التاريخ 6043
ثم دخلت سنة سبعين وخمسمائة
حَصْرِ صَلَاحِ الدِّينِ حَلَبَ وَعَوْدِهِ عَنْهَا وَمُلْكِهِ قَلْعَةَ حِمْصَ وَبَعْلَبَكَّ لَمَّا مَلَكَ صَلَاحُ الدِّينِ حَمَاةَ سَارَ إِلَى حَلَبَ فَحَصَرَهَا ثَالِثَ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَقَاتَلَهُ أَهْلُهَا، وَرَكِبَ الْمَلِكُ الصَّالِحُ، وَهُوَ صَبِيٌّ عُمْرُهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً، وَجَمَعَ أَهْلَ حَلَبَ وَقَالَ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ إِحْسَانَ أَبِي إِلَيْكُمْ وَمَحَبَّتَهُ لَكُمْ وَسِيرَتَهُ فِيكُمْ، وَأَنَا يَتِيمُكُمْ، وَقَدْ جَاءَ هَذَا الظَّالِمُ الْجَاحِدُ إِحْسَانُ وَالِدِي إِلَيْهِ يَأْخُذُ بَلَدِي وَلَا يُرَاقِبُ اللَّهَ تَعَالَى، وَلَا الْخَلْقَ، وَقَالَ مِنْ هَذَا كَثِيرًا وَبَكَى فَأَبْكَى النَّاسَ، فَأَجَابَهُ أَهْلُ الْبَلَدِ بِوُجُوبِ طَاعَتِهِ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ الرَّوَافِضُ مِنْهُمْ أَنْ يُعَادَ الْأَذَانُ بِ: حَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَأَنْ يُذْكَرَ فِي الْأَسْوَاقِ، وَأَنْ يَكُونَ لَهُمْ فِي الْجَامِعِ الْجَانِبُ الشَّرْقِيُّ، وَأَنْ يُذْكَرَ أَسْمَاءُ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ بَيْنَ يَدَيِ الْجَنَائِزِ وَأَنْ يُكَبِّرُوا عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسًا وَأَنْ تَكُونَ عُقُودُ أَنْكِحَتِهِمْ إِلَى الشَّرِيفِ الطَّاهِرِ أَبِي الْمَكَارِمِ حَمْزَةَ بْنِ زَهْرَةَ الْحُسَيْنِيِّ فَأُجِيبُوا إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ فَأُذِّنَ فِي الْجَامِعِ وَغَيْرِهِ بِسَائِرِ الْبَلَدِ بِ حَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ فَبَذَلُوا لَهُ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى الْقِتَالِ دُونَهُ، وَالْمَنْعِ عَنْ بَلَدِهِ، وَجَدُّوا فِي الْقِتَالِ، وَفِيهِمْ شَجَاعَةٌ، قَدْ أَلِفُوا الْحَرْبَ وَاعْتَادُوهَا، حَيْثُ كَانَ الْفِرِنْجُ بِالْقُرْبِ مِنْهُمْ، فَكَانُوا يَخْرُجُونَ وَيُقَاتِلُونَ صَلَاحَ الدِّينِ عِنْدَ جَبَلِ جَوْشَنَ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْقُرْبِ مِنَ الْبَلَدِ. وَأَرْسَلَ سَعْدُ الدِّينِ كَمُشْتَكِينُ إِلَى سِنَانَ مُقَدَّمِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَبَذَلَ لَهُ أَمْوَالًا كَثِيرَةً لِيَقْتُلُوا صَلَاحَ الدِّينِ، فَأَرْسَلُوا جَمَاعَةً مِنْهُمْ إِلَى عَسْكَرِهِ، فَلَمَّا وَصَلُوا رَآهُمْ أَمِيرٌ اسْمُهُ خُمَارْتِكِينُ، صَاحِبُ قَلْعَةِ أَبِي قُبَيْسٍ، فَعَرَفَهُمْ لِأَنَّهُ جَارُهُمْ فِي الْبِلَادِ، كَثِيرُ الْاجْتِمَاعِ بِهِمْ وَالْقِتَالِ لَهُمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ قَالَ لَهُمْ: مَا الَّذِي أَقْدَمَكُمْ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ جِئْتُمْ ؟ فَجَرَحُوهُ جِرَاحَاتٍ مُثْخَنَةٍ، وَحَمَلَ أَحَدُهُمْ عَلَى صَلَاحِ الدِّينِ لِيَقْتُلَهُ، فَقُتِلَ دُونَهُ، وَقَاتَلَ الْبَاقُونَ مِنَ الْإِسْمَاعِيلِّيَّةِ، فَقَتَلُوا جَمَاعَةً ثُمَّ قُتِلُوا. وَبَقِيَ صَلَاحُ الدِّينِ مُحَاصِرًا لِحَلَبَ إِلَى سَلْخِ جُمَادَى الْآخِرَةِ، وَرَحَلَ عَنْهَا مُسْتَهَلَّ رَجَبَ، وَسَبَبُ رَحِيلِهِ أَنَّ الْقُمَّصَ رِيمُنْدُ الصَّنْجِيلِيُّ، صَاحِبُ طَرَابُلُسَ، كَانَ قَدْ أَسَرَهُ نُورُ الدِّينِ عَلَى حَارِمٍ سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَبَقِيَ فِي الْحَبْسِ إِلَى هَذِهِ السَّنَةِ، فَأَطْلَقَهُ سَعْدُ الدِّينِ بِمِائَةِ أَلْفٍ وَخَمْسِينَ أَلْفَ دِينَارٍ صُورِيَّةٍ وَأَلْفِ أَسِيرٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ اجْتَمَعَ الْفِرِنْجُ عَلَيْهِ يُهَنِّئُونَهُ بِالسَّلَامَةِ، وَكَانَ عَظِيمًا فِيهِمْ مِنْ أَعْيَانِ شَيَاطِينِهِمْ، فَاتَّفَقَ أَنَّ مُرِّيَّ مَلِكَ الْفِرِنْجِ، لَعَنَهُ اللَّهُ، مَاتَ أَوَّلَ هَذِهِ السَّنَةِ، وَكَانَ أَعْظَمَ مُلُوكِهِمْ شَجَاعَةً وَأَجْوَدَهُمْ رَأْيًا وَمَكْرًا وَمَكِيدَةً، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَلَّفَ ابْنًا مَجْذُومًا عَاجِزًا عَنْ تَدْبِيرِ الْمُلْكِ، فَمَلَّكَهُ الْفِرِنْجُ صُورَةً لَا مَعْنًى تَحْتَهَا، وَتَوَلَّى الْقُمُّصُ رِيمُنْدُ تَدْبِيرَ الْمُلْكِ، وَإِلَيْهِ الْحَلُّ وَالْعَقْدُ، عَنْ أَمْرِهِ يُصْدِرُونَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ مَنْ بِحَلَبَ يَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يَقْصِدَ بَعْضَ الْبِلَادِ الَّتِي بِيَدِ صَلَاحِ الدِّينِ لِيَرْحَلَ عَنْهُمْ، فَسَارَ إِلَى حِمْصَ وَنَازَلَهَا سَابِعَ رَجَبٍ، فَلَمَّا تَجَهَّزَ لِقَصْدِهَا سَمِعَ صَلَاحُ الدِّينِ الْخَبَرَ فَرَحَلَ عَنْ حَلَبَ، فَوَصَلَ إِلَى حَمَاةَ ثَامِنَ رَجَبٍ، بَعْدَ نُزُولِ الْفِرِنْجِ عَلَى حِمْصَ بِيَوْمٍ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى الرَّسْتَنِ، فَلَمَّا سَمِعَ الْفِرِنْجُ بِقُرْبِهِ رَحَلُوا عَنْ حِمْصَ، وَوَصَلَ صَلَاحُ الدِّينِ إِلَيْهَا، فَحَصَرَ الْقَلْعَةَ إِلَى أَنْ مَلَكَهَا فِي الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ، فَصَارَ أَكْثَرُ الشَّامِ بِيَدِهِ. وَلَمَّا مَلَكَ حِمْصَ سَارَ مِنْهَا إِلَى بَعْلَبَكَّ، وَبِهَا خَادِمٌ اسْمُهُ يُمْنٌ، وَهُوَ وَالٍ عَلَيْهَا مِنْ أَيَّامِ نُورِ الدِّينِ، فَحَصَرَهَا صَلَاحُ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ يُمْنٌ يَطْلُبُ الْأَمَانَ لَهُ وَلِمَنْ عِنْدَهُ، فَأَمَّنَهُمْ صَلَاحُ الدِّينِ، وَسَلَّمَ الْقَلْعَةَ رَابِعَ شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْمَذْكُورَةِ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه