفُ لَكُمَا يَمِينًا عَلَى الْمَوَدَّةِ وَالْمُصَافَاةِ، وَتَخْطُبُ لِي بِخُوَارَزْمَ، وَتُزَوِّجُ أَخِي شِهَابَ الدِّينِ بِأُخْتِكَ. فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهِ الرِّسَالَةَ امْتَعَضَ لِذَلِكَ، وَكَتَبَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ كِتَابًا يَتَهَدَّدُهُ بِقَصْدِ بِلَادِهِ، فَجَهَّزَ غِيَاثُ الدِّينِ الْعَسَاكِرَ مَعَ ابْنِ أُخْتِ أَلْب غَازِي وَصَاحِبِ سِجِسْتَانَ، وَسَيَّرَهُمَا مَعَ سُلْطَان شَاهْ إِلَى خُوَارَزْمَ، وَكَتَبَ إِلَى الْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ يَسْتَنْجِدُهُ، وَكَانَ قَدْ صَارَ بَيْنَهُمَا مُصَاهَرَةٌ: زَوَّجَ الْمُؤَيَّدُ ابْنَهُ طُغَانَ بِابْنَةِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَجَمَعَ الْمُؤَيَّدُ عَسَاكِرَهُ، وَأَقَامَ بِظَاهِرِ نَيْسَابُورَ عَلَى طَرِيقِ خُوَارَزْمَ. وَكَانَ خُوَارَزْم شَاهْ قَدْ سَارَ عَنْ خُوَارَزْمَ إِلَى لِقَاءِ عَسْكَرِ الْغُورِيَّةِ الَّذِينَ مَعَ أَخِيهِ سُلْطَان شَاهْ، وَقَدْ نَزَلُوا بِطَرَفِ الرَّمْلِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي مَسِيرِهِ أَتَاهُ خَبَرُ الْمُؤَيَّدِ أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ عَسَاكِرَهُ، وَأَنَّهُ عَلَى قَصْدِ خُوَارَزْمَ إِذَا فَارَقَهَا، فَسُقِطَ فِي يَدَيْهِ وَعَادَ فَوَقَعَ فِي قَلْبِهِ، وَعَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ، فَأَخَذَ أَمْوَالَهُ وَذَخَائِرَهُ وَعَبَرَ جَيْحُونَ إِلَى الْخَطَا، وَأَخْلَى خُوَارَزْمَ فَوَقَعَ بِهَا خَبْطٌ عَظِيمٌ، فَحَضَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِهَا عِنْدَ أَلْب غَازِي وَسَأَلُوهُ إِرْسَالَ أَمِيرٍ مَعَهُمْ يَضْبُطُ الْبَلَدَ، فَخَافَ أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةً، فَلَمْ يَفْعَلْ. وفاة سلطان شاه فَبَيْنَمَا هُمْ فِي ذَلِكَ تُوُفِّيَ سُلْطَان شَاهْ، سَلْخَ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَكَتَبَ أَلْب غَازِي إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يُعْلِمُهُ الْخَبَرَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْعَوْدِ إِلَيْهِ، فَرَجَعَ وَمَعَهُ أَصْحَابُ سُلْطَان شَاهْ، فَأَمَرَ غِيَاثُ الدِّينِ بِأَنْ يُسْتَخْدَمُوا، وَأَقْطَعَ الْأَجْنَادَ الْإِقْطَاعَاتِ الْجَيِّدَةِ، وَكُلُّهُمْ قَابَلَ إِحْسَانَهُ بِكُفْرَانٍ، وَسَنَذْكُرُهُ بَاقِي أَخْبَارِهِمْ. وَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ تُكَشُ بِوَفَاةِ أَخِيهِ عَادَ إِلَى خُوَارَزْمَ، وَأَرْسَلَ إِلَى سَرْخَسَ وَمَرْوَ شَحْنَاءَ، فَجَهَّزَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ هَرَاةَ عُمَرُ الْمَرْغَنِيُّ جَيْشًا، فَأَخْرَجُوهُمْ، وَقَالَ: حَتَّى نَسْتَأْذِنَ السُّلْطَانَ غِيَاثَ الدِّينِ، وَأَرْسَلَ خُوَارَزْم شَاهْ رَسُولًا إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ يَطْلُبُ الصُّلْحَ وَالْمُصَاهَرَةَ، وَسَيَّرَ مَعَ رَسُولِهِ جَمَاعَةً مِنْ فُقَهَاءِ خُرَاسَانَ وَالْعَلَوِيِّينَ، وَمَعَهُمْ وَجِيهُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودٍ، وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ غِيَاثَ الدِّينِ شَافِعِيًّا، وَكَانَ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةٌ كَبِيرَةٌ، فَوَعَظُوهُ، وَخَوَّفُوهُ اللَّهَ تَعَالَى، وَأَعْلَمُوهُ أَنَّ خُوَارَزْم شَاهْ يُرَاسِلُهُمْ وَيَتَهَدَّدُهُمْ بِأَنَّهُ يَجِيءُ بِالْأَتْرَاكِ وَالْخَطَا وَيَسْتَبِيحُ حَرِيمَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَقَالُوا لَهُ: إِمَّا أَنْ تَحْضُرَ أَنْتَ بِنَفْسِكَ، وَتَجْعَلَ مَرْوَ دَارَ مُلْكِكَ، حَتَّى يَنْقَطِعَ طَمَعُ الْكَافِرِينَ عَنِ الْبِلَادِ وَيَأْمَنَ أَهْلُهَا، وَإِمَّا أَنْ تُصَالِحَ خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ وَتَرَكَ مُعَارَضَةَ الْبِلَادِ. فَلَمَّا سَمِعَ مَنْ بِخُرَاسَانَ مِنَ الْغُزِّ بِذَلِكَ طَمِعُوا فِي الْبِلَادِ، فَعَاوَدُوا النَّهْبَ وَالْإِحْرَاقَ وَالتَّخْرِيبَ، فَسَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَحَضَرَ بِخُرَاسَانَ، وَدَخَلَ مَرْوَ وَسَرْخَسَ وَنَسَا وَأَبْيُوَرْدَ وَغَيْرَهَا، وَأَصْلَحَ الْبِلَادَ، وَتَطَرَّقَ إِلَى طُوسَ وَهِيَ لِلْمُؤَيَّدِ صَاحِبِ نَيْسَابُورَ، فَجَمَعَ الْمُؤَيَّدُ جُيُوشَهُ وَسَارَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْمُؤَيَّدُ بِعَوْدِ خُوَارَزْم شَاهْ طَمِعَ فِيهِ وَتَبِعَهُ، فَلَمَّا سَمِعَ خُوَارَزْم شَاهْ بِذَلِكَ أَرْسَلَ إِلَى الْمَنَاهِلِ الَّتِي فِي الْبَرِّيَّةِ فَأَلْقَى فِيهَا الْجِيَفَ وَالتُّرَابَ بِحَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِهَا. أسر المؤيد ومقتله فَلَمَّا تَوَسَّطَ الْمُؤَيَّدُ الْبَرِّيَّةَ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ، فَجَاءَ خُوَارَزْم شَاهْ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، وَمَعَهُ الْمَاءُ عَلَى الْجِمَالِ، فَأَحَاطَ بِهِ، فَأَمَّا عَسْكَرُهُ فَاسْتَسْلَمُوا بِأَسْرِهِمْ، وَجِيءَ بِالْمُؤَيَّدِ أَسِيرًا إِلَى خُوَارَزْم شَاهْ، فَأَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُخَنَّثُ هَذَا فِعَالُ النَّاسِ ؟ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَقَتَلَهُ وَحَمَلَ رَأْسَهُ إِلَى خُوَارَزْمَ. فَلَمَّا قُتِلَ مَلِكُ نَيْسَابُورَ مَلَكَ مَا كَانَ لَهُ ابْنُهُ طُغَان شَاهْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ قَابِلَ جَمَعَ خُوَارَزْم شَاهْ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَى نَيْسَابُورَ، فَحَاصَرَهَا وَقَاتَلَهَا، فَمَنَعَهُ طُغَان شَاهْ، فَعَادَ عَنْهُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ طُغَان شَاهْ، فَقَاتَلَهُ، فَأَسَرَ طُغَان شَاهْ، وَأَخَذَهُ، وَزَوَّجَهُ أُخْتَهُ، وَحَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خُوَارَزْمَ، وَمَلَكَ نَيْسَابُورَ وَجَمِيعَ مَا كَانَ لِطُغَان شَاهْ مِنَ الْمُلْكِ وَعَظُمَ شَأْنُهُ وَقَوِيَ أَمْرُهُ. هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ، وَلَوْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لَفَعَلْتُ، فَإِنَّ أَحَدَهُمَا قَدْ قَدَّمَ مَا أَخَّرَهُ الْآخَرُ، فَلِهَذَا أَوْرَدْنَا جَمِيعَ مَا قَالَاهُ، وَلِبُعْدِ الْبِلَادِ عَنَّا لَمْ نَعْلَمْ أَيَّ الْقَوْلَيْنِ أَصَحَّ لِنَذْكُرَهُ وَنَتْرُكَ الْآخَرَ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَتْهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ لِأَنَّ أَيَّامَ سُلْطَان شَاهْ لَمْ تُطِلْ لَهُ وَلِأَعْقَابِهِ حَتَّى تَتَفَرَّقَ عَلَى السِّنِينَ، فَلِهَذَا أَوْرَدْتُهَا مُتَتَابِعَةً.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه