التاريخ 3529
سنة تسع وستين ومائتين
انْتِقَالِ صَاحِبِ الزَّنْجِ إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ وَإِحْرَاقِ سُوقِهِ لَمَّا أُحْرِقَتْ دُورُهُ، وَمَسَاكِنُ أَصْحَابِهِ، وَنُهِبَتْ أَمْوَالُهُمْ، انْتَقَلُوا إِلَى الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ نَهْرِ أَبِي الْخَصِيبِ، وَجَمَعَ عِيَالَهُ حَوْلَهُ، وَنَقَلَ أَسْوَاقَهُ إِلَيْهِ، فَضَعُفَ أَمْرُهُ بِذَلِكَ ضَعْفًا شَدِيدًا ظَهَرَ لِلنَّاسِ، فَامْتَنَعُوا مِنْ جَلْبِ الْمِيرَةِ إِلَيْهِ، فَانْقَطَعَتْ عَنْهُ كُلُّ مَادَّةٍ، وَبَلَغَ الرِّطْلُ مِنْ خُبْزِ الْبُرِّ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَأَكَلُوا الشَّعِيرَ، وَأَصْنَافَ الْحُبُوبِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ بِهِمْ إِلَى أَنْ كَانَ أَحَدُهُمْ يَأْكُلُ صَاحِبَهُ إِذَا انْفَرَدَ بِهِ، وَالْقَوِيُّ يَأْكُلُ الضَّعِيفَ، ثُمَّ أَكَلُوا أَوْلَادَهُمْ. وَرَأَى الْمُوَفَّقُ أَنْ يُخَرِّبَ الْجَانِبَ الشَّرْقِيَّ كَمَا أَخْرَبَ الْغَرْبِيَّ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِقَصْدِ دَارِ الْهَمْدَانِيِّ، وَمَعَهُمُ الْفَعَلَةُ، وَكَانَ هَذَا الْمَوْضِعُ مُحَصَّنًا بِجَمْعٍ كَثِيرٍ، وَعَلَيْهِ عَرَّادَاتٌ، وَمَنْجَنِيقَاتٌ، وَقِسِيٌّ، فَاشْتَبَكَتِ الْحَرْبُ، وَكَثُرَتِ الْقَتْلَ?، فَانْتَصَرَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ عَلَيْهِمْ، وَقَتَلُوهُمْ وَهَزَمُوهُمْ، وَانْتَهَوْا إِلَى الدَّارِ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمُ الصُّعُودُ إِلَيْهَا لِعُلُوِّ سُورِهَا، فَلَمْ تَبْلُغْهُ السَّلَالِيمُ الطِّوَالُ، فَرَمَى بَعْضُ غِلْمَانِ الْمُوَفَّقِ بِكَلَالِيبَ كَانَتْ مَعَهُمْ، فَعَلَّقُوهَا فِي أَعْلَامِ الْخَبِيثِ، وَجَذَبُوهَا، فَتَسَاقَطَتِ الْأَعْلَامُ مَنْكُوسَةً، فَلَمْ يَشُكَّ الْمُقَاتِلَةُ عَنِ الدَّارِ فِي أَنَّ أَصْحَابَ الْمُوَفَّقِ قَدْ مَلَكُوهَا، فَانْهَزَمُوا لَا يَلْوِي أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى صَاحِبِهِ، فَأَخَذَهَا أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ، وَصَعِدَ النَّفَّاطُونَ وَأَحْرَقُوهَا وَمَا كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الْمَجَانِيقِ، وَالْعَرَّادَاتِ، وَنَهَبُوا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْمَتَاعِ، وَالْأَثَاثِ، وَأَحْرَقُوا مَا كَانَ حَوْلَهَا مِنَ الدُّورِ، وَاسْتَنْقَذُوا مَا كَانَ فِيهَا مِنَ النِّسَاءِ، وَكُنَّ عَالَمًا كَثِيرًا مِنَ الْمُسْلِمَاتِ، فَحُمِلْنَ إِلَى الْمُوَفَّقِيَّةِ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِنَّ. وَاسْتَأْمَنَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، وَخَاصَّتِهِ الَّذِينَ يَلُونَ خِدْمَتَهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ، فَأَمَّنَهُمُ الْمُوَفَّقُ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَدَلَّتْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُسْتَأْمِنَةِ الْمُوَفَّقَ عَلَى سُوقٍ عَظِيمَةٍ كَانَتْ لِلْخَبِيثِ مُتَّصِلَةٍ بِالْجِسْرِ الْأَوَّلِ، تُسَمَّى الْمُبَارَكَةَ، وَأَعْلَمُوهُ إِنْ أَحْرَقَهَا لَمْ يَبْقَ سُوقٌ غَيْرُهَا، وَخَرَجَ عَنْهُمْ تُجَّارُهُمِ الَّذِينَ كَانَ بِهِمْ قُوَامُهُمْ، فَعَزَمَ الْمُوَفَّقُ عَلَى إِحْرَاقِهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِقَصْدِ السُّوقِ مِنْ جَانِبَيْهَا، فَقَصَدُوهَا، وَأَقْبَلَتِ الزَّنْجُ إِلَيْهِمْ، فَتَحَارَبُوا أَشَدَّ حَرْبٍ تَكُونُ، وَاتَّصَلَتْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ إِلَى طَرَفٍ مِنْ أَطْرَافِ السُّوقِ وَأَلْقَوْا فِيهِ النَّارَ فَاحْتَرَقَ وَاتَّصَلَتِ النَّارُ. وَكَانَ النَّاسُ يَقْتَتِلُونَ، وَالنَّارُ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، ( وَاتَّصَلَتِ النَّارُ بِظِلَالِ السُّوقِ فَاحْتَرَقَتْ ) وَسَقَطَتْ عَلَى الْمُقَاتِلَةِ، وَاحْتَرَقَ بَعْضُهُمْ، فَكَانَتْ هَذِهِ حَالُهُمْ إِلَى مَغِيبِ الشَّمْسِ، ثُمَّ تَحَاجَزُوا، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَانْتَقَلَ تُجَّارُ السُّوقِ إِلَى أَعْلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا قَدْ نَقَلُوا مُعْظَمَ أَمْتِعَتِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مِنْ هَذِهِ السُّوقِ خَوْفًا مِنْ مِثْلِ هَذِهِ. ثُمَّ إِنَّ الْخَبِيثَ فَعَلَ بِالْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ حَفْرِ الْخَنَادِقِ، وَتَغْوِيرِ الطُّرُقِ مِثْلَ مَا فَعَلَ بِالْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ، بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ، وَاحْتَفَرَ خَنْدَقًا عَرِيضًا حَصَّنَ بِهِ مَنَازِلَ أَصْحَابِهِ الَّتِي عَلَى النَّهْرِ الْغَرْبِيِّ، فَرَأَى الْمُوَفَّقُ أَنْ يُخَرِّبَ بَاقِيَ السُّورِ إِلَى النَّهْرِ الْغَرْبِيِّ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ حَرْبٍ طَوِيلَةٍ فِي مُدَّةٍ بَعِيدَةٍ. وَكَانَ لِلْخَبِيثِ فِي الْجَانِبِ الْغَرْبِيِّ جَمْعٌ مِنَ الزَّنْجِ قَدْ تَحَصَّنُوا بِالسُّورِ وَهُوَ مَنِيعٌ، وَهُمْ أَشْجَعُ أَصْحَابِهِ، فَكَانُوا يُحَامُونَ عَنْهُ، وَكَانُوا يَخْرُجُونَ عَلَى أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، عِنْدَ مُحَارَبَتِهِمْ، عَلَى حِرَى كُورٍ وَمَا يَلِيهِ، وَأَمَرَ الْمُوَفَّقُ أَنْ يُقْصَدَ هَذَا الْمَوْضِعُ، وَيُخَرَّبَ سُورُهُ، وَيُخْرَجَ مَنْ فِيهِ، فَأَمَرَ أَبَا الْعَبَّاسِ، وَالْقُوَّادَ بِالتَّأَهُّبِ لِذَلِكَ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ، وَأَمَرَ بِالشَّذَا أَنْ تُقَرَّبَ مِنَ السُّورِ، وَنَشِبَتِ الْحَرْبُ، وَدَامَتْ إِلَى بَعْدِ الظُّهْرِ، وَهَدَمَ مَوَاضِعَ، وَأَحْرَقَ مَا كَانَ عَلَيْهَا مِنَ الْعَرَّادَاتِ، وَتَحَاجَزَ الْفَرِيقَانِ، وَهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، سِوَى هَدْمِ السُّورِ، وَإِحْرَاقِ عَرَّادَاتٍ كَانَتْ عَلَيْهِ، فَنَالَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْجِرَاحِ أَمْرٌ عَظِيمٌ. وَعَادَ الْمُوَفَّقُ، فَوَصَلَ أَهْلَ الْبَلَاءِ وَالْمَجْرُوحِينَ عَلَى قَدْرِ بَلَائِهِمْ، وَهَكَذَا كَانَ عَمَلُهُ فِي مُحَارَبَتِهِ، وَأَقَامَ الْمُوَفَّقُ بَعْدَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ أَيَّامًا، ثُمَّ رَأَى مُعَاوَدَةَ هَذَا الْمَوْضِعِ لَمَّا رَأَى مِنْ حَصَانَتِهِ وَشَجَاعَةِ مَنْ فِيهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ حِرَى كُورٍ إِلَّا بَعْدَ إِزَالَةِ هَؤُلَاءِ، فَأَعَدَّ الْآلَاتِ، وَرَتَّبَ أَصْحَابَهُ، وَقَصَدَهُ، وَقَاتَلَ مَنْ فِيهِ، وَأُدْخِلَتِ الشَّذَوَاتُ النَّهْرَ، وَاشْتَدَّتِ الْحَرْبُ وَدَامَتْ. وَأَمَدَّ الْخَبِيثُ أَصْحَابَهُ بِالْمُهَلَّبِيِّ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ جَامِعٍ فِي جَيْشِهِمَا، فَحَمَلُوا عَلَى أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِسُفُنِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ جَمَاعَةً، فَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ وَلَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ مَا أَرَادَ، وَتَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَاتِلَهُمْ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ لِتَخِفَّ وَطْأَتُهُمْ عَلَى مَنْ يَقْصِدُ هَذَا الْمَوْضِعَ، فَفَعَلَ ذَلِكَ، وَفَرَّقَ أَصْحَابَهُ عَلَى جِهَاتِ أَصْحَابِ الْخَبِيثِ، وَسَارَ هُوَ إِلَى جِهَةِ النَّهْرِ الْغَرْبِيِّ، وَقَاتَلَ مَنْ فِيهِ. وَطَمِعَ الزَّنْجُ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تِلْكَ الْوَقْعَةِ، فَصَدَقَهُمْ أَصْحَابُ الْمُوَفَّقِ الْقِتَالَ، فَهَزَمُوهُمْ، فَوَلَّوْا مُنْهَزِمِينَ، وَتَرَكُوا حِصْنَهُمْ فِي أَيْدِي أَصْحَابِ الْمُوَفَّقِ، فَهَدَمُوهُ، وَغَنِمُوا مَا فِيهِ، وَأَسَرُوا، وَقَتَلُوا خَلْقًا لَا يُحْصَى، وَخَلَّصُوا مِنْ هَذَا الْحِصْنِ خَلْقًا كَثِيرًا مِنَ النِّسَاءِ، وَالصِّبْيَانِ، وَرَجَعَ الْمُوَفَّقُ إِلَى عَسْكَرِهِ بِمَا أَرَادَ.
الأحكام بحسب قائلها
لا يوجد حكم مسجّل لهذا اللفظ. اسأل عن حكم العلماء عليه