التاريخ 5376
ثم دخلت سنة سبع وثمانين وأربعمائة
قَتْلِ قَسِيمِ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرَ ، وَمَلْكِ تُتُشْ حَلَبَ وَالْجَزِيرَةَ وَدِيَارَ بَكْرٍ، وَأَذْرَبِيجَانَ وَهَمَذَانَ، وَالْخُطْبَةِ لَهُ بِبَغْدَاذَ وفِي سَنَةُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فِي جُمَادَى الْأُولَى، قُتِلَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ، جَدُّ مُلُوكِنَا بِالْمَوْصِلِ الْآنَ، أَوْلَادُ الشَّهِيدِ زِنْكِيِّ بْنِ آقْسَنْقَرَ. وَسَبَبُ قَتْلِهِ أَنَّ تَاجَ الدَّوْلَةِ تُتُشْ لَمَّا عَادَ مِنْ أَذْرَبِيجَانَ مُنْهَزِمًا لَمْ يَزَلْ يَجْمَعُ الْعَسَاكِرَ، فَكَثُرَتْ جُمُوعُهُ، وَعَظُمَ حَشْدُهُ، فَسَارَ فِي هَذَا التَّارِيخِ عَنْ دِمَشْقَ نَحْوَ حَلَبَ لِيَطْلُبَ السَّلْطَنَةَ، فَاجْتَمَعَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ آقْسَنْقَرُ، وَبُوزَانُ، وَأَمَدَّهُمَا رُكْنُ الدِّينِ بَرْكِيَارُقُ بِالْأَمِيرِ كَرْبُوقَا الَّذِي صَارَ بَعْدُ صَاحِبَ الْمَوْصِلِ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا سَارُوا إِلَى طَرِيقِهِ، فَلَقُوهُ عِنْدَ نَهْرِ سَبْعِينَ قَرِيبًا مِنْ تَلِّ السُّلْطَانِ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَلَبَ سِتَّةُ فَرَاسِخَ، وَاقْتَتَلُوا، وَاشْتَدَّ الْقِتَالُ، فَخَامَرَ بَعْضُ الْعَسْكَرِ الَّذِينَ مَعَ آقْسَنْقَرَ، فَانْهَزَمُوا، وَتَبِعَهُمُ الْبَاقُونَ، فَتَمَّتِ الْهَزِيمَةُ، وَثَبَتَ آقْسَنْقَرُ، فَأُخِذَ أَسِيرًا، وَأُحْضِرَ عِنْدَ تُتُشْ، فَقَالَ لَهُ: لَوْ ظَفِرْتَ بِي مَا كُنْتَ صَنَعْتَ ؟ قَالَ: كُنْتُ أَقْتُلُكَ ! فَقَالَ لَهُ: أَنَا أَحْكُمُ عَلَيْكَ بِمَا كُنْتَ تَحْكُمُ عَلَيَّ، فَقَتَلَهُ صَبْرًا. وَسَارَ نَحْوَ حَلَبَ، وَكَانَ قَدْ دَخَلَ إِلَيْهَا كَرْبُوقَا، وَبُوزَانُ، فَحَفِظَاهَا مِنْهُ، وَحَصَرَهَا تُتُشْ وَلَجَّ فِي قِتَالِهَا حَتَّى مَلَكَهَا، ( سَلَّمَهَا إِلَيْهِ الْمُقِيمُ بِقَلْعَةِ الشَّرِيفِ، وَمِنْهَا دَخَلَ الْبَلَدَ، وَأَخَذَهُمَا أَسِيرَيْنِ، وَأَرْسَلَ إِلَى حَرَّانَ وَالرُّهَا لِيُسَلِّمُوهُ مَنْ بِهِمَا - وَكَانَتَا لَبُوزَانَ - فَامْتَنَعُوا مِنَ التَّسْلِيمِ إِلَيْهِ، فَقَتَلَ بُوزَانَ، وَأَرْسَلَ رَأْسَهُ إِلَيْهِمْ ) وَتَسَلَّمَ الْبَلَدَيْنِ. وَأَمَّا كَرْبُوقَا فَإِنَّهُ أَرْسَلَهُ إِلَى حِمْصَ، فَسَجَنَهُ بِهَا إِلَى أَنْ أَخْرَجَهُ الْمَلِكُ رَضْوَانُ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهِ تُتُشْ. وَكَانَ قَسِيمُ الدَّوْلَةِ أَحْسَنَ الْأُمَرَاءِ سِيَاسَةً لِرَعِيَّتِهِ، وَحِفْظًا لَهُمْ، وَكَانَتْ بِلَادُهُ بَيْنَ رُخْصٍ عَامٍّ، وَعَدْلٍ شَامِلٍ، وَأَمْنٍ وَاسِعٍ، وَكَانَ قَدْ شَرَطَ عَلَى أَهْلِ كُلِّ قَرْيَةٍ مِنْ بِلَادِهِ، مَتَى أُخِذَ عِنْدَهُمْ قَفْلٌ، أَوْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، غَرِمَ أَهْلُهَا جَمِيعَ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْأَمْوَالِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ، فَكَانَتِ السَّيَّارَةُ، إِذَا بَلَغُوا قَرْيَةً مِنْ بِلَادِهِ، أَلْقَوْا رِحَالَهُمْ وَنَامُوا، وَحَرَسَهُمْ أَهْلُ الْقَرْيَةِ إِلَى أَنْ يَرْحَلُوا، فَأَمِنَتِ الطُّرُقُ. وَأَمَّا وَفَاؤُهُ، وَحُسْنُ عَهْدِهِ، فَيَكْفِيهِ فَخْرًا أَنَّهُ قُتِلَ فِي حِفْظِ بَيْتِ صَاحِبِهِ وَوَلِيِّ نِعْمَتِهِ. فَلَمَّا مَلَكَ تُتُشْ حَرَّانَ وَالرُّهَا سَارَ إِلَى الدِّيَارِ الْجَزَرِيَّةِ فَمَلَكَهَا جَمِيعَهَا، ثُمَّ مَلَكَ دِيَارَ بَكْرٍ وَخِلَاطٍ، وَسَارَ إِلَى أَذْرَبِيجَانَ فَمَلَكَ بِلَادَهَا كُلَّهَا، ثُمَّ سَارَ مِنْهَا إِلَى هَمَذَانَ فَمَلَكَهَا، وَرَأَى بِهَا فَخْرَ الْمُلْكِ بْنَ نِظَامِ الْمُلْكِ، وَكَانَ بِخُرَاسَانَ، فَسَارَ مِنْهَا إِلَى السُّلْطَانِ بَرْكِيَارُقَ لِيَخْدِمَهُ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ الْأَمِيرُ قِمَاجُ، وَهُوَ مِنْ عَسْكَرِ مَحْمُودِ ابْنِ السُّلْطَانِ مَلِكْشَاهْ بِأَصْبَهَانَ، فَنَهَبَ فَخْرَ الْمُلْكِ، فَهَرَبَ مِنْهُ وَنَجَا بِنَفْسِهِ، فَجَاءَ إِلَى هَمَذَانَ فَصَادَفَهُ تُتُشْ بِهَا، فَأَرَادَ قَتْلَهُ، فَشَفَعَ فِيهِ يَاغِي سِيَانَ، وَأَشَارَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَوْزِرَهُ لِمَيْلِ النَّاسِ إِلَى بَيْتِهِ، فَاسْتَوْزَرَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَطْلُبُ الْخُطْبَةَ مِنَ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَظْهِرِ بِاللَّهِ، وَكَانَ شِحْنَتُهُ بِبَغْدَاذَ أَيْتَكِينَ جَبَّ، فَلَازَمَ الْخِدْمَةَ بِالدِّيوَانِ، وَأَلَحَّ فِي طَلَبِهَا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ سَمِعُوا أَنَّ بَرْكِيَارُقَ قَدِ انْهَزَمَ مِنْ عَسْكَرِ عَمِّهِ تُتُشْ، عَلَى مَا نَذْكُرُهُ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه