التاريخ 4685
ثم دخلت سنة ست عشرة وأربعمائة
ذِكْرُ مَنْ تُوُفِّيَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنَ الْأَكَابِرِ سَابُورُ بْنُ أَرْدَشِيرَ : وَزَرَ لِبَهَاءِ الدَّوْلَةِ أَبِي نَصْرِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَكَانَ كَاتِبًا شَدِيدًا، وَابْتَاعَ دَارًا بَيْنَ السُّورَيْنِ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَحَمَلَ إِلَيْهَا كُتُبَ الْعِلْمِ مِنْ كُلِّ فَنٍّ، وَسَمَّاهَا دَارَ الْعِلْمِ، وَكَانَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ آلَافِ مُجَلَّدٍ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا الْوُقُوفَ، وَبَقِيَتْ سَبْعِينَ سَنَةً وَأُحْرِقَتْ عِنْدَ مَجِيءِ طُغْرُلُبَكَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَوَزَرَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ، وَكَانَ عَفِيفًا عَنِ الْأَمْوَالِ، كَثِيرَ الْخَيْرِ سَلِيمَ الْبَاطِنِ، وَكَانَ إِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَ مَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَشْغَالِ وَقَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَعْبَأْ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الْوِلَايَةَ وَالْعَزْلَ، فَوَلَّى بَعْضَ الْعُمَّالِ عُكْبَرَا فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْوَزِيرُ كَيْفَ تَرَى أَسْتَأْجِرُ السَّمَارِيَّةَ مِصْعَدًا وَمُنْحَدَرًا فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: امْضِ سَاكِنًا. وَتُوُفِّيَ ببَغْدَادَ هَذِهِ السَّنَةَ وَقَدْ جَاوَزَ السَّبْعِينَ. عُثْمَانُ النَّيْسَابُورِيُّ، الْخَرْكُوشِيُّ الْوَاعِظُ سَنَةُ سِتَّ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ : كَانَ يَعِظُ النَّاسَ، وَلَهُ كِتَابٌ صَنَّفَهُ فِي الْوَعْظِ مِنْ أَبْرَدِ الْأَشْيَاءِ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مَوْضُوعَةٌ، وَكَلِمَاتٌ مَرْذُولَةٌ لَكِنَّهُ قَدْ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ. دَخَلَ عَلَى الْقَادِرِ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ: أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ حَدَّثَنِي فُلَانٌ عَنْ فُلَانٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ "لِكُلِّ إِمَامٍ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ" فَإِنَّ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَخُصَّنِي فِي هَذَا الْيَوْمِ بِدَعْوَةٍ، فَقَالَ لَهُ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَفِيكَ. وَكَانَ لَهُ حِشْمَةٌ عَظِيمَةٌ وَمَحِلَّتُهُ حِمًى يَلْجَأُ عَلَيْهِ وَكَانَ مَحْمُودُ بْنُ سُبُكْتُكِينَ إِذَا رَآهُ يَقُومُ لَهُ وَيَسْتَقْبِلُهُ إِذَا قَصَدَهُ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ مَحْمُودٌ يَوْمًا وَقَالَ لَهُ: قَدْ ضَاقَ صَدْرِي كَيْفَ قَدْ صِرْتُ تَكْدَى ؟ فَقَالَ: كَيْفَ ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَأْخُذُ أَمْوَالَ الضُّعَفَاءِ وَهَذَا هُوَ الْكُدْيَةُ، وَكَانَ مَحْمُودٌ قَدْ سَقَطَ عَلَى أَهْلِ نَيْسَابُورَ شَيْئًا فَكَفَّ عَنْ ذَلِكَ. وَوَقَعَ بِنَيْسَابُورَ جَرْفٌ فَأَخَذَ يَغْسِلُ الْمَوْتَى (وَيُوَارِيهِمْ فَغَسَلَ عَشَرَةَ آلَافٍ. مُحَمَّدُ - بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحَانَ أَبُو مَنْصُورٍ : وَزَرَ لِشَرَفِ الدَّوْلَةِ أَبِي الْفَوَارِسِ بْنِ عَضُدِ الدَّوْلَةِ ثُمَّ لِأَخِيهِ بَهَاءِ الدَّوْلَةِ وَكَانَ يُحِبُّ الْخَيْرَ وَالْعُلَمَاءَ وَيَمِيلُ إِلَى الْعَدْلِ وَيُفَضِّلُ عَلَى النَّاسِ وَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ تَرَكَ شُغْلَهُ وَنَهَضَ لِأَدَاءِ الْفَرْضِ وَكَانَ لَهُ مَجْلِسُ نَظَرٍ يَحْضُرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَكَانَ يُعْطِي الْعُلَمَاءَ وَالشُّعَرَاءَ وَتُوُفِّيَ ببَغْدَادَ فِي رَمَضَانَ هَذِهِ السَّنَةَ عَنْ سِتٍّ وَسَبْعِينَ سَنَةً. وَكَانَ أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ الْمُوَفَّقُ يُخْلِفُ أَبَا مَنْصُورٍ فَأَتَاهُ بِشْرُ بْنُ هَارُونَ النَّصْرَانِيُّ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي قَدْ هَجَوْتُ الْوَزِيرَ أَبَا مَنْصُورٍ بِأَبْيَاتٍ فِيهَا: قَالُوا مَضَيْتُ إِلَى الْوَزِيرِ فَقُلْتُ بِنَظَرِ أُمِّ الْوَزِيرِ يَلْقَى الْكِرَامَ نِعْمَ وَأُمًّا ذَا فَيَلْقَى جَوْفَ بِئْرِ فَقَالَ: لَوْ سَمِعَهَا مِنْكَ لَحَمِدْتُ أَمْرَكَ مَعَهُ، فَقَالَ: مَا عَلَيْكَ إِنْ أَنْشَدْتَهَا إِيَّاهُ، قَالَ: مَا تُؤْثِرُ، قَالَ: مِائَةَ دِرْهَمٍ وَعَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ حِنْطَةٍ، فَدَخَلَ عَلَى الْوَزِيرِ وَقَالَ لَهُ: قَدْ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بِمَا تَقْصُرُ شُكْرِي عَنْهُ وَقَدْ حَسَدَنِي [قَوْمٌ ] عَلَى قُرْبِي مِنْكَ، وَقَالُوا أَبْيَاتًا عَلَى لِسَانِي فِيكَ فَأَخَافُ أَنْ تُصَدِّقَ ذَلِكَ إِذَا سَمِعْتَهُ، فَقَالَ: لَا تَخَفْ فَمَا الْأَبْيَاتُ ؟ فَأَنْشَدَهُ إِيَّاهُ فَضَحِكَ وَخَرَجَ فَكَتَبَ لَهُ أَبُو عَلِيٍّ بِالدَّرَاهِمِ وَالْحِنْطَةِ عَلَى وَكِيلِهِ فَدَافَعَهُ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَيُّهَا السَّيِّدُ الْكَرِيمُ الْجَلِيلُ هَلْ إِلَى نَظْرَةٍ إِلَيْكَ سَبِيلْ فَأُنَاجِيكَ بِاشْتِكَاءِ وَكِيلْ لَيْسَ حَسْبِي وَلَيْسَ نِعْمَ الْوَكِيلْ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ وَفِيهَا تُوُفِّيَ: قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ، وَمَوْلِدُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَكَانَ عَفِيفًا نَزِهًا، وَقِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ. وَبَسِيلُ مَلِكُ الرُّومِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ قُسْطَنْطِينُ. الْتِّهَامِيُّ، عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ التِّهَامِيُّ أَبُو الْحَسَنِ لَهُ دِيوَانٌ مَشْهُورٌ، وَلَهُ مَرْثَاةٌ فِي وَلَدِهِ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ صَغِيرًا أَوَّلُهَا: حُكْمُ الْمَنِيَّةِ فِي الْبَرِيَّةِ جَارِي مَا هَذِهِ الدُّنْيَا بِدَارِ قَرَارِ وَمِنْهَا: إِنِّي لَأَرْحَمُ حَاسِدِيَّ لِحَرِّ مَا ضَمَّتْ صُدُورُهُمُ مِنَ الْأَوْغَارِ نَظَرُوا صَنِيعَ اللَّهِ بِي فَعُيُونُهُمْ فِي جَنَّةٍ وَقُلُوبُهُمْ فِي نَارِ وَمِنْهَا فِي ذَمِّ الدُّنْيَا، وَكُلُّ هَذِهِ الْقَصِيدَةِ مَلِيحٌ مُخْتَارٌ: طُبِعَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا صَفْوًا مِنَ الْأَقْذَارِ وَالْأَكْدَارِ وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ وَإِذَا رَجَوْتَ الْمُسْتَحِيلَ فَإِنَّمَا تَبْنِي الرَّجَاءَ عَلَى شَفِيرٍ هَارِ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي وَلَدِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: جَاوَرْتُ أَعْدَائِي وَجَاوَرَ رَبَّهُ شَتَّانَ بَيْنَ جِوَارِهِ وَجِوَارِي وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَآهُ فِي النَّوْمِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَ: بِمَ نِلْتَ ذَلِكَ ؟ قَالَ: بِهَذَا الْبَيْتِ. تُوُفِّيَ بِحَبْسِ خِزَانَةِ الْبُنُودِ مِنَ الْقَاهِرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، رَحِمَهُ اللَّهُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه