التاريخ 5624
ثم دخلت سنة سبع عشرة وخمسمائة
ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ لِحَرْبِ دُبَيْسٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَرْشِدِ بِاللَّهِ، وَبَيْنَ دُبَيْسِ بْنِ صَدَقَةَ. سبب الحرب وَكَانَ سَبَبُ ذَلِكَ: أَنَّ دُبَيْسًا أَطْلَقَ عَفِيفًا خَادِمَ الْخَلِيفَةِ، وَكَانَ مَأْسُورًا عِنْدَهُ، وَحَمَّلَهُ رِسَالَةً فِيهَا تَهْدِيدٌ لِلْخَلِيفَةِ بِإِرْسَالِ الْبُرْسُقِيِّ إِلَى قِتَالِهِ، وَتَقْوِيَتِهِ بِالْمَالِ، وَأَنَّ السُّلْطَانَ كَحَلَ أَخَاهُ، وَبَالَغَ فِي الْوَعِيدِ، وَلَبِسَ السَّوَادَ، وَجَزَّ شَعْرَهُ، وَحَلَفَ لَيَنْهَبَنَّ بَغْدَاذَ، وَيُخَرِّبَهَا، فَاغْتَاظَ الْخَلِيفَةُ لِهَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَغَضِبَ، وَتَقَدَّمَ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ بِالتَّبْرِيزِ إِلَى حَرْبِ دُبَيْسٍ، فَبَرَزَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ. وَتَجَهَّزَ الْخَلِيفَةُ، وَبَرَزَ مِنْ بَغْدَاذَ، وَاسْتَدْعَى الْعَسَاكِرَ، فَأَتَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ مُهَارِشَ، صَاحِبُ الْحَدِيثَةِ، فِي عُقَيْلٍ، وَأَتَاهُ قِرْوَاشُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَغَيْرُهُمَا، وَأَرْسَلَ دُبَيْسًا إِلَى نَهْرِ مَلِكٍ فَنَهْبَ، وَعَمِلَ أَصْحَابُهُ كُلَّ عَظِيمٍ مِنَ الْفَسَادِ فَوَصَلَ أَهْلُهُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَأَمَرَ الْخَلِيفَةُ فَنُودِيَ بِبَغْدَاذَ: لَا يَتَخَلَّفُ مِنَ الْأَجْنَادِ أَحَدٌ، وَمَنْ أَحَبَّ الْجُنْدِيَّةَ مِنَ الْعَامَّةِ فَلْيَحْضُرْ، فَجَاءَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَفَرَّقَ فِيهِمُ الْأَمْوَالَ وَالسِّلَاحَ. عدم قبول الخليفة استعطاف دبيس فَلَمَّا عَلِمَ دُبَيْسٌ الْحَالَ كَتَبَ إِلَى الْخَلِيفَةِ يَسْتَعْطِفُهُ وَيَسْأَلُهُ الرِّضَا عَنْهُ، فَلَمْ يُجِبْ إِلَى ذَلِكَ، وَأُخْرِجَتْ خِيَامُ الْخَلِيفَةِ فِي الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَنَادَى أَهْلُ بَغْدَاذَ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، الْغَزَاةَ الْغَزَاةَ ! وَكَثُرَ الضَّجِيجُ مِنَ النَّاسِ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ عَالَمٌ كَثِيرٌ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، وَبَرَزَ الْخَلِيفَةُ رَابِعَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ، وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ أَسْوَدٌ، وَعِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَطَرْحَةٌ، وَعَلَى كَتِفِهِ الْبُرْدَةُ، وَفِي يَدِهِ الْقَضِيبُ، وَفِي وَسَطِهِ مِنْطَقَةُ حَدِيدٍ صِينِيِّ، وَنَزَلَ الْخِيَامَ وَمَعَهُ وَزِيرُ نِظَامِ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَنَقِيبُ الطَّالِبِيِّينَ، وَنَقِيبُ النُّقَبَاءِ عَلِيُّ بْنُ طَرَّادٍ، وَشَيْخُ الشُّيُوخِ صَدْرُ الدِّينِ إِسْمَاعِيلُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَعْيَانِ. وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ قَدْ نَزَلَ بِقَرْيَةِ جِهَارِ طَاقَ، وَمَعَهُ عَسْكَرُهُ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ خُرُوجُ الْخَلِيفَةِ عَنْ بَغْدَاذَ عَادُوا إِلَى خِدْمَتِهِ، فَلَمَّا رَأَوُا الشِّمْسَةَ تَرَجَّلُوا بِأَجْمَعِهِمْ، وَقَبَّلُوا الْأَرْضَ بِالْبُعْدِ مِنْهُ. نزول الخليفة بالحديثة بنهر الملك وبدء القتال وَدَخَلَتْ هَذِهِ السَّنَةُ، فَنَزَلَ الْخَلِيفَةُ، مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ، بِالْحَدِيثَةِ، بِنَهْرِ الْمَلِكِ، وَاسْتَدْعَى الْبُرْسُقِيَّ وَالْأُمَرَاءَ، وَاسْتَحْلَفَهُمْ عَلَى الْمُنَاصَحَةِ فِي الْحَرْبِ، ثُمَّ سَارُوا إِلَى النَّيْلِ، وَنَزَلُوا بِالْمُبَارَكَةِ، وَعَبَّأَ الْبُرْسُقِيُّ أَصْحَابَهُ، وَوَقَفَ الْخَلِيفَةُ مِنْ وَرَاءِ الْجَمِيعِ فِي خَاصَّتِهِ، وَجَعَلَ دُبَيْسٌ أَصْحَابَهُ صَفًّا وَاحِدًا، مَيْمَنَةً، وَمَيْسَرَةً، وَقَلْبًا، وَجَعَلَ الرَّجَّالَةَ بَيْنَ يَدَيِ الْخَيَّالَةِ بِالسِّلَاحِ، وَكَانَ قَدْ وَعَدَ أَصْحَابَهُ بِنَهْبِ بَغْدَاذَ، وَسَبْيِ النِّسَاءِ، فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ بَادَرَ أَصْحَابُ دُبَيْسٍ، وَبَيْنَ أَيْدِيهِمِ الْإِمَاءُ يَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ، وَالْمَخَانِيثُ بِالْمَلَاهِي، وَلَمْ يُرَ فِي عَسْكَرِ الْخَلِيفَةِ غَيْرُ قَارِئٍ، وَمُسَبِّحٍ، وَدَاعٍ، فَقَامَتِ الْحَرْبُ عَلَى سَاقٍ. وَكَانَ مَعَ أَعْلَامِ الْخَلِيفَةِ الْأَمِيرُ كَرَبَاوِيُّ بْنُ خُرَاسَانَ، وَفِي السَّاقَةِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُهَارِشَ، وَفِي مَيْمَنَةِ عَسْكَرِ الْبُرْسُقِيِّ الْأَمِيرُ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِلْيَاسَ مَعَ الْأُمَرَاءِ الْبَكْجِيَّةِ، فَحَمَلَ عَنْتَرُ بْنُ أَبِي الْعَسْكَرِ فِي طَائِفَةٍ مِنْ عَسْكَرِ دُبَيْسٍ عَلَى مَيْمَنَةِ الْبُرْسُقِيِّ، فَتَرَاجَعَتْ عَلَى أَعْقَابِهَا، وَقُتِلَ ابْنُ أَخٍ لِلْأَمِيرِ أَبِي بَكْرٍ الْبَكْجِيِّ، وَعَادَ عَنْتَرٌ وَحَمَلَ حَمْلَةً ثَانِيَةً عَلَى هَذِهِ الْمَيْمَنَةِ، فَكَانَ حَالُهَا فِي الرُّجُوعِ عَلَى أَعْقَابِهَا كَحَالِهَا الْأَوَّلِ، فَلَمَّا رَأَى عَسْكَرُ وَاسِطَ ذَلِكَ، وَمُقَدَّمُهُمُ الشَّهِيدُ عِمَادُ الدِّينِ زِنْكِيُّ بْنُ آقْسُنْقُرَ، حَمَلَ وَهُمْ مَعَهُ عَلَى عَنْتَرٍ وَمَنْ مَعَهُ، وَأَتَوْهُمْ مِنْ ظُهُورِهِمْ فَبَقِيَ عَنْتَرٌ فِي الْوَسَطِ، وَعِمَادُ الدِّينِ وَعَسْكَرُ وَاسِطَ مِنْ وَرَائِهِ، وَالْأُمَرَاءُ الْبَكْجِيَّةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأُسِرَ عَنْتَرٌ، وَأُسِرَ مَعَهُ بُرَيْكُ بْنُ زَائِدَةَ وَجَمِيعُ مَنْ مَعَهُمَا وَلَمْ يُفْلِتْ أَحَدٌ. وَكَانَ الْبُرْسُقِيُّ وَاقِفًا عَلَى نَشَزٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَكَانَ الْأَمِيرُ آقْ بُورِيُّ فِي الْكَمِينِ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمَّا اخْتَلَطَ النَّاسُ خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى عَسْكَرِ دُبَيْسٍ، فَانْهَزَمُوا جَمِيعُهُمْ وَأَلْقَوْا نُفُوسَهُمْ فِي الْمَاءِ، فَغَرِقَ مِنْهُمْ، وَقُتِلَ كَثِيرٌ. اشتداد الحرب وهزيمة دبيس وَلَمَّا رَأَى الْخَلِيفَةُ اشْتِدَادَ الْحَرْبِ جَرَّدَ سَيْفَهُ وَكَبَّرَ وَتَقَدَّمَ إِلَى الْحَرْبِ، فَلَمَّا انْهَزَمَ عَسْكَرُ دُبَيْسٍ وَحُمِلَتِ الْأَسْرَى إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ أَمَرَ الْخَلِيفَةُ أَنْ تُضْرَبَ أَعْنَاقُهُمْ صَبْرًا. وَكَانَ عَسْكَرُ دُبَيْسٍ عَشَرَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ رَاجِلٍ، وَعَسْكَرُ الْبُرْسُقِيِّ ثَمَانِيَةَ آلَافِ فَارِسٍ، وَخَمْسَةِ آلَافِ رَاجِلٍ، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ أَصْحَابِ الْخَلِيفَةِ غَيْرُ عِشْرِينَ فَارِسًا، وَحَصَلَ نِسَاءُ دُبَيْسٍ وَسَرَارِيِّهِ تَحْتَ الْأَسْرِ سِوَى بِنْتِ إِيلْغَازِي،، وَبِنْتِ عَمِيدِ الدَّوْلَةِ بْنِ جَهِيرٍ فَإِنَّهُ كَانَ تَرَكَهُمَا فِي الْمَشْهَدِ. وَعَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَاذَ، فَدَخَلَهَا يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ. وَلَمَّا عَادَ الْخَلِيفَةُ إِلَى بَغْدَاذَ ثَارَ الْعَامَّةُ بِهَا، وَنَهَبُوا مَشْهَدَ بَابِ التِّبْنِ، وَقَلَعُوا أَبْوَابَهُ، فَأَنْكَرَ الْخَلِيفَةُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ نَظَرَ أَمِيرَ الْحَاجِّ بِالرُّكُوبِ إِلَى الْمَشْهَدِ، وَتَأْدِيبِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، وَأَخْذِ مَا نُهِبَ، فَفَعَلَ وَأَعَادَ الْبَعْضَ وَخَفِيَ الْبَاقِي عَلَيْهِ. وصول دبيس غزية وَأَمَّا دُبَيْسُ بْنُ صَدَقَةَ فَإِنَّهُ لَمَّا انْهَزَمَ بِفَرَسِهِ وَسِلَاحِهِ، وَأَدْرَكَتْهُ الْخَيْلُ فَفَاتَهَا وَعَبَرَ الْفُرَاتَ، فَرَأَتْهُ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ وَقَدْ عَبَرَ، فَقَالَتْ لَهُ: دُبَيْرٌ جِئْتَ ؟ فَقَالَ: دُبَيْرٌ مَنْ لَمْ يَجِئْ. وَاخْتَفَى خَبَرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَأُرْجِفَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَمْرُهُ أَنَّهُ قَصَدَ غُزَيَّةَ مِنْ عَرَبِ نَجْدٍ، فَطَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يُحَالِفُوهُ، فَامْتَنَعُوا عَلَيْهِ وَقَالُوا: إِنَّا نُسْخِطُ الْخَلِيفَةَ وَالسُّلْطَانَ، فَرَحَلَ إِلَى الْمُنْتَفَقِ، وَاتَّفَقَ مَعَهُمْ عَلَى قَصْدِ الْبَصْرَةِ وَأَخْذِهَا، فَسَارُوا إِلَيْهَا وَدَخَلُوهَا، وَنَهَبُوا أَهْلَهَا، وَقُتِلَ الْأَمِيرُ سَخْتُ كُمَانُ مُقَدَّمُ عَسْكَرِهَا، وَأُجْلِيَ أَهْلُهَا. فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْبُرْسُقِيِّ يُعَاتِبُهُ عَلَى إِهْمَالِهِ أَمْرِ دُبَيْسٍ، حَتَّى تَمَّ لَهُ مِنْ أَمْرِ الْبَصْرَةِ مَا أَخَرَبَهَا، فَتَجَهَّزَ الْبُرْسُقِيُّ لِلِانْحِدَارِ إِلَيْهِ، فَسَمِعَ دُبَيْسٌ ذَلِكَ، فَفَارَقَ الْبَصْرَةَ، وَسَارَ عَلَى الْبَرِّ إِلَى قَلْعَةِ جَعْبَرَ، وَالْتَحَقَ بِالْفِرِنْجِ، وَحَضَرَ مَعَهُمْ حِصَارَ حَلَبَ، وَأَطْمَعَهُمْ فِي أَخْذِهَا، فَلَمْ يَظْفَرُوا بِهَا، فَعَادُوا عَنْهَا، ثُمَّ فَارَقَهُمْ وَالْتَحَقَ بِالْمَلِكِ طُغْرَلَ ابْنِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ، فَأَقَامَ مَعَهُ، وَحَسَّنَ لَهُ قَصْدَ الْعِرَاقِ، وَسَنَذْكُرُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه