التاريخ 979
غزوة بدر الكبرى
[ مُنَاشَدَةُ الرَّسُولِ رَبَّهُ النَّصْرَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عَدَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّفُوفَ، وَرَجَعَ إلَى الْعَرِيشِ فَدَخَلَهُ، وَمَعَهُ فِيهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، لَيْسَ مَعَهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَاشِدُ رَبَّهُ مَا وَعَدَهُ مِنْ النَّصْرِ، وَيَقُولُ فِيمَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ الْيَوْمَ لَا تُعْبَدْ، وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: بَعْضَ مُنَاشَدَتِكَ رَبَّكَ، فَإِنَّ اللَّهَ مُنْجِّزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ. وَقَدْ خَفَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَفْقَةً وَهُوَ فِي الْعَرِيشِ، ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ: أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ. هَذَا جِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَنَانِ فَرَسٍ يَقُودُهُ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ؓ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُشَارَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَجَلُّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُنْشَدَ وَعْدَهُ» فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا ابْنَ رَوَاحَةَ لَأَنْشُدَنَّ اللَّهَ وَعْدَهُ، إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ». وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ؓ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَاتَلْتُ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ، ثُمَّ جِئْتُ مُسْرِعًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِأَنْظُرَ مَا فَعَلَ، فَإِذَا هُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ: «يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» لَا يَزِيدُ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ، ثُمَّ ذَهَبْتُ إِلَى الْقِتَالِ ثُمَّ رَجَعْتُ وَهُوَ سَاجِدٌ يَقُولُ ذَلِكَ [فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ]. وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؓ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مُنَاشِدًا يَنْشُدُ مَقَالَةً أَشَدَّ مُنَاشَدَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِرَبِّهِ يَوْمَ بَدْرٍ، جَعَلَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ لَا تُعْبَدْ» ثُمَّ الْتَفَتَ كَأَنَّ وَجْهَهُ شِقَّةُ قَمَرٍ، فَقَالَ: «كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى مَصَارِعِ الْقَوْمِ الْعَشِيَّةَ». وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَإِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالُوا: لَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَيْهِ يَسْأَلُ اللَّهَ النَّصْرَ وَمَا وَعَدَهُ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنْ ظَهَرُوا عَلَى هَذِهِ الْعِصَابَةِ ظَهَرَ الشِّرْكُ، وَمَا يَقُومُ لَكَ دِينٌ». وَأَبُو بَكْرٍ يَقُولُ لَهُ: «وَاللَّهِ لَيَنْصُرَنَّكَ اللَّهُ وَلَيُبَيِّضَنَّ وَجْهَكَ» وَخَفَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَفْقَةً وَهُوَ فِي الْعَرِيشِ، ثُمَّ انْتَبَهَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ عِنْدَ أَكْنَافِ الْعَدُوِّ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ، هَذَا جِبْرِيلُ مُتَعَمِّمٌ بِعِمَامَةٍ صَفْرَاءَ آخِذٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَلَمَّا نَزَلَ إِلَى الْأَرْضِ تَغَيَّبَ عَنِّي سَاعَةً، ثُمَّ طَلَعَ عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ يَقُولُ: أَتَاكَ نَصْرُ اللَّهِ إِذْ دَعَوْتَهُ». وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ؓ قَالَ: لَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ آتِنِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ» فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ وَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ رِدَائِهِ، فَقَالَ: «يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَفَاكَ تُنَاشِدُ رَبَّكَ؛ فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الْأَنْفَالِ: 9] فَأَمَدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْمَلَائِكَةِ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَتَكَاثُرَهُمْ وَإِلَى الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَقَلَّهُمْ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، وَقَامَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي صِلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ لَا تُوَدِّعْ مِنِّي، اللَّهُمَّ لَا تَخْذُلْنِي، اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ مَا وَعَدْتَنِي». وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ» فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ. فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يَقُولُ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ [الْقَمَرِ: 45، 46]: قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا حَاصِلُهُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَوَهَّمَ أَحَدٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ؓ كَانَ أَوْثَقَ بِرَبِّهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فِي تِلْكَ الْحَالِ، بَلِ الْحَامِلُ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلَى ذَلِكَ شَفَقَتُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَقْوِيَةُ قُلُوبِهِمْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ، فَبَالَغَ فِي التَّوَجُّهِ وَالدُّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ؛ لِتَسْكُنَ نُفُوسُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّ وَسِيلَتَهُ مُسْتَجَابَةٌ، فَلَمَّا قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ مَا قَالَ كَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وَعَلِمَ أَنَّهُ اسْتُجِيبَ لَهُ، لَمَّا وَجَدَ أَبُو بَكْرٍ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالطُّمَأْنِينَةِ؛ فَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ [الْقَمَرِ: 45]. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ، وَصَاحِبُهُ فِي مَقَامِ الرَّجَاءِ، وَكِلَا الْمَقَامَيْنِ سَوَاءٌ فِي الْفَضْلِ. قَالَ تِلْمِيذُهُ السُّهَيْلِيُّ: لَا يُرِيدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَالصِّدِّيقَ سَوَاءٌ، وَلَكِنَّ الرَّجَاءَ وَالْخَوْفَ مَقَامَانِ لَا بُدَّ لِلْإِيمَانِ مِنْهُمَا، فَأَبُو بَكْرٍ كَانَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فِي مَقَامِ الرَّجَاءِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالنَّبِيُّ ﷺ كَانَ فِي مَقَامِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، فَخَافَ أَلَّا يُعْبَدَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ بَعْدَهَا. وَقَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي دَلَائِلِهِ: إِنَّمَا قَالَ الصِّدِّيقُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَا قَالَ مُعَاوَنَةً وَرِقَّةً عَلَيْهِ؛ لَمَّا رَأَى مِنْ نَصَبِهِ فِي الدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ حَتَّى سَقَطَ الرِّدَاءُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: بَعْضَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْ: لِمَ تُتْعِبُ نَفْسَكَ هَذَا التَّعَبَ وَاللَّهُ تَعَالَى قَدْ وَعَدَكَ بِالنَّصْرِ ؟ ! وَكَانَ رَقِيقَ الْقَلْبِ، شَدِيدَ الْإِشْفَاقِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَزَلَّ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى التَّصَوُّفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ زَلَلًا شَدِيدًا، فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ، وَلَعَلَّ الْخَطَّابَيَّ أَشَارَ إِلَيْهِ. قَالَ فِي الرَّوْضِ: سَبَبُ شِدَّةِ اجْتِهَادِهِ وَنَصَبِهِ فِي الدُّعَاءِ أَنَّهُ رَأَى الْمَلَائِكَةَ تَنْصَبُ فِي الْقِتَالِ وَجِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ الْغُبَارُ، وَأَنْصَارُ اللَّهِ تَعَالَى يَخُوضُونَ غَمَرَاتِ الْمَوْتِ. وَالْجِهَادُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: جِهَادٌ بِالسَّيْفِ، وَجِهَادٌ بِالدُّعَاءِ، وَمِنْ سُنَّةِ الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَرَاءِ الْجُنْدِ لَا يُقَاتِلُ مَعَهُمْ، فَكَأَنَّ الْكُلَّ فِي جِهَادٍ وَجِدٍّ، وَلَمْ يَكُنْ لِيُرِيحَ نَفْسَهُ مِنْ أَحَدِ الْجِدَّيْنِ وَالْجِهَادَيْنِ وَأَنْصَارُ اللَّهِ وَمَلَائِكَتُهُ يَجْتَهِدُونَ، وَلَا يُؤْثِرُ الدَّعَةَ وَحِزْبُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَعْدَائِهِ يَجْتَلِدُونَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ.