التاريخ 6300
سنة ستمائة من الهجرة النبوية
مُلْكِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مِنَ الرُّومِ فِي سَنَةُ سِتِّمِائَةٍ، فِي شَعْبَانَ، كَانَتِ الْفِرِنْجُ قَدْ جَمَعُوا خَلْقًا كَثِيرًا مِنْهُمْ لِيَسْتَعِيدُوا بَيْتَ الْمَقْدِسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - فِيمَا كَانُوا زَاعِمِينَ - فَأَشْغَلَهُمُ اللَّهُ بِقِتَالِ الرُّومِ ; وَذَلِكَ لِأَنَّهُمُ اجْتَازُوا فِي طَرِيقِهِمْ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَوَجَدُوا مُلُوكَهَا قَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَحَاصَرُوهَا حَتَّى فَتَحُوهَا قَسْرًا، وَأَبَاحُوهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَتْلًا وَأَسْرًا، وَاحْتَرَقَ أَكْثَرُ مِنْ رُبْعِهَا، وَمَا أَصْبَحَ أَحَدٌ مِنَ الرُّومِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ إِلَّا قَتِيلًا أَوْ فَقِيرًا أَوْ مَكْبُولًا أَوْ أَسِيرًا وَأَزَالُوا مُلْكَ الرُّومِ عَنْهَا، وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ مِلْكَ الرُّومِ بِهَا تَزَوَّجَ أُخْتَ مَلِكِ إِفْرِنْسِيسَ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ مُلُوكِ الْفِرِنْجِ فَرُزِقَ مِنْهَا وَلَدًا ذَكَرًا، ثُمَّ وَثَبَ عَلَى الْمُلْكِ أَخٌ لَهُ، فَقَبَضَ عَلَيْهِ. وَمَلَكَ الْبَلَدَ مِنْهُ، وَسَمَلَ عَيْنَيْهِ وَسَجَنَهُ، فَهَرَبَ وَلَدُهُ وَمَضَى إِلَى خَالِهِ مُسْتَنْصِرًا بِهِ عَلَى عَمِّهِ. فَاتَّفَقَ ذَلِكَ وَقَدِ اجْتَمَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ لِيَخْرُجُوا إِلَى بِلَادِ الشَّامِ لِاسْتِنْقَاذِ الْبَيْتِ الْمُقَدَّسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَأَخَذُوا وَلَدَ الْمَلِكَ مَعَهُمْ، وَجَعَلُوا طَرِيقَهُمْ عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ قَصْدًا لِإِصْلَاحِ الْحَالِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَمَعٌ فِي سِوَى ذَلِكَ، فَلَمَّا وَصَلُوا خَرَجَ عَمُّهُ فِي عَسَاكِرِ الرُّومِ مُحَارِبًا لَهُمْ، فَوَقَعَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ فِي رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَانْهَزَمَتِ الرُّومُ، وَدَخَلُوا الْبَلَدَ فَدَخَلَهُ الْفِرِنْجُ مَعَهُمْ، فَهَرَبَ مِلْكُ الرُّومِ إِلَى أَطْرَافِ الْبِلَادِ، وَقِيلَ إِنَّ مِلْكَ الرُّومِ لَمْ يُقَاتِلِ الْفِرِنْجَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ وَإِنَّمَا حَصَرُوهُ فِيهَا. وَكَانَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ مِنَ الرُّومِ مَنْ يُرِيدُ الصَّبِيَّ، فَأَلْقَوُا النَّارَ فِي الْبَلَدِ، فَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِذَلِكَ، فَفَتَحُوا بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْمَدِينَةِ فَدَخَلَهَا الْفِرِنْجُ، وَخَرَجَ مَلِكُهَا هَارِبًا، وَجَعَلَ الْفِرِنْجُ الْمُلْكَ فِي ذَلِكَ الصَّبِيِّ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْحُكْمِ شَيْءٌ - وَأَخْرَجُوا أَبَاهُ مِنَ السِّجْنِ - إِنَّمَا الْفِرِنْجُ هُمُ الْحُكَّامُ فِي الْبَلَدِ، فَثَقَّلُوا الْوَطْأَةَ عَلَى أَهْلِهِ، وَطَلَبُوا مِنْهُمْ أَمْوَالًا عَجَزُوا عَنْهَا، وَأَخَذُوا أَمْوَالَ الْبَيْعِ وَمَا فِيهَا مِنْ ذَهَبٍ وَنُقْرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى مَا عَلَى الصُّلْبَانِ وَمَا هُوَ عَلَى صُورَةِ الْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالْحَوَارِيِّينَ، وَمَا عَلَى الْأَنَاجِيلِ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الرُّومِ وَحَمَلُوا مِنْهُ خَطْبًا عَظِيمًا، فَعَمَدُوا إِلَى ذَلِكَ الصَّبِيِّ الْمَلِكِ فَقَتَلُوهُ، وَأَخْرَجُوا الْفِرِنْجَ مِنَ الْبَلَدِ، وَأَغْلَقُوا الْأَبْوَابَ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتِّمِائَةٍ، فَأَقَامَ الْفِرِنْجُ بِظَاهِرِهِ مُحَاصِرِينَ لِلرُّومِ، وَقَاتَلُوهُمْ وَلَازَمُوا قِتَالَهُمْ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَكَانَ الرُّومُ قَدْ ضَعُفُوا ضَعْفًا كَثِيرًا، فَأَرْسَلُوا إِلَى السُّلْطَانِ رُكْنِ الدِّينِ سُلَيْمَانَ بْنِ قِلْج أَرْسِلَانَ، صَاحِبِ قُونِيَةَ وَغَيْرِهَا مِنَ الْبِلَادِ، يَسْتَنْجِدُونَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا. وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ كَثِيرٌ مِنَ الْفِرِنْجِ، مُقِيمِينَ، يُقَارِبُونَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا. وَلِعِظَمِ الْبَلَدِ لَا يَظْهَرُ أَمْرُهُمْ، فَتَوَاضَعُوا هُمْ وَالْفِرِنْجُ الَّذِينَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَوَثَبُوا فِيهِ وَأَلْقَوُا النَّارَ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَاحْتَرَقَ نَحْوُ رُبُعِ الْبَلَدِ، وَفَتَحُوا الْأَبْوَابَ فَدَخَلُوهَا وَوَضَعُوا السَّيْفَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفَتَكُوا بِالرُّومِ قَتْلًا وَنَهْبًا، فَأَصْبَحَ الرُّومُ كُلُّهُمْ مَا بَيْنَ قَتِيلٍ أَوْ فَقِيرٍ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، وَدَخَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الرُّومِ الْكَنِيسَةَ الْعُظْمَى الَّتِي تُدْعَى صُوفِيَا، فَجَاءَ الْفِرِنْجُ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقِسِّيسِينَ وَالْأَسَاقِفَةِ وَالرُّهْبَانِ، بِأَيْدِيهِمُ الْإِنْجِيلُ وَالصَّلِيبُ يَتَوَسَّلُونَ بِهِمَا إِلَى الْفِرِنْجِ لِيُبْقُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إِلَيْهِمْ، وَقَتَلُوهُمْ أَجْمَعِينَ وَنَهَبُوا الْكَنِيسَةَ. وَكَانُوا ثَلَاثَةَ مُلُوكٍ: دُوقَسُ الْبَنَادِقَةِ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَرَاكِبِ الْبَحْرِيَّةِ، وَفِي مَرَاكِبِهِ رَكِبُوا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَهُوَ شَيْخٌ أَعْمَى، إِذَا رَكِبَ تُقَادُ فَرَسُهُ، وَالْآخِرُ يُقَالُ لَهُ الْمَرْكِيسُ، وَهُوَ مُقَدَّمُ الْإِفْرِنْسِيسْ، وَالْآخِرُ يُقَالُ لَهُ كُنْد أُفْلَنْدُ، وَهُوَ أَكْثَرُهُمْ عَدَدًا، فَلَمَّا اسْتَوْلَوْا عَلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ اقْتَرَعُوا عَلَى الْمُلْكِ، فَخَرَجَتِ الْقَرْعَةُ عَلَى كُنْد أُفْلَنْدَ، فَأَعَادُوا الْقُرْعَةَ ثَانِيَةً وَثَالِثَةً فَخَرَجَتْ عَلَيْهِ، فَمَلَّكُوهُ - وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَنْزِعُهُ مِمَّنْ يَشَاءُ -، فَلَمَّا خَرَجَتِ الْقَرْعَةُ عَلَيْهِ مَلَّكُوهُ عَلَيْهَا وَعَلَى مَا يُجَاوِرُهَا، وَتَكُونُ لِدُوقَسَ الْبَنَادِقَةِ الْجَزَائِرُ الْبَحْرِيَّةُ مِثْلَ جَزِيرَةِ أَقْرِيطَشَ وَجَزِيرَةِ رُودِسَ وَغَيْرِهِمَا، وَيَكُونُ لِمَرْكِيسَ الْإِفْرِنْسِيسِ الْبِلَادُ الَّتِي هِيَ شَرْقِيُّ الْخَلِيجِ مِثْلَ أَزْنِيقَ وَلَاذِيقَ، فَلَمْ يَحْصُلْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ شَيْءٌ غَيْرُ الَّذِي أَخَذَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَأَمَّا الْبَاقِي فَلَمْ يَسْلَمْ مَنْ بِهِ مِنَ الرُّومِ. وَأَمَّا الْبِلَادُ الَّتِي كَانَتْ لِمَلِكِ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ شَرْقِيَّ الْخَلِيجِ الْمُجَاوِرَةُ لِبِلَادِ رُكْنِ الدِّينِ سُلَيْمَانَ قِلْج أَرْسِلَانَ وَمِنْ جُمْلَتِهَا أَزْنِيقُ وَلَاذِيقُ، فَإِنَّهَا تَغَلَّبَ عَلَيْهَا بِطْرِيقٌ كَبِيرٌ مِنْ بَطَارِقَةِ الرُّومِ اسْمُهُ لَشَكْرِي، وَهِيَ بِيَدِهِ إِلَى الْآنِ. وَتَحَوَّلَ الْمُلْكُ مِنَ الرُّومِ إِلَى الْفِرِنْجِ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه