MajelisNoteدليل

التاريخ 5450

ثم دخلت سنة خمس وتسعين وأربعمائة

حِصَارِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ بِأَصْبَهَانَ   لَمَّا انْهَزَمَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ مِنَ الْوَقْعَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِالرَّيِّ، مَضَى إِلَى أَصْبَهَانَ فِي سَبْعِينَ فَارِسًا، وَالْبَلَدُ فِي حُكْمِهِ، وَفِيهِ نَائِبُهُ، وَمَعَهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْأَمِيرُ يَنَّالُ، وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَأَمَرَ بِتَجْدِيدِ مَا تَشَعَّثَ مِنَ السُّورِ، وَهَذَا السُّورُ هُوَ الَّذِي بَنَاهُ عَلَاءُ الدَّوْلَةِ بْنُ كَاكَوَيْهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، عِنْدَ خَوْفِهِ مِنْ طُغْرُلْبَكْ، وَأَمَرَ مُحَمَّدٌ بِتَعْمِيقِ الْخَنْدَقِ حَتَّى صَعِدَ الْمَاءُ فِيهِ، وَسَلَّمَ إِلَى كُلِّ أَمِيرٍ بَابًا،، وَكَانَ مَعَهُ فِي الْبَلَدِ أَلْفٌ وَمِائَةُ فَارِسٍ وَخَمْسُمِائَةِ رَاجِلٍ، وَنَصَبَ الْمَجَانِيقَ. وَلَمَّا عَلِمَ السُّلْطَانُ بَرْكِيَارُقُ بِمَسِيرِ أَخِيهِ مُحَمَّدٍ إِلَى أَصْبَهَانَ سَارَ يَتْبَعُهُ، فَوَصَلَهَا فِي جُمَادَى الْأُولَى، وَعَسَاكِرُهُ كَثِيرَةٌ، تَزِيدُ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ فَارِسٍ، وَمَعَهَا مِائَةُ أَلْفٍ مِنَ الْحَوَاشِي، وَأَقَامَ يُحَاصِرُ الْبَلَدَ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ. وَكَانَ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ يَدُورُ كُلَّ لَيْلَةٍ عَلَى سُورِ الْبَلَدِ ثَلَاثَ دُفْعَاتٍ، فَلَمَّا زَادَ الْأَمْرُ فِي الْحِصَارِ، أَخْرَجَ الضُّعَفَاءَ وَالْفُقَرَاءَ مِنَ الْبَلَدِ حَتَّى خَلَتِ الْمَحَالُّ، وَعُدِمَتِ الْأَقْوَاتُ، وَأَكَلَ النَّاسُ الْخَيْلَ، وَالْجِمَالَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَقَلَّتِ الْأَمْوَالُ فَاضْطُرَّ السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ إِلَى أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ أَعْيَانِ الْبَلَدِ فَأَخَذَ مَالًا عَظِيمًا، ثُمَّ عَاوَدَ الْجُنْدُ الطَّلَبَ، فَقَسَّطَ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ شَيْئًا آخَرَ، وَأَخَذَهُ مِنْهُمْ بِالشِّدَّةِ وَالْعُنْفِ، فَلَمْ تَزَلِ الْأَسْعَارُ تَغْلُو، حَتَّى بَلَغَ عَشْرَةُ أَمْنَانٍ مِنَ الْحِنْطَةِ بِدِينَارٍ، وَأَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ لَحْمًا بِدِينَارٍ، وَكُلُّ مِائَةِ رَطْلٍ تِبْنًا بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَرَخَصَتِ الْأَمْتِعَةُ وَهَانَتْ لِعَدَمِ الطَّالِبِ. وَكَانَتِ الْأَسْعَارُ، فِي عَسْكَرِ بَرْكِيَارُقَ، رَخِيصَةً، فَبَقِيَ الْحِصَارُ عَلَى الْبَلَدِ إِلَى عَاشِرِ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَمَّا رَأَى السُّلْطَانُ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الدَّفْعِ عَنِ الْبَلَدِ، وَكُلَّمَا جَاءَ أَمْرُهُ يَضْعُفُ، قَوَّى عَزْمَهُ عَلَى مُفَارَقَتِهِ وَقَصْدِ جِهَةٍ أُخْرَى، يَجْمَعُ فِيهَا الْعَسَاكِرَ، وَيَعُودُ يَدْفَعُ الْخَصْمَ عَنِ الْحِصَارِ، فَسَارَ عَنِ الْبَلَدِ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا، وَمَعَهُ الْأَمِيرُ يَنَّالُ، وَاسْتَخْلَفَ بِالْبَلَدِ جَمَاعَةً مِنَ الْأُمَرَاءِ الْكِبَارِ فِي بَاقِي الْعَسْكَرِ، فَلَمَّا فَارَقَ الْعَسْكَرَ وَالْبَلَدَ لَمْ يَكُنْ فِي دَوَابِّهِمْ مَا يَدُومُ عَلَى السَّيْرِ لِقِلَّةِ الْعَلَفِ فِي الْحِصَارِ، فَنَزَلَ عَلَى سِتَّةِ فَرَاسِخَ. فَلَمَّا سَمِعَ بَرْكِيَارُقُ بِمَسِيرِهِ سَيَّرَ وَرَاءَهُ الْأَمِيرَ إِيَازَ فِي عَسْكَرٍ كَثِيرٍ، وَأَمَرَهُ بِالْجِدِّ فِي السَّيْرِ فِي طَلَبِهِ، فَقِيلَ: إِنَّ مُحَمَّدًا سَبَقَهُمْ، فَلَمْ يُدْرِكُوهُ، فَرَجَعُوا، وَقِيلَ: بَلْ أَدْرَكُوهُ، فَأَرْسَلَ إِلَى الْأَمِيرِ إِيَازَ يَقُولُ: أَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّنِي لِي فِي رَقَبَتِكَ عُهُودٌ وَأَيْمَانٌ مَا نُقِضَتْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنِّي إِلَيْكَ مَا تُبَالِغُ فِي أَذَايَ. فَعَادَ عَنْهُ، وَأَرْسَلَ لَهُ خَيْلًا، وَأَخَذَ عَلَمَهُ، والْجَتَرَ، وَثَلَاثَةَ أَحْمَالٍ دَنَانِيرَ، وَعَادَ إِلَى بَرْكِيَارُقَ، فَدَخَلَ إِلَيْهِ، وَأَعْلَامُ أَخِيهِ السُّلْطَانِ مُحَمَّدٍ مَنْكُوسَةً، فَأَنْكَرَ بَرْكِيَارُقُ ذَلِكَ، وَقَالَ: إِنْ كَانَ قَدْ أَسَاءَ، فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ مَعَهُ هَذَا، فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ مِنْهُ. فَلَمَّا فَارَقَ مُحَمَّدٌ أَصْبَهَانَ اجْتَمَعَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، وَالسَّوَادِيَّةِ، وَمَنْ يُرِيدُ النَّهْبَ، مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ أَلْفِ نَفْسٍ، وَزَحَفُوا إِلَى الْبَلَدِ بِالسَّلَالِيمِ، وَالدَّبَّابَاتِ، وَطَمُّوا الْخَنْدَقَ بِالتِّبْنِ، وَالْتَصَقُوا بِالسُّورِ، وَصَعِدَ النَّاسُ فِي السَّلَالِيمِ فَقَاتَلَهُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ قِتَالَ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِيَ حَرِيمَهُ وَمَالَهُ، فَعَادُوا خَائِبِينَ، فَحِينَئِذٍ أَشَارَ الْأُمَرَاءُ عَلَى بَرْكِيَارُقَ بِالرَّحِيلِ، فَرَحَلَ ثَامِنَ عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْبَلَدِ الْقَدِيمِ، الَّذِي يُقَالُ لَهُ شَهْرِسْتَانُ، تَرْشُكَ الصَّوَابِيَّ فِي أَلْفِ فَارِسٍ مَعَ ابْنِهِ مَلِكْشَاهْ، وَسَارَ إِلَى هَمَذَانَ، وَكَانَ هَذَا مِنْ أَعْجَبِ مَا سُطِرَ أَنَّ سُلْطَانًا مَحْصُورًا قَدْ تَقَطَّعَتْ مَوَادُّهُ، وَهُوَ يُخْطَبُ لَهُ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، ثُمَّ يَخْلُصُ مِنَ الْحَصْرِ الشَّدِيدِ، وَيَنْجُو مِنَ الْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي كُلُّهَا قَدْ شَرَعَ إِلَيْهِ وَفَوَّقَ إِلَيْهِ سَهْمَهُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا