التاريخ 1778
تجهيز النبي ﷺ ودفنه
وقد اشتغل الصحابة ؓ، بِبَيْعَةِ الصِّدِّيقِ بَقِيَّةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَبَعْضَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ، فَلَمَّا تَمَهَّدَتْ وَتَوَطَّدَتْ وَتَمَّتْ، شَرَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَجْهِيزِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مُقْتَدِينَ فِي كُلِّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ بِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ؓ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ أَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى جِهَازِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، وَأَبُو دَاوُدَ وَمُسَدَّدٌ، وَأَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ثِيَابَهُ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا، أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النُّوَّمَ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ أَنْ غَسَّلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، فَغَسَلُوهُ يُفَاضُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيُدَلِّكُونَهُ بِالْقَمِيصِ دُونَ أَيْدِيهِمْ [فَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرَى مَا اسْتَدْبَرْتُ، مَا غَسَّلَهُ إِلَّا نِسَاؤُهُ]. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: لَمَّا أَخَذْنَا فِي جِهَازِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَغْلَقْنَا الْبَابَ دُونَ النَّاسِ جَمِيعًا، فَنَادَتِ الْأَنْصَارُ: نَحْنُ أَخْوَالُهُ، وَمَكَانُنَا مِنَ الْإِسْلَامِ مَكَانُنَا. وَنَادَتْ قُرَيْشٌ: نَحْنُ عُصْبَتُهُ، فَصَاحَ أَبُو بَكْرٍ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، كُلُّ قَوْمٍ أَحَقُّ بِجِنَازَتِهِمْ مِنْ غَيْرِهِمْ فَنَنْشُدُكُمُ اللَّهَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ دَخَلْتُمْ أَخَّرْتُمُوهُمْ عَنْهُ، وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ دُعِيَ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: غَسَّلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ مَا يَكُونُ مِنَ الْمَيِّتِ، فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَكَانَ طَيِّبًا حَيًّا وَمَيِّتًا [وَوَلِيَ دَفْنَهُ وَإِخْبَاءَهُ دُونَ النَّاسِ أَرْبَعَةٌ: عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ، وَصَالِحٌ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلُحِدَ رَسُولُ اللَّهِ لَحْدًا، وَنُصِبَ عَلَيْهِ اللَّبِنُ نَصْبًا . وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَالْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْهُ قَالَ: أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا يُغَسِّلَهُ أَحَدٌ غَيْرِي؛ فَإِنَّهُ لَا يَرَى أَحَدٌ عَوْرَتَهُ إِلَّا طُمِسَتْ عَيْنَاهُ. قَالَ عَلِيٌّ: فَكَانَ الْفَضْلُ وَأُسَامَةُ يُنَاوِلَانِ الْمَاءَ مِنْ وَرَاءِ السَّتْرِ وَهُمَا مَعْصُوبَا الْعَيْنِ. قَالَ عَلِيٌّ: فَمَا تَنَاوَلْتُ عُضْوًا إِلَّا كَأَنَّمَا يُقَلِّبُهُ مَعِي ثَلَاثُونَ رَجُلًا حَتَّى فَرَغْتُ مِنْ غُسْلِهِ. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ مُرْسَلًا وَفِيهِ ضَعْفٌ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَمَا كُنَّا نُرِيدُ أَنْ نَرْفَعَ مِنْهُ عُضْوًا لِنَغْسِلَهُ إِلَّا رُفِعَ لَنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى عَوْرَتِهِ، فَسَمِعْنَا مِنْ جَانِبِ الْبَيْتِ صَوْتًا لَا تَكْشِفُوا عَنْ عَوْرَةِ نَبِيِّكُمْ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَقُولُ: طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَقَالَ: وَسَطَعَتْ رِيحٌ طَيِّبَةٌ لَمْ يَجِدُوا مِثْلَهَا قَطُّ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ قَالَ: غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَشُقْرَانُ، وَوَلِي غُسْلَ سِفْلَتِهِ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ مُحْتَضِنُهُ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَشُقْرَانُ يَصُبُّونَ الْمَاءَ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ الْعَبَّاسَ لَمْ يَحْضُرْ غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لِأَنِّي كُنْتُ أَرَاهُ يَسْتَحِي أَنْ أَرَاهُ حَاسِرًا. وَفِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ أَنَّهُ حَضَرَ غُسْلَهُ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ ؓ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « إِذَا أَنَا مُتُّ فَاغْسِلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ بِئْرِ غَرْسٍ ». وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: غُسِّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثًا بِالسِّدْرِ، وَغُسِّلَ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَغُسِّلَ مِنْ بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا الْغَرْسُ [ لِسَعْدِ بْنِ حَيْثَمَةَ بِقُبَاءَ] وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَشْرَبُ مِنْهَا وَوَلِيَ غُسْلَهُ عَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ مُحْتَضِنُهُ، وَالْعَبَّاسُ يَصُبُّ الْمَاءَ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَقُولُ: أَرِحْنِي، قَطَعْتَ وَتِينِي، إِنِّي لَأَجِدُ شَيْئًا يَتَرَطَّلُ عَلَيَّ مَرَّتَيْنِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ قَالَ: اجْتَمَعَ الْقَوْمُ لِغُسْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَ فِي الْبَيْتِ إِلَّا أَهْلَهُ: عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَقُثَمُ بْنُ عَبَّاسٍ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، وَصَالِحٌ مَوْلَاهُ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا لِغُسْلِهِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ، وَهُوَ أَوْسُ بْنُ خَوْلِيٍّ الْأَنْصَارِيُّ، أَحَدُ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ بَدْرِيًّا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: يَا عَلِيُّ نَنْشُدُكَ اللَّهَ وَحَظَّنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: ادْخُلْ، فَدَخَلَ، فَحَضَرَ غُسْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَلِ مِنْ غُسْلِهِ شَيْئًا، فَأَسْنَدَهُ عَلِيٌّ إِلَى صَدْرِهِ، وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثْمٌ يُقَلِّبُونَهُ مَعَ عَلِيٍّ، وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَصَالِحٌ مَوْلَاهُ يَصُبَّانِ الْمَاءَ، وَجَعَلَ عَلِيٌّ يُغَسِّلُهُ وَلَمْ يَرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِمَّا يُرَى مِنَ الْمَيِّتِ، وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي، مَا أَطْيَبَكَ حَيًّا وَمَيِّتًا! حَتَّى إِذَا فَرَغُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ يُغَسَّلُ بِالْمَاءِ وَالسِّدْرِ جَفَّفُوهُ، ثُمَّ صَنَعَ بِهِ مَا يُصْنَعُ بِالْمَيِّتِ. وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَالْحَاكِمُ فِي «الْإِكْلِيلِ» عَنْ هَارُونَ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَ عَلِيٍّ مِسْكٌ، فَأَوْصَى أَنْ يُحَنَّطَ بِهِ، وَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: هُوَ فَضْلُ حَنُوطِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. . [وقَالَ أَحْمَدُ: وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ حَسَنِ بْنِ صَالِحٍ]، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، قَالَ: كَانَ الْمَاءُ يَسْتَبْقِعُ فِي جُفُونِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكَانَ عَلِيٌّ يَحْسُوهُ. وقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فِي مُوَطَّئِهِ: رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ عُفَيْرٍ: حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «غُسِّلَ فِي قَمِيصٍ» . قَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ خَاصًّا بِهِ؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ أَنْ يُجَرَّدَ الْمَيِّتُ وَلَا يُغَسَّلَ فِي قَمِيصِهِ. انْتَهَى. قُلْتُ: الْأَصْلُ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ حَتَّى يَقُومَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ وَلَمْ يُوجَدْ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.