MajelisNoteدليل

التاريخ 5867

ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ذِكْرُ عِصْيَانِ الْجَزَائِرِ وَإِفْرِيقِيَّةَ عَلَى مَلِكِ الْفِرِنْجِ بِصِقِلِّيَةَ وَمَا كَانَ مِنْهُمْ   قَدْ ذَكَرْنَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ مَوْتَ رُجَّارَ مَلِكِ صِقِلِّيَةَ وَمُلْكَ وَلَدِهِ غُلْيَالِمَ، وَأَنَّهُ كَانَ فَاسِدَ التَّدْبِيرِ، فَخَرَجَ مِنْ حُكْمِهِ عِدَّةٌ مِنْ حُصُونِ صِقِلِّيَةَ. فَلَمَّا كَانَ هَذِهِ السَّنَةَ قَوِيَ طَمَعُ النَّاسِ فِيهِ، فَخَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ جَزِيرَةُ جَرْبَةَ وَجَزِيرَةُ قَرْقَنَّةَ، وَأَظْهَرُوا الْخِلَافَ عَلَيْهِ، وَخَالَفَ عَلَيْهِ أَهْلُ إِفْرِيقِيَّةَ، فَأَوَّلُ مَنْ أَظْهَرَ الْخِلَافَ عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْفُرِّيَانِيُّ بِمَدِينَةِ سَفَاقُسَ، وَكَانَ رُجَّارُ قَدِ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا، لَمَّا فَتَحَهَا أَبَاهُ أَبَا الْحَسَنِ، وَكَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّالِحِينَ، فَأَظْهَرَ الْعَجْزَ وَالضَّعْفَ وَقَالَ: اسْتَعْمِلْ وَلَدِي ; فَاسْتَعْمَلَهُ، وَأَخَذَ أَبَاهُ رَهِينَةً إِلَى صِقِلِّيَةَ. فَلَمَّا أَرَادَ الْمَسِيرَ إِلَيْهَا قَالَ لِوَلَدِهِ عُمَرَ: إِنَّنِي كَبِيرُ السِّنِّ، وَقَدْ قَارَبَ أَجَلِي، فَمَتَى أَمْكَنَتْكَ الْفُرْصَةُ فِي الْخِلَافِ عَلَى الْعَدُوِّ فَافْعَلْ، وَلَا تُرَاقِبْهُمْ، وَلَا تَنْظُرْ فِي أَنَّنِي أُقْتَلُ وَاحْسَبْ أَنِّي قَدْ مُتُّ ; فَلَمَّا وَجَدَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ دَعَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْخِلَافِ وَقَالَ: يَطْلُعُ جَمَاعَةٌ مِنْكُمْ إِلَى السُّورِ، وَجَمَاعَةٌ يَقْصِدُونَ مَسَاكِنَ الْفِرِنْجِ وَالنَّصَارَى جَمِيعِهِمْ، وَيَقْتُلُونَهُمْ كُلَّهُمْ. فَقَالُوا لَهُ: إِنَّ سَيِّدَنَا الشَّيْخَ وَالدَكَ نَخَافُ عَلَيْهِ. قَالَ: هُوَ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِذَا قُتِلَ بِالشَّيْخِ أُلُوفٌ مِنَ الْأَعْدَاءِ فَمَا مَاتَ ; فَلَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ حَتَّى قَتَلُوا الْفِرِنْجَ عَنْ آخِرِهِمْ، وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ. ثُمَّ اتَّبَعَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ مَطْرُوحٍ بِطَرَابُلُسَ وَبَعْدَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ رَشِيدٍ بِقَابِسَ، وَسَارَ عَسْكَرُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ إِلَى بُونَةَ فَمَلَكَهَا وَخَرَجَ جَمِيعُ إِفْرِيقِيَّةَ عَنْ حُكْمِ الْفِرِنْجِ مَا عَدَا الْمَهْدِيَّةَ وَسْوَسَةَ. وَأَرْسَلَ عُمَرُ بْنُ [ أَبِي ] الْحُسَيْنِ إِلَى زَوِيلَةَ، وَهِيَ مَدِينَةٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَهْدِيَّةِ نَحْوُ مَيْدَانٍ، يُحَرِّضُهُمْ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَى مَنْ مَعَهُمْ فِيهَا مِنَ النَّصَارَى، فَفَعَلُوا ذَلِكَ، وَقِدَمَ عَرَبُ الْبِلَادِ إِلَى زَوِيلَةَ، فَأَعَانُوا أَهْلَهَا عَلَى مَنْ بِالْمَهْدِيَّةِ مِنَ الْفِرِنْجِ، وَقَطَعُوا الْمِيرَةَ عَنِ الْمَهْدِيَّةِ. فَلَمَّا اتَّصَلَ الْخَبَرُ بِغُلْيَالِمَ مَلِكِ صِقِلِّيَةَ أَحْضَرَ أَبَا الْحُسَيْنِ وَعَرَّفَهُ مَا عَمِلَ ابْنُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَكْتُبَ إِلَيْهِ يَنْهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَيَأْمُرَهُ بِالْعَوْدِ إِلَى طَاعَتِهِ، وَيُخَوِّفَهُ عَاقِبَةَ فِعْلِهِ، فَقَالَ: مَنْ قَدِمَ عَلَى هَذَا لَا يَرْجِعُ بِكِتَابٍ، فَأَرْسَلَ مَلِكُ صِقِلِّيَةَ إِلَيْهِ رَسُولًا يَتَهَدَّدُهُ، وَيَأْمُرُهُ بِتَرْكِ مَا ارْتَكَبَهُ، فَلَمْ يُمَكِّنْهُ عُمَرُ مِنْ دُخُولِ الْبَلَدِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ خَرَجَ أَهْلُ الْبَلَدِ جَمِيعُهُمْ وَمَعَهُمْ جِنَازَةٌ، وَالرَّسُولُ يُشَاهِدُهُمْ، فَدَفَنُوهَا وَعَادُوا، وَأَرْسَلَ عُمَرُ إِلَى الرَّسُولِ يَقُولُ لَهُ: هَذَا أَبِي قَدْ دَفَنْتُهُ، وَقَدْ جَلَسْتُ لِلْعَزَاءِ بِهِ، فَاصْنَعُوا بِهِ مَا أَرَدْتُمْ. فَعَادَ الرَّسُولُ إِلَى غُلْيَالِمَ فَأَخْبَرَهُ بِمَا صَنَعَ عُمَرُ بْنُ أَبِي الْحُسَيْنِ، فَأَخَذَ أَبَاهُ وَصَلَبَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى مَاتَ. وَأَمَّا أَهْلُ زَوِيلَةَ فَإِنَّهُمْ كَثُرَ جَمْعُهُمْ بِالْعَرَبِ وَأَهْلِ سَفَاقُسَ وَغَيْرِهِمْ، فَحَصَرُوا الْمَهْدِيَّةَ وَضَيَّقُوا عَلَيْهَا، وَكَانَتِ الْأَقْوَاتُ بِالْمَهْدِيَّةِ قَلِيلَةً، فَسَيَّرَ إِلَيْهِمْ صَاحِبُ صِقِلِّيَةَ عَشْرِينَ شِينِيًّا فِيهَا الرِّجَالُ وَالسِّلَاحُ، فَدَخَلُوا الْبَلَدَ، وَأَرْسَلُوا إِلَى الْعَرَبِ وَبَذَلُوا لَهُمْ مَالًا لِيَنْهَزِمُوا، وَخَرَجُوا مِنَ الْغَدِ، فَاقْتَتَلُوا هُمْ وَأَهْلُ زَوِيلَةَ، فَانْهَزَمَتِ الْعَرَبُ، وَبَقِيَ أَهْلُ زَوِيلَةَ وَأَهْلُ سَفَاقُسَ يُقَاتِلُونَ الْفِرِنْجَ بِظَاهِرِ الْبَلَدِ، وَأَحَاطَ بِهِمُ الْفِرِنْجُ، فَانْهَزَمَ أَهْلُ سَفَاقُسَ وَرَكِبُوا فِي الْبَحْرِ فَنَجَوْا، وَبَقِيَ أَهْلُ زَوِيلَةَ، فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْفِرِنْجُ فَانْهَزَمُوا إِلَى زَوِيلَةَ، فَوَجَدُوا أَبْوَابَهَا مُغْلَقَةً، فَقَاتَلُوا تَحْتَ السُّورِ، وَصَبَرُوا حَتَّى قُتِلَ أَكْثَرُهُمْ وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الْقَلِيلُ فَتَفَرَّقُوا، وَمَضَى بَعْضُهُمْ إِلَى عَبْدِ الْمُؤْمِنِ. فَلَمَّا قُتِلُوا هَرَبَ مَنْ بِهَا مِنَ الْحُرَمِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ فِي الْبَرِّ، وَلَمْ يُعَرِّجُوا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَدَخَلَ الْفِرِنْجُ زَوِيلَةَ فَقَتَلُوا مَنْ وَجَدُوا فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ وَالْأَطْفَالِ، وَنَهَبُوا الْأَمْوَالَ، وَاسْتَقَرَّ الْفِرِنْجُ بِالْمَهْدِيَّةِ إِلَى أَنْ أَخَذَهَا مِنْهُمْ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا