التاريخ 6041
ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة
مُلْكِ صَلَاحِ الدِّينِ دِمَشْقَ لَمَّا تَمَهَّدَتِ الدِّيَارُ الْمِصْرِيَّةُ، وَلَمْ يَبْقَ بِهَا رَأْسٌ مِنْ بَقِيَّةِ الدَّوْلَةِ الْعُبَيْدِيَّةِ، بَرَزَ السُّلْطَانُ الْمَلِكُ النَّاصِرُ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ فِي الْجُيُوشِ التُّرْكِيَّةِ قَاصِدًا الْبِلَادَ الشَّامِيَّةَ وَذَلِكَ حِينَ مَاتَ سُلْطَانُهَا نُورُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ زَنْكِيِّ وَأُخِيفَ سُكَّانُهَا وَتَضَعْضَعَتْ أَرْكَانُهَا، وَاخْتَلَفَ حُكَّامُهَا وَفَسَدَ نَقْضُهَا وَإِبْرَامُهَا، وَقَصْدُهُ رَحِمَهُ اللَّهُ جَمْعُ شَمْلِهَا وَالْإِحْسَانُ إِلَى أَهْلِهَا وَأَمْنُ سَهْلِهَا وَجَبَلِهَا وَنُصْرَةُ الْإِسْلَامِ وَدَفْعُ الطَّغَامِ وَإِظْهَارُ الْقُرَآنِ وَإِخْفَاءُ سَائِرِ الْأَدْيَانِ وَتَكْسِيرُ الصُّلْبَانِ وَرِضَا الرَّحْمَنِ وَإِرْغَامُ الشَّيْطَانِ فَخَرَجَ مِنَ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ إِلَى الْبِرْكَةِ فِي مُسْتَهَلِّ صَفَرٍ، وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى اجْتَمَعَ إِلَيْهِ الْعَسْكَرُ، وَقَدِ اسْتَنَابَ عَلَى مِصْرَ أَخَاهُ سَيْفَ الدِّينِ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ سَارَ إِلَى بِلْبِيسَ فِي الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، ثُمَّ سَاقَ حَتَّى اجْتَازَ بِمَدِينَةِ بُصْرَى فَسَارَ فِي خِدْمَتِهِ صَاحِبُهَا صِدِّيقُ بْنُ جَاوْلِي، فَدَخَلَ مَدِينَةَ دِمَشْقَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ سَلْخَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَنْتَطِحْ فِيهَا عَنْزَانِ، وَلَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ سَيْفَانِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ نُورَ الدِّينِ لَمَّا مَاتَ وَمَلَكَ ابْنُهُ الْمَلِكُ الصَّالِحُ بَعْدَهُ كَانَ بِدِمَشْقَ، وَكَانَ سَعْدُ الدِّينِ كَمُشْتَكِينَ قَدْ هَرَبَ مِنْ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي إِلَى حَلَبَ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَأَقَامَ بِهَا عِنْدَ شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ، فَلَمَّا اسْتَوْلَى سَيْفُ الدِّينِ عَلَى الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ خَافَ ابْنُ الدَّايَةِ أَنْ يُغِيرَ إِلَى حَلَبَ فَيَمْلِكُهَا، فَأَرْسَلَ سَعْدُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ لِيَحْضُرَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ وَمَعَهُ الْعَسَاكِرُ إِلَى حَلَبَ، فَلَمَّا قَارَبَ دِمَشْقَ سَيَّرَ إِلَيْهِ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُقَدَّمِ عَسْكَرًا فَنَهَبُوهُ، وَعَادَ مُنْهَزِمًا إِلَى حَلَبَ، فَأَخْلَفَ عَلَيْهِ ابْنُ الدَّايَةِ عِوَضَ مَا أُخِذَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ بِدِمَشْقَ نَظَرُوا فِي الْمَصْلَحَةِ، فَعَلِمُوا أَنَّ مَسِيرَهُ إِلَى حَلَبَ أَصْلَحُ لِلدَّوْلَةِ مِنْ مَقَامِهِ بِدِمَشْقَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّايَةِ يَطْلُبُونَ إِرْسَالَ سَعْدِ الدِّينِ لِيَأْخُذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ، فَجَهَّزَهُ وَسَيَّرَهُ وَعَلَى نَفْسِهَا بِرَاقِشُ تَجْنِي، فَسَارَ إِلَى دِمَشْقَ فِي الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَأَخَذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ وَعَادَ إِلَى حَلَبَ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَيْهَا قَبَضَ سَعِدُ الدِّينِ عَلَى شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ وَإِخْوَتِهِ، وَعَلَى رَئِيسِ بْنِ الْخَشَّابِ رَئِيسِ حَلَبَ وَمُقَدَّمِ الْأَحْدَاثِ بِهَا، وَلَوْلَا مَرَضُ شَمْسِ الدِّينِ ابْنِ الدَّايَةِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ ذَلِكَ. وَاسْتَبَدَّ سَعْدُ الدِّينِ بِتَدْبِيرِ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، فَخَافَهُ ابْنُ الْمُقَدَّمِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ بِدِمَشْقَ وَقَالُوا: إِذَا اسْتَقَرَّ أَمْرُ حَلَبَ أَخَذَ الْمَلِكَ الصَّالِحَ وَسَارَ بِهِ إِلَيْنَا، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِحَلَبَ، وَكَاتَبُوا سَيْفَ الدِّينِ غَازِي صَاحِبَ الْمَوْصِلِ لِيَعْبُرَ الْفُرَاتَ إِلَيْهِمْ لِيُسَلِّمُوا إِلَيْهِ دِمَشْقَ، فَلَمْ يَفْعَلْ وَخَافَ أَنْ تَكُونَ مَكِيدَةً عَلَيْهِ لِيَعْبُرَ الْفُرَاتَ وَيَسِيرَ إِلَى دِمَشْقَ فَيُمْنَعُ عَنْهَا وَيَقْصِدُهُ ابْنُ عَمِّهِ وَعَسْكَرُ حَلَبَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ فَيَهْلَكُ. أَشَارَ عَلَيْهِ بِهَذَا زَلْفِنْدَارُ عِزُّ الدِّينِ، وَالْجَبَانُ يُقَدِّرُ الْبَعِيدَ مِنَ الشَّرِّ قَرِيبًا، وَيَرَى الْجُبْنَ حَزْمًا، كَمَا قَالَ: يَرَى الْجُبَنَاءُ أَنَّ الْجُبْنَ حَزْمٌ وَتِلْكَ طَبِيعَةُ الرَّجُلِ الْجَبَانِ فَلَمَّا أَشَارَ عَلَيْهِ بِهَذَا الرَّأْيِ زَلْفِنْدَارُ قَبِلَهُ وَامْتَنَعَ مِنْ قَصْدِ دِمَشْقَ، وَرَاسَلَ سَعْدَ الدِّينِ وَالْمَلِكَ الصَّالِحَ وَصَالَحَهُمَا عَلَى مَا أَخَذَهُ مِنَ الْبِلَادِ، فَلَمَّا امْتَنَعَ عَنِ الْعُبُورِ إِلَى دِمَشْقَ عَظْمَ خَوْفُهُمْ، وَقَالُوا: حَيْثُ صَالَحَهُمْ سَيْفُ الدِّينِ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ مَانِعٌ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَيْنَا، فَكَاتَبُوا حِينَئِذٍ صَلَاحَ الدِّينِ يُوسُفَ بْنَ أَيُّوبَ، صَاحِبَ مِصْرَ، وَاسْتَدْعُوهُ لِيُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، وَكَانَ كَبِيرُهُمْ فِي ذَلِكَ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْمُقَدَّمِ، وَمَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مُخَامَرَةَ أَبِيهِ فِي تَسْلِيمِ سِنْجَارَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمَائَةٍ. فَلَمَّا وَصَلَتِ الرُّسُلُ إِلَى صَلَاحِ الدِّينِ بِذَلِكَ لَمْ يَلْبَثْ، وَسَارَ جَرِيدَةً فِي سَبْعِمِائَةِ فَارِسٍ وَالْفِرِنْجُ فِي طَرِيقِهِ، فَلَمْ يُبَالِ بِهِمْ، فَلَمَّا وَطِئَ أَرْضَ الشَّامِ قَصَدَ بُصْرَى، وَكَانَ [ بِهَا ] حِينَئِذٍ صَاحِبُهَا وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَاتَبَهُ، فَخَرَجَ وَلَقِيَهُ، فَلَمَّا رَأَى قِلَّةَ مَنْ مَعَهُ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ، وَاجْتَمَعَ بِالْقَاضِي الْفَاضِلِ وَقَالَ: مَا أَرَى مَعَكُمْ عَسْكَرًا، وَهَذَا بَلَدٌ عَظِيمٌ لَا يُقْصَدُ بِمِثْلِ هَذَا الْعَسْكَرِ، وَلَوْ مَنَعَكُمْ مَنْ بِهِ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ أَخَذَكُمْ أَهْلُ السَّوَادِ، فَإِنْ كَانَ مَعَكُمْ مَالٌ سَهُلَ الْأَمْرُ. فَقَالَ: مَعَنَا: مَالٌ كَثِيرٌ يَكُونُ خَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَضَرْبَ صَاحِبُ بُصْرَى عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ: هَلَكْتُمْ وَأَهْلَكْتُمُونَا، وَجَمِيعُ مَا كَانَ مَعَهُمْ عَشْرَةُ آلَافِ دِينَارٍ. ثُمَّ سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى دِمَشْقَ فَخَرَجَ كُلُّ مَنْ بِهَا مِنَ الْعَسْكَرِ إِلَيْهِ، فَلَقُوهُ وَخَدَمُوهُ، وَدَخْلَ الْبَلَدَ، وَنَزَلَ فِي دَارِ وَالِدِهِ الْمَعْرُوفَةِ بِدَارِ الْعَقِيقِيِّ، وَكَانَتِ الْقَلْعَةُ بِيَدِ خَادِمٍ اسْمُهُ رَيْحَانُ، فَأَحْضَرَ صَلَاحُ الدِّينِ كَمَالَ الدِّينِ بْنَ الشَّهْرَزُورِيَّ وَهُوَ قَاضِي الْبَلَدِ وَالْحَاكِمُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ مِنَ الدِّيوَانِ وَالْوَقْفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى رَيْحَانَ لِيُسَلِّمَ الْقَلْعَةَ إِلَيْهِ، وَقَالَ: أَنَا مَمْلُوكُ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَمَا جِئْتُ إِلَّا لِأَنْصُرَهُ وَأَخْدِمَهُ، وَأُعِيدُ الْبِلَادَ الَّتِي أُخِذَتْ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَكَانَ يَخْطُبُ لَهُ فِي بِلَادِهِ كُلِّهَا، فَصَعِدَ كَمَالُ الدَّيْنِ إِلَى رَيْحَانَ، وَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى سَلَّمَ الْقَلْعَةَ، فَصَعِدَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا، وَأَخْذَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، وَأَخْرَجَهَا وَاتَّسَعَ بِهَا وَثَبَّتَ قَدَمَهُ، وَقَوِيَتْ نَفْسُهُ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يُظْهِرُ طَاعَةَ الْمَلِكِ الصَّالِحِ، وَيُخَاطِبُهُ بِالْمَمْلُوكِ، وَالْخُطْبَةُ وَالسِّكَّةُ بِاسْمِهِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه