MajelisNoteدليل

التاريخ 6407

ثم دخلت سنة خمس عشرة وستمائة

قَصْدِ كِيكَاوُسَ وِلَايَةَ حَلَبَ، وَطَاعَةِ صَاحِبِهَا لِلْأَشْرَفِ، وَانْهِزَامِ كِيكَاوُسَ   فِي سَنَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ سَارَ عِزُّ الدِّينِ كِيكَاوُسُ بْنُ كَيْخِسْرُو مَلِكُ الرُّومِ إِلَى وِلَايَةِ حَلَبَ، قَصْدًا لِلتَّغَلُّبِ عَلَيْهَا، وَمَعَهُ الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ يُوسُفَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ بِحَلَبَ رَجُلَانِ فِيهِمَا شَرٌّ كَثِيرٌ وَسِعَايَةٌ بِالنَّاسِ، فَكَانَا يَنْقُلَانِ إِلَى صَاحِبِهَا الْمَلِكِ الظَّاهِرِ بْنِ صَلَاحِ الدِّينِ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَأَوْغَرَا صَدْرَهُ، فَلَقِيَ النَّاسُ مِنْهُمَا شِدَّةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَ الظَّاهِرُ وَوَلِيَ الْأَمْرَ شِهَابُ الدِّينِ طُغْرُلْ أَبْعَدَهُمَا وَغَيْرَهُمَا مِمَّنْ يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمَا، وَسَدَّ هَذَا الْبَابَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَلَمْ يُطَرِّقْ إِلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلَانِ كَسَادَ سُوقِهِمَا لَزِمَا بُيُوتَهُمَا، وَثَارَ بِهِمَا النَّاسُ، وَآذُوهُمَا، وَتَهَدَّدُوهُمَا لِمَا كَانَا أَسْلَفَاهُ مِنَ الشَّرِّ فَخَافَا، فَفَارَقَا حَلَبَ، وَقَصْدَا كِيكَاوُسَ فَأَطْمَعَاهُ فِيهَا، وَقَرَّرَا فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ مَتَى قَصَدَهَا لَا تَثْبُتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُهَا، وَيَهُونُ عَلَيْهِ مُلْكُ مَا بَعْدَهَا. فَلَمَّا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَلَيْهِ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَالُوا لَهُ: لَا يَتِمُّ لَكَ هَذَا إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ مَعَكَ أَحَدٌ مِنْ بَيْتِ أَيُّوبَ لِيَسْهُلَ عَلَى أَهْلِ الْبِلَادِ وَجُنْدِهَا الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ ; وَهَذَا الْأَفْضَلُ بْنُ صَلَاحِ الدِّينِ هُوَ فِي طَاعَتِكَ، وَالْمَصْلَحَةُ أَنَّكَ تَسْتَصْحِبُهُ مَعَكَ، وَتُقَرِّرُ بَيْنَكُمَا قَاعِدَةً فِيمَا تَفْتَحَانِهِ مِنَ الْبِلَادِ، فَمَتَى كَانَ مَعَكَ أَطَاعَكَ النَّاسُ وَسَهُلَ عَلَيْكَ مَا تُرِيدُ. فَأَحْضَرَ الْأَفْضَلَ مِنْ سُمَيْسَاطَ إِلَيْهِ، وَأَكْرَمَهُ، وَحَمَلَ إِلَيْهِ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الْخَيْلِ وَالْخِيَامِ وَالسِّلَاحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَاسْتَتَرَتِ الْقَوَاعِدُ بَيْنَهُمَا أَنْ يَكُونَ مَا يَفْتَحُهُ مِنْ حَلَبَ وَأَعْمَالِهَا لِلْأَفْضَلِ، وَهُوَ فِي طَاعَةِ كِيكَاوُسَ، وَالْخُطْبَةُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَجْمَعَ، ثُمَّ يَقْصِدُونَ دِيَارَ الْجَزِيرَةِ، فَمَا يَفْتَحُونَهُ مِمَّا بِيَدِ الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ مِثْلَ: حَرَّانَ وَالرُّهَا مِنَ الْبِلَادِ الْجَزَرِيَّةِ، تَكُونُ لِكِيكَاوُسَ. وَجَرَتِ الْأَيْمَانُ عَلَى ذَلِكَ، وَجَمَعُوا الْعَسَاكِرَ وَسَارُوا، فَمَلَكُوا قَلْعَةَ رَعْبَانَ، فَتَسَلَّمَهَا الْأَفْضَلُ، فَمَالَ النَّاسُ حِينَئِذٍ إِلَيْهِمَا. ثُمَّ سَارَا إِلَى قَلْعَةِ تَلِّ بَاشِرَ، وَفِيهَا صَاحِبُهَا وَلَدُ بَدْرِ الدِّينِ دَلْدَرْم الْيَارُوقِيُّ. فَحَصَرُوهُ وَضَيَّقُوا عَلَيْهِ وَمَلَكُوهُ مِنْهُ، فَأَخَذَهَا كِيكَاوُسَ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُسَلِّمْهَا إِلَى الْأَفْضَلِ، فَاسْتَشْعَرَ الْأَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَخَافَ أَنَّهُ إِنْ مَلَكَ حَلَبَ يَفْعَلُ بِهِ هَكَذَا، فَلَا يَحْصُلُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ قَلَعَ بَيْتَهُ لِغَيْرِهِ فَفَتَرَتْ نِيَّتُهُ، وَأَعْرَضَ عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا أَهْلُ الْبِلَادِ، فَكَانُوا يَظُنُّونَ أَنَّ الْأَفْضَلَ يَمْلِكُهَا فَيَسْهُلَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ، فَلَمَّا رَأَوْا ضِدَّ ذَلِكَ وَقَفُوا. وَأَمَّا شِهَابُ الدِّينِ أَتَابِكْ وَلَدُ الظَّاهِرِ صَاحِبُ حَلَبَ، فَإِنَّهُ مُلَازِمٌ قَلْعَةَ حَلَبَ لَا يَنْزِلُ مِنْهَا، وَلَا يُفَارِقُهَا الْبَتَّةَ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتَهُ مُذْ مَاتَ الظَّاهِرُ، خَوْفًا مِنْ ثَائِرٍ يَثُورُ بِهِ، فَلَمَّا حَدَثَ هَذَا الْأَمْرُ خَافَ أَنْ يَحْصُرُوهُ، وَرُبَّمَا سَلَّمَ أَهْلُ الْبَلَدِ وَالْجُنْدُ الْمَدِينَةَ إِلَى الْأَفْضَلِ لِمَيْلِهِمْ إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْمَلِكِ الْأَشْرَفِ ابْنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، صَاحِبِ الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ وَخِلَاطَ وَغَيْرِهَا، يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ لِتَكُونَ طَاعَتُهُمْ لَهُ، وَيَخْطُبُونَ لَهُ، وَيَجْعَلُ السِّكَّةَ بِاسْمِهِ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَعْمَالِ حَلَبَ مَا اخْتَارَ، وَلِأَنَّ وَلَدَ الظَّاهِرِ هُوَ ابْنُ أُخْتِهِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ، وَسَارَ إِلَيْهِمْ فِي عَسَاكِرِهِ الَّتِي عِنْدَهُ. وَأَرْسَلَ إِلَى الْبَاقِينَ يَطْلُبُهُمْ إِلَيْهِ، وَسَرَّهُ ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِهِمْ، وَأَحْضَرَ إِلَيْهِ الْعَرَبَ مِنْ طَيْءٍ وَغَيْرَهُمْ، وَنَزَلَ بِظَاهِرِ حَلَبَ. وَلَمَّا أَخَذَ كِيكَاوُسَ تَلَّ بَاشِرَ كَانَ الْأَفْضَلُ يُشِيرُ بِمُعَاجَلَةِ حَلَبَ قَبْلَ اجْتِمَاعِ الْعَسَاكِرِ بِهَا، وَقَبْلَ أَنْ يَحْتَاطُوا وَيَتَجَهَّزُوا، فَعَادَ عَنْ ذَلِكَ، وَصَارَ يَقُولُ: الرَّأْيُ أَنَّنَا نَقْصِدُ مَنْبِجَ وَغَيْرَهَا لِئَلَّا يَبْقَى لَهُمْ وَرَاءَ ظُهُورِنَا شَيْءٌ، قَصْدًا لِلتَّمَادِي وَمُرُورِ الزَّمَانِ فِي لَا شَيْءَ ; فَتَوَجَّهُوا مِنْ تَلِّ بَاشِرَ إِلَى جِهَةِ مَنْبِجَ، وَتَقَدَّمَ الْأَشْرَفُ نَحْوَهُمْ، وَسَارَتِ الْعَرَبُ فِي مُقَدِّمَتِهِ ; وَكَانَ طَائِفَةٌ مِنْ عَسْكَرِ كِيكَاوُسَ، نَحْوَ أَلْفِ فَارِسٍ، قَدْ سَبَقَتْ مُقَدِّمَتَهُ لَهُ فَالْتَقَوْا هُمْ وَالْعَرَبُ وَمِنْ مَعَهُمْ مِنَ الْعَسْكَرِ الْأَشْرَفِيّ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ كِيكَاوُسَ، وَعَادُوا إِلَيْهِ مُنْهَزِمِينَ، وَأَكْثَرَ الْعَرَبُ الْأَسْرَ مِنْهُمْ وَالنَّهْبَ لِجَوْدَةِ خَيْلِهِمْ وَدَبَرِ خَيْلِ الرُّومِ. فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ أَصْحَابُهُ مُنْهَزِمِينَ لَمْ يَثْبُتْ، بَلْ وَلَّى عَلَى أَعْقَابِهِ يَطْوِي الْمَرَاحِلَ إِلَى بِلَادِهِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى أَطْرَافِهَا أَقَامَ. وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا لِأَنَّهُ صَبِيٌّ غِرٌّ لَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ، وَإِلَّا فَالْعَسَاكِرُ مَا بَرِحَتْ تَقَعُ مُقَدِّمَاتُهَا بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ، فَسَارَ حِينَئِذٍ الْأَشْرَفُ، فَمَلَكَ رَعْبَانَ، وَحَصَرَ تَلَّ بَاشِرَ، وَبِهَا جَمْعٌ مِنْ عَسْكَرِ كِيكَاوُسَ، فَقَاتَلُوهُ حَتَّى غُلِبُوا، فَأُخِذَتِ الْقَلْعَةُ مِنْهُمْ، وَأَطْلَقَهُمُ الْأَشْرَفُ، فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى كِيكَاوُسَ جَعَلَهُمْ فِي دَارٍ وَأَحْرَقَهَا عَلَيْهِمْ، فَهَلَكُوا فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَاسْتَقْبَحُوهُ، وَاسْتَضْعَفُوهُ، لَا جَرَمَ لَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ تَعَالَى لِعَدَمِ الرَّحْمَةِ فِي قَلْبِهِ، وَمَاتَ عَقِيبَ هَذِهِ الْحَادِثَةِ. وَسَلَّمَ الْأَشْرَفُ تَلَّ بَاشِرَ وَغَيْرَهَا مِنْ بَلَدِ حَلَبَ إِلَى شِهَابِ الدِّينِ أَتَابِكْ، صَاحِبِ حَلَبَ، وَكَانَ عَازِمًا عَلَى اتِّبَاعِ كِيكَاوُسَ، وَدُخُولِ بِلَادِهِ، فَأَتَاهُ الْخَبَرُ بِوَفَاةِ أَبِيهِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ، فَاقْتَضَتِ الْمُصْلِحَةُ الْعَوْدَ إِلَى حَلَبَ، لِأَنَّ الْفِرِنْجَ بِدِيَارِ مِصْرَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ السُّلْطَانُ الْعَظِيمُ إِذَا تُوُفِّيَ رُبَّمَا جَرَى خَلَلٌ فِي الْبِلَادِ لَا تُعْرَفُ الْعَاقِبَةُ فِيهِ، فَعَادَ إِلَيْهَا، وَكُفِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا أَذَى صَاحِبِهِ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا