جمع الجوامع 4-1631b
"عن عبد الله بن صالح العجلي، عن أبيه قال: خَطَبَ عَلِىُّ بن أبِى طَالبٍ يَوْمًا فَحَمدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَصَلَّى عَلَى النَّبِىِّ ﷺ ثُمَّ قَالَ: عِبَادَ الله لا تَغُرَّنَكُمُ الحياة الدُّنْيَا فَإِنَّهَا دَار بِالبَلَاءِ مَحْفُوفَةٌ، وَبِالفنَاءِ مَعْرُوفَةٌ، وَبِالغدْرِ مَوْصُوفَةٌ، وَكُلُّ مَا فِيهَا إِلَى زَوَالٍ، وَهِىَ بَيْنَ أَهلها دُوَلٌ، وسِجَالٌ، لَنْ يَسْلَمَ مِنْ شَرِّهَا نُزَّالُهَا، بَيْنَا أَهْلِهَا فِى رَخَاءٍ وسُرُورٍ، إِذْ هُم منْهَا فِى بَلَاءٍ وغَرُور، العَيْشُ فِيهَا مَذْمُومٌ، والرَّخاءُ فِيهَا لَا يَدَوُمُ، وَإِنَّما أَهْلهَا فِيهَا أَغْرَاضٌ مُسْتَهْدَفَةٌ تَرْمِيهِمْ بِسَامِها، وَتَقْصُمهُم بِجَمامهِا، عبَادَ الله! إنَّكُم وَمْا أَنْتُم مِنْ هَذِه الدُّنْيَا عَنْ سَبِيلٍ عَمَّنْ قَدْ مضَىَ، ممِنَّ كَانَ أَطولَ مِنْكُمْ أَعمَارًا، وَأَشَذَ مِنْكُم بَطشًا، وأَغْمَر دِيَارًا، وأَبْعَدَ آثَارًا، فَأَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهم هَامِدةً خامِدَةً مِن بَعْد طُول تَقَلبُّهِا، وَأجْسَادُهُم باليَة، وَدِيَارُهُم خَالِية، وَآثَارهُم عَافيةً، واسَتبدلُوا بِالقُصُورِ الْمُشَيَّدةَ والسُّرُرِ والنَّمارِقِ الْمُمَهَّدَةِ الصُّخُور، والأَحْجَارِ الْمُسنَدَةِ فِى القُبورِ الْمُلَاطية الْملَحَدةَ الَّتِى قَد بَيَّنَ الخَرَابَ فِنَاؤهَا، وَشَيَّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا، فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، بَيْنَ أَهْلِ عمارَة مُوحِشِينَ، وَأَهْل مَحَلَّةٍ مُتَشَاغِلِينَ، لَا يَسْتَأنِسُونَ بِالعُمْرَانِ، وَلَا يَتَواصَلُونَ بِوَاصِلِ الجِيرَانِ عَلَى مَا بَيْنَهُم مِن قَرْبِ الجِوَارِ، وَدُنوِّ الدّارِ، وكَيْفَ يَكَونُ بَيْنَهم تَوَاصُلٌ، وَقَد طَحَنَهُم بِكلْكُلِةِ البلى، وَأَكَلَتْهُم الجنادلُ والثَّرى، فأَصْبَحُوا بَعْدَ الحَيَاةِ أَمْوَاتًا، وبَعْدَ غَضَانَةِ الْعَيْشَ رُفَاةً، فُجمعَ بِهِم الأَحْسَاب، وسَكَنُوا التُّرَاب، وطُعِنُوا فَلَيْسَ لَهُم إِيَابٌ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ} وكَأنَّ قَدْ صيرتم إِلَى مَا صَارُوا إِلَيهِ مِنَ الوِحَدة والبِلى فِى دَارِ الْمَوْتَى، وارتَهَنَتُمْ فِى ذَلِكَ المضْجَع، وَضَمَّكُم ذَلِكَ المسْتَودعُ، فَكَيْفَ بِكُمْ لو قَد تَنَاهَتِ الأُمُور، وبُعْثِرت القُبور، وَحُصِّل مَا فِى الصُّدُور، وأُوقِفْتُم للِتَّحصيل بَين يَدَى ملكِ الجَليِلِ، فَطَارت القُلوبُ لإشْفَاقِهَا مِن سَالف الذُّنُوبِ، وهُتِّكتْ عَنْكُم الحُجُب، والأسْتَارُ، وَظهَرت مِنكم العُيُوب، والأَسْرَارُ، هُنَالكَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بمَا كسَبَتْ {لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَ} {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} جَعَلنَا الله وِإيَأْكُلم عَامِلينَ بِكِتَابهِ، متَّبعين لِأَوْلِيَائِهِ، حَتَّىَ يُحِلَّنا وإيَّاكم دَارَ المُقَامةِ مِن فَضْلِهِ، إِنَّهُ حَميدٌ مَجِيدٌ".
حواشٍ
الدينورى، [كر] ابن عساكر في تاريخه
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه