MajelisNoteدليل

التاريخ 1434

فتح مكة

دُخُولِهِ ﷺ مَكَّةَ وَإِرْسَالِ طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ أَمَامَهُ وَإِرَادَةِ بَعْضِ الْمُشْرِكِينَ صَدَّهُمْ عَنْ دُخُولِهِمْ، وَقَتْلِ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ   قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَغَيْرُهُ: لَمَّا ذَهَبَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ بَعْدَ مَا عَايَنَ جُنُودَ اللَّهِ - تَعَالَى - تَمُرُّ عَلَيْهِ، فَانْتَهَى الْمُسْلِمُونَ إِلَى ذِي طُوًى، فَوَقَفُوا يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَلَاحَقَ النَّاسُ، وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ، وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ، مُعْتَجِرًا بِشِقِّ بُرْدٍ حَبِرَةٍ حَمْرَاءَ. وَعَنْ أَنَسٍ ؓ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَشْرَفَهُ النَّاسُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى رَحْلِهِ مُتَخَشِّعًا، رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ قَوِيٍّ، وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَرَايَتُهُ سَوْدَاءُ، وَلِوَاؤُهُ أَسْوَدُ حَتَّى وَقَفَ بِذِي طُوًى، وَتَوَسَّطَ النَّاسَ، وَإِنَّ عُثْنُونَهُ لَيَمَسُّ وَاسِطَةَ رَحْلِهِ، أَوْ يَقْرُبُ مِنْهَا تَوَاضُعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ رَأَى مَا رَأَى مِنْ فَتْحِ اللَّهِ تَعَالَى، وَكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ وَقَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ، ثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ بَالَوَيْهِ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَاعِدٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي الْحَارِثِ، ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَأَخَذَتْهُ الرِّعْدَةُ، فَقَالَ: " هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ. وَهَذَا التَّوَاضُعُ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ عِنْدَ دُخُولِهِ ﷺ مَكَّةَ،  فِي مِثْلِ هَذَا الْجَيْشِ الْكَثِيفِ الْعَرَمْرَمِ، بِخِلَافِ مَا اعْتَمَدَهُ سُفَهَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، حِينَ أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا بَابَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَهُمْ سُجُودٌ، أَيْ رُكَّعٌ، يَقُولُونَ: حِطَّةٌ. فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ  وَهُمْ يَقُولُونَ: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرَةٍ. قَالَ: وَجَعَلَتِ الْخَيْلُ تَمْعُجُ بِذِي طُوًى فِي كُلِّ وَجْهٍ، ثُمَّ ثَابَتْ وَسَكَنَتْ حِينَ تَوَسَّطَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ. وَعَنْ أَنَسٍ - ؓ: أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالْأَرْبَعَةُ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ - ؓ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ خَرْقَانِيَّةٌ، وَقَدْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ مَنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ. وَعَنْ جَابِرٍ ؓ قَالَ: كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ دَخَلَ مَكَّةَ أَبْيَضَ، رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ. وَعَنْ عَائِشَةَ ؓ قَالَتْ: كَانَ لِوَاءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ أَبْيَضَ، وَرَايَتُهُ سَوْدَاءَ تُسَمَّى الْعُقَابَ، وَكَانَتْ قِطْعَةُ مِرْطٍ مُرَحَّلٍ، رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ؓ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ، رَأَى النِّسَاءَ يَلْطُمْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِالْخُمُرِ، فَتَبَسَّمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ كَيْفَ قَالَ حَسَّانُ” فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ، قَوْلَ حَسَّانَ - ؓ: عَدِمْتُ بَنِيَّتِي إِنْ لَمْ تَرَوْهَا تُثِيرُ النَّقْعَ مِنْ كَتِفَيَّ كَدَاءُ     يُنَازِعْنَ الْأَعِنَّةَ مُسْرَجَاتُ يَلْطِمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ادْخُلُوهَا مِنْ حَيْثُ قَالَ حَسَّانَ”. [ طَرِيقُ الْمُسْلِمِينَ فِي دُخُولِ مَكَّةَ   ] وَفِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ عَنْ عُرْوَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، وَأَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ بِالْحَجُونِ، وَلَا يَبْرَحَ حَتَّى يَأْتِيَهُ”. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَا هُنَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ تُرَكِّزَ الرَّايَةَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ - وَكَانَ عَلَى الْمُجَنِّبَةِ الْيُمْنَى، وَفِيهَا أَسْلَمُ، وَسُلَيْمٌ، وَغِفَارٌ، وَمُزَيْنَةُ، وَجُهَيْنَةُ، وَقَبَائِلُ مِنَ الْعَرَبِ - أَنْ يَدْخُلُوا مِنِ اللَّيْطِ، وَهُوَ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَغْرِزَ رَايَتَهُ عِنْدَ أَدْنَى الْبُيُوتِ وَأَمَرَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ؓ عَلَى الْحُسَّرِ، كَمَا عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ كَانَ عَلَى الْبَيَاذِقَةِ، يَعْنِي الرَّجَّالَةَ. وَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ أَقْبَلَ بِالصَّفِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَنْصُبُ لِمَكَّةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالُوا: وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَرَاءَهُ أَنْ يَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ، وَلَا يُقَاتِلُوا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمْ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو، - وَأَسْلَمُوا بَعْدَ ذَلِكَ - دَعَوْا إِلَى قِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَجَمَعُوا أُنَاسًا بِالْخَنْدَمَةِ وَضَوَى إِلَيْهِمْ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَهُذَيْلٍ، وَلَبِسُوا السِّلَاحَ، يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا مُحَمَّدٌ عَنْوَةً أَبَدًا، وَكَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الدِّيلِ يُقَالُ لَهُ جِمَاشُ - بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ - وَبِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ - بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ لَمَّا سَمِعَ بِدُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جَعَلَ يُصْلِحُ سِلَاحَهُ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: لِمَنْ تُعِدُّ هَذَا ؟ قَالَ: لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَرَى يَقُومُ لِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ. قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَخْدِمَكَ بَعْضَهُمْ فَإِنَّكَ مُحْتَاجَةٌ إِلَيْهِ قَالَتْ: وَيْلَكَ: لَا تَفْعَلْ، وَلَا تُقَاتِلْ مُحَمَّدًا وَاللَّهِ لِيَضِلَّنَّ عَنْكَ رَأْيُكَ، لَوْ قَدْ رَأَيْتَ مُحَمَّدًا، وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سَتَرَيْنَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ يُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَا لِي عَلَّهُ     هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلْهَ وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السَّلَّهْ ثُمَّ شَهِدَ الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَعِكْرِمَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ الْجَمْعَ الْمَذْكُورَ، فَمَنَعُوهُ الدُّخُولَ، وَشَهَرُوا لَهُ السِّلَاحَ، وَرَمَوْهُ بِالنَّبْلِ، وَقَالُوا: لَا تَدْخُلُهَا عَنْوَةً، فَصَاحَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَاتَلَهُمْ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ، وَأَرْبَعَةٌ مِنْ هُذَيْلٍ. وقُتِلَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ، أَحَدُ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ، وَخُنَيْسُ بْنُ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ أَصْرَمَ، حَلِيفُ بَنِي مُنْقَذٍ، وَكَانَا فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَشَذَّا عَنْهُ فَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ فَقُتِلَا جَمِيعًا، قُتِلَ خُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ قَبْلَ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ، فَجَعَلَهُ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَاتَلَ عَنْهُ حَتَّى قُتِلَ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ صَفْرَاءُ مِنْ بَنِي فِهِرْ     نَقِيَّةُ الْوَجْهِ نَقِيَّةُ الصَّدِرْ لَأَضْرِبَنَّ الْيَوْمَ عَنْ أَبِي صَخِرْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ خُنَيْسٌ يُكْنَى أَبَا صَخْرٍ، قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: خُنَيْسُ بْنُ خَالِدٍ، مِنْ خُزَاعَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ، قَالَا: وَأُصِيبَ مِنْ جُهَيْنَةَ سَلَمَةُ بْنُ الْمَيْلَاءِ، مِنْ خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أُصِيبَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَرِيبٌ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، وَانْهَزَمُوا أَقْبَحَ الِانْهِزَامِ، حَتَّى قُتِلُوا بِالْحَزْوَرَةِ، وَهُمْ مُوَلُّونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَانْطَلَقَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَوْقَ رَؤُوسِ الْجِبَالِ، وَأَتْبَعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَجَعَلَ خَالِدٌ ؓ يَتَمَثَّلُ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ: إِذَا مَا رَسُولُ اللَّهِ فِينَا رَأَيْتُهُ     كَلُجَّةِ بَحْرٍ نَالَ فِيهَا سَرِيرَهَا إِذَا مَا ارْتَدَيْنَا الْفَارِسِيَّةَ فَوْقَهَا     رُدَيْنِيَّةً يَهْدِي الْأَصَمَّ خَرِيرُهَا رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِينَا مُحَمَّدًا     لَهَا نَاصِرًا عَزَّتْ وَعَزَّ نَصِيرُهَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَحُنَيْنٍ وَالطَّائِفِ: يَا بَنِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَشِعَارُ الْخَزْرَجِ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، وَشِعَارُ الْأَوْسِ: يَا بَنِي عُبَيْدِ اللَّهِ. وَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَصِيحَانِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ عَلَامَ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ؟ ! مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ وَضَعَ السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَقْتَحِمُونَ الدُّورَ وَيُغْلِقُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَطْرَحُونَ السِّلَاحَ فِي الطُّرُقِ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَرَجَعَ جِمَاشٌ مُنْهَزِمًا حَتَّى انْتَهَى إِلَى بَيْتِهِ، فَدَقَّهُ، فَفَتَحَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ، فَدَخَلَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رُوحُهُ، فَقَالَتْ لَهُ: أَيْنَ الْخَادِمُ. الَّذِي وَعَدْتَنِي ؟ مَا زِلْتُ مُنْتَظِرَةً لَكَ مُنْذُ الْيَوْمِ - تَسْخَرُ مِنْهُ - فَقَالَ: دَعِي هَذَا عَنْكِ، وأَغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي، ثُمَّ قَالَ: إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَةْ     إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ وَأَبُو يَزِيدَ كَالْعَجُوزِ الْمُؤَتَمَّهْ     وَاسْتَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَةْ     ضَرْبًا فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا الْغَمْغَمَةْ لَهُمْ نَهَيْتُ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ     لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ وَأَقْبَلَ الزُّبَيْرُ ؓ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْحَجُونِ عِنْدَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ الزُّبَيْرِ، أَخْطَآ الطَّرِيقَ فَسَلَكَا غَيْرَهُ فَقُتِلَا، وَهُمَا كَرَزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيُّ وَحُبَيْشُ - بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَضْمُومَةٍ، فَمُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَةٍ، فَتَحْتِيَّةٍ سَاكِنَةٍ فَشِينٍ مُعْجَمَةٍ - بْنُ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْأَشْعَرِ - بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ، وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ - الْكَعْبِيُّ ؓ وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ مَكَّةَ مِنْ أَذَاخِرَ، فَلَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَذَاخِرَ، نَظَرَ إِلَى الْبَارِقَةِ مَعَ فَضَضِ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: «مَا هَذِهِ الْبَارِقَةُ ؟ ! أَلَمْ أُنْهَ عَنِ الْقِتَالِ ؟ ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ قُوتِلَ وَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ مَا قَاتَلَ، وَمَا كَانَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِيَعْصِيَكَ، وَلَا يُخَالِفَ أَمْرَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ”. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ” الْحَدِيثَ، فَقِيلَ: هَذَا خَالِدٌ يَقْتُلُ، فَقَالَ: «قُمْ يَا فُلَانُ فَقُلْ لَهُ فَلْيَرْفَعْ يَدَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ” فَأَتَاهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَكَ، اقْتُلْ مَنْ قَدَرَتْ عَلَيْهِ، فَقَتَلَ سَبْعِينَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى خَالِدٍ «أَلَمْ أَنْهَكَ عَنِ الْقَتْلِ ؟ !” فَقَالَ: جَاءَنِي فُلَانٌ فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْتُلَ مَنْ قَدَرْتُ عَلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ «أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ تُنْذِرَ خَالِدًا ؟ ” قَالَ: أَرَدْتُ أَمْرًا فَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا، فَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ فَوْقَ أَمْرِكَ، وَمَا اسْتَطَعْتُ إِلَّا الَّذِي كَانَ، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا رَدَّ عَلَيْهِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَمُسْلِمٌ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؓ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، وَبَّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا وَأَتْبَاعًا، فَقَالُوا: نُقَدِّمُ هَؤُلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ كُنَّا مَعَهُمْ، وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الَّذِي سُئِلْنَا فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ” قُلْتُ: لَبَّيْكَ، قَالَ: «اهْتِفْ بِالْأَنْصَارِ، وَلَا يَأْتِينِي إِلَّا أَنْصَارِيٌّ” قَالَ: فَفَعَلْتُ مَا أَمَرَنِي بِهِ، فَأَتَوْهُ، فَقَالَ: «انْظُرُوا قُرَيْشًا وَأَوْبَاشَهُمْ فَاحْصُدُوهُمْ حَصْدًا” ثُمَّ قَالَ بِيَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، فَانْطَلَقْنَا فَمَا أَحَدٌ يُوَجِّهُ إِلَيْنَا شَيْئًا، وَمَا مِنَّا أَحَدٌ يُرِيدُ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا أَخْذَهُ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ” فَأَلْقَى النَّاسُ سِلَاحَهُمْ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ عَنْ جَابِرٍ ؓ قَالَ: كُنْتُ مِمَّنْ لَزِمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلْتُ مَعَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ فَلَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَذَاخِرَ، وَرَأَى بُيُوتَ مَكَّةَ، وَقَفَ عَلَيْهَا فَحَمِدَ اللَّهَ - وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَنَظَرَ إِلَى مَوْضِعِ قُبَّتِهِ فَقَالَ: هَذَا مَنْزِلُنَا يَا جَابِرُ حَيْثُ تَقَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَيْنَا فِي كُفْرِهَا” قَالَ جَابِرٌ: فَذَكَرْتُ حَدِيثًا كُنْتُ سَمِعْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ، «مَنْزِلُنَا إِذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنَا مَكَّةَ فِي خِيفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ”. وَفِيهَا: جَوَازُ دُخُولِ مَكَّةَ لِلْقِتَالِ الْمُبَاحِ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ  ، كَمَا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ إِلَّا بِإِحْرَامٍ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الدُّخُولُ لِحَاجَةٍ مُتَكَرِّرَةٍ، كَالْحَشَّاشِ وَالْحَطَّابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ دُخُولُهَا إِلَّا بِإِحْرَامٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ ؓ، وأحمد فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَالْحَشَّاشِ وَالْحَطَّابِ، فَيَدْخُلُهَا بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أحمد. وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ إِنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ، جَازَ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ، وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَوَاقِيتِ لَمْ يَدْخُلْ إِلَّا بِإِحْرَامٍ، وَهَذَا مَذْهَبُ أبي حنيفة، وَهَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْلُومٌ فِي الْمُجَاهِدِ، وَمُرِيدِ النُّسُكِ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُمَا فَلَا وَاجِبَ إِلَّا مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ. فَصْلٌ وَفِي الْقِصَّةِ: أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ السَّوَادِ أَحْيَانًا، وَمِنْ ثَمَّ جَعَلَ خُلَفَاءُ بَنِي الْعَبَّاسِ لُبْسَ السَّوَادِ  شِعَارًا لَهُمْ، وَلِوُلَاتِهِمْ، وَقُضَاتِهِمْ، وَخُطَبَائِهِمْ، وَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَلْبَسْهُ لِبَاسًا رَاتِبًا، وَلَا كَانَ شِعَارَهُ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَالْمَجَامِعِ الْعِظَامِ الْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ لَهُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ السَّوْدَاءِ يَوْمَ الْفَتْحِ دُونَ سَائِرِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَكُنْ سَائِرُ لِبَاسِهِ يَوْمَئِذٍ السَّوَادَ، بَلْ كَانَ لِوَاؤُهُ أَبْيَضَ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا