التاريخ 5171
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وأربعمائة
ذِكْرُ الْحَرْبِ بَيْنَ بَنِي حَمَّادٍ وَالْعَرَبِ . فِي هَذِهِ السَّنَةِ كَانَتْ حَرْبٌ بَيْنَ النَّاصِرِ بْنِ عَلْنَاسَ بْنِ حَمَّادٍ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ رِجَالِ الْمَغَارِبَةِ مِنْ صِنْهَاجَةَ وَمِنْ زَنَاتَةَ، وَمِنَ الْعَرَبِ: عَدِيٌّ وَالْأَثْبَجِ، وَبَيْنَ رِيَاحٍ وَزُغْبَةَ، وَسُلَيْمٍ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ الْمُعِزُّ بْنُ زِيرِي الزَّنَاتِيُّ، عَلَى مَدِينَةِ سَبْتَةَ. وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ حَمَّادَ بْنَ بُلَكِّينْ جَدَّ النَّاصِرِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَادِيسَ بْنِ الْمَنْصُورِ مِنَ الْخُلْفِ، وَمَوْتِ بَادِيسَ مُحَاصِرًا قَلْعَةَ حَمَّادٍ، مَا هُوَ مَذْكُورٌ، وَلَوْلَا تِلْكَ الْقَلْعَةُ لِأُخِذَ سَرِيعًا، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ بِهَا بَعْدَهُ، وَهِيَ مِنْ أَمْنَعِ الْحُصُونِ، وَكَذَلِكَ مَا اسْتَمَرَّ بَيْنَ حَمَّادٍ وَالْمُعِزِّ بْنِ بَادِيسَ، وَدُخُولُ حَمَّادٍ فِي طَاعَتِهِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا مَا كَانَ بَيْنَ الْقَائِدِ بْنِ حَمَّادٍ وَبَيْنَ الْمُعِزِّ، وَكَانَ الْقَائِدُ يُضْمِرُ الْغَدْرَ وَخَلْعَ طَاعَةِ الْمُعِزِّ، وَالْعَجْزُ يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَائِدُ قُوَّةَ الْعَرَبِ، وَمَا نَالَ الْمُعِزَّ مِنْهُمْ، خَلَعَ الطَّاعَةَ، وَاسْتَبَدَّ بِالْبِلَادِ، وَبَعْدَهُ وَلَدُهُ مُحْسِنٌ، وَبَعْدَهُ ابْنُ عَمِّهِ بُلَكِّين بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ، وَبَعْدَهُ ابْنُ عَمِّهِ النَّاصِرُ بْنُ عَلْنَاسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمَّادٍ، وَكُلٌّ مِنْهُمْ مُتَحَصِّنٌ بِالْقَلْعَةِ، وَقَدْ جَعَلُوهَا دَارَ مُلْكِهِمْ. فَلَمَّا رَحَلَ الْمُعِزُّ مِنَ الْقَيْرَوَانِ وَصَبْرَةَ إِلَى الْمَهْدِيَّةِ تَمَكَّنَتِ الْعَرَبُ، وَنَهَبَتِ النَّاسَ، وَخَرَّبَتِ الْبِلَادَ، فَانْتَقَلَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِهَا إِلَى بِلَادِ بَنِي حَمَّادٍ لِكَوْنِهَا جِبَالًا وَعِرَةً يُمْكِنُ الِامْتِنَاعُ بِهَا مِنَ الْعَرَبِ، فَعُمِّرَتْ بِلَادُهُمْ، وَكَثُرَتْ أَمْوَالُهُمْ، وَفِي نُفُوسِهِمُ الضَّغَائِنُ وَالْحُقُودُ مِنْ بَادِيسَ، وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ، يَرِثُهُ صَغِيرٌ عَنْ كَبِيرٍ. وَوَلِيَ تَمِيمُ بْنُ الْمُعِزِّ بَعْدَ أَبِيهِ، فَاسْتَبَدَّ كُلُّ مَنْ هُوَ بِبَلَدٍ وَقَلْعَةٍ بِمَكَانِهِ وَتَمِيمٌ صَابِرٌ يُدَارِي وَيَتَجَلَّدُ. وَاتَّصَلَ بِتَمِيمٍ أَنَّ النَّاصِرَ بْنَ عَلْنَاسَ يَقَعُ فِي مَجْلِسِهِ وَيَذُمُّهُ، وَأَنَّهُ عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ لِيُحَاصِرَهُ بِالْمَهْدِيَّةِ، وَأَنَّهُ قَدْ حَالَفَ بَعْضَ صَنْهَاجَةَ، وَزَنَاتَةَ، وَبَنِي هِلَالٍ لِيُعِينُوهُ عَلَى حِصَارِ الْمَهْدِيَّةِ. فَلَمَّا صَحَّ ذَلِكَ عِنْدَهُ أَرْسَلَ إِلَى أُمَرَاءِ بَنِي رَبَاحٍ، فَأَحْضَرَهُمْ إِلَيْهِ وَقَالَ: أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَهْدِيَّةَ حِصْنٌ مَنِيعٌ، أَكْثَرُهُ فِي الْبَحْرِ، لَا يُقَاتِلُ مِنْهُ فِي الْبَرِّ غَيْرُ أَرْبَعَةِ أَبْرَاجٍ يَحْمِيهَا أَرْبَعُونَ رَجُلًا، وَإِنَّمَا جَمَعَ النَّاصِرُ هَذِهِ الْعَسَاكِرَ إِلَيْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: الَّذِي تَقُولُهُ حَقٌّ، وَنُحِبُّ مِنْكَ الْمَعُونَةَ، فَأَعْطَاهُمُ الْمَالَ، وَالسِّلَاحَ مِنَ الرِّمَاحِ وَالسُّيُوفِ وَالدُّرُوعِ وَالدَّرَقِ، فَجَمَعُوا قَوْمَهُمْ، وَتَحَالَفُوا، وَاتَّفَقُوا عَلَى لِقَاءِ النَّاصِرِ. وَأَرْسَلُوا إِلَى مَنْ مَعَ النَّاصِرِ مِنْ بَنِي هِلَالٍ يُقَبِّحُونَ عِنْدَهُمْ مُسَاعَدَتَهُمْ لِلنَّاصِرِ وَيُخَوِّفُونَهُمْ مِنْهُ إِنْ قَوِيَ، وَأَنَّهُ يُهْلِكُهُمْ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ زَنَاتَةَ وَصِنْهَاجَةَ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَسْتَمِرُّ لَهُمُ الْمُقَامُ، وَالِاسْتِيلَاءُ عَلَى الْبِلَادِ، إِذَا تَمَّ الْخُلْفُ وَضَعُفَ السُّلْطَانُ، فَأَجَابَهُمْ بَنُو هِلَالٍ إِلَى الْمُوَافَقَةِ، وَقَالُوا: اجْعَلُوا أَوَّلَ حَمْلَةٍ تَحْمِلُونَهَا عَلَيْنَا، فَنَحْنُ نَنْهَزِمُ بِالنَّاسِ، وَنَعُودُ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُ لَنَا ثُلْثُ الْغَنِيمَةِ، فَأَجَابُوهُمْ إِلَى ذَلِكَ، وَاسْتَقَرَّ الْأَمْرُ. وَأَرْسَلَ الْمُعِزُّ بْنُ زِيرِي الزَّنَاتِيُّ إِلَى مَنْ مَعَ النَّاصِرِ مِنْ زَنَاتَةَ بِنَحْوِ ذَلِكَ، فَوَعَدُوهُ أَيْضًا أَنْ يَنْهَزِمُوا، فَحِينَئِذٍ رَحَلَتْ رِيَاحٌ وَزَنَاتَةُ جَمِيعُهَا، وَسَارَ إِلَيْهِمُ النَّاصِرُ بِصَنْهَاجَةَ، وَزَنَاتَةَ، وَبَنِي هِلَالٍ، فَالْتَقَتِ الْعَسَاكِرُ بِمَدِينَةِ سَبْتَةَ، فَحَمَلَتْ رِيَاحٌ عَلَى بَنِي هِلَالٍ، وَحَمَلَ الْمُعِزُّ عَلَى زَنَاتَةَ، فَانْهَزَمَتِ الطَّائِفَتَانِ، وَتَبِعَهُمْ عَسَاكِرُ النَّاصِرِ مُنْهَزِمِينَ، وَوَقَعَ فِيهِمُ الْقَتْلُ، فَقُتِلَ فِيمَنْ قُتِلَ الْقَاسِمُ بْنُ عَلْنَاسَ، أَخُو النَّاصِرِ، وَكَانَ مَبْلَغُ مَنْ قُتِلَ مِنْ صَنْهَاجَةَ وَزَنَاتَةَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا، وَسَلِمَ النَّاصِرُ فِي نَفَرٍ يَسِيرٍ، وَغَنِمَتِ الْعَرَبُ جَمِيعَ مَا كَانَ فِي الْعَسْكَرِ مِنْ مَالٍ وَسِلَاحٍ وَدَوَابَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَاقْتَسَمُوهَا عَلَى مَا اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمْ، وَبِهَذِهِ الْوَقْعَةِ تَمَّ لِلْعَرَبِ مُلْكُ الْبِلَادِ، فَإِنَّهُمْ قَدِمُوهَا فِي ضِيقٍ وَفَقْرٍ وَقِلَّةِ دَوَابَّ فَاسْتَغْنَوْا، وَكَثُرَتْ دَوَابُّهُمْ وَسِلَاحُهُمْ، وَقَلَّ الْمُحَامِي عَنِ الْبِلَادِ، وَأَرْسَلُوا الْأَلْوِيَةَ وَالطُّبُولَ وَخَيَّمَ النَّاصِرُ بِدَوَابِّهَا إِلَى تَمِيمٍ، فَرَدَّهَا وَقَالَ: يَقْبُحُ بِي أَنْ آخُذَ سَلَبَ ابْنَ عَمِّي ! فَأَرْضَى الْعَرَبَ بِذَلِكَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه