التاريخ 6371
ثم دخلت سنة سبع وستمائة
وَفِيهَا تُوُفِّيَ مِنَ الْأَعْيَانِ : الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ الْمَقْدِسِيُّ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ بَانِي الْمَدْرَسَةِ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ لِلْقُرَّاءِ، رَحِمَهُ اللَّهُ. مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ، الشَّيْخُ الصَّالِحُ أَبُو عُمَرَ الْمَقْدِسِيُّ، بَانِي الْمَدْرَسَةِ الَّتِي يُقْرَأُ فِيهَا الْقُرْآنُ بِسَفْحِ قَاسِيُونَ، وَهُوَ أَخُو الشَّيْخِ مُوَفَّقِ الدِّينِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُدَامَةَ، وَكَانَ أَبُو عُمَرَ أَسَنَّ مِنْهُ; لِأَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بَقَرْيَةِ السَّاوَيَا، وَقِيلَ: بِجَمَّاعِيلَ. وَهُوَ رَبَّى الشَّيْخَ مُوَفَّقَ الدِّينِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَزَوَّجَهُ، وَكَانَ يَقُومُ بِمَصَالِحِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَدِمَ بِهِمْ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ، فَنَزَلُوا بِمَسْجِدِ أَبِي صَالِحٍ، ثُمَّ انْتَقَلُوا مِنْهُ إِلَى السَّفْحِ، وَلَيْسَ بِهِ مِنَ الْعِمَارَةِ شَيْءٌ سِوَى دَيْرِ الْحَوْرَانِيِّ، قَالَ: فَقِيلَ لَنَا: الصَّالِحِيُّونَ. نِسْبَةً إِلَى مَسْجِدِ أَبِي صَالِحٍ، لَا أَنَّا صَالِحُونَ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْبُقْعَةُ مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ بِالصَّالِحِيَّةِ نِسْبَةً إِلَيْنَا، فَقَرَأَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ الْقُرْآنَ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي عَمْرٍو، وَحَفِظَ " مُخْتَصَرَ الْخِرَقِيِّ " فِي الْفِقْهِ، وَهُوَ الَّذِي شَرَحَهُ أَخُوهُ، فَكَتَبَ شَرْحَهُ بِيَدِهِ، وَكَتَبَ " تَفْسِيرَ الْبَغَوِيِّ "، وَ " الْحِلْيَةَ " لِأَبِي نُعَيْمٍ، وَ " الْإِبَانَةَ " لِابْنِ بَطَّةَ، وَكَتَبَ مَصَاحِفَ كَثِيرَةً لِلنَّاسِ وَلِأَهْلِهِ لَا بِأُجْرَةٍ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعِبَادَةِ، وَالتَّهَجُّدِ، يَصُومُ الدَّهْرَ، حَسَنَ الشَّكْلِ، نَحِيلَ الْجِسْمِ، عَلَيْهِ أَنْوَارُ الْعِبَادَةِ، لَا يَزَالُ مُتَبَسِّمًا، وَكَانَ يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ يَقْرَأُ فِيهِنَّ أَلْفَ مَرَّةٍ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَكَانَ يَزُورُ مَغَارَةَ الدَّمِ فِي كُلِّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، وَيَجْمَعُ فِي طَرِيقِهِ الشِّيحَ، فَيُعْطِيهِ الْأَرَامِلَ وَالْمَسَاكِينَ، وَمَهْمَا تَهَيَّأَ لَهُ مِنْ فُتُوحٍ وَغَيْرِهِ يُؤْثِرُ بِهِ أَهْلَهُ وَالْمَسَاكِينَ، وَكَانَ مُتَقَلِّلًا فِي الْمَلْبَسِ، وَرُبَّمَا مَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةٌ لَا يَلْبَسُ فِيهَا سَرَاوِيلَ وَلَا قَمِيصًا. وَكَانَ يَقْطَعُ مِنْ عِمَامَتِهِ قِطَعًا يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ فِي تَكْمِيلِ كَفَنِ مَنْ يَعُوزُ كَفَنُهُ، وَكَانَ هُوَ وَأَخُوهُ وَابْنُ خَالِهِمُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَأَخُوهُ الشَّيْخُ الْعِمَادُ لَا يَنْقَطِعُونَ عَنْ غَزَاةٍ يَخْرُجُ فِيهَا الْمَلِكُ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى بِلَادِ الْفِرِنْجِ، وَقَدْ حَضَرُوا مَعَهُ فَتْحَ الْقُدْسِ الشَّرِيفِ وَغَيْرِهَا، وَجَاءَ الْمَلِكُ الْعَادِلُ أَبُو بَكْرٍ يَوْمًا إِلَى خَيْمَتِهِمْ لِزِيَارَةِ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَمَا قَطَعَ صَلَاتَهُ وَلَا أَوْجَزَهَا، بَلِ اسْتَمَرَّ فِيهَا، وَهُوَ الَّذِي شَرَعَ فِي بِنَاءِ الْجَامِعِ أَوَّلًا بِمَالِ رَجُلٍ مِنَ النَّاسِ، فَنَفِدَ مَا كَانَ بِيَدِهِ، وَقَدِ ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ قَامَةً، فَبَعَثَ صَاحِبُ إِرْبِلَ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ كُوكُبُرِي مَالًا فَكَمَلَ، وَوَلِيَ خَطَابَتَهُ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ، فَكَانَ يَخْطُبُ بِهِ وَعَلَيْهِ لِبَاسُهُ الضَّعِيفُ، وَعَلَيْهِ أَنْوَارُ الْخَشْيَةِ وَالتَّقْوَى، وَإِنَّمَا كَانَ الْمِنْبَرُ الَّذِي فِيهِ ثَلَاثُ مَرَاقٍ، وَالرَّابِعَةُ لِلْجُلُوسِ كَمَا كَانَ الْمِنْبَرُ النَّبَوِيُّ. وَقَدْ حَكَى أَبُو الْمُظَفَّرِ أَنَّهُ حَضَرَ يَوْمًا عِنْدَهُ الْجُمُعَةَ، وَكَانَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ الْيُونِينِيُّ حَاضِرًا هُنَاكَ، فَلَمَّا انْتَهَى الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ إِلَى الدُّعَاءِ لِلسُّلْطَانِ قَالَ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْ عَبْدَكَ الْمَلِكَ الْعَادِلَ سَيْفَ الدِّينِ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَيُّوبَ. فَنَهَضَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ وَتَرَكَ الْجُمُعَةَ، فَلَمَّا فَرَغْنَا ذَهَبْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: مَاذَا نَقَمْتَ؟ فَقَالَ: يَقُولُ لِهَذَا الظَّالِمِ: الْعَادِلَ؟ فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْحَدِيثِ إِذْ أَقْبَلَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ وَمَعَهُ رَغِيفٌ وَخِيَارَتَانِ، فَكَسَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: الصَّلَاةُ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: بُعِثْتُ فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ كِسْرَى. فَتَبَسَّمَ الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ، وَمَدَّ يَدَهُ فَأَكَلَ، فَلَمَّا قَامَ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ قَالَ لِي: يَا سَيِّدَنَا، مَا ذَا إِلَّا رَجُلٌ صَالِحٌ. قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الصَّالِحِينَ الْكِبَارِ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ، وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ أَبِي عُمَرَ بِعَشْرِ سِنِينَ، فَلَمْ يُسَامِحِ الشَّيْخَ أَبَا عُمَرَ فِي تَسَاهُلِهِ مَعَ وَرَعِهِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ مُسَافِرًا لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَعُذْرُ الشَّيْخِ أَبِي عُمَرَ أَنَّ هَذَا قَدْ جَرَى مَجْرَى الْأَعْلَامِ; الْعَادِلِ، الْكَامِلِ، الْأَشْرَفِ، وَنَحْوِهِ، كَمَا يُقَالُ: سَالِمٌ، وَغَانِمٌ، وَمَسْعُودٌ، وَمَحْمُودٌ. وَقَدْ يَكُونُ الْمُسَمَّى بِذَلِكَ عَلَى الضِّدِّ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، وَكَذَلِكَ إِطْلَاقُ الْعَادِلِ وَنَحْوِهِ قَدْ دَخَلَ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْمُشْرِكِ، فَهَذَا أَوْلَى. قُلْتُ: هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو عُمَرَ لَا أَصْلَ لَهُ، وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ، وَعَجَبًا لَهُ وَلِأَبِي الْمُظَفَّرِ، ثُمَّ لِأَبِي شَامَةَ فِي قَبُولِ هَذَا وَأَخْذِهِ عَنْهُ مُسَلَّمًا! وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ شَرَعَ أَبُو الْمُظَفَّرِ فِي ذِكْرِ فَضَائِلِ أَبِي عُمَرَ وَكَرَامَاتِهِ وَمَا رَآهُ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَحْوَالِهِ الصَّالِحَةِ، قَالَ: وَكَانَ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، حَسَنَ الْعَقِيدَةِ، مُتَمَسِّكًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ الْمَرْوِيَّةِ، يُمِرُّهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ طَعْنٍ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّينِ وَعُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْهَى عَنْ صُحْبَةِ الْمُبْتَدِعِينَ، وَيَأْمُرُ بِصُحْبَةِ الصَّالِحِينَ. قَالَ: رُبَّمَا أَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ فِي ذَلِكَ: أُوصِيكُمُ بِالْقَوْلِ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْإِتْقَانِ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ وَلَا بِفَانِ لَكِنْ كَلَامُ الْمَلِكِ الدَّيَّانِ آيَاتُهُ مُشْرِقَةُ الْمَعَانِي مَتْلُوَّةٌ لِلَّهِ بِاللِّسَانِ مَحْفُوظَةٌ فِي الصَّدْرِ وَالْجِنَانِ مَكْتُوبَةٌ فِي الصُّحْفِ بِالْبَنَانِ وَالْقَوْلُ فِي الصِّفَاتِ يَا إِخْوَانِي كَالذَّاتِ وَالْعِلْمِ مَعَ الْبَيَانِ إِمْرَارُهَا مِنْ غَيْرِ مَا كُفْرَانِ مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ وَلَا عُطْلَانِ قَالَ وَأَنْشَدَنِي لِنَفْسِهِ: أَلَمْ يَكُ مَلْهَاةً عَنِ اللَّهْوِ أَنَّنِي بَدَا لِيَ شَيْبُ الرَّأْسِ وَالضَّعْفُ وَالْأَلَمْ أَلَمَّ بِيَ الْخَطْبُ الَّذِي لَوْ بَكَيْتُهُ حَيَاتِي حَتَّى يَذْهَبَ الدَّمْعُ لَمْ أُلَمْ قَالَ: وَمَرِضَ أَيَّامًا، فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا مِمَّا كَانَ يَعْمَلُهُ مِنَ الْأَوْرَادِ، حَتَّى كَانَتْ وَفَاتُهُ وَقْتَ السَّحَرِ فِي لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَغُسِّلَ بِالدَّيْرِ، وَحُمِلَ إِلَى مَقْبَرَتِهِ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الدَّوْلَةِ وَالْأُمَرَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا حَضَرَ جَنَازَتَهُ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَانَ الْحَرُّ شَدِيدًا، فَأَظَلَّتِ النَّاسَ سَحَابَةٌ مِنَ الْحَرِّ كَانَ يُسْمَعُ مِنْهَا كَدَوِيِّ النَّحْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَنْتَهِبُونَ أَكْفَانَهُ، وَقَدْ رَثَاهُ الشُّعَرَاءُ بِمَرَاثٍ حَسَنَةٍ، وَرُئِيَتْ لَهُ مَنَامَاتٌ صَالِحَةٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، وَتَرَكَ مِنَ الْأَوْلَادِ ثَلَاثَةَ ذُكُورٍ; عُمْرَ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى، وَالشَّرَفَ عَبْدَ اللَّهِ، وَقَدْ وَلِيَ الْخَطَابَةَ بَعْدَ أَبِيهِ، وَهُوَ وَالِدُ الْعِزِّ، وَأَحْمَدَ، وَلَمَّا تُوُفِّيَ الشَّرَفُ عَبْدُ اللَّهِ صَارَتِ الْخَطَابَةُ لِأَخِيهِ شَمْسِ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَرَ، وَكَانَ مِنْ أَوْلَادِ أَبِيهِ الذُّكُورِ، فَهَؤُلَاءِ أَوْلَادُ أَبِيهِ الذُّكُورُ، وَكَانَ لَهُ مِنَ الْإِنَاثِ بَنَاتٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا [ التَّحْرِيمِ: 5 ] قَالَ: وَقَبْرُهُ فِي طَرِيقِ مَغَارَةِ الْجُوعِ فِي الزُّقَاقِ الْمُقَابِلِ لِدَيْرِ الْحَوْرَانِيِّ. رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِيَّانَا. ابْنُ طَبَرْزَدَ ابْنُ طَبَرْزَدَ شَيْخُ الْحَدِيثِ: عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُعَمَّرِ بْنِ يَحْيَى الْمَعْرُوفُ بِأَبِي حَفْصِ بْنِ طَبَرْزَدَ الْبَغْدَادِيُّ الدَّارَقَزِّيُّ، وُلِدَ سَنَةَ عَشْرٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْكَثِيرَ وَأَسْمَعَ، وَكَانَ خَلِيعًا ظَرِيفًا مَاجِنًا، وَكَانَ يُؤَدِّبُ الصِّبْيَانَ بِدَارِ الْقَزِّ، قَدِمَ مَعَ حَنْبَلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُكَبِّرِ إِلَى دِمَشْقَ، فَسَمِعَ أَهْلُهَا عَلَيْهِمَا، وَحَصَلَ لَهُمَا أَمْوَالٌ، وَعَادَا إِلَى بَغْدَادَ، فَمَاتَ حَنْبَلٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ، وَتَأَخَّرَ هُوَ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَمَاتَ فِيهَا وَلَهُ سَبْعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً، وَتَرَكَ مَالًا جَيِّدًا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ إِلَّا بَيْتُ الْمَالِ، وَدُفِنَ بِبَابِ حَرْبٍ. ابْنُ سُكَيْنَةَ ابْنُ سُكَيْنَةَ: عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ سُكَيْنَةَ الصُّوفِيِّ، كَانَ يُعَدُّ مِنَ الْأَبْدَالِ، سَمِعَ الْكَثِيرَ، وَأَسْمَعَ بِبِلَادٍ شَتَّى، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ صَاحِبًا لِأَبِي الْفَرَجِ بْنِ الْجَوْزِيِّ مُلَازِمًا لِمَجْلِسِهِ، وَكَانَ يَوْمُ جَنَازَتِهِ مَشْهُودًا; لِكَثْرَةِ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الْخَاصَّةِ وَالْعَامَّةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى. مُظَفَّرُ بْنُ شَاشِيرَ الْوَاعِظُ الصُّوفِيُّ مُظَفَّرُ بْنُ شَاشِيرَ الْوَاعِظُ الصُّوفِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَمِعَ الْحَدِيثَ، وَكَانَ يَعِظُ فِي الْأَعْزِيَةِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْقُرَى، وَكَانَ ظَرِيفًا مَطْبُوعًا، قَامَ إِلَيْهِ إِنْسَانٌ وَهُوَ يَعِظُ، فَقَالَ لَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ: أَنَا مَرِيضٌ جَائِعٌ. فَقَالَ: احْمَدْ رَبَّكَ فَقَدْ عُوفِيتَ. وَاجْتَازَ عَلَى قَصَّابٍ يَبِيعُ لَحْمًا ضَعِيفًا، وَهُوَ يَقُولُ: أَيْنَ مَنْ حَلَفَ لَا يُغْبَنُ؟ فَقَالَ لَهُ: حَتَّى تُحْنِثَهُ؟ قَالَ: وَعَمِلْتُ مَرَّةً مَجْلِسًا بِبَعْقُوبَا، فَجَعَلَ هَذَا يَقُولُ: عِنْدِي لِلشَّيْخِ نِصْفِيَّةٌ، وَهَذَا يَقُولُ مِثْلَهُ، حَتَّى عَدُّوا نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ نِصْفِيَّةً، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: اسْتَغْنَيْتُ اللَّيْلَةَ، فَأَرْجِعُ إِلَى الْبَلَدِ تَاجِرًا. فَلَمَّا أَصْبَحْتُ إِذَا صُبْرَةٌ مِنْ شَعِيرٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ: هَذِهِ النِّصَافِي. وَإِذَا هِيَ مِكْيَلَةٌ يُسَمُّونَهَا النِّصَافِيَ. وَعَمِلْتُ مَرَّةً مَجْلِسًا بِبَاجِسْرَا، فَجَمَعُوا لِي شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا شَيْءٌ مِنْ صُوفِ الْجَوَامِيسِ وَقُرُونِهَا، فَقَامَ رَجُلٌ يُنَادِي عَلَيْهَا: كَمْ فِي صُوفِ الشَّيْخِ؟ فَقُلْتُ: لَا حَاجَةَ لِي بِهَذَا، وَأَنْتُمْ فِي حِلٍّ مِنْهُ. ذَكَرَهُ أَبُو شَامَةَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه