التاريخ 3892
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وثلاثمائة
ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ وَأُمَرَائِهِمْ فِي هَذِهِ السَّنَةِ خَالَفَ أَهْلُ جُرْجَنْتَ، وَهِيَ مِنْ بِلَادِ صِقِلِّيَةَ عَلَى أَمِيرِهِمْ سَالِمِ بْنِ رَاشِدٍ، وَكَانَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَيْهِمُ الْقَائِمُ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَكَانَ سَيِّئَ السِّيرَةِ فِي النَّاسِ، فَأَخْرَجُوا عَامِلَهُ عَلَيْهِمْ، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ سَالِمٌ جَيْشًا كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ، فَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ، فَهَزَمَهُمْ أَهْلُ جُرْجَنْتَ، وَتَبِعَهُمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ سَالِمٌ وَلَقِيَهُمْ، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَعَظُمَ الْخَطْبُ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ جُرْجَنْتَ فِي شَعْبَانَ. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ الْمَدِينَةِ خِلَافَ أَهْلِ جُرْجَنْتَ، خَرَجُوا أَيْضًا عَلَى سَالِمٍ وَخَالَفُوهُ، وَعَظُمَ شَغَبُهُمْ عَلَيْهِ، وَقَاتَلُوهُ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَهَزَمَهُمْ وَحَصَرَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْقَائِمِ بِالْمَهْدِيَّةِ يُعَرِّفُهُ أَنَّ أَهْلَ صِقِلِّيَةَ قَدْ خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ، وَخَالَفُوا عَلَيْهِ، وَيَسْتَمِدُّهُ، فَأَمَدَّهُ الْقَائِمُ بِجَيْشٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ خَلِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ، فَسَارُوا حَتَّى وَصَلُوا إِلَى صِقِلِّيَةَ، فَرَأَى خَلِيلٌ مِنْ طَاعَةِ أَهْلِهَا مَا سَرَّهُ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ مِنْ ظُلْمِ سَالِمٍ وَجَوْرِهِ، وَخَرَجَ إِلَيْهِ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ يَبْكُونَ وَيَشْكُونَ، فَرَقَّ النَّاسُ لَهُمْ، وَبَكَوْا لِبُكَائِهِمْ. وَجَاءَ أَهْلُ الْبِلَادِ إِلَى خَلِيلٍ وَأَهْلِ جُرْجَنْتَ، فَلَمَّا وَصَلُوا، اجْتَمَعَ بِهِمْ سَالِمٌ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الْقَائِمَ قَدْ أَرْسَلَ خَلِيلًا لِيَنْتَقِمَ مِنْهُمْ بِمَنْ قَتَلُوا مِنْ عَسْكَرِهِ، فَعَاوَدُوا الْخِلَافَ، فَشَرَعَ خَلِيلٌ فِي بِنَاءِ مَدِينَةٍ عَلَى مَرْسَى الْمَدِينَةِ وَحَصَّنَهَا، وَنَقَضَ كَثِيرًا مِنَ الْمَدِينَةِ، وَأَخَذَ أَبْوَابَهَا، وَسَمَّاهَا الْخَالِصَةَ. وَنَالَ النَّاسُ شِدَّةً فِي بِنَاءِ الْمَدِينَةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أَهْلَ جُرْجَنْتَ، فَخَافُوا وَتَحَقَّقَ عِنْدَهُمْ مَا قَالَ لَهُمْ سَالِمٌ، وَحَصَّنُوا مَدِينَتَهُمْ وَاسْتَعَدُّوا لِلْحَرْبِ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ خَلِيلٌ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَحَصَرَهُمْ، فَخَرَجُوا إِلَيْهِ وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ، وَاشْتَدَّ الْأَمْرُ، وَبَقِيَ ( مُحَاصِرًا لَهُمْ ) ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ لَا يَخْلُو يَوْمٌ مِنْ قِتَالٍ، وَجَاءَ الشِّتَاءُ فَرَحَلَ عَنْهُمْ فِي ذِي الْحِجَّةِ إِلَى الْخَالِصَةِ فَنَزَلَهَا. وَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ [ وَثَلَاثِمِائَةٍ ]، خَالَفَ عَلَى خَلِيلٍ جَمِيعُ الْقِلَاعِ وَأَهْلُ مَازَرَ، كُلُّ ذَلِكَ بِسَعْيِ أَهْلِ جُرْجَنْتَ، وَبَثُّوا سَرَايَاهُمْ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُهُمْ، وَكَاتَبُوا مَلِكَ الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ يَسْتَنْجِدُونَهُ، فَأَمَدَّهُمْ بِالْمَرَاكِبِ فِيهَا الرِّجَالُ وَالطَّعَامُ، فَكَتَبَ خَلِيلٌ إِلَى الْقَائِمِ يَسْتَنْجِدُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ جَيْشًا كَثِيرًا، فَخَرَجَ خَلِيلٌ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ فَحَصَرُوا قَلْعَةَ ( أَبِي ثَوْرٍ، فَمَلَكُوهَا وَكَذَلِكَ أَيْضًا الْبَلُّوطُ مَلَكُوهَا، وَحَصَرُوا قَلْعَةَ أَبَلَاطَنْوَا )، وَأَقَامُوا عَلَيْهَا حَتَّى انْقَضَتْ سَنَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ. فَلَمَّا دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ، رَحَلَ خَلِيلٌ عَنْ أَبَلَاطَنْوَا، وَحَصَرَ جُرْجَنْتَ وَأَطَالَ الْحِصَارَ، ثُمَّ رَحَلَ عَنْهَا وَتَرَكَ عَلَيْهَا عَسْكَرًا يُحَاصِرُهَا، مُقَدِّمُهُمْ أَبُو خَلَفِ بْنُ هَارُونَ، فَدَامَ الْحِصَارُ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، فَسَارَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا إِلَى بِلَادِ الرُّومِ، وَطَلَبَ الْبَاقُونَ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ عَلَى أَنْ يَنْزِلُوا مِنَ الْقَلْعَةِ، فَلَمَّا نَزَلُوا غَدَرَ بِهِمْ وَحَمَلَهُمْ إِلَى الْمَدِينَةِ. فَلَمَّا رَأَى أَهْلُ سَائِرِ الْقِلَاعِ ذَلِكَ أَطَاعُوا، فَلَمَّا عَادَتِ الْبِلَادُ الْإِسْلَامِيَّةُ إِلَى طَاعَتِهِ، رَحَلَ عَنْ إِفْرِيقِيَّةَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَأَخَذَ مَعَهُ وُجُوهَ أَهْلِ جُرْجَنْتَ، وَجَعَلَهُمْ فِي مَرْكِبٍ، وَأَمَرَ بِنَقْبِهِ وَهُوَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرُ فَغَرِقُوا.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه