التاريخ 6006
ثم دخلت سنة ست وستين وخمسمائة
ذِكْرُ مُلْكِ نُورِ الدِّينِ الْمَوْصِلَ وَإِقْرَارِ سَيْفِ الدِّينِ عَلَيْهَا أسباب مسير نور الدين إلى الموصل لَمَّا بَلَغَ نُورَ الدِّينِ مَحْمُودًا وَفَاةُ أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ مَوْدُودٍ، صَاحِبِ الْمَوْصِلِ، وَمُلْكُ وَلَدِهِ سَيْفِ الدِّينِ غَازِي الْمَوْصِلَ وَالْبِلَادَ الَّتِي كَانَتْ لِأَبِيهِ، بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقِيَامُ فَخْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَسِيحِ بِالْأَمْرِ مَعَهُ، وَتَحَكُّمُهُ عَلَيْهِ، أَنِفَ لِذَلِكَ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَعَظُمَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يُبْغِضُ فَخْرَ الدِّينِ لِمَا يَبْلُغُهُ عَنْهُ مِنْ خُشُونَةِ سِيَاسَتِهِ، فَقَالَ: أَنَا أَوْلَى بِتَدْبِيرِ أَوْلَادِ أَخِي وَمُلْكِهِمْ، وَسَارَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْعَزَاءِ جَرِيدَةً فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، وَعَبَرَ الْفُرَاتَ، عِنْدَ قَلْعَةِ جَعْبَرَ، مُسْتَهَلَّ الْمُحَرَّمِ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، وَقَصَدَ الرَّقَّةَ فَحَصَرَهَا وَأَخَذَهَا. ثُمَّ سَارَ إِلَى الْخَابُورِ فَمَلَكَهُ جَمِيعَهُ، وَمَلَكَ نَصِيبِينَ، وَأَقَامَ بِهَا يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، فَأَتَاهُ بِهَا نُورُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ قَرَا أَرْسِلَان بْنِ دَاوُدَ، صَاحِبُ حِصْنِ كَيْفَا، وَكَثُرَ جَمْعُهُ، وَكَانَ قَدْ تَرَكَ أَكْثَرَ عَسَاكِرِهِ بِالشَّامِ ; لِحِفْظِ ثُغُورِهِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَتِ الْعَسَاكِرُ سَارَ إِلَى سَنْجَارَ، فَحَصَرَهَا، وَنَصَبَ عَلَيْهَا الْمَجَانِيقَ، وَمَلَكَهَا، وَسَلَّمَهَا إِلَى عِمَادِ الدِّينِ ابْنِ أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ. وَكَانَ قَدْ جَاءَتْهُ كُتُبُ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ بِالْمَوْصِلِ سِرًّا، يَبْذُلُونَ لَهُ الطَّاعَةَ، وَيَحُثُّونَهُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِمْ، فَسَارَ إِلَى الْمَوْصِلِ فَأَتَى مَدِينَةَ بَلَدٍ، وَعَبَرَ دِجْلَةَ عِنْدَهَا مَخَاضَةً إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَسَارَ فَنَزَلَ شَرْقَ الْمَوْصِلِ عَلَى حِصْنِ نِينَوَى، وَدِجْلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْصِلِ، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ يَوْمَ نُزُولِهِ سَقَطَ مِنْ سُورِ الْمَوْصِلِ بَدَنَةٌ كَبِيرَةٌ. وَكَانَ سَيْفُ الدِّينِ غَازِي وَفَخْرُ الدِّينِ قَدْ سَيَّرَا عِزَّ الدِّينِ مَسْعُودَ بْنَ قُطْبِ الدِّينِ إِلَى أَتَابِكِ شَمْسِ الدِّينِ إِيلْدِكْزَ، صَاحِبِ هَمَذَانَ وَبَلَدِ الْجَبَلِ، وَأَذْرَبِيجَانَ، وَأَصْفَهَانَ، وَالرَّيِّ وَتِلْكَ الْأَعْمَالِ يَسْتَنْجِدُهُ عَلَى عَمِّهِ نُورِ الدِّينِ، فَأَرْسَلَ إِيلْدِكْزُ رَسُولًا إِلَى نُورِ الدِّينِ يَنْهَاهُ عَنِ التَّعَرُّضِ إِلَى الْمَوْصِلِ، وَيَقُولُ لَهُ: إِنَّ هَذِهِ الْبِلَادَ لِلسُّلْطَانِ، فَلَا تَقْصِدْهَا، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، وَقَالَ لِلرَّسُولِ: قُلْ لِصَاحِبِكَ أَنَا أَصْلَحُ لِأَوْلَادِ أَخِي مِنْكَ، فَلِمَ تُدْخِلْ نَفْسَكَ بَيْنَنَا ؟ وَعِنْدَ الْفَرَاغِ مِنْ إِصْلَاحِ بِلَادِهِمْ يَكُونُ الْحَدِيثُ مَعَكَ عَلَى بَابِ هَمَذَانَ، فَإِنَّكَ قَدْ مَلَكْتَ هَذِهِ الْمَمْلَكَةَ الْعَظِيمَةَ، وَأَهْمَلْتَ الثُّغُورَ حَتَّى غَلَبَ الْكَرَجُ عَلَيْهَا، وَقَدْ بُلِيتُ أَنَا، وَلِي مِثْلُ رُبُعِ بِلَادِكَ، بِالْفِرِنْجِ، وَهُمْ أَشْجَعُ الْعَالَمِ، فَأَخَذْتُ مُعْظَمَ بِلَادِهِمْ، وَأَسَرْتُ مُلُوكَهُمْ، وَلَا يَحِلُّ لِيَ السُّكُوتُ عَنْكَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا الْقِيَامُ بِحِفْظِ مَا أَهْمَلْتَ وَإِزَالَةُ الظُّلْمِ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. تسليم الموصل لنور الدين وإقرار سيف الدولة عليها فَأَقَامَ نُورُ الدِّينِ عَلَى الْمَوْصِلِ، فَعَزَمَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأُمَرَاءِ عَلَى مُجَاهَرَةِ فَخْرِ الدِّينِ عَبْدِ الْمَسِيحِ بِالْعِصْيَانِ، وَتَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَى نُورِ الدِّينِ، فَعَلِمَ ذَلِكَ، فَأَرْسَلَ إِلَى نُورِ الدِّينِ فِي تَسْلِيمِ الْبَلَدِ إِلَيْهِ عَلَى أَنْ يُقِرَّهُ بِيَدِ سَيْفِ الدِّينِ، وَيَطْلُبَ لِنَفْسِهِ الْأَمَانَ وَلِمَالِهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَشَرَطَ أَنَّ فَخْرَ الدِّينِ يَأْخُذُهُ مَعَهُ إِلَى الشَّامِ، وَيُعْطِيهِ عِنْدَهُ إِقْطَاعًا يُرْضِيهِ، فَتَسَلَّمَ الْبَلَدَ ثَالِثَ عَشَرَ جُمَادَى الْأُولَى مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ وَدَخَلَ الْقَلْعَةَ مِنْ بَابِ السِّرِّ ; لِأَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ عِصْيَانُ عَبْدِ الْمَسِيحِ عَلَيْهِ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا إِلَّا مِنْ أَحْصَنِ مَوْضِعٍ فِيهَا، وَلَمَّا مَلَكَهَا أَطْلَقَ مَا بِهَا مِنَ الْمُكُوسِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَبْوَابِ الْمَظَالِمِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ بِنَصِيبِينَ وَسَنَجَارَ وَالْخَابُورِ، وَهَكَذَا كَانَ جَمِيعُ بِلَادِهِ مِنَ الشَّامِ وَمِصْرَ. وصول خلعة من المستضيء بأمر الله لنور الدين وَوَصَلَهُ، وَهُوَ عَلَى الْمَوْصِلِ يُحَاصِرُهَا، خِلْعَةٌ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَضِيءِ بِأَمْرِ اللَّهِ، فَلَبِسَهَا، وَلَمَّا مَلَكَ الْمَوْصِلَ خَلَعَهَا عَلَى سَيْفِ الدِّينِ ابْنِ أَخِيهِ، وَأَمَرَهُ وَهُوَ بِالْمَوْصِلِ بِعِمَارَةِ الْجَامِعِ النُّورِيِّ، وَرَكِبَ هُوَ بِنَفْسِهِ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَرَآهُ، وَصَعِدَ مَنَارَةَ مَسْجِدِ أَبِي حَاضِرٍ فَأَشْرَفَ مِنْهَا عَلَى مَوْضِعِ الْجَامِعِ، فَأَمَرَ أَنْ يُضَافَ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي شَاهَدَهَا مَا يُجَاوِرُهَا مِنَ الدُّورِ وَالْحَوَانِيتِ، وَأَنْ لَا يُؤْخَذَ مِنْهَا شَيْءٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ أَصْحَابِهِ. وَوَلَّى الشَّيْخَ عُمَرَ الْمُلَّا عِمَارَتَهُ، وَكَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ الْأَخْيَارِ، فَاشْتَرَى الْأَمْلَاكَ مِنْ أَصْحَابِهَا بِأَوْفَرِ الْأَثْمَانِ، وَعَمَّرَهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ أَمْوَالٌ كَثِيرَةٌ، وَفَرَغَ مِنْ عِمَارَتِهِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. عود نور الدين إلى الشام وَعَادَ إِلَى الشَّامِ، وَاسْتَنَابَ فِي قَلْعَةِ الْمَوْصِلِ خَصِيًّا كَانَ لَهُ اسْمُهُ كَمُشْتَكِينُ، وَلَقَبُهُ سَعْدُ الدِّينِ، وَأَمَرَ سَيْفَ الدِّينِ أَنْ لَا يَنْفَرِدَ عَنْهُ بِقَلِيلٍ مِنَ الْأُمُورِ وَلَا بِكَثِيرٍ، وَحَكَّمَهُ [ فِي الْبِلَادِ ] وَأَقْطَعَ مَدِينَةَ سَنَجَارَ لِعِمَادِ الدِّينِ ابْنِ أَخِيهِ قُطْبِ الدِّينِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ كَمَالُ الدِّينِ بْنُ الشَّهْرَزُورِيِّ: هَذَا طَرِيقٌ إِلَى أَذًى يَحْصُلُ لِبَيْتِ أَتَابِكِ ; لِأَنَّ عِمَادَ الدِّينِ كَبِيرٌ لَا يَرَى طَاعَةَ سَيْفِ الدِّينِ، [ وَسَيْفَ الدِّينِ ] هُوَ الْمَلِكُ لَا يَرَى الْإِغْضَاءَ لِعِمَادِ الدِّينِ فَيَحْصُلُ الْخُلْفُ، وَيَطْمَعُ الْأَعْدَاءُ، فَكَانَ كَذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ سَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَكَانَ مَقَامُ نُورِ الدِّينِ بِالْمَوْصِلِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، وَاسْتَصْحَبَ مَعَهُ فَخْرَ الدِّينِ عَبْدَ الْمَسِيحِ، وَغَيَّرَ اسْمَهُ فَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَأَقْطَعَهُ إِقْطَاعًا كَبِيرًا. ما حدث بعد دخول نور الدين الموصل وَلَمَّا دَخَلَ نُورُ الدِّينِ الْمَوْصِلَ كَانَ الَّذِي اسْتَأْمَنَ لَهُ الشَّيْخُ عُمْرُ الْمَلَّاءُ، وَحِينَ دَخَلَ نُورُ الدِّينِ الْمَوْصِلَ خَرَجَ إِلَيْهِ ابْنُ أَخِيهِ، فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَكْرَمَهُ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِ وَأَلْبَسَهُ خِلْعَةً جَاءَتْهُ مِنَ الْخَلِيفَةِ، فَدَخَلَ بِهَا إِلَى الْبَلَدِ فِي أُبَّهَةٍ عَظِيمَةٍ وَلَمْ يَدْخُلْ نُورُ الدِّينِ الْمَوْصِلَ حَتَّى قَوِيَ الشِّتَاءُ، فَأَقَامَ بِهَا كَمَا ذَكَرْنَا أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا، فَلَمَّا كَانَ آخَرُ لَيْلَةٍ أَقَامَ بِهَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَنَامِ يَقُولُ لَهُ: طَابَتْ لَكَ بَلَدُكَ وَتَرَكْتَ الْجِهَادَ وَقِتَالَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى السَّفَرِ وَمَا أَصْبَحَ إِلَّا وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى الشَّامِ وَاسْتَقْضَى الشَّيْخَ شَرَفَ الدِّينِ بْنَ أَبِي عَصْرُونَ وَكَانَ مَعَهُ عَلَى سِنْجَارَ وَنَصِيبِينَ وَالْخَابُورِ، فَاسْتَنَابَ فِيهَا ابْنُ أَبِي عَصْرُونَ نُوَّابًا وَأَصْحَابًا
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه