Tarikh (al-Tabari) 5601
Then the year 514 AH began
ذِكْرُ ابْتِدَاءِ أَمْرِ مُحَمَّدِ بْنِ تُومَرْتَ وَعَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَمُلْكِهِمَا التعريف بابن تومرت وحياته فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ ابْتِدَاءُ أَمْرِ الْمَهْدِيِّ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تُومَرْتَ الْعَلَوِيِّ، الْحَسَنِيِّ، وَقَبِيلَتُهُ مِنَ الْمَصَامِدَةِ، تُعْرَفُ بِهَرْغَةَ فِي جَبَلِ السُّوسِ، مِنْ بِلَادِ الْمَغْرِبِ، نَزَلُوا بِهِ لَمَّا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ مَعَ مُوسَى بْنِ نُصَيْرٍ، وَنَذْكُرُ أَمْرَهُ وَأَمْرَ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ هَذِهِ السَّنَةَ إِلَى أَنْ فَرَغَ مِنْ مُلْكِ الْمَغْرِبِ لِنُتْبِعَ بَعْضَ الْحَادِثَةِ بَعْضًا. وَكَانَ ابْنُ تُومَرْتَ قَدْ رَحَلَ فِي شَبِيبَتِهِ إِلَى بِلَادِ الشَّرْقِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَكَانَ فَقِيهًا، فَاضِلًا، عَالِمًا بِالشَّرِيعَةِ، حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، عَارِفًا بِأُصُولَيِ الدِّينِ وَالْفِقْهِ، مُتَحَقِّقًا بِعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ، وَكَانَ وَرِعًا، نَاسِكًا، وَوَصَلَ فِي سَفَرِهِ إِلَى الْعِرَاقِ، وَاجْتَمَعَ بِالْغَزَالِيِّ، وَإِلْكِيَا، وَاجْتَمَعَ بِأَبِي بَكْرٍ الطَّرْطُوشِيِّ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَقِيلَ إِنَّهُ جَرَى لَهُ حَدِيثٌ مَعَ الْغَزَالِيِّ فِيمَا فَعَلَهُ بِالْمَغْرِبِ مِنَ التَّمَلُّكِ، فَقَالَ لَهُ الْغَزَالِيُّ: إِنَّ هَذَا لَا يَتَمَشَّى فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، وَلَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ لِأَمْثَالِنَا. كَذَا قَالَ بَعْضُ مُؤَرِّخِي الْمَغْرِبِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعْ بِهِ، فَحَجَّ مِنْ هُنَاكَ وَعَادَ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَلَمَّا رَكِبَ الْبَحْرَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ، مُغْرِبًا، غَيَّرَ الْمُنْكَرَ فِي الْمَرْكِبِ، وَأَلْزَمَ مَنْ بِهِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمَهْدِيَّةِ، وَسُلْطَانُهَا حِينَئِذٍ يَحْيَى بْنُ تَمِيمٍ، سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَنَزَلَ بِمَسْجِدٍ قِبْلِيِّ مَسْجِدِ السَّبْتِ، وَلَيْسَ لَهُ سِوَى رَكْوَةٌ، وَعَصًا، وَتَسَامَعَ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ، فَقَصَدُوهُ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ أَنْوَاعَ الْعُلُومِ، وَكَانَ إِذَا مَرَّ بِهِ مُنْكَرٌ غَيَّرَهُ وَأَزَالَهُ، فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ مِنْهُ أَحْضَرَهُ الْأَمِيرُ يَحْيَى مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ، فَلَمَّا رَأَى سَمْتَهُ وَسَمِعَ كَلَامَهُ أَكْرَمَهُ وَاحْتَرَمَهُ، وَسَأَلَهُ الدُّعَاءَ. لقاء ابن تومرت بعبد المؤمن وَرَحَلَ عَنِ الْمَدِينَةِ وَأَقَامَ بِالْمُنَسْتِيرِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّالِحِينَ، مُدَّةً وَسَارَ إِلَى بِجَايَةَ فَفَعَلَ فِيهَا مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَخْرَجَ مِنْهَا إِلَى قَرْيَةٍ بِالْقُرْبِ مِنْهَا اسْمُهَا مَلَّالَةُ، فَلَقِيَهُ بِهَا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ عَلِيٍّ، فَرَأَى فِيهِ مِنَ النَّجَابَةِ وَالنَّهْضَةِ مَا تَفَرَّسَ فِيهِ التَّقَدُّمَ، وَالْقِيَامَ بِالْأَمْرِ، فَسَأَلَهُ عَنِ اسْمِهِ وَقَبِيلَتِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ مِنْ قِيسِ عَيْلَانَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، فَقَالَ ابْنُ تُومَرْتَ: هَذَا الَّذِي بَشَّرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، حِينَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ هَذَا الدِّينَ، فِي آخِرِ الزَّمَانِ، بِرَجُلٍ مِنْ قِيسٍ، فَقِيلَ: مِنْ أَيِّ قَيْسٍ ؟ فَقَالَ: مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ. فَاسْتَبْشَرَ بِعَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَسُرَّ بِلِقَائِهِ، وَكَانَ مَوْلِدُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ فِي مَدِينَةِ تَاجَرَةَ، مِنْ أَعْمَالِ تِلِمْسَانَ، وَهُوَ مِنْ عَائِذٍ، قَبِيلٌ مِنْ كَوْمَرَةَ، نَزَلُوا بِذَلِكَ الْإِقْلِيمِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمِائَةٍ. أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وَلَمْ يَزَلِ الْمَهْدِيُّ مُلَازِمًا لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى أَنْ وَصَلَ إِلَى مُرَّاكِشَ دَارِ مَمْلَكَةِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ يُوسُفَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ تَاشَفِينَ، فَرَأَى فِيهَا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ أَكْثَرَ مِمَّا عَايَنَهُ فِي طَرِيقِهِ، فَزَادَ فِي أَمْرِهِ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيِهِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَكَثُرَ أَتْبَاعُهُ، وَحَسُنَتْ ظُنُونُ النَّاسِ فِيهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فِي طَرِيقِهِ، إِذْ رَأَى أُخْتَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فِي مَوْكِبِهَا، وَمَعَهَا مِنَ الْجَوَارِي الْحِسَانِ عِدَّةٌ كَثِيرَةٌ، وَهُنَّ مُسْفِرَاتٌ، وَكَانَتْ هَذِهِ عَادَةَ الْمُلَثَّمِينَ يُسْفِرُ نِسَاؤُهُمْ عَنْ وُجُوهِهِنَّ، وَيَتَلَثَّمُ الرِّجَالُ، فَحِينَ رَأَى النِّسَاءَ كَذَلِكَ أَنْكَرَ عَلَيْهِنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِسَتْرِ وُجُوهِهِنَّ وَضَرَبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ دَوَابَّهُنَّ، فَسَقَطَتْ أُخْتُ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دَابَّتِهَا. مناظرة ابن تومرت للفقهاء فَرُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ عَلِيِّ بْنِ يُوسُفَ، فَأَحْضَرَهُ، وَأَحْضَرَ الْفُقَهَاءَ لِيُنَاظِرَهُ، فَأَخَذَ يَعِظُهُ وَيُخَوِّفُهُ، فَبَكَى أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ أَنْ يُنَاظِرَهُ الْفُقَهَاءُ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَقُومُ لَهُ لِقُوَّةِ أَدِلَّتِهِ فِي الَّذِي فَعَلَهُ. وَكَانَ عِنْدَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُ وُزَرَائِهِ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ وُهَيْبٍ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ، إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ لَا يُرِيدُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، إِنَّمَا يُرِيدُ إِثَارَةَ فِتْنَةٍ، وَالْغَلَبَةَ عَلَى بَعْضِ النَّوَاحِي، فَاقْتُلْهُ وَقَلِّدْنِي دَمَهُ. فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَقْتُلْهُ فَاحْبِسْهُ، وَخَلِّدْهُ فِي السِّجْنِ، وَإِلَّا أَثَارَ شَرًّا لَا يُمْكِنُ تَلَافِيهِ. فَأَرَادَ حَبْسَهُ، فَمَنَعَهُ رَجُلٌ مِنْ أَكَابِرِ الْمُلَثَّمِينَ يُسَمَّى بَيَانَ بْنَ عُثْمَانَ فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ مُرَّاكِشَ، فَسَارَ إِلَى أَغْمَاتَ، وَلَحِقَ بِالْجَبَلِ، فَسَارَ فِيهِ، حَتَّى الْتَحَقَ بِالسُّوسِ الَّذِي فِيهِ قَبِيلَةُ هَرْغَةَ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْمَصَامِدَةِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشَرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَأَتَوْهُ، وَاجْتَمَعُوا حَوْلَهُ. مبايعة ابن تومرت وَتَسَامَعَ بِهِ أَهْلُ تِلْكَ النَّوَاحِي، فَوَفَدُوا عَلَيْهِ، وَحَضَرَ أَعْيَانُهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ يَعِظُهُمْ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ، وَيَذْكُرُ لَهُمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، وَمَا غَيَّرَ مِنْهَا، وَمَا حَدَثَ مِنَ الظُّلْمِ وَالْفَسَادِ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ طَاعَةُ دَوْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الدُّوَلِ لِاتِّبَاعِهِمُ الْبَاطِلَ، بَلِ الْوَاجِبُ قِتَالُهُمْ، وَمَنْعُهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ، فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ نَحْوَ سَنَةٍ، وَتَابَعَتْهُ هَرْغَةُ قَبِيلَتُهُ، وَسَمَّى أَتْبَاعَهُ الْمُوَحِّدِينَ وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ، ﷺ بَشَّرَ بِالْمَهْدِيِّ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا، وَأَنَّ مَكَانَهُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الْمَغْرِبُ الْأَقْصَى، فَقَامَ إِلَيْهِ عَشَرَةُ رِجَالٍ، أَحَدُهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، فَقَالُوا: لَا يُوجَدُ هَذَا إِلَّا فِيكَ فَأَنْتَ الْمَهْدِيُّ، فَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ. تجهيز أمير المسلمين لمحاربة ابن تومرت فَانْتَهَى خَبَرُهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَهَّزَ جَيْشًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَسَيَّرَهُمْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَرُبُوا مِنَ الْجَبَلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَنِي، وَأَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ، فَالرَّأْيُ أَنْ أَخْرُجَ بِنَفْسِي إِلَى غَيْرِ هَذِهِ الْبِلَادِ لِتَسْلَمُوا أَنْتُمْ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ تُوفَيَانَ مِنْ مَشَايِخِ هَرْغَةَ: هَلْ تَخَافُ شَيْئًا مِنَ السَّمَاءِ ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ مِنَ السَّمَاءِ تُنْصَرُونَ، فَقَالَ ابْنُ تُوَفَيَانَ: فَلْيَأْتِنَا كُلُّ مَنْ فِي الْأَرْضِ. وَوَافَقَهُ جَمِيعُ قَبِيلَتِهِ، فَقَالَ الْمَهْدِيُّ: أَبْشِرُوا بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ بِهَذِهِ الشِّرْذِمَةِ، وَبَعْدَ قَلِيلٍ تَسْتَأْصِلُونَ دَوْلَتَهُمْ، وَتَرِثُونَ أَرْضَهُمْ، فَنَزَلُوا مِنَ الْجَبَلِ، وَلَقُوا جَيْشَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَزَمُوهُمْ، وَأَخَذُوا أَسْلَابَهُمْ، وَقَوِيَ ظَنُّهُمْ فِي صِدْقِ الْمَهْدِيِّ، حَيْثُ ظَفِرُوا، كَمَا ذَكَرَ لَهُمْ. وَأَقْبَلَتْ إِلَيْهِ أَفْوَاجُ الْقَبَائِلِ، مِنَ الْحِلَلِ الَّتِي حَوْلَهُ، شَرْقًا وَغَرْبًا، وَبَايَعُوهُ، وَأَطَاعَتْهُ قَبِيلَةُ هَنْتَاتَةُ، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى الْقَبَائِلِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِمْ، وَأَتَاهُ رُسُلُ أَهْلِ تِينِ مَلَّلَ بِطَاعَتِهِمْ، وَطَلَبُوهُ إِلَيْهِمْ، فَتَوَجَّهَ إِلَى جَبَلِ تِينِ مَلَّلَ وَاسْتَوْطَنَهُ، وَأَلَّفَ لَهُمْ كِتَابًا فِي التَّوْحِيدِ، وَكِتَابًا فِي الْعَقِيدَةِ، وَنَهَجَ لَهُمْ طَرِيقَ الْأَدَبِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، وَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْقَصِيرِ مِنَ الثِّيَابِ، الْقَلِيلِ الثَّمَنِ، وَهُوَ يُحَرِّضُهُمْ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّهِمْ، وَإِخْرَاجِ الْأَشْرَارِ مِنْ بَيْنٍ أَظْهُرِهِمْ. وَأَقَامَ بِتِينِ مَلَّلَ وَبَنَى لَهُ مَسْجِدًا خَارِجَ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ الصَّلَوَاتِ هُوَ وَجَمْعٌ مِمَّنْ مَعَهُ عِنْدَهُ، وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ، فَلَمَّا رَأَى كَثْرَةَ أَهْلِ الْجَبَلِ، وَحَصَانَةَ الْمَدِينَةِ، خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْهُ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَحْضُرُوا بِغَيْرِ سِلَاحٍ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ عِدَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ، فَخَرَجُوا عَلَيْهِمْ وَهُمْ غَارُّونَ فَقَتَلُوهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ فَقَتَلَ فِيهَا وَأَكْثَرَ، وَسَبَى الْحَرِيمَ، وَنَهَبَ الْأَمْوَالَ، فَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَقَسَّمَ الْمَسَاكِنَ وَالْأَرْضَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، وَبَنَى عَلَى الْمَدِينَةِ سُورًا، وَقَلْعَةً عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ عَالٍ. وَفِي جَبَلِ تِينِ مَلَّلَ أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ، وَأَشْجَارٌ، وَزُرُوعٌ، وَالطَّرِيقُ إِلَيْهِ صَعُبٌ، فَلَا جَبَلَ أَحْصَنُ مِنْهُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ لَمَّا خَافَ أَهْلَ تِينِ مَلَّلَ نَظَرَ، فَرَأَى كَثِيرًا مِنْ أَوْلَادِهِمْ شُقْرًا زُرْقًا، وَالَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْآبَاءِ السُّمْرَةُ، وَكَانَ لِأَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ عِدَّةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْمَمَالِيكِ الْفِرِنْجِ وَالرُّومِ، وَيَغْلِبُ عَلَى أَلْوَانِهِمُ الشُّقْرَةُ، وَكَانُوا يَصَعِدُونَ الْجَبَلَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وَيَأْخُذُونَ مَا لَهُمْ فِيهِ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُقَرَّرَةِ لَهُمْ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، فَكَانُوا يَسْكُنُونَ بُيُوتَ أَهْلِهِ، وَيُخْرِجُونَ أَصْحَابَهَا مِنْهَا، فَلَمَّا رَأَى الْمَهْدِيُّ أَوْلَادَهُمْ سَأَلَهُمْ: مَا لِي أَرَاكُمْ سُمْرَ الْأَلْوَانِ، وَأَرَى أَوْلَادَكُمْ شُقْرًا، زُرْقًا ؟ فَأَخْبَرُوهُ خَبَرَهُمْ مَعَ مَمَالِيكِ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَبَّحَ الصَّبْرَ عَلَى هَذَا، وَأَزْرَى عَلَيْهِمْ، وَعَظَّمَ الْأَمْرَ عِنْدَهُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَكَيْفَ الْحِيلَةُ فِي الْخَلَاصِ مِنْهُمْ، وَلَيْسَ لَنَا بِهِمْ قُوَّةٌ ؟ فَقَالَ: إِذَا حَضَرُوا عِنْدَكُمْ فِي الْوَقْتِ الْمُعْتَادِ، وَتَفَرَّقُوا فِي مَسَاكِنِهِمْ، فَلْيَقُمْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ إِلَى نَزِيلِهِ فَيَقْتُلَهُ، وَاحْفَظُوا جَبَلَكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُرَامُ وَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ. فَصَبَرُوا حَتَّى حَضَرَ أُولَئِكَ الْعَبِيدُ، فَقَتَلُوهُمْ عَلَى مَا قَرَّرَ لَهُمُ الْمَهْدِيُّ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ خَافُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ مِنْ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَامْتَنَعُوا فِي الْجَبَلِ، وَسَدُّوا مَا فِيهِ مِنْ طَرِيقٍ يُسْلَكُ إِلَيْهِمْ، فَقَوِيَتْ نَفْسُ الْمَهْدِيِّ بِذَلِكَ. حصار أمير المسلمين لأتباع ابن تومرت ثُمَّ إِنَّ أَمِيرَ الْمُسْلِمِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ جَيْشًا قَوِيًّا، فَحَصَرُوهُمْ فِي الْجَبَلِ، وَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَمَنَعُوا عَنْهُمُ الْمِيرَةَ، فَقَلَّتْ عِنْدَ أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ الْأَقْوَاتُ، حَتَّى صَارَ الْخُبْزُ مَعْدُومًا عِنْدَهُمْ، وَكَانَ يُطْبَخُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ مِنَ الْحَسَاءِ مَا يَكْفِيهِمْ، فَكَانَ قُوتُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَغْمِسَ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الْحَسَاءِ وَيُخْرِجَهَا، فَمَا عَلَقَ عَلَيْهَا قَنَعَ ذَلِكَ الْيَوْمَ، فَاجْتَمَعَ أَعْيَانُ أَهْلِ تِينِ مَلَّلَ، وَأَرَادُوا إِصْلَاحَ الْحَالِ مَعَ أَمِيرِ الْمُسْلِمِينَ، فَبَلَغَ الْخَبَرُ بِذَلِكَ الْمَهْدِيَّ بْنَ تُومَرْتَ. ما كان من صاحب ابن تومرت الونشريشي وَكَانَ مَعَهُ إِنْسَانٌ يُقَالُ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ، يُظْهِرُ الْبَلَهَ، وَعَدَمَ الْمَعْرِفَةِ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ، وَبُزَاقُهُ يَجْرِي عَلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ كَأَنَّهُ مَعْتُوهٌ، وَمَعَ هَذَا فَالْمَهْدِيُّ يُقَرِّبُهُ، وَيُكْرِمُهُ، وَيَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ سِرًّا فِي هَذَا الرَّجُلِ سَوْفَ يَظْهَرُ. وَكَانَ الْوَنْشَرِيشِيُّ يَلْزَمُ الِاشْتِغَالَ بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ فِي السِّرِّ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا كَانَتْ سَنَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَخَافَ الْمَهْدِيُّ مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ، خَرَجَ يَوْمًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَرَأَى إِلَى جَانِبِ مِحْرَابِهِ إِنْسَانًا حَسَنَ الثِّيَابِ، طَيِّبَ الرِّيحِ، فَأَظْهَرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ، وَقَالَ: مَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ: أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ ! فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ ! ثُمَّ صَلَّى، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ نَادَى فِي النَّاسِ فَحَضَرُوا، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَزْعُمُ أَنَّهُ الْوَنْشَرِيشِيُّ، فَانْظُرُوهُ، وَتَحَقَّقُوا أَمْرَهُ، فَلَمَّا أَضَاءَ النَّهَارُ عَرَفُوهُ، فَقَالَ لَهُ الْمَهْدِيُّ: مَا قِصَّتُكَ ؟ قَالَ: إِنَّنِي أَتَانِيَ اللَّيْلَةَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ، فَغَسَلَ قَلْبِي، وَعَلَّمَنِي اللَّهُ الْقُرْآنَ، وَالْمُوَطَّأَ، وَغَيْرَهُ مِنَ الْعُلُومِ وَالْأَحَادِيثِ. فَبَكَى الْمَهْدِيُّ بِحَضْرَةِ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: نَحْنُ نَمْتَحِنُكَ، فَقَالَ: افْعَلْ. وَابْتَدَأَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ قِرَاءَةً حَسَنَةً مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ سُئِلَ، وَكَذَلِكَ الْمُوَطَّأَ، وَغَيْرَهُ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَعْظَمُوهُ. ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعْطَانِي نُورًا أَعْرِفُ بِهِ أَهْلَ الْجَنَّةِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَآمُرُكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَهْلَ النَّارِ، وَتَتْرُكُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَلَائِكَةً إِلَى الْبِئْرِ الَّتِي فِي الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ يَشْهَدُونَ بِصِدْقِي. فَسَارَ الْمَهْدِيُّ، وَالنَّاسُ مَعَهُ وَهُمْ يَبْكُونَ، إِلَى تِلْكَ الْبِئْرِ، وَصَلَّى الْمَهْدِيُّ عِنْدَ رَأْسِهَا، وَقَالَ: يَا مَلَائِكَةَ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيَّ قَدْ زَعَمَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ مَنْ بِهَا: صَدَقَ ! وَكَانَ قَدْ وَضَعَ فِيهَا رِجَالًا يَشْهَدُونَ بِذَلِكَ فَلَمَّا قِيلَ ذَلِكَ مِنَ الْبِئْرِ، قَالَ الْمَهْدِيُّ: إِنَّ هَذِهِ مُطَهَّرَةٌ مُقَدَّسَةٌ قَدْ نَزَلَ إِلَيْهَا الْمَلَائِكَةُ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنْ تُطَمَّ لِئَلَّا يَقَعَ فِيهَا نَجَاسَةٌ، أَوْ مَا لَا يَجُوزُ، فَأَلْقَوْا فِيهَا مِنَ الْحِجَارَةِ وَالتُّرَابِ مَا طَمَّهَا، ثُمَّ نَادَى فِي أَهْلِ الْجَبَلِ بِالْحُضُورِ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَحَضَرُوا لِلتَّمْيِيزِ، فَكَانَ الْوَنْشَرِيشِيُّ يَعْمِدُ إِلَى الرَّجُلِ الَّذِي يَخَافُ نَاحِيَتَهُ، فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُلْقَى مِنَ الْجَبَلِ مَقْتُولًا، وَإِلَى الشَّابِّ الْغِرِّ، وَمَنْ لَا يَخْشَى، فَيَقُولُ: هَذَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُتْرَكُ عَلَى يَمِينِهِ، فَكَانَ عِدَّةُ الْقَتْلَى سَبْعِينَ أَلْفًا فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ أَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ وَاسْتَقَامَ أَمْرُهُ. هَكَذَا سَمِعْتُ جَمَاعَةً مِنْ فُضَلَاءِ الْمَغَارِبَةِ يَذْكُرُونَ فِي التَّمْيِيزِ، وَسَمِعْتُ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ ابْنَ تُومَرْتَ لَمَّا رَأَى كَثْرَةَ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ فِي أَهْلِ الْجَبَلِ، أَحْضَرَ شُيُوخَ الْقَبَائِلِ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّكُمْ لَا يَصِحُّ لَكُمْ دِينٌ، وَلَا يَقْوَى إِلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَإِخْرَاجِ الْمُفْسِدِ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَابْحَثُوا عَنْ كُلِّ مَنْ عِنْدَكُمْ مِنْ أَهْلِ الشَّرِّ وَالْفَسَادِ، فَانْهُوهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنِ انْتَهَوْا، وَإِلَّا فَاكْتُبُوا أَسْمَاءَهُمْ وَارْفَعُوهَا إِلَيَّ لِأَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمْ. فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَكَتَبُوا لَهُ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَثَالِثَةً، ثُمَّ جَمَعَ الْمَكْتُوبَاتِ فَأَخَذَ مِنْهَا مَا تَكَرَّرَ مِنَ الْأَسْمَاءِ فَأَثْبَتَهَا عِنْدَهُ، ثُمَّ جَمَعَ النَّاسَ قَاطِبَةً، وَرَفَعَ الْأَسْمَاءَ الَّتِي كَتَبَهَا، وَدَفَعَهَا إِلَى الْوَنْشَرِيشِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْبَشِيرِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْرِضَ الْقَبَائِلَ، وَيَجْعَلَ أُولَئِكَ الْمُفْسِدِينَ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ، وَمَنْ عَدَاهُمْ فِي جِهَةِ الْيَمِينِ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَأَمَرَ أَنْ يُكَتَّفَ مَنْ عَلَى شِمَالِ الْوَنْشَرِيشِيِّ، فَكُتِّفُوا، وَقَالَ: إِنَّ هَؤُلَاءِ أَشْقِيَاءُ قَدْ وَجَبَ قَتْلُهُمْ، وَأَمَرَ كُلَّ قَبِيلَةٍ أَنْ يَقْتُلُوا أَشْقِيَاءَهُمْ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ فَكَانَ يَوْمَ التَّمْيِيزِ. انهزام أصحاب ابن تومرت وَلَمَّا فَرَغَ ابْنُ تُومَرْتَ مِنَ التَّمْيِيزِ، رَأَى أَصْحَابَهُ الْبَاقِينَ عَلَى نِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوبٍ مُتَّفِقَةٍ عَلَى طَاعَتِهِ، فَجَهَّزَ مِنْهُمْ جَيْشًا وَسَيَّرَهُمْ إِلَى جِبَالِ أَغْمَاتَ، وَبِهَا جَمْعٌ مِنَ الْمُرَابِطِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ ابْنِ تُومَرْتَ، وَكَانَ أَمِيرَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْوَنْشَرِيشِيُّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ كَثِيرٌ، وَجُرِحَ عُمَرُ الْهِنْتَانِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَصْحَابِهِ، وَسَكَنَ حِسُّهُ وَنَبْضُهُ، فَقَالُوا: مَاتَ ! فَقَالَ الْوَنْشَرِيشِيُّ: أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وَلَا يَمُوتُ حَتَّى يَمْلِكَ الْبِلَادَ. فَبَعْدَ سَاعَةٍ فَتَحَ عَيْنَيْهِ، وَعَادَتْ قُوَّتُهُ إِلَيْهِ، فَافْتَتَنُوا بِهِ، وَعَادُوا مُنْهَزِمِينَ إِلَى ابْنِ تُومَرْتَ، فَوَعَظَهُمْ، وَشَكَرَهُمْ عَلَى صَبْرِهِمْ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ بَعْدَهَا يُرْسِلُ السَّرَايَا فِي أَطْرَافِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا رَأَوْا عَسْكَرًا تَعَلَّقُوا بِالْجَبَلِ فَأَمِنُوا. ترتيب أصحاب ابن تومرت وَكَانَ الْمَهْدِيُّ قَدْ رَتَّبَ أَصْحَابَهُ مَرَاتِبَ، فَالْأُولَى يُسَمَّوْنَ أَيْتَ عَشَرَةٍ يَعْنِي أَهْلَ عَشَرَةٍ، وَأَوَّلُهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، ثُمَّ أَبُو حَفْصٍ الْهِنْتَاتِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَهُمْ أَشْرَفُ أَصْحَابِهِ، وَأَهْلُ الثِّقَةِ عِنْدَهُ، السَّابِقُونَ إِلَى مُتَابَعَتِهِ، وَالثَّانِيَةُ: أَيْتَ خَمْسِينَ، يَعْنِي أَهْلَ خَمْسِينَ، وَهُمْ دُونَ تِلْكَ الطَّبَقَةِ، وَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ الْقَبَائِلِ، وَالثَّالِثَةُ: أَيْتَ سَبْعِينَ، يَعْنِي أَهْلَ سَبْعِينَ، وَهُمْ دُونَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَسُمِّيَ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَالدَّاخِلِينَ فِي طَاعَتِهِ مُوَحِّدِينَ، فَإِذَا ذُكِرَ الْمُوَحِّدُونَ فِي أَخْبَارِهِمْ فَإِنَّمَا يُعْنَى أَصْحَابُهُ وَأَصْحَابُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بَعْدَهُ. حصار جيش المهدي لابن تومرت وَلَمْ يَزَلْ أَمْرُ ابْنِ تُومَرْتَ يَعْلُو إِلَى سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَجَهَّزَ الْمَهْدِيُّ جَيْشًا كَثِيفًا يَبْلُغُونَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، أَكْثَرُهُمْ رَجَّالَةٌ، وَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الْوَنْشَرِيشِيَّ، وَسَيَّرَ مَعَهُمْ عَبْدَ الْمُؤْمِنِ، فَنَزَلُوا وَسَارُوا إِلَى مُرَّاكِشَ فَحَصَرُوهَا، وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَبِهَا أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ، فَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَيْهَا عِشْرِينَ يَوْمًا، فَأَرْسَلَ أَمِيرُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مُتَوَلِّي سِجِلْمَاسَةَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَحْضُرَ وَمَعَهُ الْجُيُوشُ، فَجَمَعَ كَثِيرًا، وَسَارَ، فَلَمَّا قَارَبَ عَسْكَرَ الْمَهْدِيِّ خَرَجَ أَهْلُ مُرَّاكِشَ مِنْ غَيْرِ الْجِهَةِ الَّتِي أَقْبَلَ مِنْهَا، فَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِ الْمَهْدِيِّ، فَقُتِلَ الْوَنْشَرِيشِيُّ أَمِيرُهُمْ، فَاجْتَمَعُوا إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ وَجَعَلُوهُ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَزَلِ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ عَامَّةَ النَّهَارِ، وَصَلَّى عَبْدُ الْمُؤْمِنِ صَلَاةَ الْخَوْفِ، الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَلَمْ تُصَلَّ بِالْمَغْرِبِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى الْمَصَامِدَةُ كَثْرَةَ الْمُرَابِطِينَ، وَقُوَّتَهُمْ، أَسْنَدُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى بُسْتَانٍ كَبِيرٍ هُنَاكَ، وَالْبُسْتَانُ يُسَمَّى عِنْدَهُمُ الْبُحَيْرَةُ، فَلِهَذَا قِيلَ وَقْعَةُ الْبُحَيْرَةِ، وَعَامُ الْبُحَيْرَةِ، وَصَارُوا يُقَاتِلُونَ مِنْ جِهَةٍ وَاحِدَةٍ إِلَى أَنْ أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ الْمَصَامِدَةِ أَكْثَرُهُمْ، وَحِينَ قُتِلَ الْوَنْشَرِيشِيُّ دَفَنَهُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ فَطَلَبَهُ الْمَصَامِدَةُ، فَلَمْ يَرَوْهُ فِي الْقَتْلَى فَقَالُوا: رَفَعَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَلَمَّا جَنَّهُمُ اللَّيْلُ سَارَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ وَمَنْ سَلِمَ مِنَ الْقَتْلِ إِلَى الْجَبَلِ.
Grades by grader
No grade is recorded for this wording. Ask what scholars say about its grade