التاريخ 6065
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وخمسمائة
انْهِزَامِ صَلَاحِ الدِّينِ بِالرَّمَلَةِ فِي سَنَةُ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، أَوَاخِرَ جُمَادَى الْأُولَى، سَارَ صَلَاحُ الدِّينِ يُوسُفُ بْنُ أَيُّوبَ مِنْ مِصْرَ إِلَى الشَّامِ لِقَصْدِ غَزَاةِ بِلَادِ الْفِرِنْجِ، وَجَمَعَ مَعَهُ عَسَاكِرَ كَثِيرَةً وَجُنُودًا غَزِيرَةً، فَلَمْ يَزَالُوا يَجِدُّونَ السَّيْرَ حَتَّى وَصَلُوا إِلَى عَسْقَلَانَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ، فَنَهَبُوا وَأَسَرُوا وَقَتَلُوا وَأَحْرَقُوا وَتَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ الْأَعْمَالِ مُغِيرِينَ. فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْفِرِنْجَ لَمْ يَظْهَرْ لَهُمْ عَسْكَرٌ وَلَا اجْتَمَعَ لَهُمْ مَنْ يَحْمِي الْبِلَادَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، طَمِعُوا، وَانْبَسَطُوا، وَسَارُوا فِي الْأَرْضِ آمِنِينَ مُطَمَئِنِّينَ، وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الرَّمْلَةِ، عَازِمًا عَلَى أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ حُصُونِهِمْ لِيَحْصُرَهُ، فَوَصَلَ إِلَى نَهْرٍ، فَازْدَحَمَ النَّاسُ لِلْعُبُورِ، فَلَمْ يَرْعَهُمْ إِلَّا وَالْفِرِنْجُ قَدْ أَشْرَفَتْ عَلَيْهِمْ بِأَطْلَابِهَا وَأَبْطَالِهَا، وَكَانَ مَعَ صَلَاحِ الدِّينِ بَعْضُ الْعَسْكَرِ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ تَفَرَّقُوا فِي طَلَبِ الْغَنِيمَةِ، فَلَمَّا رَآهُمْ وَقَفَ لَهُمْ فِيمَنْ مَعَهُ، وَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَقِيُّ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنُ أَخِي صَلَاحِ الدِّينِ، فَبَاشَرَ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ عَمِّهِ، فَقُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ جَمَاعَةٌ، وَكَذَلِكَ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَكَانَ لِتَقِيِّ الدِّينِ وَلَدٌ اسْمُهُ أَحْمَدُ، وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الشَّبَابِ أَوَّلُ مَا تَكَامَلَتْ لِحْيَتُهُ فَأَمَرَهُ أَبُوهُ بِالْحَمْلَةِ عَلَيْهِمْ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ وَقَاتَلَهُمْ وَعَادَ سَالِمًا قَدْ أَثَّرَ فِيهِمْ أَثَرًا كَثِيرًا، فَأَمَرَهُ بِالْعَوْدَةِ إِلَيْهِمْ ثَانِيَةً، فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلَ شَهِيدًا، وَمَضَى حَمِيدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ -. وَكَانَ أَشَدَّ النَّاسِ قِتَالًا ذَلِكَ الْيَوْمَ الْفَقِيهُ عِيسَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَحَمَلَ بَعْضُ الْفِرِنْجِ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ فَقَارَبَهُ حَتَّى كَادَ يَصِلُ إِلَيْهِ، فَقُتِلَ الْفِرِنْجِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَكَاثَرَ الْفِرِنِجُ عَلَيْهِ، فَمَضَى مُنْهَزِمًا، يَسِيرُ قَلِيلًا وَيَقِفُ لِيَلْحَقَهُ الْعَسْكَرُ إِلَى أَنْ دَخَلَ اللَّيْلُ، فَسَلَكَ الْبَرِيَّةَ إِلَى أَنْ مَضَى فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ إِلَى مِصْرَ، وَلَقَوْا فِي طَرِيقِهِمْ مَشَقَّةً شَدِيدَةً وَقَلَّ عَلَيْهِمُ الْقُوتُ وَالْمَاءُ، وَهَلَكَ كَثِيرٌ مِنْ دَوَابِّ الْعَسْكَرِ جُوعًا وَعَطَشًا وَسُرْعَةَ سَيْرٍ. وَأَمَّا الْعَسْكَرُ الَّذِي كَانُوا دَخَلُوا بِلَادَ الْفِرِنْجِ فِي الْغَارَةِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ ذَهَبَ مَا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ. وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أُسِرَ الْفَقِيهُ عِيسَى الْهَكَّارِيُّ، وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ الْأَسْدِيَّةِ، وَكَانَ جَمَعَ الْعِلْمَ وَالدِّينَ وَالشَّجَاعَةَ، وَأُسِرَ أَيْضًا أَخُوهُ الظَّهِيرُ، وَكَانَا قَدْ سَارَا مُنْهَزِمَيْنِ فَضَلَّا الطَّرِيقَ، فَأُخِذَا وَمَعَهُمَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِمَا، وَبَقُوا سِنِينَ فِي الْأَسْرِ، فَافْتَدَى صَلَاحُ الدِّينِ الْفَقِيهَ عِيسَى بِسِتِّينَ أَلْفَ دِينَارٍ وَجَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَسْرَى. وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَى الْقَاهِرَةِ نِصْفَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَرَأَيْتُ كِتَابًا كَتَبَهُ صَلَاحُ الدِّينِ بِخَطِّ يَدِهِ إِلَى أَخِيهِ شَمْسِ الدَّوْلَةِ تُورَانْشَاهْ وَهُوَ بِدِمَشْقَ، يَذْكُرُ الْوَقْعَةَ وَفِي أَوَّلِهِ: ذَكَّرْتُكَ وَالْخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنَا وَقَدْ نَهَلَتْ مِنَّا الْمُثَقَّفَةُ السُّمْرُ وَيَقُولُ فِيهِ: لَقَدْ أَشْرَفْنَا عَلَى الْهَلَاكِ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَمَا أَنْجَانَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَّا لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ سُبْحَانَهُ: وَمَا ثَبَتَتْ إِلَّا وَفِي نَفْسِهَا أَمْرُ. وَمَعَ هَذَا دَقَّتِ الْبَشَائِرُ فِي الْبُلْدَانِ فَرَحًا بِسَلَامَةِ السُّلْطَانِ، وَلَمْ تَجْرِ مِثْلُ هَذِهِ الْوَقْعَةِ إِلَّا بَعْدَ عَشْرِ سِنِينَ، وَذَلِكَ يَوْمَ حِطِّينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ السُّلْطَانُ فِي هَذِهِ الْوَقْعَةِ ثَبَاتًا عَظِيمًا، وَأَسَرَ لِلْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ تَقِيِّ الدِّينِ عُمَرَ ابْنِ أَخِي السُّلْطَانِ وَلَدُهُ شَاهِنْشَاهْ، فَبَقِيَ عِنْدَهُمْ سَبْعَ سِنِينَ، وَقُتِلَ ابْنُهُ الْآخَرُ، وَكَانَ شَابًّا قَدْ طَرَّ شَارِبُهُ، فَحَزِنَ عَلَى الْمَقْتُولِ وَالْمَفْقُودِ، وَصَبَرَ تَأَسِّيًا بِأَيُّوبَ، وَنَاحَ كَمَا نَاحَ دَاوُدُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه