التاريخ 5245
ثم دخلت سنة خمس وستين وأربعمائة
ذِكْرُ قَتْلِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ . فِي هَذِهِ السَّنَةِ قُتِلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ حَمْدَانَ، وَهُوَ مِنْ أَوْلَادِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، بِمِصْرَ، وَكَانَ قَدْ تَقَدَّمَ فِيهَا تَقَدُّمًا عَظِيمًا. وَنَذْكُرُ هَاهُنَا الْأَسْبَابَ الْمُوجِبَةَ لِقَتْلِهِ، فَإِنَّهَا تَتْبَعُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَفِي حُرُوبٍ وَتَجَارِبَ، وَكَانَ أَوَّلَ ذَلِكَ انْحِلَالُ أَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَفَسَادُ أَحْوَالِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ، صَاحِبِهَا، وَسَبَبُهُ أَنَّ وَالِدَتَهُ كَانَتْ غَالِبَةً عَلَى أَمْرِهِ، وَقَدِ اصْطَنَعَتْ أَبَا سَعِيدٍ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيَّ الْيَهُودِيَّ، وَصَارَ وَزِيرًا لَهَا، فَأَشَارَ عَلَيْهَا بِوِزَارَةِ أَبِي نَصْرٍ الْفَلَّاحِيِّ، فَوَلَّتْهُ الْوِزَارَةَ، وَاتَّفَقَا مُدَّةً، ثُمَّ صَارَ الْفَلَّاحِيُّ يَنْفَرِدُ بِالتَّدْبِيرِ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمَا وَحْشَةٌ، فَخَافَهُ الْفَلَّاحِيُّ أَنْ يُفْسِدَ أَمْرَهُ مَعَ أُمِّ الْمُسْتَنْصِرِ فَاصْطَنَعَ الْغِلْمَانُ الْأَتْرَاكَ، وَاسْتَمَالَهُمْ، وَزَادَ فِي أَرْزَاقِهِمْ، فَلَمَّا وَثِقَ بِهِمْ وَضَعَهُمْ عَلَى قَتْلِ الْيَهُودِيِّ، فَقَتَلُوهُ، فَعَظُمَ الْأَمْرُ عَلَى أُمِّ الْمُسْتَنْصِرِ، وَأَغْرَتْ بِهِ وَلَدَهَا، فَقَبَضَ عَلَيْهِ وَأَرْسَلَتْ مَنْ قَتَلَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْقَتْلِ تِسْعَةُ أَشْهُرٍ. وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو الْبَرَكَاتِ حَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَوَضَعَهُ عَلَى الْغِلْمَانِ الْأَتْرَاكِ فَأَفْسَدَ أَحْوَالَهُمْ، وَشَرَعَ يَشْتَرِي الْعَبِيدَ لِلْمُسْتَنْصِرِ، وَاسْتَكْثَرَ مِنْهُمْ، فَوَضَعَتْهُ أُمُّ الْمُسْتَنْصِرِ لِيُغْرِيَ الْعَبِيدَ الْمُجَرَّدِينَ بِالْأَتْرَاكِ، فَخَافَ عَاقِبَةَ ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ يُورِثُ شَرًّا وَفَسَادًا، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَتَنَكَّرَتْ لَهُ، وَعَزَلَتْهُ عَنِ الْوِزَارَةِ. وَوَلِيَ بَعْدَهُ الْوِزَارَةَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْيَازُورِيُّ مِنْ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الرَّمْلَةِ اسْمُهَا يَازُورُ، فَأَمَرَتْهُ أَيْضًا بِذَلِكَ، فَلَمْ يَفْعَلْ، وَأَصْلَحَ الْأُمُورَ إِلَى أَنْ قُتِلَ. وَوَزَرَ بَعْدَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنُ بْنُ الْبَابِلِيِّ، فَأَمَرَتْهُ بِمَا أَمَرَتْ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ الْوُزَرَاءِ مِنْ إِغْرَاءِ الْعَبِيدِ بِالْأَتْرَاكِ، فَفَعَلَ، فَتَغَيَّرَتْ نِيَّاتُهُمْ. ثُمَّ إِنِ الْمُسْتَنْصِرَ رَكِبَ لِيُشَيِّعَ الْحُجَّاجَ، فَأَجْرَى بَعْضُ الْأَتْرَاكِ فَرَسَهُ، فَوَصَلَ بِهِ إِلَى جَمَاعَةِ الْعَبِيدِ الْمُحْدَثِينَ، وَكَانُوا يُحِيطُونَ بِالْمُسْتَنْصِرِ، فَضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ فَجَرَحَهُ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْأَتْرَاكِ وَنَشِبَتْ بَيْنَهُمُ الْحَرْبُ، ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى تَسْلِيمِ الْجَارِحِ إِلَيْهِمْ وَاسْتَحْكَمَتِ الْعَدَاوَةُ، فَقَالَ الْوَزِيرُ لِلْعَبِيدِ: خُذُوا حِذْرَكُمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي مَحِلَّتِهِمْ. وَعَرَفَ الْأَتْرَاكُ ذَلِكَ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى مُقَدِّمِيهِمْ، وَقَصَدُوا نَاصِرَ الدَّوْلَةِ بْنَ حَمْدَانَ، وَهُوَ أَكْبَرُ قَائِدٍ بِمِصْرَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ، وَاسْتَمَالُوا الْمَصَامِدَةَ، وَكُتَامَةَ، وَتَعَاهَدُوا، وَتَعَاقَدُوا، فَقَوِيَ الْأَتْرَاكُ، وَضَعُفَ الْعَبِيدُ الْمُحْدَثُونَ، فَخَرَجُوا مِنَ الْقَاهِرَةِ إِلَى الصَّعِيدِ لِيَجْتَمِعُوا هُنَاكَ، فَانْضَافَ إِلَيْهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ يَزِيدُونَ عَلَى خَمْسِينَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَخَافَ الْأَتْرَاكُ وَشَكَوْا إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ، فَأَعَادَ الْجَوَابَ أَنَّهُ لَا عِلْمَ لَهُ بِمَا فَعَلَ الْعَبِيدُ، وَأَنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ، فَظَنُّوا قَوْلَهُ حِيلَةً عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَرُبَ الْخَبَرُ بِقُرْبِ الْعَبِيدِ مِنْهُمْ بِكَثْرَتِهِمْ، فَأَجْفَلَ الْأَتْرَاكُ وَكُتَامَةُ وَالْمَصَامِدَةُ، وَكَانَتْ عُدَّتُهُمْ سِتَّةَ آلَافٍ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِكَوْمِ الرِّيشِ، وَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ وَمَنْ مَعَهُمْ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ قَدْ كَمَنَ فِي خَمْسِمِائَةِ فَارِسٍ، فَلَمَّا انْهَزَمَ الْأَتْرَاكُ خَرَجَ الْكَمِينُ عَلَى سَاقَةِ الْعَبِيدِ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَحَمَلُوا عَلَيْهِمْ حَمْلَةً مُنْكَرَةً، وَضُرِبَتِ الْبُوقَاتُ، فَارْتَاعَ الْعَبِيدُ، وَظَنُّوهَا مَكِيدَةً مِنَ الْمُسْتَنْصِرِ، وَأَنَّهُ قَدْ رَكِبَ بَاقِي الْعَسْكَرِ، فَانْهَزَمُوا، وَعَادَ عَلَيْهِمُ الْأَتْرَاكُ وَحَكَّمُوا فِيهِمُ السُّيُوفَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ وَغَرِقَ نَحْوُ أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا. وَقَوِيَتْ نُفُوسُ الْأَتْرَاكِ، وَعَرَفُوا حُسْنَ رَأْيِ الْمُسْتَنْصِرِ فِيهِمْ، وَتَجَمَّعُوا، وَحَشَدُوا، فَتَضَاعَفَ عُدَّتُهُمْ، وَزَادَتْ وَاجِبَاتُهُمْ لِلْإِنْفَاقِ فِيهِمْ، فَخَلَتِ الْخَزَائِنُ، وَاضْطَرَبَتِ الْأُمُورُ، وَتَجَمَّعَ بَاقِي الْعَسْكَرِ مِنَ الشَّامِ وَغَيْرِهِ إِلَى الصَّعِيدِ، فَاجْتَمَعُوا مَعَ الْعَبِيدِ، فَصَارُوا خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، وَسَارُوا إِلَى الْجِيزَةِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمُ الْأَتْرَاكُ وَمَنْ مَعَهُمْ، وَاقْتَتَلُوا فِي الْمَاءِ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ عَبَرَ الْأَتْرَاكُ النِّيلَ إِلَيْهِمْ مَعَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بْنِ حَمْدَانَ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ الْعَبِيدُ إِلَى الصَّعِيدِ، وَعَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ وَالْأَتْرَاكُ مَنْصُورِينَ. ثُمَّ إِنَّ الْعَبِيدَ اجْتَمَعُوا بِالصَّعِيدِ فِي خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ وَرَاجِلٍ، فَقَلِقَ الْأَتْرَاكُ لِذَلِكَ، فَحَضَرَ مُقَدَّمُوهُمْ دَارَ الْمُسْتَنْصِرِ لِشَكْوَى حَالِهِمْ، فَأَمَرَتْ أُمُّ الْمُسْتَنْصِرِ مَنْ عِنْدِهَا مِنَ الْعَبِيدِ بِالْهُجُومِ عَلَى الْمُقَدَّمِينَ وَالْفَتْكِ بِهِمْ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَسَمِعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْخَبَرَ، فَهَرَبَ إِلَى ظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَاجْتَمَعَ الْأَتْرَاكُ إِلَيْهِ وَوَقَعَتِ الْحَرْبُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَبِيدِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ مِصْرَ، وَالْقَاهِرَةِ، وَحَلَفَ الْأَمِيرُ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ بْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ لَا يَنْزِلُ عَنْ فَرَسِهِ وَلَا يَذُوقُ طَعَامًا حَتَّى يَنْفَصِلَ الْحَالُ بَيْنَهُمْ، فَبَقِيَتِ الْحَرْبُ ثَلَاثَ أَيَّامٍ، ثُمَّ ظَفِرَ بِهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَمَنْ سَلِمَ هَرَبَ، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ مِنَ الْقَاهِرَةِ. وَكَانَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْعَبِيدِ، فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْحَادِثَةُ طَلَبُوا الْأَمَانَ، فَأُمِّنُوا وَأُخِذَتْ مِنْهُمُ الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ، وَبَقِيَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ بِالصَّعِيدِ. فَلَمَّا خَلَتِ الدَّوْلَةُ لِلْأَتْرَاكِ طَمِعُوا فِي الْمُسْتَنْصِرِ، وَقَلَّ نَامُوسُهُ عِنْدَهُمْ، وَطَلَبُوا الْأَمْوَالَ، فَخَلَتِ الْخَزَائِنُ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهَا شَيْءٌ الْبَتَّةَ، وَاخْتَلَّ ارْتِفَاعُ الْأَعْمَالِ، وَهُمْ يُطَالِبُونَ، وَاعْتَذَرَ الْمُسْتَنْصِرُ بِعَدَمِ الْأَمْوَالِ عِنْدَهُ، فَطَلَبَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الْعُرُوضَ، فَأُخْرِجَتْ إِلَيْهِمْ، وَقُوِّمَتْ بِالثَّمَنِ الْبَخْسِ، وَصُرِفَتْ إِلَى الْجُنْدِ، قِيلَ إِنَّ وَاجِبَ الْأَتْرَاكِ كَانَ فِي الشَّهْرِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَصَارَ الْآنَ فِي الشَّهْرِ أَرْبَعُمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ. وَأَمَّا الْعَبِيدُ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُمْ أَفْسَدُوا، وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، فَمَضَى الْعَبِيدُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ إِلَى الصَّعِيدِ الْأَعْلَى، فَأَدْرَكَهُمْ، فَقَاتَلَهُمْ، وَقَاتَلُوهُ، فَانْهَزَمَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مِنْهُمْ وَعَادَ إِلَى الْجِيزَةِ بِمِصْرَ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ مَنْ سَلِمَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَشَغَبُوا عَلَى الْمُسْتَنْصِرِ. وَاتَّهَمُوهُ بِتَقْوِيَةِ الْعَبِيدِ وَالْمِيلِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ جَهَّزُوا جَيْشًا وَسَيَّرُوهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنَ الْعَبِيدِ، فَوَهَنَ الْبَاقُونَ، وَزَالَتْ دَوْلَتُهُمْ. وَعَظُمَ أَمْرُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُ، وَتَفَرَّدَ بِالْأَمْرِ دُونَ الْأَتْرَاكِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ، وَعَظُمَ عَلَيْهِمْ، وَفَسَدَتْ نِيَّاتُهُمْ لَهُ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى الْوَزِيرِ، وَقَالُوا: كُلَّمَا خَرَجَ مِنَ الْخَلِيفَةِ مَالٌ أَخَذَ أَكْثَرَهُ لَهُ وَلِحَاشِيَتِهِ، وَلَا يَصِلُ إِلَيْنَا مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيلُ. فَقَالَ الْوَزِيرُ: إِنَّمَا وَصَلَ إِلَى هَذَا وَغَيْرِهِ بِكُمْ، فَلَوْ فَارَقْتُمُوهُ لَمْ يَتِمَّ لَهُ أَمْرٌ. فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى مُفَارَقَةِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَإِخْرَاجِهِ مِنْ مِصْرَ، فَاجْتَمَعُوا، وَشَكَوْا إِلَى الْمُسْتَنْصِرِ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُمْ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِالْخُرُوجِ، وَيَتَهَدَّدُهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، فَخَرَجَ مِنَ الْقَاهِرَةِ إِلَى الْجِيزَةِ، وَنُهِبَتْ دَارُهُ وَدُورُ حَوَاشِيهِ وَأَصْحَابِهِ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ دَخَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ مُسْتَخْفِيًا إِلَى الْقَائِدِ الْمَعْرُوفِ بِتَاجِ الْمُلُوكِ شَاذِي، فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، وَقَالَ: اصْطَنِعْنِي ! فَقَالَ: أَفْعَلُ، فَحَالَفَهُ عَلَى قَتْلِ مُقَدَّمٍ مِنَ الْأَتْرَاكِ اسْمُهُ إِلْدِكْز، وَالْوَزِيرُ الْخَطِيرُ، وَقَالَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ لِشَاذِي: تَرْكَبُ فِي أَصْحَابِكَ، وَتَسِيرُ بَيْنَ الْقَصْرَيْنِ، فَإِذَا أَمْكَنَتْكَ فِيهِمَا فَاقْتُلْهُمَا. وَعَادَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى مَوْضِعِهِ إِلَى الْجِيزَةِ. وَفَعَلَ شَاذِي مَا أَمَرَهُ، فَرَكِبَ إِلْدِكْز إِلَى الْقَصْرِ، فَرَأَى شَاذِي فِي جَمْعِهِ، فَأَنْكَرَهُ وَأَسْرَعَ فَدَخَلَ الْقَصْرَ، فَفَاتَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ الْوَزِيرُ فِي مَوْكِبِهِ، فَقَتَلَهُ شَاذِي، وَأَرْسَلَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ يَأْمُرُهُ بِالرُّكُوبِ، فَرَكِبَ إِلَى بَابِ الْقَاهِرَةِ، فَقَالَ إِلْدِكْز لِلْمُسْتَنْصِرِ: إِنْ لَمْ تَرْكَبْ، وَإِلَّا هَلَكْتَ أَنْتَ وَنَحْنُ. فَرَكِبَ، وَلَبِسَ سِلَاحَهُ، وَتَبِعَهُ خَلْقٌ عَظِيمٌ مِنَ الْعَامَّةِ وَالْجُنْدِ، وَاصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ، فَحَمَلَ الْأَتْرَاكُ عَلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ فَانْهَزَمَ، وَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَمَضَى مُنْهَزِمًا عَلَى وَجْهِهِ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، وَتَبِعَهُ فَلُّ أَصْحَابِهِ، وَمَضَى إِلَى بَنِي سِنْبِسٍ، فَأَقَامَ عِنْدَهُمْ وَصَاهَرَهُمْ فَقَوِيَ بِهِمْ. وَتَجَهَّزَتِ الْعَسَاكِرُ إِلَيْهِ لِيُبْعِدُوهُ، فَسَارُوا حَتَّى قَرُبُوا مِنْهُ، وَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ، فَأَرَادَ أَحَدُ الْمُقَدَّمِينَ أَنْ يَفُوزَ بِالظَّفَرِ وَحْدَهُ دُونَ أَصْحَابِهِ، فَعَبَرَ فِيمَنْ مَعَهُ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَظَفِرَ بِهِ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ، فَأَخَذَهُ أَسِيرًا، وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِي أَصْحَابِهِ، وَعَبَرَ الْعَسْكَرُ الثَّانِي، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَا جَرَى عَلَى أَصْحَابِهِمْ، فَحَمَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ عَلَيْهِمْ، وَرَفَعَ رُءُوسَ الْقَتْلَى عَلَى الرِّمَاحِ، فَوَقَعَ الرُّعْبُ فِي قُلُوبِهِمْ، فَانْهَزَمُوا وَقُتِلَ أَكْثَرُهُمْ، وَقَوِيَتْ نَفْسُ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ. وَعَبَرَ الْعَسْكَرُ الثَّالِثُ، فَهَزَمَهُ وَأَكْثَرَ الْقَتْلَ فِيهِمْ، وَأَسَرَ مُقَدِّمَهُمْ، وَعَظُمَ أَمْرُهُ، وَنَهَبَ الرِّيفَ فَأَقْطَعَهُ، وَقَطَعَ الْمِيرَةَ عَنْ مِصْرَ بَرًّا وَبَحْرًا، فَغَلَتِ الْأَسْعَارُ بِهَا، وَكَثُرَ الْمَوْتُ بِالْجُوعِ، وَامْتَدَّتْ أَيْدِي الْجُنْدِ بِالْقَاهِرَةِ إِلَى النَّهْبِ وَالْقَتْلِ، وَعَظُمَ الْوَبَاءُ حَتَّى إِنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ الْوَاحِدِ كَانُوا يَمُوتُونَ كُلُّهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ. وَاشْتَدَّ الْغَلَاءُ حَتَّى حُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَكَلَتْ رَغِيفًا بِأَلْفِ دِينَارٍ، فَاسْتُبْعِدَ ذَلِكَ، فَقِيلَ: إِنَّهَا بَاعَتْ عُرُوضًا قِيمَتُهَا أَلْفُ دِينَارٍ بِثَلَاثِمِائَةِ دِينَارٍ، وَاشْتَرَتْ بِهَا حِنْطَةٌ وَحَمَلَهَا الْحَمَّالُ عَلَى ظَهْرِهِ، فَنُهِبَتِ الْحِنْطَةُ فِي الطَّرِيقِ، فَنَهَبَتْ هِيَ مَعَ النَّاسِ، فَكَانَ الَّذِي حَصَلَ لَهَا مَا عَمِلَتْهُ رَغِيفًا وَاحِدًا. وَقَطَعَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ الطَّرِيقَ بَرًّا وَبَحْرًا، فَهَلَكَ الْعَالَمُ، وَمَاتَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الْمُسْتَنْصِرِ، وَتَفَرَّقَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ، فَرَاسَلَ الْأَتْرَاكُ مِنَ الْقَاهِرَةِ نَاصِرَ الدَّوْلَةِ فِي الصُّلْحِ، فَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَكُونَ تَاجُ الْمُلُوكِ شَاذِي نَائِبًا عَنْ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ بِالْقَاهِرَةِ، يَحْمِلُ الْمَالَ إِلَيْهِ، وَلَا يَبْقَى مَعَهُ لِأَحَدٍ حُكْمٌ. فَلَمَّا دَخَلَ تَاجُ الْمُلُوكِ إِلَى الْقَاهِرَةِ تَغَيَّرَ عَنِ الْقَاعِدَةِ، وَاسْتَبَدَّ بِالْأَمْوَالِ دُونَ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ وَلَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهِ مِنْهَا شَيْئًا، فَسَارَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْجِيزَةِ، وَاسْتَدْعَى إِلَيْهِ شَاذِي وَغَيْرَهُ مِنْ مُقَدِّمِي الْأَتْرَاكِ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ إِلَّا أَقَلَّهُمْ، فَقَبَضَ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ، وَنَهَبَ نَاحِيَتَيْ مِصْرَ، وَأَحْرَقَ كَثِيرًا مِنْهُمَا، فَسَيَّرَ إِلَيْهِ الْمُسْتَنْصِرُ عَسْكَرًا فَكَبَسُوهُ فَانْهَزَمَ مِنْهُمْ وَمَضَى هَارِبًا، فَجَمَعَ جَمْعًا وَعَادَ إِلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَهَزَمَهُمْ، وَقَطَعَ خُطْبَةَ الْمُسْتَنْصِرِ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ وَدِمْيَاطَ، وَكَانَا مَعَهُ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الرِّيفِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ بِبَغْدَاذَ يَطْلُبُ خِلَعًا لِيَخْطُبَ لَهُ بِمِصْرَ. وَاضْمَحَلَّ أَمْرُ الْمُسْتَنْصِرِ، وَبَطَلَ ذِكْرُهُ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ مِنَ الْقَاهِرَةِ وَأَرْسَلَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ إِلَيْهِ أَيْضًا يَطْلُبُ الْمَالَ، فَرَآهُ الرَّسُولُ جَالِسًا عَلَى حَصِيرٍ، وَلَيْسَ حَوْلَهُ غَيْرُ ثَلَاثَةِ خَدَمٍ، وَلَمْ يَرَ الرَّسُولُ شَيْئًا مِنْ آثَارِ الْمَمْلَكَةِ، فَلَمَّا أَدَّى الرِّسَالَةَ قَالَ: أَمَا يَكْفِي نَاصِرَ الدَّوْلَةِ أَنْ أَجْلِسَ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَيْتِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْحَصِيرِ ؟ فَبَكَى الرَّسُولُ وَعَادَ إِلَى نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ فَأَجْرَى لَهُ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ دِينَارٍ، وَعَادَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَحَكَمَ فِيهَا، وَأَذَلَّ السُّلْطَانَ وَأَصْحَابَهُ. وَكَانَ الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُظْهِرُ التَّسَنُّنَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ، وَيَعِيبُ الْمُسْتَنْصِرَ، وَكَانَ الْمَغَارِبَةُ كَذَلِكَ فَأَعَانُوهُ عَلَى مَا أَرَادَ، وَقَبَضَ عَلَى أُمِّ الْمُسْتَنْصِرِ، وَصَادَرَهَا بِخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ، وَتَفَرَّقَ عَنِ الْمُسْتَنْصِرِ أَوْلَادُهُ وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى الْغَرْبِ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَمَاتَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ جُوعًا. وَانْقَضَتْ سَنَةُ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ [ وَأَرْبَعُمِائَةٍ ] وَمَا قَبْلَهَا بِالْفِتَنِ. وَانْحَطَّ السِّعْرُ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ، وَرَخُصَتِ الْأَسْعَارُ، وَبَالَغَ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي إِهَانَةِ الْمُسْتَنْصِرِ، وَفَرَّقَ عَنْهُ عَامَّةَ أَصْحَابِهِ، وَكَانَ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ: إِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُوَلِّيَكَ عَمَلَ كَذَا، فَيَسِيرُ إِلَيْهِ فَلَا يُمَكِّنُهُ مِنَ الْعَمَلِ وَيَمْنَعُهُ مِنَ الْعَوْدِ، وَكَانَ غَرَضُهُ بِذَلِكَ ( أَنْ يَخْطُبَ ) لِلْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ مَعَ وُجُودِهِمْ، فَفَطِنَ لِفِعْلِهِ قَائِدٌ كَبِيرٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ اسْمُهُ إِلْدِكْز، وَعَلِمَ أَنَّهُ مَتَى مَا تَمَّ مَا أَرَادَ تَمَكَّنَ مِنْهُ وَمِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَطْلَعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرَهُ مِنْ قُوَّادِ الْأَتْرَاكِ، فَاتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، ( وَكَانَ قَدْ أَمِنَ لِقُوَّتِهِ، وَعَدَمِ عَدُوِّهِ )، فَتَوَاعَدُوا لَيْلَةً عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ سَحَرُ اللَّيْلَةِ الَّتِي تَوَاعَدُوا فِيهَا عَلَى قَتْلِهِ جَاءُوا إِلَى بَابِ دَارِهِ، وَهِيَ ( الَّتِي تُعْرَفُ بِمَنَازِلِ الْعِزِّ، وَهِيَ ) عَلَى النِّيلِ، فَدَخَلُوا، مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ إِلَى صَحْنِ دَارِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ نَاصِرُ الدَّوْلَةِ فِي رِدَاءٍ لِأَنَّهُ كَانَ آمِنًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُمْ ضَرَبُوهُ بِالسُّيُوفِ، فَسَبَّهُمْ، وَهَرَبَ مِنْهُمْ، يُرِيدُ الْحَرَمَ، فَلَحِقُوهُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا رَأْسَهُ. وَمَضَى رَجُلٌ مِنْهُمْ، يُعْرَفُ بِكَوْكَبِ الدَّوْلَةِ، إِلَى فَخْرِ الْعَرَبِ، أَخِي نَاصِرِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ فَخْرُ الْعَرَبِ كَثِيرَ الْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، فَقَالَ لِلْحَاجِبِ: اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى فَخْرِ الْعَرَبِ، وَقُلْ صَنِيعَتُكَ فُلَانٌ عَلَى الْبَابِ، فَاسْتَأْذَنَ لَهُ، فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ: لَعَلَّهُ قَدْ دَهَمَهُ أَمْرٌ. فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَسْرَعَ نَحْوَهُ كَأَنَّهُ يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْهِ، وَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ عَلَى كَتِفِهِ، فَسَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، فَقَطَعَ رَأْسَهُ، وَأَخَذَ سَيْفَهُ، وَكَانَ ذَا قِيمَةٍ وَافِرَةٍ، وَأَخَذَ جَارِيَةً لَهُ أَرْدَفَهَا خَلْفَهُ، وَتَوَجَّهَ إِلَى الْقَاهِرَةِ، وَقُتِلَ أَخُوهُمَا تَاجُ الْمَعَالِي، وَانْقَطَعَ ذِكْرُ الْحَمْدَانِيَّةِ بِمِصْرَ بِالْكُلِّيَّةِ. انقطاع ذِكْرُ الْحَمْدَانِيَّةِ بِمِصْرَ بِالْكُلِّيَّةِ. فَلَمَّا كَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَلِيَ الْأَمْرَ بِمِصْرَ بَدْرٌ الْجَمَّالِيُّ، أَمِيرُ الْجُيُوشِ، وَقَتَلَ إِلْدِكْزَ وَالْوَزِيرَ ابْنَ كُدَيْنَةَ، وَجَمَاعَةً مِنَ الْمَسْلَحِيَّةِ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الدَّوْلَةِ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَوَلِيَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْأَفْضَلُ وَسَيَرِدُ ذِكْرُهُمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه