التاريخ 5826
ثم دخلت سنة ست وأربعين وخمسمائة
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ انْهِزَامِ نُورِ الدِّينِ مِنْ جُوسْلِينَ وَأَسْرِ جُوسْلِينَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ جَمَعَ نُورُ الدِّينِ مَحْمُودٌ عَسْكَرَهُ وَسَارَ إِلَى بِلَادِ جُوسْلِينَ الْفِرِنْجِيِّ، وَهِيَ شَمَالِيَّ حَلَبَ، مِنْهَا تَلُّ بَاشِرَ، وَعَيْنُ تَابَ، وَإِعْزَازُ، وَغَيْرُهَا، وَعَزَمَ عَلَى مُحَاصَرَتِهَا وَأَخْذِهَا، وَكَانَ جُوسْلِينَ، لَعَنَهُ اللَّهُ، فَارِسَ الْفِرِنْجِ غَيْرَ مُدَافَعٍ، قَدْ جَمَعَ الشَّجَاعَةَ وَالرَّأْيَ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ جَمَعَ الْفِرِنْجَ فَأَكْثَرَ، وَسَارَ نَحْوَ نُورِ الدِّينِ فَالْتَقَوْا وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَقُتِلَ مِنْهُمْ وَأُسِرَ جَمْعٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ فِي جُمْلَةِ مَنْ أُسِرَ سِلَاحُ دَارِ نُورِ الدِّينِ، فَأَخَذَهُ جُوسْلِينَ، وَمَعَهُ سِلَاحُ نُورِ الدِّينِ، فَسَيَّرَهُ إِلَى الْمَلِكِ مَسْعُودِ بْنِ قُلْجَ أَرَسْلَانَ صَاحِبِ قُونِيَّةَ، وَأَقْصَرَا، وَقَالَ لَهُ: هَذَا سِلَاحُ زَوْجِ ابْنَتِكَ، وَسَيَأْتِيكَ بَعْدَهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. فَلَمَّا عَلِمَ نُورُ الدِّينِ الْحَالَ عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَأَعْمَلَ الْحِيلَةَ [ عَلَى ] جُوسْلِينَ، وَهَجَرَ الرَّاحَةَ لِيَأْخُذَ بِثَأْرِهِ، وَأَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنْ أُمَرَاءِ التُّرْكُمَانِ، وَبَذَلَ لَهُمُ الرَّغَائِبَ إِنْ هُمْ ظَفِرُوا بِجُوسْلِينَ وَسَلَّمُوهُ إِلَيْهِ إِمَّا قَتِيلًا أَوْ أَسِيرًا ; لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَهُ بِنَفْسِهِ احْتَمَى بِمَجْمُوعِهِ وَحُصُونِهِ، فَجَعَلَ التُّرْكُمَانُ عَلَيْهِ الْعُيُونَ، فَخَرَجَ مُتَصَيِّدًا، فَلَحِقَتْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَظَفِرُوا بِهِ، فَصَانَعَهُمْ عَلَى مَالٍ يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِمْ، فَأَجَابُوهُ إِلَى إِطْلَاقِهِ إِذَا حَضَرَ الْمَالُ، فَأَرْسَلَ فِي إِحْضَارِهِ، فَمَضَى بَعْضُهُمْ إِلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ الدَّايَةِ، نَائِبِ نُورِ الدِّينِ بِحَلَبَ، فَأَعْلَمَهُ الْحَالَ، فَسَيَّرَ عَسْكَرًا مَعَهُ، فَكَبَسُوا أُولَئِكَ التُّرْكُمَانَ وَجُوسْلِينُ مَعَهُمْ، فَأَخَذُوهُ أَسِيرًا وَأَحْضَرُوهُ عِنْدَهُ، وَكَانَ أَسْرُهُ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ ; لِأَنَّهُ كَانَ شَيْطَانًا عَاتِيًا، شَدِيدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، قَاسِيَ الْقَلْبِ، وَأُصِيبَتِ النَّصْرَانِيَّةُ كَافَّةً بِأَسْرِهِ. وَلَمَّا أُسِرَ سَارَ نُورُ الدِّينِ إِلَى قِلَاعِهِ فَمَلَكَهَا، وَهِيَ تَلُّ بَاشِرَ، وَعَيْنُ تَابَ، وَإِعْزَازُ، وَتَلُّ خَالِدٍ، وَقُورَسُ، وَالرَّاوَنْدَانُ، وَبُرْجُ الرَّصَاصِ، وَحِصْنُ الْبَارَّةِ، وَكَفَرْسُودُ، وَكَفَرْلَاثَا، وَدُلُوكُ، وَمَرْعَشُ، وَنَهْرُ الْجَوْزِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِهِ، ( فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ يَرِدُ تَفْصِيلُهَا ). وَكَانَ نُورُ الدِّينِ كُلَّمَا فَتَحَ مِنْهَا حِصْنًا نَقَلَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْحُصُونُ، خَوْفًا مِنْ نَكْسَةٍ تَلْحَقُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَتَكُونُ بِلَادُهُمْ غَيْرَ مُحْتَاجَةٍ إِلَى مَا يَمْنَعُهَا مِنَ الْعَدُوِّ، وَمَدَحَهُ الشُّعَرَاءُ، فَمِمَّنْ قَالَ فِيهِ الْقَيْسَرَانِيُّ مِنْ قَصِيدَةٍ فِي ذِكْرِ جُوسْلِينَ: كَمَا أَهْدَتِ الْأَقْدَارُ لِلْقُمَّصِ أَسْرَهُ وَأُسْعِدَ قَرْنُ مَنْ حَوَاهُ لَكَ الْأَسْرُ طَغَى وَبَغَى عَدْوًا عَلَى غُلَوَائِهِ فَأَوْبَقَهُ الْكُفْرَانُ عَدْوَاهُ وَالْكُفْرُ وَأَمْسَتْ عِزَازٌ كَاسْمِهَا بِكَ عَزَّةً تَشُقُّ عَلَى النِّسْرَيْنِ لَوْ أَنَّهَا وَكْرُ فَسِرْ وَامَلَإِ الدُّنْيَا ضِيَاءً وَبَهْجَةً فَبِالْأُفُقِ الدَّاجِي إِلَى ذَا السَّنَا فَقْرُ كَأَنِّي بِهَذَا الْعَزْمِ لَا فُلَّ حَدُّهُ وَأَقْصَاهُ بِالْأَقْصَى وَقَدْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَقَدْ أَصْبَحَ الْبَيْتُ الْمُقَدَّسُ طَاهِرًا وَلَيْسَ سِوَى جَارِي الدِّمَاءِ لَهُ طُهْرُ
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه