التاريخ 5433
ثم دخلت سنة أربع وتسعين وأربعمائة
مَا فَعَلَهُ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ وَدُخُولِهِ بَغْدَاذَ لَمَّا كَانَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِالرَّيِّ، بَعْدَ انْهِزَامِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ، اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْعَسَاكِرُ الْكَثِيرَةُ، فَصَارَ مَعَهُ نَحْوُ مِائَةِ أَلْفِ فَارِسٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْمِيرَةُ فَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ، فَعَادَ دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ إِلَى أَبِيهِ، وَخَرَجَ الْمَلِكُ مَوْدُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ يَاقُوتِي بِأَذْرَبِيجَانَ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ قِوَامَ الدَّوْلَةِ كَرْبُوقَا فِي عَشَرَةِ آلَافِ فَارِسٍ، وَاسْتَأْذَنَ الْأَمِيرُ إِيَازُ فِي أَنْ يَقْصِدَ دَارَهُ بِهَمَذَانَ يَصُومُ بِهَا شَهْرَ رَمَضَانَ، وَيَعُودُ بَعْدَ الْفِطْرِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَتَفَرَّقَتِ الْعَسَاكِرُ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وَبَقِيَ فِي الْعَدَدِ الْقَلِيلِ. فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ أَخَوَيْهِ قَدْ جَمَعَا الْجُمُوعَ، وَحَشَدَا الْجُنُودَ، وَأَنَّهُمَا لَمَّا بَلَغَهُمَا قِلَّةُ مَنْ مَعَهُ جَدَّا فِي السَّيْرِ إِلَيْهِ، وَطَوَيَا الْمَنَازِلَ لِيُعَاجِلَاهُ، قَبْلَ أَنْ يَجْمَعَ جُمُوعَهُ وَعَسَاكِرَهُ، فَلَمَّا قَارَبَاهُ سَارَ مِنْ مَكَانِهِ، وَقَدْ طَمِعَ فِيهِ مَنْ كَانَ يَهَابُهُ، وَأَيِسَ مِنْهُ مَنْ كَانَ يَرْجُوهُ، فَقَصَدَ نَحْوَ هَمَذَانَ لِيَجْتَمِعَ هُوَ وَإِيَازُ، فَبَلَغَهُ أَنَّ إِيَازَ قَدْ رَاسَلَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا لِيَكُونَ مَعَهُ وَمِنْ جُمْلَةِ أَعْوَانِهِ، خَوْفًا عَلَى وِلَايَتِهِ، وَهِيَ هَمَذَانُ وَغَيْرُهَا، فَلَمَّا سَمِعَ عَنْهَا، وَقَصَدَ خُوزِسْتَانَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ تُسْتَرَ كَاتَبَ الْأُمَرَاءَ بَنِي بُرْسُقَ يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَحْضُرُوا لَمَّا عَلِمُوا أَنَّ إِيَازَ لَمْ يَحْضُرْ، وَلِلْخَوْفِ مِنَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ فَسَارَ نَحْوَ الْعِرَاقِ، فَلَمَّا بَلَغَ حُلْوَانَ أَتَاهُ رَسُولُ الْأَمِيرِ إِيَازَ يَسْأَلُ التَّوَقُّفَ لِيَصِلَ إِلَيْهِ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ إِيَازَ رَاسَلَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا فِي الِانْضِمَامِ إِلَيْهِ وَالْمَصِيرِ فِي جُمْلَةِ عَسْكَرِهِ، فَلَمْ يَقْبَلْهُ، وَسَيَّرَ الْعَسَاكِرَ إِلَى هَمَذَانَ، فَفَارَقَهَا مُنْهَزِمًا، وَلَحِقَ بِالسُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ، فَأَقَامَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِحُلْوَانَ، وَوَصَلَ إِلَيْهِ إِيَازُ، وَسَارُوا جَمِيعُهُمْ إِلَى بَغْدَاذَ. وَأَخَذَ عَسْكَرُ مُحَمَّدٍ مَا تَخَلَّفَ لِلْأَمِيرِ إِيَازَ بِهَمَذَانَ مِنْ مَالٍ وَدَوَابَّ، وَبَرْكٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ أُعْجِلَ عَنْهُ، وَكَانَ مِنْ جُمْلَتِهِ خَمْسُمِائَةِ حِصَانٍ عَرَبِيَّةٍ، قِيلَ كَانَ يُسَاوِي كُلُّ حِصَانٍ مِنْهَا مَا بَيْنَ ثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى خَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ، وَنَهَبُوا دَارَهُ، وَصَادَرُوا جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، وَصُودِرَ رَئِيسُ هَمَذَانَ بِمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَلَمَّا وَصَلَ إِيَازُ إِلَى بَرْكِيَارُقَ تَكَامَلَتْ عِدَّتُهُمْ خَمْسَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَقَدْ ذَهَبَتْ خِيَامُهُمْ وَثَقَلُهُمْ وَوَصَلَ بَرْكِيَارُقُ إِلَى بَغْدَاذَ سَابِعَ عَشَرَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى طَرِيقِهِ يِلْتَقِيهِ أَمِينَ الدَّوْلَةِ بْنَ مُوصْلَايَا فِي الْمَوْكِبِ، ثُمَّ دَخَلَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ مُلْكُ شَاهْ بْنُ بَرْكِيَارُقَ، فَاسْتَقْبَلَهُ أَهْلُ الْمَنَاصِبِ مِنَ النَّهْرَوَانِ، وَحُمِلَ إِلَيْهِ مِنْ دَارِ الْخِلَافَةِ تَعْوِيذٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ مُصْحَفٌ جَامِعٌ، فَعُلِّقَ عَلَيْهِ، وَكَانَ عُمُرُهُ سَنَةً وَشُهُورًا. وَلَمَّا كَانَ عِيدُ الْأَضْحَى نَفَّذَ الْخَلِيفَةُ مِنْبَرًا إِلَى دَارِ السُّلْطَانِ، وَخَطَبَ عَلَيْهِ الشَّرِيفُ أَبُو الْكَرَمِ، وَصَلَّى صَلَاةَ الْعِيدِ، وَلَمْ يَحْضُرْ بَرْكِيَارُقُ لِأَنَّهُ كَانَ مَرِيضًا. وَضَاقَتِ الْأَمْوَالُ عَلَى بَرْكِيَارُقَ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يُخْرِجُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عَسَاكِرِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَشْكُو الضَّائِقَةَ وَقِلَّةَ الْمَالِ، وَيَطْلُبُ أَنْ يُعَانَ بِمَا يُخْرِجُهُ، فَتَقَرَّرَ الْأَمْرُ بَعْدَ الْمُرَاجَعَاتِ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفِ دِينَارٍ، حَمَلَهَا الْخَلِيفَةُ إِلَيْهِ، وَمَدَّ بَرْكِيَارُقُ وَأَصْحَابُهُ أَيْدِيَهُمْ إِلَى أَمْوَالِ النَّاسِ، فَعَمَّ ضَرَرُهُمْ، وَتَمَنَّى أَهْلُ الْبِلَادِ زَوَالَهُمْ عَنْهُمْ، وَدَعَتْهُمُ الضَّرُورَةُ إِلَى أَنِ ارْتَكَبُوا خُطَّةً شَنْعَاءَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَبُو مُحَمَّدٍ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْصُورٍ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ صُلَيْحَةَ، قَاضِي جَبَلَةَ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ وَصَاحِبُهَا، مُنْهَزِمًا مِنَ الْفِرِنْجِ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ، وَمَعَهُ أَمْوَالٌ جَلِيلَةُ الْمِقْدَارِ، فَأَخَذُوهَا مِنْهُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه