التاريخ 3520
سنة ثمان وستين ومائتين
الْوَقْعَةِ بَيْنَ الْمُعْتَضِدِ وَالْأَعْرَابِ وَفِي سنة ثمان وستين ومائتين أَوْقَعَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ الْمُوَفَّقِ - وَهُوَ الْمُعْتَضِدُ بِاللَّهِ - بِقَوْمٍ مِنَ الْأَعْرَابِ كَانُوا يَحْمِلُونَ الْمِيرَةَ إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ، فَقَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَأَسَرَ الْبَاقِينَ، وَغَنِمَ مَا كَانَ مَعَهُمْ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْبَصْرَةِ مَنْ أَقَامَ بِهَا لِأَجْلِ قَطْعِ الْمِيرَةِ. وَسَيَّرَ الْمُوَفَّقُ رَشِيقًا مَوْلَى أَبِي الْعَبَّاسِ، فَأَوْقَعَ بِقَوْمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ كَانُوا يَجْلِبُونَ الْمِيرَةَ إِلَى الْخَبِيثِ، فَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَأَسَرَ جَمَاعَةً مِنْهُمْ، فَحَمَلَ الْأَسْرَى، وَالرُّءُوسَ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، فَأَمَرَ بِهِمُ الْمُوَفَّقُ، فَوَقَفُوا بِإِزَاءِ عَسْكَرِ الزَّنْجِ، وَكَانَ فِيهِمْ رَجُلٌ يُسْفِرُ بَيْنَ صَاحِبِ الزَّنْجِ وَالْأَعْرَابِ بِجَلْبِ الْمِيرَةِ، فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ، وَأُلْقِيَ فِي عَسْكَرِ الْخَبِيثِ، وَأَمَرَ بِضَرْبِ أَعْنَاقِ الْأُسَارَى، وَانْقَطَعَتِ الْمِيرَةُ بِذَلِكَ عَنِ الْخَبِيثِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَأَضَرَّ بِهِمُ الْحِصَارُ، وَأَضْعَفَ أَبْدَانَهُمْ، فَكَانَ يَسْأَلُ الْأَسِيرَ، وَالْمُسْتَأْمِنَ عَنْ عَهْدِهِ بِالْخُبْزِ فَيَقُولُ: عَهْدِي بِهِ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ. فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى هَذَا الْحَالِ رَأَى الْمُوَفَّقُ أَنْ يُتَابِعَ عَلَيْهِمُ الْحَرْبَ لِيَزِيدَهُمْ ضُرًّا وَجَهْدًا، فَكَثُرَ الْمُسْتَأْمِنُونَ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَخَرَجَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْقُرَى وَالْأَنْهَارِ الْبَعِيدَةِ فِي طَلَبِ الْقُوتِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمُوَفَّقَ، فَأَمَرَ جَمَاعَةً مِنْ قُوَّادِ غِلْمَانِهِ السُّودَانِ بِقَصْدِ تِلْكَ الْمَوْضِعِ وَدَعْوَةِ مَنْ بِهَا إِلَيْهِ، فَمَنْ أَبَى قَتَلُوهُ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَتَاهُ أَكْثَرُ مِنْهُمْ. فَلَمَّا كَثُرَ الْمُسْتَأْمِنُونَ عِنْدَ الْمُوَفَّقِ عَرَضَهُمْ، فَمَنْ كَانَ ذَا قُوَّةٍ وَجَلَدٍ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَخَلَطَهُ بِغِلْمَانِهِ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ ضَعِيفًا، أَوْ شَيْخًا، أَوْ جَرِيحًا قَدْ أَزْمَنَتْهُ الْجِرَاحَةُ كَسَاهُ، وَأَعْطَاهُ دَرَاهِمَ، وَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُحْمَلَ إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ ( فَيُلْقَى هُنَاكَ )، وَيُؤْمَرَ بِذِكْرِ مَا رَأَى مِنْ إِحْسَانِ الْمُوَفَّقِ إِلَى مَنْ صَارَ إِلَيْهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ رَأْيُهُ فِيهِمْ. فَتَهَيَّأَ لَهُ بِذَلِكَ مَا أَرَادَ مِنَ اسْتِمَالَةِ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ. وَجَعَلَ الْمُوَفَّقُ وَابْنُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ يُلَازِمَانِ قِتَالَ الْخَبِيثِ تَارَةً هَذَا وَتَارَةً هَذَا، وَجُرِحَ أَبُو الْعَبَّاسِ ثُمَّ بَرَأَ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قُتِلَ مِنْ ( أَعْيَانِ قُوَّادِ ) الْخَبِيثِ بَهْبُودُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْخُرُوجِ فِي السُّمَيْرِيَّاتِ، وَكَانَ يَنْصِبُ عَلَيْهَا أَعْلَامًا تُشْبِهُ أَعْلَامَ الْمُوَفَّقِ، فَإِذَا رَأَى مَنْ يَسْتَضْعِفُهُ أَخَذَهُ، وَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَالًا جَزِيلًا، فَوَاقَعَهُ فِي بَعْضِ خَرَجَاتِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ، فَأَفْلَتَ بَعْدَ أَنْ أَشَفَى عَلَى الْهَلَاكِ، ثُمَّ إِنَّهُ خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى فَرَأَى سُمَيْرِيَّةً فِيهَا بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي الْعَبَّاسِ، فَقَصَدَهَا طَامِعًا فِي أَخْذِهَا، فَحَارَبَهُ أَهْلُهَا، فَطَعَنَهُ غُلَامٌ مِنْ غِلْمَانِ أَبِي الْعَبَّاسِ فِي بَطْنِهِ فَسَقَطَ فِي الْمَاءِ، فَأَخَذَهُ أَصْحَابُهُ، فَحَمَلُوهُ إِلَى عَسْكَرِ الْخَبِيثِ، فَمَاتَ قَبْلَ وُصُولِهِ، ( فَأَرَاحَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ شَرِّهِ ). وَكَانَ قَتْلُهُ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ، وَعَظُمَتِ الْفَجِيعَةُ عَلَى الْخَبِيثِ وَأَصْحَابِهِ، وَاشْتَدَّ جَزَعُهُمْ عَلَيْهِ، وَبَلَغَ الْخَبَرُ الْمُوَفَّقَ بِقَتْلِهِ، فَأَحْضَرَ ذَلِكَ الْغُلَامَ، فَوَصَلَهُ، وَكَسَاهُ، وَطَوَّقَهُ، وَزَادَ فِي أَرْزَاقِهِ، وَفَعَلَ بِكُلِّ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي تِلْكَ السُّمَيْرِيَّةِ نَحْوَ ذَلِكَ. ثُمَّ ظَفِرَ الْمُوَفَّقُ بِالذَّوَائِبِيِّ، وَكَانَ مُمَايِلًا لِصَاحِبِ الزَّنْجِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه