التاريخ 4744
ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين وأربعمائة
ذِكْرُ وَفَاةِ الْقَادِرِ بِاللَّهِ وَشَيْءٍ مِنْ سِيرَتِهِ وَخِلَافَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، فِي ذِي الْحِجَّةِ، تُوُفِّيَ الْإِمَامُ الْقَادِرُ بِاللَّهِ، أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعُمْرُهُ سِتٌّ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَعَشَرَةُ أَشْهُرٍ، وَخِلَافَتُهُ إِحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَكَانَتِ الْخِلَافَةُ قَبْلَهُ قَدْ طَمِعَ فِيهَا الدَّيْلَمُ وَالْأَتْرَاكُ، فَلَمَّا وَلِيَهَا الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَعَادَ جِدَّتَهَا، وَجَدَّدَ نَامُوسَهَا، وَأَلْقَى اللَّهُ هَيْبَتَهُ فِي قُلُوبِ الْخَلْقِ فَأَطَاعُوهُ أَحْسَنَ طَاعَةٍ وَأَتَمَّهَا. وَكَانَ حَلِيمًا، كَرِيمًا، خَيِّرًا يُحِبُّ الْخَيْرَ وَأَهْلَهُ، وَيَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَيَبْغَضُ أَهْلَهُ، وَكَانَ حَسَنَ الِاعْتِقَادِ، صَنَّفَ فِيهِ كِتَابًا عَلَى مَذْهَبِ السُّنَّةِ. وَلَمَّا تُوُفِّيَ صَلَّى عَلَيْهِ ابْنُهُ الْقَائِمُ بِأَمْرِ اللَّهِ، وَكَانَ الْقَادِرُ بِاللَّهِ أَبْيَضَ حَسَنَ الْجِسْمِ، كَثَّ اللِّحْيَةِ، طَوِيلَهَا، يَخْضِبُ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنْ دَارِهِ فِي زِيِّ الْعَامَّةِ وَيَزُورُ قُبُورَ الصَّالِحِينَ، كَقَبْرِ مَعْرُوفٍ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ حَالٌ أَمَرَ فِيهِ بِالْحَقِّ. قَالَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ بْنُ هَارُونَ: كَانَ بِالْكَرْخِ مِلْكٌ لِيَتِيمٍ وَكَانَ لَهُ فِيهِ قِيمَةٌ جَيِّدَةٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيَّ ابْنُ حَاجِبٍ النُّعْمَانُ، وَهُوَ حَاجِبُ الْقَادِرِ. يَأْمُرُنِي أَنْ أَفُكَّ عَنْهُ الْحَجْرَ لِيَشْتَرِيَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ ذَلِكَ الْمِلْكَ، فَلَمْ أَفْعَلْ فَأَرْسَلَ يَسْتَدْعِينِي، فَقُلْتُ لِغُلَامِهِ: تَقَدَّمْنِي حَتَّى أَلْحَقَكَ، وَخِفْتُهُ. فَقَصَدْتُ قَبْرَ مَعْرُوفٍ فَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَكْفِيَنِيَ شَرَّهُ، وَهُنَاكَ شَيْخٌ، فَقَالَ لِي: عَلَى مَنْ تَدْعُو ؟ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، وَوَصَلْتُ إِلَى ابْنِ حَاجِبٍ النُّعْمَانِ، فَأَغْلَظَ لِي فِي الْقَوْلِ، وَلَمْ يَقْبَلْ عُذْرِي، فَأَتَاهُ خَادِمٌ بِرُقْعَةٍ فَفَتَحَهَا وَقَرَأَهَا وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ، ( وَنَزَلَ مِنَ ) الشِّدَّةِ، فَاعْتَذَرَ إِلَيَّ ثُمَّ قَالَ: كَتَبْتَ إِلَى الْخَلِيفَةِ قِصَّةً ؟ فَقُلْتُ: لَا. وَعَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْخَ كَانَ الْخَلِيفَةَ. وَقِيلَ: كَانَ يُقَسِّمُ إِفْطَارَهُ كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: فَقِسْمٌ كَانَ يَتْرُكُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقِسْمٌ يُرْسِلُهُ إِلَى جَامِعِ الرُّصَافَةِ، وَقِسْمٌ يُرْسِلُهُ إِلَى جَامِعِ الْمَدِينَةِ، يُفَرَّقُ عَلَى الْمُقِيمِينَ فِيهِمَا، فَاتَّفَقَ أَنَّ الْفَرَّاشَ حَمَلَ لَيْلَةً الطَّعَامَ إِلَى جَامِعِ الْمَدِينَةِ، فَفَرَّقَهُ عَلَى الْجَمَاعَةِ، فَأَخَذُوا، إِلَّا شَابًّا فَإِنَّهُ رَدَّهُ. فَلَمَّا صَلَّوُا الْمَغْرِبَ خَرَجَ الشَّابُّ، وَتَبِعَهُ الْفَرَّاشُ، فَوَقَفَ عَلَى بَابٍ فَاسْتَطْعَمَ فَأَطْعَمُوهُ كُسَيْرَاتٍ فَأَخَذَهَا وَعَادَ إِلَى الْجَامِعِ، فَقَالَ لَهُ الْفَرَّاشُ: وَيْحَكَ أَلَا تَسْتَحِي يُنْفِذُ إِلَيْكَ خَلِيفَةُ اللَّهِ بِطَعَامٍ حَلَالٍ فَتَرُدَّهُ وَتَخْرُجَ ( وَتَأْخُذَ مِنَ ) الْأَبْوَابِ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَدَدْتُهُ إِلَّا لِأَنَّكَ عَرَضْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، وَكُنْتُ غَيْرَ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، فَلَمَّا احْتَجْتُ طَلَبْتُ، فَعَادَ الْفَرَّاشُ فَأَخْبَرَ الْخَلِيفَةَ بِذَلِكَ فَبَكَى وَقَالَ لَهُ: رَاعِ مِثْلَ هَذَا، وَاغْتَنِمْ أَخْذَهُ، وَأَقِمْ إِلَى وَقْتِ الْإِفْطَارِ. وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَبْهَرِيُّ: أَرْسَلَنِي بَهَاءُ الدَّوْلَةِ إِلَى الْقَادِرِ بِاللَّهِ فِي رِسَالَةٍ، فَسَمِعْتُهُ يُنْشِدُ: سَبَقَ الْقَضَاءُ بِكُلِّ مَا هُوَ كَائِنٌ وَاللَّهُ يَا هَذَا لِرِزْقِكَ ضَامِنُ تُعْنَى بِمَا يَفْنَى، وَتَتْرُكُ مَا بِهِ تَغْنَى، كَأَنَّكَ لِلْحَوَادِثِ آمِنُ أَوَمَا تَرَى الدُّنْيَا وَمَصْرَعَ أَهْلِهَا فَاعْمَلْ لِيَوْمِ فِرَاقِهَا، يَا حَائِنُ وَاعْلَمْ بِأَنَّكَ لَا أَبَا لَكَ فِي الَّذِي أَصْبَحْتَ تَجْمَعُهُ لِغَيْرِكَ خَازِنُ يَا عَامِرَ الدُّنْيَا أَتَعْمُرُ مَنْزِلًا لَمْ يَبْقَ فِيهِ مَعَ الْمَنِيَّةِ سَاكِنُ الْمَوْتُ شَيْءٌ أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ حَقٌّ، وَأَنْتَ بِذِكْرِهِ مُتَهَاوِنُ إِنَّ الْمَنِيَّةَ لَا تُؤَآمِرُ مَنْ أَتَتْ فِي نَفْسِهِ يَوْمًا وَلَا تَسْتَأْذِنُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لِإِنْشَادِ مِثْلِ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ. فَقَالَ: بَلْ لِلَّهِ الْمِنَّةُ إِذْ أَلْزَمَنَا بِذِكْرِهِ، وَوَفَّقَنَا لِشُكْرِهِ. أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي أَهْلِ الْمَعَاصِي: هَانُوا عَلَيْهِ فَعَصَوْهُ، وَلَوْ عَزُّوا عَلَيْهِ لَعَصَمَهُمْ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه