MajelisNoteدليل

التاريخ 5100

ثم دخلت سنة خمسين وأربعمائة

ذِكْرُ الْخِطْبَةِ بِالْعِرَاقِ لِلْعَلَوِيِّ الْمِصْرِيِّ وَمَا كَانَ إِلَى قَتْلِ الْبَسَاسِيرِيِّ   لَمَّا عَادَ إِبْرَاهِيمُ يَنَّالُ إِلَى هَمَذَانَ ( سَارَ طُغْرُلْبَك خَلْفَهُ )، وَرَدَّ وَزِيرَهُ عَمِيدَ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيَّ وَزَوْجَتَهُ إِلَى بَغْدَاذَ. وَكَانَ مَسِيرُهُ مِنْ نَصِيبِينَ مُنْتَصَفَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَوَصَلَ إِلَى هَمَذَانَ، وَتَحَصَّنَ بِالْبَلَدِ، وَقَاتَلَ أَهْلُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَرْسَلَ إِلَى الْخَاتُونِ زَوْجَتِهِ وَعَمِيدِ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيِّ يَأْمُرُهُمَا بِاللَّحَاقِ بِهِ، فَمَنَعَهُمَا الْخَلِيفَةُ مِنْ ذَلِكَ تَمَسُّكًا بِهِمَا، وَفَرَّقَ غِلَالًا كَثِيرَةً فِي النَّاسِ، وَسَارَ مَنْ كَانَ بِبَغْدَاذَ مِنَ الْأَتْرَاكِ إِلَى السُّلْطَانِ بِهَمَذَانَ، وَسَارَ عَمِيدُ الْمُلْكِ إِلَى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ فَاحْتَرَمَهُ وَعَظَّمَهُ، ثُمَّ سَارَ مِنْ عِنْدِهِ إِلَى هَزَارَسْبَ وَسَارَتْ خَاتُونُ إِلَى السُّلْطَانِ بِهَمَذَانَ، فَأَرْسَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى نُورِ الدَّوْلَةِ دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ يَأْمُرُهُ بِالْوُصُولِ إِلَى بَغْدَاذَ، فَوَرَدَ إِلَيْهَا فِي مِائَةِ فَارِسٍ، وَنَزَلَ فِي النَّجْمِيِّ ثُمَّ عَبَرَ إِلَى الْأَتَانِينَ. وَقَوِيَ الْإِرْجَافُ بِوُصُولِ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَلَمَّا تَحَقَّقَ الْخَلِيفَةُ وُصُولَهُ إِلَى هِيتَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْعُبُورِ مِنَ الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، فَأَرْسَلَ دُبَيْسُ بْنُ مَزْيَدٍ إِلَى الْخَلِيفَةِ وَإِلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ يَقُولُ: الرَّأْيُ عِنْدِي خُرُوجُكُمَا مِنَ الْبَلَدِ مَعِي، فَإِنَّنِي أَجْتَمِعُ أَنَا وَهَزَارَسْبُ - فَإِنَّهُ بِوَاسِطٍ - عَلَى دَفْعِ عَدُوِّكُمَا. فَأُجِيبَ ابْنُ مَزْيَدٍ بِأَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَقَعَ الْفِكْرُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: الْعَرَبُ لَا تُطِيعُنِي عَلَى الْمُقَامِ، وَأَنَا أَتَقَدَّمُ إِلَى دَيَالَى، فَإِذَا انْحَدَرْتُمْ سِرْتُ فِي خِدْمَتِكُمْ. وَسَارَ وَأَقَامَ بِدَيَالَى يَنْتَظِرُهُمَا، فَلَمْ يَرَ لِذَلِكَ أَثَرًا، فَسَارَ إِلَى بِلَادِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْبَسَاسِيرِيَّ وَصَلَ إِلَى بَغْدَاذَ يَوْمَ الْأَحَدِ ثَامِنَ ذِي الْقَعْدَةِ، وَمَعَهُ أَرْبَعُمِائَةِ غُلَامٍ عَلَى غَايَةِ الضُّرِّ وَالْفَقْرِ، وَكَانَ مَعَهُ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْوَزِيرُ، فَنَزَلَ الْبَسَاسِيرِيُّ بِمَشْرَعَةِ الرَّوَايَا، وَنَزَلَ قُرَيْشُ بْنُ بَدْرَانَ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ، عِنْدَ مَشْرَعَةِ بَابِ الْبَصْرَةِ، وَرَكِبَ عَمِيدُ الْعِرَاقِ وَمَعَهُ الْعَسْكَرُ وَالْعَوَامُّ، وَأَقَامُوا بِإِزَاءِ عَسْكَرِ الْبَسَاسِيرِيِّ وَعَادُوا، وَخَطَبَ الْبَسَاسِيرِيُّ بِجَامِعِ الْمَنْصُورِ لِلْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ الْعَلَوِيِّ صَاحِبِ مِصْرَ، وَأَمَرَ فَأُذِّنَ بِحَيِّ عَلَى خَيْرِ الْعَمَلِ، وَعَقَدَ الْجِسْرَ، وَعَبَرَ عَسْكَرُهُ إِلَى الزَّاهِرِ وَخَيَّمُوا فِيهِ، وَخَطَبَ فِي الْجُمُعَةِ مِنْ وُصُولِهِ ( بِجَامِعِ الرُّصَافَةِ ) لِلْمِصْرِيِّ، وَجَرَى بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ حُرُوبٌ فِي أَثْنَاءِ الْأُسْبُوعِ. وَكَانَ عَمِيدُ الْعِرَاقِ يُشِيرُ عَلَى رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ بِالتَّوَقُّفِ عَنِ الْمُنَاجَزَةِ، وَيَرَى الْمُحَاجَزَةَ وَمُطَاوَلَةَ الْأَيَّامِ انْتِظَارًا لِمَا يَكُونُ مِنَ السُّلْطَانِ، وَلِمَا يَرَاهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ بِسَبَبِ مَيْلِ الْعَامَّةِ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ، أَمَّا الشِّيعَةُ فَلِلْمَذْهَبِ، وَأَمَّا السَّنَةُ فَلِمَا فَعَلَ بِهِمُ الْأَتْرَاكُ. وَكَانَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ لِقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِالْحَرْبِ وَلِمَا عِنْدَهُ مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ يَرَى الْمُبَادَرَةَ إِلَى الْحَرْبِ، فَاتَّفَقَ أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ حَضَرَ الْقَاضِي الْهَمَذَانِيُّ عِنْدَ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ، وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْحَرْبِ، وَضَمِنَ لَهُ قَتْلَ الْبَسَاسِيرِيِّ، فَأَذِنَ لَهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ عَمِيدِ الْعِرَاقِ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ الْخَدَمُ وَالْهَاشِمِيُّونَ وَالْعَجَمُ وَالْعَوَّامُ إِلَى الْحَلْبَةِ، وَأَبْعَدُوا، وَالْبَسَاسِيرِيُّ يَسْتَجِرُّهُمْ، فَلَمَّا أَبْعَدُوا حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَعَادُوا مُنْهَزِمِينَ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ، وَمَاتَ فِي الزَّحْمَةِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْيَانِ، وَنُهِبَ بَابُ الْأَزَجِّ، وَكَانَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ وَاقِفًا دُونَ الْبَابِ، فَدَخَلَ الدَّارَ، وَهَرَبَ كُلُّ مَنْ فِي الْحَرِيمِ. وَلَمَّا بَلَغَ عَمِيدَ الْعِرَاقِ فِعْلُ رَئِيسِ الرُّؤَسَاءِ لَطَمَ عَلَى وَجْهِهِ كَيْفَ اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالْحَرْبِ. وَرَجَعَ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى مُعَسْكَرِهِ، وَاسْتَدْعَى الْخَلِيفَةُ عَمِيدَ الْعِرَاقِ وَأَمَرَهُ بِالْقِتَالِ عَلَى سُورِ الْحَرِيمِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الزَّعْقَاتُ، وَقَدْ نُهِبَ الْحَرِيمُ، وَقَدْ دَخَلُوا بِبَابِ النُّوبِيِّ، فَرَكِبَ الْخَلِيفَةُ لَابِسًا لِلسَّوَادِ، وَعَلَى كَتِفِهِ الْبُرْدَةُ، وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، وَعَلَى رَأْسِهِ اللِّوَاءُ، وَحَوْلَهُ زُمْرَةٌ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ وَالْخَدَمِ بِالسُّيُوفِ الْمَسْلُولَةِ، فَرَأَى النَّهْبَ قَدْ وَصَلَ إِلَى بَابِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ دَارِهِ، فَرَجَعَ إِلَى وَرَائِهِ، وَمَضَى نَحْوَ عَمِيدِ الْعِرَاقِ فَوَجَدَهُ قَدِ اسْتَأْمَنَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَعَادَ وَصَعِدَ الْمَنْظَرَةَ، وَصَاحَ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ: يَا عَلَمَ الدِّينِ - يَعْنِي قُرَيْشًا - أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَدْنِيكَ. فَدَنَا مِنْهُ. فَقَالَ لَهُ رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ: قَدْ أَنَالَكَ اللَّهُ مَنْزِلَةً لَمْ يَنَلْهَا أَمْثَالُكَ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يَسْتَذِمُّ مِنْكَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ بِذِمَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَذِمَامِ رَسُولِهِ ﷺ وَذِمَامِ الْعَرَبِيَّةِ. فَقَالَ: قَدْ أَذَمَّ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ. قَالَ: وَلِي وَلِمَنْ مَعَهُ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَخَلَعَ قَلَنْسُوَتَهُ فَأَعْطَاهَا الْخَلِيفَةَ، وَأَعْطَى مَخْصَرَتُهُ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ ذِمَامًا، فَنَزَلَ إِلَيْهِ الْخَلِيفَةُ وَرَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ مِنَ الْبَابِ الْمُقَابِلِ لِبَابِ الْحَلْبَةِ، وَصَارَا مَعَهُ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ الْبَسَاسِيرِيُّ: أَتُخَالِفُ مَا اسْتَقَرَّ بَيْنَنَا، وَتَنْقُضُ مَا تَعَاهَدْنَا عَلَيْهِ ؟ فَقَالَ قُرَيْشٌ: لَا. وَكَانَا قَدْ تَعَاهَدَا عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الَّذِي يَحْصُلُ لَهُمَا، وَأَنْ لَا يَسْتَبِدَّ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ بِشَيْءٍ، فَاتَّفَقَا عَلَى أَنْ يُسَلِّمَ قُرَيْشٌ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ ; لِأَنَّهُ عَدُوُّهُ، وَيَتْرُكَ الْخَلِيفَةَ عِنْدَهُ، فَأَرْسَلَ قُرَيْشٌ رَئِيسَ الرُّؤَسَاءِ إِلَى الْبَسَاسِيرِيِّ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: مَرْحَبًا بِمُهْلِكِ الدُّوَلِ، وَمُخَرِّبِ الْبِلَادِ ! فَقَالَ: الْعَفْوَ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ. فَقَالَ الْبَسَاسِيرِيُّ: فَقَدْ قَدَرْتَ فَمَا عَفَوْتَ، وَأَنْتَ صَاحِبُ طَيْلَسَانَ، وَرَكِبْتَ الْأَفْعَالَ الشَّنِيعَةَ مَعَ حُرَمِي وَأَطْفَالِي، فَكَيْفَ أَعْفُو أَنَا، وَأَنَا صَاحِبُ السَّيْفِ ؟ وَأَمَّا الْخَلِيفَةُ فَإِنَّهُ حَمَلَهُ قُرَيْشٌ رَاكِبًا إِلَى مُعَسْكَرِهِ وَعَلَيْهِ السَّوَادُ وَالْبُرْدَةُ، وَبِيَدِهِ السَّيْفُ، وَعَلَى رَأْسِهِ اللِّوَاءُ، وَأَنْزَلَهُ فِي خَيْمَةٍ، وَأَخَذَ أَرْسِلَانَ خَاتُونَ، ( زَوْجَةَ الْخَلِيفَةِ، وَهِيَ ) ابْنَةُ أَخِي السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك، فَسَلَّمَهَا إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرْدَةَ لِيَقُومَ بِخِدْمَتِهَا. وَنُهِبَتْ دَارُ الْخِلَافَةِ وَحَرِيمُهَا أَيَّامًا، وَسَلَّمَ قُرَيْشٌ الْخَلِيفَةَ إِلَى ابْنِ عَمِّهِ مُهَارِشَ بْنِ الْمُجَلِّي، وَهُوَ رَجُلٌ فِيهِ دِينٌ، وَلَهُ مُرُوءَةٌ. فَحَمَلَهُ فِي هَوْدَجٍ وَسَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثَةِ عَانَةَ، فَتَرَكَهُ بِهَا، وَسَارَ مَنْ كَانَ مَعَ الْخَلِيفَةِ مِنْ خَدَمِهِ وَأَصْحَابِهِ إِلَى السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك مُسْتَنْفِرِينَ. فَلَمَّا وُصَلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى الْأَنْبَارِ شَكَا الْبَرْدَ، فَأَنْفَذَ إِلَى مُقَدَّمِهَا يَطْلُبُ مِنْهُ مَا يَلْبَسُهُ، فَأَرْسَلَ لَهُ جُبَّةً فِيهَا قُطْنٌ وَلِحَافًا. وَأَمَّا الْبَسَاسِيرِيُّ فَإِنَّهُ رَكِبَ يَوْمَ عِيدِ النَّحْرِ، وَعَبَرَ إِلَى الْمُصَلَّى بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ، وَعَلَى رَأْسِهِ الْأَلْوِيَةُ الْمِصْرِيَّةُ، فَأَحْسَنَ إِلَى النَّاسِ، وَأَجْرَى الْجِرَايَاتِ عَلَى الْمُتَفَقِّهَةِ، وَلَمْ يَتَعَصَّبْ لِمَذْهَبٍ، وَأَفْرَدَ لِوَالِدَةِ الْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ بِأَمْرِ اللَّهِ دَارًا، وَكَانَتْ قَدْ قَارَبَتْ تِسْعِينَ سَنَةً، وَأَعْطَاهَا جَارِيَتَيْنِ مِنْ جَوَارِيهَا لِلْخِدْمَةِ، وَأَجْرَى لَهَا الْجِرَايَةَ، وَأَخْرَجَ مَحْمُودَ بْنَ الْأَخْرَمِ إِلَى الْكُوفَةِ، وَسُقِّيَ الْفُرَاتُ أَمِيرًا. وَأَمَّا رَئِيسُ الرُّؤَسَاءِ فَأَخْرَجَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ آخِرَ ذِي الْحِجَّةِ مِنْ مَحْبِسِهِ بِالْحَرِيمِ الطَّاهِرِيِّ، مُقَيَّدًا وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ صُوفٌ، وَطُرْطُورٌ مِنْ لِبْدٍ أَحْمَرَ، وَفِي رَقَبَتِهِ مِخْنَقَةُ جُلُودِ بَعِيرٍ، وَهُوَ يَقْرَأُ: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ الْآيَةَ. وَبَصَقَ أَهْلُ الْكَرْخِ فِي وَجْهِهِ عِنْدَ اجْتِيَازِهِ بِهِمْ، لِأَنَّهُ كَانَ يَتَعَصَّبُ عَلَيْهِمْ، وَشُهِّرَ إِلَى حَدِّ النَّجْمِيِّ، وَأُعِيدَ إِلَى مُعَسْكَرِ الْبَسَاسِيرِيِّ، وَقَدْ نُصِبَتْ لَهُ خَشَبَةٌ، وَأُنْزِلَ عَنِ الْجَمَلِ، وَأُلْبِسَ جِلْدَ ثَوْرٍ، وَجُعِلَتْ قُرُونُهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَجُعِلَ فِي فَكَّيْهِ كُلَّابَانِ مِنْ حَدِيدٍ، وَصُلِبَ، فَبَقِيَ يَضْطَرِبُ إِلَى آخَرِ النَّهَارِ، وَمَاتَ. وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ عِنْدَ ابْنِ مَاكُولَا سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَكَانَ حَسَنَ التِّلَاوَةِ لِلْقُرْآنِ، جَيِّدَ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّحْوِ. وَأَمَّا عَمِيدُ الْعِرَاقِ فَقَتَلَهُ الْبَسَاسِيرِيُّ، وَكَانَ فِيهِ شَجَاعَةٌ وَلَهُ فُتُوَّةٌ، وَهُوَ الَّذِي بَنَى رِبَاطَ شَيْخِ الشُّيُوخِ. وَلَمَّا خَطَبَ الْبَسَاسِيرِيُّ لِلْمُسْتَنْصِرِ الْعَلَوِيِّ بِالْعِرَاقِ أَرْسَلَ إِلَيْهِ بِمِصْرَ يُعَرِّفُهُ مَا فَعَلَ، وَكَانَ الْوَزِيرُ هُنَاكَ أَبَا الْفَرَجِ ابْنَ أَخِي أَبِي الْقَاسِمِ الْمَغْرِبِيِّ، وَهُوَ مِمَّنْ هَرَبَ مِنَ الْبَسَاسِيرِيِّ وَفِي نَفْسِهِ مَا فِيهَا، فَوَقَعَ فِيهِ، وَبَرَّدَ فِعْلَهُ، وَخَوَّفَ عَاقِبَتَهُ، فَتُرِكَتْ أَجْوِبَتُهُ مُدَّةً، ثُمَّ عَادَتْ بِغَيْرِ الَّذِي أَمَّلَهُ وَرَجَاهُ. وَسَارَ الْبَسَاسِيرِيُّ مِنْ بَغْدَاذَ إِلَى وَاسِطٍ وَالْبَصْرَةِ، فَمَلَكَهُمَا، وَأَرَادَ قَصْدَ الْأَهْوَازِ، فَأَنْفَذَ صَاحِبُهَا هَزَارَسْبُ بْنُ بُنْكِيرَ إِلَى دُبَيْسِ بْنِ مَزْيَدٍ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يُصْلِحَ الْأَمْرَ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ يُجِبِ الْبَسَاسِيرِيُّ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ: لَا بُدَّ مِنَ الْخُطْبَةِ لِلْمُسْتَنْصِرِ، وَالسِّكَّةِ بِاسْمِهِ. فَلَمْ يَفْعَلْ هَزَارَسْبُ ذَلِكَ، وَرَأَى الْبَسَاسِيرِيُّ أَنَّ طُغْرُلْبَك يَمُدُّ هَزَارَسْبَ بِالْعَسَاكِرِ، فَصَالَحَهُ، وَأَصْعَدَ إِلَى وَاسِطٍ فِي مُسْتَهَلِّ شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ]، وَفَارَقَهُ صَدَقَةُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَسَدِيُّ، وَلَحِقَ بِهَزَارَسْبَ، وَكَانَ قَدْ وَلِيَ بَعْدَ أَبِيهِ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ. وَأَمَّا أَحْوَالُ السُّلْطَانِ طُغْرُلْبَك وَإِبْرَاهِيمَ يَنَّالَ، فَإِنَّ السُّلْطَانَ كَانَ فِي قِلَّةٍ مِنَ الْعَسْكَرِ، كَمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَتْرَاكِ، وَحَلَفَ لَهُمْ أَنَّهُ لَا يُصَالِحُ أَخَاهُ طُغْرُلْبَك، وَلَا يُكَلِّفُهُمُ الْمَسِيرَ إِلَى الْعِرَاقِ، وَكَانُوا يَكْرَهُونَهُ لِطُولِ مُقَامِهِمْ، وَكَثْرَةِ إِخْرَاجَاتِهِمْ، فَلَمْ يَقْوَ بِهِ طُغْرُلْبَك، وَأَتَى إِلَى إِبْرَاهِيمَ مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ ابْنَا أَخِيهِ أَرْتَاشَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ، فَازْدَادَ بِهِمْ قُوَّةً، وَازْدَادَ طُغْرُلْبَك ضَعْفًا، فَانْزَاحَ ( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) إِلَى الرَّيِّ، وَكَاتَبَ أَلْبَ أَرْسِلَانَ، وَيَاقُوتِيَّ، وَقَاوَرْتَ بِكْ، أَوْلَادَ أَخِيهِ دَاوُدَ، وَكَانَ دَاوُدُ قَدْ مَاتَ، ( عَلَى مَا نَذْكُرُهُ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ] إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَلَكَ خُرَاسَانَ بَعْدَهُ ابْنُهُ أَلْبُ أَرْسِلَانُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ طُغْرُلْبَك يَسْتَدْعِيهِمْ إِلَيْهِ، فَجَاءُوا بِالْعَسَاكِرِ الْكَثِيرَةِ، فَلَقِيَ إِبْرَاهِيمَ بِالْقُرْبِ مِنَ الرَّيِّ، فَانْهَزَمَ إِبْرَاهِيمُ وَمَنْ مَعَهُ، وَأُخِذَ أَسِيرًا هُوَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَلَدَا أَخِيهِ، فَأَمَرَ بِهِ فَخُنِقَ بِوَتَرِ قَوْسِهِ تَاسِعَ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ [ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ]، وَقُتِلَ وَلَدَا أَخِيهِ مَعَهُ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ قَدْ خَرَجَ عَلَى طُغْرُلْبَك مِرَارًا، فَعَفَا عَنْهُ، وَإِنَّمَا قَتَلَهُ فِي هَذِهِ الدَّفْعَةِ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ جَمِيعَ مَا جَرَى عَلَى الْخَلِيفَةِ كَانَ بِسَبَبِهِ، فَلِهَذَا لَمْ يَعْفُ عَنْهُ. وَلَمَّا قُتِلَ إِبْرَاهِيمُ أَرْسَلَ طُغْرُلْبَك إِلَى هَزَارَسْبَ بِالْأَهْوَازِ يُعَرِّفُهُ ذَلِكَ، وَعِنْدَهُ عَمِيدُ الْمُلْكِ الْكُنْدُرِيُّ، فَسَارَ إِلَى السُّلْطَانِ، فَجَهَّزَهُ هَزَارَسْبُ تَجْهِيزَ مِثْلِهِ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا