التاريخ 4313
ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة
ذِكْرُ مَسِيرِ الْمُعِزِّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيِّ مِنَ الْغَرْبِ إِلَى مِصْرَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ سَارَ الْمُعِزُّ لِدِينِ اللَّهِ الْعَلَوِيُّ مِنْ إِفْرِيقِيَّةَ ( يُرِيدُ الدِّيَارَ الْمِصْرِيَّةَ ). وَكَانَ أَوَّلُ مَسِيرِهِ أَوَاخِرَ شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ أَوَّلُ رَحِيلِهِ مِنَ الْمَنْصُورِيَّةِ، فَأَقَامَ بِسَرْدَانِيَةَ، وَهِيَ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، وَلَحِقَهُ بِهَا رِجَالُهُ، وَعُمَّالُهُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَجَمِيعُ مَا كَانَ لَهُ فِي قَصْرِهِ مِنْ أَمْوَالٍ وَأَمْتِعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، حَتَّى إِنَّ الدَّنَانِيرَ سُكِبَتْ وَجُعِلَتْ كَهَيْئَةِ الطَّوَاحِينِ وَحُمِلَ كُلُّ طَاحُونَتَيْنِ عَلَى جَمَلٍ. وَسَارَ عَنْهَا وَاسْتَعْمَلَ عَلَى بِلَادِ إِفْرِيقِيَّةَ يُوسُفَ بُلُكِّينَ بْنِ زِيرِي بْنِ مَنَادٍ الصِّنْهَاجِيَّ الْحِمْيَرِيَّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حُكْمًا عَلَى جَزِيرَةِ صِقِلِّيَّةَ، وَلَا عَلَى مَدِينَةِ طَرَابُلُسَ الْغَرْبِ، وَلَا عَلَى أَجْدَابِيَّةَ، وَسُرْتُ، وَجَعَلَ عَلَى ( صِقِلِّيَّةَ حَسَنَ بْنَ ) عَلِيِّ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، وَجَعَلَ عَلَى طَرَابُلُسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَخْلُفَ الْكُتَامِيَّ، وَكَانَ أَثِيرًا عِنْدَهُ وَجَعَلَ عَلَى جِبَايَةِ أَمْوَالِ إِفْرِيقِيَّةَ زِيَادَةَ اللَّهِ بْنَ زِيَادِ بْنِ الْقَدِيمِ، وَعَلَى الْخَرَاجِ عَبْدَ الْجَبَّارِ الْخُرَاسَانِيَّ، وَحُسَيْنَ بْنَ خَلَفٍ الْمُوصِدِيَّ، وَأَمَرَهُمْ بِالِانْقِيَادِ لِيُوسُفَ بْنِ زِيرِي. فَأَقَامَ بِسَرْدَانِيَةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتَّى فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ مَا يُرِيدُ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا، وَمَعَهُ يُوسُفُ بُلُكِّينُ وَهُوَ يُوصِيهِ بِمَا يَفْعَلُهُ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ سَلَفِ يُوسُفَ بُلُكِّينَ وَأَهْلِهِ مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ، وَرُدَّ يُوسُفُ إِلَى أَعْمَالِهِ، وَسَارَ إِلَى طَرَابُلُسَ وَمَعَهُ جُيُوشُهُ وَحَوَاشِيهِ، فَهَرَبَ مِنْهُ بِهَا جَمْعٌ مِنْ عَسْكَرِهِ إِلَى جِبَالِ نَفُوسَةَ فَطَلَبَهُمْ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَرْقَةَ وَمَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ هَانِئٍ الشَّاعِرُ الْأَنْدَلُسِيُّ، قُتِلَ غِيلَةً، فَرُؤِيَ مُلْقًى عَلَى جَانِبِ الْبَحْرِ قَتِيلًا لَا يُدْرَى مَنْ قَتَلَهُ، وَكَانَ قَتْلُهُ أَوَاخِرَ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَ مِنَ الشُّعَرَاءِ الْمُجِيدِينَ إِلَّا أَنَّهُ غَالَى فِي مَدْحِ الْمُعِزِّ حَتَّى كَفَّرَهُ الْعُلَمَاءُ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: مَا شِئْتَ لَا مَا شَاءَتِ الْأَقْدَارُ فَاحْكُمْ فَأَنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ وَقَوْلُهُ: وَلَطَالَ مَا زَاحَمْتُ حَوْلَ رِكَابِهِ جِبْرِيلَا وَمِنْ ذَلِكَ مَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ وَلَمْ أَجِدْهَا فِي دِيوَانِهِ قَوْلُهُ: حَلَّ بِرِقَّادَةَ الْمَسِيحُ حَلَّ بِهَا آدَمُ وَنُوحُ حَلَّ بِهَا اللَّهُ ذُو الْمَعَالِي فَكُلُّ شَىْءٍ سِوَاهُ رِيحُ وَرِقَّادَةُ اسْمُ مَدِينَةٍ بِالْقُرْبِ مِنَ الْقَيْرَوَانِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ مَنْ يَتَعَصَّبُ لَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ جَازَ حَدَّ الْمَدِيحِ. ثُمَّ سَارَ الْمُعِزُّ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ أَوَاخِرَ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ، وَأَتَاهُ أَهْلُ مِصْرَ وَأَعْيَانُهَا، فَلَقِيَهُمْ، وَأَكْرَمَهُمْ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَسَارَ فَدَخَلَ الْقَاهِرَةَ خَامِسَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَنْزَلَ عَسَاكِرَهُ مِصْرَ وَالْقَاهِرَةَ فِي الدِّيَارِ، وَبَقِيَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي الْخِيَامِ. وَأَمَّا يُوسُفُ بُلُكِّينُ فَإِنَّهُ لَمَّا عَادَ مِنْ وَدَاعِ الْمُعِزِّ أَقَامَ بِالْمَنْصُورِيَّةِ يَعْقِدُ الْوِلَايَاتِ لِلْعُمَّالِ عَلَى الْبِلَادِ، ثُمَّ سَارَ فِي الْبِلَادِ، وَبَاشَرَ الْأَعْمَالَ، وَطَيَّبَ قُلُوبَ النَّاسِ، فَوَثَبَ أَهْلُ بَاغَايَةَ عَلَى عَامِلِهِ فَقَاتَلُوهُ فَهَزَمُوهُ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ يُوسُفُ جَيْشًا فَقَاتَلَهُمْ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى يُوسُفَ يُعَرِّفُهُ الْحَالَ فَتَأَهَّبَ يُوسُفُ، وَجَمَعَ الْعَسَاكِرَ لِيَسِيرَ إِلَيْهِمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي التَّجَهُّزِ أَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ تَاهَرْتَ أَنَّ أَهْلَهَا قَدْ عَصَوْا، وَخَالَفُوا، وَأَخْرَجُوا عَامِلَهُ، فَرَحَلَ إِلَى تَاهَرْتَ فَقَاتَلَهَا، فَظَفِرَ بِأَهْلِهَا، وَخَرَّبَهَا، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِهَا أَنَّ زَنَاتَةَ قَدْ نَزَلُوا عَلَى تِلِمْسَانَ، فَرَحَلَ إِلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا مِنْهُ، وَأَقَامَ عَلَى تِلِمْسَانَ فَحَصَرَهَا مُدَّةً ثُمَّ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَعَفَا عَنْهُمْ، إِلَّا أَنَّهُ نَقَلَهُمْ إِلَى مَدِينَةَ أَشِيرَ، فَبَنَوْا عِنْدَهَا مَدِينَةً سَمَّوْهَا تِلْمِسَانَ. ثُمَّ إِنَّ زِيَادَةَ اللَّهِ بْنَ الْقُدَيْمِ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَامِلٍ آخَرَ كَانَ مَعَهُ، اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَاتِبُ، مُنَافَسَةٌ صَارَتْ إِلَى مُحَارَبَةٍ، وَاجْتَمَعَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا حُرُوبٌ عِدَّةُ دَفَعَاتٍ، وَكَانَ يُوسُفُ بُلُكِّينُ مَائِلًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ لِصُحْبَةٍ قَدِيمَةٍ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَبَضَ عَلَى ابْنِ الْقُدَيْمِ وَسَجَنَهُ وَاسْتَبَدَّ بِالْأُمُورِ بَعْدَهُ، وَبَقِيَ ابْنُ الْقُدَيْمِ مَحْبُوسًا حَتَّى تُوُفِّيَ الْمُعِزُّ بِمِصْرَ، وَقَوِيَ أَمْرُ يُوسُفَ بُلُكِّينَ. وَفِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ [ وَثَلَاثِمِائَةٍ ] طَلَعَ خَلَفُ بْنُ حُسَيْنٍ إِلَى قَلْعَةٍ مَنِيعَةٍ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْبَرْبَرِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْقُدَيْمِ الْمُسَاعِدِينَ لَهُ، فَسَمِعَ يُوسُفُ بِذَلِكَ، فَسَارَ إِلَيْهِ وَنَازَلَ الْقَلْعَةَ وَحَارَبَهُ، فَقُتِلَ بَيْنَهُمَا عِدَّةُ قَتْلَى، وَافْتَتَحَهَا، وَهَرَبَ خَلَفُ بْنُ حُسَيْنٍ، وَقُتِلَ مِمَّنْ كَانَ بِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَبَعَثَ إِلَى الْقَيْرَوَانِ مِنْ رُءُوسِهِمْ سَبْعَةَ آلَافِ رَأْسٍ، ثُمَّ أُخِذَ خَلَفٌ وَأُمِرَ بِهِ فَطِيفَ بِهِ عَلَى جَمَلٍ، ( ثُمَّ صُلِبَ ) وَسُيِّرَ رَأْسُهُ إِلَى مِصْرَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَهْلُ بَاغَايَةَ بِذَلِكَ خَافُوا، فَصَالَحُوا يُوسُفَ وَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ، فَأَخْرَجَهُمْ مِنْ بَاغَايَةَ وَخَرَّبَ سُورَهَا.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه