Tarikh (al-Tabari) 5602
Then the year 514 AH began
ذِكْرُ وَفَاةِ الْمَهْدِيِّ وَوِلَايَةِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ لَمَّا سَيَّرَ الْجَيْشَ إِلَى حِصَارِ مُرَّاكِشَ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ الْهَزِيمَةِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ، وَسَأَلَ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَقِيلَ: هُوَ سَالِمٌ، فَقَالَ: مَا مَاتَ أَحَدٌ، الْأَمْرُ قَائِمٌ، وَهُوَ الَّذِي يَفْتَحُ الْبِلَادَ. وَوَصَّى أَصْحَابَهُ بِاتِّبَاعِهِ، وَتَقْدِيمِهِ، وَتَسْلِيمِ الْأَمْرِ إِلَيْهِ، وَالِانْقِيَادِ لَهُ، وَلَقَّبَهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. ثُمَّ مَاتَ الْمَهْدِيُّ، وَكَانَ عُمُرُهُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَقِيلَ: خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً، وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ عِشْرِينَ سَنَةً، وَعَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَى تِينِ مَلَّلَ، وَأَقَامَ بِهَا يَتَأَلَّفُ الْقُلُوبَ، وَيُحْسِنُ إِلَى النَّاسِ، وَكَانَ جَوَادًا مِقْدَامًا فِي الْحُرُوبِ، ثَابِتًا فِي الْهَزَاهِزِ، إِلَى أَنْ دَخَلَتْ سَنَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَتَجَهَّزَ وَسَارَ فِي جَيْشٍ كَثِيرٍ، وَجَعَلَ يَمْشِي مَعَ الْجَبَلِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى تَادَلَةَ، فَمَانَعَهُ أَهْلُهَا، وَقَاتَلُوهُ، فَقَهَرَهُمْ، وَفَتَحَهَا وَسَائِرَ الْبِلَادِ الَّتِي تَلِيهَا وَمَشَى فِي الْجِبَالِ يَفْتَحُ مَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ، وَأَطَاعَتْهُ صَنْهَاجَةُ الْجَبَلِ. وَكَانَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ قَدْ جَعَلَ وَلِيَّ عَهْدِهِ ابْنَهُ سَيْرَ، فَمَاتَ، فَأَحْضَرَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ ابْنَهُ تَاشَفِينَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهَا، فَلَمَّا حَضَرَ عِنْدَهُ جَعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَجَعَلَ مَعَهُ جَيْشًا، وَصَارَ يَمْشِي فِي الصَّحْرَاءِ قُبَالَةَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي الْجِبَالِ. عام النواظر وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ كَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فِي النَّوَاظِرِ، وَهُوَ جَبَلٌ عَالٍ مُشْرِفٌ، وَتَاشَفِينُ فِي الْوَطْأَةِ، وَكَانَ يَخْرُجُ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ قَوْمٌ يَتَرَامَوْنَ وَيَتَطَارَدُونَ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا لِقَاءٌ، وَيُسَمَّى عَامَ النَّوَاظِرِ. تَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مَعَ الْجَبَلِ فِي الشَّعْرَاءِ وَفِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ تَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، مَعَ الْجَبَلِ، فِي الشَّعْرَاءِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى جَبَلِ كَرْنَاطَةَ، فَنَزَلَ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ، بَيْنَ شَجَرٍ، وَنَزَلَ تَاشَفِينُ قُبَالَتَهُ، فِي الْوَطْأَةِ فِي أَرْضٍ لَا نَبَاتَ فِيهَا، وَكَانَ الْفَصْلُ شَاتِيًا، فَتَوَالَتِ الْأَمْطَارُ أَيَّامًا كَثِيرَةً لَا تُقْلِعُ، فَصَارَتِ الْأَرْضُ الَّتِي فِيهَا تَاشَفِينُ وَأَصْحَابُهُ كَثِيرَةَ الْوَحْلِ، تَسُوخُ فِيهَا قَوَائِمُ الْخَيْلِ إِلَى صُدُورِهَا، وَيَعْجِزُ الرَّجُلُ عَنِ الْمَشْيِ فِيهَا، وَتَقَطَّعَتِ الطُّرُقُ عَنْهُمْ، فَأَوْقَدُوا رِمَاحَهُمْ، وَقَرَابِيسَ سُرُوجِهِمْ، وَهَلَكُوا جُوعًا وَبَرْدًا وَسُوءَ حَالٍ. وَكَانَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ وَأَصْحَابُهُ فِي أَرْضٍ خَشِنَةٍ صُلْبَةٍ فِي الْجَبَلِ، لَا يُبَالُونَ بِشَيْءٍ، وَالْمِيرَةُ مُتَّصِلَةٌ إِلَيْهِمْ، وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ سَيَّرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ جَيْشًا إِلَى وَجْرَةَ مِنْ أَعْمَالِ تِلِمْسَانَ، وَمُقَدَّمُهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ رِقْوٍ، وَهُوَ مِنْ أَيْتَ خَمْسِينَ، فَبَلَغَ خَبَرُهُمْ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ فَانُّوا، مُتَوَلِّي تِلِمْسَانَ، فَخَرَجَ فِي جَيْشٍ مِنَ الْمُلَثَّمِينَ، فَالْتَقَوْا بِمَوْضِعٍ يُعْرَفُ بِخَنْدَقِ الْخَمْرِ، فَهَزَمَهُمْ جَيْشُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، وَقُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَغَنِمُوا مَا مَعَهُمْ وَرَجَعُوا، فَتَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بِجَمِيعِ جَيْشِهِ إِلَى غَمَارَةَ، فَأَطَاعُوهُ قَبِيلَةٌ بَعْدَ قَبِيلَةٍ، وَأَقَامَ عِنْدَهُمْ مُدَّةً. وَمَا بَرِحَ يَمْشِي فِي الْجِبَالِ، وَتَاشَفِينُ يُحَاذِيهِ فِي الصَّحَارِي، فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، فَتُوُفِّيَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بِمُرَّاكِشَ وَمَلَكَ بَعْدَهُ ابْنُهُ تَاشَفِينُ، فَقَوِيَ طَمَعُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي الْبِلَادِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْزِلِ الصَّحْرَاءَ. تَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَى تِلِمْسَانَ وَفِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ تَوَجَّهَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَى تِلِمْسَانَ، فَنَازَلَهَا، وَضَرَبَ خِيَامَهُ فِي جَبَلٍ بِأَعْلَاهَا، وَنَزَلَ تَاشَفِينُ عَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْبَلَدِ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ مُنَاوَشَةٌ، فَبَقُوا كَذَلِكَ إِلَى سَنَةِ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَرَحَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ عَنْهَا إِلَى جَبَلِ تَاجِرَةَ، وَوَجَّهَ جَيْشًا مَعَ عُمَرَ الْهِنْتَاتِيِّ إِلَى مَدِينَةِ وَهْرَانَ، فَهَاجَمَهَا بَغْتَةً، وَحَصَّلَ هُوَ وَجَيْشُهُ فِيهَا، فَسَمِعَ بِذَلِكَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فَسَارَ إِلَيْهَا، فَخَرَجَ مِنْهَا عُمَرُ، وَنَزَلَ تَاشَفِينُ بِظَاهِرِ وَهْرَانَ، عَلَى الْبَحْرِ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَجَاءَتْ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ مِنْهُ، وَهِيَ لَيْلَةٌ يُعَظِّمُهَا أَهْلُ الْمَغْرِبِ، وَبِظَاهِرِ وَهْرَانَ رَبْوَةٌ مُطِلَّةٌ عَلَى الْبَحْرِ، وَبِأَعْلَاهَا ثَنِيَّةٌ يَجْتَمِعُ فِيهَا الْمُتَعَبِّدُونَ وَهُوَ مَوْضِعٌ مُعَظَّمٌ عِنْدَهُمْ، فَسَارَ إِلَيْهِ تَاشَفِينُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مُتَخَفِّيًا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ إِلَّا النَّفَرُ الَّذِينَ مَعَهُ، وَقَصَدَ التَّبَرُّكَ بِحُضُورِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَعَ أُولَئِكَ الْجَمَاعَةِ الصَّالِحِينَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى عُمَرَ بْنِ يَحْيَى الْهَنْتَاتِيِّ، فَسَارَ لِوَقْتِهِ بِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ إِلَى ذَلِكَ الْمُتَعَبَّدِ، وَأَحَاطُوا بِهِ، وَمَلَكُوا الرَّبْوَةَ، فَلَمَّا خَافَ تَاشَفِينُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَأْخُذُوهُ رَكِبَ فَرَسَهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ إِلَى جِهَةِ الْبَحْرِ، فَسَقَطَ مِنْ جُرُفٍ عَالٍ عَلَى الْحِجَارَةِ فَهَلَكَ، وَرُفِعَتْ جُثَّتُهُ عَلَى خَشَبَةٍ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ كَانَ مَعَهُ. وَقِيلَ إِنَّ تَاشَفِينَ قَصَدَ حِصْنًا هُنَاكَ عَلَى رَابِيَةٍ، وَلَهُ فِيهِ بُسْتَانٌ كَبِيرٌ فِيهِ مِنْ كُلِّ الثِّمَارِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ عُمَرَ الْهِنْتَاتِيَّ، مُقَدَّمَ عَسْكَرِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، سَيَّرَ سَرِيَّةً إِلَى الْحِصْنِ، يُعْلِمُهُمْ بِضِعْفِ مَنْ فِيهِ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنْ تَاشَفِينَ فِيهِ، فَأَلْقَوُا النَّارَ فِي بَابِهِ فَاحْتَرَقَ، فَأَرَادَ تَاشَفِينُ الْهَرَبَ، فَرَكِبَ فَرَسَهُ، فَوَثَبَ الْفَرَسُ مِنْ دَاخِلِ الْحِصْنِ إِلَى خَارِجِ السُّورِ، فَسَقَطَ فِي النَّارِ، فَأُخِذَ تَاشَفِينُ، فَاعْتَرَفَ، فَأَرَادُوا حَمْلَهُ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، فَمَاتَ فِي الْحَالِ لِأَنَّ رَقَبَتَهُ كَانَتْ قَدِ انْدَقَّتْ، فَصُلِبَ، وَقُتِلَ كُلُّ مَنْ مَعَهُ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُهُ وَلَمْ يَعُدْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ. وَمَلَكَ بَعْدَهُ أَخُوهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ. وَلَمَّا قُتِلَ تَاشَفِينُ أَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بِالْخَبَرِ، فَجَاءَ مِنْ تَاجِرَةَ فِي يَوْمِهِ بِجَمِيعِ عَسْكَرِهِ، وَتَفَرَّقَ عَسْكَرُ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، وَاحْتَمَى بَعْضُهُمْ بِمَدِينَةِ وَهْرَانَ، فَلَمَّا وَصَلَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ دَخَلَهَا بِالسَّيْفِ، وَقَتَلَ فِيهَا مَا لَا يُحْصَى. ثُمَّ سَارَ إِلَى تِلِمْسَانَ، وَهُمَا مَدِينَتَانِ بَيْنَهُمَا شَوْطُ فَرَسٍ، إِحْدَاهُمَا تَاهَرْتُ، وَبِهَا عَسْكَرُ الْمُسْلِمِينَ، وَالْأُخْرَى أَقَادِيرُ، وَهِيَ بِنَاءٌ قَدِيمٌ، فَامْتَنَعَتْ أَقَادِيرُ، وَغَلَّقَتْ أَبْوَابَهَا، وَتَأَهَّبَ أَهْلُهَا لِلْقِتَالِ. دخول عبد المؤمن تاهرت وَأَمَّا تَاهَرْتُ، فَكَانَ فِيهَا يَحْيَى بْنُ الصَّحْرَاوِيَّةِ، فَهَرَبَ مِنْهَا بِعَسْكَرِهِ إِلَى مَدِينَةِ فَاسَ، وَجَاءَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ إِلَيْهَا، فَدَخَلَهَا لَمَّا فَرَّ مِنْهَا الْعَسْكَرُ، وَلَقِيَهُ أَهْلُهَا بِالْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَقَتَلَ أَكْثَرَهُمْ، وَدَخَلَهَا عَسْكَرُهُ، وَرَتَّبَ أَمْرَهَا، وَرَحَلَ عَنْهَا، وَجَعَلَ عَلَى أَقَادِيرَ جَيْشًا يَحْصُرُهَا، وَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ فَاسَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ فَنَزَلَ عَلَى جَبَلٍ مُطِلٍّ عَلَيْهَا، وَحَصَرَهَا تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَفِيهَا يَحْيَى بْنُ الصَّحْرَاوِيَّةِ، وَعَسْكَرُهُ الَّذِينَ فَرُّوا مِنْ تِلِمْسَانَ، فَلَمَّا طَالَ مُقَامُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ عَمَدَ إِلَى نَهْرٍ يَدْخُلُ الْبَلَدَ فَسَكَّرَهُ بِالْأَخْشَابِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَنَعَهُ مِنَ دُخُولِ الْبَلَدِ، وَصَارَ بُحَيْرَةً تَسِيرُ فِيهَا السُّفُنُ، ثُمَّ هَدَمَ السَّكْرَ، فَجَاءَ الْمَاءُ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَخَرَّبَ سُورَ الْبَلَدِ، وَكُلَّ مَا يُجَاوِرُ النَّهْرَ مِنَ الْبَلَدِ، وَأَرَادَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ فَقَاتَلَهُ أَهْلُهُ خَارِجَ السُّورِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ مَا قَدَّرَهُ مِنْ دُخُولِهِ. طلب الأمان لأهل فاس وَكَانَ بِفَاسَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خِيَارٍ الْجِيَانِيُّ عَامِلًا عَلَيْهَا، وَعَلَى جَمِيعِ أَعْمَالِهَا، فَاتَّفَقَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ، وَكَاتَبُوا عَبْدَ الْمُؤْمِنِ فِي طَلَبِ الْأَمَانِ لِأَهْلِ فَاسَ، فَأَجَابَهُمْ إِلَيْهِ، فَفَتَحُوا لَهُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَدَخَلَهَا عَسْكَرُهُ، وَهَرَبَ يَحْيَى بْنُ الصَّحْرَاوِيَّةِ، وَكَانَ فَتْحُهَا آخِرَ سِنَةِ أَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَسَارَ إِلَى طَنْجَةَ وَرَتَّبَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ أَمْرَ مَدِينَةِ فَاسَ، وَأَمَرَ فَنُودِيَ فِي أَهْلِهَا: مَنْ تَرَكَ عِنْدَهُ سِلَاحًا وَعِدَّةَ قِتَالٍ حَلَّ دَمُهُ، فَحَمَلَ كُلُّ مَنْ فِي الْبَلَدِ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ السِّلَاحِ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُمْ. ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِكْنَاسَةَ، فَفَعَلَ بِأَهْلِهَا مِثْلَ ذَلِكَ، وَقَتَلَ مَنْ بِهَا مِنَ الْفُرْسَانِ وَالْأَجْنَادِ. وَأَمَّا الْعَسْكَرُ الَّذِي كَانَ عَلَى تِلِمْسَانَ فَإِنَّهُمْ قَاتَلُوا أَهْلَهَا، وَنَصَبُوا الْمَجَانِيقَ، وَأَبْرَاجَ الْخَشَبِ، وَزَحَفُوا بِالدَّبَّابَاتِ، وَكَانَ الْمُقَدَّمُ عَلَى أَهْلِهَا الْفَقِيهَ عُثْمَانَ، فَدَامَ الْحِصَارُ نَحْوَ سَنَةٍ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ وَرَاسَلُوا الْمُوَحِّدِينَ أَصْحَابَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ، بِغَيْرِ عِلْمِ الْفَقِيهِ عُثْمَانَ، وَأَدْخَلُوهُمُ الْبَلَدَ، فَلَمْ يَشْعُرْ أَهْلُهُ إِلَّا وَالسَّيْفُ يَأْخُذُهُمْ، فَقُتِلَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ، وَسُبِيَتِ الذُّرِّيَّةُ وَالْحَرِيمُ، وَنُهِبَ مِنَ الْأَمْوَالِ مَا لَا يُحْصَى، وَمِنَ الْجَوَاهِرِ مَا لَا تُحَدُّ قِيمَتُهُ، وَمَنْ لَمْ يُقْتَلْ بِيعَ بِأَوْكَسِ الْأَثْمَانِ، وَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى مِائَةَ أَلْفِ قَتِيلٍ، وَقِيلَ: إِنَّ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ هُوَ الَّذِي حَصَرَ تِلِمْسَانَ، وَسَارَ مِنْهَا إِلَى فَاسَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. سرية عبد المؤمن إلى مكناسة وَسَيَّرَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ سَرِيَّةً إِلَى مِكْنَاسَةَ، فَحَصَرُوهَا مُدَّةً، ثُمَّ سَلَّمَهَا إِلَيْهِمْ أَهْلُهَا بِالْأَمَانِ فَوَفَوْا لَهُمْ. وَسَارَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ مِنْ فَاسَ إِلَى مَدِينَةِ سَلَا فَفَتَحَهَا، وَحَضَرَ عِنْدَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ سَبْتَةَ، فَدَخَلُوا فِي طَاعَتِهِ، فَأَجَابَهُمْ إِلَى بَذْلِ الْأَمَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
Grades by grader
No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade