MajelisNoteدليل

التاريخ 4616

ثم دخلت سنة ست وأربعمائة

ثُمَّ دَخَلَتْ سَنَةُ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ذِكْرُ الْفِتْنَةِ بَيْنَ بَادِيسَ وَعَمِّهِ حَمَّادٍ   فِي هَذِهِ السَّنَةِ ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْأَمِيرِ بَادِيسَ صَاحِبِ إِفْرِيقِيَّةَ، وَعَمِّهِ حَمَّادٍ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا إِلَى الْحَرْبِ الَّتِي لَا بُقْيَا بَعْدَهَا. وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ بَادِيسَ أُبْلِغَ عَنْ عَمِّهِ حَمَّادٍ قَوَارِصَ وَأُمُورًا أَنْكَرَهَا، فَأَغْضَى عَلَيْهَا، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَكَانَ لِبَادِيسَ وَلَدٌ اسْمُهُ الْمَنْصُورُ أَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَهُ وَيَجْعَلَهُ وَلِيَّ عَهْدِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَمِّهِ حَمَّادٍ يَقُولُ لَهُ بِأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضَ مَا بِيَدِهِ مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي أَقْطَعَهُ إِلَى نَائِبِ ابْنِهِ الْمَنْصُورِ، وَهِيَ مَدِينَةُ تِيجَسَ، وَقَصْرُ الْإِفْرِيقِيِّ وَقُسَنْطِينَةُ، وَسَيَّرَ إِلَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ هَاشِمَ بْنَ جَعْفَرٍ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ قُوَّادِهِمْ، وَسَيَّرَ مَعَهُ عَمَّهُ إِبْرَاهِيمَ لِيَمْنَعَ أَخَاهُ حَمَّادًا مِنْ أَمْرٍ إِنْ أَرَادَهُ. فَسَارَا إِلَى أَنْ قَارَبَا حَمَّادًا، فَفَارَقَ إِبْرَاهِيمُ هَاشِمًا، وَتَقَدَّمَ إِلَى أَخِيهِ حَمَّادٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِ حَسَّنَ لَهُ الْخِلَافَ عَلَى بَادِيسَ، وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَخَلَعَا الطَّاعَةَ، وَأَظْهَرَا الْعِصْيَانَ، وَجَمَعَا الْجُمُوعَ الْكَثِيرَةَ، فَكَانُوا ثَلَاثِينَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ. فَبَلَغَ ذَلِكَ بَادِيسَ، فَجَمَعَ عَسَاكِرَهُ وَسَارَ إِلَيْهِمَا، وَرَحَلَ حَمَّادٌ وَأَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ إِلَى هَاشِمِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْعَسْكَرُ الَّذِينَ مَعَهُ، وَهُوَ بِقَلْعَةِ شُقَنْبَارِيَّةَ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ انْهَزَمَ فِيهَا ابْنُ جَعْفَرٍ وَلَجَأَ إِلَى بَاجَةَ، وَغَنِمَ حَمَّادٌ مَالَهُ وَعُدَدَهُ، فَرَحَلَ بَادِيسُ إِلَى مَكَانٍ يُسَمَّى قَبْرَ الشَّهِيدِ، فَأَتَاهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ مِنْ عَسْكَرِ عَمِّهِ حَمَّادٍ، وَوَصَلَتْ كُتُبُ حَمَّادٍ وَإِبْرَاهِيمَ إِلَى بَادِيسَ أَنَّهُمَا مَا فَارَقَا الْجَمَاعَةَ، وَلَا خَرَجَا عَنِ الطَّاعَةِ، فَكَذَّبَهُمَا مَا ظَهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِمَا مِنْ سَفْكِ الدِّمَاءِ، وَقَتْلِ الْأَطْفَالِ، وَإِحْرَاقِ الزُّرُوعِ وَالْمَسَاكِنِ، وَسَبْيِ النِّسَاءِ. وَوَصَلَ حَمَّادٌ إِلَى بَاجَةَ فَطَلَبَ أَهْلُهَا مِنْهُ الْأَمَانَ، فَأَمَّنَهُمْ، وَاطْمَأَنُّوا إِلَى عَهْدِهِ، فَدَخَلَهَا يَقْتُلُ وَيَنْهَبُ وَيَحْرِقُ وَيَأْخُذُ الْأَمْوَالَ. وَتَقَدَّمَ بَادِيسُ إِلَيْهِ بِعَسَاكِرِهِ، فَلَمَّا كَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سِتٍّ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَصَلَ حَمَّادٌ إِلَى مَدِينَةِ أَشِيرَ، وَهِيَ لَهُ، فِيهَا نَائِبُهُ، وَاسْمُهُ خَلَفٌ الْحِمْيَرِيُّ، فَمَنَعَهُ خَلَفٌ مِنْ دُخُولِهَا، وَصَارَ فِي طَاعَةِ بَادِيسَ، فَسَقَطَ فِي يَدِ حَمَّادٍ، فَإِنَّهَا هِيَ كَانَتْ مُعَوَّلَهُ لِحَصَانَتِهَا وَقُوَّتِهَا. وَوَصَلَ بَادِيسُ إِلَى مَدِينَةِ الْمَسِيلَةِ، وَلَقِيَهُ أَهْلُهَا، وَفَرِحُوا بِهِ، وَسَيَّرَ جَيْشًا إِلَى الْمَدِينَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا حَمَّادٌ، فَخَرَّبُوهَا إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَأْخُذُوا مَالَ أَحَدٍ، وَهَرَبَ إِلَى بَادِيسَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ جُنْدِ الْقَلْعَةِ الَّتِي لَهُ، وَفِيهَا أَخُوهُ إِبْرَاهِيمُ، فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ أَبْنَاءَهُمْ، وَذَبَحَهُمْ عَلَى صُدُورِ أُمَّهَاتِهِمْ، فَقِيلَ إِنَّهُ ذَبَحَ بِيَدِهِ مِنْهُمْ سِتِّينَ طِفْلًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْأَطْفَالِ قَتَلَ الْأُمَّهَاتِ. وَتَقَارَبَ بَادِيسُ وَحَمَّادٌ، وَالْتَقَوْا مُسْتَهَلَّ جُمَادَى الْأُولَى، وَاقْتَتَلُوا أَشَدَّ قِتَالٍ وَأَعْظَمَهُ، وَوَطَّنَ أَصْحَابُ بَادِيسَ أَنْفُسَهُمْ عَلَى الصَّبْرِ أَوِ الْمَوْتِ لِمَا كَانَ حَمَّادٌ يَفْعَلُهُ لِمَنْ يَظْفَرُ بِهِ، وَاخْتَلَطَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَكَثُرَ الْقَتْلُ، ثُمَّ انْهَزَمَ حَمَّادٌ وَعَسْكَرُهُ لَا يَلْوِي عَلَى شَيْءٍ، وَغَنِمَ عَسْكَرُ بَادِيسَ أَثْقَالَهُ وَأَمْوَالَهُ، وَفِي جُمْلَةِ مَا غَنِمَ مِنْهُ عَشَرَةُ آلَافِ دَرَقَةٍ مُخْتَارَةٍ لَمْطٍ، وَلَوْلَا اشْتِغَالُ الْعَسْكَرِ بِالنَّهْبِ لَأُخِذَ حَمَّادٌ أَسِيرًا. وَسَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَلْعَتِهِ تَاسِعَ جُمَادَى الْأُولَى، وَجَاءَ إِلَى مَدِينَةِ دَكْمَةَ، فَتَجَنَّى عَلَى أَهْلِهَا، فَوَضَعَ السَّيْفَ فِيهِمْ، فَقَتَلَ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ. فَخَرَجَ إِلَيْهِ فَقِيهٌ مِنْهَا وَقَالَ لَهُ: يَا حَمَّادُ إِذَا لَقِيتَ الْجُيُوشَ انْهَزَمْتَ، وَإِذَا قَاوَمَتْكَ الْجُمُوعُ فَرَرْتَ، وَإِنَّمَا قُدْرَتُكَ وَسُلْطَانُكَ عَلَى أَسِيرٍ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْكَ؛ فَقَتَلَهُ وَحَمَلَ جَمِيعَ مَا فِي الْمَدِينَةِ مِنْ طَعَامٍ وَمِلْحٍ وَذَخِيرَةٍ إِلَى الْقَلْعَةِ الَّتِي لَهُ. وَسَارَ بَادِيسُ خَلْفَهُ، وَعَزَمَ عَلَى الْمُقَامِ بِنَاحِيَتِهِ، وَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ، وَبَذَلَ الْأَمْوَالَ لِرِجَالِهِ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى حَمَّادٍ، وَأَنْكَرَ رِجَالَهُ، وَضَعُفَتْ نَفْسُهُ، وَتَفَرَّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ. ثُمَّ مَاتَ وِرِّوُ بْنُ سَعِيدٍ الزِّنَاتِيُّ الْمُتَغَلِّبُ عَلَى نَاحِيَةِ طَرَابُلُسَ، وَاخْتَلَفَتْ كَلِمَةُ زِنَاتَةَ، فَمَالَتْ فِرْقَةٌ مَعَ أَخِيهِ خَزَرُونَ، وَفِرْقَةٌ مَعَ ابْنِ وِرِّوٍ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ أَيْضًا عَلَى حَمَّادٍ، وَكَانَ يَطْمَعُ أَنَّ زِنَاتَةَ تَغْلِبُ عَلَى بَعْضِ الْبِلَادِ، فَيَضْطَرُّ بَادِيسُ إِلَى الْحَرَكَةِ إِلَيْهِمْ.

الأحكام بحسب قائلها

لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه

ترى خطأً في هذا النص أو حكمه؟ أخبرنا