MajelisNoteدليل

التاريخ 5208

ثم دخلت سنة إحدى وستين وأربعمائة

فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ كَانَ حَرِيقُ جَامِعِ دِمَشْقَ  وَكَانَ سَبَبَهُ أَنَّ غِلْمَانَ الْفَاطِمِيِّينَ وَالْعَبَّاسِيِّينَ اخْتَصَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَأُلْقِيَتْ نَارٌ بِدَارِ الْمُلْكِ - وَهِيَ الْخَضْرَاءُ الْمُتَاخِمَةُ لِلْجَامِعِ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ - فَاحْتَرَقَتْ، وَسَرَى حَرِيقُهَا إِلَى الْجَامِعِ فَسَقَطَتْ سُقُوفُهُ وَتَنَاثَرَتْ فُصُوصُهُ الْمُذَهَّبَةُ الَّتِي عَلَى جُدْرَانِهِ، وَتَقَلَّعَتِ الْفُسَيْفِسَاءُ الَّتِي كَانَتْ فِي أَرْضِهِ وَعَلَى جُدْرَانِهِ، وَتَغَيَّرَتْ مَعَالِمُهُ وَمَحَاسِنُةُ وَتَبَدَّلَتْ بَهْجَتُهُ بِضِدِّهَا، وَقَدْ كَانَتْ سُقُوفُهُ مُذَهَّبَةً مُبَطَّنَةً كُلُّهَا وَالْجَمَلُونَاتُ مِنْ فَوْقِهَا، وَجُدْرَانُهُ بِالْفُصُوصِ الْمُذَهَّبَةِ الْمُلَوَّنَةِ، مُصَوَّرٌ فِيهَا جَمِيعُ بِلَادِ الدُّنْيَا ; الْكَعْبَةُ وَمَكَّةُ فِي الْمِحْرَابِ، وَالْبِلَادُ كُلُّهَا شَرْقًا وَغَرْبًا، كُلٌّ فِي مَكَانِهِ اللَّائِقِ بِهِ وَمُصَوَّرٌ فِيهِ كُلُّ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ وَغَيْرِ مُثْمِرَةٍ مُشَكَّلٌ مُصَوَّرٌ فِي بُلْدَانِهِ وَأَوْطَانِهِ، وَالسُّتُورُ مُرْخَاةٌ عَلَى أَبْوَابِهِ النَّافِذَةِ إِلَى الصَّحْنِ وَعَلَى أُصُولِ الْحِيطَانِ إِلَى مِقْدَارِ الثُّلُثِ مِنْهَا وَبَاقِي الْجُدْرَانِ بِالْفُصُوصِ الْمُلَوَّنَةِ، وَأَرْضُهُ كُلُّهَا بِالْفُصُوصِ ; الرُّخَامِ وَالْفُسَيْفِسَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا بِنَاءٌ أَحْسَنُ مِنْهُ، لَا قُصُورُ الْمُلُوكِ وَلَا دُورُ الْخِلَافَةِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ هَذَا الْحَرِيقُ فِيهِ تَبَدَّلَ الْحَالُ الْكَامِلُ بِضِدِّهِ، وَصَارَتْ أَرْضُهُ طِينًا فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ، وَغُبَارًا فِي زَمَنِ الصَّيْفِ، مَحْفُورَةً مَهْجُورَةً، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى بُلِّطَ أَرْضُهُ فِي زَمَنِ الْعَادِلِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَيُّوبَ، بَعْدَ السِّتِّمِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَكَانَ جَمِيعُ مَا سَقَطَ مِنْهُ مِنَ الرُّخَامِ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَخْشَابِ مُودَعًا فِي الْمَشَاهِدِ الْأَرْبَعَةِ، شَرْقِيَّةً وَغَرْبِيَّةً، حَتَّى فَرَّغَهَا مِنْ ذَلِكَ الْقَاضِي كَمَالُ الدِّينِ الشَّهْرُزُورِيُّ، فِي زَمَنِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ نُورِ الدِّينِ مَحْمُودِ بْنِ زَنْكِي حِينَ وَلَّاهُ نَظَرَهُ مَعَ الْقَضَاءِ وَنَظَرَ الْأَوْقَافِ كُلِّهَا، وَنَظَرَ دَارِ الضَّرْبِ وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَلَمْ تَزَلِ الْمُلُوكُ تُجَدِّدُ فِي مَحَاسِنِهِ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا، فَتَقَارَبَ حَالُهُ فِي زَمَنِ الْأَمِيرِ سَيْفِ الدِّينِ تَنْكِزَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّاصِرِيِّ نَائِبِ الشَّامِ أَثَابَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ أَرَّخَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُنْتَظَمِ هَذَا الْحَرِيقَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَتَبِعَهُ ابْنُ السَّاعِي فِي تَارِيخِهِ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّاعِي أَيْضًا فِي هَذِهِ السَّنَةِ وَشَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ مُؤَرِّخُ الْإِسْلَامِ فِي تَارِيخِهِ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا