MajelisNoteدليل

التاريخ 5349

ثم دخلت سنة أربع وثمانين وأربعمائة

مُلْكِ الْفِرِنْجِ جَزِيرَةَ صِقِلِّيَةَ   فِي أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ اسْتَوْلَى الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، عَلَى جَمِيعِ جَزِيرَةِ صِقِلِّيَةَ، أَعَادَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَى الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ صِقِلِّيَةَ كَانَ الْأَمِيرُ عَلَيْهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَبَا الْفُتُوحِ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحُسَيْنِ، وَلَّاهُ عَلَيْهَا الْعَزِيزُ الْعَلَوِيُّ، صَاحِبُ مِصْرَ وَإِفْرِيقِيَةَ، فَأَصَابَهُ هَذِهِ السَّنَةَ فَالِجٌ، فَتَعَطَّلَ جَانِبُهُ الْأَيْسَرُ، وَضَعُفَ الْجَانِبُ الْأَيْمَنُ، فَاسْتَنَابَ ابْنَهُ جَعْفَرًا، فَبَقِيَ كَذَلِكَ ضَابِطًا لِلْبِلَادِ، حَسَنَ السِّيرَةِ فِي أَهْلِهَا إِلَى سَنَةِ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَخَالَفَ عَلَيْهِ أَخُوهُ عَلِيٌّ، وَأَعَانَهُ جَمْعٌ مِنَ الْبَرْبَرِ وَالْعَبِيدِ، فَأَخْرَجَ إِلَيْهِ أَخُوهُ جَعْفَرٌ جُنْدًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَاقْتَتَلُوا سَابِعَ شَعْبَانَ، وَقُتِلَ مِنَ الْبَرْبَرِ وَالْعَبِيدِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، وَهَرَبَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ وَأُخِذَ عَلِيٌّ أَسِيرًا، فَقَتَلَهُ أَخُوهُ جَعْفَرٌ، وَعَظُمَ قَتْلُهُ عَلَى أَبِيهِ، فَكَانَ بَيْنَ خُرُوجِهِ وَقَتْلِهِ ثَمَانِيَةُ أَيَّامٍ. وَأَمَرَ جَعْفَرٌ حِينَئِذٍ أَنْ يُنْفَى كُلُّ بَرْبَرِيٍّ بِالْجَزِيرَةِ، فَنُفُوا إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَأَمَرَ بِقَتْلِ الْعَبِيدِ، فَقُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَجَعَلَ جُنْدَهُ كُلَّهُمْ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ. فَقَلَّ الْعَسْكَرُ بِالْجَزِيرَةِ، وَطَمِعَ أَهْلُ الْجَزِيرَةِ فِي الْأُمَرَاءِ، فَلَمْ يَمْضِ إِلَّا يَسِيرٌ حَتَّى ثَارَ بِهِ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ، وَأَخْرَجُوهُ، وَخَلَعُوهُ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَلَّى عَلَيْهِمْ إِنْسَانًا صَادَرَهُمْ، وَأَخَذَ الْأَعْشَارَ مِنْ غَلَّاتِهِمْ، وَاسْتَخَفَّ بِقُوَّادِهِمْ وَشُيُوخِ الْبَلَدِ، وَقَهَرَ جَعْفَرٌ إِخْوَتَهُ، وَاسْتَطَالَ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَشْعُرْ إِلَّا وَقَدْ زَحَفَ إِلَيْهِ أَهْلُ الْبَلَدِ كَبِيرُهُمْ وَصَغِيرُهُمْ، فَحَصَرُوهُ فِي قَصْرِهِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ عَشْرٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَأَشْرَفُوا عَلَى أَخْذِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ أَبُوهُ يُوسُفُ فِي مِحَفَّةٍ، وَكَانُوا لَهُ مُحِبِّينَ، فَلَطَفَ بِهِمْ وَرَفَقَ، فَبَكَوْا رَحْمَةً لَهُ مِنْ مَرَضِهِ، وَذَكَرُوا لَهُ مَا أَحْدَثَ ابْنُهُ عَلَيْهِمْ، وَطَلَبُوا أَنْ يَسْتَعْمِلَ ابْنَهُ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفَ بِالْأَكْحَلِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ. وَخَافَ يُوسُفُ عَلَى ابْنِهِ جَعْفَرٍ مِنْهُمْ، فَسَيَّرَهُ فِي مَرْكِبٍ إِلَى مِصْرَ، وَسَارَ أَبُوهُ يُوسُفُ بَعْدَهُ، وَمَعَهُمَا مِنَ الْأَمْوَالِ سِتُّمِائَةِ أَلْفِ دِينَارٍ وَسَبْعُونَ أَلْفًا، وَكَانَ لِيُوسُفَ مِنَ الدَّوَابِّ ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفَ حِجْرَةٍ، سِوَى الْبِغَالِ وَغَيْرِهَا، وَمَاتَ بِمِصْرَ وَلَيْسَ لَهُ إِلَّا دَابَّةٌ وَاحِدَةٌ. وَلَمَّا وَلِيَ الْأَكْحَلُ أَخَذَ أَمْرَهُ بِالْحَزْمِ وَالِاجْتِهَادِ، وَجَمَعَ الْمُقَاتِلَةَ، وَبَثَّ سَرَايَاهُ فِي بِلَادِ الْكَفَرَةِ، فَكَانُوا يَحْرِقُونَ، وَيَغْنِمُونَ، وَيَسْبُونَ، وَيُخَرِّبُونَ الْبِلَادَ، وَأَطَاعَهُ جَمِيعُ قِلَاعِ صِقِلِّيَةَ الَّتِي لِلْمُسْلِمِينَ. وَكَانَ لِلْأَكْحَلِ ابْنٌ اسْمُهُ جَعْفَرٌ كَانَ يَسْتَنِيبُهُ إِذَا سَافَرَ، فَخَالَفَ سِيرَةَ أَبِيهِ، ثُمَّ ( إِنَّ الْأَكْحَلَ ) جَمَعَ أَهْلَ صِقِلِّيَةَ وَقَالَ: أُحِبُّ أَنْ أُشْلِيكُمْ عَلَى الْإِفْرِيقِيِّنَ الَّذِينَ قَدْ شَارَكُوكُمْ فِي بِلَادِكُمْ، وَالرَّأْيُ إِخْرَاجُهُمْ، فَقَالُوا: قَدْ صَاهَرْنَاهُمْ وَصِرْنَا شَيْئًا وَاحِدًا، فَصَرَفَهُمْ. ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى الْإِفْرِيقِيِّينَ، فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَجَابُوهُ إِلَى مَا أَرَادَ، فَجَمَعَهُمْ حَوْلَهُ، فَكَانَ يَحْمِي أَمْلَاكَهُمْ، وَيَأْخُذُ الْخَرَاجَ مِنْ أَمْلَاكِ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ، فَسَارَ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ جَمَاعَةٌ إِلَى الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، وَشَكَوْا إِلَيْهِ مَا حَلَّ بِهِمْ، وَقَالُوا: نُحِبُّ أَنْ نَكُونَ فِي طَاعَتِكَ، وَإِلَّا سَلَّمْنَا الْبِلَادَ إِلَى الرُّومِ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَسَيَّرَ مَعَهُمْ وَلَدَهُ عَبْدَ اللَّهِ فِي عَسْكَرٍ، فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ، وَحَصَرَ الْأَكْحَلَ فِي الْخُلَاصَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ صِقِلِّيَةَ، وَأَرَادَ بَعْضُهُمْ نُصْرَةَ الْأَكْحَلِ، فَقَتَلَهُ الَّذِينَ أَحْضَرُوا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُعِزِّ. ثُمَّ إِنَّ الصِّقِلِّيِّينَ رَجَعَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَقَالُوا: أَدْخَلْتُمْ غَيْرَكُمْ عَلَيْكُمْ، وَاللَّهِ لَا كَانَتْ عَاقِبَةُ أَمْرِكُمْ فِيهِ إِلَى خَيْرٍ ! فَعَزَمُوا عَلَى حَرْبِ عَسْكَرِ الْمُعِزِّ، فَاجْتَمَعُوا وَزَحَفُوا إِلَيْهِمْ، فَاقْتَتَلُوا، فَانْهَزَمَ عَسْكَرُ الْمُعِزِّ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ، وَرَجَعُوا فِي الْمَرَاكِبِ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ، وَوَلَّى أَهْلُ الْجَزِيرَةِ عَلَيْهِمْ حَسَنًا الصَّمْصَامَ، أَخَا الْأَكْحَلِ، فَاضْطَرَبَتْ أَحْوَالُهُمْ، وَاسْتَوْلَى الْأَرَاذِلُ، وَانْفَرَدَ كُلُّ إِنْسَانٍ بِبَلَدٍ، وَأَخْرَجُوا الصَّمْصَامَ، فَانْفَرَدَ الْقَائِدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَنْكُوتٍ بِمَازَرَ وَطَرَابُنُشَ وَغَيْرِهِمَا، وَانْفَرَدَ الْقَائِدُ عَلِيُّ بْنُ نِعْمَةَ، الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الْحَوَّاسِ، بِقَصْرِيَانَةَ وَجُرْجِنْتَ وَغَيْرِهِمَا، وَانْفَرَدَ ابْنُ الثِّمْنَةِ بِمَدِينَةِ سَرَقُوسَةَ، وَقَطَانِيَّةَ، وَتَزَوُّجَ بِأُخْتِ ابْنِ الْحَوَّاسِ. ثُمَّ إِنَّهُ جَرَى ( بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا ) كَلَامٌ فَأَغْلَظَ كُلٌّ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ، وَهُوَ سَكْرَانٌ، فَأَمَرَ ابْنُ الثِّمْنَةِ بِفَصْدِهَا فِي عَضُدَيْهَا، وَتَرْكِهَا لِتَمُوتَ، فَسَمِعَ وَلَدُهُ إِبْرَاهِيمُ، فَحَضَرَ، وَأَحْضَرَ الْأَطِبَّاءَ، وَعَالَجَهَا إِلَى أَنْ عَادَتْ قُوَّتُهَا، وَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُوهُ نَدِمَ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهَا بِالسُّكْرِ، فَأَظْهَرَتْ قَبُولَ عُذْرِهِ. ثُمَّ إِنَّهَا طَلَبَتْ مِنْهُ بَعْدَ مُدَّةٍ أَنْ تَزُورَ أَخَاهَا، فَأَذِنَ لَهَا، وَسَيَّرَ مَعَهَا التُّحَفَ وَالْهَدَايَا، فَلَمَّا وَصَلَتْ ذَكَرَتْ لِأَخِيهَا مَا فَعَلَ بِهَا، فَحَلَفَ أَنَّهُ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِ، فَأَرْسَلَ ابْنُ الثِّمْنَةِ يَطْلُبُهَا، فَلَمْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ، فَجَمَعَ ابْنُ الثِّمْنَةِ عَسْكَرَهُ، وَكَانَ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَى أَكْثَرِ الْجَزِيرَةِ، وَخُطِبَ لَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَسَارَ، وَحَصَرَ ابْنَ الْحَوَّاسِ بِقَصْرِيَانَةَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقَاتَلَهُ، فَانْهَزَمَ ابْنُ الثِّمْنَةِ، وَتَبِعَهُ إِلَى قُرْبِ مَدِينَتِهِ قَطَانِيَّةَ، وَعَادَ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَكْثَرَ. فَلَمَّا رَأَى ابْنُ الثِّمْنَةِ أَنَّ عَسَاكِرَهُ قَدْ تَمَزَّقَتْ، سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ الِانْتِصَارَ بِالْكُفَّارِ لِمَا يُرِيدُهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَسَارَ إِلَى مَدِينَةِ مَالْطَةَ، وَهِيَ بِيَدِ الْفِرِنْجِ قَدْ مَلَكُوهَا لَمَّا خَرَجَ بَرْدَوِيلُ الْفِرِنْجِيُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَاسْتَوْطَنَهَا الْفِرِنْجُ إِلَى الْآنَ، وَكَانَ مَلِكَهَا حِينَئِذٍ رُجَّارُ الْفِرِنْجِيُّ فِي جَمْعٍ مِنَ الْفِرِنْجِ، فَوَصَلَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الثِّمْنَةِ وَقَالَ: أَنَا أُمَلِّكُكُمُ الْجَزِيرَةَ ! فَقَالُوا: إِنَّ فِيهَا جُنْدًا كَثِيرًا، وَلَا طَاقَةَ لَنَا بِهِمْ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ مُخْتَلِفُونَ، وَأَكْثَرُهُمْ يَسْمَعُ قَوْلِي، وَلَا يُخَالِفُونَ أَمْرِي، فَسَارُوا مَعَهُ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَلَمْ يَلْقَوْا مَنْ يُدَافِعُهُمْ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى مَا مَرُّوا بِهِ فِي طَرِيقِهِمْ، وَقَصَدَ بِهِمْ إِلَى قَصْرِيَانَةَ فَحَصَرُوهَا، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ ابْنُ الْحَوَّاسِ، فَقَاتَلَهُمْ، فَهَزَمَهُ الْفِرِنْجُ، فَرَجَعَ إِلَى الْحِصْنِ، فَرَحَلُوا عَنْهُ، وَسَارُوا فِي الْجَزِيرَةِ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَفَارَقَهَا كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَسَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ صِقِلِّيَةَ إِلَى الْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، وَذَكَرُوا لَهُ مَا النَّاسُ فِيهِ بِالْجَزِيرَةِ مِنَ الْخُلْفِ، وَغَلَبَةِ الْفِرِنْجِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْهَا، فَعَمَّرَ أُسْطُولًا كَبِيرًا، وَشَحَنَهُ بِالرِّجَالِ وَالْعُدَدِ، وَكَانَ الزَّمَانُ شِتَاءً، فَسَارُوا إِلَى قَوْصَرَةَ، فَهَاجَ عَلَيْهِمُ الْبَحْرُ، فَغَرِقَ أَكْثَرُهُمْ، وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا الْقَلِيلُ. وَكَانَ ذَهَابُ هَذَا الْأُسْطُولِ مِمَّا أَضْعَفَ الْمُعِزَّ، وَقَوَّى عَلَيْهِ الْعَرَبَ، حَتَّى أَخَذُوا الْبِلَادَ مِنْهُ، فَمَلَكَ حِينَئِذٍ الْفِرِنْجُ أَكْثَرَ الْبِلَادِ عَلَى مَهْلٍ وَتُؤَدَةٍ، لَا يَمْنَعُهُمْ أَحَدٌ، وَاشْتَغَلَ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَةَ بِمَا دَهَمَهُ مِنَ الْعَرَبِ، وَمَاتَ الْمُعِزُّ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَوَلِيَ ابْنُهُ تَمِيمٌ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أُسْطُولًا وَعَسْكَرًا إِلَى الْجَزِيرَةِ، وَقَدَّمَ عَلَيْهِ وَلَدَيْهِ أَيُّوبَ وَعَلِيًّا، فَوَصَلُوا إِلَى صِقِلِّيَةَ، فَنَزَلَ أَيُّوبُ وَالْعَسْكَرُ الْمَدِينَةَ، وَنَزَلَ عَلِيٌّ جُرْجَنْتَ، ثُمَّ انْتَقَلَ أَيُّوبُ إِلَى جُرْجَنْتَ، فَأَمَرَ عَلِيٌّ ابْنَ الْحَوَّاسِ أَنْ يَنْزِلَ فِي قَصْرِهِ، وَأَرْسَلَ هَدِيَّةً كَثِيرَةً. فَلَمَّا أَقَامَ أَيُّوبُ فِيهَا أَحَبَّهُ أَهْلُهَا، فَحَسَدَهُ ابْنُ الْحَوَّاسِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِمْ لِيُخْرِجُوهُ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَسَارَ إِلَيْهِ فِي عَسْكَرِهِ، وَقَاتَلَهُ، فَشَدَّ أَهْلُ جُرْجَنْتَ مِنْ أَيُّوبَ، وَقَاتَلُوا مَعَهُ، فَبَيْنَمَا ابْنُ الْحَوَّاسِ يُقَاتِلُ أَتَاهُ سَهْمٌ غَرَبٌ فَقَتَلَهُ، فَمَلَّكَ الْعَسْكَرُ عَلَيْهِمْ أَيُّوبَ. ثُمَّ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَيْنَ عَبِيدِ تَمِيمٍ فِتْنَةٌ أَدَّتْ إِلَى الْقِتَالِ، ثُمَّ زَادَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ، فَاجْتَمَعَ أَيُّوبُ وَعَلِيٌّ أَخُوهُ، وَرَجَعَا فِي الْأُسْطُولِ إِلَى إِفْرِيقِيَةَ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَصَحِبَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَعْيَانِ صِقِلِّيَةَ وَالْأُسْطُولِيَّةَ، وَلَمْ يَبْقَ لِلْفِرِنْجِ مُمَانِعٌ، فَاسْتَوْلَوْا عَلَى الْجَزِيرَةِ، وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ غَيْرُ قَصْرِيَانَةَ وَجُرْجَنْتَ، فَحَصَرَهُمَا الْفِرِنْجُ، وَضَيَّقُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِهِمَا، فَضَاقَ الْأَمْرُ عَلَى أَهْلِهِمَا، حَتَّى أَكَلُوا الْمِيتَةَ، وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مَا يَأْكُلُونَهُ فَأَمَّا أَهْلُ جُرْجَنْتَ فَسَلَّمُوهَا إِلَى الْفِرِنْجِ، وَبَقِيَتْ قَصْرُيَانَةُ بَعْدَهَا ثَلَاثَ سِنِينَ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ أَذْعَنُوا إِلَى التَّسْلِيمِ، فَتَسَلَّمَهَا الْفِرِنْجُ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَمَلَكَ رُجَّارُ جَمِيعَ الْجَزِيرَةِ وَأَسْكَنَهَا الرُّومَ وَالْفِرِنْجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَتْرُكْ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا حَمَّامًا، وَلَا دُكَّانًا، وَلَا طَاحُونًا. وَمَاتَ رُجَّارُ، بَعْدَ ذَلِكَ، قَبْلَ التِّسْعِينَ وَالْأَرْبَعِمِائَةِ، وَمَلَكَ بَعْدَهُ وَلَدُهُ رُجَّارُ، فَسَلَكَ طَرِيقَ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجَنَائِبِ، وَالْحُجَّابِ، وَالسِّلَاحِيَّةِ، وَالْجَانْدَارِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَخَالَفَ عَادَةَ الْفِرِنْجِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا مِنْهُ، وَجَعَلَ لَهُ دِيوَانَ الْمَظَالِمِ تُرْفَعُ إِلَيْهِ شَكْوَى الْمَظْلُومِينَ، فَيُنْصِفُهُمْ، وَلَوْ مِنْ وَلَدِهِ، وَأَكْرَمَ الْمُسْلِمِينَ، وَقَرَّبَهُمْ، وَمَنَعَ عَنْهُمُ الْفِرِنْجَ، فَأَحَبُّوهُ، وَعَمَّرَ أُسْطُولًا كَبِيرًا، وَمَلَكَ الْجَزَائِرَ الَّتِي بَيْنَ الْمَهْدِيَّةِ وَصِقِلِّيَةَ، مِثْلَ مَالِطَةَ، وَقَوْصَرَةَ، وَجَرْبَةَ، وَقَرْقَنَّةَ، وَتَطَاوَلَ إِلَى سَوَاحِلِ إِفْرِيقِيَّةَ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا