التاريخ 4443
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ذِكْرُ الْقَبْضِ عَلَى شُكْرٍ الْخَادِمِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قَبَضَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ عَلَى شُكْرٍ الْخَادِمِ، وَكَانَ أَخَصَّ النَّاسِ عِنْدَ وَالِدِهِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ وَأَقْرَبَهُمْ إِلَيْهِ، يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ وَيُعَوِّلُ عَلَيْهِ. وَكَانَ سَبَبُ قَبْضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَيَّامَ وَالِدِهِ يَقْصِدُ شَرَفَ الدَّوْلَةِ وَيُؤْذِيهِ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى إِبْعَادَهُ إِلَى كَرْمَانَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَقَامَ بِأَمْرِ صَمْصَامِ الدَّوْلَةِ، فَحَقَدَ عَلَيْهِ شَرَفُ الدَّوْلَةِ ذَلِكَ، فَلَمَّا مَلَكَ شَرَفُ الدَّوْلَةِ الْعِرَاقَ اخْتَفَى شُكْرٌ، فَطَلَبَهُ أَشَدَّ الطَّلَبِ فَلَمْ يُوجَدْ، وَكَانَ لَهُ جَارِيَةٌ حَبَشِيَّةٌ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَطَلَبَهَا إِلَيْهِ، فَأَقَامَتْ عِنْدَهُ مُدَّةً تَخْدِمُهُ. وَكَانَ قَدْ عَلِقَ بِقَلْبِهَا غَيْرُهُ، فَصَارَتْ تَأْخُذُ الْمَأْكُولَ وَغَيْرَهُ وَتَحْمِلُهُ إِلَى حَيْثُ شَاءَتْ، فَأَحَسَّ بِهَا شُكْرٌ، فَلَمْ يَحْتَمِلْهَا، فَضَرَبَهَا، فَخَرَجَتْ غَضْبَى إِلَى بَابِ دَارِ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَأَخْبَرَتْ بِحَالِ شُكْرٍ، فَأُخِذَ وَأُحْضِرَ عِنْدَ شَرَفِ الدَّوْلَةِ، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ نِحْرِيرٌ الْخَادِمُ، فَوَهَبَهُ لَهُ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْحَجِّ، فَأَذِنَ لَهُ، فَسَارَ إِلَى مَكَّةَ ثُمَّ مِنْهَا إِلَى مِصْرَ، فَنَالَ هُنَاكَ مَنْزِلَةً كَبِيرَةً، وَسَيَرِدُ خَبَرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ عَزْلِ بَكْجُورَ عَنْ دِمَشْقَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ عُزِلَ بَكْجُورُ عَنْ دِمَشْقَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَسَاءَ السِّيرَةَ فِي دِمَشْقَ، وَفَعَلَ الْأَعْمَالَ الذَّمِيمَةَ، وَكَانَ الْوَزِيرُ يَعْقُوبُ بْنُ كِلِّسٍ مُنْحَرِفًا عَنْهُ، يُسِيءُ الرَّأْيَ فِيهِ، وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مَا فَعَلَهُ بِأَصْحَابِهِ بِدِمَشْقَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. فَلَمَّا بَلَغَهُ فِعْلُهُ بِدِمَشْقَ تَحَرَّكَ فِي عَزْلِهِ، وَقَبُحَ ذِكْرُهُ عِنْدَ الْعَزِيزِ بِاللَّهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجُهِّزَتِ الْعَسَاكِرُ مِنْ مِصْرَ مَعَ الْقَائِدِ مُنِيرٍ الْخَادِمِ، فَسَارُوا إِلَى الشَّامِ. فَجَمَعَ بَكْجُورُ الْعَرَبَ وَغَيْرَهَا وَخَرَجَ، فَلَقِيَ الْعَسْكَرَ الْمِصْرِيَّ عِنْدَ دَارَيَّا، وَقَاتَلَهُمْ فَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ، فَانْهَزَمَ بَكْجُورُ وَعَسْكَرُهُ، وَخَافَ مِنْ وُصُولِ نَزَّالٍ وَالِي طَرَابُلُسَ، وَكَانَ قَدْ كُوتِبَ مِنْ مِصْرَ بِمُعَاضَدَةِ مُنِيرٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَ بَكْجُورُ خَافَ أَنْ يَجِيءَ نَزَّالٌ فَيُؤْخَذُ، فَأَرْسَلَ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لِيُسَلِّمَ الْبَلَدَ إِلَيْهِمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى ذَلِكَ، فَجَمَعَ مَالَهُ جَمِيعَهُ وَسَارَ، وَأَخْفَى أَثَرَهُ لِئَلَّا يَغْدِرَ الْمِصْرِيُّونَ بِهِ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الرَّقَّةِ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا، وَتَسَلَّمَ مُنِيرٌ الْبَلَدَ، فَفَرِحَ بِهِ أَهْلُهُ وَسَرَّهُمْ وِلَايَتُهُ، وَسَنَذْكُرُ سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ [ وَثَلَاثِمِائَةٍ ] بَاقِيَ أَخْبَارِهِ وَقَتْلَهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ذِكْرُ ظَفَرِ الْأَصْفَرِ بِالْقَرَامِطَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ إِنْسَانٌ يُعْرَفُ بِالْأَصْفَرِ مِنْ بَنِي الْمُنْتَفِقِ جَمْعًا كَثِيرًا، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمْعٍ مِنَ الْقَرَامِطَةِ وَقْعَةٌ شَدِيدَةٌ قُتِلَ فِيهَا مُقَدَّمُ الْقَرَامِطَةِ، وَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ وَقُتِلَ مِنْهُمْ، وَأُسِرَ كَثِيرٌ. وَسَارَ الْأَصْفَرُ إِلَى الْأَحْسَاءِ، فَتَحَصَّنَ مِنْهُ الْقَرَامِطَةُ، فَعَدَلَ إِلَى الْقَطِيفِ فَأَخَذَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ عَبِيدِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَمَوَاشِيهِمْ وَسَارَ بِهَا إِلَى الْبَصْرَةِ. ذِكْرُ نُكْتَةٍ حَسَنَةٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ أَهْدَى الصَّاحِبُ بْنُ عَبَّادٍ، أَوَّلَ الْمُحَرَّمِ، إِلَى فَخْرِ الدَّوْلَةِ دِينَارًا وَزْنُهُ أَلْفُ مِثْقَالٍ، وَكَانَ عَلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ مَكْتُوبٌ: وَأَحْمَرَ يَحْكِي الشَّمْسَ شَكْلًا وَصُورَةً فَأَوْصَافُهُ مُشْتَقَّةٌ مِنْ صِفَاتِهِ فَإِنْ قِيلَ دِينَارٌ فَقَدْ صَدَقَ اسْمُهُ وَإِنْ قِيلَ أَلْفٌ كَانَ بَعْضَ سِمَاتِهِ بَدِيعٌ، وَلَمْ يُطْبَعْ عَلَى الدَّهْرِ مِثْلُهُ وَلَا ضُرِبَتْ أَضْرَابُهُ لِسُرَاتِهِ فَقَدْ أَبْرَزَتْهُ دَوْلَةٌ فَلَكِيَّةٌ أَقَامَ بِهَا الْإِقْبَالُ صَدْرَ قَنَاتِهِ وَصَارَ إِلَى شَاهَانْشَاهَ انْتِسَابُهُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَصْغِرٌ لِعُفَاتِهِ يُخَبِّرُ أَنْ يَبْقَى سِنِينَ كَوَزْنِهِ لِتَسْتَبْشِرَ الدُّنْيَا بِطُولِ حَيَاتِهِ تَأَنَّقَ فِيهِ عَبْدُهُ، وَابْنُ عَبْدِهِ وَغَرْسُ أَيَادِيهِ، وَكَافِي كُفَاتِهِ ( وَكَانَ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ، وَلَقَبُ الْخَلِيفَةِ الطَّائِعِ لِلَّهِ، وَلَقَبُ فَخْرِ الدَّوْلَةِ، وَاسْمُ جُرْجَانَ لِأَنَّهُ ضُرِبَ بِهَا. قَوْلُهُ: " دَوْلَةٌ فَلَكِيَّةٌ " يَعْنِي أَنَّ لَقَبَ فَخْرِ الدَّوْلَةِ كَانَ فَلَكَ الْأُمَّةِ. وَقَوْلُهُ: " وَكَافِي كُفَاتِهِ "، فَإِنَّ الصَّاحِبَ كَانَ لَقَبُهُ كَافِيَ الْكُفَاةِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه