التاريخ 6324
ثم دخلت سنة ثنتين وستمائة
حَالِ غِيَاثِ الدِّينِ بَعْدَ قَتْلِ عَمِّهِ وَأَمَّا غِيَاثُ الدِّينِ مَحْمُودُ بْنُ غِيَاثِ الدِّينِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي إِقْطَاعِهِ، وَهُوَ بُسْتُ وَأَسْفِزَارُ، لَمَّا قُتِلَ عَمُّهُ شِهَابُ الدِّينِ، وَكَانَ الْمَلِكُ عَلَاءُ الدِّينِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ قَدْ وَلَّاهُ شِهَابُ الدِّينِ بِلَادَ الْغَوْرِ وَغَيْرَهَا مِنْ أَرْضِ الرَّاوِنِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ قَتْلُهُ سَارَ إِلَى فَيْرُوزَكُوه خَوْفًا أَنْ يَسْبِقَهُ إِلَيْهَا غِيَاثُ الدِّينِ فَيَمْلِكَ الْبَلَدَ وَيَأْخُذَ الْخَزَائِنَ الَّتِي بِهَا. وَكَانَ عَلَاءُ الدِّينِ حَسَنَ السِّيرَةِ مِنْ أَكَابِرِ بُيُوتِ الْغُورِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ النَّاسَ كَرِهُوهُ لِمَيْلِهِمْ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَأَنِفَ الْأُمَرَاءُ مِنْ خِدْمَتِهِ مَعَ وُجُودِ وَلَدِ غِيَاثِ الدِّينِ سُلْطَانِهِمْ، وَلِأَنَّهُ كَانَ كَرَّامِيًّا مُغَالِيًا فِي مَذْهَبِهِ، وَأَهْلُ فَيْرُوزَكُوه شَافِعِيَّةٌ، وَأَلْزَمَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا الْإِقَامَةَ مَثْنًى، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى فَيْرُوزَكُوه أَحْضَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ مِنْهُمْ: مُحَمَّدٌ الْمَرْغَنِيُّ وَأَخُوهُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ - وَهُمْ مِنْ أَكَابِرِ الْأُمَرَاءِ -، وَحَلَّفَهُمْ عَلَى مُسَاعَدَتِهِ عَلَى قِتَالِ خُوَارِزْمَ شَاهْ وَبَهَاءِ الدِّينِ، صَاحِبِ بَامِيَانَ، وَلَمْ يَذْكُرْ غِيَاثُ الدِّينِ احْتِقَارًا لَهُ فَحَلَفُوا لَهُ وَلِوَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَكَانَ غِيَاثُ الدِّينِ بِمَدِينَةِ بُسْتَ لَمْ يَتَحَرَّكْ فِي شَيْءٍ انْتِظَارًا لِمَا يَكُونُ مِنْ صَاحِبِ بَامِيَانَ، لِأَنَّهُمَا كَانَا قَدْ تَعَاهَدَا أَيَّامَ شِهَابِ الدِّينِ أَنْ تَكُونَ خُرَاسَانُ لِغِيَاثِ الدِّينِ وَغَزْنَةُ وَالْهِنْدُ لِبَهَاءِ الدِّينِ، وَكَانَ بَهَاءُ الدِّينِ صَاحِبُ بَامِيَانَ بَعْدَ مَوْتِ شِهَابِ الدِّينِ أَقْوَى مِنْهُ، فَلِهَذَا لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا، فَلَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ مَوْتِ بَهَاءِ الدِّينِ جَلَسَ عَلَى التَّخْتِ، وَخَطَبَ لِنَفْسِهِ بِالسَّلْطَنَةِ عَاشِرَ رَمَضَانَ، وَحَلَّفَ الْأُمَرَاءَ الَّذِينَ قَصَدُوهُ، وَهُمْ إِسْمَاعِيلُ الْخُلْجِيُّ، وَسُونَجُ أَمِيرُ أَشْكَارَ، وَزِنْكِي بْنُ خَرْجُومَ، وَحُسَيْنٌ الْغُورِيُّ صَاحِبُ تِكْيَابَاذَ وَغَيْرُهُمْ، وَتَلَقَّبَ بِأَلْقَابِ أَبِيهِ " غِيَاثِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ "، وَكَتَبَ إِلَى عَلَاءِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ وَهُوَ بِفَيْرُوزَكُوه يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، وَيَسْتَعْطِفُهُ لِيُصْدِرَ عَنْ رَأْيِهِ، وَيُسَلِّمَ مَمْلَكَتَهُ إِلَيْهِ، وَكَتَبَ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ خَرْمِيلَ، وَالِي هَرَاةَ، مِثْلَ ذَلِكَ أَيْضًا، وَوَعَدَهُ الزِّيَادَةَ فِي الْإِقْطَاعِ. فَأَمَّا عَلَاءُ الدِّينِ فَأَغْلَظَ لَهُ فِي الْجَوَابِ، وَكَتَبَ إِلَى الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ يَتَهَدَّدُهُمْ، فَرَحَلَ غِيَاثُ الدِّينِ إِلَى فَيْرُوزَكُوه، فَأَرْسَلَ عَلَاءُ الدِّينِ عَسْكَرًا مَعَ وَلَدِهِ، وَفَرَّقَ فِيهِمْ مَالًا كَثِيرًا، وَخَلَعَ عَلَيْهِمْ لِيَمْنَعُوا غِيَاثَ الدِّينِ، فَلَقَوْهُ قَرِيبًا مِنْ فَيْرُوزَكُوه، فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ كَشَفَ إِسْمَاعِيلُ الْخُلْجِيُّ الْمِغْفَرَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ إِذِ الْأَتْرَاكُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ آبَاءَهُمْ لَمْ يُضَيِّعُوا حَقَّ التَّرْبِيَةِ، وَرَدُّوا ابْنَ مَلِكِ بَامِيَانَ، وَأَنْتُمْ مَشَايِخُ الْغُورِيَّةِ الَّذِينَ أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَالِدُ هَذَا السُّلْطَانِ وَرَبَّاكُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْكُمْ كَفَرْتُمُ الْإِحْسَانَ، وَجِئْتُمْ تُقَاتِلُونَ وَلَدَهُ، أَهَذَا فِعْلُ الْأَحْرَارِ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ الْمَرْغَنِيُّ - وَهُوَ مُقَدَّمُ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ -: لَا وَاللَّهِ ! ثُمَّ تَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَأَلْقَى سِلَاحَهُ، وَقَصَدَ غِيَاثَ الدِّينِ، وَقَبَّلَ الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَكَى بِصَوْتٍ عَالٍ، وَفَعَلَ سَائِرُ الْأُمَرَاءِ كَذَلِكَ، فَانْهَزَمَ أَصْحَابُ عَلَاءِ الدِّينِ مَعَ وَلَدِهِ. فَلَمَّا بَلَغَهُ الْخَبَرُ خَرَجَ عَنْ فَيْرُوزَكُوه هَارِبًا نَحْوَ الْغَوْرِ، وَهُوَ يَقُولُ: أَنَا أَمْشِي أُجَاوِرُ بِمَكَّةَ فَأَنْفَذَ غِيَاثُ الدِّينِ خَلْفَهُ مَنْ رَدَّهُ إِلَيْهِ، فَأَخَذَهُ وَحَبَسَهُ، وَمَلَكَ فَيْرُوزَكُوه، وَفَرِحَ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ، وَقَبَضَ غِيَاثُ الدِّينِ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ عَلَاءِ الدِّينِ الْكَرَّامِيَّةِ، وَقَتَلَ بَعْضَهُمْ. وَلَمَّا دَخَلَ غِيَاثُ الدِّينِ فَيْرُوزَكُوه ابْتَدَأَ بِالْجَامِعِ فَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى دَارِ أَبِيهِ فَسَكَنَهَا، وَأَعَادَ رُسُومَ أَبِيهِ، وَاسْتَخْدَمَ حَاشِيَتَهُ، وَقَدِمَ عَلَيْهِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكَيْرَانِيُّ وَزِيرُ أَبِيهِ، وَاسْتَوْزَرَهُ، وَسَلَكَ طَرِيقَ أَبِيهِ فِي الْإِحْسَانِ وَالْعَدْلِ. وَلَمَّا فَرَغَ غِيَاثُ الدِّينِ مِنْ عَلَاءِ الدِّينِ لَمْ يَكُنْ لَهُ هِمَّةٌ إِلَّا ابْنَ خَرْمِيلَ بِهَرَاةَ وَاجْتِذَابَهُ إِلَى طَاعَتِهِ، فَكَاتَبَهُ وَرَاسَلَهُ وَاتَّخَذَهُ أَبًا، وَاسْتَدْعَاهُ إِلَيْهِ. وَكَانَ ابْنُ خَرْمِيلَ قَدْ بَلَغَهُ مَوْتُ شِهَابِ الدِّينِ ثَامِنَ رَمَضَانَ، فَجَمَعَ أَعْيَانَ النَّاسِ مِنْهُمْ: قَاضِي هَرَاةَ صَاعِدُ بْنُ الْفَضْلِ السَّيَّارِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْخَلَّاقِ بْنِ زِيَادٍ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِهَرَاةَ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ رَئِيسُ هَرَاةَ، وَنَقِيبُ الْعَلَوِيِّينَ وَمُقَدَّمِي الْمَحَالِّ، وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ بَلَغَنِي وَفَاةُ السُّلْطَانِ شِهَابِ الدِّينِ وَأَنَا فِي نَحْرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَأَخَافُ الْحِصَارَ، وَأُرِيدُ أَنْ تَحْلِفُوا لِي عَلَى الْمُسَاعَدَةِ عَلَى كُلِّ مَنْ نَازَعَنِي. فَأَجَابَهُ الْقَاضِي وَابْنُ زِيَادٍ: إِنَّنَا نَحْلِفُ عَلَى كُلِّ النَّاسِ إِلَّا وَلَدَ غِيَاثِ الدِّينِ، فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ غِيَاثِ الدِّينِ خَافَ مَيْلَ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَغَالَطَهُ فِي الْجَوَابِ. وَكَانَ ابْنُ خَرْمِيلَ قَدْ كَاتَبَ خُوَارِزْمَ شَاهْ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ عَسْكَرًا لِيَصِيرَ فِي طَاعَتِهِ وَيَمْتَنِعَ بِهِ عَلَى الْغُورِيَّةِ، فَطَلَبَ مِنْهُ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِنْفَاذَ وَلَدِهِ رَهِينَةً، وَيُرْسِلُ إِلَيْهِ عَسْكَرًا، فَسَيَّرَ وَلَدَهُ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، فَكَتَبَ خُوَارِزْمُ شَاهْ إِلَى عَسْكَرِهِ الَّذِينَ بِنَيْسَابُورَ وَغَيْرِهَا مِنْ بِلَادِ خُرَاسَانَ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى هَرَاةَ، وَأَنْ يَكُونُوا يَتَصَرَّفُونَ بِأَمْرِ ابْنِ خَرْمِيلَ وَيَمْتَثِلُونَ أَمْرَهُ. هَذَا وَغِيَاثُ الدِّينِ يُتَابِعُ الرُّسُلَ إِلَى ابْنِ خَرْمِيلَ، وَهُوَ يَحْتَجُّ بِشَيْءٍ بَعْدَ شَيْءٍ انْتِظَارًا لِعَسْكَرِ خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَلَا يُؤِيسُهُ مِنْ طَاعَتِهِ، وَلَا يَخْطُبُ لَهُ، وَيُطِيعُهُ طَاعَةً غَيْرَ مُسْتَوِيَةٍ. ثُمَّ إِنَّ الْأَمِيرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي عَلِيٍّ - صَاحِبَ كَالِوِينَ - أَطْلَعَ غِيَاثَ الدِّينِ عَلَى حَالِ ابْنِ خَرْمِيلَ، فَعَزَمَ غِيَاثُ الدِّينِ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى هَرَاةَ، فَثَبَّطَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ مَعَهُ، وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِانْتِظَارِ آخِرِ أَمْرِهِ وَتَرْكِ مُحَاقَّتِهِ. وَاسْتَشَارَ ابْنُ خَرْمِيلَ النَّاسَ فِي أَمْرِ غِيَاثِ الدِّينِ، فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْخَلَّاقِ بْنِ زِيَادٍ مُدَرِّسُ النِّظَامِيَّةِ بِهَرَاةَ، وَهُوَ مُتَوَلِّي وُقُوفِ خُرَاسَانَ الَّتِي بِيَدِ الْغُورِيَّةِ جَمِيعِهَا: يَنْبَغِي أَنْ تَخْطُبَ لِلسُّلْطَانِ غِيَاثِ الدِّينِ، وَتَتْرُكَ الْمُغَالَطَةَ، [ فَأَجَابَهُ ]: إِنَّنِي أَخَافُهُ عَلَى نَفْسِي فَامْضِ أَنْتَ وَتَوَثَّقْ لِي مِنْهُ. وَكَانَ قَصْدُهُ أَنْ يُبْعِدَهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَمَضَى بِرِسَالَتِهِ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ، وَأَطْلَعَهُ عَلَى مَا يُرِيدُ ابْنُ خَرْمِيلَ بِفِعْلِهِ مِنَ الْغَدْرِ بِهِ وَالْمَيْلِ إِلَى خُوَارِزْمَ شَاهْ، وَحَثَّهُ عَلَى قَصْدِ هَرَاةَ، وَقَالَ لَهُ: أَنَا أُسَلِّمُهَا إِلَيْكَ سَاعَةَ تَصِلُ إِلَيْهَا، وَوَافَقَهُ بَعْضُ الْأُمَرَاءِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُمْ، وَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا تَتْرُكَ لَهُ حُجَّةً، فَتُرْسِلَ إِلَيْهِ تَقْلِيدًا بِوِلَايَةِ هَرَاةَ فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَسَيَّرَهُ مَعَ ابْنِ زِيَادٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ. ثُمَّ إِنَّ غِيَاثَ الدِّينِ كَاتَبَ أَمِيرَانَ بْنَ قَيْصَرَ - صَاحِبَ الطَّالْقَانِ - يَسْتَدْعِيهِ إِلَيْهِ، فَتَوَقَّفَ وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبِ مَرْوَ لِيَسِيرَ إِلَيْهِ، فَتَوَقَّفَ أَيْضًا، فَقَالَ لَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ: إِنْ لَمْ تُسَلِّمِ الْبَلَدَ إِلَى غِيَاثِ الدِّينِ وَتَتَوَجَّهْ إِلَيْهِ، وَإِلَّا سَلَّمْنَاكَ وَقَيَّدْنَاكَ وَأَرْسَلْنَاكَ إِلَيْهِ، فَاضْطَرَّ إِلَى الْمَجِيءِ إِلَى فَيْرُوزَكُوه. فَخَلَعَ عَلَيْهِ غِيَاثُ الدِّينِ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا، وَأَقْطَعَ الطَّالْقَانَ سُونْجَ مَمْلُوكَ أَبِيهِ الْمَعْرُوفَ بِأَمِيرِ أَشْكَارَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه