التاريخ 5448
ثم دخلت سنة خمس وتسعين وأربعمائة
الْحَرْبِ بَيْنَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ وَالسُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ وَالصُّلْحِ بَيْنَهُمَا فِي سَنَةُ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فِي صَفَرٍ، كَانَ الْمَصَافُّ الثَّالِثُ بَيْنَ السُّلْطَانَيْنِ بَرْكِيَارُقَ وَمُحَمَّدٍ. قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ قُدُومَ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ إِلَى بَغْدَاذَ، وَرَحِيلَ السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ عَنْهَا إِلَى وَاسِطَ مَرِيضًا، فَأَقَامَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ بِبَغْدَاذَ إِلَى سَابِعَ عَشَرَ مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَسَارَ عَنْهَا هُوَ وَأَخُوهُ السُّلْطَانُ سَنْجَرُ عَائِدَيْنِ إِلَى بِلَادِهِمَا، وَسَنْجَرُ يَقْصِدُ خُرَاسَانَ، وَالسُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ يَقْصِدُ هَمَذَانَ. فَلَمَّا سَارَ مُحَمَّدٌ عَنْ بَغْدَاذَ وَصَلَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ بَرْكِيَارُقَ قَدِ اعْتَرَضَ خَاصَّ الْخَلِيفَةِ بِوَاسِطَ وَسُمِعَ مِنْهُ فِي حَقِّ الْخَلِيفَةِ مَا يَقْبُحُ نَقْلُهُ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ وَأَعَادَ السُّلْطَانَ مُحَمَّدًا إِلَى بَغْدَاذَ، وَذَكَرَ لَهُ مَا نُقِلَ إِلَيْهِ، وَعَزَمَ عَلَى الْحَرَكَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ إِلَى قِتَالِ بَرْكِيَارُقَ، فَقَالَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ: لَا حَاجَةَ إِلَى حَرَكَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي أَقُومُ فِي هَذَا الْقِيَامَ الْمَرْضِيَّ. وَسَارَ عَائِدًا، وَرَتَّبَ بِبَغْدَاذَ أَبَا الْمَعَالِي الْمُفَضَّلَ بْنَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي جِبَايَةِ الْأَمْوَالِ وَإِيلْغَازِي شِحْنَةً. وَكَانَ لَمَّا دَخَلَ بَغْدَاذَ قَدْ خَلَّفَ عَسْكَرَهُ بِطَرِيقِ خُرَاسَانَ، فَنَهَبُوا الْبِلَادَ وَخَرَّبُوهَا، فَأَخَذَهُمُ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مَعَهُ، وَجَدَّ السَّيْرَ إِلَى رُوذْرَاوَرَ. وَأَمَّا السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ فَقَدْ تَقَدَّمَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ أَنَّهُ سَارَ مِنْ بَغْدَاذَ عِنْدَ وُصُولِ مُحَمَّدٍ إِلَيْهَا قَاصِدًا إِلَى وَاسِطَ، فَلَمَّا سَمِعَ عَسْكَرُ وَاسِطَ بِقُرْبِهِ مِنْهُمْ، خَافُوا مِنْهُ، وَأَخَذُوا نِسَاءَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ، وَجَمَعُوا السُّفُنَ جَمِيعَهَا، وَانْحَدَرُوا إِلَى الزُّبَيْدِيَّةِ، فَأَقَامُوا هُنَاكَ. وَوَصَلَ السُّلْطَانُ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمَرَضِ، يُحْمَلُ فِي مَحَفَّةٍ، وَقَدْ هَلَكَ مِنْ دَوَابِّ عَسْكَرِهِ وَمَتَاعِهِمُ الْكَثِيرُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَجِدُّونَ السَّيْرَ خَوْفًا أَنْ يَتْبَعَهُمُ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ، أَوِ الْأَمِيرُ صَدَقَةُ، صَاحِبُ الْحِلَّةِ، فَكَانُوا كُلَّمَا جَازَوْا قَنْطَرَةً هَدَمُوهَا، لِيَمْتَنِعَ مَنْ يَجْتَازُ بِهَا مِنَ اتِّبَاعِهِمْ. وَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى وَاسِطَ عُوفِيَ بَرْكِيَارُقُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِمَّةٌ غَيْرَ الْعُبُورِ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَلَمْ يَجِدْ هُنَاكَ سَفِينَةً، وَكَانَ الزَّمَانُ شَاتِيًا، شَدِيدَ الْبَرْدِ، وَالْمَاءُ زَائِدًا، وَكَانَ أَهْلُ الْبَلَدِ قَدْ خَافُوهُمْ، فَلَزِمُوا الْجَامِعَ وَبُيُوتَهُمْ، فَخَلَتِ الطُّرُقُ وَالْأَسْوَاقُ مِنْ مُجْتَازٍ فِيهَا، فَخَرَجَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ إِلَى الْعَسْكَرِ، وَاجْتَمَعَ بِالْأَمِيرِ إِيَازَ، وَالْوَزِيرِ، وَاسْتَعْطَفَهُمَا لِلْخَلْقِ، وَطَلَبَ إِنْفَاذَ شِحْنَةً لِتَطْمَئِنَّ الْقُلُوبُ، فَأَجَابُوهُ إِلَى مُلْتَمَسِهِ، وَقَالُوا لَهُ: نُرِيدُ أَنْ تَجْمَعَ لَنَا مَنْ يُعَبِّرُ دَوَابَّنَا فِي الْمَاءِ، وَنَسْبَحُ مَعَهَا، فَجَمَعَ لَهُمْ مِنْ شَبَابِ وَاسِطَ، وَأَعْطَاهُمُ الْأُجْرَةَ الْوَافِرَةَ، فَعَبَّرُوا دَوَابَّهُمْ مِنَ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْجِمَالِ، وَكَانَ الْأَمِيرُ إِيَازُ بِنَفْسِهِ يَسُوقُ الدَّوَابَّ، وَيَفْعَلُ مَا يَفْعَلُهُ الْغِلْمَانُ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ غَيْرُ سَفِينَةٍ وَاحِدَةٍ انْحَدَرَتْ مَعَ السُّلْطَانِ مِنْ بَغْدَاذَ، فَعَبَّرُوا أَمْوَالَهُمْ وَرِحَالَهُمْ فِيهَا. فَلَمَّا صَارُوا فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ اطْمَأَنُّوا، وَنَهَبَ الْعَسْكَرُ الْبَلَدَ، فَرَجَعَ الْقَاضِي وَجَدَّدَ الْخِطَابَ فِي الْكَفِّ عَنْهُمْ، فَأُجِيبُ إِلَى ذَلِكَ، فَأُرْسِلَ مَعَهُ مَنْ يَمْنَعُ مِنَ النَّهْبِ. ثُمَّ إِنَّ عَسْكَرَ وَاسِطَ أَرْسَلُوا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ يَطْلُبُونَ الْأَمَانَ لِيَحْضُرُوا الْخِدْمَةَ فَأَمَّنَهُمْ، فَحَضَرَ أَكْثَرُهُمْ عِنْدَهُ، وَسَارُوا مَعَهُ إِلَى بِلَادِ بَنِي بُرْسُقَ، فَحَضَرُوا أَيْضًا عِنْدَهُ وَخَدَمُوهُ، وَاجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ عَلَيْهِ. وَبَلَغَهُ مَسِيرُ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ عَنْ بَغْدَاذَ، فَسَارَ يَتْبَعُهُ عَلَى نَهَاوَنْدَ، فَأَدْرَكَهُ بُرُوذْرَاوَرُ، وَكَانَ الْعَسْكَرَانِ مُتَقَارِبَيْنِ فِي الْعُدَّةِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَرْبَعَةُ آلَافِ فَارِسٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ، فَتَصَافُّوا، أَوَّلَ يَوْمٍ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَلَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ قِتَالُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ، وَعَادُوا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي، ثُمَّ تَوَاقَفُوا كَذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِ الصَّفَّيْنِ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ مَنْ يُقَاتِلُهُ، فَإِذَا تَقَارَبَا اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحَبَهُ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَيَعُودُ عَنْهُ. ثُمَّ خَرَجَ الْأَمِيرُ بَلَدْجِي وَغَيْرُهُ مِنْ عَسْكَرِ مُحَمَّدٍ إِلَى الْأَمِيرِ إِيَازَ وَالْوَزِيرِ الْأَعَزِّ، فَاجْتَمَعُوا، وَاتَّفَقُوا عَلَى الصُّلْحِ، لِمَا قَدْ عَمَّ النَّاسَ مِنَ الضَّرَرِ، وَالْمَلَلِ، وَالْوَهَنِ، فَاسْتَقَرَّتِ الْقَاعِدَةُ أَنْ يَكُونَ بَرْكِيَارُقُ السُّلْطَانَ، وَمُحَمَّدٌ الْمَلِكَ، وَيُضْرَبُ لَهُ ثَلَاثُ نُوَبٍ، وَيَكُونُ لَهُ مِنِ الْبِلَادِ جَنْزَةُ وَأَعْمَالُهَا، وَأَذْرَبِيجَانُ، وَدِيَارُ بَكْرٍ، وَالْجَزِيرَةُ، وَالْمَوْصِلُ، وَأَنْ يُمِدَّهُ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِالْعَسَاكِرِ، حَتَّى يَفْتَحَ مَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِنْهَا، وَحَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَانْصَرَفَ الْفَرِيقَانِ مِنَ الْمَصَافِّ رَابِعَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَسَارَ بَرْكِيَارُقُ إِلَى مَرْجِ قُرَاتِكِينَ قَاصِدًا سَاوَةَ، وَالسُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى أَسَدَابَاذَ، وَتَفَرَّقَ الْعَسْكَرَانِ وَقَصَدَ كُلُّ أَمِيرٍ أَقْطَاعَهُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه